القائمة الرئيسية

كتاب رشدي راشد مدخل إلى فكره وأعماله (3-6)

كتاب رشدي راشد مدخل إلى فكره وأعماله (3-6)
ملخص الكتاب

ملخص: يتحدث الفصل الثالث عن أهمية العلم العربي في الحضارة الإسلامية، موضحًا أنه جزء من التاريخ العلمي العالمي، بعيدًا عن التصورات التقليدية التي اختزلت دوره في نقل العلم اليوناني. كما يناقش دور حركة الترجمة في القرن الثامن الميلادي، التي نقلت المعارف من اللغات اليونانية والسنسكريتية والفارسية إلى العربية، مما أسهم في تطور الفكر العلمي في العالم الإسلامي. بالإضافة إلى ذلك، يوضح الفصل أن الوهن في البحث العلمي في بلاد الإسلام لا يعني بالضرورة انحدارًا تامًا، بل يعود إلى عوامل معقدة اجتماعية وسياسية واقتصادية، مشيرًا إلى أن العلم التقليدي كان يشكل ""بنية حاضنة"" للعلم الحديث في البلدان الإسلامية.

ما هو العلم العربي؟

مقاربات العلم العربي

إذا أردنا تبسيط الأمور، يمكننا القول إن مُجمل أعمال راشد تنتظم حول مشروع يحركه غرض واحد: إعادة إدراج العلم الذي أنتج في الحقبة الكلاسيكية للحضارة الإسلامية في التاريخ العالمي للعلم. وبذلك، تتميز أعماله عن التيارين المعاصرين اللذين تقاسما مع بعض الاستثناءات، حقل البحث في تاريخ العلم في العالم الإسلامي في الوقت الذي بدأ راشد بحوثه أولا، التيار الاستشراقي، وهو الأقدم، الذي يرى أصحابه أن العلم لا يعد في المجتمع الإسلامي سوى نشاط ثانوي ازدهر لفترة قصيرة، ثم تراجع بسبب ضغط المجتمع، [ص. (65] بل بسبب ثقافة هذا المجتمع غير العلمية في أساسها . ثم إن هذا العلم كان بالنسبة إلى هذا التيار، مثلما يقول راشد عبارة عن تعبير أكاديمي» لإيديولوجيا تقول بغربية العلم وتعتبر علوم الحضارة الإسلامية مجرد ملحق للعلم اليوناني. ومن ثم، اقتصر دور هذه الحضارة على الحفاظ على الإرث اليوناني في تلك الحقبة التي لم يشهد فيها بعد الغرب المسيحي يقظته من سبات العصر الوسيط ولم يكن قد اكتشف بعد جذوره الهيلينية. وكان ذلك هو الدور الثانوي الذي أسند إلى العلم العربي منذ نشأة تاريخ العلوم بصفته اختصاصا عندما كان فلاسفة القرن الثامن عشر يرون في العلم العربي ناقلا لتواصل تقدم التنوير، في حقبة سادت فيها الخرافة والغموض (Histoire....P.19).

وبضرب من رد الفعل، تولد عن هذا التيار تيار آخر، وهو التيار التقليدي الذي كان يسعى إلى وضع العلم العربي مجددا في رحم المجتمع والثقافة الإسلامية. غير أنه لم يتوان - وهو يقوم بذلك - من تشويه هذا العلم ذاته. فقد كان أنصار التيار التقليدي يشاركون المستشرقين حكمهم المسبق الذي يعتبر أن الثقافة الإسلامية كانت منشغلة بالأساس بالخلاص الروحي أو بالغزوات. فعوضا عن إقصاء العلم من المجتمع الإسلامي، زعم أنصار هذا التيار أنهم وجدوا الخانة المناسبة له، وهي خانة روحية في جوهرها. وستحتل من ذلك الوقت العلوم الخفية، وهي بالأساس الخيمياء والتنجيم، مركز العلم في الإسلام بعد أن صوّرها هذا التيار باعتبارها أكثر العلوم ""قدسية"".  ومن هذا المنظور، يمكن أن تُردّ حدود هذا العلم ذاته إلى اختيار متعمد ارتاه العلماء المسلمون أنفسهم، حدود يجب عدم تخطيها حتى لا يتجاوز الحدود التي وضعها الدين، وحتى لا تعرض للخطر بذلك بعض القيم الروحية.

وعلى الرغم من جميع الاختلافات الظاهرية بين هذين التيارين اللذين ذكرناهما فإنهما يشتركان في عدة مفترضات أساسية أولها أن كلاهما كان جوهرانيا (essentialistes). فحتى لو كان يمكن أن يُرد ازدهار العلم في المجتمع الإسلامي إلى عوامل خارجية، فإن تراجعه وهي حقيقة لا جدال فيها بالنسبة إلى المذهب الاستشراقي) كان يُردّ بالنسبة إلى كليهما إلى جوهر الإسلام نفسه. ثانيها أن كلا التيارين لهما نزعة أنثروبولوجية فكان الغرض الوحيد من الاهتمام بدراسة تاريخ العلوم في الإسلام بغض النظر عن مسألة انتقال المعرفة اليونانية إلى أوروبا هو بالنسبة إلى كليهما، ما يمكن أن يكشفه عن مجتمع غير غربي وعن خصائصه. والمفترض الثالث هو أنهما يعتقدان بوجود قطيعة تامة بين العلم الحديث والعلم ""الوسيط"" الذي كان العلم العربي جزءًا منه، ليس فقط لأن العلم العربي أنتج خلال تلك الحقبة، وإنما أيضا بسبب الأهمية المفرطة التي كان ينسبانها إلى عصر النهضة أو إلى الثورة العلمية.

ومنذ البداية، أخذت أعمال رشدي راشد في كتابة تاريخ العلوم مسافة من هذين التيارين الجوهراني والأنثروبولوجي. إذ تكمن أهمية تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية، بالنسبة إلى راشد، ليس فقط فيما تعلمنا إياه هذه الحضارة وإنما كذلك في أنه دون دراسة معمقة لهذا العلم سيشق علينا فهم العلم اليوناني والعلم الكلاسيكي. وهكذا، دون أن نتجاهل بطبيعة الحال الروابط التي تشد العلم العربي إلى تاريخ الإسلام وإلى خصوصية المجتمع الإسلامي، يمثل هذا العلم جزءا لا يتجزأ من العلم الكوني. وإذا سمحنا لأنفسنا بأن نغير تغييرا طفيفا ما يقوله راشد نفسه في مقدمة كتابه حول تاريخ العلوم العربية، يمكننا القول إن إحدى أهم خصائص هذا العلم هي كونيته، أو كما يقول هو : 

""يتحقق في العلم العربي في الواقع، ما كان في طور الكمون في العلم الهيليني : ذلك التوق، الذي يجد نواته عند العلماء اليونان، إلى تجاوز حدود منطقة ما، إلى كسر حدود ثقافة وحدود تقاليدها، ليكتسي أبعاد عالم بأسره"" (Histoire...1,10).

العلم العربي واللغة العربية

لقد استعملنا دون تمييز عبارتي ""العلم العربي"" و ""العلم في الإسلام"" لأن راشد نفسه يستعمل كلتا العبارتين. تشير العبارة الأولى، ""العلم العربي"" إلى اللغة التي نقلت على امتداد قرون عديدة نتائج نشاط العلماء على اختلاف انتماءاتهم العرقية والدينية. بينما تبرز العبارة الثانية، العلم في الإسلام""، أن هذا النشاط العلمي إنما حدث داخل المجتمع الإسلامي، وأن تكون وحدة سياسية ودينية قد أدى إلى خلق إحدى الظروف الملائمة لممارسة هذا النشاط العلمي، على الرغم من التنوع الذي يلاحظ في هذا المجتمع. فلنتوقف هنيهة عند هاتين العبارتين حتى نزيل ما يمكن أن تثيرانه من سوء فهم.

يؤكد راشد في أكثر من مناسبة أنه يتحدث عن العلم العربي"" كما نتحدث عن العلم اليوناني أو العلم اللاتيني، ويعني بذلك العلم الذي أنتجته شعوب مختلفة وعلماء لهم معتقدات وديانات متنوعة، لكنهم كانوا كلهم يكتبون علمهم بالأساس ما لم يكن حصريا، باللغة العربية (303 .Notion ... p). ويحرص راشد على ألا تؤخذ هذه التسمية بمعنى خاصية متأصلة في طبيعة اللغة العربية ذاتها، خاصية أصبحت بفضلها اللغة العربية لغة العلم. وقد وجد رأي مماثل لهذا الرأي، من جهة أخرى بخصوص نشأة الفلسفة اليونانية، حيث يزعم بعض المفكرين أن مهد الفلسفة اليونانية مدين بقدر كبير لطبيعة اللغة اليونانية ذاتها التي تتناسب في جوهرها مع الفكر الفلسفي. وقد وجدت هذه الفكرة التي مثلت جزءًا من الإيديولوجيات المهيمنة خلال فترة طويلة من القرن التاسع عشر صدى في القرن العشرين عند فلاسفة مثل هيدغر، وهي قد لعبت، مثلما رأينا دورا أساسيا في تكون فكرة العلم الغربي.

لكن إذا كان راشد ينقد هذه الإيديولوجيا، مثلما كنا نرى، فليس من أجل تعويضها بأخرى من النوع نفسه ترجع نشأة العلوم المكتوبة باللغة العربية إلى خصائص يعتبرها البعض جوهرية في هذه اللغة. فلا شك أن اللغة العربية قد نقلت العلوم على امتداد التاريخ الإسلامي، في بلدان مختلفة وظروف اجتماعية متنوعة. إلا أنها حازت هذه المنزلة، ليس بفضل خاصية جوهرية فيها، وإنما حازتها بالأحرى نتيجة الوضع الذي كانت تحظى به عند نشأة الإسلام، وتوسع الإمبراطورية الإسلامية. فعبقرية اللغة العربية، مثلها مثل غيرها من اللغات، إنما هي عبقرية بعدية، شكلها عمل مكثف، وليس مردها إلى جوهر اللغة.

ولكي نوضح كيف يتمثل راشد طبيعة إسهام اللغة العربية في تكون العلوم المرتبطة بها، يجدر بنا أن نذكر بالوضع السياسي والثقافي الذي عرفته الإمبراطورية الإسلامية على نحو ما يراه هو يقول راشد:

""إن تكون مفردات لغة العلوم الرياضية العربية قد بدأ مبكرًا، شأنه شأن ما حدث في بقية العلوم العقلية، لأننا نشهد مراحله الأولى في غضون القرن الثامن الميلادي. ويندرج هذا التكون في سياق مزدوج لا بد من استحضاره في الذهن حتى نفهم خصائصه: إذ نجد من جهة تعريب مؤسسات الدولة الجديدة، ونجد من جهة أخرى، حركة ترجمة المؤلفات العلمية إلى اللغة العربية المؤلفات اليونانية بالخصوص، وبدرجة أقل السنسكريتية والفارسية"" (Lexique...P.XIX).

فهو يسلط الضوء إذن على عنصرين لعبا دورا رياديا في تكون اللغة العلمية العربية، وهما أداتان لا غنى عنهما للعلم ذاته أولاهما، نشأة دولة جديدة بمؤسساتها الخاصة التي أسندت مهام جديدة للغة العربية، وثانيتهما، حركة ترجمة النصوص العلمية والفلسفية من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية وما كانت تتطلبه هذه الحركة من مجهود لغوي مكثف . لنفحص هذين العنصرين:

مثال من التاريخ 

نذكر في العنصر الأول أن بعض ملامح المؤسسات بدأت تتضح بعد في فترة حكم الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه) (634-644م). وإحدى هذه المؤسسات التي نذكرها على سبيل المثال ههنا تلقي الضوء على العناصر القادرة على التأثير في قرار إداري بسيط في ظاهره، وتلقي الضوء أيضا عما أمكن أن ينجر عن مثل هذا القرار بدوره من تبعات على العلم ذاته. 

فقد ظهرت في زمن الغزوات ضرورة ملحة لضبط التقويم استجابة لحاجيات إدارية. ورغم الطابع السردي للتقارير المتاحة، فإن الطريقة التي حلت بها تلك المشكلة تعد مثالا جيدا عن العلاقة بين السلطة التي ينبغي اعتبارها في القرارات الإدارية الخاصة بذلك العصر. 

لقد شكا بعض حكام الولايات إلى الخليفة من الأوامر المالية التي كانت ترد عليهم من عاصمة الخلافة  حيث كانت تعتمد الشهر القمري لدفع الرواتب وليس السنة. فهل كان المقصود في هذه الأوامر السنة الجارية أم السنة التالية؟ ومثل هذا الشك قد يُسبب عواقب وخيمة من الناحية العملية. لذلك طلب الخليفة رأي مستشاريه في هذه المسألة. فاتفق الجميع على ضرورة اختيار حدث يبدأ منه التقويم. وسرعان ما تجنّب أسلوب التقويم الفارسي الذي كان يتخذ اعتلاء كل ملك جديد العرش بداية للتقويم، وقد تجنّب ذلك ببساطة لأنه يتطلب تغييرا دائما. واستبعد الحل الروماني أيضا لأسباب مشابهة واختير في النهاية عام هجرة الرسول (صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة بداية للتقويم الهجري. وهكذا نتبين أن وضع التقويم الهجري الذي يعد حدثًا عظيمًا في تاريخ الإسلام، إنما يعود إلى ظروف تاريخية خالصة في البداية، حيث فرض مشكل مالي وإداري للدولة ضرورة إيجاد تقويم ثابت. وبعد الترجيح بين عدة حلول، اختير التقويم الهجري في النهاية لا لأنه أكثر ""إسلامية"" من غيره، بل لأنه أكثر ملاءمة.

وتطلعنا بقية هذه القصة على جوانب مختلفة من الأخذ والرد عند قيام الامبراطورية الناشئة. فبعد أن اعتمد عام الهجرة بداية للعهد الإسلامي، ظل التقويم مع ذلك تقويما قبل إسلامي، أي تقويما قمريا. فكانت السنة الرسمية مقسمة إلى إثني عشر شهرًا، يُشار إلى كل شهر منها باسمه العربي، على نحو تنتقل فيه الشهور بين فصول السنة. فالشهر الذي يأتي في منتصف الشتاء اليوم سيكون بعد حوالي سبع عشرة سنة في منتصف الصيف. وقد كان ذلك يحدث مشكلة كبرى بالنسبة إلى الإدارة : إذ لما كان استخلاص الضرائب يتم، كما هو الحال في كل مجتمع زراعي، بعد حلول موسم الحصاد، فإن التقويم القمري لم يكن متلائما مع متطلبات الإدارة. وبعد ذلك بفترة وجيزة، عندما أتيح للمسلمين الاطلاع على النصوص الفلكية، اختاروا لأغراض فلكية وإدارية التقويم الشمسي مع حفاظهم على التقويم القمري لأسباب دينية.

بيد أن التقويم الشمسي وحده لا يضمن عدم انتقال شهور السنة بين الفصول. ولا بد من معرفة طول السنة الشمسية بشكل دقيق لإيجاد تقويم متناسب كفاية مع المتطلبات الإدارية. وذلك ما يفسر بلا شك وضع هذا المشكل في مركز اهتمام علماء الفلك منذ القرن التاسع الميلادي. وهذا مشكل معقد للغاية لأن السنة الشمسية يمكن أن تُحدد بطرق مختلفة. وقد خصص في أوائل القرن التاسع مؤلف مجهول لهذا المشكل رسالة مهمة تناول فيها الكثير من الجوانب النظرية للمسألة ، جوانب كانت مرتبطة وثيق الارتباط بالأرصاد الفلكية التي أصبحت تزداد دقة يوما بعد يوم. وقد أجريت عملية إصلاح التقويم هذه على عدة مراحل واستمرت  على الأقل حتى القرن الثاني عشر، ونهضت إليها عدة أجيال من علماء الفلك.

وكان لاختيار التقويم القمري لأغراض دينية، هو بدوره عواقب على العلم. إذ لما كانت الشعائر الدينية مرتبطة برؤية الهلال أصبحت مسألة رؤية الهلال موضوعا بحثيًا في علم الفلك. فقد خصص ثابت ابن قرة رسالتين لهذا الموضوع منذ بداية القرن التاسع.

لِنَعُد إلى اللغة العربية. هناك قراران إداريان آخران كان لهما دور حاسم في إضفاء طابع رسمي على اللغة العربية. أولهما كان ترجمة الديوان، أي الدفاتر التي كانت تُدَوَّنُ فيها حسابات الدولة إلى اللغة العربية، وهو كان يُحرر قبل ذلك بالفهلوية (لغة بلاد فارس قبل الاسلام) وباليونانية (لغة الإمبراطورية البيزنطية). ولما كانت تفاصيل هذا التحول غير معلومة، يمكننا أن نتخيل فقط أن ذلك قد تطلب وضع ترسانة كاملة من المصطلحات الفنية أو تطويعها. أما ثانيهما، فيخص سك العملة. وقد اتخذ هذان القراران في وقت مبكر، أي مع نهاية القرن السابع وبداية القرن الثامن الميلادي.

حركة الترجمة

إن التقارير الأولى التي وصلتنا بخصوص ترجمة مؤلفات علمية إلى اللغة العربية ترجع هذه الترجمة إلى نفس الحقبة، أي إلى القرن الثامن الميلادي. ويمثل ظهور أسماء بعض الخلفاء والأمراء في هذه التقارير سمة مميزة للعلم العربي أكدها راشد وهي ستصاحب هذه العلم عدة قرون: دعم البحث العلمي من قبل السلطة السياسية. غير أننا سنجد بداية من القرن التاسع ترجمة واسعة النطاق للمؤلفات العلمية والفلسفية في مناخ سياسي وفكري جديد.

ففي القرن التاسع الميلادي توسعت حدود الإمبراطورية الإسلامية وأصبحت ذات بعد عالمي، فامتد نطاقها الجغرافي من حدود الصين إلى إسبانيا، وأصبحت موطنا لأعراق ولغات وأديان متنوعة فلم تكن بغداد عاصمة الخلافة العباسية وحسب، بل كانت مدينة عالمية تضم طوائف كبيرة من المسيحيين واليهود والزردشتية والصابئة. وقد حظيت هذه الطوائف بوضع قانوني محدد طبقا للتشريع القرآني. بل يبدو أن المكانة التي منحتها لهم السلطة السياسية كانت تتجاوز، في بعض الأحيان، الحدود التي وضعتها الشريعة. وقد كانت المناظرات بين مختلف الأديان شائعة، وكثيرا ما تشجعها السلطة السياسية، وشعر المتحدثون باسم كل دين بأهمية إعدادها بإتقان من خلال محاولة تقديمهم صياغات دقيقة لمعتقداتهم المختلفة. ولكي نضرب مثالا واحدا على ذلك، نذكر أن جميع النصوص الزردشتية المتاحة في بغداد في القرن التاسع قد حررت تقريبا انطلاقا من نصوص تعود إلى عصر ما قبل الإسلام. 

 وقد ازدهرت المناظرات داخل المجتمع الإسلامي نفسه، كما تعددت المدارس الفقهية والكلامية بالتوازي مع الانشقاقات السلمية أو العنيفة بعض العنف. ومن جهة أخرى، أدت الحاجة إلى إدارة إمبراطورية واسعة الامتداد، على الأقل من الناحية النظرية، وفقا للتشريع القرآني والسنة النبوية، وما اقترن بذلك من إشكالية توحيد هذه النصوص والعمل بها رسميا، إلى نشأة علم جديد أصول الفقه. وقد اهتم العلم المسمى بأصول الفقه من بين أمور أخرى بمسائل ذات جوانب عقلية للغاية، من بينها التحليل الدلالي للمصطلحات القانونية الأساسية ودراسة معاني الألفاظ. مثال ذلك: هل أن نهي النص القرآني عن إتيان فعل من الأفعال يستلزم تحريمه ؟ وكانت الإجابة عن مثل هذه الأسئلة لا تتطلب فقط دراسة النصوص المتاحة وقتها - القرآن نفسه والسنة النبوية والشعر الجاهلي - لبناء فكرة دقيقة عن المعنى الأصلي للمفردات العربية، بل تطلبت أيضا البحث في مسائل أكثر تجريدا، مثل العلاقة بين العام والخاص. وبالتالي، تطرق هذا العلم تدريجيا إلى الجوانب المنطقية للغة، أو إلى ما يمكن أن نسميه ""تداولية"" اللغة.

وقد ظهر منذ العقود الأولى من القرن التاسع على مستوى فكري بالذات، ضرب من اللاهوت العقلي، بل يمكن القول ضرب من اللاهوت الفلسفي، تمتد جذوره إلى القرن الثامن غايته الدفاع عن مبادئ الدين الإسلامي بواسطة حجج  عقلية بحتة. وبما أنه ليس لهذا العلم نظير في اللاهوت المسيحي، سنشير إليه باسمه العربي: ""علم الكلام"". وعندما نتأمل هذا العلم مليا، وهو أبعد ما يكون عن التعبير عن مجموعة من العقائد والحجج التي تمليها السلطات الرسمية - سواء أكانت دينية .

أم حكومية. نجده يقدم رؤية متنوعة للغاية. فلم يقدم المتكلمون رؤى حول العقيدة (لاهوتا وحسب، وإنما قدموا فيزياء أيضا فمن ضمن نظرياتهم المتنافسة والمتعددة، نجد نظرياتهم عن الذرات وأعراضها، حيث أن المذهب الذري في علم الكلام كان معنيا بالبنية الأساسية للعالم المادي. وكانت بعض المسائل التي أثيرت متعلقة أيضا بفلسفة الرياضيات مثل اللانهائي بالفعل وحال وجوده، المتصل والمنفصل، إلخ. وقد وجدت اللغة العربية نفسها، في هذه الظروف، أمام مهام متعددة. فبينما كان المعجميون يجتهدون في الاستجابة إلى مطالب الفقهاء من خلال تدقيقهم في معاني الألفاظ الواردة في القرآن والسنة النبوية، وكان النحاة يضعون قواعد اللغة التي توسع استعمالها إلى غير الناطقين بها، كانت العلوم الجديدة التي تحدثنا عنها للتو مثل علم الكلام وأصول الفقه تستعمل هذه اللغة في سياقات جديدة، فأعطت بذلك معاني جديدة لكلمات تنتمي إلى اللغة العربية المتداولة وقتئذ، أو مأخوذة من لغات أجنبية. 

وفي هذا المناخ بالذات توسعت حركة الترجمة وازدهرت بشكل غير مسبوق. ونحن لن نخوض في التفاصيل التاريخية التي شهدتها هذه الحركة،  ولا في عدد الكتب المترجمة، ولا في هوية المترجمين، ولا في أساليب عملهم، وغير ذلك، لأنه كثيرا ما تناول المؤرخون هذه المسائل بالبحث. يكفي أن نذكر بأنه على امتداد قرن ونصف القرن من الزمان أي منذ بداية القرن التاسع إلى منتصف القرن العاشر الميلادي - سيترجم إلى اللغة العربية الجزء الكبير من التراث العلمي والفلسفي للحضارات التي ورثها العالم الإسلامي. ولئن احتلت اللغة اليونانية في هذا المشروع مكانة مميزة، كما يقول راشد، فإنّ الكثير من الأعمال المترجمة لم تكن باللغة اليونانية، بل كانت باللغة السنسكريتية أو الفارسية أو السريانية. كانت ظاهرة الترجمة واسعة النطاق إلى درجة أنه مع نهاية تلك الفترة، لم يعد العلماء الذين يكتبون باللغة العربية يحتاجون إلى تعلم هذه اللغات للقيام بأبحاثهم. فقد أصبح لديهم إمكان الاطلاع على معظم أدوات عملهم باللغة العربية. وسنتطرق عند الحاجة، إلى بعض الترجمات التي تركت أثرا في تاريخ العلوم.

صورة جديدة لحركة الترجمة

ما يعنينا هنا هو التصحيح الذي قدمه راشد للصورة التي كنا نحملها عن هذه الحقبة، وكذلك عن علاقتها بتطور العلم في الحضارة الإسلامية. فوفقًا لفكرة كانت سائدة عند المؤرخين، عن العلم أو عن الفلسفة على حد سواء، يمكن أن يمثل وجود حقبة الترجمة أساسا لتحقيب تاريخ العلوم والفلسفة في الحضارة الإسلامية، وإذا سلمنا بما ذهب إليه هؤلاء المؤرخون، يمكن التمييز في الحقيقة بين مرحلة الترجمة ومرحلة البحث، بالمعنى الذي تكون فيه الأولى سابقة للثانية، ويمكن بالتالي التمييز بينهما زمنيا.

عندما ننظر من هذه الزاوية، سيكون دور المترجمين غير مؤثر على الإطلاق فهم مجرد ناقلين لأشياء، من مجال ثقافي إلى آخر، وهذه الأشياء هي أعمال علمية. وكأنه كان على العلماء الناطقين بالعربية، وحتى يمكنهم الشروع في نشاطهم العلمي والفلسفي، انتظار انتهاء مرحلة الترجمة حتى يتمكنوا من الاطلاع على المصادر اللازمة قبل مباشرة عملهم البحثي. ولا بد أن نضيف أن هذه ""البحوث"" لم تكن عند بعض المؤرخين وفي نهاية الأمر سوى تعليقات أو ملاحظات هامشية على النصوص اليونانية.

وهناك خاصية أخرى لهذا التصور، وهي أن اختيار العلماء العرب للمصادر اليونانية كان، في نظر هؤلاء، نتيجة الصدفة. وقد تجلى ذلك على وجه الخصوص في كتابة تاريخ الفلسفة الإسلامية التي أنجزها المستشرقون، حيث ادعى أصحابها أنه في مقدورهم تفسير بعض السمات المميزة لهذه الفلسفة من خلال إرجاعها إلى النصوص اليونانية المتاحة آنذاك بواسطة الترجمة ووفقا لهذا التصور، عثر الفلاسفة المسلمون، بضرب من المصادفة، على ترجمة بعض مؤلفات الأفلاطونية المحدثة المنسوبة خطأ إلى أرسطوطاليس، ليحدد هذا العثور المشؤوم مصير فلسفتهم فلم تكن الفلسفة ذاتها سوى تجميع لعناصر متباينة، بل متناقضة. وبالتالي اختزل جزء كبير من تاريخ الفلسفة في الإسلام في محاولات الفلاسفة المسلمين، حكم عليها منذ البداية بالفشل في التوفيق بين تلك العناصر المتباينة.

وإن لم تعد هذه الفكرة تحمل محمل الجد عند المتخصصين، فهي لا تزال متداولة، حيث تعود بشكل دوري في النقاشات الفكرية والإعلامية التي تدور في الغرب وفي الدول المسلمة حول مصير الفلسفة في المجتمعات الإسلامية، بل كذلك حول أسباب انحدارها.

ويتسلل هذا الافتراض بشكل خفي إلى أبحاث عديدة تتناول تاريخ ترجمة الأعمال العلمية إلى اللغة العربية، وإن لم يظهر بنفس الوضوح الذي يظهر عليه في مثال الفلسفة. فيقتصر على عرض أسماء الأعمال المترجمة، وأسماء المترجمين، ويقف الأمر عند هذا الحد.

ويحرص راشد في الكثير من كتاباته على التخلص من هذا الحكم المسبق الذي تنجر عنه في نظره عواقب وخيمة على كتابة تاريخ العلم، كما يعمل على إبراز صورة مختلفة عن حركة الترجمة. حيث يؤكد وجود تنظيم نسبي لهذه الحركة ووجود أهداف محددة لها ارتبطت ارتباطا وثيقا بالأبحاث التي كانت تجرى آنذاك، من خلال توثيقه لبعض إنجازاتها عن طريق تعديل متنها ومناهجها حتى تتوافق مع المعايير الجديدة التي وضعها.

لنبدأ بالجانب الأبسط للحجة التي يقدمها راشد: لا يمكن أن نميز بين مرحلة الترجمة ومرحلة البحث زمنيًا. فقد كان أكثر العلماء تجديدا يعملون في أوج حركة الترجمة، بينما شارك آخرون في المرحلتين في الوقت نفسه على سبيل المثال، ألف الخوارزمي  مؤسس علم الجبر الجديد، كتابه بين 813 و 833 ميلاديا وثابت بن قرة الذي شارك مشاركة نشيطة في حركة الترجمة، سواء أكان ذلك بترجماته أو بمراجعة ترجمات غيره، كان في الآن نفسه عالم رياضيات كبير وفيلسوف، ولديه إسهامات ريادية في هذين المجالين. وينطبق المثال نفسه على حنين ابن إسحاق الذي يُعد أكبر مترجم للأعمال الطبية وهو طبيب مشهور بكتاباته. وهلم جرا. فما من أحد انتظر إذن انقضاء عصر الترجمة لينطلق في البحث.

علاوة على ذلك، يُشير وجود عدة ترجمات للعمل نفسه إلى إتقان نشاط الترجمة مع مرور الوقت. ولكن لم يرتبط هذا الإتقان برغبة المترجمين في تحسين نتيجة عملهم فحسب، وإنما جاء لتلبية متطلبات الباحثين في إيجاد نصوص أكثر صرامة. والمثال الساطع ههنا نجده في الأعمال الرياضية اليونانية الكلاسيكية، حيث ترجم كتاب الأصول الإقليدس ثلاث ترجمات، راجع ترجمة منها وصححها ثابت بن قرة. وترجم كتاب المجسطي البطلميوس على الأقل خمس ترجمات، حظيت إحداها أيضا بمراجعة ثابت بن قرة.

وفي حال كتاب المخروطات لأبولونيوس، يشهد المرء ترجمة كانت منذ البداية مرتبطة بالبحث. حيث تُرجم هذا الكتاب، بإشراف ثلاثة علماء بارزين في القرن التاسع وهم الأخوة بنو موسى على عدة مراحل: أولها البحث عن نسخة أصلية الأمر الذي تطلب إرسال بعثات لتجميع المخطوطات اليونانية؛ وثانيها، البحث عن خصائص مقاطع الأسطوانة الذي أنجزه [ص. [81] الأخ الأصغر الحسن، لفهم محتوى عمل أبولونيوس بشكل أدق ؛ وثالثها، إضافة براهين تمهيدية رأها الإخوة بنو موسى ضرورية لفهم النص وآخرها مراجعة الترجمة من قبل ثابت ابن قرة. نحن هنا بعيدون كل البعد عن الصورة المعتادة عن حركة الترجمة التي ينظر إليها بوصفها نشاطا جرى بشكل عشوائي بدافع الفضول الشخصي الخالص وبرغبة وحيدة هي إطالة قائمة الترجمات المتاحة.

وتشهد ترجمة مخروطات أبولونيوس على سمة أخرى مميزة لحركة الترجمة شدد عليها راشد عديد المرات، وهي وجود نظام يرعى البحث العلمي (mécénat). وبالرغم من أنه ليس بوسعنا الحديث عن مشروع دولة بالمعنى الذي يمكن أن تحمله مثل هذه العبارة اليوم، فإن ارتباط أولى الترجمات في القرن الثامن بأسماء بعض الأمراء، يشهد على وجود هذا العنصر منذ بداية العصور الأولى للترجمات. وسوف يذكر لاحقا تأسيس بيت الحكمة مركزا لهذه الأنشطة. ومهما يكن الدور الذي لعبه هذا المركز ومدى مشاركته في حركة الترجمة، فقد تعدت رعاية حركة الترجمة حدود هذه المؤسسة فبالإضافة إلى الخلفاء، مثل الخليفة المأمون اشتهرت عدة عائلات بدعمها للمترجمين من ضمنهم بنو المنجم وبنو موسى ويحمل عمل حنين ابن اسحاق، الذي خصصه لأعمال جالينوس المترجمة إلى العربية، من قِبَلِهِ أو من قِبَلِ غيره،  أسماء كثيرة لشخصيات مرموقة كانت تدعم المترجمين.

وينبغي قراءة قصة حلم المأمون الخليفة العباسي، في هذا السياق. فحتى وإن جاز للمرء أن يشكك في صحتها - لقد انطلقت في عصره حركة الترجمة بالفعل وترجم عدد كبير من المؤلفات العلمية والفلسفية - فهي يمكن أن تكون محاولة أنجزها كتاب لاحقون لتفسير هذه الحركة لأن ضخامتها وامتدادها يتطلبان ذلك. وإن وجدوا هذا التفسير في قرار صادر عن أعلى مسؤول في الدولة، وهو الخليفة المأمون الذي اشتهر بالخصوص باهتماماته الفكرية، فهذا يعني بالنسبة إليهم، أن وجود نوع من الدعم الرسمي هو حقيقة لا يمكن إنكارها.

وتشكك بحوث راشد وبحوث أنجزها باحثون آخرون أيضا في أسطورة استشراقية أخرى مفادها أن اللغة العربية، وهي لغة سامية، ليست مناسبة للتعبير عن أفكار مجردة، وأنه لما كان فكر الناطقين باللغة العربية مشروطا بلغتهم، فهؤلاء لم يكونوا مهتمين في المقام الأول، إلا بالأمور العملية. وتستند هذه الأسطورة إلى حقيقة أن بدايات حركة الترجمة قد اتسمت بالاهتمام بالأعمال الخيميائية والطبية والفلكية والتنجيمية. والحال أن جميع إسهامات راشد في كتابة تاريخ العلوم إنما تأتي لتناقض هذا التصوّر. وبالفعل، سرعان ما اتجهت حركة الترجمة إلى أعمال لم تكن لها أية فائدة عملية، أو إلى أعمال ذات فائدة عملية ثانوية. والأهم من ذلك أنه توجد في خضم هذه الأعمال نفسها  التي كانت تخدم في الغالب أغراضا نظرية، أجزاء ذات هدف عملي في الأساس تؤدي أحيانًا، عند المؤلفين العرب، إلى ظهور تأملات ذات طابع نظري وعلى سبيل المثال، أثارت مبرهنة منيلاوس (Ménélaus) التي كانت مجرد أداة حسابية في كتاب المجسطي البطلميوس نوعين من التأمل النظري على الأقل عند علماء الرياضيات العرب يتعلق أولهما بالحساب التوافيقي، وثانيهما بالعلاقة بين الكميات المتصلة والكميات المنفصلة. وكان هذان الاتجاهان مجتمعين منذ القرن التاسع في أعمال ثابت بن قرة الذي خص كل منهما بمصنف منفرد ، وسيمتدان إلى القرن الثالث عشر كما تشهد على ذلك أعمال نصير الدين الطوسي.

وقد درس راشد دراسة مستفيضة مثالاً آخر، وهو علم المرايا المحرقة. صحيح أن مؤلفي المصنفات في هذا الموضوع كثيرا ما امتدحوا علمهم، في مقدمات مؤلفاتهم لمنافعه العملية الكبيرة. غير أن حججا خطابية من هذا القبيل لم تمنعهم من التعمق في بحوثهم والوصول إلى نتائج جديدة تتجاوز إلى حد كبير كل غرض عملي. وتبين لنا أعمال راشد، مثلما سنرى ذلك في الفصل الخامس، كيف سيدمج هذا العلم في علم المناظر بالمعنى العام للمصطلح. ونأمل أن نبين في ذلك من خلال تحليل كتابات راشد، إلى أي مدى كان إصلاح علم المناظر الذي أقدم عليه ابن الهيثم يتوقف على التطورات التي عرفها هذا العلم من قبل، ومن بينها تلك التي ظهرت في علم المرايا المحرقة.

العالم في بيئته

إن الأثر اللافت لحركة الترجمة هو أنها وضعت في متناول العلماء الذين كانوا يكتبون باللغة العربية متونا علمية كانت بمثابة مراجع ووسيلة تعليمية في آن واحد. فالرياضي في ذلك الوقت يكون قد قرأ، وأحيانا حفظ عن ظهر قلب، كتاب الأصول لإقليدس، وبعض مؤلفات أرخميدس، وكتاب المجسطي لبطلميوس، والمخروطات لأبولونيوس، بالإضافة إلى المصنفات التي تنتمي الكتب الوسيطة""؛ وهذا مثبت من خلال الإحالات الضمنية او المضمرة على هذه الأعمال التي نعثر عليها في كتابات أي رياضي جدير بهذا الاسم. ومع ذلك، لا تتوقف القصة عند هذا الحد:

""لأن علماء القرن الحادي عشر والثاني عشر واصلوا مناقشة نتائج البحوث التي تم التوصل إليها في مواضع أخرى، وتوسيع نطاقها، ودمجها في أطر نظرية بعيدة في أغلب الأحيان عن ميدانها الأصلي"" (Histoire.... p. 11).

وعلى هذا النحو، كان الرياضيون يستعملون معرفتهم بهذه النصوص في سياقات جديدة. وتكفي الإشارة في هذا الصدد، إلى الدور الذي أدّته بعض قضايا كتاب المخروطات لأبولونيوس في نظرية الإسقاط، أو إلى استخدام الخيام لبعض الخواص الأخرى في نظريته عن المعادلات التكعيبية. وينطبق هذا أيضا على الطب، حيث يستخدم عدد كبير من مؤلفات جالينوس، إلى جانب مؤلفات الأطباء العرب أنفسهم، كمادة تعليمية لتكوين الأطباء.

إن هذا الإحساس بالانتماء إلى تقليد علمي ضارب بجذوره في التاريخ، يجد اكتماله بإحساس لا يقل عنه قوة بالانتماء إلى جماعة علمية. فكان الباحثون العاملون في نفس المجال يقرأون أعمال زملائهم، ويعملون معا، في المؤسسة نفسها أحيانًا، لإيجاد حل للمسألة نفسها، ويشاركون معا في برامج رصد فلكية، وينقدون بعضهم البعض، بل وينخرطون أحيانا في خصومات حية حول الأولية في اكتشاف نتيجة علمية ما. 

كانت المراكز الكبرى للنشاط العلمي، مثل بغداد في القرن التاسع الميلادي تجذب الشباب النوابغ من جميع أنحاء الدولة الإسلامية. وكانوا يجدون فيها ليس من يدعمهم فحسب، بل كذلك أوساط ملائمة للقيام بالبحث العلمي. وحتى أولئك الذين كانوا يقطنون بعيدًا عن تلك المراكز العلمية، كان في استطاعتهم مواكبة البحوث الجديدة في أجل معقول.

ومع الضعف التدريجي للخلافة العباسية ونشوء سلطات محلية، ازداد عدد المراكز العلمية. وإن وجود لغة علمية مشتركة هو الذي كان يؤمن العلاقة بين هذه المراكز: 

""لقد أصبح في إمكاننا مع ظهور العلم العربي، أن نقرأ في لغة واحدة ترجمات العلماء القدامى وإنتاجهم العلمي، وكذلك بحوث المحدثين المتقدمة. كانت هذه البحوث تجرى باللغة العربية في سمرقند مثلما هو الأمر في غرناطة مرورا ببغداد ودمشق والقاهرة وبالارمو. وحتى عندما يحدث أن يكتب العالم بلغته الأم، ولا سيما اللغة الفارسية - مثل النسوي أو نصير الدين الطوسي - فإنه كان يتكفل بنفسه بترجمة كتاباته إلى اللغة العربية... وبهذا تفتحت مسارات لم تكن موجودة من قبل مما يسر التواصل بين المراكز العلمية المنتشرة من آسيا الوسطى إلى الأندلس وسهل التبادل بين العلماء (Histoire ..., p. 11) .

وكانت الرحلات العلمية إحدى الوسائل التي كانت تؤمن التواصل بين العلماء وبين الجماعات العلمية أيضا، ونذكر منها رحلة ابن الهيثم من البصرة إلى القاهرة وموسى بن ميمون من قرطبة إلى القاهرة، كما طاف شرف الدين الطوسي بين طوس ودمشق مرورا بهمدان والموصل ودمشق (Histoire...P,12) وفضلا عن ذلك شهدت المراسلات العلمية في هذه الحقبة ازدهارا: 

"" وهي جنس أدبي جديد له أعرافه وضوابطه، وكان هو بدوره أداةً للتعاون ونشر البحوث العلمية"" (Histoire ..., p. 12).

وجملة القول إن الصورة التي يمكن رسمها للعالم في ذلك العصر مناقضة لتلك التي تقدمها لنا كتابة معينة لتاريخ العلم في الحضارة الإسلامية. فالصورة النموذجية للعالم في تلك الحقبة تطابق شخصية ذات تكوين متين لا تترك شيئًا للصدفة تقريبا، وتنخرط في تقليد بحثي واضح المعالم، والعالم أبعد ما يكون عن شخص منعزل، يجدف عكس التيار، ويعتمد ذكاءه الشخصي دون سواه، مستهجنا ومنبوذا في المجتمع الذي يعيش فيه.

كان هناك تأطير مؤسسي في المحاكم والمشافي والمراصد والمدارس...)، وثمة ما هو ناتج عن مسار دراسي وهو أمر بديهي في حال علوم الرياضيات)، بالإضافة إلى إمكان السفر، وتراسل العالم مع نظرائه ... وقد كان كل ذلك يتيح للباحثين المنتشرين في نطاق جغرافي واسع والعاملين في ظل أنظمة سياسية مختلفة كانت في الكثير من الأحيان في حرب بعضها مع بعض المشاركة في البحث حول المسائل نفسها والوصول أحيانًا إلى النتائج ذاتها. يكفي قراءة مقدمة البيروني لكتابه ""مفتاح علم الفلك""، لتكوين فكرة، ولو جزئية، عن زخم النشاط العلمي في منتصف القرن العاشر، وذلك فيما يخص مسألة واحدة بعينها. إذ يروي البيروني قصة الاكتشاف المتزامن القانوني الجيب والظل، في المثلث الكروي، وهو اكتشاف لم يغفل عن أهميته الرياضيون وأثار جدلا حول الأولية تقصاه البيروني وأخبرنا عنه بكل أمانة. 

انحدار العلم في العالم الإسلامي: واقع أم خيال؟

يشمل النشاط العلمي في الحضارة الإسلامية كل علوم العصر المعروفة، سواء تلك الموروثة عن حضارات أخرى أو تلك التي ابتكرها العلماء العرب أنفسهم. 

ومن أجل تقديم صورة شاملة عن هذا العلم، أشرف راشد، في مناسبتين اثنتين على تأليف مصنفات جماعية شارك فيها العديد من المتخصصين، أولها كان ""تاريخ العلوم العربية"" (Histoire des sciences arabes) وهو موسوعة صدرت باللغة الفرنسية في ثلاثة أجزاء عام 1997. والعمل الثاني هو موسوعة ضخمة  صدرت باللغة الإيطالية عام 2002. ويتضمن هذان الجماعان ليس فقط تاريخ جميع مجالات العلم العربي - الفلك وما يتعلق به من اختصاصات علمية العلوم الرياضية، التقنيات، علوم الحياة والأرض - وإنما كذلك تاريخ امتداد هذه العلوم في اللغات اللاتينية والعبرية. وجاءت هاتان الموسوعتان اللتان تستندان إلى بحوث أجريت في الثلث الأخير من القرن العشرين لتبين أن العلم في الحضارة الإسلامية عرف امتدادا زمنيا، واتسم بزخم يفوق بكثير ما كان مفترضاً من قبل.

ولما كان كل شيء جميل في هذا العالم قابلا للزوال بين عشية وضحاها، فمن المشروع أن نتساءل مع ذلك إلى أي وقت استمر هذا النشاط العلمي في العالم الإسلامي في الواقع، منذ أن بدأ البحث في تاريخ العلوم العربية لم ينقطع طرح هذا السؤال الذي تلقى كل أنواع الأجوبة. وتستند معظم هذه الأجوبة إلى مسلمة مفادها أنه لما كان انحدار العلم في العالم الإسلامي حقيقة لا نزاع فيها فلا بد من البحث عن سببه. 

هذا اليقين الذي نلاحظه أحيانا لدى العديد من الباحثين والمؤرخين والمثقفين سواء أكان ذلك في الغرب أم في العالم الإسلامي، يعود في الأصل إلى المقارنة بين عصور الازدهار الممتدة من القرن التاسع إلى القرن الثاني عشر من ناحية، وبين المشهد القاحل الذي نتصوّر أننا نعاينه على امتداد القرون التالية من ناحية ثانية. ومع ذلك، إن التشكيك في هذا اليقين لا يقل شرعية عن طرح السؤال ذاته، لا سيما وأن البحوث التي أجريت في النصف الثاني من القرن العشرين على وجه الخصوص، والتي يمكن العثور على نتائجها في الأعمال التي ذكرنا للتو، تجبرنا على تغيير الحدود الزمنية التي كانت توضع في السابق لفترة ازدهار العلم العربي، حيث لم يعد من المستغرب اليوم الحديث عن وجود تقاليد علمية في العالم الإسلامي في القرن الخامس عشر. غير أن هذه التغيرات لا تؤخر إلا قليلا، عند الذين يعتقدون في صحتها، تاريخ بداية هذا الانحدار، بينما فكرة الانحدار في ذاتها تقاوم كل تلك التغيرات التي تُردّ على ما يبدو إلى مسألة تفصيلية. 

ومع ذلك، فإن الصياغة الأولية للفكرة التي حددت فترة ازدهار العلم العربي بين القرن التاسع والقرن الثاني عشر، رغم أنه مضى عليها حين من الدهر، لا تزال تحافظ على ضرب من الاستهواء في الأوساط الفكرية. وذلك لسببين رئيسيين: ثمة أولا جانب ما قبلي في هذا التاريخ يتوافق جيدا مع الدور الذي يُعطى إلى العلم العربي. لأنه إذا انطلقنا من الفرضية التي تحصر وظيفة هذا العلم في الحفاظ على الموروث العلمي اليوناني ونقله بعد ذلك إلى أوروبا، فمن الطبيعي أن ينتهي هذا العلم، في جوهره، بعد أن أدى مهمته التاريخية. ثم سيأتي عصر الشراح، أولئك الذين يعيدون ما قيل من قبل، ولا يقدمون بالتالي شيئا يكون جديرا حقيقة بالاهتمام. 

ثانيا، إن الفكرة القائلة إن العلم لم يطوّر إلا طوال فترة وجيزة من تاريخ الحضارة الإسلامية تتطابق مع الصورة التي عادة ما نرسمها عن الحضارة الإسلامية والتي تحدثنا عنها في بداية هذا الفصل: [ص. 90] فهي حضارة قائمة على الدين وحده حضارة ""القرآن والسنة النبوية وهي ستلفظ بالتالي عاجلا أم آجلا، العنصر الدخيل عليها، أي العلم والفلسفة في هذه الحالة، وقد صنف كلاهما على أنه ""يوناني"" .

غير أن طرح المسألة على هذا النحو هو في حد ذاته إيحاء بالجواب، بل هو إشارة بالبنان إلى المتهم. فالأمر يتعلق، كما يقول راشد بثورة كلامية مضادة قد تكون أدت إلى انحدار علمي في بداية القرن الثاني عشر، ، وإن كانت هذه الثورة المضادة وهذا الانحدار أيضا، ""خياليا"" أو ""وهميا"" لا غير (Histoire...P,13).

ينصب التركيز في هذه الرواية على المكون الفكري والديني، وبالتحديد على علم الكلام، وبالأخص على شخصية ""الإمام أبي حامد الغزالي، الذي نشر في نهاية القرن الحادي عشر كتاباً بعنوان تهافت الفلاسفة"" ، إذ كفّر فيه الفلاسفة بتهمة الزندقة فهو قد يكون وضع بذلك حدًا لكل نشاط فلسفي، بل وعلمي أيضا.

غير أن هذه الرواية، رغم شيوعها المفرط، يصعب تصديقها. أولا، لأن الغزالي لم يكن يمثل أعلى سلطة دينية في عصره. وفي الواقع، إن مثل هذه السلطة لم توجد البتة في بلاد الإسلام التي كانت منقسمة، ولا تزال كذلك اليوم، إلى عدة طوائف ومدارس فقهية، وعقائدية، وفلسفية وثانيا، إن الغزالي ذاته قد تعرض في حياته إلى النقد الشديد من قبل بعض أقرانه بسبب تفسيراته غير الحرفية [ص. 91] لبعض الآيات القرآنية، وبسبب موقفه من الفلسفة. فقد اعتبره الكثير ممن عاصروه أكثر نزوعًا إلى الفلسفة من كونه مدافعا عن الأرثوذوكسية الدينية. يجب ألا ننسى أن الغزالي كتب ملخصا لفلسفة ابن سينا، بناءً على مؤلفاته، وقد كان لها تأثير كبير في العالم الإسلامي، وفي أوروبا في العصر الوسيط من خلال ترجمتها إلى اللاتينية).

والأهم من ذلك هو أنه يمكننا أن نستشف من خلال هذه الرواية فرضية تبعية العلم التامة للفلسفة. ومفاد الحجة الضمنية هو التالي: «إن الإدانة التي نطق بها الغزالي أدت إلى توقف العمل بالفلسفة، وبما أن العلم كان جزءا لا يتجزأ من الفلسفة، فهي من باب أولى وأحرى قد وضعت حدا للعلم». غير أن هذه الحجة باطلة، لأن العلاقات بين الفلسفة والعلم في العصر الإسلامي كانت من ناحية أعقد من أن تختزل في مجرد تبعية هذا لتلك، ومن ناحية ثانية، حاول الغزالي التمييز بين هذين المجالين من المعرفة في كتابه ""تهافت الفلاسفة بالذات، حيث فصل الرياضيات وفصولا كاملة من الفيزياء عن الجزء الخاص بالميتافيزيقا التي كان يدينها.

وعلى أية حال، إن التاريخ نفسه هو أفضل شهادة على أن فتوى الغزالي لم تأت أكلها على النحو الذي كان مرجوا. فالبحث الفلسفي لم يتوقف، والمرء يشهد في القرون التالية لوفاة الغزالي [ص. (92) ليس فقط نشاطاً علميا متصلا ومستمرا، بل كذلك ازدهار عدة مشاريع علمية متميزة. وسوف تستمر هذه الحيوية عدة عقود بل عدة قرون. ولنذكر مثالا على ذلك يتعلق مباشرة بالعلاقات بين العلم من ناحية وعلى وجه الخصوص علم الفلك والفلسفة من ناحية أخرى، وهو مثال يستند إلى نتائج بحوث أجريت في تاريخ علم الفلك على امتداد نصف القرن الماضي. 

فقد آل نقد النماذج البطلمية لحركة الأجرام السماوية الذي أطلقه ابن الهيثم وابن سينا في القرن التاسع الميلادي إلى ظهور مدرسة مراغة الشهيرة في القرن الثالث عشر، وقد وضع أصحابها الذين لم يعيشوا في زمن واحد، ولم يعمل جميعهم في مرصد مراغة بشمال غرب إيران) نماذج جديدة لحل التناقضات التي وجدوها في نماذج بطلميوس (Ptolemée). وسوف يظل هذا المشروع قائم الذات إلى القرن السابع عشر، بل إلى القرن الثامن عشر، وستنهض له أجيال من علماء الفلك في العديد من البلدان الإسلامية.

يتطرق جانب مهم من هذه الحركة إلى العلاقة بين العلم والفلسفة. إذ نجد في خلفية معظم النماذج الفلكية غير البطلمية التي وضعها أصحاب مدرسة مراغة ومن بينهم الكثير من الفقهاء والمتكلمين، فكرة مفادها أن النماذج الفلكية ينبغي ألا تكون متناقضة مع مبادئ الفيزياء. وما كان يعنيه هؤلاء العلماء بالفيزياء هو بالتأكيد الفيزياء الأرسطية التي أدان الغزالي الكوسمولوجيا الخاصة بها قبل هذه الحقبة ببضعة قرون.

وقد تواصل البحث في العلوم الرياضية الأخرى نشيطا، هو أيضا، عدة قرون اعتبرها البعض فترة انحدار تام للعلم في بلاد الإسلام. فظهر خلالها عدد من علماء الرياضيات البارزين أمثال كمال الدين بن يونس القرن الثالث عشر)، نصير الدين الطوسي (القرن الثالث عشر) ، الكاشي القرنان الرابع عشر - الخامس عشر) اليزدي (القرن السابع عشر، والأصفهاني القرن التاسع عشر)، وهم ينتمون كلهم إلى عصر ما بعد الغزالي بالمعنى الواسع). ونذكر كذلك عالم الرياضيات والمناظر المرموق كمال الدين الفارسي، الذي ندين إليه أول تفسير صحيح الظاهرة قوس القزح، وهو قد عاش بين القرن الثالث عشر والرابع عشر.

ونحن لا نعني بهذا القول أن البحث العلمي في بلاد الإسلام لم يشهد أي مظهر من مظاهر الوهن على مدار القرون. ولكن الوهن لا يعني بالضرورة الانحدار أو الانحطاط. فهناك بطبيعة الحال، بون شاسع على سبيل المثال بين القرن الحادي عشر والقرن الخامس عشر. وهو أمر بين من خلال زخم الأبحاث، وعدد الباحثين وتوزيعهم الجغرافي، ونوع المسائل التي يعملون عليها، وجودة بحوثهم، وجدة النتائج التي يتوصلون إليها. لكن يبدو لنا أنه من باب التبسيط المفرط إرجاع هذه الظاهرة المعقدة إلى سبب فكري واحد فمن جهة، إن كتابة تاريخ العلوم في بلاد الإسلام لم تكتمل بعد، وهناك عدد كبير من المخطوطات لم تنشر ولم يُحلل محتواها بعد. لذا فمثلما كشف لنا عمل راشد وعمل باحثين آخرين من جيله، عن وجود تقاليد بحثية في أماكن لم نكن نتوقع وجودها قبل نصف قرن، فإنّه لا يمكننا أن نستبعد مباشرة احتمال وجود كنوز أخرى لا تزال تنتظر الاكتشاف.

ومن جهة أخرى، إذا أردنا أن نبحث عن أسباب هذا الوهن بالاستناد إلى ما نعلمه حتى الآن، فيجب طرح السؤال بشكل مختلف: إن وجد وهن، ففي أية مجالات وجد، وفي أية مناطق جغرافية وسياسية ؟ وفي أي شكل ظهر ؟ إن فهم ذلك يقتضي إنجاز دراسة شاملة للأسباب السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية لهذه الظاهرة. ولا بد لهذه الدراسة التي ستتطلب تعاونا بين متخصصين من مجالات مختلفة أن تمسح فترات ممتدة في المكان والزمان وأن تهتم بمسائل مثل تفتت الدولة الإسلامية، والحروب بين الأسر الحاكمة المحلية المختلفة، والأوبئة والغزوات الأجنبية، وتحويل الطرق التجارية بعد الاكتشافات الملاحية الكبرى في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، والتغيرات المناخية، والاستعمار، وبالتأكيد، ولم لا ، إلى انعطافات الخطاب الفلسفي والكلامي ؟ وباختصار، إن كان هناك وهن، وجب البحث عن أسبابه في أرضية الواقع الاجتماعي الصلبة، وليس في المجالات الواهنة وحدها التي هي من محض الخيال.

وقد أبرز راشد في عدة مناسبات ضرورة إنجاز مثل هذه البحوث، واقترح بعض الطرق التي يمكن سلكها. ومع ذلك، فإن عمله الرئيسي إنما يكمن في بناء الملف الفكري للقضية. إذ يُعلّمنا راشد في هذه الحال كما في غيرها، أنه لا بد، أولا وقبل كل شيء من توخي طريقة تمييزية: يجب أن نتحدث إذن عن وهن البحث في هذا الاختصاص العلمي أو ذاك، وليس في «العلم ككل. ثانيا، عندما نجد أنفسنا أمام هذه الظاهرة في تاريخ علم بعينه عوضا عن البحث عن أسباب هذه الظاهرة في التغيرات الكبرى في الفلسفة أو في علم الكلام، يحسن بنا دراسة الظاهرة عن كثب المعرفة ما إذا كان الأمر يتعلق بالخصوص بتقليد مفهومي ربما يكون قد استنفد كل موارده، أو بمنهج قد يكون اصطدم بحدوده، أو بفكر لم يعد لديه اللغة المناسبة، وما إلى ذلك.

دعونا نأخذ مثالاً من أعمال راشد لإيضاح الوضعية التي يجد المؤرخ نفسه فيه. عندما ندرس أعمال شرف الدين الطوسي الجبرية، الرياضي الذي كان راشد أول من نشر أعماله ودرسها، وعندما نرى أنه يجب على المؤلف كتابة صفحات وصفحات لحل معادلة من الدرجة الثالثة رقميًا، يتساءل المرء شاء أم أبي إلى أي مدى كان يمكن لهذا الجبر أن يتقدم باستخدام كتابة خالية من النظام الرمزي ؟ ويتنهد بطبيعة الحال ويقول: ماذا لو كان استخدم عالم رياضيات بهذه المكانة الرموز والحال أنه إذا اعتمدنا ما يقوله المؤرخون، لم يرتبط ظهور النظام الرمزي في الجبر لاحقا في أوروبا بشكل وثيق بالأحداث الفكرية الهامة، ولا بما كان يجري عليه الأمر عند الجماعة الرياضية، بل كان مرتبطاً بحاجة التجار والمحاسبين الملحة للسرعة والإيجاز آنذاك. ونحن إنما نرى في تلك الحالات بالذات نشأة العلاقة بين التاريخ الاجتماعي للعلم وتاريخ العلم نفسه.

العلم التقليدي والعلم الحديث

إن القول بالانحدار التام للعلم في البلاد الإسلامية بدءًا من وقت معين، لا يهم إن كان ذلك في القرن الثاني عشر أو السادس عشر، أدى إلى عواقب خطيرة على كتابة تاريخ إدخال العلم الحديث في تلك البلاد.

ومثلما يقول راشد،

""يبدو أن هناك مسلمة تهيمن على التفكير في قضية إدخال العلم الحديث وانتشاره في البلاد الإسلامية. فمن الملمح إليه في الواقع، ما لم يكن مؤكدا أن كل نشاط علمي كان قد اضمحل من هذه البلاد، وأن العلم قد زرع في أرض بور""

وبعد معالجة الآثار الوخيمة التي يمكن أن تنجم عن مثل هذه المسلمة على كتابة تاريخ العلم، يقترح راشد طريقًا آخر ينبغي اتباعه عند الحديث عن الدور الذي أداه العلم التقليدي عند إدخال العلم الحديث في هذه البلدان. والأمر إنما يتعلق بما يلي:

  •  وجود هذا العلم؛
  • قدرته على توفير بنية حاضنة للعلم الوارد وقدرته على دمجه فيها؛
  • فائدته لمن يريد فهم تاريخ العلوم قبل القرن الخامس عشر الميلادي.
ويحرص راشد في بقية هذه المقالة على توضيح تلك النقاط من خلال دراسة رسالة للأصفهاني (1800-1879م)، الرياضي الإيراني من القرن التاسع عشر تندرج في سياق امتداد لأعمال شرف الدين الطوسي التي سنتحدث عنها في الفصل الخامس. هو ذا ما يكتبه راشد في هذا الصدد:""إن الحقيقة الإبستيمولوجية الأكثر إثارة للاهتمام والتي تظهر من هذه الأعمال، هي أن هذا الرياضي، الذي لم يكن نابغة بحكم تطور علم الرياضيات في القرن الثامن عشر، قد توصل بالانطلاق من أعمال أسلافه من القرن الثاني عشر إلى بعض النتائج التي توصل إليها رياضيو القرنين السابع عشر والثامن عشر، وذلك دون اللجوء إلى أساليب التحليل الرياضي، وإنما من خلال دراسة حساب الدوال الكثيرة الحدود (fonctions polynômes).
وما يذكره راشد بخصوص هذا المثال المقتبس من تاريخ الجبر يصح كذلك بالنسبة إلى تاريخ الفلك. وبالفعل عند إدخال علم الفلك الحديث في بعض البلدان الإسلامية، وخاصة في إيران، لم يُبدِ الفلكيون التقليديون مقاومة تذكرة وذلك لوعيهم التام بالصعوبات التي يتضمنها الفلك البطلمي. بل على النقيض من ذلك ، أدى بعضهم دورًا مهما في قبول هذا العلم. ونذكر من بينهم عبد الغفار نجم الدولة (1908-1827م) - وهو ابن الأصفهاني المذكور آنفا، وكان فلكي البلاط الملكي (وهذا سبب تسميته بـ""نجم الدولة  وأستاذ الرياضيات في أهم مؤسسة تعليمية حديثة في إيران - وقد تلقى من جهة أخرى تكوينا مخضرما تمتزج فيه الرياضيات التقليدية والرياضيات الأوروبية. والواقع أنه كان أول من ألف عملا شاملا في الفلك الحديث باللغة الفارسية بناءً على المصادر الفرنسية المتاحة لديه، وعلى وجه الخصوص كتاب ""الفلك الشعبي"" لأراغو المنشور في أربع مجلدات بين (1854 و 1857م). وهذا يُعد إذن مثالاً تاريخيًا آخر يُبين لنا كيف استطاع العلم التقليدي أن يمثل على الأقل ""بنية حاضنة للعلم الوارد "".وثمة وضعية مماثلة في حركة التحديث العلمي في مصر في القرن التاسع عشر حيث نشهد ""وجود أنشطة علمية تقليدية أو من الماضي في الخلفية تتفاعل مع مسار التحديث"". الفصل التالي الفصل السابق

كتب ذات صلة