القائمة الرئيسية

كتاب رشدي راشد مدخل إلى فكره وأعماله (2-6)

كتاب رشدي راشد مدخل إلى فكره وأعماله (2-6)
ملخص الكتاب

ملخص: يتحدث الفصل الثاني عن تصور راشد للكتابة التاريخية للعلوم، مركزًا على رفض فكرة القطيعة الجذرية في تاريخ العلم واستبدالها بمفهوم استمرارية ""التقاليد المفهومية"". يوضح راشد أن الابتكارات العلمية لا تنشأ في فراغ، بل تكون جزءًا من تقاليد علمية تندمج وتتلاقى عبر الزمن والثقافات. يُبرز راشد أهمية دراسة الأعمال العلمية في سياقها التاريخي الكامل، من أسلافها إلى تأثيرها اللاحق، مشددًا على ضرورة التعامل مع نصوص العلم العربي من منظور شامل يعيد بناء التقاليد المحيطة بها. كما ينتقد السرديات التقليدية التي تعتبر الثورة العلمية الأوروبية في القرن السابع عشر بداية مفاجئة للعلم الحديث، مؤكدًا على تداخل الإسهامات العلمية من الحضارات الأخرى، خاصة من العالم الإسلامي، في تطور العلوم الأوروبية.

كتابة تاريخ العلوم إشكالياته ومنهجيته

إن ما كتبه راشد في الإشكاليات النظرية والمنهجية لكتابة تاريخ العلوم، مقارنة بإنتاجه التاريخي الضخم الذي سنناقشه في الفصول التالية، يمثل مجموعة متواضعة من الناحية الكمية. وكان يمكن أن يكون هذا الأمر طبيعيا تماما لو كان قام بذلك بوصفه مؤرخا بشكل صريح وصارم، قد يختزل التاريخ عنده في نهاية المطاف في جرد ""الوقائع"" مرتبة ترتيبا زمنيا، أو لو صدر ذلك عن شخص قد لا يهتم إلا "" بالتاريخ - الرواية عن العلماء ووقائعهم ..."" (4 .Epistemologie 2 ..... p) أو إذا نسينا أن راشد مؤرخ زاول تكوينه الأول في الفلسفة، وفي الرياضيات أيضا، وتتلمذ في تاريخ العلوم على يد كانغيلام الذي كان تاريخ العلوم وفلسفتها عنده لا ينفصلان. ولأجل ذلك، كنا نتوقع منه أن يتحدث عن المشاكل النظرية والمنهجية والفلسفية لمهنته، وهي تاريخ العلوم.

وقد صادفه في الواقع أن قام بذلك، ولكن بطريقة غير ممنهجة، بل وغير مباشرة. إذ يتوقع المرء أن يحدثنا المؤرخ في المقام الأول عن الإشكاليات العامة في كتابة التاريخ، ثم يطرح في مرحلة ثانية منهجيته الخاصة. غير أن المؤرخين عموما لا يتحدثون إلا قليلا عما يفعلون، وغالبًا ما يكون الفلاسفة هم الذين يتحدثون بالنيابة عنهم، وأحيانًا على حساب تشويه عملهم، في الكتابات المكرسة الفلسفة التاريخ ولا يمثل راشد استثناء. ولهذا السبب يجب استخلاص كنه منهجيته انطلاقا من انتاجه في التاريخ، وهذا ما سنحاول القيام به، من بين أمور أخرى، في هذا الفصل.

أما بالنسبة إلى الإشكاليات العامة في كتابة تاريخ العلوم، سواء أكان ذلك في تاريخ العلوم عامة أم في تاريخ العلوم العربية، فإن المقالات التي خصصها لها راشد كانت على درجة كبيرة من الأهمية، ومن الزخم أيضا. ومن أهم هذه المقالات في رأينا مقالة بعنوان ""فكرة العلم الغربي"". (.... Notion) ، وأخرى بعنوان ""تاريخ العلوم بين الإبستيمولوجيا والتاريخ "" (...Epistemologie) .

يثير مقال ""فكرة العلم الغربي"" بالخصوص وضع كتابة تاريخ العلم العربي وما يسوده من سوء فهم ، ولكن من زاوية مخصوصة، ولا يتطرق إلا بشكل غير مباشر إلى المشاكل العامة التي تثيرها كتابة تاريخ العلم.

والمقالان يكمل أحدهما الثاني وكلاهما يلقي الضوء، فضلا عن ذلك، على منهجية راشد نفسه. وتساعدنا دراسة هاتين المقالتين مع ما كتبه راشد في مواضع أخرى، في جمع عناصر التفكير المتضمنة في أعماله، من أجل بناء فكرة عن تصوره لكتابة تاريخ العلوم عموما والعلم العربي بالخصوص.

تاريخ العلوم: هل هو اختصاص معرفي"" في خطر ؟

لنبدأ إذن بمقال تاريخ العلوم بين الإبستيمولوجيا والتاريخ"" الذي يتحدث فيه راشد عن كتابة تاريخ العلوم تاريخها، وحالتها الراهنة والمخاطر التي تحدق بمؤرخ العلوم والآفاق التي تفتح أمام هذا التخصص. 

تتضح راهنية هذا المقال إذا أخذنا في الاعتبار الظروف الفكرية التي بدأ فيها راشد عمله بصفته مؤرخا، والتي لم تتغير كثيرا خلال مسيرته المهنية. وتكاد هذه الظروف لا تختلف اليوم كما تشهد عليه الملاحظات التي أدلى بها مؤرخ آخر من مؤرخي العلوم وهو تشارلز كولستون جيليسبي الشهير (Charles Coulston Gillispie) .

ففي خطابه الافتتاحي الذي ألقاه في المؤتمر الدولي العشرين لتاريخ العلوم الذي عقد في لياج من 20 إلى 26 يوليو 1997 ، تحدث جيليسبي، رئيس تحرير ""معجم السير العلمية"" (Dictionary of Scientific Biography)  الضخم الذي نشر من عام 1970 إلى عام 1980، عن الظروف التي ظهر فيها هذا العمل. وقال إن صدور هذا الكتاب قد جاء في منعرج تشهده كتابة تاريخ العلوم. ولم يسهب جيليسبي كثيرا في الحديث عن خصائص هذا المنعرج، لكن فحوى حديثه كان يوحي بأن فترة من فترات كتابة تاريخ العلوم كانت في رأيه، قد شارفت على النهاية في ذلك الوقت لتفسح المجال أمام فترة أخرى بدأت للتو. والأمر يجري كما لو أن هذا العمل، وهو ""معجم السير العلمية""، كان نوعا من جرد لأعمال أنجزت في تلك الفترة التي ولت وأعدت ليستعملها الخلف، كما لو أن مثل هذا العمل لا يمكن أن يتكرر في المستقبل. 

ويبدأ مقال راشد بنبرة مشابهة. فيستهله بما يلي: 

""لم يكن تاريخ العلوم بجميع أشكاله وفي كل تخصصاته، بهذا القدر من الازدهار مثلما هو عليه طوال القرن العشرين، وخاصة في غضون النصف الثاني منه. وهذا الازدهار مشهود في كل مكان"" (Épistemologie 2 ...p. 3)

وتلي هذه الملاحظة قائمة مشتتة في إسهامات تاريخ العلوم في النصف الثاني من القرن الماضي، تشمل إنشاء مؤسسات جديدة ومراكز بحثية وكذلك إطلاق مجموعات جديدة من المنشورات العلمية. غير أن هذا الزخم في المكتسبات قد صاحبه، في نظر راشد انطباع بالتشتت المستمر والمتزايد ، ونتيجة لذلك ""تتقدم مهنة مؤرخ العلوم بشكل أسرع من تقدم الاختصاص نفسه"" والكلمات التي يستخدمها راشد ههنا شديدة اللهجة: إن الأمر يتعلق بتشتت مستمر ومتزايد، على الرغم من كل المكتسبات الإيجابية التي سبق أن عددها. وهكذا، فإن الملاحظات المتفائلة التي يبدأ بها راشد مقاله تقودنا بلا شك إلى نقد، في غاية الدقة، لوضع تاريخ العلوم خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين وهو نقد يمكن تلخيصه في جملة واحدة: إن تاريخ العلوم هو مجال نشاط وليس اختصاصا معرفيا، لأنه يفتقر في الواقع إلى مبدأ موحد يمكن أن يمنحه القدرة والوسائل الكفيلة بتمييزه عن طريق الاستبعاد (Épistemologie 2 ...p.5).

تتواتر كلمتا ""اختصاص معرفي"" و ""مجال نشاط"" مرات عديدة في هذا المقال لتسليط الضوء على تمييز جوهري بينهما. فلا يتسم الاختصاص المعرفي في رأي راشد، بقدرته على الاستيعاب وعلى أن يدمج في صلبه عناصر مختلفة ومتنوعة ظاهريا فحسب، وإنما كذلك بقدرته على الاستبعاد. وبهذا الاعتبار فالاختصاص المعرفي أشبه ما يكون بالتعريف: فالتعريف لا يعتبر جيدا لأنه يمكن أن يشمل كل ما يندرج ضمنه، وإنما أيضًا لأنه يمكن أن يستبعد كل ما لا ينتمي إليه. 

ولكي نعبر عن ذلك بشكل أكثر حدة نقول إن المرء لا يمكنه أن يقول أي شيء وكل شيء عندما يدعي الحديث عن الفيزياء حتى لو كان ما يقوله صحيحًا. والسؤال الذي يطرحه راشد هو: هل يمكن قول الشيء نفسه عن تاريخ العلوم ؟ يبدو لنا أنه يجيب بالنفي. فهو يخلص إلى القول إن تاريخ العلوم هو "" قسم محدد بوسم ما، وليس اختصاصا معرفيًا يتميز بتعريف إجرائي (Épistemologie 2 ....p.5)

تشير الأمثلة التي يضربها راشد لاحقا بخصوص أنشطة مؤرخي العلوم في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين إلى أنه كان بإمكان تاريخ العلوم أن يصبح اختصاصا معرفيا بالمعنى الحقيقي للكلمة، ولا يزال بإمكانه ذلك اليوم، إذا ما تفكر مليا في وضعه، وإذا ما استطاع السيطرة على الاتجاهات التي هي أصل هذا ""التشتت المستمر"". 

يقترح راشد حلا لهذا الوضع غير المقبول، أي علاجا لهذا المرض الذي أصاب تاريخ العلم قلبا وقالبا، وذلك من خلال إدخال تمييز في بعض المفاهيم وتوضيحها. فبالإضافة إلى ثنائية مجال نشاط / اختصاص معرفي"" التي لا تعدو أن تكون مجرد وصف للوضع وإثارة للإشكالية، نجده يتحدث عن  ثنائية ""التقليد المفهومي / التقليد الموضوعي ، ونجد أخيرًا ، ثنائية التاريخ الاجتماعي للعلوم / تاريخ العلوم في حد ذاته"".

وما يقترحه راشد في نهاية هذا المقال يكمن في القول إن تاريخ العلوم لا يمكن أن يصبح اختصاصا معرفيا ما لم يكن التاريخ الاجتماعي للعلوم وتاريخ العلوم في حد ذاته قادرين على تحديد مجال كل منهما تحديدا صارما حتى لا يتجاوز أي منهما الحدود الموضوعة له.

هل يتعلق الأمر بموقف يتخذه راشد في الجدل القديم الدائر بين أنصار التاريخ الداخلي وأنصار التاريخ الخارجي للعلوم ؟ تبدو لنا الإجابة بالنفي. والسبب هو أن التاريخ الخارجي للعلوم نشأ، مثلما يوضح ذلك راشد في وقت كان فيه أمرًا شائعا تحقيق النصوص وتحليلها، وكذلك الربط بين النظريات العلمية المختلفة - وهو ما نسميه التاريخ الداخلي للعلوم، عموما، وما نفضل أن نسميه تاريخ العلوم في حد ذاته .

وفي ظل هذه الظروف على وجه التحديد تدخل بعض المؤرخين وعلماء الاجتماع، من ذوي الميول الفيبرية أو الماركسية على حد تعبير راشد، لإعطاء تاريخ العلم ""البعد الاجتماعي الذي كان يفتقر إليه، وذلك بالعودة إلى المؤسسات أو إلى الظروف الاجتماعية"". لذلك لم ينظر المؤرخون الاجتماعيون للعلوم ومؤرخو العلوم في حد ذاتها - ونعني بهؤلاء من عملوا على النصوص أو الأدوات من أجل كشف المعنى والبنية المتوارية أحيانًا خلف لغة أو تقنية تنتمي إلى عصر آخر  إلى أنفسهم على أنهم متنافسون. بل كان ينظر إلى هذين النوعين من النشاط في نظر أولئك الذين مارسوهما على أنهما متكاملان. فالغالبية العظمى من المؤرخين الخارجيين، سواء أكانوا علماء اجتماع أم مؤرخين أم فلاسفة، لم يدعوا أنهم قادرون من خلال بحوثهم على تفسير محتوى العلوم أو التغيرات التي طرأت عليها. وبما أنهم لم يدعوا أنهم معنيون بمحتوى النظريات العلمية، اقتصر عملهم، كما يقول راشد في موضع آخر على تحديد ""ظروف الإمكان""، أي الظروف الاجتماعية أو الفكرية التي جعلت من هذا النشاط العلمي أو ذاك نشاطا علميا ممكنا دون تحديد محتواه.

ومن ثم، فإن عدم ارتياح راشد للوضع الحالي الذي يشهده تاريخ العلوم، مثله مثل عدم الارتياح الذي يمكن أن نستشفه من خطاب جيليسبي، كانت له أسباب أخرى. إنه وضع جديد نشأ ليس بسبب ضرورة داخلية للبحث في تاريخ العلوم، وإنما نتيجة للاستيراد المتتالي لرؤى العلوم الاجتماعية ومناهجها وللأنماط المتتالية التي ظهرت فيها"" (Épistemologie 1...p. 2)

سنذكر من بين هذه الأنماط نمطا واحدا كان له تأثير مفرط في مصير كتابة تاريخ العلوم في العقود الأخيرة. يتعلق الأمر بتنامي الدراسات السوسيولوجية (الاجتماعية) في كتابة تاريخ العلوم، وهي دراسات شرعت تحت تأثير مدرسة أدنبرة و ""برنامجها القوي"" بالخصوص في تفسير كل حدث علمي بإرجاعه إلى وسطه الاجتماعي المباشر. صدر ""إنجيل"" هذه المدرسة عام 1976 في كتاب بعنوان المعرفة والتصوير الاجتماعي (Knowledge and Social Imagery) أعلن فيه مؤلفه ديفيد بلور (David Bloor) هذا البرنامج). إن ""النسبوية"" التي كانت تسير جنبًا إلى جنب مع هذا البرنامج تطلبت من المؤرخ، بل ومن عالم الاجتماع وفيلسوف العلم أيضا التخلي الفوري عن أي فكرة عن خصوصية العلم والتعامل معه على قدم المساواة مع أي نشاط اجتماعي آخر. ومن هنا جاء هذا الزخم الهائل من البحوث التي سلكت اتجاهات عديدة، ومن هنا جاءت إزالة الحواجز التي كانت تحد في ما مضى نطاق نشاط مؤرخ العلوم، ومن هنا أيضا جاء هذا التشتت المستمر"" الذي يمكن ملاحظته بالرجوع إلى عدد من أعداد أية مجلة في تاريخ العلوم.

والحال أن تصورا للعلم من هذا القبيل هو في تعارض تام مع تصور راشد الذي يعتبر العلم إحدى أهم تجليات العقلانية الإنسانية، ومنه تستمد سماتها الخاصة. والأكثر من ذلك، ومع هيمنة النزعة السوسيولوجية قد يواجه تاريخ العلوم خطر أن يفقد علة وجوده؛ لأننا إذا ما اختزلنا النشاط العلمي في الوسط الاجتماعي الذي ينشأ فيه ويُمارس، فإن المفهوم الأحادي للعلم سيتضاعف في تناسب مع عدد المجتمعات و أنماط حياتها"" و""ألعابها اللغوية"". بل لن يكون في إمكان مؤرخ العلوم، في ظل هذه الظروف، أن يحدد موضوع بحثه. إذ لماذا سنتحدث عن تاريخ ""العلم"" وليس عن شيء آخر، لو لم يكن هناك نوع من الوحدة والاستمرارية في هذا النشاط عبر القرون، وفي مجتمعات مختلفة اختلافا جوهريا ؟ في الواقع، إن هذه الوحدة هي وحدها التي تمكننا من مقارنة الأعمال المنتجة في سياقات اجتماعية مختلفة.

وتؤكد أطروحة ""الانغلاق الابستيمولوجي "" التي بسطها راشد في موضع آخر وهو يتناول حالة الجبر، استقلالية محتوى النظريات العلمية عن وسطها الاجتماعي :

""انطلاقا من عتبة معينة من مرحلة معينة من مراحل تطور العلوم تتولد مبرهنة (theoreme) في الجبر، ولا تتولد إلا من خلال سلسلة من المبرهنات الأخرى التي كانت موجودة من قبل، ولا توجد أسباب خارجية لذلك (Entre..., p. 67).

ومع ذلك، هذا لا يعني أنه يمكن اختزال عمل علمي في سلسلة من الأفكار وفي ما يمكن استنتاجه منها منطقيًا. ذلك أن العمل العلمي، وهنا يأتي فارق أساسي آخر

""بما هو جزء من تقليد ""موضوعي""، هو نتاج مادي وثقافي، نتاج أشخاص في مكان ما وزمان ما. ومن مهمة المؤرخ ... أن يبحث في الظروف الاجتماعية والمادية لهذا الإنتاج. غير أن هذا العمل يتطلب كذلك، بما هو جزء من التقليد المفهومي، تحليلا مفهوميًا من شأنه أن يبرز معناه الذي سيمكننا من تحديد مفهوم التقليد ذاته (Épistemologie 1 .....p.4-5)

وبعبارة أخرى، حتى لو كانت حقيقة علمية، مبرهنة جبرية على سبيل المثال أنتجتها، سلسلة من المبرهنات الأخرى التي كانت موجودة من قبل ولم تنتجها سواها""، فإنه يظل بإمكاننا أن نسأل بشكل مشروع لماذا أنتجت في زمان معين، وفي مكان جغرافي معين، وفي سياق فكري معين، وليس في زمان آخر ومكان آخر وفي ظروف فكرية مختلفة. إذا كان من المشروع طرح مثل هذه الأسئلة ومحاولة الإجابة عنها، فذلك لأن النشاط العلمي يحتاج دائما إلى سند مادي. وحتى علماء الرياضيات، أولئك الذين لا يحتاجون اللجوء إلى التجربة للتحقق من نتائج بحوثهم يعملون في وسط معين، ويحتاجون كتبا، وما إلى ذلك. وهم يحتاجون، فضلا عن ذلك، إلى اختصاصات أخرى تزودهم بمشاكل جديدة وأحيانًا بمناهج جديدة. وكل ذلك يمثل جزءا من المناخ العام الذي يتطور فيه علم ما. ومع ذلك، فإن كل هذه العناصر ""الخارجية"" ، مهما تكن أصولها، بمجرد اندماجها في علم يمتلك وسائل التحكم الخاصة به ستشكل جزءًا من تقليد مفهومي"" وستخضع إلى ""نظام من التطور"" خاص بهذا التقليد. 

تفسر لنا هذه الأطروحة على الأقل جزئيًا، ما يعنيه راشد بمصطلحي ""التقليد المفهومي"" و""التقليد الموضوعي فالأول يضمن استقلالية العلم عن وسطه الاجتماعي المباشر، بينما يشير الثاني إلى ارتباطه بهذا الوسط:

""يبدو أن هذين المصطلحين ""التقليد الموضوعي"" - الذي يُعد التقليد النصي جزءًا منه - و ""التقليد المفهومي، يعبران تعبيرا ملموسا عن مسألة مكانة تاريخ العلوم بين التاريخ الاجتماعي والإبستيمولوجيا"". (Épistemologie 1...p. 4)

ويسلط راشد الضوء أيضا على مفهوم النظرية غير المهيأة وسماتها المميزة. فما يميز مثل هذه النظرية عن النظرية العلمية ليس أنها قد تتعلق مباشرة بالمعطيات المباشرة للتجربة. لأن بعض النظريات غير المهيأة، كما يقول راشد مثل الفيزياء الأرسطية، بعيدًا عن كونها تعميمات للتجربة اليومية، تنطوي على كيانات نظرية متطورة للغاية. ويبدو أن ما يسم النظريات غير المهيأة، ويميزها عن النظريات العلمية، هو غياب نوع من التحكم التجريبي أو البرهاني. ولهذا السبب، لا يمكن لمثل هذه النظرية أن تحيد المؤثرات الخارجية ولا أن تتطوّر، بالتالي، وفقًا لنظامها الذاتي.

هل العلم غربي؟

ومن بين كتابات راشد الأخرى التي تعالج المشاكل النظرية لكتابة تاريخ العلم والتي توفر علاوة على ذلك حلقة الوصل بين تصوّره لكتابة تاريخ العلوم بشكل عام والعلم العربي بشكل خاص، مقال بعنوان ""فكرة العلم الغربي "" الذي ظهر أول مرة عام 1978 في مؤلّف مشترك، ثم ظهر عام 1984 ملحقا لكتاب ""بين الحساب والجبر"". ولكن على الرغم من أهميته، فإن هذا النص قد واجه مصيرا يميل راشد نفسه إلى استهجانه:

لو كانت هناك ردود فعل مثيرة للجدل على نصي، لكنت سعدت بذلك لكنه في الواقع لم يُثر أي نقاش، بل على العكس، كان رد الفعل الصمت الغاضب، يعني الرفض (Entretien ..., p. XXIV)

وعلى الرغم من أن هذا المقال يتطرق إلى مسألة جوهرية، ويجيب عنها بطريقة غير مألوفة، إلا أنه لم يُثر أي نقاش عام، خاصة من جانب الفلاسفة والمؤرخين الذين كان المقال موجها إليهم وكانوا هدفًا ضمنيًا لنقد الكاتب. وكان من المتوقع لهذا المقال في نهاية المطاف، وقد تزامن نشره مع صدور كتاب ""الاستشراق"" (L'Orientalisme) لإدوارد سعيد في العام نفسه - 1978 - الذي تناول في سياق مختلف بعض الإشكاليات التي نوقشت في المقال نفسه، أن يجد الاستقبال الذي هو جدير به، على الأقل في النقاش حول الاستشراق. لكن ذلك لم يحدث. ويمكن أن ترجع هذا التجاهل إلى عدة أسباب. 

بداية، لقد تزامن نشر هذا المقال مع ازدهار شهدته الدراسات الأنثروبولوجية (علم الإنسان في مجال كتابة تاريخ العلوم، مستلهمة برنامج مدرسة أدنبرة الذي سبق ذكره. ويمكن أن نعتبر أن ما أوصت به هذه المدرسة مؤرخي العلوم هو تعميم للمنهج الذي سبق أن استخدمه المستشرقون في دراسة العلم في المجتمعات غير الغربية يعني ذلك أنه إذا كان ""النشاط العلمي خارج أوروبا"" يمثل بالنسبة إلى المستشرقين ""موضوع دراسة إثنوغرافية الدراسة المنهجية للناس والثقافات معينة للعلم"" (302 .Notion.... p) ، فإنّ العلم ذاته الذي يوصف بالحديث - ويجب أن نضيف يوصف بالأوروبي - لم يعد مع هذا المنعرج الأنثروبولوجي النزعة، معفيا من مقاربة إثنوغرافية من حيث المبدأ. 

ثم إن كتاب إدوارد سعيد كان جزءًا من حركة فوكوية، وبالتالي كان يشترك في عدد كبير من افتراضاتها المسبقة التي تتعارض مع نقطة انطلاق خطاب راشد في هذا المقال، وهي كونية العلم (L'universalité de la science)

فمنذ البداية، يقدم راشد الأطروحة التي سينتقدها بعد أن عرض تاریخها :

""إن العلم الكلاسيكي علم أوروبي، وتعود أصوله مباشرة إلى العلم والفلسفة اليونانية (Notion..., p. 301)

إن ما سمح لراشد بأن يصوغ هذه الأطروحة بشكل قطعي ودون تحفظ إنما هما السمتان اللتان تميزانها كونيتها ودوامها. فهي مشتركة بين الجميع - فلاسفة ومؤرخين على حد سواء - وقد نجت في مجملها من كل صراعات التأويل التي كانت مع ذلك كثيرة على مدى القرنين الماضيين.

وغالبا ما نأسف لكون التحقيب الزمني الذي عرفه التاريخ السياسي يميل إلى إعادة إنتاج التقسيم الثلاثي للتاريخ الأوروبي - إلى العصور القديمة (اليونانية الرومانية والعصر الوسيط والعصر الحديث - ولكن عادة ما ننسى أن هذا التحقيب الزمني المدرسي يمتد أيضًا إلى التاريخ الفكري. ويدرك المرء بذلك أن الفترة التي ازدهرت فيها العلوم والفلسفة اليونانية قد عقبها انحطاط دام عشرة قرون تقريبا، إلى أن شهد عصر النهضة عودة إلى المصادر الأصلية للحضارة الأوروبية. ومن هذا المنظور، فإن العلم الكلاسيكي هو مجرد استئناف المسيرة قطعتها قرون من الانحطاط "" ؛ كما لو أن تاريخ العلم قد حدث بالكامل في أوروبا، دون أن يكون لبقية أجزاء العالم الأخرى أي دور فيه. فعلى الرغم إذن من كل الجدل الدائر حول كتابة تاريخ العلوم، نجد التمثل نفسه ففي حداثته كما في تاريخيته، يظهر العلم الكلاسيكي في نهاية المطاف بوصفه عمل الإنسانية الأوروبية وحدها. وعلاوة على ذلك، إن هذا العلم هو ما به تعرف هذه الإنسانية بشكل جوهري. (Notion ..., p. 302)

ينقسم مقال ""فكرة العلم الغربي"" إلى قسمين. يقدم الأول منهما عرضا تاريخيا لنشأة هذه الفكرة والتحولات التي عرفتها على مدى القرنين الماضيين. ويبين القسم الثاني، من خلال أمثلة مستقاة من تاريخ الجبر والمناظر ، كيف تناقض هذه الفكرة وقائع تاريخ العلم. 

وبالاقتصار على فرنسا، يكشف راشد آثار هذه الفكرة في القرن السابع عشر في الصراع بين القدامى والمحدثين. ومع ذلك، وعلى الرغم من أن تفوق المحدثين أمر لا جدال فيه بالنسبة إلى مفكرين مثل باسكال (Pascal) ومالبرانش (Malebranche) فهذا التفوق لا علاقة له بالجغرافيا ولا باللغة ولا بالعرق. ففي مسار اكتشاف الحقيقة استرشد المحدثون بنور العقل وسلكوا الطريق السوي، بينما كان القدامى، سواء أكانوا أوروبيين أم غير أوروبيين، يتخبطون في الظلمات. وفي هذا السياق، حتى عبارة ""الحكمة الشرقية"" التي وردت في ""الرسائل الفارسية"" (Lettres persannes) لمونتسكيو (Montesquieu) لم تكن تحدد في مقابل ما يُسمى بـ "" الحكمة الغربية"" التي تعود إلى اليونان القديمة والتي تواصلت عبر القرون. بل على العكس من ذلك، فقد كانت تشير إلى مجموعة من التخمينات العقيمة، خاصة فيما يتعلق بالأشياء الطبيعية، وكانت بالتالي، كما يقول راشد على النقيض تماما من ""الفلسفة الطبيعية للغرب ما بعد النيوتني. (302 .Notion.... p)

ومع ظهور فكرة التقدم عند مفكري التنوير، أصبحت فكرة العلم الأوروبي أكثر دقة، أي أصبحت عنصرا من عناصر اللوحة التي رسمها هؤلاء المفكرون عن تقدم الفكر البشري. فبالنسبة إلى مفكرين مثل كوندورسيه (Condorcet) ، إن العلم الكلاسيكي هو علم أوروبي وغربي فقط من جهة أنه يمثل مرحلة من مراحل التعاقب المستمر والموحد الفردية واحدة بعينها: هي الإنسانية "" و من ثم، ""سيكون من العبث بالنسبة إلى واحد مثل فونتنال (Fontenelle) أو دالمبار (D'Alembert) أو كوندورسيه .... أن نقرأ في العلم والفلسفة اليونانية وحدهما أصول العلم الكلاسيكي الذي لا تشير صفته الأوروبية إلى أي أنثروبولوجيا كانت"" (304 .Notion .... p)

سيقدم هذا البعد الأنثروبولوجي تياران يتعارضان ويكمل بعضهما بعضا في أن واحد أولا، صعود تيار الاستشراق في مطلع القرن التاسع عشر الذي ""لا يتعارض الشرق والغرب بالنسبة إليه تعارض أماكن جغرافية، وإنما تعارض كيانات موضوعية ""تاريخية"" (305 .Notion .... p). وقد أكد هذا التعارض بين هذين الكيانين أيضا تيار فكري آخر كان يرى في ""الشرق"" كل القيم الروحية التي فقدها الغرب بسبب هيمنة العقلانية. ومن هذه الزاوية، كان الشرق يمثل كل ما ليس غربيا، وكان شعار ""العودة إلى ""الشرق"" الذي يظهر على لسان مفكرين مثل جوزيف دي ماتر (Joseph De Maistre)، وهو فيلسوف الاستعادة للحكم الملكي""، يتحدد بما ينفيه أكثر مما يؤكده : فقد كان رد فعل ضد العِلم، وبشكل أعم ضد العقلانية"" لذلك كان العلم أوروبيًا لأنه كان عنصرا مكونا لتلك العقلانية المشؤومة المرتبطة بعصر التنوير والثورة الفرنسية.

وإلى حد ذلك الوقت، ظلت فكرة العلم الأوروبي تفتقر إلى سند علمي، وكما ذكرنا للتو، كان على الأقل أحد التيارين الذي ألح على غربية العلم occidenatalité de lascience معاديا للعلم بشكل علني. ومع ذلك، لن يتأخر هذا السند في الظهور مع نشأة المدرسة الفيلولوجية الألمانية وتصنيفها للغات.

إن اكتشاف عائلة اللغات الهندية الأوروبية والدراسات المقارنة التي أدت إلى اكتشاف سمات كل لغة منها، وكذلك ما بينها من اختلافات بنيوية، مكنت اللغويين الألمان من المطالبة بمكانة متميزة لتخصصهم فقد كانت الفيلولوجيا هي العلم الإنساني بامتياز، وكانت تدعي أنها نموذج لجميع العلوم الإنسانية الأخرى أو كما يقول الألمان ""العلوم التاريخية"" (Historische Wissenschafter) وهكذا أعطت هذه المدرسة ""العلوم اللغوية والتاريخية دفعا وامتدادًا كبيرين. وقد استفاد تاريخ العلوم العربية من هذا الازدهار قبل أن يصبح ضحية له""

وإذا كان يوجد مثل هذا التضارب، فذلك لأن وضع التاريخ نفسه قد تغير مع ظهور المدرسة الفيلولوجية الألمانية: إذ لم يعد التاريخ في طليعة الدراسات الإنسانية فحسب، بل وجد نفسه أيضا في وضع جديد يتطلب إعادة تعريف موضوعه ومنهجه ""لقد أصبح موضوعه يمثل من ذلك الوقت كلا غير قابل للاختزال.... ويفرض عليه منهجه عندئذ مقارنة الكليات المتشابهة من حيث بناها والوظائف التي تؤديها"" (Notion..., p. 305)

وبالإضافة إلى نتائجه الإيجابية من حيث المعرفة باللغات وبناها، وازدهار جميع أنواع الدراسات التاريخية التي نتجت عنه، بما في ذلك تاريخ العلوم، صاحب هذا الاكتشاف ضرب من تحويل لمفهوم اللغة إلى أسطورة فوفقًا لفيلهلم فون هومبولت (Wilhelm von Humboldt) ، ليست اللغة مجرد وسيلة لنقل الأفكار، بل هي تمثل أيضا وبالخصوص روح الأمة عبقريتها الخاصة، ورؤيتها للعالم"". (306 .Notion.... p). وقد كان لهذا التصوّر أثر مزدوج فقد شجع، من ناحية، على دراسة اللغات والثقافات المختلفة لما يمكن أن تسلط هذه الدراسة من ضوء على التنوع الإنساني، وأدى من ناحية أخرى إلى تصنيف عقليات الأمم بحسب لغات العالم. ومن هنا نشأت النسبوية اللغوية التي ستؤثر تأثيرا كبيرا في الفكر الفلسفي واللغوي في القرن العشرين. 

أما في القرن التاسع عشر، فستكون لهذه الفكرة نتائج منطقية في أعمال الفيلولوجي الفرنسي أرنست رينان (Ernest Renan) الذي أراد أن يسحب على عائلة أخرى من اللغات، وهي اللغات السامية، ما سبق أن قام به في اللغات الهندية الأوروبية. ففي رأيه، ""إن الآريين والساميين وحدهم يشتركون في الحضارة"" (Notion...p.306) . ولفهم هذين المكونين من مكونات الحضارة، لفهم هذين ""العرقين""، كان من الضروري إذن فهم لغاتهما ودياناتهما، لأن فكرة ""العرق"" ذاتها تختزل في هذه المرحلة من تطورها، في مجموعة ""القدرات والغرائز التي لا يمكن التعرف إليها إلا من خلال علم اللغة وتاريخ الأديان"" (Notion..., p. 307).

وهكذا، فإنّ الكليات غير القابلة للاختزال"" التي تمثل في نظر الفيلولوجيين الألمان موضوع جميع الدراسات التاريخية وبالخصوص موضوع علم اللغة والدراسة المقارنة للأديان) تجد أبرز تجلياتها في ""الأعراق"" التي تتميز بعائلاتها اللغوية.

وفي الواقع، يتضح لنا أن حكم رينان على العرق السامي وميوله الفكرية، وإن كان يُقدمه على أنه نتيجة دراسة علمية لوقائع التاريخ، هو حكم مسبق يستند في نهاية المطاف إلى خصائص اللغات السامية: فعلى خلاف الآربين ""لم يكن للساميين ولا يمكن أن يكون لهم، علم ولا فلسفة"" (307 .Notion.... p).

وعلى الرغم من مسار البحث الذي كشف في الوقت نفسه إنجازات لا يستهان بها في العلوم المكتوبة باللغة السامية وهي اللغة العربية، فإنّ رينان لم يكن يرى فيها سوى "" انعكاس لليونان ممزوجا بتأثيرات من بلاد فارس والهند""، أي يرى فيها انعكاسا آریا (307 .Notion.... p).

ومن خلال أمثلة مستقاة من كتابات كبار مؤرخي العلوم في القرن التاسع عشر، يبين راشد أن مؤرخي العلم لم يأخذوا فقط تمثلهم الغربية العلم من [هذا التقليد،] بل أخذوا منه أيضًا مناهج في وصف تطور العلم وتفسيره (Notion..., p. 307).

ومن ثم، فإنّ العلم العربي يُعرف عند الغالبية العظمى من مؤرخي العلوم، من خلال تقابله مع العلم الغربي، أي العلم الذي تعود جذوره إلى العصور اليونانية القديمة. وبما أنه أنتج بلغة سامية، فإن العلامات المميزة له هي التالية: ""الغرض العملي الملمح الحسابي والافتقار إلى الدقة والصرامة"" (Notion..., p. 309).

غير أن القول إن العلم الكلاسيكي هو وريث العلم اليوناني لا يعني أن جميع خصائص العلم الكلاسيكي كانت موجودة من قبل في العلم اليوناني. فهناك بالتأكيد إدخال المعايير التجريبية التي ... تميز عموما العلم الهيلينستي عن العلم الكلاسيكي"" وتكشف عن خط الصدع بين لحظتين في العلم الغربي (308 .Notion ..., p). غير أن هذه السمة تعتبر أيضًا "" من عمل العلم الأوروبي وحده ، وبالتالي فهي لا توجد في العلم غير الأوروبي. وبتلك الكيفية مني العلم في الشرق ""بضرب من التشويه دعمه التاريخ القائم على التمييز بين اللغات دعما علميًا مزعوما"". (304 .Notion.... p).

وبعد أن أوضح فكرة العلم الأوروبي وتبعاته على كتابة تاريخ العلوم، انكب راشد على نقد هذه الفكرة في بقية المقال بضرب أمثلة مستقاة، في المقام الأول، من تاريخ علم الرياضيات وعلم المناظر العربيين. ولكن بما أن هذه الأمثلة ذات صلة وثيقة ببحوثه الخاصة في هذه المجالات، فسنترك المناقشة إلى الفصلين الخامس والرابع حيث نتناول تاريخ هذين الاختصاصين العلميين على التوالي. 

خصائص منهج راشد

 يكتسي المقالان اللذان ناقشناهما للتو، بالإضافة إلى أهميتهما التاريخية والمنهجية، قيمة برنامج علمي في عمل راشد. فهما يحددان المسار الذي اتبعه المؤلف بالفعل والذي سيتبعه في عمله المستقبلي، على الرغم من أنهما نشرا في وقت كان راشد قد راكم فيه من قبل قدرا كبيرا من البحوث الأساسية، وخاصة في تاريخ الجبر إذ تستند هذه المقالات، من ناحية، إلى النتائج التي تم التوصل إليها في أثناء تلك البحوث، وهي ترسم، من ناحية أخرى، الطريق الذي سيسلكه في البحوث اللاحقة.

لم يتحدث راشد إلا لماما عن المنهج الذي يتبعه في عمله. ومع ذلك، فإن بنية عمله، والروابط التي تجمع بين مختلف أجزائه، تشير إلى بعض السمات الرئيسية لهذا المنهج. دعونا نبدأ بتقديم لمحة عامة عنه، قبل أن نتناول في الفصول التالية بعض جوانب هذا الأثر بمزيد من التفصيل.

تأليف كتب أم إنتاج أثر؟

لم يول راشد في بحوثه التي أجراها خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي اهتمامًا كبيرًا بتحقيق النصوص. صحيح أن بحوثه كانت تقوم على الفحص الدقيق للنصوص غير المنشورة في الغالب، لكن الانتقال من نص مكتوب بلغة أخرى - وهي في حالة الجبر على سبيل المثال لغة غير رمزية - إلى إعادة كتابته وتفسيره بلغة رمزية  حديثة لم يكن بعد أمرًا هينا. فكما يقول راشد:

""أذكر أنني كلما ألقيت محاضرة ... وقدمت شيئًا مقتبسا من النصوص العربية كان يقال لي: ما الدليل ؟ فكنت أقول الدليل تعلموا اللغة العربية. وسرعان ما أدركت أنه من أجل تقديم هذا الدليل، كان لا بد من تكوين مكتبة بأكملها من النصوص الأساسية إذا كنا نريد أن يوجد هذا المجال..."" (Entretien..., p. XV)

وبهذه الطريقة، وضع راشد لنفسه مهمة مزدوجة القيام بالبحث، وفي الوقت نفسه تكوين الأدوات اللازمة التي يستعملها هو وتستعملها جماعة الباحثين. ومن هذا المنطلق، يضاف تحقيق النصوص إلى الأنشطة التنظيمية التي يقوم بها راشد وتحدثنا عنها في الفصل السابق: فالأمر لا يتعلق بمجرد توثيق لما يقوم به، وإنما أيضا بوضع المصادر اللازمة في متناول أولئك الذين يحتاجون إليها في بحوثهم. ومع ذلك سنقوم بدراسة هذه الظاهرة لما قد تلقيه من نظرة ثاقبة على منهجية راشد. 

لم يكتف راشد من وقت إلى آخر بتحقيق نص غير منشور. بل على العكس من ذلك، يبدو أنه كان يسير على نهج محكم التنظيم يشمل في الكثير من الأحيان تحقيق جميع النصوص المكتوبة في الموضوع نفسه تقريبًا. وعلاوة على ذلك، لا تشمل هذه الطبعات فقط النصوص الأساسية للعلماء من الرعيل الأول، بل تشمل أيضا شروحا ونصوصا تفسيرية من تأليف العلماء الذين جاؤوا من بعدهم. وهذا ليس أقل من إعادة كتابة فصول بأكملها من تاريخ العلوم العربية. ولهذا السبب يقدم أحيانًا طبعة جديدة لنص سبق  نشره ليس فقط لأنه يستند إلى مخطوطات جديدة، أو لأنه يقدم قراءة أفضل للنص، ولكن أيضا لأن هذا النص يجد هذه المرة مكانه ضمن أثر فيأخذ عندئذ المعنى الذي ظل يفتقر إليه وهو في حالة كتاب معزول. 

وبما أن معظم الأحكام الخاطئة حول العلم العربي مأتاها قراءة قائمة على الأقوال والروايات حول ذلك العلم، استنادًا إلى عدد محدود من النصوص، فلا بد من أجل تصحيح الصورة التي تنقلها مثل هذه الأحكام من الاعتماد على أكبر عدد ممكن من النصوص وعلى الرغم من أن هذا المشروع يظل دائما مشروعا غير مكتمل، بالنظر إلى عدد النصوص التي لم تُحقق بعد، فإن أعمال راشد، وكذلك الدراسات التي أنجزها تلاميذه، قد وفرت بعد جزءا كبيرًا من ""مكتبة النصوص الأساسية"" التي كان يدعو إلى إنشائها.

وتتوافق هذه الاستراتيجية بتمامها توافقا تاما مع المفهوم الراشدي لـ ""التقليد المفهومي""، [إذ يقول]:

""لن نفهم شيئا من الابتكارات الفردية، مهما تكن ثورية، ما لم نرسخها في سياق التقاليد التي نشأت فيها"" (Épistemologie 2..., p. 6).

إن واقعة علمية ما - أداة كانت أو كتابا أو نظرية - لا توجد أبدا في الفراغ، وإنما هي دائما جزء من تقليد، أو من عدة تقاليد. لذلك فمن الضروري من أجل معرفتها إعادة بناء ذلك التقليد أو تلك التقاليد والحال أن معرفة تقليد ما تقتضي معرفة جميع حلقاته. وهذه العلاقة الجدلية، أو إن شئنا القول هذه الدائرة التأويلية تفرض تغيير الصورة التي نشكلها [ص. (54] عن علم ما عند اكتشاف كل نص جديد. ومن البديهي أن امتداد هذه التغيرات ومداها إنما يتوقفان على أهمية النص المكتشف. 

إن بعض أعمال راشد تجسد هذا الحرص على تحقيق الشمولية. إذ يشتمل كتاب ""الرياضيات التحليلية"" (Les Mathématiques infinitésimales) الذي صدر في خمسة مجلدات، على سبيل المثال، على كل ما كتب في هذا الموضوع بين القرنين التاسع والحادي عشر، ويقدم كتاب ""علماء انعكاس الضوء اليونانيون"" كذلك تحقيقا وترجمة وتعليقا على جميع النصوص المفقود معظمها باللغة اليونانية حول المرايا المحرقة. وفي حالات أخرى، تُنشر المجلدات التي تنتمي إلى المشروع نفسه تحت عناوين مختلفة وفي تواريخ مختلفة. ومع ذلك، ثمة خيط ناظم يربط بعضها ببعض. فعلى سبيل المثال، إن مجموع الأعمال التي سبق ونشرها راشد عن تاريخ الجبر تغطي تاريخ هذا العلم على امتداد عدة قرون.

ولا يتوافق الترتيب الذي ظهرت فيه دراساته دائما مع الترتيب الزمني الذي كتبت فيه الأعمال الأصلية، ولا مع الترتيب الذي انطلق فيه راشد في العمل على هذه النصوص (فعلى سبيل المثال، إن نشر كتاب السموأل يسبق كتاب الخوارزمي). ومع ذلك جميعها يشكل جزءًا من المشروع نفسه، وهو كتابة تاريخ الجبر من القرن التاسع إلى القرن السابع عشر - بين الخوارزمي وديكارت ونحن سنتحدث عن هذه الأعمال في الفصل الرابع.

حركة في اتجاهين

لقد سبق أن أشرنا إلى الاهتمام الذي أولاه راشد للقرن السابع عشر. والواقع أنه إذا كان هذا القرن يكتسي في نظره أهمية كبرى، فليس لأنه يمثل بداية شيء جديد كل الجدة، وإنما لأنه يمثل من بين أمور أخرى، استكمالا للعمل الذي بدأ في العصور القديمة، وتواصل على أيدي العلماء الذين كتبوا باللغة العربية ليشهد معهم إثراء وتحوّلا. وتظل جدة الإنتاج العلمي لهذا القرن وأهميته غير قابلتين للتفسير إذا أغفلنا الجزء الكبير غير الأوروبي من هذا التاريخ.

سنرى كيف يفسر راشد في الجزء المخصص لتاريخ علم الجبر، بعض الإسهامات التي قدمها علماء الرياضيات في القرن السابع عشر، وذلك ليس بالرجوع إلى أنشطة معاصريهم، بل إلى أنشطة العلماء الذين نشطوا في العالم الإسلامي بين القرن التاسع والقرن الثاني عشر. والواقع أن التقارب الذي لاحظه بين النتائج التي توصل إليها الرياضيون في القرن السابع عشر وتلك التي توصل إليها رياضيو القرن الثاني عشر كان أحد الأسباب التي دفعته إلى القيام ببحوثه في تاريخ الجبر. وقد سبق وذكرنا ما قاله عندما وقعت يداه أوّل مرة على أعمال السموال عالم الرياضيات في القرن الثاني عشر. ولكن دعونا نقرأ هذه السطور مرة أخرى :

 ""بدأت القراءة ولم أصدق عيني. فما كنت أقرأه هناك كان، وفقًا لما تعلمته، علم الجبر من القرن السادس عشر، أو بالأحرى من القرن السابع عشر"" (Entretien..., p. XIII) .

إن مصطلح ""التقليد المفهومي يعني بالنسبة إلى راشد من بين ما يعنيه، تلك التيارات الخفية التي تعبر أحيانًا العصور والحدود الجغرافية. إذ يستجيب العلماء بكل تأكيد للمشكلات الجديدة التي تطرحها مجتمعاتهم الخاصة، ولكن أيضا وقبل كل شيء لتلك التي يتلقونها من التقاليد التي ينتمون إليها، والتي يمكن أن ترجع إلى زمن بعيد جدًا. علاوة على ذلك، يصادف أحيانا ألا يندرج العمل الواحد في تقليد واحد، بل يقع في ملتقى عدة تقاليد يخضع كل منها لنظامه التطوري الخاص به (Entretien..., p. XVII).

""لا يمكن تفسير عمل علمي ذي نطاق معين في حدود تقليد مفهومي واحد، ولا حتى بذلك التقليد الذي ساهم فيه هذا العمل نفسه بأكبر قدر ممكن، ومن ناحية أخرى، إن التقليد المفهومي الذي له أهمية ما يتميز بضرب من الثبات على الرغم من تنوع المؤلفين والمساهمات"". (Épistemologie 2..., p. 4)

تتمثل مهمة المؤرخ عندئذ في التعرف إلى هذه التقاليد وتنزيل الأثر العلمي في موضعه بالنظر إليها. 

هي ذي المقتضيات التي يفرضها تصوّر راشد لكتابة تاريخ العلم. وحتى عندما يهتم المؤرخ، على المستوى المفهومي الخالص، بتسلسل الأفكار أساسا، وبعلاقات بعضها ببعض، فإنه لا يمكنه أن يقصر اهتمامه بوسط فكري واحد - أي بالمؤلفين الذين يظهر تأثيرهم المباشر في نص معين، وبالنصوص التي قرأها المؤلف أو درسها وبسلالة أساتذته ومصادر إلهامه - أو بتقليد مفهومي واحد بل ينبغي عليه، بدلا من ذلك، أن يختار منظورًا أوسع بكثير يشمل أحيانًا قرونا بأكملها وسياقات فكرية مختلفة. وعلى سبيل المثال، يجب على مؤرخ علم الجبر أن يأخذ بعين الاعتبار، في نظر راشد، ليس فقط ما يسمى بالجبر قبل الخوارزمي ، وليس لدينا تسمية أفضل بل أيضا ما تم إنتاجه بعده لأنه من خلال معرفة بقية  القصة يمكننا أن نفهم بشكل أفضل نطاق مشروع مؤلف كتاب الجبر.

إن مثل هذا التمشي لا يحفزه حرص البحث عن الأصول، بل على العكس من ذلك، حتى عندما يتعلق الأمر بفهم نص واحد، يتطلب منا منطق البحث أن نلقي نظرة مزدوجة على أسلافه وأخلافه. وإن ما يقوله راشد عن كتاب ""الهندسة"" لديكارت يكشف بكل وضوح عن المنهج الذي يوصي به ويتبعه في جميع أعماله:

""أن نقرأ كتاب ""الهندسة "" لديكارت يعني أيضًا أن ننظر إلى الوراء انطلاقا من الخيام والطوسي، وإلى الأمام وصولا إلى نيوتن (Newton) ولا يبنتز (Leibniz)، وكرامر (Cramer)، وبيزو (Bezout)، والأخوين برنولي (Bernoulli). عندئذ يجد كتاب ""الهندسة"" من جديد المكانة التي ظل دائما محافظا عليها مثله مثل الأعمال المبتكرة الأخرى، ليس في هذا الكتاب ما يمثل بداية جذرية. بل هو شأنه شأن غيره من المؤلفات، وسيلة لاستعادة التقاليد التي يرثها وتكييفها وتصحيحها أيضا"" (Al-Khayyam..., p. 29).

نتبين من خلال هذا الشاهد تأكيد راشد على عدد من النقاط المركزية هي في الواقع في صميم تصوّره لتاريخ العلوم. أولا، لا توجد قطيعة جذرية في تاريخ العلم. فما نسميه قطيعة لا يعدو أن يكون في معظم الأحوال، سوى استعادة أو تكييف أو تصحيح. والحال أن كل هذه العمليات لا يمكن أن تحدث إلا داخل تقليد أو عند التقاء أكثر من تقليد. ومن اليقين أن التقاء تقليدين اثنين، قد ينتميان إلى منطقتين مختلفتين جغرافيا وثقافيا، غالبا ما يكون بسبب ظروف تاريخية فالتجارة والحرب وقيام الإمبراطوريات يمكن أن تمحو الحواجز بين الجماعات العلمية المختلفة أو تُسهل الاتصال فيما بينها. ومع ذلك، لا يمكن قول الشيء نفسه عن التقاليد ذاتها فبمجرد تأسيسها، تتطور تلك التقاليد وفقًا لنظام تطورها الخاص. وهذا لا يعني أن التقاليد العلمية تكون في منأى عن جميع المؤثرات الخارجية فالتقليد العلمي ليس عالماً مغلقًا. لكن بدلا من أن تتأثر التقاليد بشكل مباشر بأي عنصر اجتماعي أو اقتصادي أو فكري، نجدها تتأثر بالخصوص بالتقاليد العلمية الأخرى.

دعونا نوضح هذا الالتقاء بين التقاليد بمثال مستمد من التاريخ. إن تأسيس علم الجبر في مدرسة الخوارزمي حدث، وكان ذلك بلا شك بفضل معرفة كتاب ""الأصول"" الإقليدس وبعض ضروب التفكير الإبستيمولوجي التي عرفها التقليد الفلسفي اليوناني في بيئة كانت البرهنة سارية في كل المجالات تقريبا عند المتكلمين، وعند الفلاسفة، بل عند الفقهاء أيضا، حتى وإن كان تصور هؤلاء مختلفًا عما هو عليه عند الآخرين. وربما لأجل ذلك نجد في كتاب الخوارزمي نوعًا من التعليل الهندسي للخوارزميات التي يقدمها لحل المعادلات من الدرجة الثانية، دون أن يكون من الممكن القول بأن ذلك يعد برهنة. ومهما يكن الأمر ، لم يكن كافيًا بالنسبة إلى مؤلف كتاب ""الجبر"" أن يُقدم خوارزميات، حتى وإن تبينت فعاليتها : بل كان عليه أن يقدم تفسيرا لها. وبعد فترة قصيرة، أي في النصف الثاني من القرن التاسع، شرع ثابت بن قرة، وهو الذي كان مطلعا على كتاب الخوارزمي وعلى دراية جيدة بكتاب ""الأصول"" لإقليدس، في تقديم أول براهين على صحة خوارزميات الخوارزمي انطلاقا من بعض الفرضيات الواردة في كتاب ""الأصول"". فمن التقاء هذين النوعين من الرياضيات، أحدهما خوارزمي والآخر برهاني، استطاع الجبر العربي أن يستمد قوته.

من أجل كتابة تاريخ تمييزي للعلوم 

يعتبر القرن السابع عشر نقطة مرجعية في كتابة تاريخ العلم على النحو الذي يمارسه معظم المؤرخين فهو بداية عصر جديد لأنه اللحظة التي حددت لبدايات ""الثورة العلمية"" الشهيرة. وقد تم الإعداد لهذه الثورة، حسب الرواية الأكثر شيوعا لهذه القصة، منذ القرن السادس عشر. فهي قد بدأت في علم الفلك، مع نظرية مركزية الشمس لكوبرنيكوس ( التي أعلن عنها أول مرة عام 1543 في كتابه ""في دوران الأفلاك السماوية"" Des révolutions des orbes celestes)، ثم امتدت إلى الميكانيكا، لأن نظرية مركزية الشمس الجديدة وضعت موضع سؤال مبادئ الفيزياء الأرسطية - عندما ظهر علماء عظام أمثال كبلر (Kepler) وغاليليو (Galileo) وديكارت (Descartes) وهو يغنز (Huygens) - لتبلغ اكتمالها ، بعد بضعة عقود، في التأليفية النيوتنية الكبرى.

وعلاوة على ذلك، تتسم هذه البداية لما يُسمى بالعلم الحديث باستعمال المنهج التجريبي. وبقية القصة هي إذن قصة امتداد المنهج التجريبي إلى فروع أخرى من فروع المعرفة الفيزيائية فسرعان ما أخذت دراسة الكهرباء والنظرية المغناطيسية الطريق الصحيح، ونشأت الديناميكا الحرارية، وهي العلم التجريبي بامتياز، في وسط كانت مطالب التقنية تسير فيه جنبا إلى جنب مع التجارب.

تلك هي عموما الخطوط العريضة لتاريخ العلم الحديث مثلما ترويها ليس فقط الكتب التي تعمم المعرفة، وإنما الأدهى مثلما يرويها المختصون أيضا.

وكان يُنظر إلى هذا التغير الكبير على أنه حدث مباغت ومفاجئ، وأثيرت من أجل تفسيره أسباب خارجية شتى. إذ يرى المؤرخون من ذوي النزعة السوسيولوجية أنه لا بد من تفسيره بالتطورات التي حدثت داخل المجتمع الأوروبي في نهاية العصر الوسيط ظهور البرجوازية، وازدهار التجارة، وما إلى ذلك. أما بالنسبة إلى غيرهم الذين يميلون أكثر إلى التفكير ضمن إطار الفلسفة وتاريخ الأفكار، فالأمر يتعلق بالتغير في المناخ الفكري الذي اتسم به عصر النهضة انبعاث الأفكار الأفلاطونية والفيثاغورية، مع التأكيد على أهمية الرياضيات وظهور فكرة المكان اللامتناهي التي شككت في مفهوم ""الموضع الأرسطي (الطوبوس)؛ وعودة ظهور النظريات الذرية وبعد ذلك بقليل، الفلسفة الميكانيكية التي ذهبت إلى تفسير كل ما يحدث في الطبيعة باعتباره تماسا ميكانيكيا بين ""الذرات""....

ولا يختلف الوضع كثيرا عما نعثر عليه ، قبل قرن من الزمان، بخصوص سردية] ظهور الفلسفة والعلم اليونانيين. وبما أنه كان يُنظر إلى العلم باعتباره بداية جذرية - وهو ما يسمى بـ ""المعجزة اليونانية - فقد كان من الطبيعي أن يقدم الباحثون بشأنه كل أنواع الفرضيات. ومنذ ذلك الحين، وبفضل النتائج التي توصل إليها الباحثون الذين عملوا بشكل رئيسي على النصوص البابلية، تبددت ولو جزئيا على الأقل هالة الغموض التي اكتنفت ولادة علم الفلك والرياضيات اليونانية وأصبحت لدينا صورة أوضح لما حدث في اليونان في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، وبعبارة أخرى لما يدين به علماء الرياضيات والفلك اليونانيون لأسلافهم البابليين.

ومثلما تبددت أسطورة المعجزة الإغريقية من خلال البحوث التي أجريت على امتداد القرن الماضي، كذلك فإن التحقيب الزمني التمييزي لتاريخ العلوم الذي اقترحه راشد يهدف من بين أمور أخرى، إلى تبديد أسطورة، أو إلى ""نسبنة"" مثلما يقول هو مفهوم الثورة العلمية ككيان كلي غير قابل للتجزئة، وإعطاء كل عنصر من عناصرها حقه. ذلك أن وهم التغير المفاجئ الذي كان من شأنه أن يؤثر في جميع العلوم في الوقت نفسه، وبالطريقة نفسها وبالدرجة نفسها، يمنعنا من التمييز بين ما هو جديد حقا في هذا الحدث وما ليس كذلك. 

وهنا يكون مفهوم ""النظرية غير المهيأة"" مفيدًا للغاية. فطالما لم يتخط اختصاص معرفي ما عتبة معينة، وطالما لم ينشئ لنفسه وسائل تحكم، فهو يظل دائما نظرية غير مهيأة. لذا، بدلا من أن نسأل كيف ومتى تخطينا ما قبل تاريخ العلم لندخل تاريخه، علينا أن نطرح هذا السؤال بشأن كل اختصاص معرفي. وعندها ستكون لدينا أجوبة مختلفة. فقد كانت الرياضيات علمًا على الدوام، لأننا لا نملك أية وثيقة تشهد على فترة ما قبل العلم، أو ""فترة غير مهيأة""، في الرياضيات. ويمكن تفسير هذا الموقف الفريد بوجود وسيلة التحكم الخاصة بالرياضيات، وهي البرهان الذي كان أداة لا غنى عنها في ممارسة هذا الاختصاص المعرفي طوال تاريخه.

أما بالنسبة إلى الفروع التابعة للرياضيات، أي تلك التي استعملت الرياضيات لتفسير ظاهرة فيزيائية، فإن الوضع فيها يختلف من تخصص إلى آخر. فعلم الستاتيكا، كما هو موجود في أعمال أرشميدس هو علم، شريطة اعتباره نظرية رياضية خالصة. ولكنها ليست كذلك بعد من حيث هي نظرية فيزيائية، لأنها تفتقر إلى وسيلة أخرى لا غنى عنها في كل نظرية فيزيائية، وهي التحكم التجريبي. وينطبق الأمر نفسه على علم المناظر الذي سنناقشه بمزيد من التفصيل في الفصل الخامس، وهنا يجدر أن نقتبس من راشد نفسه:

""يدور الأمر ههنا على بعد أساسي، وهو أن كل هذا التحقيب الزمني هو تحقیب تمييزي: فعندما ندرس تاريخ علم الجبر، يختلف الأمر عما هو عليه عندما ندرس تاريخ علم الميكانيكا أو تاريخ علم المناظر، وما إلى ذلك. إذ يمكن الحديث عن علم الجبر الكلاسيكي من الخوارزمي إلى أولر (Euler) - أو حتى لاغرانج (Lagrange) إذا اقتضى الأمر - ولكن لا يمكن الحديث عن علم الحركة الكلاسيكي إلا ابتداء من غاليليو وفي المقابل، يمكن الحديث عن علم المناظر الكلاسيكي ابتداء من بطلميوس أو بالأحرى ابتداء من الحسن بن الهيثم بسبب الثورة التي أنجزها، وذلك إلى حدود نیوتن، على الأقل إلى حدود نيوتن. لذلك يجب أن ندخل جانبا تمييزيا في التحقيب الزمني"" (Entretien ..., p. XXV).

ولأجل ذلك يفضل راشد دون شك استخدام تعبير العلم الكلاسيكي"" للإشارة إلى مكتسبات القرن السابع عشر ، وحتى مكتسبات الأعمال اللاحقة، بدلا من عبارة العلم الحديث المبكر "" المرادفة له في اللغة الإنجليزية، وهي العبارة الأكثر شيوعا لدى معظم مؤرخي العلوم. كما لو أن هناك في كلمة ""حديث"" شيئا ما يضايق [المؤرخ] لأنها تحيل، شئنا أم أبينا إلى تغير شامل ومفاجئ حدث في أوروبا وحدها، ويحجب بالتالي مساهمة المناطق الثقافية الأخرى في هذا العلم.

إن جزءا كبيرًا من هذه المساهمة غير الأوروبية يعود إلى العلم العربي. نقترح في الفصل التالي، انطلاقا من نظرة عامة على كتابات راشد تناول نشأة هذا العلم وتطوره وأبرز سماته. 

الفصل التالي الفصل السابق

كتب ذات صلة