ملخص: تناول الفصل السادس من الكتاب فلسفة الرياضيات العربية التحولات الكبرى في الرياضيات الإسلامية بين القرنين التاسع والخامس عشر الميلاديين. ركز على الأسئلة الأنطولوجية والإبستيمولوجية التي تثيرها الرياضيات، مثل ماهية الكائنات الرياضية ومصدر اليقين في المعرفة الرياضية. كما تطرق إلى تأثير ظهور علم الجبر على الفلسفة، حيث أحدث هذا التحول ضرورة لتطوير أنطولوجيا جديدة لم يكن من الممكن فيها تصنيف الجبر ضمن الحساب أو الهندسة فقط. أضاف راشد مساهمة الفلاسفة والرياضيين في إعادة صياغة الأسئلة الفلسفية وتطوير فلسفة جديدة للرياضيات، مع التركيز على تأثير هذه التحولات في الفكر الفلسفي والرياضي في العالم الإسلامي.
فلسفة الرياضياتلتن كان تاريخ العلوم العربية، وعلى وجه الخصوص تاريخ الرياضيات والمناظر قد وجد باعتباره فرعا معرفيا منذ بداية ظهور تاريخ العلوم، ولئن كانت فلسفة الرياضيات في عمومها قديمة قدم الفلسفة ذاتها، فإن فلسفة الرياضيات المكتوبة باللغة العربية لم تحظ بالاهتمام قبل أن يبدأ راشد بحوثه في هذا الحقل. فالأمر يتعلق إذن بمجال بحث جديد فتحه راشد.سنتطرق في هذا الفصل من بين مواضيع أخرى إلى الأسئلة التالية: إلام ترجع قلة الاهتمام بهذا المجال؟ لماذا يجب في رأي راشد إنجاز مثل هذا البحث؟ ما هي الصورة التي يمكن رسمها عن العلاقة بين الرياضيات والفلسفة من خلال بحوث راشد؟ ما هي الإشكاليات الفلسفية التي تطرحها الرياضيات العربية؟ وأخيرا، ما هي الإجابات التي يقدمها الرياضيون والفلاسفة عن تلك الإشكاليات؟ لما كانت معالجة جميع هذه الأسئلة تتجاوز بكثير حدود هذا العمل، فنحن نأمل على الأقل أن نقدم لمحة كاشفة عنها قدر الإمكان.من المناسب، قبل أن نبدأ حديثنا، أن نستعرض الإشكاليات الرئيسية في فلسفة الرياضيات، ويمكن تصنيفها كالآتي:الإشكاليات الأنطولوجية، من بينها على وجه الخصوص: ما هي المكانة الأنطولوجية للكائنات الرياضية؟ وأين توجد ؟ الإشكاليات الإبستيمولوجيةما مصدر اليقين المقترن دوما بالمعرفة الرياضية؟ وما السبب الذي يجعل الرياضيات قابلة للتطبيق في العالم الفيزيائي ؟ وأخيرا، فيم يكمن البرهان الرياضي ؟ أو بعبارة أخرى ما هي الأدوات التي يمكن استخدامها بشكل مشروع في برهان رياضي ؟إن قائمة الأسئلة ههنا ليست مغلقة ويمكن أن نضيف إليها أسئلة أخرى. وتتميز مدارس فلسفة الرياضيات المختلفة الواحدة عن الأخرى من خلال الأجوبة التي تقدمها كل مدرسة عن هذه الأسئلة أو عن أسئلة مشابهة. وتتوقف الأجوبة المقترحة دائما على ما تعنيه كل مدرسة بكلمة ""رياضيات""، وذلك يتوقف بدوره على الرياضيات المتاحة لديها. وربما يكون هذا هو السبب الذي يقف وراء إعادة طرح أسئلة كتلك المذكورة سابقا مع كل تغير جذري في مشهد الرياضيات. فعلى سبيل المثال، ارتبط ظهور فلسفة الرياضيات من جديد في العقود الأولى من القرن العشرين وثيق الارتباط بأحداث القرن التاسع عشر المهمة في مجال الرياضيات، ومن ضمنها ضرورة إقامة التحليل الرياضي على أسس أكثر دقة، وكذلك تزايد الأكسمة في العلوم الرياضية، وظهور نظرية المجموعات وما ينتج عنها من مفارقات، إلخ.وبالتالي، فإن إحدى خصائص فلسفة الرياضيات التي تميزها عن سائر فروع الفلسفة الأخرى هي المشاركة النشيطة للرياضيين أنفسهم في صياغتها. وعلى نحو ذلك، اقترنت فلسفة الرياضيات الحديثة بأسماء رياضيين كبار مثل هيلبرت(Hilbert) وبروار (Brouwer).ومع ذلك، لا يمكن اختزال فلسفة الرياضيات في التيارات المعاصرة التي تطلق على نفسها هذا الاسم، بل هي بمعنى ما قديمة قدم الفلسفة نفسها. ذلك أن بعض العلوم الرياضية قد وجد منذ العصور القديمة في صورة متقدمة على نحو كاف الإثارة الأسئلة التي كان الفلاسفة يحاولون الإجابة عنها. وغالبا ما أدت تلك الجهود إلى إعادة صياغة الإشكاليات الأنطولوجية أو الابستيمولوجية للفلسفة. لذلك، وفي مرحلة أولى، يقول راشد ما من معرفة علمية ساهمت في تكون الفلسفة النظرية بقدر ما ساهمت الرياضيات (739 .....D'al-Khwarizmi). وفي مرحلة ثانية، حتى وان اعتبرت الرياضيات جزءا من الفلسفة على الأقل بحسب تصنيف أرسطوطاليس للعلوم الفلسفية، وأخذت كنموذج لكل معرفة تتطلع إلى أن تكون برهانية، فهي قد حافظت دائما على نوع من الاستقلالية بالقياس إلى فروع الفلسفة الأساسية الأخرى - مثل الفيزياء والميتافيزيقا - ولهذا السبب كانت العلاقات بين هذه الفروع الثلاثة علاقة صراع في بعض الأحيان.يمكننا أن نفهم على نحو أفضل بناء على هذه الخلفية التي تقدمت، نقطة انطلاق راشد في بحوثه التي أنجزها في فلسفة الرياضيات العربية. ويمكن صياغة ذلك في السؤال التالي. هل ترتبت على التحولات التي شهدتها الرياضيات في العصر الإسلامي تحولات في الفلسفة على وجه العموم، وفي فلسفة الرياضيات على وجه الخصوص وذلك مثلما حدث مع التحولات التي طرأت في مجال الرياضيات بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر الميلاديين، والتي كانت في كل مرة، وراء تحولات فلسفية كبرى ؟ أو كما يقول راشد نفسه:"" كانت تُجرى طوال سبعة قرون، بحوث علمية ورياضية على أعلى مستوى باللغة العربية، في المراكز الحضرية الإسلامية، فهل يُعقل أن يظل الفلاسفة الذين كانوا هم أنفسهم أحيانا رياضيين وأطباء، إلخ، منعزلين داخل نشاطهم الفلسفي غير مبالين بتلك التحولات التي تحدث أمام أنظارهم فلم يروا بذلك النتائج العلمية المتتالية؟ إذ أمام زخم غير مسبوق للعلوم والنجاحات علم فلك ناقد للنماذج البطلمية، علم مناظر مصلح ومجدد، وكذلك، إنشاء علم الجبر، تأسيس علم الهندسة الجبرية تحليل ديوفانتي محوّل مناقشة مصادرة التوازي صياغة مناهج الإسقاط، إلخ، أنى للفلاسفة أن يظلوا غير معنيين بهذا الزخم من البحوث العلمية إلى حد التقوقع في الإطار الضيق نسبيا للتقليد الأرسطي للأفلاطونية المحدثة؟ "" (D'al-Khwarizmi...p. 738)من المدهش أنه لم يُطرح مثل هذا السؤال البسيط والبديهي قبل أن يُخصص له راشد بعض كتاباته. ونحن نميل إلى القول إنه لا بد من البحث عن أسباب هذا التأخير في فكرتين جاهزتين. أولاهما إنما تكمن في النظرة الملقاة، إلى وقت قريب، على الرياضيات العربية بصفتها نشاطا يسعى إلى تحقيق أهداف عملية وحسابية، وبناء عليه، لم يكن له أن يتصور مسائل مجردة مثلما هي عليه مسائل فلسفة الرياضيات ولا أن يحلها. وثانيهما، هو أن الصورة التي نحملها عن ا الفلسفة الإسلامية بما هي كل متجانس، أو كما يقول راشد بما هي نظرية في الوجود والنفس، لم يلحقها طوال عدة قرون أي تغيير جوهري وختاما نضيف إلى ذلك رؤية إلى الرياضيات تعتبره علما تابعا للميتافيزيقا فيعتقد إذن أنه عندما يعترض الرياضي مشكل ما في عمله، فهو يلجأ بالضرورة إلى تلك الفلسفة، وفيها سيجد إجابة جاهزة عن المشكل الذي اعترضه.يأخذ البحث في فلسفة الرياضيات العربية، كما يمارسه راشد، وجهين: أولهما. معرفة كيف تفاعلت الفلسفة الإسلامية مع الوضع الجديد الناتج عن ازدهار الرياضيات الذي نلاحظه على الأقل بين القرنين التاسع والخامس عشر الميلاديين. ويتعلق الوجه الثاني بما قام به علماء الرياضيات أنفسهم في مواجهة المشاكل الجديدة التي تطلب حلها في بعض الأحيان تجاوز الإطار الذي صيغت فيه تقليديا المشاكل الفلسفية للرياضيات.ويشدد راشد على حقيقة أن عددا كبيرا من فلاسفة ذلك العصر كانوا في الوقت نفسه من كبار الرياضيين، وحتى أولئك الذين لم يكونوا راسخي القدم في الرياضيات لم يكن بإمكانهم الوقوف مكتوفي الأيدي أمام ما تستدعيه المسائل التي تطرحها. وعلى نحو ذلك تمكنوا من المساهمة، إلى جانب الرياضيين، في إعادة صياغة الأسئلة الفلسفية في مجال الرياضيات، وفي تطوير فلسفة جديدة للرياضيات. يتناول راشد هذين الجانبين في كتاباته حول العلاقات بين الرياضيات والفلسفة، وذلك كعادته دائما من خلال تحليل النصوص الأصلية. ولما كانت المسائل التي يتناولها في هذه البحوث شديدة التقنية أحيانا، فنحن سنكتفي بذكر النقاط الأساسية منها. وبالتالي، لا يدعي هذا الفصل إلا تقديم جزء من النتائج التي توصل إليها راشد في هذا المجال في أبسط صورة ممكنة، دون الخوض في التفاصيل. الإشكاليات الأنطولوجيةالإشكالية الأولى: ظهور الجبر وتبعاته الأنطولوجية تحدث راشد عدة مرات عن التغير الذي طرأ على أنطولوجيا الرياضيات مع ظهور علم الجبر. ولم يؤثر ظهوره في سائر فروع الرياضيات وفي خلق فروع جديدة فيها فحسب، بل أدى أيضا إلى الحاجة إلى أنطولوجيا جديدة. دعونا نرى كيف حدث ذلك.كان الحساب والهندسة يمثلان الفرعيين الرئيسيين للرياضيات في تصنيف العلوم الذي كان سائدا منذ العصور القديمة. فالحساب يعالج كميات منفصلة وهي الأعداد، أما الهندسة فتتناول كميات متصلة مثل الخطوط والمساحات والأحجام، أي ""المقادير"". وتعتبر مجموعة الأعداد الطبيعية، بالنسبة إلينا نحن الذين تنظر إلى الأمر من منظور نظرية المجموعات مجموعة فرعية من بين مجموعة الأعداد الحقيقية التي تشمل الأعداد الكسرية وغير الكسرية، وهي التي تمثل من جهة أخرى بواسطة نقاط الخط المستقيم. وهكذا، إن برهنا على خاصية ما في حال الأعداد الحقيقية، فإن البرهان ينطبق بطبيعة الأمر على الأعداد الطبيعية. أما بالنسبة إلى القدامى الذين كانوا يعبرون عن العلاقة بين هذين النوعين من الكميات بلغة تصنيفية أرسطية، فقد كانت الكميات المنفصلة والكميات المتصلة تشكل عندهم نوعين ينتميان إلى الجنس نفسه، أعني جنس ""الكم"" (مثلها مثل الإنسان والحصان كنوعين ينتميان إلى جنس الحيوان). وبالتالي فأن نبرهن على أن خاصية ما مثبتة في حال الخطوط لا يعني بالضرورة أنها كانت مثبتة في حال الأعداد الطبيعية، ولذلك كان لا بد من إثباتها بشكل منفصل، وهذا ما فعله إقليدس في كتاب الأصول.بيد أن المجهول (الشيء) الذي نحاول استخراجه من خلال افتراض المعادلة التربيعية يمكن أن يكون إما عددا كما منفصلا وإما مقدارا كما متصلا)، دون إمكان تحديد جنس المقدار مسبقا. وبعد ذلك تغيرا يمكننا معاينة تبعاته عند الرياضيين والفلاسفة على حد سواء. لقد أدى هذا التغير الأنطولوجي عند الرياضيين أنفسهم، إلى فتح الكثير من الفصول الجديدة في الرياضيات مثل القراءة الجبرية للمقالة العاشرة من كتاب الأصول التي كانت تعتبر من قبل أنها تنتمي إلى الهندسة الخالصة، ونجد أيضا مقاربة جبرية لبعض المسائل الهندسية، بما في ذلك عمل المخمس المتساوي الأضلاع الذي يرد عند أبي كامل إلى معادلة رباعية يمكن حلها بواسطة طرق جبرية وبشكل أعم، فإن التمشي الذي تحدثنا عنه من قبل ويكمن في محاولة ترجمة أية مسألة هندسية إلى معادلة جبرية، وحل هذه المسألة عن طريق إيجاد جذر هذه المعادلة، هو التمشي الذي بدأ في القرن التاسع مع الماهاني لينتهي في القرن الثاني عشر إلى أعمال الخيام. كل ذلك كان يزيل شيئا فشيئا الحواجز التي كانت قائمة بين الكميات المتصلة والكميات المنفصلة، وهو ما كان يتطلب إصلاح أنطولوجيا الفلاسفة.وقد أثر هذا التغير عند للفلاسفة، بحسب راشد في تصنيف العلوم، إذ نجد في كتاب إحصاء العلوم للفارابي القرنان التاسع العاشر)، فصلا مخصصا لـ ""علم الحيل"" يتطرق فيه بشكل أساسي إلى علم الجبر. فالجبر في هذا الفصل ليس الحساب ولا الهندسة، في حين أن الكائنات التي يتناولها هذا الفصل يمكن أن تنتمي إلى أحد هذين العلمين. والأهم من ذلك أننا:""نرى منذ الفارابي على وجه التدقيق نمو أنطولوجيا ""صورية"" كفاية داخل الفلسفة الإسلامية من أجل الاستجابة من بين أمور أخرى المتطلبات الدقة التي اقتضاها ظهور الجبر. ويكتسب ""الشيء"" في هذه الأنطولوجيا دلالة أعم من الموجود"".وهكذا، فإن ظهور هذا العلم الجديد، وهو الجبر الذي لم يكن من الممكن اختزاله لا في الحساب، ولا في الهندسة، كان له تأثير رئيسي في الأنطولوجيا الفلسفية. والمرء يلاحظ ذلك التأثير أيضا في أنطولوجيا ابن سينا. ونجد مثالا آخر لهذه الأنطولوجيا ""الصورية"" في أعمال نصير الدين الطوسي، الفيلسوف والرياضي من القرن الثالث عشر. ففي رسالة تتناول المشكل الفلسفي لـ""صدور الكثرة عن الواحد، يحسب الطوسي عدد الكائنات الناتجة عن كل مرحلة من مراحل الفيض المختلفة باعتماد المسلمات المنظمة لهذا الفيض والتي عرضها فلاسفة متقدمون، ولا سيما ابن سينا.فعلى الصعيد الرياضي، يُجرى هذا الحساب بواسطة الصيغ التوافيقية، وعلى هذا النحو، تحتوي رسالة الطوسي نتائج مهمة للغاية بالنسبة إلى تاريخ هذا الفصل من الرياضيات، وهو الفصل بدأ مبكرا مع جهود المعجميين العرب في حساب عدد الكلمات التي يمكن تكوينها من الجذور الثلاثية، ثم سيتطور تدريجيا ويتواصل حتى بعد الطوسي. أما على الصعيد الأنطولوجي، فقد آلت هذه المحاولة إلى نتائج غير متوقعة. إذ قبل أن يخوض الطوسي في هذه المسألة، كان الفلاسفة يستخدمون نظرية الفيض والمسلمات المنظمة لها، لكي يثبتوا من بين أمور أخرى يثبتونها، أنه من الضروري أن توجد الأكر والأنفس والعقول السماوية - وهي عناصر لا يمكن الاستغناء عنها سواء في الأنطولوجيا أو الكوسمولوجيا عندهم. وهكذا، كانوا ينطلقون من ""الواحد"". ويمرون إلى الكرة السماوية الأعلى، ثم ينزلون إلى الأكر السماوية التي توجد أسفلها وكل مرور من مستوى إلى آخر يمثل مرحلة من مراحل الفيض، بحيث نجدهم يكتفون عند الوصول إلى الكرة السماوية الأدنى، وهي عقل القمر أو نفسه في هذه الحالة، بملاحظة أن الكثرة البالغة للموجودات التي تسكن العالم السفلي إنما تفيض من تلك الأكر والعقول السماوية.
بيد أن الحسابات التي أنجزها الطوسي كانت تنتج، انطلاقا من مرحلة ليست بعيدة من ""الواحد""، موجودات لم يكن يعرف لها الفلاسفة اسما ولا استخدامًا. وبعبارة أخرى نقول إن عدد الموجودات التي كانت تنتجها حسابات الطوسي تفوق بكثير ما كان يحتاجه الفلاسفة. والمرء يشهد مع هذا اللقاء بين الرياضيات والفلسفة الذي حلله راشد تحليلا بارعا في مجال مثل نظرية الفيض التي كانت تبدو أول وهلة غير مرتبطة بالرياضيات، نشأة فصل جديد من الرياضات ونشأة إشكاليات فلسفية جديدة. الإشكالية الثانية: مكان وجود الكائنات الرياضيةأما بخصوص المسألة الثانية المتعلقة بمكان وجود الكائنات الرياضية، فكانت توجد منذ العصور القديمة أطروحتان متنافستان يقول أصحاب الأطروحة الأولى وهي التي تسمى بالأطروحة الأفلاطونية، إن الكائنات الرياضية، بما هي كائنات رياضية، موجودة لكنها ليست في العالم السفلي، وإنما في عالم ما وراء الزمان والمكان. وعلى النقيض من ذلك، يتمسك أنصار الأطروحة الثانية، وهم الأرسطيون، بالقول إن الكائنات الرياضية - وهي الأعداد والمقادير - توجد في الأشياء الفيزيائية، والمرء هو الذي يفصلها في الذهن عن قوامها المادي. وهكذا تحصل على الكائنات الرياضية عن طريق فعل تجريد من الكائنات الفيزيائية.
لم تخل أية أطروحة من هاتين الأطروحتين من صعوبات فالأولى تركت دون حل مشكلة إمكان تطبيق الرياضيات، بينما اصطدمت الثانية، من بين ما اصطدمت به بعقبة كأداء ناجمة عن الفيزياء الأرسطية وهي التالية:إن إحدى الأطروحات التي تمسك بها أرسطوطاليس وخلفاؤه هي عدم وجود اللانهائي بالفعل، فمن وجهة نظرهم، لا يوجد في العالم الفيزيائي مقادير لامتناهية في الكبر. ومن ثم، تقتضي الفيزياء الأرسطية بأن يكون العالم الفيزيائي متناهيا. إذ ينتهي هذا العالم عند آخر الأكر السماوية، فلا يوجد شيء بعد هذه الكرة: لا وجود لمادة، ولا لخلاء، ولا لشيء على الاطلاق. وسيقوم الفلكيون لاحقا بحساب أبعاد هذا العالم، وقد توصلوا إلى معرفة القيمة العددية لقطره. وكان يمثل قطر العالم، إذن. أطول بعد يمكن أن يوجد.والحال أنه يمكننا، حسب إحدى مصادرات إقليدس، أن تمدد الخط المستقيم كما نشاء. ويمكننا، وفقا لمصادرة أخرى، أن ترسم دائرة من أي مركز اتفق وبأي نصف قطر شئنا وبعبارة أخرى، لا يوجد الطول الأقصى في الهندسة الإقليدية. فكيف يمكن التوفيق بين هاتين الأطروحتين ؟ فإن وجدت الكائنات الرياضية في الأشياء الفيزيائية، فكيف يمكن أن تكون لها خصائص ليس يمكنها أن توجد في العالم الفيزيائي وذلك بحكم تعريفها في هذه الحالة، وجود طول قد يتعدى قطر العالم؟ تعود إحدى الأجوبة عن هذا السؤال إلى ابن الهيثم. إذ يقدم ابن الهيثم في مؤلفه في حل شكوك مصادرات إقليدس في الأصول""، الأطروحة القائلة إن مكان وجود الكائنات الهندسية بما هي كذلك، ليس عالم الأفلاطونيين المنفصل ولا عالم الأرسطيين المادي، وإنما هي توجد في ملكة عقلية تسمى ""التخيل""، فإذا اقتصرنا على الأشكال الهندسية وحدها، يكون دور التخيل كما تصوره ابن الهيثم وهو ليس ما يعنيه بالضبط الفلاسفة الأرسطيون بهذا المصطلح، هو أن يسمح لنا من بين أمور أخرى سانحة، بإجراء عمليات ليست ممكنة في العالم الفيزيائي أو بعبارة أخرى، حتى وإن افترضنا أن التخيل يتحصل على صوره بتجريد بعض خواص الكائنات الفيزيائية وهو أمر غير مؤكد عند ابن الهيثم، فهو لن يحتفظ بقياسها.فيبدو الأمر كما لو أن صورة الموضوع الهندسي التي شكلتها هذه الملكة تتطابق مع الكائن في شبه قريب منه. وتبقى إبداعات التخيل متناهية دائما، ولكن ليس لها حدود عليا. وهذه الخاصية الأخيرة تجعل التخيل لا يعرف حدودا في بناء الأشكال الهندسية، بقطع النظر عن كون العالم الفيزيائي متناهيا أو غير متناه.تكشف هذه الأطروحة الجديدة جزءا من معناها عندما تربطها بما كان يحدث في الفترة نفسها في مجال الجبر. فكما ذكرنا في الفصل الرابع، أصبح من الممكن، مع توسيع الحساب الجبري، التعبير عن أي أس للمجهول باستخدام المصطلحات التي ابتكرها الخوارزمي. وقد ذكرنا أيضا أن ذلك قد أدى، مما أدى إليه، إلى قراءة جبرية لبعض فصول كتاب الأصول لإقليدس. ولكن كيف نعبر تعبيرا هندسيا عن X4؟ ؟ وما دمنا نبقى في حدود التعبير الهندسي المحض يظل هذا السؤال قائما، لأن X سيمثل طولا ، و X² مساحة، و X³ حجما، وتمثل هذه التعبيرات الثلاثة مقادير في العالم المادي. إذ مثلما يقول الخيام، إن تربيع التربيع الذي هو عند الجبريين ضرب التربيع في نفسه ... ليس له معنى بالنسبة إلى المقادير المتصلة، بما أن التربيع مساحة فكيف يمكن ضربها في نفسها"" (Al-Khayyam..., p. 251).ولكن يبدو أن التخيل، مثلما صوره ابن الهيثم مكان مؤات لاستيعاب هذه الكائنات الرياضية الجديدة التي يمكن أن تكون أعدادا أو خطوطا أو مساحات وأحجاما، بالإضافة إلى عمليات البناء الخاصة بها التي لا تتوافق مع أي عملية في العالم الفيزيائي.وفي الختام، يمكننا القول إن أطروحة ابن الهيثم بشأن التخيل، والدور الذي لعبته في الرياضيات، كانت بمثابة خطوة كبيرة نحو تحرر الكائنات الرياضية من الطبيعة، من أجل إعطائها منزلة أنطولوجية مستقلة أصبحت الحاجة إليها متزايدة لا سيما بسبب التطورات التي حدثت في الجبر. الإشكاليات الابستيمولوجية الإشكالية الأولى: التصور والبرهنة كيف يمكن البرهنة على وجود خاصية دون القدرة على تصورها؟ يُطرح هذا السؤال بشأن الخاصية التقاربية للقطع الزائد فوفقا لإحدى قضايا كتاب المخروطات لأبولونيوس، إن فرع القطع الزائد وخطه التقاربي يتقاربان دون أن يلتقيا أبدا. ولكن كيف يكون هذا الأمر ممكنا، وإن كان ممكنا، إلى أي مدى يمكن اعتبار البرهان الذي قدمه أبولونيوس برهانا مرضيا ؟إذا كان لهذا السؤال أن يطرح، فذلك لأن التصور يسبق الإثبات في نظرية العلم الأرسطية، سواء أكان ذلك على الصعيد النفسي أم على الصعيد المنطقي. وبعبارة أخرى، لا يمكن إثبات قضية ما دون معرفة مسبقة بمعاني المصطلحات المستخدمة فيها، أي دون أن تكون لنا فكرة عنها. لذلك، فقبل إثبات قضية ما يجب التثبت من ملفوظها، وهو ما يتطلب إنشاء تصوّر لها وبناء فكرة عن المصطلحات المتضمنة فيها. ولكن كيف لنا أن نبني فكرة عن شيئين يتقاربان دائما ولا يلتقيان أبدا، أو يلتقيان في اللانهائي ؟ كيف يمكن أن نبني فكرة عن اللانهائي؟ من المؤكد أنه حين تقدم الإشكالية بمثل هذا الأسلوب الجاف، فنحن نضحي بجزء كبير من كثافتها الرياضية والفلسفية. لأن رهان الإشكالية إنما يكمن مثلما هو الأمر في البرهنة على قضية أبولونيوس في الدلالة الدقيقة للألفاظ تصور. تَخَيَّل""، و""اللانهائي"". ولهذا، لعبت هذه الإشكالية دورًا كبيرا في النقاشات التي كانت تدور في الفلسفة وفي علم الكلام. وعلى أي حال، إن الأسئلة التي أثارتها هذه الإشكالية تولد عنها بحث دام قرونا عديدة، وشارك فيه العديد من الرياضيين والفلاسفة، نذكر من بينهم السجزي رياضي من القرن العاشر ومحمد بن الهيثم (فيلسوف عاش في القرنين العاشر والحادي عشر) وموسى بن ميمون فيلسوف من القرن الثاني عشر وهاسداي كرسكاس (Hasdai Crecas) (فيلسوف أسباني يهودي من القرن الرابع عشر). الإشكالية الثانية: مكانة الحركة في الهندسة لقد أثارت المصادرة الخامسة من كتاب الأصول لإقليدس إشكالا منذ العصور القديمة. ففي الشكل الذي توجد عليه عند إقليدس، كانت أقرب إلى قضية يجب البرهنة عليها من مصادرة لا بد من التسليم بها. وفي واقع الأمر، لقد قام إقليدس بالبرهنة على قضايا كثيرة كانت تبدو أبسط وأكثر بداهة من هذه المصادرة، لا سيما في المقالة الأولى من كتاب الأصول. لن نخوض في تفاصيل الجهد الذي بذله الرياضيون من أجل البرهنة على هذه القضية. ويكفي القول إنه فصل مثير من تاريخ الرياضيات في الحضارة الإسلامية.شاركت فيه عدة أجيال من الفلاسفة والرياضيين، ومن بين هؤلاء نذكر ثابت بن قرة والخيام ونصير الدين الطوسي وآخرين.إذا صدقنا ما يذهب إليه الخيام، فإن ابن الهيثم قد سلك طريقة مغايرة تماما في هذا الموضوع فهو قد اقترح في رسالة عنوانها "" في حل شكوك المقالة الأولى من[ الأصول ] "" تعويض هذه المصادرة بأخرى بدلا من محاولة البرهنة عليها، والمصادرة التي عوضتها تتعلق بخطين مستقيمين متساويي البعد بدلا من خطين متوازيين. وبذلك لن تكون هذه المصادرة في حاجة إلى البرهنة. ولكن كيف يمكن رسم خطين مستقيمين متساويي البعد ؟ لفعل ذلك، يأخذ ابن الهيثم خطا مستقيما وقطعة مستقيم متعامدين. وعندئذ، إذا لم ينفصل أحد طرفي قطعة المستقيم هذه أبدا بالخط المستقيم، وبدأ يتحرك، بحيث يظل الخطان عموديين دائما، فإن الطرف الثاني من قطعة المستقيم سيرسم خطا مستقيما تكون جميع نقاطه على المسافة نفسها من الخط المستقيم الأول. وبالتالي، فإن هذه الحركة هي التي تمكننا من رسم خطين متساويي البعد.يتعلق الأمر هنا بعمل (construction) موضوع هندسي عن طريق حركة. ولم تمر هذه المحاولة دون إثارة نقد شديد من جانب الخيام، وهو الرياضي الكبير والفيلسوف السينوي في الآن نفسه. ففي مؤلف يحمل عنوان ""رسالة في شرح ما أشكل من مصادرات كتاب إقليدس"" تناول فيه الخيام بالدرس من بين ما تناوله بالدرس أيضا المصادرة الخامسة لإقليدس والبرهنة عليها نجده يذكر أسلافه الذين سعوا إلى البرهنة على هذه المصادرة قبل تقديم برهنته هو فينتقدهم جميعا الخازن والشني والنيريزي، وغيرهم"" وإن كان نقده يكون بشكل عام، لأنهم اعتمدوا في براهينهم على قضايا أقل بداهة من تلك التي وضعها إقليدس. والنقد الذي يوجهه إلى ابن الهيثم هو دائما النقد الأكثر حدة بعد عرض النهج الذي اتبعه سلفه ابن الهيثم، يكتب الخيام :""وهذا كلام لا نسبة له إلى الهندسة أصلا من وجوه منها أنه كيف يتحرك الخط على الخطين مع انحفاظ القيام وأي برهان على أن هذا ممكن ؟ ومنها أنها أية نسبة بين الهندسة والحركة ؟ وما معنى الحركة ؟ ومنها أنه قد بان عند المحققين أن الخط عرض لا يجوز أن يكون إلا في سطح، ذلك السطح في جسم أو يكون نفسه في جسم من غير تقدم سطح، فكيف يجوز عليه الحركة مجردًا عن موضوعه؟ ومنها أن الخط كيف يحصل عن حركة النقطة ؟ وهو قبل النقطة بالذات والوجود"" (Al-Khayyam..., p. 311).إن جوهر نقد الخيام لاستخدام الحركة في الهندسة يمكن أن يلخص في جملة واحدة الحركة هي من خواص الأجسام المادية، في حين أن الكائنات الهندسية ليست أجساما مادية، بل هي أعراض تلك الأجسام. وبالتالي، يبدو أن هذا النقد ناتج عن قناعاته كفيلسوف أرسطي سينوي. ومع ذلك، يبدو لنا أن استخدام الحركة في الهندسة، في رأي الخيام، يتعارض أيضا مع العقيدة الإقليدية. ولا شك أن ذلك هو السبب الذي جعل الخيام يحاول الدفاع عن إقليدس ضد اتهامه باستخدام الحركة في كتاب الأصول، وعلى سبيل المثال، في تعريفه للكرة.يعود بنا هذا النقاش إلى إحدى الأسئلة الإبستيمولوجية التي طرحناها من قبل ما هي الوسائل التي يمكن استخدامها بشكل مشروع في البرهان الرياضي؟ عندما يتعلق الأمر بالحركة، يعطي ابن الهيثم والخيام إجابات مختلفة عن هذا السؤال حيث يسمح الأول باستخدام الحركة ويمنعها الثاني لكن على الرغم من ردود الأفعال غير المؤيدة من قبل الفلاسفة،
""كانت التحويلات النقطية والحركة المتصلة منذ منتصف القرن التاسع وحتى نهاية القرن العاشر من بين العناصر المؤسسة لمختلف فصول الهندسة... وما كان لحضور هذه المفاهيم، وتدخلها المتزايد، إلا أن فرض على الرياضيين طرح أسئلة جديدة ووضعهم أمام مهام جديدة. كيف يمكن أن نشرع دور كل منهما ؟ كيف يمكن قبول مفهوم الحركة في الملفوظات وفي البراهين، والحال أن الحركة لم تعرف مطلقا ؟ (D'al-Khwarizmi.., p. 59).وعلى هذا النحو، يشدد راشد على الطابع الإشكالي لهذه المكتسبات الرياضية فهو يجعل من ضرورة أن يعاد التفكير في بعض المفاهيم الأساسية في الرياضيات وفي الفلسفة أيضا، ضرورة ملحة بات إلحاحها متزايدا. ابن الهيثم وهندسة المكانيرى راشد أنه هناك صلة بين استعمال الحركة في الهندسة من ناحية، وبين نظرية ابن الهيثم في المكان من ناحية أخرى. فلنر كيف تحدث هذه الصلة. لا يوجد في الفيزياء الأرسطية مفهوم الفضاء الثلاثي الأبعاد الحاوي لكل الأجسام الطبيعية. وأقرب مفهوم إلى ذلك هو مفهوم مكان الجسم الذي يُعرف بما هو سطح داخلي للجسم المحيط. فعلى عكس الفضاء، إن المكان سطح، وهو بالتالي ثنائي الأبعاد. إضافة إلى ذلك، إن مكان كل جسم مرتبط به، وبالتالي فهو يشغله بحكم التعريف: فلا يوجد مكان خال ومكان الجسم يتأثر هو الآخر بجميع التغيرات التي تطرأ على الجسم لا يوجد شيء في المكان لا يتغير، أي يكون ثابتا. يقدم ابن الهيثم في رسالة مخصصة لهذه المسألة، مفهوما جديدا للمكان يمكن أن يكون بحسب راشد أساسا للعمليات الهندسية التي تتطلب حركات. فالمكان، كما يتصوره ابن الهيثم ليس سطحا ثنائي الأبعاد يحوي كل جسم، ولا هو فضاء خال ثلاثي الأبعاد يمكن أن تشغله الأجسام في أي وقت ويظل موجودا حتى وإن خلا من الأجسام. فالمكان، بحسب ابن الهيثم هو ما يتبقى من المكان بالمعنى الأرسطي إذا انتزعنا الجسم منه. وإن ما يتوافق في العالم الخارجي، مع المكان الذي عرف على هذا النحو لا يمكن أن يكون خاليا في الواقع، فهو دائما، كما اعتقد أرسطو، مشغول بجسم. ويبدو أن ابن الهيثم يتفق مع الأرسطيين في القول إنه إذا حركنا جسما ما، فإن جسما آخر يأتي مباشرة ليشغل مكانه الهواء، مثلا). وهذا الحذف الذي يتأسس عليه مفهوم المكان عند ابن الهيثم، ليس فعلا يمكن القيام به فعليا في العالم الخارجي. ومع ذلك، إذا تجردنا في الخيال من هذا الجسم ثلاثي الأبعاد، فنحن ننتهي إلى خلاء متخيل على نحو تكون الأبعاد بين كل نقطتين في نهايات هذا الخلاء المتخيل متساوية مع الأبعاد بين النقاط نفسها عندما كان هذا الخلاء المتخيل مشغولا بجسم. والفارق بين هذين النوعين من الأمكنة هو. مع ذلك، فارق ذو بال. فمنذ اللحظة التي نتجرد فيها من الجسم، حتى وإن كان ذلك في خيالنا فحسب، يظل المكان، كما يُعرفه ابن الهيثم باقيا على حاله، بينما يستمر المكان بالمعنى الأرسطي في التغير وفقا لتغيرات الجسم الذي يحاط به فالتخيل يعرقل إذن مصير المكان الأرسطي والمكان بالمعنى الهيثمي هو شيء ما لا متغير أو لنقل ذلك على لسان ابن الهيثم نفسه:
""مكان الجسم هو أبعاد الجسم التي إذا جردت في التخيل كانت خلاء لا مادة فيه مساويا للجسم شبيه الشكل بشكل الجسم."" (الرياضيات التحليلية, 4, ص, 640). ولا شك أن تدخل عنصر الثبات هذا في تصور ابن الهيثم للمكان هو الذي جعل راشد يطلق عليه ""هندسة المكان"" (»géométrisation de l'espace«) وعلاوة على ذلك، إنه تصور للمكان ملائم بشكل أساسي لاستعمال الهندسيين. فهل من الممكن التوصل في مخيلتنا بالتأكيد عن طريق تطابق الأمكنة بالشكل الذي به عرفت إلى خلاء ثلاثي الأبعاد ممتد جدا ليحوي جميع الأشياء، ويجعل أيضا جميع العمليات الهندسية ممكنة بما في ذلك العمليات التي تتطلب حركة؟ يمكننا أن نستشف مثل هذا الإمكان في نص ابن الهيثم، وفي تحليل راشد.وسرعان ما انتبه الأرسطيون، مثلما هو الأمر بالنسبة إلى الحركة في الهندسة إلى حداثة هذا المفهوم، وإلى كل ما كان يُميزه عن مفهوم المكان عندهم. وربما لهذا السبب حاول دحضه فيلسوف مثل عبد اللطيف البغدادي (عاش بين القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر). وهنا أيضا يقوم راشد بتحقيق هذا النص ودراسته في كتابه الرياضيات التحليلية. فلسفة الرياضيات وفلسفة ""الرياضيين""تبرز هذه الأمثلة المأخوذة بالأساس من أعمال راشد نوعين على الأقل من النشاط الفلسفي فلسفة الرياضيات وفلسفة ""الرياضيين"". تهتم الأولى بالمسائل التقليدية إن جاز القول مسائل قريبة من تلك التي أثرناها في بداية هذا الفصل بينما تسعى الثانية إلى إيجاد أجوبة عن الأسئلة التي يطرحها الرياضيون أثناء عملهم الرياضي. وإن ما يدفعهم إلى فعل ذلك هو عجز فلسفة الرياضيات عن أن تجد لهذه الأسئلة أجوبة ملائمة، أو لأن الأسئلة التي تثيرها بحوثهم لم تدرج بعد في تلك الفلسفة، وبالتالي، فإنها وببساطة لم تجد طريقا إلى الأجوبة. وغالبا ما تظهر مثل هذه الأسئلة بعد إدخال مواضيع أو مفاهيم أو أساليب جديدة إلى الرياضيات. ولهذا السبب تتطور فلسفة الرياضيين على نحو غير منهجي، وحدسي إلى حد ما. ومن ناحية أخرى تجازف فلسفة الرياضيات في معظم الأحيان بقطع روابطها مع تطور الرياضيات نفسها، لتنحصر في تحليل المفاهيم، بل المفردات أحيانا، وتحاول استخدام أساليب المنطق وحدها. ويبدو أن مقال راشد الأخير الذي يحمل عنوان ""ابن سينا: فيلسوف تحليلي للرياضيات"" يقدم لنا، من خلال تحليل الطريقة التي يتناول بها ابن سينا بعض إشكاليات فلسفة الرياضيات مثالا لهذا التمشي، ويعرض المقال نقاط قوته ونقاط ضعفه وذلك عند فيلسوف ذي شأن يدرك أهمية الرياضيات، وإن ما يستشف من هذا المقال الذي يحمل عنوانا مستفزا للغاية هو أنه إذا أرادت فلسفة الرياضيات أن تكون مواكبة العصرها فيجب عليها أن تسعى باستمرار إلى أن تغتني بأن تأخذ بعين الاعتبار الإسهامات الجديدة في مجال الرياضيات وفلسفة علماء الرياضيات على حد السواء.إن الأمثلة التي عرضناها في هذا الفصل ليست إلا عينة من العلاقات التي كانت تربط بين الفلسفة والرياضيات في العصر الإسلامي (الذهبي)، وهي علاقات تتأرجح بين الصراع والإثراء المتبادل. وقد قدمت لنا أعمال راشد أمثلة أخرى عن هذه العلاقات المتعددة والمتنوعة التي يمكنها أن تثري معرفتنا بالنشاط الرياضي وبالتأثير الذي قد تكون مارسته في مجالات أخرى من المعرفة. الفصل التالي الفصل السابق
