ملخص: في الفصل الأول، تناول النص ملامح حياة رشدي راشد، عالم تاريخ العلوم البارز، حيث استعرض تأثير الأوضاع السياسية والاجتماعية المضطربة في مصر خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين على نشأته وتكوينه الفكري. نشأ راشد في بيئة ثقافية ثرية، استفاد فيها من أساتذة مثل محمود شاكر وطه حسين، ومن مناخ علمي جمع بين التقليد والحداثة. انتقل لاحقًا إلى فرنسا عام 1956 لاستكمال دراساته، حيث تأثر بجورج كانغيلام واستفاد من المناخ الأكاديمي متعدد التخصصات. وجه اهتمامه تدريجياً لدراسة تاريخ العلوم العربية، بدءاً من علم المناظر والجبر، وأسهم في تطوير هذا المجال من خلال تحقيق النصوص وبحوث مفاهيمية ونصية متقدمة. أسس فرق بحثية ومؤسسات أكاديمية لتعزيز دراسة تاريخ العلوم، مؤكداً أهمية التعاون العلمي الدولي وتعدد التخصصات.
ملامح حياة عالمة
غالبا ما تبدو حياة العالم، إذا نظرنا إليها من الخارج، وكأنها تسير دون أحداث كبرى. ولكن بما أن كل حياة تقع في التاريخ، فهي ستنطبع بتقلباته، شئنا ذلك أم أبينا. وحتى لو حاول الفرد أن يبقى في منأى عن هذه التقلبات، فإن التاريخ لا يُجنبه أبدًا اكتساح حياته. وهكذا، فإن القرن المضطرب الذي انتهى للتو قد طبع حياة كل من أنجبهم، خاصة إذا كانوا قد ولدوا وعاشوا في الشرق الأوسط المضطرب.
ولد رشدي راشد في القاهرة عام 1936 ، أي قبل ثلاث سنوات من اندلاع الحرب العالمية الثانية، وترعرع في أحضان أسرة مثقفة حافظت على روابط متينة بأصولها الريفية. وكانت فترة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين سنوات بارزة في تاريخ مصر المعاصر. دعونا نستحضرها بإيجاز، لما قد تلقيه من ضوء على حياة راشد وأعماله.
لنبدأ بالعودة إلى الوراء قليلا في مجرى التاريخ. ففي النصف الأول من القرن التاسع عشر، قامت مصر ، التي كانت رسميًا جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، ولكنها كانت رائدة بعد في اللعبة الكبرى"" التي كانت تجري بينها وبين القوى الأوروبية، باستغلال هذا الوضع الغامض إلى حد ما تحت قيادة محمد علي (1805-1848) الإطلاق حركة وطنية رافقها برنامج أولي لتحديث البلاد، وقد شمل هذا التحديث المجالين التكنولوجي والعلمي. وعلى الرغم من أن حركة الإصلاح هذه ، والسعي إلى تنفيذ التحديث العلمي للبلاد الموازي لها، سيتم وأدها في المهد على إثر تدخل القوات الأجنبية، فإن ذكراها ستبقى دائما مطبوعة في ذهن ذلك الشاب الموهوب الذي عاش في القاهرة في أربعينيات القرن العشرين وفي النصف الأول من خمسينياته، خاصة وأن المناخ السياسي والاجتماعي الذي عرفته مصر في تلك السنوات، وذلك ""الوضع المتناقض المتأرجح بين الديمقراطية الفائقة والديكتاتورية"" (Entretien ......V1)، قد جعلا من الدور الذي يمكن أن يؤديه العلم والتكنولوجيا في إصلاح المجتمع موضوعا يفرض نفسه بقوة في النقاشات العامة.
ومهما يكن من أمر، فإن السنوات التي تلقى فيها راشد تكوينه قد جرت في جو مفعم بالأحداث السياسية المهمة - فترة ديمقراطية تميزت بتكثيف نشاط الأحزاب السياسية، واستعادة النقاش حول مصير البلاد السياسي والثقافي، وما أعفيها من انقلاب عسكري أطاح بالنظام الملكي، وتأميم قناة السويس عام 1956. والعدوان الثلاثي هو واقع كان له بلا شك تأثير على الخيارات الأساسية في حياته ومسيرته المهنية، رغم أنه لم يخف خيبة أمله في الوجهة التي اتخذتها الأحداث خلال السنوات اللاحقة.
وعلى الرغم من كل هذه الاضطرابات السياسية، كانت مصر تنعم في تلك السنوات الخمسين بوجود علماء مرموقين فتجد من ناحية ممثلي التقاليد الأدبية المحافظة، أولئك الذين برعوا في معرفة اللغة العربية وآدابها وتفسير القرآن والتاريخ، أي باختصار جماعة الأزهر، يواصلون تعليمهم التقليدي. وهناك من ناحية أخرى جيل جديد تتلمذ على أيدي كبار المعلمين القدامى ودرس في الجامعات الأوروبية في آن واحد، وجامعة السوربون بالخصوص، يحاول إدخال مفاهيم وأساليب بحث جديدة في الأوساط العلمية للبلاد.
كان إمكان الحصول على تكوين متين خاصة مما تميزت به مصر من خصائص في ذلك الوقت، خاصة كان راشد يشدد ويحرص عليه. وهكذا، فقد تهيأت له منذ أن كان شابا يافعا الاستفادة من دروس محمود شاكر الذي كان آنذاك أعظم علماء اللغة في مصر وكذلك من محادثاته العديدة مع طه حسين الذي اشتهر بأفكاره المجددة، وأثار كتابه في الشعر الجاهلي ضجة كبرى في عشرينيات القرن العشرين.
لا يعرف الكثير عن حالة تاريخ العلوم في مصر في ذلك الوقت. ومع ذلك، حتى لو لم يكن هذا التخصص موجودًا بعد في شكل مُمَأْسَسٍ (institutionnalisé)، فإن حقيقة أن أول جامعة مصرية حديثة قد افتتحت في عام 1909 بمحاضرات العالم الإيطالي كارلو ألفونسو تالينو (Carlo Alfonso Nallino) عن تاريخ علم الفلك العربي، وأن مصطفى نظيف نشر عمله الرائع عن ابن الهيثم في أوائل الأربعينيات من القرن العشرين، وأن عالماً فيزيائيا من طراز علي مصطفى مشرفة اهتم إلى جانب أنشطته الرئيسية، بتاريخ العلوم، هي جميعها دلائل على أن الاهتمام بتاريخ العلوم كان ""ساريًا في الأجواء"" كأحد مظاهر اليقظة القومية بلا شك. وأقل ما يمكن قوله هو أن أهمية هذا التخصص لا يمكن أن يمر عليها شاب يافع مرور الكرام وهو الذي كان يتردد على الأوساط العلمية في القاهرة، حتى وإن كانت اهتماماته في ذلك الوقت مغايرة.
وسوف نتبين أن ما تعلمه راشد خارج أسوار الجامعة كانت له أهمية بالغة في نشاطه العلمي، وتحديدًا فيما يتعلق بتحقيق النصوص الذي يتطلب من بين أمور أخرى معرفة معمقة باللغة وتطورها. والأهم من ذلك هو أن المناخ الفكري السائد في مصر آنذاك، أي العلاقة الجدلية بين التقليد والحداثة في حركية وسط علمي أو في تكوين شخص يُفسر بلا شك، ولو جزئيا على الأقل، سبب عودة راشد دوما إلى مسألة هذا الاقتران في تاريخ العلم، حيث كان واضحًا بالنسبة إليه أن هذه العلاقة لا يمكن اختزالها في مجرد تعارض أو تكامل بسيط.
وسوف تستكمل هذه الدراسات خارج الجامعة بدراسات جامعية في الفلسفة ثم في الرياضيات ابتداءً من السنة الثانية من التكوين الجامعي. وبهذا الرصيد الثلاثي، غادر راشد مصر إلى فرنسا في خريف عام 1956 من أجل مواصلة دراسته فيها.
وقد تزامنت مغادرته تقريبا مع تأميم قناة السويس، الأمر الذي أدى إلى هجوم الجيوش الإسرائيلية والغربية على مصر. يعني أنه بمجرد وصوله إلى فرنسا، وجد نفسه في بيئة مشحونة سياسيًا. وبعد مرور بضعة عقود، يذكرنا بمشاعره المتداخلة حول المناخ العام في فرنسا في ذلك الوقت:
""بصفة عامة، كانت فترة صعبة للغاية... كانت الحرب الاستعمارية في أوجها، حرب الجزائر - نحن في عام 1956 - والجو مشحون بقدر من العنصرية"".
ومع ذلك:
"" كان هناك .... يسار ... كان هناك حزب شيوعي كبير، ويسار مسيحي نشط إلى حد ما، ويسار اشتراكي .... كل ذلك يمكن أن يساعد على اندماج معين حتى لو تركنا السياسة جانبًا .... يمكنني القول .... إن المثقف الشاب القادم من حيث أتيت يمكن أن يشعر أنه في وطنه ولو قليلا"" (Entretien VIII)
ويتجلى التناقض ذاته في وصفه للوضع الفكري والجامعي في فرنسا. فحتى لو لم تكن جامعة السوربون على الصورة التي كان يتوقعها بها، فإنه لا يزال هناك أساتذة جيدون فيها، وما كانت تفتقر إليه الجامعة يمكن تعويضه بالتردد على الأوساط العلمية الأخرى.
واصل راشد دراسته في جامعة السوربون تحت إشراف جورج كانغيلام (George Canguilhem) كان كانغيلام فيلسوفا ومؤرخا للعلوم في آن واحد، وقد كون جيلا كاملا من الفلاسفة ومؤرخي العلوم الذين تركوا بصماتهم على هذه التخصصات، في فرنسا وخارجها. وفي هذا يقول راشد عما يدين به الأستاذه:
"" لقد تعلمت معه الكثير، دون أدنى شك، وتعلمت منه بالخصوص تلك الممارسة لتاريخ العلوم ذات البعد الإبيستيمولوجي، ذات المقتضيات الإبستيمولوجية، وهذا تعلمته منه بلا شك، وقد لاقى هوى في نفسي، وإلا لما كنت لأختار هذا التخصص في تاريخ العلوم، هذا أمر بين بذاته""
وفي الوقت نفسه، واصل راشد دراسة الرياضيات من خلال حضوره دروس كبار الرياضيين في ذلك الوقت، أمثال كارتان (Cartan) وغودمون (Godement) وغيرهما. مما ساعده على توسيع معرفته في هذا المجال التي كانت تقتصر في السابق على التحليل الرياضي.
كما قادته أطروحته لدكتوراه الدولة إلى دراسة الاقتصاد. وقد تناولت هذه الأطروحة التي أعدها تحت إشراف كانغيلام مسألة تتطلب بحثا فلسفيا وتاريخيا في آن واحد. كانت تتعلق بدراسة الحالات الأولى لتربيض العلوم [ص. 23] الاجتماعية مما أثار عددًا من المسائل الابستيمولوجية الفرق بين تاريخ علم ما وما قبل تاريخه ودور التربيض في تاريخ العلوم، وما إلى ذلك. وهي المسائل التي يعود إليها راشد في كتاباته من وقت لآخر، مزودا بنتائج بحوثه التاريخية الخاصة.
وفي سياق هذا البحث على وجه التحديد اتجه راشد إلى تاريخ العلوم العربية وذلك في المقام الأول من أجل تقديم أمثلة ملموسة على المسائل التي كانت تشغله وهو يعد أطروحته:
""وإذ كنت أبحث عن حالات مماثلة، صادفت في البداية علم الميكانيكا .... دائما بهدف الإجابة عن السؤال الذي كنت أطرحه على نفسي بخصوص ذلك الترييض للنظريات غير المهيأة ..... وأثناء اهتمامي بالميكانيكا، كنت أعثر على إشارات إلى مؤلفين عرب، ولكني لم أكن في الحقيقة مهتما بها كثيرا، وفي يوم من الأيام وجهت نظري ببساطة إلى علم المناظر "" .. .... Entretien) ""XII)
غير أن ما كان في بادئ الأمر ضربا من التسلية سرعان ما أصبح شغله الشاغل. ولا يعني ذلك أنه ترك جانبًا الأسئلة التي كان يطرحها على هذه النصوص، ولكن ثراء ما وجده في النصوص العربية كان غير متوقع إلى درجة أنه انغمس رويدا رويدا في دراسة العلم العربي باعتبارها نبعا لا ينضب من المسائل والقضايا التي ينبغي دراستها.
هل كان ذلك مجرد صدفة في مسيرته العلمية ؟ لئن كانت دراسة راشد التاريخ علم المناظر من خلال أعمال ابن الهيثم تندرج تماما في نطاق الإشكاليات التي كان يعالجها في أطروحته، فإن تعرفه إلى علم الجبر العربي، ولا سيما إلى أعمال السموال، كان في المقابل، وفقًا لما يرويه هو نفسه، ثمرة صدفة محضة:
"" بينما كنت في المكتبة السليمانية بإسطنبول أنتظر مخطوطة طلبتها من كتاب المناظر للحسن ابن الهيثم، عثرت صدفة على كتاب الجبر للسموأل وهو عالم رياضيات من القرن الثاني عشر ميلادي، ذاك ما حدث طلبت الكتاب (Entretien ..., p. XIII).
تشير الطريقة التي تُروى بها هذه الطرفة إلى أنه كانت بعد الراشد في ذلك الوقت فكرة معينة عن تاريخ الجبر، يشاركه فيها الجميع بشكل أو بآخر، وأن هذه الصدفة الحسنة في العثور على المخطوطة جعلته يضع موضع سؤال هذه الفكرة المسبقة. وهو يتابع قائلا:
""وفقًا لما تعلمته، إن ما كنت أقرأه فيها كان الجبر من القرن السادس عشر، أو حتى السابع عشر ..."" (Entretien ..., p. XIII)
وعلى الرغم من أن المنعطف الذي أخذته بحوث راشد ازداد تأكدا تدريجيا ينبغي ألا يذهب بنا الظن إلى أن تغير التوجه هذا قد حدث دفعة واحدة. فما من شك أن التاريخ الذي اكتسح حياته اكتساحا عنيفا مع حرب 1967 بين الدول العربية وإسرائيل، هو الذي دفعه إلى إعطاء بحوثه توجها تاريخيا متزايدًا. ومع ذلك لم تكن متطلبات عمل المؤرخ واضحة على الإطلاق بالنسبة إلى باحث تلقى تكوينه في الفلسفة. وحتى وإن كان الجزء الكبير من عمل راشد يتمثل في تحقيق النصوص فإن هذا القرار قد فرضته عليه قوة الظروف فرضًا إن جاز التعبير :
لم أشعر على الإطلاق أن شيئًا كهذا يناسبني. فتحقيق نص لم يكن يثير اهتمامي البتة. ماذا يعني أن تحقق نصا بلغة هي لغتك الأم؟ ولماذا تفعل ذلك ؟ لا تنسوا أنني جئت من عند كانغيلام حيث لم يكن هناك أي اهتمام على الإطلاق بالتحقيق ، بل لم نكن نعرف ما هو ....""(Entretien ..., p. XIII)
وعلى أية حال، مع اكتشاف أعمال السموال بكل ما فيها من جديد، أدرك راشد أن هذا التاريخ جدير بأكثر من اهتمام عابر ، وهو ما دفعه إلى الشروع في دراسة جميع أعمال الجبر التي كتب جميعها تقريبا باللغة العربية. وقد اتضح أن هذه المهمة كانت صعبة للغاية، لأن الغالبية العظمى من هذه النصوص لم تنشر، وما نشر منها لم يخضع إلى التحقيق إلا نادرًا. وقد أظهرت له الحاجة إلى وجود طبعات نقدية للنصوص أهمية التاريخ النصي، إلى جانب التاريخ المفهومي الذي كان يشغله حتى ذلك الحين.
وهكذا بدأت فترة طويلة من البحث، امتدت من أواخر ستينيات القرن العشرين إلى يومنا هذا، حيث سار البحث عن المخطوطات المبعثرة في شتى أنحاء العالم وتحقيقها وفق القواعد التي وضعها راشد نفسه جنبًا إلى جنب مع الدراسة المستفيضة لهذه النصوص من أجل إعادة فهم مضمونها العلمي. ويتمثل عمل راشد على حد تعبيره هو في مزيج من كتابة التاريخ المفهومي والتاريخ النصي، وهو يتميز بذلك من كتابة التاريخ عند الأدباء الذين لا يهمهم سوى الجانب اللغوي للنصوص، وعن كتابة التاريخ عند العلماء الذي يُختزل غالبا في تقديم النتائج الخام للمساهمات القديمة بلغة حديثة.
وهذا يتطلب تدريبا مستمرا، يضطر فيه المرء إلى دراسة فصول بأكملها من الرياضيات الحديثة من وقت إلى آخر، لكي يدرك معنى نص قديم، وحتى لا يقع في فخ المقارنات الخاطئة، فيظن بذلك أنه اكتشف جديدا لا وجود له، أو لم يوفق في تمييزه عندما يتوارى خلف لغة مغايرة.
نحن إذن إزاء مغامرة فكرية استغرقت حياة بأكملها، وكانت نتيجتها عملا ضخمًا سواء من حيث عدد صفحاته أو من حيث جودته العلمية. سنتحدث عن هذا العمل في الفصول القادمة.
إن الجولة التي نعتزم القيام بها في أعمال راشد قد تقدم عنه صورة باحث منعزل، تغمره كتبه وغير مبال على الإطلاق بكل ما يجري خارج مجال بحوثه. غير أن الأمر هو على خلاف ذلك! إذ لما كان راشد قادما من منطقة من العالم تكاد تكون المؤسسات البحثية فيها شبه منعدمة، ولا تعمر الموجودة منها طويلا في الغالب سرعان ما أدرك أهمية المؤسسات المتخصصة والحاجة إلى هذه المؤسسات تكون أوكد في حالة تاريخ العلوم، ولا سيما تاريخ العلم العربي فنظرا إلى ""فتوته""، ولكن أيضا نظرا إلى أسباب أخرى لها علاقة بطبيعة هذا ""التخصص"" سنأتي إلى ذكرها في الفصل التالي، إن البحث في تاريخ العلوم تقوم به في أغلب الأحيان فرق بحثية يكون نشاطها الرئيسي مختلفًا تمامًا. وغالبا ما يكون مؤرخو الرياضيات أعضاء في أقسام الرياضيات، تماما كما يُمارس تاريخ الفلسفة في أقسام الفلسفة.
أما تاريخ العلوم العربية، فقد كان في فرنسا وخارجها في معظم الأحيان، ولا يزال إلى الآن، واحدا من أنشطة فرق البحث التي تعنى بـ ""الدراسات الإسلامية""، ومهمتها دراسة كل ما له صلة بالحضارة الإسلامية والمجتمعات المسلمة، بما في ذلك العلوم. ويصادف أيضا أن يُعتنى به في أقسام اللغة العربية.
ومع ذلك، إن مساوئ هذا الوضع تفوق بكثير المزايا المتوقعة. فغالبا ما يخضع المؤرخ لمهام تفرضها عليه بيئته المهنية المباشرة، وهي مهام لا علاقة لها ببحوثه الخاصة. فهو يعمل بمفرده في الغالب، ولا يمكنه مواكبة ما يحدث في مهنته إلا من خلال المنشورات. ومن عواقب مثل هذا النمط التنظيمي للعمل أن هذه المنشورات تصدر في مجلات متنوعة، لدرجة أنه يصعب على شخص واحد الاطلاع على كل شيء. ويضاف إلى ذلك الإشكاليات المفهومية الناجمة عن أن هذه الأوساط، هي في معظم الحالات، وريثة التقليد الاستشراقي.
وما إن التحق رشدي راشد بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) لم ينفك عن معالجة هذا الوضع من خلال إنشاء مؤسسات بحثية في تاريخ العلوم حتى يكون لهذا المجال وجود على حد قوله. ومن هنا أسس بمعية زملائه عدة فرق بحثية. ففي عام 1972 ، ] قام مع جان جوليفيه (Jean Jolivet) (مؤرخ الفلسفة الإسلامية والوسيطة) بتأسيس مختبر ""مركز تاريخ العلوم والفلسفة العربية والوسيطة"" (CHISPAM) ، الذي ركزت أنشطته في المقام الأول على تاريخ العلم والفلسفة في العصر الوسيط، ولكنها شملت أيضًا العصور القديمة وامتدت إلى العصر الكلاسيكي. وفي عام 1984 ، أنشأ أيضا مع كريستيان هوزال (Christian Houzel) (رياضي ومؤرخ للرياضيات) وميشيل باتي Michel (Paty)) (فيزيائي ومؤرخ للفيزياء) فريق ""البحوث الابستيمولوجية والتاريخية في العلوم الدقيقة والمؤسسات العلمية"" (REHSEIS). وسيتم دمج الفريقين في عام 2009 لتشكيل مختبر ""العلوم والفلسفة والتاريخ"" (SPHERE).
ودون الخوض في التفاصيل التنظيمية لهذه الفرق البحثية، لنكتف بإبراز بعض سماتها المميزة، ليس فقط من أجل بيان الدور الذي أداه راشد في تأسيسها وإدارتها، ولكن أيضا لما يمكن أن يقدمه ذلك من توضيح للتصور الراشدي لكتابة تاريخ العلوم.
إن السمة الأولى التي نلاحظها هي أن هذه الفرق كانت ذات تخصصات متعددة. فقد كان كل فريق منها يضم عددًا من الباحثين من تخصصات مختلفة. وسأختار هنا، على سبيل المثال، مركز تاريخ العلوم والفلسفات العربية والوسيطة الذي قضيت فيه سنوات رائعة طالبا أعد رسالة الدكتوراه وكنت عضوا فيه مشاركا. كنت ألتقي فيه بمتخصصين في اللغة والآداب العربية واللاتينية والعبرية، وكان كل واحد منهم يعمل على نصوص فلسفية أو علمية كتبت على مدى قرون طويلة، في زمن كانت المعرفة العلمية أو الفلسفية تنتقل فيه إلى مناطق واسعة من العالم. [ص. 29] وبما أن العلم والفلسفة اللذين كتبا في تلك اللغات كانا يتوقفان إلى حد كبير على العلم والفلسفة اليونانيين، فقد كان المتخصصون في هذه المجالات أعضاء في الفريق أيضا، وكان العديد من غير المنتمين إلى هذا الفريق يشاركون في أنشطته بما هم أعضاء أو بمبادرة شخصية منهم.
أما السمة الثانية فهي العلاقة التكاملية التي كانت قائمة بين أنشطة أعضاء هذا الفريق. فحتى وإن كانت مهمة تحقيق نص علمي أو فلسفي مهمة فردية في العادة فإن تنظيم هذا الفريق واختيار الاشكاليات التي يعمل عليها أعضاؤه كانت تضمن وعي الباحثين بالسياق التاريخي الذي يعملون أو تعملن فيه. وغالبا ما كانت الندوات العلمية تركز على موضوع امتد تطوره على قرون عديدة من العصور القديمة إلى العصر الكلاسيكي، وكان ينخرط في التفكير فيه العديد من الباحثين من مختلف التخصصات.
وكانت مسألة إدخال العلم الحديث إلى المجتمعات غير الغربية محورًا آخر من محاور بحوث هذا الفريق. فكان ذلك يؤمن إقامة علاقة دائمة مع الباحثين المنكبين على دراسة هذه القضايا، وكذلك مع بعض البلدان مثل الصين واليابان ومصر.
كانت محاولة إنشاء حلقة وصل بين الباحثين العاملين في مؤسسات مختلفة أو بلدان مختلفة مصدر انشغال دائم لراشد وهذا ما دفعه بالتعاون مع باحثين آخرين، إلى إحداث جمعية وإصدار مجلة.
كانت الرغبة في إقامة علاقة دائمة بين الباحثين مصدر تأسيس ""الجمعية ] الدولية لتاريخ العلوم والفلسفة العربية والإسلامية"" (SIHSPAI)، التي تأسست عام 1989 في أثناء الندوة الدولية لتاريخ العلوم والفلسفة العربية"" التي عقدت في باريس، بمبادرة من راشد وبعض زملائه. وما كان يصبو إليه مؤسسو هذه الجمعية عند إحداثها، ومن بينهم راشد، هو تحقيق رهانين اثنين كانوا يأملون من خلال الجمع بين تاريخ العلوم والفلسفة العربية، كما ينص على ذلك النظام الأساسي للجمعية، فك الطوق عن هذين التخصصين وفتحها على تيارات التاريخ العالمي"". وكانوا يعتزمون، في الوقت نفسه، العمل من أجل نجاح تاريخ للعلوم لا يكون تقنيا محضا ونجاح تاريخ للفلسفة يتصوّر بما هو تخصص صارم"". وتعقد ندوة هذه الجمعية مرة كل سنتين أو ثلاث سنوات وتتناول الندوات، وفقًا للنظام الأساسي للجمعية، موضوعات تقع في نقطة التقاء تاريخ العلوم وتاريخ الفلسفة ويمكن أن تثير اهتمام المتخصصين في كلا المجالين.
أما [مجلة العلوم والفلسفة العربية: مجلة تاريخية] Arabic Sciences and Philosophy: A) (Historical Journal ، (تصدرها مطابع جامعة كامبريدج) التي أسسها راشد وهو الذي يديرها، وقد صدر منها حتى الآن نحو ستين عددًا، فهي تسعى إلى تحقيق أهداف جمعية (SIHSPAI) نفسها وتنشر مقالات جيدة حول تاريخ العلوم والفلسفة باللغة العربية.
ولم تمنع كل هذه الاهتمامات راشد من أن يستقبل في بيته الشبان الذين يأتون إليه طلبا للمساعدة والمشورة والقلق الأولي الذي ينتاب المرء عندما يجد نفسه أمام عالم علامة يعرف كل شيء"" سرعان ما يتبدد مفسحاً المجال لفهم متبادل. وهكذا تنشأ عن هذه اللقاءات أحيانا أفكارا تأخذ شكل رسالة ماجستير أو رسالة دكتوراه أو شكل مشروع بحثي. وقد أشرف راشد على عدد كبير من الأطروحات ويشكل الذين عملوا تحت إشرافه مجموعة متعددة الجنسيات والتخصصات. فطلبة راشد الآتون من بلاد غربية أو شرقية وعلى اختلاف تكوينهم الأساسي، سواء أكان علميا تاريخيا، فلسفيا أم اجتماعيا، يعملون دائما في تعاون وثيق معه مستفيدين من نصائحه وملاحظاته النقدية.
وعلاوة على ذلك، لقد كان راشد طوال حياته المهنية نشيطاً للغاية في تنظيم الملتقيات العلمية.
وتأخذ كل هذه الأنشطة، وهي في الواقع أنشطة معتادة يقوم بها أي باحث، معنى جديدا في سياق مشروع راشد الذي يهدف إلى وضع أسس متينة للبحث في تاريخ العلم العربي باعتباره جزءًا لا يتجزأ من تاريخ العلم العالمي. ولكن، من أجل إنجاز هذه المهمة، كان من الضروري أيضا توضيح بعض المفاهيم، وتسليط الضوء على بعض التصورات ومقاومة بعض الأفكار المسبقة. سنتناول هذه القضايا كلها في الفصل التالي.
الفصل التالي الفصل السابق