يتناول هذا الكتاب علم الجيولوجيا، وكلمة جيولوجيا مشتقة من اليونانية ""Geo""، وتعني الأرض، وكلمة ""logos""، وتعنى علم. فالجيولوجيا هي العلم الذي يسعى لفهم كوكب الأرض. وينقسم هذا العلم عادة إلى مجالين واسعين هما : المجال الطبيعي، والمجال التاريخي. تعد الجيولوجيا الطبيعية المحور الرئيس في هذا الكتاب، وتختبر المواد التي تكون الأرض وتسعى إلى فهم الكثير من العمليات التي تحدث تحت الأرض وعلى سطحها. وتهدف الجيولوجيا التاريخية من جهة أخرى، إلى فهم أصل الأرض وتطورها عبر الزمن. ومن ثم، فهي تسعى إلى إنشاء ترتيب زمني منظم للكثير من التغيرات الطبيعية والبيولوجية التي وقعت في الماضي الجيولوجي. إن دراسة الجيولوجيا الطبيعية تسبق دراسة تاريخ الأرض منطقيا ؛ لأنه يجب فهم كيفية عمل الأرض أولاً قبل محاولة كشف ماضيها، ويجب الإشارة إلى أن الجيولوجيا التاريخية والطبيعية تنقسم إلى العديد من مجالات التخصص. ويبين (الجدول (1-1) قائمة جزئية لمجالات علم الجيولوجيا، كما يمثل كل فصل من فصول هذا الكتاب واحدًا أو أكثر من مجالات التخصص في علم الجيولوجيا.
ويمثل فهم الأرض تحديا؛ نظرًا لأن كوكبنا كتلة حيوية التفاعل مع الكثير من الأجزاء، وله تاريخ معقد لقد حدثت التغيرات في الأرض على امتداد فترة وجودها الطويلة. وفي الواقع، فإنّها في حالة تغيّر مستمر حتى وأنت تقرأ هذه الصفحة، وستواصل القيام بذلك في المستقبل المنظور. وتكون هذه التغيرات سريعة وعنيفة أحيانًا ؛ كما في الانزلاقات الأرضية، أو الانفجارات البركانية عند حدوثها. وفي كثير من الأحيان، يحدث تغيّر ببطء شديد، بحيث ينتهي دون أن تتم ملاحظته في أثناء الحياة. وتختلف مقاييس الحجم والمساحة أيضًا إلى حد كبير في الظواهر التي يدرسها الجيولوجيون. وأحيانًا يجب عليهم التركيز على الظواهر دون المجهرية، وفي أحيان أخرى يجب عليهم التعامل مع الظواهر ذات المقاييس القارية أو العالمية.
وتتميز الجيولوجيا بأنها العلم الذي يجري تطبيقه في الهواء الطلق، وهي فعلاً كذلك. كما أن جزءًا كبيرا من هذا العلم يستند إلى الملاحظات، والقياسات والتجارب المتصلة بهذا المجال. وإضافة إلى هذا، يحتاج تنفيذ بعض مهام الجيولوجيا إلى المختبر أيضًا، فعلى سبيل المثال، تزودنا دراسة مواد الأرض المختلفة بمعلومات عن مجريات الكثير من العمليات الأساسية. وفي كثير من الأحيان، تتطلب الجيولوجيا فهما وتطبيقا لمعارف ومبادئ من علوم الفيزياء والكيمياء، وعلم الأحياء. إن الجيولوجيا هي العلم الذي يسعى لتوسيع معرفتنا بالعالم الطبيعي ومكاننا فيه
الجيولوجيا، والناس والبيئة
يركز هذا الكتاب أساسًا على فهم مبادئ الجيولوجيا الأساسية، وفي مسار دراسة هذا العلم سنستكشف العديد من العلاقات المهمة بين الناس والبيئة الطبيعية. كما أن معظم المشكلات والقضايا التي تتناولها الجيولوجيا ذات قيمة عملية للناس.
الشكل 1-1 جبال الخراف، في وايومنغ)، لها طبقات من الصخور تمتد بعيدا عن هضبتها المركزية. لقد كونت الصخور على جوانبها لوحا مسطحا متصلاً من الحجر الرملي والطفل. وقد أدت عمليات بناء الجبال قبل 65 مليون سنة، إلى تشكل طيات في طبقاتها المتراكمة وبصورة تدريجية، أدت عمليات التجوية والتعرية إلى إعادة تقشير الطبقات، في كتاب المصور الجيولوجي مايكل كولير (فوق الجبال) الذي أخذت منه هذه الصورة، يوجد وصف للمشهد جاء فيه: ""أجد أنه من المستحيل النظر إلى أسفل، وإنكار وجود شيء مذهل قد حدث هنا في طبقات الصخور تحت سمك آلاف الأقدام، لقد انثنت الصخور كقطع رقيقة من المعدن (تصوير مايكل كولير، فوق الجبال، صورة جوية للجيولوجيا نيويورك: طباعة ميكايا (2007)
تعد الأخطار الطبيعية جزءا من الحياة على الأرض. وفي كل يوم تؤثر سلبا في ملايين الناس في أنحاء العالم، وتكون مسؤولة عن أضرار مذهلة الشكل (1-2). ومن عمليات الأرض الخطيرة التي درسها علماء الجيولوجيا: البراكين، والفيضانات و التسونامي)، والزلازل، والانزلاقات الأرضية. وبطبيعة الحال، فإن المخاطر الجيولوجية ببساطة هي عمليات طبيعية، ولكنها تصبح أخطارا عندما يعيش الناس بالقرب من الأماكن التي تحدث فيها هذه العمليات الشكل 1-3
ووفقا لإحصائيات الأمم المتحدة، في عام 2008 - وللمرة الأولى - يعيش الناس في المدن أكثر من المناطق الريفية ويركز هذا الاتجاه العالمي نحو تحضر ملايين الناس في المدن الكبرى التي تكون عرضة للأخطار الطبيعية. وقد باتت المواقع الساحلية، أكثر عرضة للخطر؛ لأن التطور في كثير من الأحيان يدمر الحمايات الطبيعية، مثل الأراضي الرطبة، والكثبان الرملية. وبالإضافة إلى ذلك، يوجد تهديد متزايد مرتبط بالتأثيرات البشرية في نظام الأرض مثل ارتفاع مستوى سطح البحر المرتبط بتغير المناخ العالمي.
كما أن المدن الكبرى الأخرى عرضة للزلازل، وأخطار البراكين، حيث تكون ممارسات استخدام الأراضي غير سليمة، وتكون ممارسات أعمال البناء رديئة إلى جانب النمو السكاني السريع القابل للتزايد باستمرار مستقبلاً. وتمثل دراسة الموارد محوراً آخر مهما في علم الجيولوجيا؛ وذلك لقيمتها العملية الكبيرة لدى الناس. وهي تشمل المياه والتربة، ومجموعة كبيرة ومتنوعة من المعادن الفلزية واللافلزية، والطاقة الشكل (1-4). وتشكل هذه الموارد مجتمعة، الركيزة الأساسية للحضارة الحديثة. ولا تبحث الجيولوجيا في تشكل هذه الموارد الحيوية وحدوثها فقط، لكنها تبحث أيضًا في الحفاظ على استدامتها، وفي الأثر البيئي الناجم عن استخراجها واستعمالها. ومما يسبب تعقيد القضايا البيئية جميعها النمو السكاني العالمي السريع وتطلع الجميع إلى مستوى معيشة أفضل. وهذا يعني الطلب المتزايد على الموارد وتزايد الضغوط على الناس للسكن في بيئات ذات أخطار جيولوجية كبيرة.
ولا يقتصر تأثير العمليات الجيولوجية على الناس فحسب، ولكن يمكن نحن البشر - أن نؤثّر بشكل كبير في العمليات الجيولوجية أيضًا. على سبيل المثال، فإنّ فيضانات النهر أمر طبيعي، ولكن حجم الفيضانات وتواترها يمكن أن يتغير بشكل كبير نتيجة الأنشطة البشرية، مثل: إزالة الغابات، وبناء لنا المدن، وبناء السدود. وللأسف فإنّ النظم الطبيعية لا تتكييف دائما مع التغيرات المصطنعة بالطرق التي يمكننا أن نتوقعها. وهكذا، فإنّ التغيير البيئي الذي كان يهدف إلى نفع المجتمع، غالبًا ما يأتي بنتائج عكسية. وفي أماكن مناسبة في فصول هذا الكتاب، ستتاح لك الفرصة لدراسة مختلف جوانب علاقتنا مع البيئة الطبيعية. ومن النادر أن تجد فصلاً لا يتناول بعض جوانب الأخطار الطبيعية والقضايا البيئية، أو الموارد كما أن أجزاء كبيرة من بعض الفصول توفر المعرفة الجيولوجية والمبادئ الأساسية اللازمة لفهم المشكلات البيئية. إضافة إلى ذلك، فإنّ عددًا من إطارات الفوائد الخاصة في الكتاب تركز على الجيولوجيا، والأشخاص، والبيئة من خلال تقديم دراسات للحالة، أو تسليط الضوء على قضايا الساعة
بعض الملاحظات التاريخية حول الجيولوجيا
كانت طبيعة أرضنا : موادها وعملياتها، موضع دراسة مركزة لعدة قرون. وتعود الكتابات حول موضوعات مثل: الأحافير، والأحجار الكريمة، والزلازل والبراكين إلى بدايات عصر الإغريق، وقبل أكثر من 2300 سنة مضت. وبكل تأكيد كان الفيلسوف الإغريقي الأبرز مكانة. ولسوء الحظ، فقد كانت توضيحاته حول العالم الطبيعي لا تستند إلى ملاحظات وتجارب قاطعة؛ وعوضا عن ذلك، كانت تصريحات اعتباطية. لقد كان يعتقد أن الصخور نشأت تحت "" تأثير "" النجوم، وأن الزلازل قد حدثت عندما حدث تسخين للهواء المتكاثف في الأرض بسبب الحرائق المركزية، فخرجت الزلازل على شكل انفجاري. وعندما شاهد سمكة أحفورية، أوضح أن الكثير من الأسماك الكبيرة كانت تعيش في الأرض بلا حراك، وتم العثور عليها عند عمل الحفريات"". وعلى الرغم من أن تفسيرات (أرسطو) كانت مناسبة لزمنه، إلا أن قبولها للأسف - استمر قرونا كثيرة بعد ذلك، إلى أن تم إبطال قبولها حديثا. وقد صرح (فرانك دي أدامز ) في نشأة وتطور العلوم الجيولوجية (نيويورك: دوفر ، 1938م) أنه طيلة العصور الوسطى، كان (أرسطو) رئيسا للفلاسفة جميعهم؛ وشخصا يعد رأيه في أي موضوع موثوقا ونهائيا.
الكارثية
في منتصف 1600م، قام جيمس أوشر الأسقف الانجليكاني لأرماغ، ورئيس أساقفة أيرلندا كلها، وهو فقيه محترم في الكتاب المقدس، بنشر عمل رئيس كان له تأثير مباشر وعميق. لقد عمل (أوشر) على بناء تسلسل زمني للبشرية وتاريخ الأرض، قرر فيه أن عمر الأرض ليس سوى بضعة آلاف من السنين، وأن الأرض خُلقت عام 4004 قبل الميلاد. وقد لاقت أطروحة (أوشر) قبولاً واسع النطاق بين قادة أوروبا العلماء والرهبان، وطبع تسلسله الزمني في الحال في هامش الكتاب المقدس نفسه.
وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، أثر مبدأ الكارثية بقوة في التفكير الغربي حول ما يخص الأرض. وبإيجاز، اعتقد الكارثيون أن مشاهد الأرض الطبيعية تشكلت في الأصل عن طريق كوارث عظيمة، وأن المظاهر الطبيعية مثل : الجبال والوديان التي نعرفها اليوم، قد استغرقت فترات زمنية كبيرة لتتشكل وتم شرح ذلك وكأنه قد تم إنشاؤها عن طريق كوارث فجائية في أنحاء العالم جميعها، إذ نشأت غالبًا من مسببات غير معروفة لم يعد لها وجود حاليا. وقد كانت هذه الفلسفة، محاولة لمواءمة معدلات عمليات الأرض، إلى الأفكار المتداولة آنذاك حول عمر الأرض.
فرص وظيفية في علوم الأرض
توجد العديد من المجالات المختلفة للدراسة الجيولوجية. ويوجد موقعان المعرفة المزيد حول ما يفعله الجيولوجيون، وهي مواقع مشار إليها في الجزء السفلي من (الجدول (1-1). في موقع الجمعية الجيولوجية الأمريكية، اضغط على الأقسام والشعب"". وانتقل إلى القسم الخاص بـ ""عالمنا""؛ لتتمكن من الوصول إلى موقع الاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي.
تعد دائرة العمل في الولايات المتحدة، ومكتب إحصاءات العمل (http://www.bls.gov) مصدر معلومات وفيرة عن الوظائف وبياناتها، وفرص العمل المتوافرة. فإذا راجعت دليل التوقعات المهنية، الطبعة 2008 //:http www.bls.gov/oco)، فستكتسب بعض الأفكار المفيدة في الحياة الوظيفية كمختص في العلوم الجيولوجية. بالإضافة إلى وصف لطبيعة العمل وظروفه. ويوفر الدليل معلومات حول التدريب والتعليم اللازمين، والدخل المادي، وفرص العمل المتوقعة.
وفي ما يأتي بعض الحقائق عن وظائف علم الجيولوجيا من هذا الدليل:
- يدرس علماء الجيولوجيا التكوين والبنية، والجوانب المادية الأخرى للأرض. وهم يدرسون ماضي جيولوجيا الأرض وحاضرها، من خلال استعمال أدوات متطورة لتحليل المواد المختلفة وتركيبها. ويساعد كثير من علماء الجيولوجيا في البحث عن الموارد الطبيعية، مثل: المياه الجوفية، والمعادن والبترول ويعمل الآخرون عن كثب مع علماء البيئة وعلماء آخرين؛ للحفاظ على البيئة ونظافتها.
- يقضي بعض علماء الجيولوجيا معظم وقتهم في المكتب، بينما يقسم الآخرون وقتهم بين العمل الميداني، وعمل المكتب والمختبرات.
- إن درجة البكالوريوس كافية للحصول على بعض المناصب، ولكن معظم علماء الجيولوجيا بحاجة إلى درجة الماجستير في الجيولوجيا أو علوم الأرض. إن درجة الماجستير هي الخلفية التعليمية المفضلة للتوظيف في معظم مناصب الأبحاث الأولية في القطاع الصناعي الخاص والوكالات الاتحادية، والمسح الجيولوجي للدولة. ودرجة الدكتوراه ضرورية بالنسبة إلى معظم أبحاث المستوى العالي ومناصب التدريس في الكلية، ومع ذلك قد لا تكون مفضّلة لوظائف أخرى.
- لقد تولى علماء الجيولوجيا 31,000 وظيفة في عام 2006م. وتولى الكثير من الأفراد شغل مناصب أعضاء هيئة تدريس علوم الأرض في الكليات والجامعات، ولكن تم تصنيفهم أعضاء هيئة تدريس في الكلية والجامعة.
- بلغت نسبة التوظيف لعلماء الجيولوجيا 22%، ويتوقع نمو العمالة بين عامي 2006 و 2016م، وهو أسرع بكثير من المتوسط بالنسبة للمهن جميعها. وستحفز الحاجة إلى الطاقة وحماية البيئة، وإدارة الأراضي والمياه المسؤولة، الطلب على هذه العمالة.
- يمكن للخريجين بدرجة الماجستير أن يحصلوا على فرص ممتازة، وبخاصة في المجالات العلمية والاستشارات الفنية، وفي قطاع الخدمات الهندسية. وتوجد فرص قليلة للخريجين بدرجة البكالوريوس فقط في علوم الأرض، ولكن هؤلاء الخريجين قد يحصلون على فرص مواتية في المهن ذات الصلة، مثل معلم علوم في مدرسة ثانوية أو فني علمي. ويتوزع خلال الفصول المتبقية لهذا الكتاب العديد من المقالات المهنية التي تقدم لمحات مهنية تهدف إلى إعطائك فكرة عن مجموعة متنوعة من الوظائف في العلوم الجيولوجية.
على سبيل المثال، عندما جادل بأن الجبال قد نُحتت ودمرت في نهاية المطاف، بفعل التجوية وأعمال المياه الجارية، والتي حملت مخلفاتها إلى المحيطات بواسطة العمليات التي يمكن ملاحظتها، قال هاتون: ""لدينا سلسلة من الحقائق التي تبين بوضوح، أن مواد الجبال المدمرة قد انتقلت عن طريق الأنهار ""؛ وكذلك فإنه لا توجد خطوة واحدة في هذه العملية كلها ... ليست حقيقة ملحوظة"" ثم لخص هذه الفكرة عن طريق طرح السؤال، وتقديم الجواب فورا : ""ما الذي يمكن أن نطلبه أكثر من ذلك؟ لا شيء غير الوقت"". الجيولوجيا اليوم إن المبادئ الأساسية لمبدأ الاتساقية، قابلة للتطبيق اليوم، كما كان عليه الحال في زمن (هاتون). وفي الحقيقة، فإننا ندرك بقوة أكبر من أي وقت مضى أن الحاضر يعطينا فكرة عن الماضي، وأن القوانين الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية التي تحكم العمليات الجيولوجية تبقى ثابتة عبر الزمن. ومع ذلك، نفهم أيضًا أنه لا ينبغي أن يؤخذ المذهب بشكل حرفي بحت. أما القول إن العمليات الجيولوجية في الماضي هي تلك التي تحدث اليوم، فلا يعني أن لديها دائما الأهمية النسبية نفسها، أو أنها تعمل بالمعدل نفسه تحديدًا. إضافة إلى ذلك، فإنّ بعض العمليات الجيولوجية المهمة لا يمكن ملاحظتها في الوقت الراهن، ولكن الدليل على أنها تحدث هو أنها راسخة بشدة. على سبيل المثال، نعرف أن الأرض قد شهدت تأثيرات كبيرة من النيازك، على الرغم من أنه ليس لدينا شهود من البشر. وهذه الأحداث غيرت من قشرة الأرض، وعدلت مناخها، وأثرت بقوة في الحياة على كوكب الأرض. إن قبول الاتساقية يعني قبول تاريخ طويل جدا بالنسبة إلى الأرض. وعلى الرغم من أن عمليات الأرض تختلف في حدتها ، فإنها لا تزال تأخذ وقتا طويلا جدا لتكوين ملامح المشهد الرئيسة أو تدميرها الشكل (1-6). على سبيل المثال، برهن الجيولوجيون أن الجبال كانت موجودة في أجزاء من مينيسوتا، وويسكونسن، و ميتشيجان، ومانيتوبا في ذلك الوقت. واليوم، تتألف المنطقة من تلال منخفضة وسهول. لقد دمر الانجراف العمليات التي تجرف سطح الأرض هذه القمم تدريجيا. وتشير التقديرات إلى أن قارة أمريكا الشمالية قد انخفضت بمعدل يقارب 3 سنتمتر لكل 1000 سنة. وبهذا المعدل ستستغرق المياه والرياح والثلج 100 مليون سنة، لتخفض الجبال التي كان ارتفاعها 3000 متر (10,000 قدم).ومع أن هذه الفترة الزمنية تعد قصيرة نسبيًا بالمقياس الزمني لتاريخ الأرض فإن السجل الصخري يحتوي على الدليل الذي يثبت أن الأرض قد شهدت العديد من دورات بناء الجبال والانجراف. وفي ما يتعلق بالتغير الدائم لطبيعة الأرض خلال امتدادات كبيرة للزمن الجيولوجي، أدلى (هاتون) بتصريح كاد أن يصبح تصريحه الأكثر شهرة. ففي ختام مقالته الكلاسيكية عام 1788م التي نشرت في محاضر الجمعية الملكية لأدنبره ، قال : بذلك، فإنّ نتائج بحثنا التي لا نجد فيها أثرًا لبداية، لا يوجد احتمالية لنهايتها"".
في الفصول التالية، سنعمل على دراسة المواد التي تشكل كوكبنا، والعمليات التي تغيره. ومن الأهمية بمكان أن نتذكر أنه على الرغم من وجود العديد من ميزات المناظر الطبيعية التي يبدو أننا لا نلاحظ تغيّرها على مدى العقود، غير أنها آخذة في التغيّر ، ولكن على مقاييس زمنية لمئات، أو آلاف، أو حتى بضعة ملايين من السنين.
الزمن الجيولوجي وعلى الرغم من أن (هاتون) وغيره اكتشفوا أن الزمن الجيولوجي طويل جدا، إلا أنه لم يكن لديهم وسائل لتحديد عمر الأرض بدقة. ومع ذلك، في عام 1896م، تم اكتشاف النشاط الإشعاعي. وبدأ استعمال النشاط الإشعاعي لتحديد التواريخ العددية في محاولته الأولى عام 1905م وتم تنقيحه منذ ذلك الحين. وأصبح الجيولوجيون الآن قادرين على تعيين تواريخ دقيقة إلى حد ما لأحداث تاريخ الأرض"". وعلى سبيل المثال، نعرف أن الديناصورات قد انقرضت قبل نحو 65 مليون سنة مضت. وعمر الأرض اليوم يقدر بـ 4.6 مليارات سنة تقريبا.مقدار الزمن الجيولوجي
مفهوم الزمن الجيولوجي جديد للكثير من غير الجيولوجيين، فقد اعتاد الناس على التعامل مع الزيادات في الزمن الذي يقاس بالساعات والأيام والأسابيع والسنوات. كما درست كتب التاريخ في كثير من الأحيان أكثر الأحداث الممتدة لقرون، ولكن حتى القرن من الصعب أن نقدّره تماما بالنسبة إلى معظمنا، فإنّ شخصا ما أو شيئًا ما إذا بلغ من العمر 90 عامًا فهو قديم جدا، وقطعة أثرية عمرها 1000 عام تعد عتيقة.وعلى النقيض من ذلك، يجب على الذين يدرسون الجيولوجيا أن يتعاملوا بشكل روتيني مع الفترات الزمنية الواسعة لملايين أو مليارات آلاف الملايين) من السنين. وعند النظر إليها في سياق تاريخ الأرض، فإنه بالنسبة إلى عمر الأرض البالغ 4.6 مليارات سنة، فإنّ حدثًا جيولوجيا وقع قبل 100 مليون سنة يعد ""حديثا"" بالنسبة إلى الجيولوجي، وعينات الصخور التي تم تأريخها في 10 ملايين سنة تعد ""صغيرة"" في عمرها. إن تقدير مقدار الزمن الجيولوجي مهم في دراسة الجيولوجيا ؛ لأن الكثير من العمليات تتم تدريجيا، ويلزم أن تمتد عبر الزمن، قبل أن تحدث تغييرات كبيرة.ما طول فترة الـ 4.6 مليارات سنة؟ لو كنت ستبدأ العد بمعدل رقم واحد في الثانية الواحدة واستمر هذا العد لمدة 24 ساعة في اليوم و 7 أيام في الأسبوع ودون أي توقف على الإطلاق، فإنّ الأمر سيستغرق حوالي مرحلتين من العمر (150) سنة كي تصل إلى 4.6 مليارات كما أنه توجد قاعدة مشوقة أخرى للمقارنة على النحو الآتي:اضغط على سبيل المثال كامل فترة 4.5 مليارات سنة من الزمن الجيولوجي في عام واحد. وعلى ذلك المقياس، فإنّ أقدم الصخور التي نعرف تأرخت من حوالي منتصف مارس، وظهرت الكائنات الحية للمرة الأولى في البحر في مايو، وظهرت الحيوانات والنباتات البرية في أواخر نوفمبر / تشرين الثاني، والمستنقعات الواسعة النطاق التي شكلت ترسبات الفحم في بنسلفانيا، ازدهرت لنحو أربعة أيام في بدايات ديسمبر. وقد أصبحت الديناصورات مهيمنة في منتصف ديسمبر، ولكنها اختفت في 26 من الشهر نفسه، وفي الوقت نفسه تقريبا، تم رفع جبال روكي الأول مرة، وظهرت المخلوقات التي تشبه الإنسان في وقت ما خلال مساء 31 ديسمبر، وكان آخر الصفائح الجليدية القارية قد بدأت في الانحسار من منطقة البحيرات العظمى وشمال أوروبا منذ دقيقة و 15 ثانية تقريبا، قبل منتصف الليل في 31 من ديسمبر. وحكمت روما العالم الغربي لمدة 5 ثوان من 11:59:45 وحتى 11:59:50 ، واكتشف كولومبوس أميركا قبل 3 ثوان من منتصف الليل، وعلم الجيولوجيا كان قد بدأ مع كتابات (جيمس هاتون)، فقط أكثر بقليل من ثانية واحدة قبل نهاية عامنا الحافل بالأحداث السنوية. إن ما سبق، مجرد واحدة من العديد من التناظرات الوظيفية التي تم تصورها في محاولة للتعبير عن حجم الزمن الجيولوجي. ومع أنها جميعًا مفيدة، ومهما كانت ذكية، فإنها فقط تبدأ بمساعدتنا على فهم الامتداد الشاسع لتاريخ الأرض. التاريخ النسبي ومقياس الزمن الجيولوجيخلال القرن التاسع عشر، وقبل وقت طويل من استعمال التاريخ الإشعاعي كان مقياس الزمن الجيولوجي قد تطور باستعمال مبادئ التاريخ النسبي. ويعني التاريخ النسبي وضع الأحداث ضمن تسلسلها أو ترتيبها الصحيح دون معرفة عمرها بالسنوات. ويتم ذلك من خلال تطبيق مبادئ مثل قانون التعاقب الطبقي. وتنطبق هذه القاعدة على المواد الأساسية التي ترسبت في الأصل على سطح الأرض، مثل طبقات من الصخور الرسوبية وتدفق الحمم البركانية. وينص القانون ببساطة على أن أحدث طبقة في الأعلى، وأقدم طبقة في الأسفل على افتراض أنه لا يوجد شيء قد قلب الطبقات رأسًا على عقب، وذلك يحدث في بعض الأحيان). أي أن الطبقة أقدم من تلك التي تعلوها، وأحدث من تلك التي تكون تحتها. ويوفر وادي أريزونا) الكبير مثالاً جيدًا للصخور الأقدم التي تقع في الخانق الداخلي، والصخور الأحدث التي توجد على الحافة. لذا، فقد أنشأ قانون التعاقب الطبقي تسلسل طبقات الصخور، ولكن بالطبع ليس أعمارها المطلقة بالسنوات. (انظر الشكل (1-6) وفي يومنا هذا يعد مثل هذا الاقتراح بدائيا، ولكن منذ 300 سنة، كان يعني تقدمًا كبيرا في التفكير العلمي، من خلال إنشاء أساس منطقي لقياسات التأريخ النسبي الأحافير، هي بقايا أو آثار كائنات حية قديمة، وكانت بداية لتطوير مقياس الزمن الجيولوجي الشكل (71). كما أن الأحافير أساس مبدأ التعاقب الأحفوري، الذي ينص على أن كائنات الأحافير تغيرت مع الزمن، ويمكن تحديدها في نظام محدد، وبالتالي يمكن أن نعرف أي مدة زمنية من محتواها الأحفوري. كان هذا المبدأ يعمل بجهد جهيد على مدى عقود، من خلال جمع الأحافير من طبقات الصخور التي لا تعد ولا تحصى في أنحاء العالم جميعها. ومنذ اعتماده، سمح هذا المبدأ للجيولوجيين بتحديد الصخور ذات العمر نفسه في أماكن متباعدة، وبناء مقياس الزمن الجيولوجي الموضح في الشكل (81). لاحظ أن الوحدات التي لها التسميات نفسها، لا تمتد بالضرورة لعدد السنوات نفسه على سبيل المثال، استمر العصر الكمبري قرابة 54 مليون سنة، في حين أن العصر السيلوري امتد فقط 28 مليون سنة. وكما سنؤكد مرة أخرى في الفصل التاسع)، فإن هذا الوضع موجود ؛ لأن الأساس لوضع مقياس الزمن لم يكن إيقاعا منتظما على مدار الساعة، ولكن كان ذا طابع متغير لأشكال الحياة عبر الزمن. كما أن التواريخ العددية المحددة قد أضيفت منذ زمن بعيد بعد تأسيس المقياس الزمني) أيضا أن دهر الحياة الظاهرية ينقسم إلى الكثير من الوحدات، أكثر من الدهور في وقت سابق، على الرغم من أنه يشمل فقط 12% تقريبا من تاريخ الأرض. إن السجل الأحفوري الضئيل لتلك الدهور السابقة هو السبب الرئيس لعدم وجود تفصيل عن هذا الجزء من المقياس الزمني؛ فبغير أحافير وفيرة يفقد الجيولوجيون الأداة الرئيسة اللازمة لتقسيم الزمن الجيولوجي . دراسة الأرض من الفضاءلقد جمعت الحقائق العلمية بطرق عديدة، بما في ذلك الدراسات المخبرية والملاحظات الميدانية والقياسات. وتعد صور الأقمار الاصطناعية مثل تلك الموصوفة هنا مصدراً آخر للبيانات المفيدة، وتوفر هذه الصور وجهات النظر التي يصعب الحصول عليها من أكثر المصادر التقليدية. إضافة إلى ذلك، فإن أدوات التكنولوجيا العالية الجودة الموجودة في الأقمار الاصطناعية تمكن العلماء من جمع المعلومات من المناطق النائية التي تكون البيانات فيها نادرة. الصورة في الشكل (11) تم إنشاؤها عن طريق استعمال بيانات رادار الأقمار الاصطناعية ضمن مهمة رسم خرائط القطب الجنوبي. وهي توضح أن حركة نهر (لامبرت) الجليدي في القطب الجنوبي. والأنهار الجليدية الأصغر حجمًا التي تتصل به تكون سرعتها أقل وتظهر باللون الأخضر وتتحرك من 100 - 300 متر 330 - 980 قدمًا) في السنة. وتتحرك معظم أنهار لامبرت الجليدية نفسها . فرضيةبعد جمع الحقائق ووضع المبادئ لوصف ظاهرة طبيعية، يقوم الباحثون بتفسير كيف أو لماذا تجري الأمور على النحو الملاحظ وكثيرا ما يفعلون ذلك من خلال وضع تفسير مؤقت أو غير مختبر ، وهو ما يسمى فرضية علمية. ومن الأفضل للباحث أن يتمكن من وضع أكثر من فرضية واحدة لشرح مجموعة معينة من الملاحظات. وإذا كان العالم غير قادر على وضع فرضيات متعددة وحده، فعلماء آخرون من المجتمع العلمي سيطورون تفسيرات بديلة، وسيجري نقاش حماسي متكرر. ونتيجة لذلك، أجريت بحوث واسعة النطاق من قبل أنصار المعارضة للفرضيات، وأتيحت النتائج لمجتمع علمي أوسع في المجلات العلمية.قبل أن تصبح الفرضية جزءًا مقبولاً من المعرفة العلمية، لا بد أن تمر بفحص موضوعي وتحليل. إذا كانت الفرضية غير قابلة للفحص، فإنها ليست مفيدة علميا، بغض النظر عن مدى أهميتها التي قد تبدو لنا. تتطلب عملية التحقق تلك التوقعات التي تتم على أساس النظر في هذه الفرضية، ويمكن اختبار صحة تلك التوقعات بمقارنتها بالملاحظات الموضوعية للطبيعة. وبعبارة أخرى يجب أن تكون الفرضيات متناسبة مع الملاحظات أكثر من تلك التي استعملت لوضعها في المقام الأول. أما الفرضيات التي لا يتحقق اختبارها فتستبعد في النهاية. إن تاريخ العلم مليء بالفرضيات المستبعدة. واحدة من أفضل النظريات المعروفة هي نموذج الكون القائم على الأرض، وهو الاقتراح الذي كانت تدعمه الحركة اليومية للشمس والقمر والنجوم حول الأرض. وقد صرح عالم الرياضيات يعقوب برونوسكي باقتدار، العلم هو أشياء كثيرة عظيمة، ولكن في النهاية تعود جميعها لهذا العلم هو قبول ما يعمل، ورفض ما لا يعمل"". نظريةبعد خضوع الفرضية لتدقيق واسع النطاق، تصبح أكثر قبولاً من غيرها، فالفرضية تصل إلى مستوى وضع نظرية علمية. ويمكننا القول، ""إنها مجرد نظرية. ولكن النظرية العلمية هي المختبرة بشكل جيد، والفكرة المقبولة على نطاق واسع، والتي تمت الموافقة عليها من المجتمع العلمي؛ لأنها الأفضل في تفسير حقائق مشاهدة معينة. إن بعض النظريات التي تم توثيقها على نطاق واسع، وتأييدها بشكل جيد للغاية، تكون شاملة في نطاقها. على سبيل المثال، تعد نظرية الصفائح التكتونية إطارا لفهم أصل الجبال، والزلازل، والنشاط البركاني. وبالإضافة إلى ذلك، تفسر الصفائح التكتونية تطور القارات وأحواض المحيطات من خلال الزمن، وسيتم تفصيل ذلك في الفصول: الثاني عشر والثالث عشر، والرابع عشر.طرق علميةتسمى العملية التي تم وصفها للتو، والحقائق التي جمعها الباحثون من خلال الملاحظات وصياغة الفرضيات والنظريات العلمية ""المنهاج العلمي"". وخلافا للاعتقاد الشائع، فالمنهاج العلمي ليس وصفة العلماء القياسية التي تطبق بطريقة روتينية لكشف الأسرار الطبيعية لعالمنا، بل هو مسعى ينطوي على الإبداع والبصيرة. وقد وضعها (رذرفورد) و (أليجرين) على النحو الآتي: ""إن صياغة الفرضيات أو النظريات هو تصور الكيفية التي يعمل بها العالم، والكشف بعد ذلك عن كيفية أنها يمكن أن تكون قد وضعت لاختبار الواقع، وهي إبداع بقدر كتابة الشعر والتلحين والموسيقى تماما ، أو تصميم ناطحات السحاب. لا يوجد مسار ثابت يتبعه العلماء دائما يؤدي إلى المعرفة العلمية الصحيحة. ومع ذلك فإن الكثير من الأبحاث العلمية تنطوي على الخطوات الآتية:1- مجموعة من الحقائق العلمية عن طريق المراقبة والقياس،
2- صياغة الأسئلة التي تتعلق بالحقائق، وتطوير واحدة أو أكثر من فرضيات العمل التي يمكنها الإجابة عن هذه الأسئلة.3 - إخضاع الملاحظات والتجارب لاختبار الفرضيات.4- قبول الفرضية القائمة على اختبارات مكثفة، أو تعديلها، أو رفضها. قد تنتج اكتشافات علمية أخرى عن أفكار نظرية بحتة، تصمد أمام الفحص الواسع النطاق. يستعمل بعض الباحثين، أجهزة الحاسب الآلي العالية السرعة الإنشاء نماذج تحاكي ما يحدث في العالم الحقيقي"". وتكون هذه النماذج مفيدة عند التعامل مع العمليات الطبيعية التي تحدث على فترات زمنية طويلة جدا، أو تجري في أماكن بعيدة جدا، أو لا يمكن الوصول إليها. ومع ذلك فقد تم إحراز تقدم علمي واسع عندما كانت النتائج غير متوقعة الحدوث تماما في أثناء تجربة ما، وهذه الاكتشافات التي حدثت مصادفة، ليست أكثر من محض حظ؛ لأنه كما قال لويس باستور: في مجال الملاحظة الفرصة تختار العقل المستعد"" وتكتسب المعرفة العلمية من خلال عدة وسائل. لذا، قد يكون من الأفضل وصف طبيعة البحث العلمي كأساليب للعلم بدلاً من الأسلوب العلمي. وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن نتذكر دائمًا أن معظم النظريات العلمية المفروضة لا تزال تشكل تفسيرات مبسطة للعالم الطبيعي. هل تتحرك الأنهار الجليدية؟ تطبيق للمنهج العلمي تعلمت في الإطار (1-1) أن الأجهزة المتخصصة على متن الأقمار الاصطناعية تسمح لنا برصد الأنهار الجليدية من الفضاء. وهذا بالطبع تقدم حديث مفاجئ في المعرفة. لقد كانت دراسة سلوك الأنهار الجليدية في القرن التاسع عشر أكثر صعوبة ومشقة. تعد دراسة الأنهار الجليدية أحد التطبيقات المبكرة للمنهاج العلمي. توجد جبال الألب العالية في سويسرا وفرنسا، وبها أنهار جليدية صغيرة في الأجزاء العليا لبعض الوديان الشكل (1 (جـ)، وفي أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، أشار الرعاة في هذه الوديان، إلى أن الأنهار الجليدية في الروافد العليا من الوديان كانت في السابق أكبر من ذلك بكثير، وكانت المناطق في أسفل الوادي مأهولة بالسكان. وتستند هذه التفاسير على حقيقة أن أراضي الوادي مغطاة بصخور زاوية وغيرها من الحطام الصخري، الذي بدا مطابقا للمواد التي يمكن أن يروها داخل الأنهار الجليدية، وبالقرب منها في رؤوس الوديان. وعلى الرغم من أن تفسير هذه الملاحظات يبدو منطقيا، إلا أن آخرين رفضوا قبول فكرة أن مجموعات الجليد بسمك مئات الأمتار كانت قادرة على الحركة. وقد حسم الخلاف بعد تجربة بسيطة، تم تصميمها وتنفيذها لاختبار الفرضية القائلة بأن الثلج الجليدي يمكن أن يتحرك.لقد وضعت علامات في خط مستقيم تماماً عبر نهر جليدي في جبال الألب، وتم تعيين موقع الخط على جدران الوادي بحيث إذا انتقل الجليد يمكن أن يتم الكشف عن التغيير في الموقع. وبعد سنة أو سنتين كانت النتائج واضحة. كانت العلامات التي على الجبل الجليدي قد أحرزت تقدمًا في أسفل الوادي، مما يثبت أن الثلج الجليدي يتحرك في الواقع. وبالإضافة إلى ذلك، أظهرت التجربة أن الثلج في نهر جليدي لا يتحرك بمعدل موحد؛ وذلك لأن العلامات التي في المركز قد تقدمت أبعد من تلك الممتدة على طول الحواف. ورغم أن معظم الأنهار الجليدية تتحرك ببطء شديد تبعا للملاحظة المباشرة، إلا أن التجربة نجحت في إثبات حدوث هذه الحركة على الرغم من ذلك. وفي السنوات التي تلت ذلك، تم تكرار هذه التجربة مرات عديدة بمزيد من الدقة، وباستعمال المزيد من التقنيات الحديثة في المسح. وفي كل مرة، كان التحقق يتم من العلاقات الأساسية التي تم التوصل إليها في المحاولات السابقة.أجريت التجربة الموضحة في (الشكل 1 د) في نهر (رون) الجليدي في سويسرا في وقت لاحق من القرن التاسع عشر، ولم تتم مراقبة حركة العلامات داخل الثلج فحسب، ولكن جرى أيضًا تعيين موقع نهاية النهر الجليدي. وعلى الرغم من أن الثلج داخل الأنهار الجليدية كان يتقدم، إلا أن الجبهة الجليدية كانت تتراجع. وكما يحدث في كثير من الأحيان في مجالات العلوم فإنّ التجارب والملاحظات التي تنفذ بهدف اختبار فرضية واحدة، تقدم معلومات جديدة وتتطلب المزيد من التحليل والتفسير. الصفائح التكتونية والبحث العلميتتوافر الكثير من الفرص في صفحات هذا الكتاب، لتطوير فهمك وتعزيزه حول منهجية العمل العلمي، وبخاصة كيفية عمل علم الجيولوجيا. وستتعلم عن أساليب المشاركة في جمع البيانات، وتطوير حس تقنيات الملاحظة والعمليات المنطقية التي يستعملها الجيولوجيون. ويعد الفصل الثاني ""تكتونية الصفائح: الثورة العلمية التي تكشف عن مثالاً جيدًا على ذلك. خلال العقود الماضية، عرفنا الكثير حول طريقة عمل كوكبنا الحيوي. وشهدت هذه الفترة ثورة لا مثيل لها في فهمنا للأرض. وبدأت الثورة في وقت مبكر من القرن العشرين، مع عرض أساسي للانجراف القاري؛ فكرة أن القارات تتنقل على وجه الكوكب. وتتناقض هذه الفرضية مع الرأي، الذي يقول إن القارات وأحواض المحيطات دائمة وثابتة الملامح على وجه الأرض. لذا، فقد تم استقبال فكرة القارات المنجرفة بقدر كبير من التشكيك والسخرية. وقد مضت أكثر من 50 سنة قبل أن يتم جمع بيانات كافية لتحويل هذه الفرضية المثيرة للجدل إلى نظرية صحيحة، حيث تعمل على توليف العمليات الأساسية المعروفة وجمعها معا لتنفيذها على الأرض. وتُسمّى النظرية التي ظهرت أخيرا ""نظرية تكتونية الصفائح""، حيث زودت الجيولوجيين بأول نموذج شامل الأساليب العمل الداخلي للأرض. وعندما تقرأ الفصل الثاني، لن تكسب إضاءات حول طريقة عمل كوكبنا فحسب، بل ستشاهد أيضًا مثالاً جيدًا على الطريقة الجيولوجية ""الحقائق"" التي تم توضيحها وتنقيحها.
أغلفة الأرضلقد وفرت النظرة التقليدية للأرض، لرواد الفضاء أبولو (8) وباقي البشر منظوراً فريدًا لكوكبنا. ويتضح من الفضاء، أن الأرض فاتنة في جمالها ومذهلة في تفردها. وتذكرنا مثل هذه الصورة، أن أرضنا كوكب صغير متفرد بذاته، لكنه في بعض الأحيان يكون هشا. وقد عبر (بيل أندرس) أحد رواد فضاء أبولو 8، عن ذلك بقوله: ""لقد قطعنا كل هذه الطريق لاستكشاف القمر، والشيء الأكثر أهمية هو أننا اكتشفنا الأرض"".
وبينما ننظر عن كثب إلى كوكبنا من الفضاء، يصبح من الواضح أن الأرض هي أكثر من مجرد صخور وتربة الشكل 1-10 (ب). في الواقع، إن الملامح الأكثر وضوحًا هي ليست القارات، بل السحب الحائمة العالقة فوق السطح والمحيطات الشاسعة العالمية التي تؤكد أهمية الماء والهواء لكوكبنا. إن نظرة قريبة على الأرض من الفضاء، كما في الشكل 1-10 (ب) تساعدنا على فهم لماذا تنقسم البيئة الطبيعية إلى ثلاثة أجزاء رئيسة، هي:( المياه على كوكبنا الغلاف المائي)، (والغلاف الغازي للأرض الغلاف الجوي) والأرض الصلبة بالطبع الغلاف الأرضي). ويجب التأكد أن بيئتنا متكاملة
بشكل كبير ولا تسودها الصخور أو الماء أو الهواء فحسب، ولكنها تتميز بتفاعل مستمر، كما يتفاعل الهواء مع الصخور، والصخور مع الماء، والماء مع الهواء. إضافة إلى ذلك، فإن المحيط الحيوي، هو المجموع لكل الحياة النباتية والحيوانية على كوكبنا، ويتفاعل مع كل من النواحي المادية الثلاث، وهو جزء لا يتجزأ أيضًا من هذا الكوكب. وهكذا، فإنّ الأرض تتكون من أربعة أغلفة رئيسة هي: الغلاف المائي، والغلاف الجوي، والغلاف الأرضي، والمحيط الحيوي. إن التفاعلات بين أغلفة الأرض الأربعة لا تحصى. أحد التصورات السهلة لذلك. على سبيل المثال، فخط الساحل هو مكان لقاء واضح للصخور والمياه والهواء. وفي هذا المشهد، ترتطم موجات المحيط، التي تكونت من خلال حركة الهواء الذي يتحرك عبر الماء، وتتحطم على الساحل الصخري. ويمكن لقوة المياه أن تكون شديدة، ويكون الحد الناتج عنها كبيرا. الغلاف المائيتسمى الأرض أحيانًا الكوكب الأزرق. وتجعل المياه - أكثر من أي شيء آخر - الأرض فريدة من نوعها والغلاف المائي هو كتلة من المياه تتحرك باستمرار، وتتبخر من المحيطات إلى الغلاف الجوي، وتسقط على سطح الأرض، وتعود مندفعة إلى المحيطات مرة أخرى. إن المحيطات بالتأكيد أكثر ميزة بارزة للغلاف المائي، وتغطي ما يقرب من 71% من سطح الأرض على عمق يبلغ معدله قرابة 3800 متر 12,500 قدم). وتمثل %97% تقريبا من الماء في الأرض. وإضافة إلى ذلك، فإن الغلاف المائي يشمل أيضا المياه العذبة الجوفية، والجداول، والبحيرات، والأنهار الجليدية، إضافة إلى ذلك، فالماء مكون رئيس للكائنات الحية جميعها .ورغم أن هذه المصادر الأخيرة تشكل مجرد جزء صغير من المجموع، إلا أن لها أهمية كبيرة على الرغم من نسبتها الضئيلة المشار إليها. وبالإضافة إلى توفير المياه العذبة التي تعد حيوية بالنسبة إلى حياة الإنسان على الأرض، فإن الجداول، والأنهار الجليدية، والمياه الجوفية، هي المسؤولة عن نحت الكثير من التضاريس المتنوعة لكوكبنا وتكوينها. الغلاف الجوي الأرض محاطة بغلاف غازي واهب للحياة، يُسمى الغلاف الجوي (الشكل (12-1). عندما نشاهد طائرة نفاثة محلقة عاليا عبر السماء، يبدو أن الجو يمتد صعودا إلى مسافة كبيرة. ومع ذلك، وبالمقارنة مع سمك الأرض الصلبة (6400) كيلومتر أو 4000 ميل تقريبا، فإنّ الغلاف الجوي طبقة رقيقة للغاية، ونصفه يكمن تحت ارتفاع يبلغ 5.6 كيلومترات (3.5) أميال، و 90% يتواجد ضمن 16 كيلومترا (10) أميال فقط عن سطح الأرض. وعلى الرغم من أن أبعاده متواضعة فإن هذه البطانة الرقيقة من الهواء هي جزء لا يتجزأ من هذا الكوكب. فهو لا يوفر فقط الهواء الذي نتنفسه، ولكنه يحمينا أيضًا من حرارة الشمس الشديدة، والأشعة فوق البنفسجية الخطرة. إن تبادل الطاقة الذي يحدث باستمرار بين الغلاف الجوي وسطح الأرض، وبين الغلاف الجوي والفضاء، ينتج عنه الآثار التي نسميها الطقس والمناخ. وإذا لم يكن للأرض غلاف جوي - مثل القمر مثلاً - فإن كوكبنا لا يكون بلا حياة فحسب، ولكن الكثير من العمليات والتفاعلات التي تجعل من هذا السطح مكانا حيويا، لا يمكن أن تعمل. ومن دون التجوية والانجراف فإن وجه كوكبنا قد يكون أكثر شبها بسطح القمر الذي لم يتغيّر بصورة ملحوظة منذ 3 مليارات سنة تقريبا.
