القائمة الرئيسية

كتاب رشدي راشد مدخل إلى فكره وأعماله (4-6)

كتاب رشدي راشد مدخل إلى فكره وأعماله (4-6)
ملخص الكتاب

ملخص: يتحدث الفصل الرابع عن تطور الرياضيات في الحضارة الإسلامية، مسلطًا الضوء على إسهامات علماء بارزين مثل الخوارزمي، الكرجي، السموأل، والخيام، وصولًا إلى شرف الدين الطوسي وابن الهيثم. يبرز الفصل بدايات الجبر مع الخوارزمي، الذي وضع أسسًا لنظرية المعادلات وحساب الجبر، وكيف طوّر الكرجي والسموأل العمليات على متعددات الحدود. كما يناقش إنجازات الخيام في تصنيف المعادلات التكعيبية باستخدام الهندسة، وإسهامات الطوسي في نظرية المعادلات وحساب الجذور. ويختتم بدراسة ابن الهيثم لتحويلات هندسية ساهمت في تأسيس فصول رياضية جديدة، مع تحليل رشدي راشد للرياضيات الإسلامية كحجر أساس للعلم الحديث.

تاريخ الرياضيات

تاريخ الرياضيات وتاريخ العلوم

إن من بين الأسباب التي جعلت العلم العربي لا يحظى إلى حد الآن بالمكانة التي هو جدير بها، بالإضافة إلى الأسباب التي تقدم ذكرها في الفصول السابقة، أن إسهاماته الأهم إنما تتمثل في الرياضيات، وفي علومها الفرعية.

إن راشد مؤرخ للرياضيات. وهو قد حاز شهرته بهذا العنوان بالذات، وإسهاماته الأهم تندرج في هذا المجال. ومع ذلك، فإن جزءًا لا يستهان به من أعماله يتناول مسائل لا تندرج عادة في قسم تاريخ الرياضيات فبعض أهم اكتشافاته هي في تاريخ علم المناظر، وقد اهتم بالنصوص الفلكية في مناسبات عديدة ومنها استمد العديد من المفاهيم والمناهج. إضافة إلى ذلك، يعود راشد مرارا وتكرارًا إلى المواضيع التي تتعلق بفلسفة الرياضيات وفلسفة العلوم عامة، سواءً في مقالاته المتخصصة أو ضمن أعماله في مجال التاريخ.

غير أن هذه البحوث كلها تبدو شديدة التخصص فلا يمكن أن تثير اهتمام عامة الناس. وهذا يرجع، من جهة أولى، إلى طبيعة الرياضيات نفسها التي عادة ما تكون مهيبة لغير المتخصصين، ومن جهة أخرى، إلى وضع تاريخ الرياضيات المبهم داخل تاريخ العلوم بالتحديد إلى تقسيم تاريخ المعرفة العلمية إلى شقين: تاريخ العلوم وتاريخ الرياضيات بغض النظر عن الاختصاص الثالث الذي هو تاريخ الطب).

لا يسير قسما هذه الثنائية على الإيقاع نفسه، وهو ما نلاحظه في التدريس أو في الكتابات الموجهة لعموم القراء على حد سواء. فتاريخ العلم قائم، على الأقل ضمنيا، على فكرة أن العلم بالمعنى الدقيق للكلمة، لم يبدأ إلا انطلاقا من الثورة العلمية وأن كل ما سبق هذه الثورة لا يهم إذن إلا المتخصصين أو الفلاسفة، في حين أن تاريخ الرياضيات يتركز على تطور موضوعه كنشاط جذوره التاريخية ضاربة في القدم وهو قد سلك مساره في أمان على الأقل طوال خمسة وعشرين قرنا وخلافا لتاريخ العلم بوجه عام، حيث لا تزال جارية النقاشات حول مسائل من قبيل الثورة والقطيعة وتغيّر البراديغمات والانفصال، إن مثل هذه النقاشات تُعد نادرة في تاريخ الرياضيات. وفي الواقع، إن نوقشت أحيانًا أزمات مثل ""أزمة الأعداد غير الكسرية"" (crise des incommensurables في الرياضيات اليونانية، أو وضعية مشابهة تتعلق بأسس التحليل الرياضي في القرن التاسع عشر، فإن مثل هذه النقاشات يتجنب الخوض فيها سواء أكان ذلك في التدريس العام لتاريخ الرياضيات أم في الكتابات الموجهة إلى عموم القراء.

 وبالتالي، فإن الفكرة التي تتكون لدينا ونحن نقرأ كتابا أو نحضر درسا في تاريخ الرياضيات إنما تختزل في الغالب في تراكم مبرهنات [رياضية] على امتداد قرون وقلما تذكر عناصر أخرى من الخطاب الرياضي مثل الأنطولوجيا، أو المفاهيم، أو الأساليب الرياضية، أو اللغة الرياضية. إلخ.

وتعود هذه الوضعية إلى عدة أسباب، من بينها ولسنا ندعي استنفادها: التركيز المفرط على العنصر التجريبي في تكوين العلم الحديث، وذلك في الغالب على حساب الدور الذي لعبته فيه الرياضيات، وفكرة أن الرياضيات ليست سوى "" لغة "" تصلح لعرض نتائج تم التوصل إليها في مجالات أخرى، لغة يمكن أن يستعيرها العلماء من رياضيات موجودة من قبل أو يمكن خلقها عند الحاجة، وتعود إلى الصورنة (formalisation) والأكسمة (axiomatisation) المتزايدة للرياضيات في غضون القرنين الماضيين، وتعود هذه الوضعية، أخيرا إلى هيمنة الفلسفات المنطقانية (logicistes) والصورانية (formalistes) للرياضيات على امتداد فترة طويلة من القرن العشرين. 

غير أن فكرة غربية العلم (occidentalité de la science)، التي تعتبر العلم الكلاسيكي امتدادا مباشرا للعلم اليوناني تلعب دورها هي أيضا، ههنا وفي غير هذا الموضع. إذ لما كانت الرياضيات المتاحة زمن الثورة العلمية، وهي بالضرورة يونانية غير قادرة على الاستجابة إلى كل حاجيات العلم التجريبي الناشئ، اضطر مؤسسو العلم الحديث، أو معاصروهم من الرياضيين، إلى ابتكار رياضيات جديدة بتمامها، ومن أهم أبوابها الهندسة التحليلية وحساب التفاضل والتكامل.

هي ذي الوضعية المفارقة التي يوجد فيها تاريخ الرياضيات فهو بلا شك الفرع الأكثر تدريسا في فروع تاريخ العلوم، وهو في الوقت نفسه ربما أكثر الفروع المنفصلة عن التاريخ. وأحد أسباب هذه الوضعية هو الفراغ الذي نعتقد أنه يوجد بين العصور القديمة والعصر الكلاسيكي.

إن هذا السياق هو الذي ينبغي أن تتناول فيه أعمال راشد في تاريخ الرياضيات. ولا تقتصر أعماله على مدنا ببعض الحلقات المفقودة في هذا التاريخ، وإنما هي تسمح أيضا، وبالخصوص، بتكوين فكرة أوضح عما حدث بين العصور القديمة والعصر الكلاسيكي، من خلال تتبع مسار نشأة بعض العلوم الرياضية وتطورها، تلك التي أثرت تأثيرا رئيسيا في نشأة العلم الحديث.

في الواقع، يوجد اختلاف جوهري بين كتابة تاريخ الرياضيات اليونانية وكتابة تاريخ الرياضيات العربية. فقد وردت إلينا النصوص المؤسسة، في حال الرياضيات اليونانية، في صورة تكاد تكون مكتملة، حيث يعرض كل نص منها اختصاصه العلمي في مرحلة متقدمة من تطوره. والأمر موكول إذن إلى المؤرخ الحديث ليقوم بفرز بالاعتماد على الوثائق النادرة التي في حوزته، والسماح لنفسه بتقديم فرضيات المختلف مكونات هذه الأعمال، حتى يتهيأ له تحديد التواريخ والأشخاص الذين ينتمي إليهم كل نص من تلك النصوص، ورسم جدول زمني في تطور محتوى النصوص من قبيل كتاب الأصول لإقليدس أو المخروطات لأبولونيوس. أما النصوص العربية وبالرغم من أن معظمها مفقود، فهي تسمح لنا بتعقب العلوم التي تنتمي إليها في كل مراحل تطورها. وبناء عليه، فإن دراسة تاريخ الرياضيات العربية، على الأقل على النحو الذي تصورها راشد ومارسها، وإدماجها في التاريخ العام للعلم يمكن أن يجعلا تاريخ الرياضيات جزءا من البعد التاريخي الذي تفتقر إليه اليوم.

أعمال راشد في تاريخ الرياضيات

في تطابق مع تصور راشد للتقليد المفهومي وتحقيبه التمييزي لتاريخ الرياضيات تضم أعماله في هذا المجال فترة تمتد من العصور القديمة إلى حدود القرن السابع عشر الميلادي. ونظرا إلى أن حدود المساحة المتاحة في هذا الكتاب وحدود كفاءتنا الشخصية لا تسمح لنا بتناول هذه الأعمال كلها، سنقدم رؤية شاملة عنها أولا، ثم نعرض بشكل أكثر تفصيلا ما أنجزه راشد في تاريخ الجبر، وسنختم هذا الفصل بالرجوع إلى بعض السمات البارزة لمنهج راشد في كتابة تاريخ الرياضيات، وإلى النقاشات التي يمكن أن تثيرها. تنقسم هذه الأعمال إلى ثلاثة أقسام: تاريخ الرياضيات اليونانية، تاريخ الرياضيات العربية، وتاريخ الرياضيات في العصر الكلاسيكي. وهناك روابط تاريخية ومفهومية تجعل بعض هذه الأعمال في علاقة ببعضها الآخر. وقد اقتصرنا على اختيار بعض الأمثلة من كل قسم منها.

تاريخ الرياضيات اليونانية

تتعلق أهم أعمال راشد في هذا المجال بكتاب المخروطات لأبولونيوس، وكتاب الحساب لديوفانتوس ولهذين الكتابين سمات مشتركة فكلاهما يمثل ذروة الرياضيات اليونانية، وكان لهما تأثير بالغ في الرياضيات العربية والكلاسيكية، وقد فقدت جزئيا نسختاهما اليونانية الأصلية.

تحدثنا من قبل في الفصل الثالث عن تاريخ الترجمة العربية لكتاب المخروطات. ومن هذا الكتاب الذي يتضمن ثماني مقالات، لم تبق في نسخته اليونانية سوى أربع من المقالة الأولى إلى المقالة الرابعة، بينما وصلت إلينا المقالات من الخامسة إلى السابعة في ترجمتها العربية التي أنجزت في القرن التاسع تحت إشراف الإخوة بني موسى، بينما ظلت المقالة الثامنة مفقودة منذ العصور القديمة.

تعود أهمية هذه الترجمة إلى عدة أسباب: فهي من جهة مبنية، كما يشرح راشد ذلك بالتفصيل على تقليد نصي مختلف عن التقليد الذي يعرضه الجزء من الكتاب الذي يوجد دائما في نسخته اليونانية. ولذلك فهي يمكن أن تساعدنا في النظر إلى تاريخ الكتاب من منظور جديد. ولا يقتصر إنجاز هذه الترجمة، من جهة ثانية، على تلبية حاجات البحوث الرياضية الناشئة، بل أدّت أيضا إلى إثارة حاجات أخرى. وهكذا فقد وجدت هذه الترجمة تطبيقاتها عند المهتمين بنظرية الإسقاط وفي الرسائل المتعلقة بالمرايا المحرقة ولاحقا بالآلات المحرقة) ومع ازدهار علم الجبر، أخيرا، ستستخدم هذه الترجمة، منذ بداية النصف الثاني من القرن التاسع في حل المعادلات الرياضية من الدرجة الثالثة، وهو الجانب الذي سنتناوله بالدرس أدناه. وسنتناول كذلك في الفصل الخامس الروابط التي تنسج بين هذا الفرع من الهندسة ودراسة المرايا المحرقة، بالإضافة إلى ما شهدته من تحولات في القرن العاشر. كما سنتناول في الفصل السادس النقاشات الفلسفية والرياضية التي تطرحها بعض القضايا الواردة في هذا الكتاب.

علاوة على ذلك، لما أدرك بعض علماء الرياضيات أهمية هذا الكتاب وامتداد تطبيقاته، حاولوا أن يقدموا عنه نسخا أيسر فهما. لذلك فهم سيشرعون في شرحه وتأليف تنقيحات وملخصات له. وقد امتد هذا النشاط على الأقل حتى القرن الثالث عشر، بل تواصل بعد ذلك. ومن خلال مؤلفات من هذا القبيل ستتعرف أوروبا بداية من القرن السابع عشر، إلى مقالات مخروطات أبولونيوس المفقودة في نسختها اليونانية. ويحتوي تحقيق راشد على الترجمة العربية لمجمل هذا الكتاب، سواء الجزء المفقود باليونانية أو الجزء الموجود مصحوبًا بتعليق وترجمة إلى اللغة الفرنسية.

أما الكتاب الثاني وهو الحساب (Les Arithmetiques) لديوفانتوس (Diophante) ، فقد تُرْجِم مثلما يبين ذلك راشد في وقت كان علم الجبر في طور تكونه كاختصاص علمي. ولذلك، ارتبطت ترجمة كتاب الحساب بما كان يحدث وقتئذ في مجال الجبر وارتبطت بالخصوص بإدخال المسائل غير المحددة (problèmes indetermines) في هذا العلم الجديد. وتعتبر تلك الترجمة في الواقع قراءة جبرية لكتاب ديوفانتوس في الحساب، وهو ما يظهر جليًا إن كان في العنوان العربي للكتاب ""فن الجبر"" أو في اختيار المصطلحات التقنية. وقد أدى الربط بين كتاب قديم ومجال جديد، كما أوضح راشد إلى بحوث عديدة، بل إلى ظهور فصول جديدة في الرياضيات العربية. ومن بين المقالات السبع المفقودة باللغة اليونانية، يحتوي تحقيق راشد وترجمته على المقالات الأربع الموجودة في الترجمة العربية، وقد وردت إلينا في مخطوطة وحيدة. أما بقية الكتاب فيبدو أنه فقد إلى الأبد. وقد أثمرت بحوث راشد من جهة أخرى، إلى صدور كتاب في الحساب ألفه بالتعاون مع كريستيان هوزال.

تاريخ الرياضيات في العصر الكلاسيكي

يتطلب المنهج الذي قدمه راشد، كما أوضحنا ذلك في الفصل الثاني، حركة في اتجاهين. وعندما يتعلق الأمر بالرياضيات العربية، تقتضي هذه الحركة نوعين من البحوث. لقد قدمنا بعض الأمثلة تتعلق بالبحوث التي أنجزها راشد في الرياضيات اليونانية. أما بالنسبة إلى تاريخ الرياضيات في العصر الكلاسيكي، فقد تناولها لأمرين اثنين: أولا، لأهميته في ذاته وثانيا لما يمكن أن يكشفه لنا بخصوص مصير الرياضيات العربية. ولهذا السبب تظهر شخصية مثل فارما (Fermat) لتؤدي فيه دورين متكاملين مؤسس هندسة جديدة ، وشخصية مهمة في التقليد القديم للبحث في التحليل غير المحدد.

تاريخ الرياضيات العربية

تشمل كتابات راشد في هذا المجال علوم الرياضيات كلها تقريبا، ما كان موجودا منها من قبل أو ظهرت للنور بفضل بحوث الرياضيين العرب. وقد تتطلب دراسة ذلك كله تأليف كتاب بأكمله على الأقل. ثم إن شخصا بمفرده ليس في مقدوره حتى مباشرة هذا الموضوع الذي قد يتطلب في الحقيقة تعاون عدة متخصصين في مجالات علمية مختلفة. لذلك، فنحن قد اخترنا تناول ما درسه راشد في علم وحيد، وهو الجبر العربي بدلا من أن نستعرض على عجل بالضرورة، جميع كتاباته في هذا الموضوع.

تاريخ الجبر مثالا

يُعد الجبر بلا شك الإسهام الأهم للرياضيين الذي كتبوا باللغة العربية، وقد كانت كتابات راشد في هذا المجال ذات أهمية استثنائية أيضا لأنه من خلال تلك الدراسات تحديدا بدأنا نفهم في الحقيقة مدى التغيير الذي أحدثه ظهور هذا العلم ذكرنا أن راشد انطلق من الجبر في بحوثه في تاريخ الرياضيات العربية. وقد ظهرت النتائج الأولى  لهذه البحوث في شكل مقالات منشورة، نشر معظمها في مجلة ""أرشيف تاريخ العلوم الدقيقة، وأعيد طبعها في كتاب ""بين الحساب والجبر"" (.... Entre). وفي الواقع، إذا كان هذا الكتاب قد مثل لحظة فارقة في كتابة تاريخ الجبر فلأننا نجد فيه اكتشافات راشد الأهم وتحليلاته الأعمق. ومع ذلك، سيستمر راشد في بحوثه في تاريخ الجبر فيقدم تحقيقات وترجمات فرنسية ، وتحليلات نيرة الأعمال الخوارزمي وأبي كامل والسموأل والخيام وشرف الدين الطوسي ، وكذلك العالم رياضيات غير معروف مثل الخلاطي. ونشر راشد كذلك أعمالا تتناول أجزاء كاملة من هذا التاريخ، وكتبا ومقالات تقدم رؤية شاملة لتطور هذا العلم.

الخوارزمي وبداية الجبر

كل شيء بدأ مع الخوارزمي. ففي عهد الخليفة المأمون، أي بين سنة 813 وسنة 833، نشر محمد بن موسى الخوارزمي كتيبا عنوانه الجبر والمقابلة، (نختصره لاحقا باسم الجبر صَنَّف فيه المعادلات من الدرجة الأولى والثانية، وقدم فيه خوارزميات لحلها.

كل هذه الأمور كانت معروفة المعرفة التامة قبل أن يشرع راشد في بحوثه في تاريخ الجبر العربي. إلا أن الخوارزمي غالبا ما يقدم باعتباره شخصية معزولة، مثلما يحدث في مجالات أخرى من العلم العربي، حيث تختزل أهميته عادة في خوارزمياته وفي الدور الذي أداه في نقل الأرقام الهندية إلى أوروبا، وكذلك في التأثير الذي أحدثته أعماله هو وعدد من خلفائه في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، في أعمال الرياضيين الأوروبيين الأوائل. أما باقي القصة فينبغي البحث عنها في أوروبا، بحسب هذه الرواية عند فيبوناتشي Fibonacci) وكذلك عند علماء الجبر الألمان والإيطاليين والفرنسيين، هذا على الرغم من وجود نسخة من كتاب الجبر للخيام بالإضافة إلى تحليل جزئي لمحتوى رسالة الكرجي في الجبر، المعنون بـ الفخري في الجبر والمقابلة، واللذين نشرهما وبكه (Woepcke) في أواسط القرن التاسع عشر.

علاوة على ذلك، ولما ذكر الخوارزمي في مقدمة كتابه بعض المنافع العملية التي يمكن أن نجنيها من علم الجبر - في قسمة الميراث، وقيس الأراضي، وغيرها - فإنه عادة ما يتم تأويل هذا الكتاب، وفقا للصورة الرائجة عن العلم العربي، باعتباره كتابا ألفه صاحبه لغرض عملي، فقيمته النظرية ستكون بالتالي محدودة جدا.

ولم يخرج الجبر العربي الذي كان يقيم في العادة من خلال نص الخوارزمي من التوصيف العام للعلم العربي: هو علم ""ذو غاية عملية، وذو طابع حسابي، وخال من متطلبات الدقة "" .(309.Notion...p) . إضافة إلى ذلك، تركز جزء كبير من الدراسات حول الجبر العربي، الذي كان ينظر إليه من خلال كتاب الخوارزمي وحده، على البحث في ""مصادر"" المصطلحات وفي خوارزميات المؤلف عند الرياضيين السابقين، لا سيما عند ديوفانتوس وفي الرياضيات البابلية والهندية.

وكان الاكتشاف الكبير الذي توصل إليه راشد في تاريخ الجبر إنما يكمن في إدراكه أن كتاب الخوارزمي لا بد أن يؤخذ باعتباره بداية لا نهاية. وهو بداية لثلاثة أشياء في آن واحد. أولا، هو يُعَدُّ بداية لنظرية في المعادلات الجبرية، وهي نظرية تشمل، عند الخوارزمي المعادلات من الدرجة الثانية والأولى فقط، إلا أنها تمتلك كل العناصر اللازمة لتمتد إلى المعادلات من الدرجات الأعلى. وهو يُعَدُّ من ناحية أخرى، بداية للحساب الجبري الذي سيتطوّر، هو أيضا في أعمال العلماء الذين خلفوا الخوارزمي. ويتوقف هذان الجانبان كلاهما على ابتكار اللغة الجبرية. لنفحص عن كتب هذين الجانبين بالاعتماد على أعمال راشد.

لقد صاغ الخوارزمي المعادلات بشكل عام، وليس مثلما جرت عليه العادة عند سابقيه الذين استخدموا أمثلة عددية. وكما يقول راشد:

""خلافا لأسلافه من الرياضيين وللمعاصرين له، في جميع اللغات، الذين كانوا يضعون المسائل أولا ثم يصوغونها في شكل معادلات جعل الخوارزمي من المعادلات نقطة الانطلاق أي النظرية التي تمكنه من التوصل إلى المعادلات وتصنيفها "" (D'al-Khwarizmi....p.45).

ويتحقق ذلك باستعمال مصطلحات تقنية من ابتكار المؤلف فمن أجل التعبير عن المجهول، وعن تربيعه وعن المعلوم، وضع الخوارزمي معجما يستعير ألفاظه من اللغة العربية الشائعة: فـ ""شيء"" للمجهول (x)، و""مال"" لتربيعه (x2)، و""درهم"" أي (وحدة العملة) للكمية المعلومة (c). وانطلاقا من هذه المصطلحات الأولية، يضع الخوارزمي تصنيفا لجميع المعادلات من الدرجتين الأولى والثانية. وهذا التصنيف جامع، لأنه مبني على التراكيب المختلفة التي يمكن القيام بها باستخدام هذه المصطلحات. وبهذا نتوصل إلى المعادلات القياسية الستة الآتية:

ثم يقدم الخوارزمي خوارزمية لحل كل معادلة من هذه المعادلات.

ولكن، بما أن المعادلة لا تُعطى دائما في إحدى هذه الصور القياسية، يحدد الخوارزمي عمليتين - ""الجبر"" و ""المقابلة"" - يمكن من خلالهما رد كل معادلة تربيعية معطاة إلى إحدى هذه الصور القياسية.

ولكن ماذا نفعل إن لم تُقدّم المعادلة في أية صورة من الصور القياسية، أو لم تعط في صورة يمكن إرجاعها إلى هذه الصور القياسية باستخدام العمليتين المذكورتين سابقا، بل تقدم على سبيل المثال في الصورة الآتية:

هنا يبرز دور الجانب الثاني من عمل الخوارزمي. فمن أجل تحويل المعادلة المذكورة أعلاه إلى إحدى الصور القياسية، يعالج الخوارزمي كل معادلة ذات حدين في x كعدد طبيعي ذي رقمين مكتوب في الأساس ، ثم يطبق عليه القواعد المعروفة للأعداد وهي الجمع والطرح والضرب. ولذلك، بما أن :

هنا تظهر بدايات ما يسميه راشد بـ ""حسبنة الجبر"" . تتمثل هذه المرحلة في تطبيق قواعد الجمع والطرح والضرب والقسمة للأعداد على وحيدات الحد وذوات الحدين في . فيتبين لنا في المثال المذكور أعلاه، القواعد:

أما الجانب الثالث من كتاب الخوارزمي فيتعلق بعزمه إنشاء علم يكون، بحسب راشد، خوارزميا وبرهانيا في آن واحد. ولذلك فهو لا يكتفي بأن يقدم خوارزمياته أولا من أجل حل المعادلات التربيعية، بل يبحث عن أسبابها""، أي هو يحاول بعبارة أخرى إثبات صحتها. ولما كان علم الجبر لا يتوفّر بعد على أدوات البرهنة المناسبة، يلجأ الخوارزمي إلى الهندسة.

خلفاء الخوارزمي: حسبنة الجبر

مع أن الخوارزمي قد توقف عند المعادلات التربيعية وعند القواعد التي ذكرناها للتو، سرعان ما أدرك خلفه كم كانت هذه المقاربة خصبة. إذ بإضافة مصطلح ""كعب"" إلى القائمة التي وضعها الخوارزمي من أجل توصيف القوة (الأس) الثالثة للمجهول (3)، ابتكروا مصطلحا كفيلا  بالتعبير عن أي أس للمجهول على الأقل من الناحية النظرية. وقد سمح لهم ذلك بتفسير بعض العبارات في أصول أقليدس تفسيرا جبريًا من أجل الوصول إلى علاقات مثل:

والوصول أيضا إلى:

وغيرها.

يقدم الخوارزمي، أول مرة وبلا شك ومثلما رأينا ذلك منذ حين، وحيدات الحد وذوات الحدين بمجهول واحد. ولا بد من القول إنّه ما إن أدرك خلفه دلالة كتابه كله، وليس الجزء المخصص لحل المعادلات التربيعية فحسب، حتى واصلوا السير في الطريق الذي فتحه لهم. وهكذا نجد عند الرياضيين أمثال سنان بن الفتح وأبي كامل في القرنين التاسع والعاشر امتدادًا لمفهوم الأس الجبري، وهو ما سيقود الكرجي في القرنين العاشر والحادي عشر إلى وضع أول مصطلحات عامة لمفهوم متعدد الحدود بمجهول واحد.

إن أعمال الكرجي وخليفته السموأل( القرن الثاني عشر ) هي التي سنشهد فيها محاولة لتوسيع نطاق جميع العمليات الحسابية المتعددات الحدود أي الجمع والطرح والضرب والقسمة، وأخيرًا، استخراج الجذور.

والطريقة المستخدمة في ذلك عادةً ما تكون ""طريقة الجداول"" التي نعرض منها مثالا بسيطا للقارئ المهتم.

المدرسة، يمكن أن يشمل القوى الموجبة للمجهول وما نسميه اليوم أيضا بالقوى السالبة. ويعرض الجدول التالي كيف تجرى عملية الضرب تلك :تعرض أسس (puissances) المجهول في هذا الجدول، في الصف المسمى بـ"" الرتبة"". نلاحظ أن الأعداد الطبيعية مرتبة على جانبي العدد صفر. وهكذا، تمثل الأعداد على يمين الصفر الأسس الموجبة للمجهول، بينما تكون الأسس السلبية على يساره. يمثل الصفان التاليان نوعين من متعددات الحدود، بحيث يتمثل كل وحيد حد عن طريق معامله مكتوبا تحت رتبته فنضرب عندئذ كل الأعداد في الصف الثاني مع كل عدد في الصف الثالث. فتكتب نواتج الضرب التي نحصل عليها  في الصفين الرابع والخامس. ونترك للقارئ مسألة تخمين الرتبة التي يجب أن يكتب تحتها ناتج كل عملية ضرب.ولا يفوتنا أن نرى في الجدول استخدام القواعد التالية:وبهذا نحصل في آخر صف في الجدول، من خلال استخدام هذه القواعد، على سلسلة من الأرقام التي تمثل متعدد الحدود:إضافة إلى ذلك، تذكرنا طريقة الجداول، بترتيبها على جانبي الصفر الأعداد التي تمثل أسس المجهول واستخدامها للقواعد المذكورة آنفًا بالأعداد السالبة. فهل يتعلق الأمر في هذا الاستعمال حقيقة ببداية المعرفة بهذه الأعداد؟ ليس بوسعنا الانشغال بهذه المسألة الآن، ولنكتف بالإشارة حاليًا إلى أن مدرسة الكرجي تمدنا بأمثلة أخرى كفيلة بتغذية هذا الشك ويتعلق جزء مهم من أعمال راشد بالروابط التي نشأت في العقود والقرون اللاحقة، بين حسبنة الجبر هذه من ناحية، وبين التطورات في مجالات مختلفة مثل الحلول العددية للمعادلات الجبرية التحليل العددي التحليل الديوفانتي، نظرية الأعداد، وغيرها من ناحية أخرى. وهذه المجالات كلها لا تزال تتطور حتى يومنا هذا حيث تمثل فصولا من الرياضيات بتمامها. ويوضح راشد أن إدخال الكسور العشرية ذاته الذي نُسب من قبل إلى الكاشي القرن (الرابع عشر والخامس عشر)، قد حدث في مدرسة الكرجي، ولا يمكن فصله عن هذا المشروع في حسبنة الجبر. خلفاء الخوارزمي: هندسة الجبربدأ الرياضيون على الأقل منذ بداية القرن التاسع الميلادي، في استخدام الجبر لحل بعض المسائل التي ظلت مستعصية عندهم. وكان عملهم ينجز على مرحلتين ترجمة المسألة أولا إلى لغة جبرية، ثم البحث عن جذر المعادلة الناتجة عنها. وبحسب الخيام، كان الماهاني القرن التاسع) أول رياضي يسلك هذا التمشي. فقادته محاولته من أجل حل مبرهنة تمهيدية (Lemme) لأرشميدس إلى معادلة من الدرجة الثالثة لم يتمكن من حلها. ثم أعاد الخازن لاحقا في القرنين التاسع والعاشر) النظر في هذه المعادلة التي أنتجها الماهاني وتوصل إلى إيجاد جذر المعادلة بواسطة تقاطع قطعين للمخروط. وسيواصل رياضيو القرنين العاشر والحادي عشر هذه المحاولة في ترجمة المسائل، سواء كانت هندسية أو حسابية، إلى معادلات جبرية وهو ما سوف يثير اهتمام رياضيين أمثال ابن عراق والقوهي والصاغاني والبوزجاني وكانت النتيجة دائمًا معادلة تكعيبية يبحث عن حلها عن طريق تقاطع قطعين للمخروط. وكان أبو الجود محمد بن الليث، وهو أحد هؤلاء الرياضيون، أول من وضع، وفقًا للخيام، نظرية للمعادلات من الدرجات الثلاث الأولى ""دون استقصاء جميع صورها "" (89.Al-Khayyam.... p). فكان تصنيفه لهذه المعادلات غير مكتمل.  في هذه الأجواء تحديدا، انكب الخيام في النصف الثاني من القرن الحادي عشر على المعادلات التكعيبية لينجز ما أنجزه الخوارزمي في شأن المعادلات التربيعية. وقد انتهج في ذلك الطريقة نفسها التي انتهجها الخوارزمي: وضع الخيام أربع مصطلحات أولية - الجذر مصطلح يستخدمه بدلا من ""الشيء"" الذي استعمله الخوارزمي لتوصيف المجهول (x)، مال (²x) كعب (x³) ، وعدد (مصطلح يستخدمه للدلالة على الكمية المعطاة)- ليُخرج منها جميع التركيبات الممكنة. شمل تصنيف الخيام جميع المعادلات من الدرجة الثالثة أو من درجة أقل: المعادلات من الدرجة الأولى والثانية، أي المعادلات التكعيبية القابلة للاختزال إلى معادلات من الدرجة الأولى أو الثانية، معادلة واحدة يكون حلها استخراج الجذر التكعيبي، وأخيرًا، اثنتا عشرة معادلة  تكعيبية في حد ذاتها. هي ذي أولى هذه المعادلات: ""كعب زائد جذر يساويان عددًا""، وهو ما يعني أما الجبر عند الخيام، فقد اتبع منهج الخوارزمي في بحوثه وتميز عنه في الآن نفسه بالتشديد منذ البداية على الجانب البرهاني لهذا العلم. لذا، فحتى في حال معادلات الخوارزمي، يبرهن الخيام، بعد أن يعطي خوارزمية الحل، برهنة هندسية على صحتها أما بالنسبة إلى المعادلات التكعيبية الاثنتي عشرة في حد ذاتها التي ذكرنا سابقا فيبين الخيام أنه ليس لها حلول خوارزمية، وأنه لا يمكن حلها بواسطة المسطرة والبركار، وأنه لا بد من حلها بتقاطع قطوع مخروطية. وهذا ما قام به الخيام في رسالتيه في الجبر. فقد نجح في حل جميع المعادلات التكعيبية بالطريقة التي يقترحها بتقاطع قطع مكافئ مع دائرة، وبتقاطع قطع زائد مع آخر مكافي، وبتقاطع دائرة مع قطع زائد، أو مع قطعين مكافئين.ويلجأ الخيام، عند الحديث عن وجود جذر معادلة، إلى لغة ""المعطيات"": فهو يحدد لكل معادلة قطوع المخروطات التي ينتج تقاطع اثنين منها جذر المعادلة. ويقول إنه إذا أعطي المنحنيان، فإن نقطة التقائهما تكون معطاة أيضا. وبالتالي، فهو يثبت وجود جذر المعادلة دون الحديث عن كيفية عملها. وفي هذا السياق، لا تعني كلمة «معطى» منحنيا مرسوما بالفعل، بل تعني منحنيا يمكن رسمه إن توفرت الأدوات اللازمة. ولكن كيف يمكن التأكد  من تقاطع قطعي المخروط دون رسمهما ؟ بعبارة أخرى: كيف يمكن رسم القطوع المخروطية ؟لقد حثت هذه الأسئلة الرياضيين على القيام بنوعين من البحوث. ففي مرحلة أولى، ما إن شرعوا في ترجمة مسائلهم الحسابية أو الهندسية إلى معادلات جبرية وأدركوا أنه في حال كان الناتج معادلة من الدرجة الثالثة فسيتوقف حلها على تقاطع قطعين من المخروط، حاولوا صنع أداة يمكن أن ترسم قطوع المخروط بنفس الطريقة التي نرسم بها دائرة بواسطة البركار، أي بحركة متصلة. وقد نتج عن هذا النوع من البحوث عدد كبير من الرسائل حول ""البركار التام"" عرض فيها المؤلفون مثل القوهي، وهو رياضي شارك مشاركة نشطة في حل المعادلات التكعيبية، نظرية في هذه الأداة وكيفية صنعها.وفي مرحلة ثانية، توصل هؤلاء الرياضيون، وهم يفكرون دائما في مسألة تقاطع منحنيين إلى ما يُسميه راشد علم ""طوبولوجيا - بدئية"" ( proto-topologie ). فانطلاقا من تحليل نوعي بالأحرى لسلوك كل منحني، وانحنائه، ونقاطه الداخلية والخارجية، حاولوا الإجابة عن السؤال الذي طرحناه كيف نتأكد من أن المنحيين يتقاطعان بالفعل ؟إلى عهد غير بعيد، أجمع المؤرخون على الاعتقاد أن تطور نظرية المعادلات في بلاد الإسلام قد توقفت مع أعمال الخيام. ولكن مع اكتشاف راشد لعمل مهم ألفه في النصف الثاني من القرن الثاني عشر رياضي يدعى شرف الدين الطوسي تغير المشهد تغيرا جذريا. وقد استدعى الأمر كفاءة راشد التاريخية بأكملها للتوصل إلى هذه النظرة الجديدة. والواقع أن مخطوطتي هذا العمل لا تحتويان على الجداول التي أدت دورا أساسيا في طريقة الطوسي، وبالتالي في فهم نصه. ولا يرجع هذا النقص بالضرورة إلى تدخل النساخ، ذلك لأن المتوفر لنا اليوم ليس هو نص الطوسي الأصلي، بل هو إعادة صياغة أنجزها مؤلف آخر في وقت لاحق.يلمح المرء ههنا، جزئيا على الأقل صعوبة المهمة التي وضعها راشد لنفسه. فكانت مهمته تكمن في إعادة بناء الأجزاء المفقودة من العمل، وفهم نص كانت لغته ذاتها تكتنفها ""صعوبة استثنائية .Sharaf ...., vol. 1, p. II) وقد أدى هذا العمل الذي بدأت تظهر أولى نتائجه في سبعينيات القرن الماضي .... Entre) إلى نشر أعمال الطوسي سنة 1986.في هذا الصدد، ودون الحاجة إلى الخوض في تفاصيل رسالة الطوسي التي لا يمكن المبالغة في أهميتها، سنكتفي بالنقل عن راشد:"" ""انطلاقا من أعمال الخيام، أراد الطوسي أن يخصص مصنفا بأكمله لنظرية المعادلات التكعيبية التي أصبحت، إن جاز التعبير، فصلا مستقلا من فصول الرياضيات. ويبدو أنه من أجل تأكيد هذه المكانة أدرج الطوسي في بداية الرسالة المنحنيات التي سيستخدمها فيما بعد، ثم إنه قدم الطريقة - التي يُطلق عليها طريقة روفيني هورنر (Ruffini-Horner) وعللها رياضيًا من أجل تقديم حل عددي للمعادلات. ومن خلال تبني مشروع سلفه الخيام، أراد الطوسي أن يمنحه التطبيق الأكمل والأكثر توحيدا... ومع ذلك، لم يستطع هذا المشروع تحديدًا الصمود أمام بناء الرسالة: فقد تهاوت وحدته المرجوة في الواقع بظهور إشكالية خلال البحث لم تكن في الحسبان، وهي ما تسبب في انقسام الرسالة إلى قسمين، وهما وإن كانا متكاملين فإنهما لا ينتميان إلى رياضيات مختلفة. فالجزء الأول وفق تقليد الخيام، مخصص للبناء الهندسي لجذور المعادلات، ولكن خلال هذا البحث وضع الطوسي لنفسه قيدًا إضافيًا، وهو أن يبرهن منهجيا.... وجود نقطة تقاطع بين منحنيين بحيث يحدد الإحداثي الأفقي لها جذر المعادلة الموجب المطلوب. وقاد هذا المطلب الجديد المؤلف، بشكل طبيعي إلى طرح إشكاليات تموضع الجذور وانفصالها، ومعالجة شروط وجودها بعيدا عن قابلية رسمها هندسيا. ومن أجل حل هذه المشكلة، اضطر الطوسي إلى تعريف مفهوم الحد الأقصى للمقدار الجبري، كما سعى إلى إيجاد مفاهيم وطرقا لاستخراج القيم القصوى. ولم ينته الأمر بالرياضي وهو يسلك هذا التمشي إلى ابتكار مفاهيم وطرقا لن تُسمى إلا لاحقا، ولكنه اضطر من أجل التوصل إلى القيام بذلك، إلى تغيير نهجه فقد تكشف له، أول مرة على حد علمي، ضرورة المضي قدمًا من خلال اتباع نهج محلي والجزء الثاني من رسالته المخصص على وجه التدقيق لهذه الإشكاليات، يختلف عن الأول في الموضوعات التي يتناولها، كما يتميز عنه بالأسلوب الرياضي الذي يتبعه ولكن مع اكتشاف الطوسي لهذه القارة الجديدة التي حل بها لتوه واطنا سواحلها، لم تعد اللغة الطبيعية كافية. ومن ثم كان يحتاج إلى لغة أكثر ملائمة لأغراضه. وههنا يتدخل النظام الرمزي، في دور سلبي على الأقل باختصار، إن كانت اللغة الطبيعية لا تزال مناسبة للجبر الحسابي، فهي تمثل عقبة حقيقية لامتداد البحث المتولد عن الجدلية بين الجبر والهندسة. ولعل هذه هي إحدى الأسباب الرئيسية التي أدت إلى نضوب البحوث في هذا المجال في الرياضيات العربية، ولكنه أيضا سبب ازدهاره في أوروبا في القرن السابع عشر .(Sharaf .... vol. 1, p XXXI-XXXII).تذكرنا ملاحظات راشد هذه بالمنهج الذي كان أوصى به المؤرخين في كلمته المخصصة لديكارت المذكورة في مستهل هذا الكتاب، وهو المنهج الذي يستخدمه في كل أعماله. يقترح راشد في كلمته أن يُنظر بمنظورين مختلفين إلى العلاقات بين الفيلسوف الفرنسي من جهة، وبين من سبقوه ومن خلفوه من جهة أخرى:"" ""إن هاتين الحركتين اللتين رسمنا ملامحهما باختصار هما اللتان تنظمان، على ما يبدو، تطور كتاب ديكارت في الهندسة تتجه الحركة الأولى نحو استكمال مشروع علمي تم تصوّره قبل ديكارت بستة قرون في مناخ علمي مغاير. أما الحركة الثانية فهي تجمع بداية دراسة للمنحنيات لتجعل منها برنامجا جديدًا يمثل تطبيقه رهانا للمستقبل مع كرامر (Cramer) وبيزو (Bezout) وبرنامج الهندسة التفاضلية مع الأخوين برنولي ( (Bernoulli) ) (Al-Khayyam..., p. 29).  نحو اكتشاف علوم جديدةيشمل إنتاج رشدي راشد في تاريخ الرياضيات تقريبا، مثلما ذكرنا، جميع العلوم الرياضية المستخدمة من العصور القديمة إلى العصر الكلاسيكي. ومع ذلك، إن مثل هذا القول ليس دقيقا كل الدقة، لأن بعض فصول الرياضيات التي تناولتها بعض كتابات راشد، لم تكن موجودة بعد بصفتها علوما أو بصفتها فصولا من رياضيات كانت في الوقت الذي يتحدث عنها، قائمة بذاتها. وبعبارة أخرى، إن الهدف كان التقاط هذه العلوم البدئية"" (proto-disciplines في لحظات تكونها. وعلى هذا النحو، يصادف أن يميز راشد، وراء ما يبدو حدثًا بسيطا داخل اختصاص علمي موجود من قبل، بمشاكله وطرقه وتاريخه، بداية شيء جديد في طور التشكل تدريجيا، وسوف ينفصل بمرور الوقت عن موطن نشأته. ويتبع راشد ذلك في كل مراحل تطوره حتى اللحظة التي يتحول فيها، بحسب الحال، إما إلى اختصاص علمي مستقل، أو إلى فصل من فصول الرياضيات قائم بذاته. سنحاول شرح هذا المسعى من خلال مثال يسهل تناوله وبلغة يسيرة قدر الإمكان مثال: المعلومات والتحويلات الهندسية تبدو رسالة ابن الهيثم التي تحمل عنوان ""في المعلومات""، للوهلة الأولى، مجرد استكمال لكتاب إقليدس الموسوم بـ ""المعطيات"". إذ يدور البحث، عند هذا الأخير حول الشروط التي ينبغي أن تكون ""معطاة"" عند النظر في شكل هندسي من أجل التمكن من استخراجه - كليا أو جزئيا. ومثال ذلك أنه إذا كان مركز الدائرة ونصف القطر معطيين، فإنّ الدائرة تكون معطاةً كليًا. بينما إذا كان نصف القطر وحده معطى، فلا تكون الدائرة معطاة إلا جزئيا. تنقسم رسالة ابن الهيثم في المعلومات"" التي حققها راشد وترجمها وشرحها، إلى قسمين في مقدمة الرسالة، يُبين ابن الهيثم أن القسم الثاني من الرسالة "" من جنس ما ذكره إقليدس في المعطيات، إلا أنه ليس شيء منها مذكورا في كتاب المعطيات"" في حين أن القسم الأول منها يتناول ""معان لم يذكرها أحد من المتقدمين، ولا ذكروا شيئًا من جنسها (Les Mathématiques ..., vol, p. 393-583) من ثم، إذا صدقنا .ما يقوله ابن الهيثم، فإن القسم الثاني من رسالته يحتوي على مسائل جديدة، ولكنها من جنس المسائل التي تناولها إقليدس من قبل أو تناولها غيره من الرياضيين،  في حين أن مسائل القسم الأول من جنس جديد.وبالفعل، لم يعد الأمر يتعلق في هذا القسم الأول باستخراج شكل هندسي انطلاقا من معرفة بعض خواصه. فالمسألة تختلف فيه تمام الاختلاف إذا فرضنا أن شكلا هندسيا معطى، كيف يمكن التوصل بواسطة بعض العمليات الهندسية مثل الدوران والحركة والتحاكي وغيرها - إلى شكل هندسي آخر يصير معلومًا بواسطة هذه العمليات ؟على الرغم من أن ابن الهيثم يُبين أن المعاني التي سيعرضها في القسم الأول من رسالته هي من جنس جديد، فإن استخدامه الدائم للغة إقليدس يخفي هذه الجدة. والأكثر من ذلك هو لا يسمي هذا الجنس الجديد من المسائل ولا العمليات المذكورة بالأسماء التي تحملها اليوم. إضافة إلى ذلك، فهو يعرض هذه العمليات في صورة مطابقة لمذهب إقليدس التقليدي.غير أن راشد تمكن في هذه الرسالة من تمييز بداية باب جديد في الهندسة سيسمى لاحقا ""التحويلات الهندسية"" . ثم إن تمشي ابن الهيثم، وإن كان مستترا تحت لغة تقليدية ومُقدّمًا باستخدام عمليات تبدو مشروعة تماما من منظور إقليدي، فهو ينطوي تماما على استخدام الحركة في الهندسة. ونحن سنتطرق إلى هذا الجانب الأخير في الفصل السادس. ""الترجمة"" ورهاناتهالقد اكتشف راشد بعضا من هذه العلوم الجديدة، أو من هذه الأبواب الجديدة في الرياضيات، وأسند إليها أسماء سوف تأخذها لاحقا في التاريخ، وما يلفت الانتباه أكثر في أعماله إنما هو عدم تردده في استخدام النظام الرمزي لوصف العمليات والطرق التي وضعها الرياضيون الذين عملوا في وقت لم يظهر فيه بعد النظام الرمزي.قد يثير هذا التمشي الذي توخاه راشد بعض الارتياب فمع التسليم بأهمية بحوثه، قد يوجه إليه النقد بسبب ""تحديثه"" الدراسات التي أنجزها والنتائج المتحصل عليها في وسط ثقافي"" مختلف، وعدم اعتباره ""السياق الاجتماعي"" الذي ازدهرت فيه هذه الأنشطة. وتذكرنا هذه الانتقادات أيضًا بأن تعبيرات مثل ""الهندسة الجبرية"" أو ""الطوبولوجيا"" تشير إلى مفاهيم ""حديثة"" قد يكون من باب المجازفة تطبيقها على الرياضيات ما قبل الحديثة. إذا فحصنا هذا النقد عن كثب، فلن يفوتنا أن نجد فيه تشكلا لفكرة ""حداثة""، أو على الأقل لحداثة علمية، قد تكون أثرت بداية من لحظة معينة في التاريخ، في جميع العلوم أو جميع أبواب علم ما. والحال أن النقطة التي ينطلق منها راشد هي أن مثل هذه اللحظة، مثلما رأينا، لا توجد إلا في خيال المؤرخين. إضافة إلى ذلك، حتى وإن تجاهلنا الدوافع الإيديولوجية التي تحكم خلفيتها، ومنها فكرة غربية العلم التي لا تزال تحكمها دائما، فإن فكرة الحداثة العلمية،  بالشكل الذي وصفناه بها منذ حين تظل قائمة بكل تأكيد على معرفة غير كافية بما حدث بين القرنين التاسع والسابع عشر. لذلك يمكننا أن نلمس في هذا النقد ضربا من المصادرة على المطلوب فمنطلقه هو الفكرة التي تنقضها على وجه الدقة بحوث راشد والتحقيب التمييزي الذي ينتج عنها.والأهم من ذلك هو الربط الذي يوجد بين هذا النوع من النقد والنزعة الأنثروبولوجية التي تحدثنا عنها في الفصل الثاني. ذلك أن أنصار هذه المقاربة، على الأقل في نسختها الأكثر تطرفا ، ينصحوننا، عندما نجد أنفسنا أمام حقيقة ""علمية"" آتية من سياق ثقافي آخر، بالتعامل معها مثلما يفعل علماء الإثنولوجيا عندما يواجهون عادات اجتماعية أو دينية تنتمي إلى قبيلة غريبة أي بوصفها دون تفسيرها، والنظر إليها في ""سياقها الاجتماعي"".نحن أبعد ما يكون بطبيعة الحال، عن فكرة أنه ليس من الضروري تنزيل عمل في سياقه. لكن ذلك كله يتوقف على ما نعنيه بـ""السياق"". ما هو بالفعل إذن السياق الذي يجري فيه عمل العالم، أي بوصفه عالما ؟ هل هي الأوساط الاجتماعية التي يرتادها ؟ أو الاحتفالات التي يشارك فيها ؟ أو التقاليد المفهومية التي ينتمي إليها؟ وباسم أي مبدأ يجب على المؤرخ أن يؤسس عمله على تقسيم يحدث في المكان وليس في الزمان؟ لا سيما أن المناهج الأنثروبولوجية التي يوصى مؤرخو العلم بتبنيها نابعة من بحوث أجريت في المقام الأول على مجتمعات وصفت بأنها ""بلا تاريخ"". وبالتالي، فإن تطبيق هذه المناهج على التاريخ لن يكون سوى فعل تدمير ذاتي.أما ترجمة النصوص القديمة في لغة رمزية حديثة، أو إعادة كتابتها، فنأمل أن نكون قد أوضحنا أعلاه أنه يمكننا أن نعيد باستعمال لغة رمزية جبرية مثلما فعل راشد كتابة عمليات وضعت في الأصل بلغة أخرى، مع الحفاظ على الارتباط بالنص الذي نروم فهمه. فالترجمة لا تعني بالضرورة الخيانة. إنه عمل تأويلي ليس مسموحا به فحسب بل هو ضروري أيضًا. فكما يقول راشد في هذا الصدد عندما يتحدث عن أعمال شرف الدين الطوسي:""ما من شك أن الترجمة الدقيقة للعمليات والمفاهيم [الرياضية إلى لغة الرياضيات اللاحقة للغة المؤلف تكشف عن المعنى الموضوعي للأفكار التي تنطوي عليها. ولكن من شبه المؤكد أن التوقف عند هذا الأمر يعني خيانة المعنى الذي نسبه المؤلف لتلك المفاهيم والعمليات والواقع أنه أمام هذه الأعمال - وهي كثيرة - التي يعمل فيها عالم الرياضيات في المستقبل، ولكن بوسائل الحاضر، يجد المؤرخ نفسه أمام مهمتين ليس من السهل تحقيقهما في آن واحد وضع أفكار المؤلف من جهة، في تسلسل زمني من أجل فهم وتحديد نوع من عقلانية لن تكتسبها هذه الأفكار إلا بعد فترة طويلة من نشأتها، والانكباب من جهة أخرى، على تحديد مكانها في بنية العمل من أجل فك رموز المعنى الذي لم يتوقف أبدا عن أن يكون معناها"". (Sharaf .....vol 1, p. XVIII)  الفصل التالي الفصل السابق

كتب ذات صلة