ملخص: يستعرض الفصل الخامس أعمال رشدي راشد في تاريخ علم المناظر، حيث يسلط الضوء على تطور هذا العلم من العصور القديمة إلى العصر الإسلامي. اكتشف راشد أن ابن الهيثم لم يكن مجرد استكمال لعلم بطلميوس، بل قدّم تجديدات مهمة مثل استخدام التجربة كوسيلة إثبات وتطوير مفهوم الشعاع الضوئي. كما أشار إلى دور علماء مثل ابن سهل الذي ساهم في دراسة المرايا المحرقة واكتشاف قانون انكسار الضوء في العدسات، مما أحدث نقلة في فهم الضوء. اهتم الفلاسفة والعلماء مثل ابن سهل والكندي وابن الهيثم بمفاهيم الضوء والأشعة البصرية بطرق مختلفة، ما ساعد في تعزيز فهمنا لظواهر الإبصار وانتشار الضوء.
تجديد تاريخ علم المناظرلقد كرس راشد جزءًا كبيرًا من أعماله لتاريخ علم المناظر. إلا أنه على الرغم من أن إسهاماته في هذا المجال لا تقل أهمية في بعض الأحيان عن إسهاماته في تاريخ الرياضيات، فإن الوضع ههنا مختلف. فإن كان علينا الانتظار إلى العقود الأخيرة من القرن العشرين حتى يقدم التاريخ على وضع أعمال الخيام الجبرية وشرف الدين الطوسي إلى جانب أعمال ديكارت وفارما، فثمة على الأقل عالم واحد من الحقبة الإسلامية احتل مكانة مهمة لفترة طويلة في تاريخ علم المناظر. إنه ابن الهيثم الهازان « Alhazen» عند اللاتينيين الذي ترجم له عمله العظيم (magnum opus)، كتاب المناظر، إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر، وهو الكتاب الذي كان متداولا عند العلماء المهتمين بهذا العلم حتى منتصف القرن السابع عشر ، وحتى بعد ذلك بكثير.في الواقع، وخلافا لما نلاحظه في بعض العلوم الفيزيائية، مثل الديناميكا، حيث تتطلب ولادة أفكار جديدة حدوث قطيعة شبه تامة مع ما كان موجودًا من قبل يُقدم لنا تاريخ علم المناظر مثالا لعلم يتساوق فيه الاتصال والقطيعة، فتظهر الأفكار الجديدة في كثير من الأحيان نتيجة قراءة جديدة لنص أو نصوص قديمة.وهكذا نجد أن بطلميوس يستأنف عمل إقليدس ليكمله، ويُبرز الكندي أفكاره الجديدة بنقد أفكار إقليدس، كما أن المناظر اللاتينية بأكملها في القرون الوسطى قد تكونت حول قراءة بعض أعمال الكندي وابن الهيثم، وأخيرا، فإن كبلار (Kepler) قد بنى نظريته في المناظر في صورة نقد لأعمال ابن الهيثم التي عرفها من خلال تلخيص فيتلو (Vitello). تتناول كتابات راشد جزءًا كبيرًا من هذا التاريخ، لا سيما أجزاءها المكتوبة باللغة العربية أو المترجمة إليها. وثمة سمة مميزة لعلم المناظر العربي تكمن في خصوصية مصادره. فعلى عكس علوم أخرى مثل علم الفلك الذي كانت مصادر العلماء العرب فيه متنوعة - هندية فارسية ويونانية ، فإنّ علم المناظر الهندسي العربي، كما يقول راشد كان وريث علم المناظر اليوناني لا غير ولذلك لا يمكن إرجاع تطور علم المناظر العربي، واصلاح ابن الهيثم له بالخصوص، إلى التقاء تقاليد [علمية متنوعة أو إلى المسائل الناتجة عنها.إن علم المناظر الذي يمثل اليوم جزءًا من الفيزياء هو أحد أقدم العلوم الرياضية، وهو من بين تلك العلوم التي تطلق عليها اليوم الرياضيات التطبيقية، تلك التي تستخدم مناهج ومفاهيم رياضية من أجل تفسير ظاهرة طبيعية. وبالفعل فعندما يتعلق الأمر بالمناظر الهندسية اليونانية نجدها قد اقتصرت على محاولة هَنْدَسَةِ الإبصار (geometrisation de la vision). وكانت هذه الهندسة ممكنة بفضل تدخل الأشعة البصرية. لأنه كان يعتقد. وفقا لعلماء المناظر اليونانيين، وحسب أقدم نص متاح من هذا التراث وهو كتاب المناظر الإقليدس، أن الإبصار ينتج عن انبعاث أشعة من العين تتبع خطوطا مستقيمة، وبوقوعها على الشيء المرئي ومرورها على سطحه، تراه العين. وبهذا يكون الانتشار المستقيم للشعاع البصري هو المبدأ الذي بني عليه علم المناظر الهندسي اليوناني، وحتى وإن تعرضت هذه النظرية إلى مراجعات مهمة بعد إقليدس، وخصوصا في أعمال بطلميوس، فهذا المبدأ لن يتخلى عنه أبدًا.تضمن كتاب ""المناظر "" البطلميوس عدة موضوعات: فهو يشمل من ذلك الوقت وإلى جانب الإبصار المباشر الإبصار غير المباشر الذي يعني الإبصار الناتج عن انعكاس الأشعة البصرية أو انكسارها. وستشكل الدراسات المخصصة لهاتين الظاهرتين، وهما انعكاس الأشعة البصرية وانكسارها، مع مرور الوقت، فصولا مستقلة ستحمل إذن أسماءها الخاصة: علم انعكاس الضوء (catoptrique) وعلم انكسار الضوء (dioptrique). إضافةً إلى ذلك نجد في كتاب المناظر البطلميوس عنصرا تجريبيا لم يكن موجودا عند سلفه [إقليدس).ولهذا الغرض تحديدا كان علم المناظر الإغريقي يستخدم الأشعة، وبالتالي لم تكن له أية علاقة بالضوء وانتشاره. ولم يكن الضوء إلا شرطا من شروط الإبصار لأنه لا يمكن رؤية شيء في الظلام. ومع ذلك، كان هناك علم آخر يتناول الاحتراق عن طريق انعكاس الأشعة الضوئية هذه المرة على مرايا القطع المكافئ، أو المرايا الكروية، أو المرايا المسطحة. ومع ذلك، لم يكن لهذا العلم أية علاقة بالإبصار، ومن ثم، كان ينظر إليه بما هو علم رياضي خالص.ومثلما أشرنا من قبل، فإن أغلب المؤلفات اليونانية في علم المناظر، سواء كانت تتعلق بالبصريات بالمعني الحرفي أو بالمرايا المحرقة، قد تُرجمت إلى العربية أثناء حركة الترجمة، وكان ذلك يسير بالتوازي مع بحث مكثف في هذا المجال. فجوة في التاريخومع ذلك، وعلى الرغم من الاستمرارية التي تمكن ملاحظتها في تاريخ علم المناظر كان يبدو قبل أعمال رشدي راشد أن هناك فجوة في هذه الاستمرارية [التاريخية]. لذلك، يجب الرجوع إلى وضعية تاريخ علم المناظر في ستينيات القرن العشرين عندما بدأ راشد بحوثه في هذا المجال. امتدت هذه البحوث على فترة تفوق ثلاثة عقود، وحوت ثلاثة مجالات مترابطة ومتميز بعضها من بعض في الآن نفسه: تاريخ علم المناظر قبل ابن الهيثم، وعلم المناظر لابن الهيثم، وتاريخ علم المناظر بعد ابن الهيثم إضافة إلى ذلك، تتناول هذه البحوث تاريخ البصريات بالمعنى الحرفي للعبارة، كما تتناول تاريخ المرايا المحرقة.ولا يعني هذا التصنيف، مع ذلك الترتيب الذي أنجزت وفقه هذه الأعمال. فكتاب ""علماء انعكاس الضوء اليونانيون"" الذي يتناول بدايات علم المرايا المحرقة وظل غير مكتمل السنوات عديدة، لم ينشر إلا في عام 2000، بينما نجد أن بعض أعمال راشد عن ابن الهيثم وعن كمال الدين الفارسي قد نُشرت في نهاية ستينيات القرن الماضي. هذا الفارق بين الترتيب الزمني الذي أنجز فيه راشد مشروعه حول تاريخ علم المناظر من ناحية، والترتيب المنطقي والتاريخي من ناحية أخرى، ليس اعتباطيا. إذ يبدو أن البحث في هذا المجال، بالنسبة إلى راشد وإلى الكثير من غيره الذين سبقوه، يبدأ بتساؤل حول طبيعة الإصلاح الذي أنجزه ابن الهيثم في علم المناظر. ففي اللحظة التي شرع فيها البحث، كان السؤال مطروحًا في إطار محدد كان مؤرخو علم المناظر يعتقدون، بما في ذلك كبار المؤرخين، أن في الفترة بين بطلميوس وابن الهيثم، أي بين القرنين الثاني والعاشر الميلاديين، لم يحدث شيء يذكر في تاريخ علم المناظر. ولذلك، كان يُنظر إلى ابن الهيثم باعتباره وريث مباشر البطلميوس الذي قد يكون كتابه مثل نموذجا لابن الهيثم عند تأليف كتابه العظيم، كتاب المناظر. ويصف راشد هذا الوضع على النحو التالي:"" عند تحليل إسهامات ابن الهيثم في مجال انكسار الضوء، يقتصر المؤرخون على الإحالة على بطلميوس. ولذلك يظهر لهم ابن الهيثم شخصية معزولة، ظهرت في نهاية القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر. ويعتقدون أن ثمة فراغا بينه وبين بطلميوس، وبعده وجد فراغ آخر بينه وبين كمال الدين الفارسي"".وما يقوله راشد بخصوص الانكسار يصح أيضا على مجمل علم المناظر. هو ذا ما كتبه على سبيل المثال ألبار لوجون (Albert Lejeune)، المتخصص في علم المناظر في العصور القديمة: ""ظل كتاب بطلميوس يمثل بالنسبة إلى ابن الهيثم إذن آخر ما وصلت إليه البحوث في هذا العلم.وانطلاقا من هذه الصورة التي تشكلت عن تاريخ علم المناظر بين بطلميوس وابن الهيثم، قدم المؤرخون أطروحات عديدة حول مكانة ابن الهيثم في تاريخ هذا العلم وعلاقاته بسلفه بطلميوس، وطبيعة تجديده علم المناظر. ولما كان كتاب ابن الهيثم يدور ظاهريا حول مسألة الإبصار، وتتناسب فصوله على الأقل في ظاهرها، مع فصول كتاب المناظر البطلميوس، فلا ضير أن يدرج مشروع ابن الهيثم في علم المناظر برمته في إطار بحث يجعل من علم المناظر لبطلميوس أفضل مثال له وتمثل فيه مسألة الإبصار الإشكالية الأساسية في جميع وجوهها. وبالتالي، سيكون الفارق الوحيد بين هذين المؤلفين هو تعويض ابن الهيثم الشعاع البصري بالشعاع الضوئي: هكذا كان يقدم علم المناظر لابن الهيثم بما هو نظرية جديدة في الإبصار.ومع ذلك، ما كان يفوتنا أن نلاحظ اختلافات أساسية تفصل بين عمل ابن الهيثم وأعمال أسلافه، وخصوصا كتاب المناظر البطلميوس. ومن بين تلك الاختلافات، أكثرها بداهة هي أن ابن الهيثم يتخلص في كتابه الموسوم بالمناظر، من الشعاعات البصرية ولا يتحدث فيه إلا عن الشعاعات الضوئية. إضافة إلى ذلك، فهو يستخدم التجربة وسيلة جديدة للإثبات، كما إن تجاربه تتعدى بكثير، في تصورها وفي إجرائها على حد السواء، كل ما كان يوجد قبله. ومع ذلك، لم يكن ليحدث ذلك كله، في رأي أغلب المؤرخين، إلا من المنظور الذي حدده من قبل بطلميوس.إنه حقا وضع مثير لمفارقة. فمن ناحية، يبدو أن ابن الهيثم قد واجه صعوبات بالغة للوصول لنتائج قد توصل إليها بطلميوس من قبله، أو للتحقق من مبادئ مثل مبدأ الانتشار المستقيم للضوء، لم يكن يشكك فيها أحد. ومن ناحية أخرى، يجمع الباحثون على ما يبدو، بمعنى أو بآخر، على أن عمل ابن الهيثم كان تجديدًا حقيقيا في علم المناظر.فقيم سيكمن هذا التجديد إذن؟ إن كان علم المناظر لابن الهيثم مجرد نظرية جديدة للرؤية، وإن لم يختلف كثيرا، في خطوطه العريضة، عن نظرية بطلميوس فلماذا أقدم صاحبه إذن على إصلاح علم لم يكن في حاجة ماسة إليه ؟ ويُقدم لنا مؤرخو علم المناظر إجابات متنوعة للغاية عن هذا السؤال.ويشير بعض المؤرخين، بخصوص الجانب التجريبي لمناظر ابن الهيثم، إلى أن التقليد التجريبي يرجع على الأقل إلى التجارب التي أجراها بطلميوس حول انعكاس الأشعة البصرية وانكسارها. بينما يذهب آخرون إلى اعتبار تجارب ابن الهيثم ممارسة جارية بعد عند الفلكيين الذين كانوا يحاولون دائما التحقق بواسطة الأرصاد الجديدة من النتائج التي توصلوا إليها أو تعديلها. أما التجديد الأهم الذي أحدثه ابن الهيثم، وهو استبدال الشعاع الضوئي بالشعاع بالبصري، قد حاول المؤرخون تفسيره برده إلى عوامل خارجية، في غياب لكل تعليل له متاح داخل تاريخ علم المناظر كما يتصورونه. فذهب البعض إلى تقديمه كطريقة مختلفة للحديث عن قانون انكسار الضوء إذ بما أن دور كل شعاع إنما ينحصر في نهاية الأمر على المستوى الهندسي الخالص، في تأمين وجود خط مستقيم يربط بين العين ونقطة ما في الشيء المرئي، فلا يهم كثيرا أن يكون الشعاع منبعثا من الشيء المرئي إلى العين، أو من العين إلى الشيء المرئي.والصورة التي يرسمها آخرون لابن الهيثم، أي صورة عالم ذي ميول فلسفية قوية وراسخ القدم في الفلسفة المشائية، قدمت بمثابة حل المشكلة النهج العام الذي يتوخاه ابن الهيثم، وبالتحديد في ما يخص إصلاحه علم المناظر. إذ عادة ما يُقدم علم المناظر لابن الهيثم بما هو تأليف بين نظريات موجودة من قبل في الضوء وانتشاره، وفي الإبصار، وذلك لأنه يتحدث في ثلاث مناسبات على الأقل - في بداية كتابه ""المناظر"" و""الهالة وقوس قزح""، و""مقالة في الضوء"" - عن ضرورة ""تركيب العلوم الطبيعية والعلوم الرياضية عند دراسة الظواهر المتعلقة بالضوء والإبصار ووفقا للمؤرخين المؤيدين لهذا التفسير، لن يكون علم المناظر عند ابن الهيثم في الواقع سوى تأليف بين نظريتين كانتا تتقاسمان بينهما حقل الخطاب""، أولاهما نظرية ""المهندسين، إقليدس وبطلميوس""، وثانيتهما نظرية ""الفلاسفة المشائين"". وإذا صدقنا ما يذهب إليه مؤيدو هذا التأويل، فإن ""مقاربة الرياضيين"" قد تكون هيمنت على نهج البحث، بينما تحولت نظرياتهم، أو بالأحرى انقلبت في ضوء نظريات الفيزيائيين"".ولكن مثلما بين ذلك راشد، تعود هذه الصورة على الأقل جزئيا، إلى التباس بين فيلسوف يدعى محمد بن الهيثم وعالم الرياضيات الحسن ابن الهيثم، وهو الالتباس الذي يعود إلى كتاب السير القدامى، وهو الالتباس نفسه الذي يقع فيه الكثير من الكتاب المعاصرين .ولا تقف قائمة الحلول عند هذا الحد، بل ذهب البعض إلى أبعد من ذلك بكثير في حديثهم عن هذا التأليف بما هو حل مماثل للحل الذي يُقدمه ابن رشد،لـ ""لغز منزلة الرياضيات في التصنيف الأرسطي للعلوم.هذه نظرة موجزة للوضع الذي كانت فيه البحوث في علم المناظر المكتوب باللغة العربية في منتصف ستينيات القرن العشرين عندما بدأ راشد عمله في تاريخ علم المناظر. وذلك على الرغم من وجود عمل ضخم باللغة العربية المصطفى نظيف، إذ قدم بحثا شاملا حول جميع أعمال ابن الهيثم في المناظر كانت في متناوله، ومعظمها من المخطوطات، وأبان عن الكثير من النقاط الغامضة فيها.في هذا المشهد لم يكن من الغريب اعتبار ابن الهيثم ظاهرة فردية تقريبا فالكندي، وهو من بين أسلافه، لم يكن معروفا إلا من خلال الترجمة اللاتينية لأحد أعماله الشهيرة وهو كتاب في علل اختلاف المناظر (De aspectibus)، الذي لم يكن يدرس إلا لتأثيره في تطور المناظر في العصور الوسطى في الغرب. وما من أحد تناول هذا الكتاب لفهم ما يمكن أن يكشفه عن نشأة علم المناظر الجديد لابن الهيثم. وقد نظر إلى مساهمة الكندي الكبرى إذن، وهي تحليله النقطي للإبصار، من جانب نظرية الإبصار فقط. ولم يُعرف ابن سهل إلا من خلال مقطع في مؤلف ""مقالة في الضوء"" لابن الهيثم. أما تاريخ المرايا المحرقة فظل محصورا في تاريخ الرياضيات على مسافة بعيدة من تاريخ علم مناظر كان يقدم نفسه على أنه نظرية في الإبصار. أما كمال الدين الفارسي، وهو كبير من خلف ابن الهيثم، وظل كتابه لفترة طويلة الوسيلة الوحيدة لبناء فكرة عما قد احتوى كتاب المناظر لابن الهيثم فكان معروفا من خلال ما كتبه عن قوس قزح. ومع ذلك، إن هذا التفسير الأول الظاهرة أسالت الكثير من الحبر منذ العصور القديمة لم يحظ بعد بالتحليل الذي كان يستحقه.في هذا الجو تحديدا انطلق راشد في بحوثه في تاريخ علم المناظر. وكما أشرنا من قبل، بدأت هذه البحوث ببعض الأعمال عن ابن الهيثم وكمال الدين الفارسي. فالمقالات التي نشرها حول هذا الموضوع تهتم بالمسائل التي كنا نتحدث عنها فضلا عن اهتمامها بأمور أخرى. ويحاول راشد بالخصوص، ودون الرغبة في الدخول في جدال مع أنصار هذا التأويل أو ذاك، أن يعيد صياغة السؤال الذي طرحناه من قبل ما الجديد في أعمال ابن الهيثم ؟ وذلك بإيضاح جوانب مختلفة من أعماله.يستبعد راشد منذ البداية أطروحة التأليف بين نظريتين. أولا، لأن ناتج هذا التأليف سيكون نظرية جديدة، بينما ما نشهده في حالة ابن الهيثم هو علم جديد تماما لا يمكن اختزاله في نظرية في طبيعة الضوء وفي مكانه في عملية الإبصار أو كما يقول راشد:
""إن الصعوبة تكمن إذن في ما يلي: إن كان هناك تأليف، فأنى لهذا التأليف أن يُنتج تارة نظرية وطورا علما ؟ وكيف أمكن لهذا التأليف، إلى مستوى معين على الأقل، أن يصحح معايير المعرفة وأن يدخل ضوابط دليل رياضي وتجريبي ؟ هنا يكمن على وجه التحديد، على ما يبدو، السؤال الحقيقي "" .وفيما يخص مسألة العلاقة بين المناظر عند ابن الهيثم وأطروحات الفلاسفة المشائين، صحيح أنه يستعمل لغة الصور [الأرسطية]، فيقول على سبيل المثال إن الضوء صورة، وإنه صورة جوهرية في الأجسام التي تضيء بذاتها وصورة عرضية في الأجسام المضاءة. غير أن ذلك لا يمنعه من استخدام هذا المصطلح بمعنى بالأحرى غير مسبوق. ذلك أن المفهوم الموحد للصورة عند الفلاسفة نجده يتجزأ عند ابن الهيثم. ولهذا السبب، فبدلا من الحديث عن ""صورة"" الشيء نجده يتحدث دائما عن ""صور"" أجزائه. لذا، ينبغي ألا يحجب عنا استخدامه لهذه اللغة مقاربته للضوء وخواصه. فلجوؤه إلى تقسيم الضوء إلى جزئين من أجل تفسير انكساره والتماثل الميكانيكي الناتج عنه، يُبينان لنا على الرغم من استخدامه للغة الصور، أن ما يهتم به بالأساس ابن الهيثم هي الخواص الطاقية للضوء. وهذه نقطة يسعى إلى توضيحها راشد في مقالاته.وقد تناول راشد جانبا آخرا من المناظر لابن الهيثم في أولى كتاباته وهو الجانب التجريبي. فمن خلال تحليل دقيق للطريقة التي صمم بها ابن الهيثم بعض تجاربه في الضوء وانتشاره، يثبت راشد كيفية تداخل الرياضيات في تصميم هذه التجارب. وهو ما سمح لابن الهيثم بالتحقق منها. إضافة الى ذلك، نجد أن المفهوم الهيثمي للتجربة متعدد الجوانب فهو لا يشمل تجارب مباشرة فقط إن صح التعبير، بل يشمل أيضا ""نماذج"" مقترحة لدراسة ظواهر لا توجد على نحو ما هي عليه في الطبيعة.ففي المقالة حول نموذج الكرة الشفافة، يثبت راشد كيف مكنت هذه الطريقة كمال الدين الفارسي من التوغل في البحث، لا سيما في ما يتعلق بدراسة قوس القزح، حيث أخفق ابن الهيثم. والأمر يتعلق باعتماد مفهوم جديد للتجربة أكثر من كونه يمثل استئنافا لممارسة جارية من قبل، سواء عند الفلكيين أو عند غيرهم.وعلى الرغم من كل إسهاماتها في معرفتنا بأعمال ابن الهيثم وخليفته كمال الدين الفارسي، لا تقوم هذه المقالات إلا بطرح السؤال نفسه في ثوب جديد. ذلك أنها لم تحدد بعد الظروف التاريخية والمفهومية التي أدت إلى نشأة هذه المناظر الجديدة فهي لا تحدد شروط إمكانها "".قليلا والعودة إلى التاريخ الأبعد غورا. فما لم نسلط الضوء بعد على تاريخ علم المناظر قبل ابن الهيثم، وما لم نفند الأسطورة القائلة بوجود فجوة بين بطلميوس وابن الهيثم، ستظل كل إجابة عن هذا السؤال مجرد افتراض. وهكذا بدأ راشد عملا استكشافيا وتحقيقيا وتحليليا للنصوص، عملا لم يؤت أكله إلا في غضون ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
ارتبطت كتابات راشد في تاريخ علم المناظر قبل ابن الهيثم بكل جوانب هذا العلم ليس فقط بنظرية الإبصار، بل كذلك بنظرية المرايا المحرقة ونظرية الانكسار الجوي. وكان عدد الرسائل التي اكتشفها وحققها وشرحها يشهد على زخم البحوث التي كانت تُجرى في هذه المجالات بداية من القرن التاسع، وتشهد أيضا على ما لحقها من إهمال تام تقريبا في كتابة تاريخ العلوم الحديث. وتتعلق بعض هذه الأعمال بمؤلفات مفقودة باللغة اليونانية وقد وفر لنا راشد نصها العربي أول مرة. ويمثل بعضها الآخر اكتشافات تخص العلم العربي نفسه.
ابن سهل من المرايا المحرقة إلى الآلات المحرقةوسع أبو سعد العلاء ابن سهل الرياضي من القرن العاشر، في رسالته في الآلات المحرقة التي كانت مجهولة تماما قبل أن يكتشفها راشد ، دراسة الاحتراق الذي كان منحصرا قبله في دراسة الاحتراق عند نقطة محددة بواسطة انعكاس الأشعة الشمسية على مرآة مكافئية، وذلك من أجل أن يفهم لا فقط حالة الاحتراق عن طريق انعكاس الأشعة الشمسية على مرآة ذات قطع ناقص، وإنما ليفهم كذلك حالة الاحتراق عن طريق انكسار الأشعة الضوئية. وقد أدت هذه الدراسة الأخيرة إلى صياغة أول قانون لانكسار الضوء في العدسات، وهو القانون الذي كان معروفا قبل ذلك بقانون سنيليوس (Snellius) أو قانون دیکارت (Descartes).
وتبين لنا رسالة ابن سهل وتحليل راشد لها، كيف أمكن أن يتوصل في علم ما، بفضل منطقه الداخلي، إلى اكتشاف قانون كان يُعتقد أنه لا بد أن يكون ناتجا عن تدخل خارجي. وبالتالي، إن للبحث الذي أنجزه راشد أثرا مضاعفا فهو لم يكتف، من ناحية بنقل تاريخ اكتشاف هذا القانون إلى ستة قرون قبل التاريخ الذي يعتقد الجميع أنه التاريخ الصحيح، بل وضع موضع شك من ناحية أخرى، رأي الذين يعتقدون في وجود علاقة بين اكتشاف هذا القانون من جهة، واحتياجات الحرفيين الذين كانوا يعملون على تجويد العدسات التي يصنعونها من جهة ثانية.
ومهما يكن من أمر، فإنّ توسيع ابن سهل لمجال الإحراق وضع حلقة وصل بين الدراسة الهندسية لانكسار الضوء تلك التي ارتبطت قبل ذلك بالإبصار وحده ودراسة انتشار الضوء. ومنذ تلك اللحظة، لن يقصر استنتاج انكسار الأشعة الضوئية خاصة، مثلما قد يكون فعل بطلميوس من خلال انكسار الأشعة البصرية فحسب، بالتعلل بأن الضوء والإبصار لهما طبيعة واحدة، وإنما هي ظاهرة قائمة بذاتها يمكن تحليلها تحليلا هندسيا مثلها مثل ظاهرة انعكاس الضوء. ومن ناحية أخرى، إن هذا التوسيع الجديد في مجال تطبيق الهندسة على دراسة الضوء يسير جنبا إلى جنب مع تضاعف مصادر الضوء التي يمكن أن تحدث الإحراق.
كان الرياضيون قبل ابن سهل يتناولون بالدرس في كتاباتهم حول المرايا المحرقة مجموعة واحدة من الأشعة، وهي الأشعة المتوازية المنبعثة من مصدر يقع على مسافة لامتناهية، وتكون الشمس في هذه الحالة هي المصدر. بينما اهتم ابن سهل في دراسته للمرايا المحرقة البيضاوية بالاحتراق عند نقطة محددة عن طريق أشعة منبعثة من مصدر لا يقع على بعد لامتناه، بل على مسافة محددة من المرايا. لأنه يثبت أن كل الأشعة المنبعثة من بؤرة واحدة، في حالة المرأة البيضاوية، تنعكس بعد وقوعها على سطح المرأة على البؤرة الثانية. وحتى إن ناقش هذه المسألة الرياضي البيزنطي من القرن السادس أنثيميوس الترالي (Anthemius de Tralles)، إلا أنها اكتست دلالة خاصة في رسالة ابن سهل. إذ يبدو أن ابن سهل كان يرغب في استكشاف مجال الإحراق بشكل شامل، فاستوعب ليس فقط الحالات التي تمت دراستها سابقا، بل كذلك الحالات التي يحدث فيها الإحراق عن طريق انكسار الأشعة الضوئية، وفي هذه الحالة الأخيرة، لم نعد نتعامل مع مرايا، بل مع عدسات محدبة الوجهين (biconvexes) أو مستوية محدبة (plan-convexes)، ويمكن أن يكون مصدر الضوء فيها على مسافة لامتناهية أو على مسافة متناهية، بحسب البنية الهندسية للعدسة.
الكندي: الأسبقية الإجرائية للضوء لقد أثر الكندي، الفيلسوف والعالم من القرن التاسع، تأثيرا كبيرا في تطور علم المناظر في العصر الوسيط، بفضل الترجمة اللاتينية لكتابه ""في علل اختلاف المناظر "" (De aspectibus) الذي فقدت نسخته الأصلية باللغة العربية. لكن بما أن بقية أعماله في المناظر لم تنشر ولم تدرس إلا في وقت متأخر، لم يكن معروفا بعد مدى إسهامه في هذا العلم. وقد تغير الوضع منذ عام 1997 مع تحقيق رشدي لأعمال الكندي في كتابه ""الأعمال الفلسفية والعلمية للكندي الجزء الأول: البصريات وعلم الانعكاس"" (...Euvres) وترجمتها وشرحها. يحتوي هذا الكتاب ليس فقط على تحقيق جديد لكتاب الكندي المذكور آنفا، بل كذلك على نص مهم له بعنوان ""تقويم الخطأ والمشكلات التي لإقليدس في كتابه الموسوم بالمناظر وكذلك مؤلفه ""رسالة في الشعاعات الشمسية"" إضافة إلى بعض المقاطع والمؤلفات من الحقبة الزمنية نفسها. وقد أظهر التحليل المعمق الذي أنجزه راشد الجوانب البارزة في هذا العمل وحدد مكانته في تاريخ علم المناظر.ونحن نشهد في أعمال الكندي في المناظر حركة في اتجاه مختلف عن الاتجاه الذي سيسلكه ابن سهل لاحقا. ذلك أن دراسات الكندي لا تتركز على الضوء في الواقع، ولكن على الأشعة البصرية وطريقة انتشارها. ومع أن الكندي مدافع شرس عن نظرية الأشعة البصرية، فهو ينتقد مع ذلك هذه النظرية في الشكل الذي نجدها عليه في كتاب المناظر الإقليدس. ففي هذا الكتاب يختزل إقليدس العين في نقطة هندسية، وكأن الأشعة البصرية كلها تنبعث من النقطة الهندسية التي توجد في مركز العين. إضافةً إلى ذلك، تقضي هذه النظرية عند إقليدس بأن تكون الأشعة البصرية منفصلة، وبوجود مكان خال بين كل شعاع وآخر.وقد انتقد الكندي هذين الجانبين من نظرية إقليدس انتقادا شديدا. ففي نظره إن ما يوجد في الواقع، وما بواسطته ترى العين الأشياء، ليس مجموعة من الأشعة المنفصلة، بل مخروط مجسم. وبالإضافة إلى ذلك، لم يعد الأمر يتعلق بمخروط واحد فقط ينبثق من مركز العين، لأن الأشعة البصرية، حسب الكندي لا تنبعث من مركز العين وحده، بل من السطح الخارجي للحدقة بأكملها، فتكون كل نقطة منها قمة لعدد لامتناه من المخروطات المجسمة.والحال أن جميع الحجج التي يُقدّمها الكندي لدعم أطروحته، والتي يسميها ""الأدلة الحسية""، قد بلورها كلها انطلاقا من ""التجارب"" التي أجراها على الضوء. زد على ذلك أن هذه الحجج مصدرها مقطع من نسخة ثيون الإسكندري Theon d'Alexandrie لكتاب علم انعكاس الضوء (Catoptrique) المنسوب إلى إقليدس. وهكذا، يجد هذا المدافع الشرس عن نظرية الأشعة البصرية نفسه مضطرا للحديث عن كيفية انتشار الضوء لاستنتاج أطروحاته بشأن الأشعة البصرية وانتشارها.ليس بوسعنا الخوض في تفاصيل هذه التجارب التي شرحها راشد شرحا مستفيضا. ويكفي القول هنا إنها تروم هدفين فهي تهدف في مرحلة أولى، إلى إثبات انتشار الأشعة البصرية على خط مستقيم، وتوفّر في مرحلة ثانية دليلا، أو على الأقل تبريرا، للتحليل النقطي (analyse ponctuelle) للإبصار. وللقيام بذلك، يلجأ الكندي إلى تجارب مجراة على الضوء.ومن أجل إثبات انتشار الأشعة البصرية على خطوط مستقيمة، يأخذ الكندي في الاعتبار المسار المستقيم الذي يسلكه الضوء عندما يخرج من ثقوب صغيرة وتكوين الظل الذي يثبت هو الآخر انتشار الضوء على خطوط مستقيمة، إلخ. أما التحليل النقطي للإبصار، فيبرره الكندي باللجوء إلى الطريقة التي ينبعث بها الضوء من مصادر الضوء الممتدة: فالضوء ينبعث منها من النقاط كلها وفي الاتجاهات كلها. ""تجارب"" الكندي إذا وضعنا كلمة تجربة بين علامتي اقتباس [""...""] ، فذلك لسببين. أولا، لأنه لا يوجد شيء يدل على أن الكندي قد أجرى حقيقة هذه التجارب على نحو ما يصفها. وبالفعل، بعضها يتطلب على الأقل أن تكون لديه أجهزة معدة مسبقًا للغرض - مثل مصدر ضوء كروي تماما - وهو الشيء الذي كان من الصعب جدا تحقيقه بالوسائل التقنية المتاحة لديه آنذاك. ثانيا، توحي لنا الأشكال الهندسية التي تصاحب بعض أوصافه أن ما استنتجه الكندي بخصوص انتشار الضوء على خطوط مستقيمة والتحليل النقطي للإبصار، قد تم من خلال الاستعانة بتلك الأشكال، وباللجوء إلى ملاحظات غير دقيقة. ومن ثم، فإذا كانت هذه التجارب مهمة، فليس لإسهامها تحديدا في فكرة التجريب وفي تطورها ، وإنما بالأحرى للدور السلبي الذي تلعبه فيها الأشعة البصرية. إذ ينطلق الكندي في تجاربه، دون ذكر ذلك، من فكرة أن الأشعة البصرية لا تصلح للتجريب. موضوع التجربة: بطلميوس الكندي ابن الهيثمولكن، إذا لم تصلح الأشعة البصرية للتجريب، فما الذي يمكن قوله إذن عن تجارب بطلميوس ؟ لقد كثر الحديث عن هذه التجارب - لا سيما تلك التي تتناول ظاهرتي انعكاس الضوء وانكساره - ويحسن بنا أن نمعن النظر في مكانتها الحقيقية. والأهم من ذلك، ينبغي التساؤل: علام أجريت هذه التجارب ؟ تبدو الإجابة بسيطة للغاية للوهلة الأولى: على الأشعة البصرية طبعا. لكن الأمر لم يكن كذلك. فمن أجل إجراء تجربة في أي مجال كان ينبغي أن يكون المرء قادرا على إحداث تأثير ملحوظ في الوسط، بحيث لا يظل الوسط في أثناء التجربة على الوضع نفسه الذي كان عليه قبلها. وتبدو تجارب بطلميوس أول وهلة مستجيبة لهذا المطلب. فهو يعد بالفعل في مرحلة أولى أجهزة التجربة بقطع النظر عن أن تكون هذه الأجهزة بسيطة أو معقدة. وفضلا عن ذلك، تستلزم هذه التجارب تدخلا عن طريق هذه الأجهزة، في الوسط لتغير فيه شيئا ما.لنأخذ على سبيل المثال، تجربة بطلميوس حول انكسار الأشعة البصرية عند مرورها من وسط إلى آخر، ويكون في هذه الحالة مرورها من الهواء إلى الماء.فمن أجل إجراء هذه التجربة، لا بد في البداية من إعداد قرص مستدير تمام الاستدارة، وتقسيمه لجزئين عند القطر، ثم نسجل درجات نصفي القرص اللذين حصلنا عليهما. وبعد ذلك، ينبغي أن نجعل القرص يدخل عموديا في الماء حتى يلامس قطره سطح الماء. ثم نركز نظرنا على نقطة في محيط نصف الدائرة المتواجد في الهواء، تكون مركز الدائرة. وبعد ذلك، يجب أن نحرك السبابة على محيط نصف الدائرة الموجود في الماء حتى تلتقي النقاط الثلاث - العين مركز الدائرة، والسبابة على خط مستقيم. وبتحريك العين على نصف الدائرة الموجودة في الهواء، وهو ما سيتطلب تحريك السبابة، سنتوصل إلى زوايا انكسار مختلفة تتناسب مع زوايا وقوع مختلفة. وأخيرا، يقيس بطلميوس هذه الزوايا، ووضعها في جدول. وبقية القصة لا تهمنا حاليا.يبدو أننا في هذه الحال أمام تجربة حقيقية تُجرى بكل التجهيزات والتدابير اللازمة. إضافة إلى ذلك، لا يتعلق الأمر في هذه التجربة بالتحقق من مصادره أو من شيء ما نعرفه من قبل، وإنما يتعلق بالبحث عن انتظام لا نعرفه بعد. ومن ثم، فنحن هنا بعيدون كل البعد عن التجارب التي يزعم الكندي أنه أجراها، ومع ذلك، كل ما ذكرنا لا يمنعنا من إعادة طرح سؤالنا تتعلق هذه التجربة بالتأكيد بانكسار الأشعة البصرية، ولكن ما موضوعها ؟ بمعنى آخر، ما هو هذا الشيء الذي ينتشر والذي نحاول فهم انكساره من خلال هذه التجربة ؟لنأخذ مثالا آخر حتى نزيد في تدقيق هذا السؤال مثالا مأخوذا هذه المرة من أعمال ابن الهيثم لا يلجأ بطلميوس في كتابه المناظر كما هو في متناولنا اليوم، إلى التجربة للتحقق من انتشار الأشعة البصرية على خطوط مستقيمة؛ إما لأنه يأخذها بمثابة مصادره، وإما لأنه أجراها في المقالة الأولى المفقودة من كتابه. أما التجربة التي أجراها ابن الهيثم والتي سنأتي إلى وصفها الآن، فإن هدفها ليس التحقق من انتشار الأشعة البصرية، لسبب بسيط هو أنه لا يعتقد في وجودها، وإنما هدفها هو إثبات أن العين ترى الأشياء على امتداد خطوط مستقيمة. وبعبارة أخرى، إن الهدف الوحيد من هذه التجربة هو ضمان وجود خطوط مستقيمة تربط بين العين وكل نقطة على سطح الجسم. وهي بالإضافة إلى ذلك التجربة الوحيدة التي يقترحها في هذا الموضوع ابن الهيثم في المقالة الأولى من كتاب المناظر.وللقيام بذلك، يأخذ أنبوبا ويرسم خطا مستقيما على سطحه الداخلي، وإذ ينظر من أحد طرفي الخط المرسوم يصوب هذه الأداة نحو جسم ما. ومع تصويب الأنبوب نحو أجزاء الجسم المختلفة وبتغطية فتحة الأنبوب تدريجيا يثبت أن ما نراه من الجسم هو فقط النقاط التي تقع على امتداد الخط المرسوم. تلك تجربة كان بإمكان أمثال إقليدس أو بطلميوس إجراءها إن كانوا يريدون التحقق تجريبيا من انتشار الأشعة البصرية على امتداد خطوط مستقيمة.وعلى الرغم من بساطتها الظاهرة، تعدّ هذه التجربة مستعصية الإجراء للغاية. إذ يتطلب إجراؤها، في الواقع، أن يكون الأنبوب ضيقا للغاية، وإلا فما سنراه لن يكون نقطة على امتداد الخط المستقيم، بل سيكون جزءًا من سطح الجسم. ويبدو أن ابن الهيثم كان على وعي تام بهذه الصعوبات، خلافا للكندي: فالوصف الذي يقدمه لها مفصل جدا، وهو يتخذ جميع الاحتياطات اللازمة لضمان إجراء التجربة كما ينبغي.وعلى أي حال، لا ينبس ابن الهيثم ببنت شفة عند وصف هذه التجربة، عن انتشار الأشعة الضوئية، ولا كذلك من باب أولى وأحرى عن الأشعة البصرية. فهو يعلم جيدا أنه لا يمكن إثبات مثل هذه الخواص، أو حتى التحقق منها، من خلال تجارب من هذا القبيل، بل لا يمكن التحقق حتى من انتشار الأشعة البصرية من خلال خطوط مستقيمة. ومرد ذلك هو، على ما يبدو أن انتشار الأشعة البصرية لا يغير شيئًا في الوسط الذي تنتشر فيه. فلنعد على سبيل المثال إلى تجربة بطلميوس حول انكسار الضوء. فإما أن تُجرى في الظلام، وعندئذ لن نرى شيئا ، وإما أن تُجرى في النور وعندئذ لن يضيف انتشار الأشعة البصرية شيئا لما كان يمكننا أن نراه قبل انتشارها. ذلك أن الأشعة البصرية لا يمكنها في الحقيقة قطع الوسط الذي تمر من خلاله بينما يمكن للضوء تقسيم الوسط إلى قسمين قسم مضاء وقسم غير مضاء. ولهذا السبب يمكن إجراء تجارب على الضوء، بينما يتعذر إجراؤها على الأشعة البصرية إذا سلمنا بما يذهب إليه المؤرخون الذين يقدمون قراءة تقليدية لعلم المناظر برمته عند اليونان وفي القرون الوسطى ، فإنّ مثل الإشكاليات ما كان لها أن تحير بطلميوس، ناهيك عن إقليدس. فالأشعة البصرية لم تكن تمثل بالنسبة إلى هذا وذاك، سوى حيل رياضية، أو ابتكارات الفكر البشري من أجل إنقاذ الظواهر"". فهما لا ينتظران من هذه الأشعة أن تظهر في الواقع، ولا أن تكون مرئية وتحدث آثار ملموسة.قد لا تهمنا كثيرا صحة هذا التفسير أو خطؤه. فهو على أية حال لا ينطبق على علم المناظر عند الكندي الذي تكمن سمته الأبرز، مثلما يقول راشد، في ""الانثناء الفيزيائي"" لمناظر اقليدس وبالفعل، إن عوض الكندي الأشعة البصرية الاقليدية بالمخروطات البصرية، فذلك لأن الأشعة ليست سوى موضوعات هندسية، ولا يمكنها عندئذ أن توجد في الواقع المادي. إن ما يوجد فعليا هي المخروطات البصرية؛ أما الأشعة البصرية فتقع على أطراف"" هذه المخروطات عند تقاطع مخروطين، إلخ بيد أن وجود هذه المخروطات يثير مشكلا جسيما إن كانت الأشعة البصرية بالمعنى الإقليدي غير موجودة، فكيف يمكن تبرير استخدامها في المناظر الشرح الظواهر المرئية؟ بعبارة أخرى بما أن المخروطات البصرية نفسها ليست مرئية فكيف يمكن كشف أطرافها أو تقاطعاتها ؟ إن اللجوء إلى الضوء يفرض نفسه ههنا. ذلك أن الضوء مرئي، وحتى إن لم يكن كذلك، فيمكنه أن يحدث دائما ظواهر مرئية: إذ بإمكانه على الأقل تقسيم الوسط الذي ينتشر فيه إلى أجزاء مظلمة وأجزاء مضيئة. وإن هذه النقطة تحديدا هي التي تنطلق منها ""تجارب الكندي"". ومن ثم، يتمكن الكندي من إجراء تجاربه على الضوء بسهولة، أي على الأشعة الضوئية، ليطبق بعد ذلك النتائج المتحصل عليها على الأشعة البصرية.ولكن لماذا لا يطرح الكندي جانبا الأشعة البصرية برمتها هي التي تثير فيما يبدو مشاكل أكثر مما تقدم حلولا ؟ ليس لنا أن نذهب بعيدا للإجابة عن هذا السؤال لأن الكندي نفسه يوضح لنا ذلك فهو لا يطرحها جانبا لأن أطروحة الأشعة البصرية هي الوحيدة التي يمكن أن تدعم وجود علم المناظر الهندسي وممارسته والنظرية المنافسة الوحيدة التي يذكرها هي النظرية التي تفسر حدوث الإبصار عن طريق انتقال ""صور"" الأشياء إلى العين، صور مطبوعة ومنطبعة""، كما يقول الكندي في الوسط الشفاف، أي الهواء، وهي نظرية الفلاسفة. غير أنه ليس بإمكان هذه النظرية، وفقا للكندي، أن تضمن الرؤية على الاستقامة. عندما نعود إلى السؤال الذي طرحناه في بداية هذا الجزء، يمكن في اعتقادنا الحسم فيه الآن: إن التجارب من قبيل تلك التي أجراها بطلميوس، حتى وإن أعدت وصممت بشكل مناسب، هي التجارب التي لا وجود في الواقع لما تفترضه. فإذا توصلت هذه التجارب إلى نتائج مهمة إذن، فذلك لأنها قد أجريت في الحقيقة على الضوء، لا على الأشعة البصرية. بينما تتميز ""تجارب الكندي البسيطة ظاهريا وصعبة التنفيذ عمليا، بأنها تُجرى على أشياء ملموسة في الواقع. علم مناظر جديدهكذا يمكننا أن نلاحظ من خلال تحقيقات راشد وشروحه التي خصصها لتاريخ علم المناظر بين بطلميوس وابن الهيثم، وبالتحديد بين القرنين التاسع والعاشر ومن خلال تعقب المسارات المقترحة فيها، وجود حركتين متوازيتين، ولكن في اتجاهين معاكسين. فيما يخص نظرية الإحراق، هناك وفرة في الظواهر التي يتم دراستها بطرق هندسية، وتعد رسالة ابن سهل في الآلات المحرقة مجرد مثال. وتتميز هذه الرسالة ليس فقط بتناولها الضوء بأساليب غير مسبوقة، بما في ذلك ظاهرة الانكسار، ولكن أيضا من خلال ضرورة إيجاد صياغة أكثر صرامة لقانون انتشار الضوء وانعكاسه وانكساره.والمرء يعثر بعد على محاولة صياغة مثل هذا القانون على الأقل في حال انتشار الضوء عند الكندي في مسعاه لتأسيس قانون انتشار الأشعة البصرية على خطوط مستقيمة على أساس يبدو له من الناحية الفلسفية أكثر رسوخا. إضافة إلى ذلك، إن التحليل النقطي للإبصار، المستلهم من تحليل مماثل لانتشار الضوء، يسير جنبا إلى جنب مع تصور فيزيائي في معظمه المصدر الضوء. فتضاعف عدد مصادر الضوء الناتج عن تصور ابن سهل الأوضاع هندسية مختلفة يحيلنا عند الكندي إلى اهتمامه بدعم قانون انتشار الضوء على خطوط مستقيمة بواسطة ""أدلة حسية"". فحقيقة أن الضوء هو أكثر مطاوعة أمام هذا النوع من الأدلة أو ""التجارب البدئية"" يمنحه إذن أسبقية إجرائية على الإبصار.وبهذا يتقارب الفرعان الأساسيان للمناظر الهندسية بعضهما من بعض، وإن كان هذا التقارب يحدث بطريقة غير نسقية وبطرق شتى والحال أن الأسئلة الأساسية تظل قائمة دائما حول طبيعة العلاقة المحددة بين الإبصار والضوء، بين الموضوع الفيزيائي والموضوع الهندسي، وأخيرا حول طبيعة علم المناظر بما هو علم فيزيائي يستعمل وسائل الرياضيات لذلك، وعلى الأقل منذ الكندي، ""تبدأ وضعية صراع سوف تتطلب قرنا ونصف القرن لكي تنفجر "" (76 .Euvres .... p).سنرى تبعات هذا الانفجار في عمل ابن الهيثم، في كتابه المناظر كما في جميع أعماله في علم المناظر. نحن هنا في المقام الأول، أمام مفهوم جديد للضوء. فالضوء الذي لم يكن يعد في السيكولوجية الأرسطية وفي مناظر بطلميوس من بين الأشياء المرئية، وإنما كان شيئا يجعل وجوده الأشياء مرئية، سيجد مكانه على رأس قائمة وضعها ابن الهيثم لاثنين وعشرين ""مفهومًا"" مرئيا. لقد أصبح الضوء مكونا من مكونات العالم المادي، وهو فضلا عن ذلك شيء مرئي.أما الأشعة البصرية، فلا يتخلص منها ابن الهيثم بحجج من قبيل تلك التي يقدمها الفلاسفة، لأن الحل الذي يقدمه لا يظهر في مستهل كتاب المناظر، بل في مرحلة لاحقة بعد أن أثبت المؤلف، بخصوص سلسلة من التجارب، وجود تماثل تام بين الطريقة التي ترى بها العين الأشياء من ناحية والطريقة التي ينتشر بها الضوء من ناحية أخرى إذ تحدث الظاهرتان كلتاهما على امتداد خطوط مستقيمة، وهو التماثل الذي كان من الممكن أن نلمحه في ""تجارب"" الكندي. لقد تحدثنا من قبل عن تجربة وحيدة أجراها ابن الهيثم بخصوص الإبصار عبر خطوط مستقيمة، إلا أن الوضع يكون أكثر تعقيدا بخصوص التجارب المتعلقة بانتشار الضوء عبر خطوط مستقيمة. إذ على الرغم من أن الضوء يطاوع التجريب فهو لا يفعل ذلك بسهولة وبالتالي، لا يتعلق الأمر بـ ""أدلة حسية"" بسيطة، مثل تلك التي كان يقدمها الكندي، بل يتعلق بتجارب أجريت باستخدام الحزم الضوئية التي هي موضوعات فيزيائية تتطابق مع الأشعة الضوئية التي هي موضوعات رياضية.إن عزل شعاع ضوئي هو ما تمكن من القيام به ابن الهيثم بواسطة ""الغرفة السوداء"".وإن ما يجعل هذه التجارب أكثر تعقيدا هو أن موضوعها لا يقتصر على الضوء المنبعث من الأجسام المضيئة بذاتها - الشمس الشموع النار، بل يشمل أيضا الضوء العرضي، أي الضوء المنبعث من أي جسم غير شفاف مضاء بمصدر مضيء. وهذا مفهوم ما كان يمكن أن يكون له نظير، لا في المناظر الهندسية التي كان يقتصر اهتمامها بالأشعة البصرية، ولا في نظرية الإحراق التي لم تكن تهتم إلا بمجموعات محدودة جدا من الأشعة تلك المنبعثة من الشمس، أو من بؤرة كسوف أو من بؤرة قطع زائد.ينتشر الضوء العرضي على طريقة الضوء الذاتي نفسها، فهو ينبعث من كل نقطة من نقاط الجسم المضاء وفي كل الاتجاهات. ولهذا السبب يثير الضوء العرضي أيضا مشكلات لأنه موجود في كل مكان. لذلك فإن إحدى المسائل الرئيسية التي اهتم بها ابن الهيثم في تجاربه بخصوص انتشار الضوء على خطوط مستقيمة إنما هي إزالة التدخل الزائد للأضواء العرضية عند إجراء تجارب على الضوء الذاتي، وكذلك إزالة تدخل الضوء الذاتي عند إجراء تجارب على الضوء العرضي.بعد إجراء هذه التجارب كلها، يُقدم ابن الهيثم أطروحته في الأشعة البصرية فهي غير موجودة، ليس لأنه يمكن نفي وجودها بواسطة حجج نظرية، ولكن لأننا لم نعد بحاجة إليها: إنها زائدة عن الحاجة. فبإمكان الأشعة الضوئية أن تفعل كل ما كان مفترضا أن تفعله الأشعة البصرية، شرط أن نجري بعض التعديلات الطفيفة ولكنها مع ذلك مهمة في بنية العين ووظيفتها كما يتصورها الأطباء بحيث يمكن أن تستقبل العين الضوء دون المساس ببنية المناظر الهندسية. وهذا ما فعله ابن الهيثم. إن تجارب ابن الهيثم التي ستصبح أكثر تعقيدا في حال انعكاس الضوء وانكساره تعد وسيلة للبرهنة بالنسبة إليه. لذلك تجد البرهنة التجريبية مكانتها إلى جانب البرهنة الرياضية ضمن علم المناظر الجديد هذا.تكشف لنا هذه النظرة العامة على مناظر ابن الهيثم ما يدين به لأسلافه من العلماء من القرنين التاسع والعاشر، كما تكشف لنا حداثة مسعاه. لذا، لم يعد من الممكن إنجاز بحث في تاريخ علم المناظر دون مراعاة بحوث راشد حول تاريخ علم المناظر بين بطلميوس وابن الهيثم، وخاصة في القرنين التاسع والعاشر. ذلك أن هذه البحوث تعلمنا أن مناظر ابن الهيثم لم يكن بإمكانها أن تنطلق من كتاب بطلميوس وحده، مهما كانت أهميته فمن غير التغيرات التي طرأت على هذا العلم لعدة قرون كان من المستحيل تجديد علم المناظر. لذلك، فإن هذه البحوث التي فتحت عصرا تمثل بداية تجديد حقيقي في تاريخ علم المناظر. الفصل التالي الفصل السابق