الفصل الثالث عشر: الذكاء الاصطناعي التوليدي وتحول البحث العلمي
دومينيك غيليك، مرصد العلوم والتقنية (فرنسا)، وستيفان فانسان لانكران، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية
يقدم هذا الفصل لمحة عامة عن الاستخدامات المختلفة للذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، ويبرز مدى صلة هذه الاستخدامات بالبحث التربوي. ويتناول تحديداً استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في تيسير المهام المتصلة باللغة، والبرمجة والبيانات، ونمذجة الظواهر المعقدة، وإدارة المعرفة في محركات البحث ومراجعات الأدبيات والتقارير والملخصات البحثية، وتوليد الفرضيات، فضلاً عن استخدام المساعدين البحثيين الأذكياء والروبوتات. ويبحث الفصل الآثار المحتملة للذكاء الاصطناعي في إبداع البحث وموثوقية العلم، وهما مسألتان محل جدل كبير في المجتمع العلمي وذواتا صلة مباشرة بالتعليم. ويُختتم باستكشاف بعض العواقب المحتملة لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي على البحث التربوي.
مقدمة
اتسم التقدم العلمي عبر الزمن باستخدام كميات متزايدة من البيانات لحل مسائل متزايدة التعقيد. فضلاً عن ذلك، استخدم العلماء أدوات متزايدة القوة تكمل الدماغ والحواس البشرية، كالمجهر وأجهزة التصوير الطبي ومسرعات الجسيمات. كما أتاحت الكتابة والطباعة، والحاسوب اليوم، للعلماء تخزين المعلومات العلمية وتحليلها وتبادلها. ويمثل الذكاء الاصطناعي، الذي يُعدّ الذكاء الاصطناعي التوليدي أحدث تجلياته، خطوة أخرى في الاتجاه التاريخي لتجهيز العلم بالأدوات، إذ يتيح معالجة كميات هائلة من البيانات المعقدة بطرق جديدة.
وكان البحث العلمي في طليعة تبني الذكاء الاصطناعي، وقد زاد وصول الذكاء الاصطناعي التوليدي من تسارع استخدامه، وجعله في متناول جميع العلماء. وتشير مسوح حديثة إلى أن أكثر من نصف العلماء يستخدمون الآن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي. فالذكاء الاصطناعي التوليدي قادر على تحليل البيانات المنظمة وغير المنظمة وتوليدها، بما فيها النصوص والجداول والإحصاءات والصور ومقاطع الفيديو والمخططات والرسوم البيانية والصيغ الكيميائية والرياضية وتسلسلات الحمض النووي وغيرها من البيانات البيولوجية. ويستطيع توليد بيانات جديدة ذات خصائص محددة بتعلم الأنماط وإعادة تركيبها استناداً إلى بيانات تدريبه، كالإجابات عن الأسئلة، ومجموعات البيانات الاصطناعية، والتنبؤات كالمحاكاة أو توقعات الطقس، بل وحتى العوامل المحاكاة. ويساعد الذكاء الاصطناعي التوليدي الباحثين على تسريع المهام البحثية القائمة، ككتابة النصوص والمعالجة الإحصائية، وتحسين جودة مهام أخرى، كالتحرير وإنتاج الأشكال التوضيحية، وأداء مهام كانت بعيدة المنال من قبل، كتحليل مجموعات بيانات ضخمة للغاية. ومن خلال المساعدة في تيسير هذه المهام، يُحدث الذكاء الاصطناعي التوليدي تحولاً في البحث العلمي.
ويعرض هذا الفصل أولاً لمحة عامة عن الاستخدامات المختلفة للذكاء الاصطناعي في العلم، ويبرز مدى صلة هذه الاستخدامات بالبحث التربوي. فلما كان البحث التربوي يستند إلى تخصصات كثيرة، فإن معرفة كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في تخصصات متنوعة ستساعد الجهات الحكومية الممولة للبحث على استشراف التغيرات المقبلة في البحث التربوي. ثم يتناول الفصل الآثار المحتملة للذكاء الاصطناعي في إبداع البحث وموثوقية العلم، وهما مسألتان محل جدل كبير في المجتمع العلمي، ولهما صلة مباشرة بالتعليم. وتستكشف الخاتمة بعض العواقب المحتملة لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي على البحث التربوي.
استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في البحث العلمي
يُستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي في البحث لأربعة أغراض متمايزة لكنها مترابطة: معالجة اللغة، بما فيها اللغة العلمية؛ وإدارة المعرفة؛ وتوليد المعرفة؛ وإدارة السلسلة الكاملة للعمليات في مشروع بحثي. ومن ثم يمكن تقسيم نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي المستخدمة في البحث إلى أربع فئات: أولاً، النماذج العامة الأغراض، ولا سيما النماذج اللغوية الكبيرة مثل GPT وGemini وغيرهما، التي يستخدمها باحثون كثيرون لتوليد النصوص أو الصور أو الشيفرات البرمجية؛ وثانياً، النماذج المتخصصة المكرسة لإدارة مهام متنوعة متصلة باللغة، كمراجعات الأدبيات والتحكيم وتوليد الفرضيات أو مقترحات التجارب، أي «توليد الأفكار»؛ وثالثاً، النماذج المتخصصة المستخدمة لمعالجة مسائل علمية بالغة التعقيد تنطوي على كميات هائلة من البيانات أو آليات معقدة، كالشكل الثلاثي الأبعاد للبروتينات؛ ورابعاً، المساعدون البحثيون و«المختبرات الروبوتية»، التي تدير باستقلالية تسلسلات كاملة من العمليات في مشروع بحثي، من التحليل الأولي للبيانات إلى التجريب. وسنتناول هذه الفئات الأربع من النماذج بالترتيب، بعد عرض الأدلة المتعلقة بانتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي بين الباحثين، وسيتضح عندئذ اتجاه جلي لتزايد القدرة المعرفية للذكاء الاصطناعي التوليدي واستقلاليته بمرور الوقت.
إلى أي مدى يستخدم الباحثون الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
يتقدم استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في البحث بسرعة، وإن ظلت الإحصاءات محدودة. ويمكن للاتجاهات الأوسع في تبني الذكاء الاصطناعي أن تساعد في استشراف الأنماط المستقبلية للذكاء الاصطناعي التوليدي.
فقد تقدم تبني الذكاء الاصطناعي بسرعة. إذ تتبعت دراسة حصة المنشورات المنخرطة في الذكاء الاصطناعي بين عامي 1985 و2022، فوجدت أنها ارتفعت من نحو 2% في عام 2015 إلى 8% في عام 2022 عبر جميع المجالات العلمية. وحددت دراسة أخرى حللت 100 مليون ورقة بحثية بين عامي 1980 و2024 أكثر من مليون ورقة بحثية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، أي 1.57% إجمالاً، مما يُظهر تبنياً واسع الانتشار عبر الأحياء والطب والكيمياء والفيزياء وعلوم المواد والجيولوجيا.
وفيما يخص الذكاء الاصطناعي التوليدي تحديداً، درس باحثون نحو مليون ورقة بحثية بين عامي 2020 و2024، ووجدوا نمواً مطرداً في الأوراق «المعدلة بالنماذج اللغوية الكبيرة»، مع أشد ارتفاع بعد إطلاق ChatGPT. ويبلغ الإقبال أقوى مستوياته في علوم الحاسوب بنسبة 17.5%، وأضعفها في الرياضيات بنسبة 6.3%. ولا يشمل التحليل العلوم الاجتماعية، التي تُعدّ من المسهمين الرئيسيين في البحث التربوي، وإن كانت العلوم الطبيعية تمثل أقلية معتبرة من إنتاج البحث التربوي.
ويقدّر مسح أُجري في مارس 2025 وشمل 5000 باحث أن أكثر من نصف الباحثين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بالفعل في إعداد المخطوطات ورصد الأخطاء. ويستخدم نحو الثلث الذكاء الاصطناعي التوليدي في جمع البيانات ومعالجتها أو يعتزمون استخدامه لذلك، في حين يظل استخدامه في المهام المعقدة، كاختيار المجلة والإحالات، أقل شيوعاً. ويعتقد أكثر من نصف المستجيبين أن الذكاء الاصطناعي يتفوق على البشر في مهام كمراجعة الأدبيات والتلخيص وفحص الانتحال وإدارة الإحالات، ويتوقعون تبنيه على نطاق واسع في غضون عامين. ويُظهر الباحثون في بداية مسيرتهم حماساً أكبر من زملائهم الأقدم، وإن ظل كثيرون حذرين بشأن دور الذكاء الاصطناعي في المهام العليا. وعلى الرغم من الاختلافات بين المجالات، يمكن افتراض أن الإقبال على هذه المهام المتصلة باللغة أساساً مماثل لدى الباحثين التربويين.
المهام المتصلة باللغة
تتعلق الفئة الأولى من الاستخدامات باللغة: ترجمة الأوراق البحثية وتحريرها وكتابتها وتلخيصها. وكثيراً ما تنطوي هذه المهام على نماذج لغوية كبيرة عامة الأغراض، مثل ChatGPT وClaude وGemini وغيرها، وهي الأيسر وصولاً، وإن لم يكن ذلك حصرياً، إذ تمتلك بعض الأدوات المتخصصة في العلوم هذه القدرات أيضاً. ويمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في تكييف الأوراق لتستوفي إرشادات التقديم في المجلات، وصياغة الملخصات، وكتابة تقارير التحكيم، والمساعدة في صياغة مقترحات طلبات المنح. ومع أن الباحثين كانوا يستخدمون بالفعل بعض مساعدي الكتابة الأذكياء، فإن إطلاق النماذج اللغوية الكبيرة أحدث تغييراً كبيراً في مدى هذا الاستخدام.
ويولد نموذج الذكاء الاصطناعي النص استجابةً لاستعلام، أي أمر نصي، يقدمه الباحث. ومن أمثلة الأوامر النصية: «أكتب ورقة حول [الموضوع] لمجلة أكاديمية رائدة في [التخصص]. وما حاولت قوله في القسم التالي هو [نقطة محددة]. أرجو إعادة صياغته لتحقيق الوضوح والتماسك والإيجاز، مع ضمان انسياب كل فقرة إلى التالية. أزل المصطلحات المتخصصة غير الضرورية. واستخدم نبرة مهنية».
والتحرير بمساعدة الآلة مفيد بوجه خاص لغير الناطقين بالإنجليزية لغةً أماً، لقدرته على تحسين الانسياب والنحو والنبرة. ففي استطلاع أجراه مجلس البحوث الأوروبي، رأى 75% من أكثر من 1000 من الحاصلين على منح المجلس أن الذكاء الاصطناعي التوليدي سيقلل الحواجز اللغوية في البحث بحلول عام 2030.
وشمل استطلاع أجرته مجلة Nature في مارس 2025 أكثر من 5000 باحث في أنحاء العالم، مع تمثيل ناقص للصين. وقال أكثر من 90% من المستجيبين إنهم يرون أن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحرير الورقة البحثية أو ترجمتها أمر مقبول. أما فيما يتعلق بتوليد النصوص بالذكاء الاصطناعي، ككتابة الورقة كلها أو جزء منها، فإن أغلبية بلغت 65% ترى ذلك مقبولاً أخلاقياً، لكن نحو الثلث يعارضونه. وكان الاستخدام الأكثر شيوعاً تحرير ورقة بحثية، غير أن نحو 28% فقط قالوا إنهم فعلوا ذلك. وانخفض هذا الرقم إلى نحو 8% لكتابة مسودة أولى، وإعداد ملخصات لمقالات أخرى لاستخدامها في الورقة الخاصة، وترجمة ورقة، ودعم التحكيم. وفي حين أفاد 42% من طلبة الدكتوراه باستخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض التحرير، تنخفض النسبة إلى 22% لدى الباحثين الأقدم.
ويجد عمل بحثي أن ملخصاً واحداً من كل سبعة ملخصات طبية حيوية منشورة في عام 2024، من بين 1.5 مليون ورقة مفهرسة في قاعدة PubMed، كُتب بمساعدة الذكاء الاصطناعي. ويرصد الباحثون هذه الملخصات بتحديد «الكلمات الزائدة»، أي الكلمات التي ارتفع تواترها منذ صعود النماذج اللغوية الكبيرة دون أن يكون لها دور وظيفي، كالكلمات الإنجليزية التي تعني «يتعمق» و«منقطع النظير»، ويبلغ مجموعها 454 كلمة زائدة.
ويمكن لدعم الذكاء الاصطناعي في الكتابة أن يعزز إنتاجية الباحثين في بعض المهام غير الجوهرية، كصقل الأسلوب أو التعامل مع الواجبات الإدارية، فيحرر وقتاً لعمل أكثر مفاهيمية.
وتُستخدم نماذج متخصصة، كمشروع Black Spatula وYesNoError، لرصد الأخطاء في الأوراق البحثية، بما فيها الأخطاء الواقعية وأخطاء الحساب والعيوب المنهجية ومشكلات الإحالة. فهذه الأنظمة تستخلص أولاً المعلومات من الأوراق، بما فيها الجداول والصور، ثم تصوغ أمراً نصياً يخبر نموذجاً «استدلالياً»، وهو نوع متخصص من النماذج اللغوية الكبيرة، بما ينظر إليه وأنواع الأخطاء التي ينبغي البحث عنها. وقد يحلل النموذج الورقة مرات متعددة، إما باحثاً عن أنواع مختلفة من الأخطاء في كل مرة وإما متحققاً من النتائج بالمقارنة. غير أن معدل الإنذارات الكاذبة، أي الحالات التي يزعم فيها الذكاء الاصطناعي وجود خطأ حيث لا خطأ، يمثل عقبة كبيرة، إذ يبلغ 10% في المتوسط وفق بعض الاختبارات؛ فقد يذكر النموذج مثلاً أن شكلاً توضيحياً مشاراً إليه في النص غير موجود في الورقة بينما هو موجود فعلاً.
البرمجة وتحليل البيانات
مع ازدياد الطابع الكمي للعلم، أصبحت البرمجة وتحليل البيانات المهام الرئيسية لكثير من الباحثين، ولا سيما طلبة الدكتوراه، في جميع التخصصات، بما فيها العلوم الإنسانية على نحو متزايد. وهذا هو الحال بالتأكيد في البحث التربوي، حيث ازدادت حصة البحث الكمي على مدى العقود الماضية، وإن ظل أقلية في البحث التربوي. وتتطلب هذه المهام مهارات محددة في تقنيات معقدة، وقد تستهلك وقتاً كبيراً، كتصحيح الأخطاء، أي تتبع الأخطاء في الشيفرات البرمجية، مع تعريض الباحث لمخاطر أخطاء كبيرة. وقد طُوّرت أدوات خاصة، قائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي خصوصاً، لتخفيف هذه الأعباء.
فمحررات الشيفرات أدوات تهدف إلى تسهيل استخدام الباحثين للبرمجة في تنظيم البيانات، وإنشاء تسلسلات تحليلية، وتوليد الإحصاءات الوصفية أو التمثيلات البصرية. وقد انتشرت هذه الأدوات الآن انتشاراً واسعاً، متجاوزة GitHub وموقع Stack المجتمعي في استكشاف الأخطاء وإصلاحها. وتتيح هذه الأدوات للباحثين توفير كثير من الوقت، وتوليد مخرجات أعلى جودة، وتخصيص الوقت لمسائل أكثر جوهرية. فبدلاً من قضاء ساعات في انتظار إجابات من المراسلين، يستطيع المستخدمون ببساطة تحديد جزء من الشيفرة وطلب إصلاحه من روبوت محادثة توليدي.
وثمة أيضاً نماذج ذكاء اصطناعي أكثر تطوراً قادرة على إجراء تحليل مكثف لجداول كبيرة من الأرقام وتوليد مخرجات كالتنبؤات، أي الإسناد، ورصد الأخطاء وغيرها، مما يغني الباحث عن البرمجة بنفسه. فعلى سبيل المثال، يُعدّ TabPFN نموذجاً لـ«تعلم الآلة الجدولي» يستنتج النتائج من جداول لأي نوع من البيانات، ويستطيع أخذ مجموعة بيانات المستخدم والاستدلال فوراً على نقاط بيانات جديدة.
كما تتمتع نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي بقدرة قوية على معالجة «البيانات غير المنظمة»، كالنصوص والصور، التي يمكن بذلك تكميمها وإخضاعها لمعالجة إحصائية قوية، وهو أمر يحظى باهتمام خاص في العلوم الإنسانية والبحث التربوي.
نمذجة الظواهر المعقدة
في حين تعالج النماذج اللغوية الكبيرة الكلمات، يمكن تدريب نماذج قائمة على التقنيات ذاتها، ولا سيما بنية «المحوِّلات»، على أنواع أخرى من البيانات: الصيغ الكيميائية، والمفاهيم الرياضية، والصور الفلكية، والحمض النووي وغيرها. ويمكن لهذه النماذج أيضاً المزج بين أنواع مختلفة من البيانات مدخلاتٍ، أي أن تكون «متعددة الوسائط»، أو أخذ نوع من البيانات مدخلاً وتوليد نوع مختلف مخرجاً. ويتيح هذا التنوع في أنواع البيانات تطبيق نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي على طيف واسع من المسائل في طيف واسع من التخصصات والسياقات.
وتُطبق هذه النماذج عادةً على ما يسمى «مسائل العالم المغلق»، حيث تكون القوانين الأساسية معروفة، لكن استخلاص التنبؤات صعب حاسوبياً، لأن المعالم والمتغيرات كثيرة جداً، أو لأن العلاقات معقدة وغير خطية. والأمثلة كثيرة في الكيمياء الحيوية وعلوم المواد والتنبؤ بالطقس. ويتيح ذلك الجمع بين المعرفة الأساسية الراسخة والقدرة الفائقة للخوارزمية على إيجاد ارتباطات ذات معنى في البيانات. وهذه النماذج إحصائية بطبيعتها، ومن ثم تُدرَّب على كميات هائلة من البيانات، مما يقيد الحالات التي يمكن تطبيقها فيها، إذ لا توفر جميع المجالات كميات كافية من البيانات.
وتتيح هذه النماذج للباحثين كسب الوقت وخفض تكلفة البحث. فكما يقول أحد علماء الأحياء: «هدفنا ابتكار أدوات حاسوبية بحيث ينتقل علم الأحياء الخلوية من كونه تجريبياً بنسبة 90% وحاسوبياً بنسبة 10% إلى العكس»، وقد قيل ذلك في سياق مشروع يستخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء «خلية افتراضية».
ومع أن النظم التعليمية تولد كميات كبيرة من البيانات، فإن المخاوف المتعلقة بالخصوصية والأخلاقيات جعلت استخدامها الواسع في البحث التربوي أمراً معقداً. ومع ذلك، يمكن لبعض هذه التقنيات أن تنطبق على نحو متزايد على تحليل مجموعات البيانات الكبيرة، وهي مستخدمة بالفعل إلى حد ما. فعلى سبيل المثال، يستخدم أحد فصول هذا التقرير أدوات التحليل والتمثيل البصري هذه لإظهار التشابه بين مقررات التعليم العالي استناداً إلى سجل تسجيل الطلبة. فضلاً عن ذلك، يستند البحث التربوي على نحو متزايد إلى علم الأعصاب والعلوم المعرفية، ويمكن تصور أن علوم التعلم ستستفيد أيضاً من التقدم في دراسة الدماغ من منظور كيميائي أو بيولوجي. فعلى سبيل المثال، قد تساعد تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة على فهم أفضل للأبعاد السريرية والاجتماعية الجينية للتعلم والأداء التعليمي.
الكيمياء والأحياء
الكيمياء والأحياء من التخصصات الرائدة التي طُبق فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي، ويرجع ذلك خصوصاً إلى توافر كثير من البيانات وإلى الطبيعة التوافقية للآليات العاملة. ومهمة معظم النماذج ربط خاصية ما، علاجية أو فيزيائية، بتركيب مركّب ما. ومن ثم يستطيع النموذج إما التنبؤ بخصائص مركبات معينة، وإما التنبؤ بتركيب المركبات التي تُظهر خصائص معينة. كما تستطيع بعض النماذج إجراء التخليق العكسي، أي التنبؤ بتسلسل التفاعلات الكيميائية أو شبكتها التي تتيح إنتاج مركّب معين من مكونات معينة، أي المتفاعلات.
وتخضع هذه الخصائص والتفاعلات لقوانين فيزيائية وبيولوجية معروفة، لكن عدد المكونات، وعدم خطية كثير من الآليات المعنية، وحساسية الخصائص الإجمالية للتعديلات الطفيفة، تجعل الحل التحليلي لمعظم الحالات صعباً بل مستحيلاً. وفي حالة الأحياء، تكون المركبات بالغة التعقيد؛ فالبروتينات قد تتكون من عدة آلاف من الجزيئات. وتمزج معظم النماذج بين تحليل البيانات والمعرفة بالقواعد الأساسية للمجال، بحيث تمتثل العناصر المولدة للقوانين المعروفة في المجال.
وثمة تشابه قوي بين الكيمياء أو الأحياء من جهة، واللغة من جهة أخرى، إذ إن كلتيهما تركيبية: فهما مؤلفتان من مكونات أولية، هي الكلمات أو الجزيئات، تتحد لتنتج خصائص ناشئة، هي المعنى أو الخصائص الفيزيائية. ومن ثم نُقلت التقنيات المستخدمة في تدريب النماذج اللغوية الكبيرة مباشرة إلى هذه المجالات. بل إن بعض الباحثين يستخدمون النماذج اللغوية الكبيرة مباشرة لإجراء التحليل الكيميائي، وإن كانت قاعدة تدريب هذه النماذج في المجال أقل اتساعاً من قاعدة النماذج المتخصصة. ويلاحظ هؤلاء أن نتائجهم تُظهر قدرة النماذج اللغوية الكبيرة على الاستدلال بدقة حول الكيانات الكيميائية على المستويين الموضعي والكلي، فتحلل التفاعلات المنفردة ومسارات التخليق الكاملة أيضاً، وأن هذه القدرات يمكن استثمارها عبر خوارزميات البحث لحل المسائل الكيميائية بمرونة أكبر.
وتتألف بعض النماذج من وحدات مترابطة متعددة تعالج أنواعاً مختلفة من البيانات، وتستفيد من أوجه التآزر بين هذه الأنواع. وتربط بعض النماذج اللغة الطبيعية بالبيانات الكيميائية أو البيولوجية، مما يتيح للمستخدمين سؤال النموذج عن التركيب الكيميائي الذي يحقق خاصية معينة، مع شرح ذلك بلغة طبيعية.
إطار: أمثلة على النماذج المتخصصة
ESM3
ESM3 نموذج توليدي للخصائص الأساسية الثلاث للبروتينات، وهي التسلسل والبنية والوظيفة، يعتمد على النمذجة اللغوية. ويمكن توجيه ESM3 بتعليمات من كل نوع من هذه المدخلات، مما يتيح تحديد الأوامر النصية على مستويات متعددة من التجريد، بدءاً من البنية على المستوى الذري ووصولاً إلى الكلمات المفتاحية العليا التي تصف الوظيفة وطوبولوجيا الطي.
ألفافولد
ألفافولد عائلة من النماذج أنتجتها شركة غوغل ديب مايند، تهدف إلى التنبؤ بالشكل الثلاثي الأبعاد للبروتينات، وقد نال مؤلفوها الرئيسيون جائزة نوبل في الكيمياء عام 2024.
وقد كان لألفافولد أثر واسع وعميق في علم الأحياء البنيوي. فجميع الباحثين الذين يتعاملون مع البروتينات يستخدمون اليوم AlphaFold2 أو بديلاً عنه، بما يمكنهم من توجيه وقتهم وجهودهم إلى مهام أخرى. ومع حل مسألة «البروتينات البسيطة»، يتجه الباحثون إلى قضايا جديدة: البروتينات المعقدة، كتلك التي يتوقف شكلها على السياق أو المركبة منها، والحمض النووي الريبي، مما أفضى إلى ظهور AlphaFold3 ونماذج أخرى. وقد كان أثر ألفافولد في البحوث اللاحقة هائلاً، لأن شكل البروتينات يُستخدم مدخلاً في بحوث أخرى؛ إذ أحيا اكتشاف الأدوية القائم على البنية، وسرّع صياغة الفرضيات في علم الأحياء، وفتح آفاقاً جديدة لفهم التفاعلات المعقدة داخل الخلايا.
ومع ذلك قد ينطوي ألفافولد على مخاطر للباحثين، إذ تقع أخطاء، في الحالات المعقدة أساساً، قد تفضي أحياناً إلى افتراضات خاطئة إن لم يُتحقق منها.
الرياضيات
حلّ النظامان AlphaProof وAlphaGeometry 2 من ديب مايند أربعاً من ست مسائل في الأولمبياد الدولي للرياضيات، فبلغا مستوى الحاصلين على الميدالية الفضية. ويجمع هذان النظامان بين التدريب على اللغة الصورية والاستدلال العصبي الرمزي، مما يقلل «الهلوسات» ويتيح تحققاً صارماً. والتقدم مثير للإعجاب، وإن ظل قاصراً عن معالجة الرياضيات على مستوى البحث.
الفيزياء الفلكية
طوّر كرين وزملاؤه خوارزمية ذكاء اصطناعي تسمى أورانيا لتصميم كواشف الموجات الثقالية. وقد أنتج النظام تصاميم مبتكرة عديدة، حسّن بعضها الحساسية بأكثر من عشرة أضعاف، وهي تصاميم تعيد تصور تقنيات معروفة، فاتحة إمكانات جديدة للفيزياء الفلكية.
الذكاء الاصطناعي في محاكاة الفاعلين البشريين
يمكن استخدام النماذج اللغوية الكبيرة لمحاكاة المشاركين البشريين في الدراسات التجريبية، كإنتاج مقابلات اصطناعية، أو تفاعلات بين فاعلين، أو سلوك محدد في مواقف بعينها. وثمة بحث نشط في محاكاة السلوك البشري، بنماذج مدربة خصيصاً على مواد نفسية، وتدمج معارف من العلوم المعرفية. ويمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي المدربة على بيانات السلوك البشري أن تكون منصات اختبار لمحاكاة القرارات البشرية في سياقات متنوعة، بما فيها السياقات التعليمية. وقد تؤدي دوراً مماثلاً لدور العضيّات، أي البنى ذاتية التجمع التي تحاكي بعض خصائص الأعضاء الحية، في البحث الطبي. وهذه النماذج تسرّع الدراسات وتخفض تكلفتها.
غير أن إمكانات هذه المقاربة لا تزال محدودة، لأن قدرة النماذج اللغوية الكبيرة على محاكاة تنوع السلوكيات البشرية في المواقف المعقدة ما زالت قاصرة. ففي دراسة عن ظروف العمل في المصانع مثلاً، يُرجح أن يقدم عامل في خط الإنتاج ومدير إجابات مختلفة حول جوانب متعددة من العمل ومكانه. أما الإجابات التي يولدها مشارك من نموذج لغوي كبير فقد تدمج المنظورين في إجابة واحدة، فتخلط بين المواقف بطرق لا تعكس الواقع.
وإذا أثمر هذا الاستخدام للذكاء الاصطناعي، فقد يكون له أثر قوي في البحث التربوي، ولا سيما في توليد إجابات الاستبانات، التي بات جمعها أصعب فأصعب وفق القائمين على تنفيذ المسوح. ففي إعداد التقييمات المعيارية مثلاً، تبيّن دراسة أن نماذج الذكاء الاصطناعي المتعددة الوكلاء، التي تجمع مجموعات من النماذج اللغوية الكبيرة القادرة على العمل «مستجيبين اصطناعيين»، تنتج توزيعات للإجابات ذات خصائص قياسية نفسية تتوافق توافقاً وثيقاً مع خصائص إجابات طلبة الجامعات. ويرى باحثون آخرون أن المعايرة القائمة على النماذج اللغوية الكبيرة يمكن أن تكمل بيانات إجابات الطلبة المحدودة، فتخفض التكاليف وتسرّع دورات التحقق من صلاحية البنود. ومع أن الإجابات البشرية تظل أساسية، ولا سيما لأنها تُستخدم في توليد الإجابات المحاكاة، فإن الإجابات المولدة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تعززها، وأن توسع تباينها مع بقائها متسقة معها، كما في حالة الإجابات عن بنود الاختبارات. ومع أن تقدير الحالات التي تضيف فيها الإجابات المحاكاة قيمة دون تشويه الإجابات البشرية سيستغرق وقتاً، فإن هذا المسار من أثر الذكاء الاصطناعي سيكون مفيداً بوجه خاص للبحث التربوي إن كُتب له النجاح.
إدارة المعرفة العلمية
قال برنار دي شارتر قولته الشهيرة: «نحن أقزام نقف على أكتاف عمالقة»، واصفاً الدينامية التراكمية للمعرفة، إذ إن الاكتشافات الجديدة في معظمها تطوير للاكتشافات السابقة وتوليف بينها. ومن ثم فإن الوصول إلى المعرفة القائمة وإتقانها مفتاح للباحثين كي يبنوا عليها ويحققوا اكتشافات جديدة. وتوليد الفرضيات عنصر أساسي في العملية البحثية وفي تحقيق الاكتشافات؛ وهو وثيق الصلة بالمعرفة القائمة التي يستند إليها، لكنه ينطوي أيضاً على آليات متمايزة سنتناولها في القسم التالي.
ومع تزايد عدد المنشورات العلمية، من مقالات وبنوك بيانات وصور وبرامج حاسوبية وغيرها، بات من الصعب على الباحثين مواكبة التقدم في مجالاتهم، على الرغم من تزايد التخصص داخل الميادين العلمية. ومن هنا نشأ تحدٍّ جديد أمام الباحثين: البناء على معرفة لا يألفونها. وقد أفرز الذكاء الاصطناعي أدوات يمكنها دعم الباحثين في هذه المهام، كالنماذج اللغوية الكبيرة العامة أو النماذج المتخصصة مثل Elicit وConsensus وClarivate وPaperQA2 وBioloGPT. وتستطيع هذه الأدوات إجراء عمليات إدارة المعرفة، كالبحث في الأدبيات، والتلخيص، ومراجعة الأدبيات، وهي ما سنتناوله فيما يلي. وتعمل هذه النماذج كذلك في البحث التربوي، وإن لم تكن مضبوطة خصيصاً لهذا المجال.
محركات البحث
يُدخل الباحث سؤالاً بحثياً محدداً في النموذج، كأن يسأل: «هل الفيروس س مسؤول عن المرض ص؟»، فيستجيب النموذج بقائمة من المنشورات المتصلة بالاستعلام، مع ملخص لنتائج كل منشور ذات الصلة بالسؤال. وتقدم بعض النماذج رؤية تركيبية، أي توافقية، للأدبيات، مع قوائم بالمنشورات المتفقة مع هذا التوافق أو المختلفة معه والحجج المقابلة. ويمكن لبعض الأدوات توليد صورة بيانية للمشهد البحثي المعني، تُظهر العلاقات القائمة على الاستشهادات بين المنشورات: من يستشهد بمن، ومن يُستشهد به مع من، وما إلى ذلك.
ومقارنةً بالنماذج اللغوية الكبيرة، تسعى النماذج المتخصصة إلى تقديم موثوقية أعلى، لأنها لا تستخدم إلا المنشورات العلمية، متجنبة المدونات وغيرها من المصادر الأدنى سمعةً علمية. ويمكن لبعض الأدوات أن تقدم منتجات أخرى تتجاوز نتائج البحث المذكورة، كرسوم الأدبيات البيانية، التي تستخلص المفاهيم أو النتائج الرئيسية في مجال ما وتربطها ببعضها في رسم بياني معرفي. ولدى بعض المنصات وظيفة «الدردشة مع ملف PDF»، التي تتيح للمستخدم رفع ورقة بحثية وطرح أسئلة حول محتواها.
إعداد الملخصات
تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي إعداد ملخصات للمنشورات عند الطلب، مما يمنح الباحثين نظرة سريعة على مجموعة من الأوراق ذات الاهتمام، فيوفرون وقت القراءة ويركزون على الأوراق الأكثر صلة. غير أن جودة هذه الملخصات قد تكون متدنية أحياناً. فقد قارن باحثان ملخصات الذكاء الاصطناعي بالملخصات البشرية التي تقدمها بعض المجلات في 4900 مثال في الطب والعلوم عموماً، فوجدا أن جميع نماذج الذكاء الاصطناعي تميل إلى المبالغة في تعميم النتائج الواردة في الأوراق، إذ كثيراً ما تغفل تفاصيل مهمة تقيّد نطاق صلاحية النتائج، وتُسقط فروقاً دقيقة ذات صلة. فقد تكتفي مثلاً بالقول إن دواءً ما فعال في علاج حالة معينة، دون تحديد الجرعة أو فئة المرضى. ويعكس ذلك صعوبة إدراك نماذج الذكاء الاصطناعي إدراكاً تاماً لأهمية «التفاصيل» التي يجدها القراء البشر الأذكياء ذات دلالة. وتنطبق المسألة ذاتها على التعليم، حيث قد تكون النتائج أكثر أو أقل صلة بحسب البلد والخلفية الاجتماعية والاقتصادية والجنس وغير ذلك.
مراجعات الأدبيات
تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي تقديم ملخصات منظمة للأدبيات المتصلة بأسئلة محددة. وهذه المراجعات مفيدة للباحثين في الحصول على رؤية شاملة لمسألة ما مع توفير الوقت والتأكد من عدم إغفال أهم المنشورات ذات الصلة.
وتقدم بعض النماذج مراجعات «منهجية» تتضمن معلومات دقيقة حول مناهج كل ورقة ونتائجها على نحو موحد، وهذا ضروري إذا أراد الباحث إعادة إجراء تجربة أو إجراء تحليل بعدي. ويشكك بعض الباحثين في جودة المراجعات المنهجية المولدة بالذكاء الاصطناعي، لأن نماذجه تميل إلى إغفال معلومات محددة لكنها مهمة، كالجرعة الدقيقة للدواء كما ذُكر آنفاً. والأمر كذلك بالنسبة إلى السياق التربوي الدقيق لدراسات حول أثر التعلم القائم على المشروعات، أو المحاضرة، أو استخدام التقنية في التعليم مثلاً.
وبوجه أعم، تعاني مراجعات الأدبيات المنجزة بالذكاء الاصطناعي من قيود معينة. أولاً، لا تستطيع نماذج كثيرة الوصول إلا إلى ملخصات المنشورات جميعها وإلى النص الكامل للمنشورات المفتوحة الوصول. فالوصول إلى جزء كبير من الأدبيات العلمية مقيد، وإن كانت أدوات الناشرين قادرة بطبيعة الحال على الوصول إلى منشوراتهم، مما يجعل كثيراً من النتائج البحثية المهمة، وخصوصاً المناهج، تُغفل غالباً في المراجعات المولدة بالذكاء الاصطناعي.
ثانياً، تجد أدوات مراجعة الأدبيات القائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي صعوبة أحياناً في تحديد أكثر الأوراق صلة في مجال ما، وفي التمييز بين الأدبيات الراهنة والمتقادمة، وقد تُدرج في المقدمة أدبيات تحمل أفكاراً كانت سائدة في مجال ما لكنها صارت متقادمة.
ومع ذلك، يمكن استخدام هذه الأنظمة لتحديث مراجعات الأدبيات التي كتبها البشر بدلاً من توليد مراجعات جديدة. فليس من الممكن عملياً أن يحدّث البشر المراجعات بوتيرة عالية، وقد يتيح الذكاء الاصطناعي ذلك، وإن كانت المراجعات المرجعية قد تظل بحاجة إلى إسهام بشري.
التقارير البحثية
تستطيع أحدث النماذج، مثل OpenAI Deep Research وGemini Deep Research، تقديم «تقارير بحثية» تتجاوز مراجعة الأدبيات، إذ توفر خلفية وسياقاً أوسع وتحدد الأسئلة المعلقة. فيمكن للمستخدم إدخال استعلام مع بياناته الخاصة، كالمقالات وغيرها، فيعيد النموذج تقريراً كاملاً يتضمن النصوص والأشكال التوضيحية والإحالات الببليوغرافية المقابلة. وتحاكي هذه النماذج الطريقة التي يتناول بها الإنسان سؤالاً بحثياً. ويكتسب ذلك أهمية خاصة عند استكشاف مجال لا يألفه المستخدم، إذ يساعده على الوصول إلى المعرفة العامة بلغة واضحة.
ويكتب أحد النماذج المتخصصة، وهو PaperQA2، ملخصات للموضوعات العلمية على غرار ويكيبيديا، موثقة بالإحالات وأدق بكثير من مقالات ويكيبيديا القائمة التي كتبها البشر. ويستطيع رصد التناقضات داخل الأدبيات العلمية، وهي مهمة شاقة على البشر.
وتولد بعض النماذج مسودات تقارير بحثية تحدد فيها الفجوات المعرفية، فتقترب من اقتراح موضوعات بحثية ممكنة لاحقة. غير أن جودة هذه التقارير محل جدل؛ فهي كثيراً ما تتضمن إحالات خاطئة أو مختلقة، ولا تميز بين المعلومات الموثوقة والافتراضات البسيطة، ولا تنقل درجة عدم اليقين بدقة.
توليد الفرضيات والأفكار
توليد الفرضيات نشاط يحدد هوية الباحث. ويتمثل في توليد أفكار من الأدبيات أو من البيانات تكون جديدة ومعقولة وقابلة للاختبار في آن معاً. وفي حين تتعلق مراجعة الأدبيات بما هو معروف، يتعلق توليد الفرضيات بالقفز إلى المجهول: تحديد إجابات ممكنة عن أسئلة لم تجب عنها الأدبيات، مع الحفاظ على الاتساق مع المعرفة الراسخة. وقد ظل ذلك حتى وقت قريب حكراً على البشر، أما الآن فيستطيع الذكاء الاصطناعي فعله أيضاً. ويتضمن ذلك عادةً ثلاث خطوات: توليد الفرضية، وتقييمها والتحقق منها أو رفضها، ثم تحسينها وصقلها.
وفي حالة البحث التربوي، قد تساعد هذه التقنيات على تفسير مسارات التعلم أو بعض الجوانب المحيرة في مخرجات التعليم. إذ يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي الجمع بين مصادر معلومات متعددة ومتباعدة لتوليد فرضيات أصيلة. فعلى سبيل المثال، يمكن تصور أنظمة ذكاء اصطناعي تولد فرضيات استناداً إلى مجموعات بيانات دولية أو وطنية حول العوامل المفسرة لارتفاع مخرجات الطلبة أو انخفاضها، مستثمرة الحجم الكبير لهذه البيانات. بل يمكنها أيضاً ربط هذه النتائج بمصادر أخرى ممكنة، وتوجيه الباحثين التربويين إلى تفسيرات محتملة لا تظهر مباشرة في مصادر بياناتهم؛ فقد ترتفع مخرجات التعلم مثلاً بفضل إتاحة خدمات اجتماعية حديثاً أفضت إلى تراجع تغيب الطلبة أو تحسن صحتهم النفسية نتيجة حصول آبائهم على دعم أفضل.
استخلاص الفرضيات من الأدبيات البحثية
تستمد معظم النماذج فرضياتها من الأدبيات، لكن بعضها يستطيع أيضاً استخلاصها مباشرة من البيانات المعروضة عليها للتحليل. ومقارنةً بالبشر، تتمتع نماذج الذكاء الاصطناعي بميزة المعرفة الأوسع بالأدبيات، لا في التخصص المعني فحسب بل ربما في تخصصات أخرى أيضاً، مع الوصول إلى مصادر أكثر تنوعاً، على افتراض أن النموذج دُرب على هذه المعرفة أو يستطيع الوصول إليها، وهو افتراض قد يكون إشكالياً كما تبين قيود المراجعات الآلية للأدبيات. غير أن نماذج الذكاء الاصطناعي تواجه صعوبات خاصة في استخلاص الفرضيات آلياً من الأدبيات: أولاً، قد لا توضح النصوص المصدر ماهية المشكلات والفرضيات المقابلة لها؛ وثانياً، قد لا تكون الصلة بين المشكلة والفرضية كما ترد في الأدبيات مباشرة؛ وثالثاً، قد يصعب تقييم جدة الفرضية أو قابليتها للتنفيذ، مع أن قياسهما وترتيب الفرضيات بحسبهما أمر لازم؛ ورابعاً، تحتاج الفرضيات المصممة ابتداءً عادةً إلى تحسين لتعزيز جدتها أو قابليتها للتنفيذ، مما يتطلب عمليات إضافية بعد استخلاصها من الأدبيات.
ومن الطرق البسيطة لتفاعل الباحث مع النموذج العصف الذهني، بأمر نصي مثل: «أعطني عشر أفكار لآليات قد تفسر كيف يؤثر أ في ب». ويمكن للباحث أيضاً أن يتحدى النموذج بطرح فرضيته الخاصة ومطالبته بحجج مضادة أو فرضيات بديلة. وتتيح هذه الطريقة البسيطة اقتراحات أولية، لكن صياغة فرضيات منظمة ومعقولة تتطلب مقاربة أكثر إحكاماً تستخدم نماذج متخصصة.
ومن المقاربات إدراج بيانات عالية التنظيم في الأمر النصي لتقييد استجابة النموذج تقييداً صارماً. فالباحث الذي يدرس مثلاً كيفية انتقال الجسيمات البلاستيكية الدقيقة عبر التربة إلى المياه الجوفية يمكنه استخدام أداة التمثيل البصري Research Rabbit. فهذه الأداة تأخذ «ورقة بذرة» واحدة وتولد شبكة مترابطة من البحوث المرتبطة بالموضوع أو المؤلف أو المنهجية أو غيرها من السمات الرئيسية. وبإدراج نتائجها في نموذج لغوي كبير، يصبح من الممكن استنطاق مجمل هذا العمل بحثاً عن روابط خفية أو أفكار جديدة.
وفيما يخص صعوبة ربط النماذج اللغوية الكبيرة بين المشكلات والفرضيات عند قراءة مدونة نصية، يتمثل أحد الحلول في ضبط نموذج لغوي كبير قائم ضبطاً دقيقاً ليتمكن من تحديد المشكلات والفرضيات في الأوراق على نحو أفضل. فقد جمع باحثون قاعدة بيانات تضم 5500 فرضية علمية تسمى HypoGen، ودربوا بها نموذجاً لغوياً كبيراً قائماً. وهذه البيانات منظمة على نحو يوضح المشكلة والفرضية وسلسلة الاستدلال من المشكلة إلى الفرضية.
ويصعّب ضعف قابلية الذكاء الاصطناعي للتفسير استخلاص الفرضيات من البيانات بنماذجه. فقد يصعب مثلاً نسبة الارتباط بين أحداث معينة إلى سمات محددة لتلك الأحداث؛ إذ يلاحظ النموذج أن الظاهرة أ مرتبطة بالظاهرة ب، لكنه لا يستطيع القول ما إذا كان ذلك راجعاً إلى السمة ج أو السمة د من هاتين الظاهرتين. ويستطيع النموذج رؤية أنماط في البيانات لا يراها البشر، وقد يصعب عليه ترجمتها إلى كلمات، أي إلى فرضيات يفهمها البشر. وقد اقترح لودفيغ ومولايناثان إجراءً يتيح التعبير بالكلمات عن الارتباطات التي يجدها الذكاء الاصطناعي في البيانات، بحيث يمكن شرحها للبشر واختبارها. ولهذا الغرض يستخدمان الحالات المضادة للواقع: فيولدان بيانات اصطناعية تضخم الارتباطات الموجودة في البيانات الأصلية إلى حد يصبح فيه النمط المعني مرئياً للبشر وقابلاً للتفسير.
تحسين الفرضيات المولدة بالذكاء الاصطناعي
قد لا يكون استنتاج الفرضيات من الأدبيات كافياً أو مرضياً تماماً، لأن الفرضيات «الخام» قد تكون قاصرة في جدتها أو إحكامها، أو شديدة الشبه بمصادرها، أو ضعيفة المعقولية لعدم اتساقها التام مع الأدلة، أو عسيرة الاختبار تجريبياً. ومن ثم تستدعي الحاجة عملية لصقل الأفكار المستخلصة من الأدبيات. وهذا من أصعب التحديات أمام الذكاء الاصطناعي في العلم، لأنه يتطلب قدرات تخيلية واستدلالية معاً: القدرة على تحسين الفكرة مع الحفاظ على جوهرها، والاستنتاج المنطقي، وتقدير مدى قرب الفكرة من «العالم الحقيقي»، وما إلى ذلك. وتشهد هذه الساحة تطورات كثيرة، وتشمل التقنيات الرئيسية: الاستدلال المتعدد الخطوات، أي «سلسلة الأفكار» التي تطالب الآلة بالإفصاح عن الخطوات التي تتبعها في استدلالها؛ والتعلم المعزز، أي تدريب النموذج بحيث يقوي سماته الناجحة ويضعف غيرها؛ والحوسبة التطورية والأنظمة المتعددة الوكلاء، كما سيأتي. وتتضمن النماذج المطورة منذ عام 2024 واحدة أو أكثر من هذه التقنيات.
والحوسبة التطورية تقنية مستوحاة من الطفرات والانتقاء الطبيعي في التطور الدارويني. فهي تبدأ بمراجعة للأدبيات تستخلص منها قائمة أولية بالفرضيات، ثم تُجري تغييرات صغيرة عشوائية على خوارزمية ما، وتنتقي منها ما يحسن كفاءة النموذج. ولهذا الغرض يجري النموذج «تجاربه» الخاصة بتشغيل الخوارزميات وقياس مدى جودة أدائها. وبعد ذلك ينتج النموذج ورقة بحثية ويقيّمها. وبعد «إثراء الأدبيات» على هذا النحو، يمكن للخوارزمية أن تبدأ الدورة من جديد، بانية هذه المرة على نتائجها الخاصة.
ويُطبق الذكاء الاصطناعي الوكيلي في العلم أيضاً. فالوكيل نظام مستقل يستطيع قيادة أدوات متنوعة نحو هدف محدد. وتتألف الأنظمة المتعددة الوكلاء من عدة وكلاء لكل منهم أهداف محددة ومهارات متخصصة؛ ويقود كل منهم نموذج ذكاء اصطناعي، كنموذج لغوي كبير، ويتفاعل تفاعلاً وثيقاً مع الآخرين تحت إشراف «وكيل قائد» يعمل عمل قائد الأوركسترا. وتدمج بعض النماذج أيضاً قدرات استدلالية مثل «سلسلة الأفكار» المذكورة. ويسعى النموذج المتعدد الوكلاء إلى العمل كفريق من الباحثين؛ فبعض الباحثين متخصصون في تخصص بعينه، وبعضهم يؤدي دوراً محدداً كتقديم المقترحات أو الطعن في مقترحات الآخرين أو التوليف بينها؛ وفي كل خطوة يكلفهم القائد بمهام محددة، فيعملون بأدواتهم لتنفيذها، ثم يجتمعون ويقارنون نتائجهم في نقاشات مفتوحة تُدرج خلاصاتها في تقرير يُشارك مع الباحثين البشريين. وتبدأ العملية كلها بأمر نصي يتضمن وصفاً للمشكلة ومعلومات سياقية، يُقدم إلى النموذج. ثم يصمم القائد والوكلاء خطة بحثية، قد تشمل تسلسلاً من الأسئلة الفرعية، ومجموعة من المهام المتوازية، وقائمة بالمهارات المطلوبة من الوكلاء، وما إلى ذلك. وبعدها يمكن أن تجري عملية تكرارية ينجز فيها كل وكيل المهام الموكلة إليه، ويرفع تقاريره إلى القائد والوكلاء الآخرين؛ ويوجز القائد النتائج في كل مرحلة ويتابع تقدم العملية برمتها. وفي النهاية يستطيع النموذج صياغة تقرير بحثي.
وفي التعليم، تُستخدم النماذج المتعددة الوكلاء المؤلفة من وكلاء ذكاء اصطناعي توليدي مثلاً لتطوير بنود التقييم. وقد تبشر هذه النماذج بالكثير للبحث التربوي، الذي كثيراً ما يكون متعدد التخصصات أو بينياً، أو يعالج قضايا اجتماعية تقنية واسعة، كتبني الذكاء الاصطناعي واستخدامه في التعليم. ويمكن للباحثين التربويين استخدام هذه النماذج لضمان الجمع بين أنواع مختلفة من الخبرات ومصادر المعلومات والقيود، كتوليد أفكار جديدة حول الإيقاع المدرسي للأطفال مثلاً، وهو موضوع يستلزم خبرة في النمو البيولوجي والنفسي للأطفال واحتياجاتهم، وفي علوم التعلم والبيداغوجيا، وفي جداول عمل الآباء، وغير ذلك. ففي حالة متخيلة من هذا القبيل، يقدم الباحث البشري موجزاً عن الإيقاع المدرسي للطلبة، ويطلب من وكيل ذكاء اصطناعي توليدي يؤدي دور الباحث الرئيسي تشكيل فريق بحثي متعدد التخصصات، إلى جانب ناقد يراجع ما ينتجه الفريق. ويختار الوكيل خبرات العلماء الافتراضيين الآخرين، كعلم النفس النمائي والبحث التربوي واقتصاديات العمل، فيعدون مراجعات للأدبيات ويستحضرون الأدبيات القديمة ويولدون فرضيات جديدة. ويستطيع الباحث البشري بعد ذلك التقدم بطرح أسئلة محددة تكرارياً ليناقشها الوكلاء جماعياً؛ فبعد أن يحدد جدول أعمال اجتماعاتهم، يتبادل الوكلاء العلميون خبراتهم، وينقدها الناقد، مما يتيح صقلاً تكرارياً قبل تقديم الإجابة إلى الباحث البشري، الذي يستطيع عندئذ طرح أسئلة بحثية لاحقة. ويمكن أيضاً تصور استخدامات مثمرة لتوليد الأفكار أو تحسين الفرضيات المعتادة في بحوث السياسات التعليمية، بحيث يؤدي بعض وكلاء الذكاء الاصطناعي أدوار مختلف الأطراف المعنية بالتعليم، ويقدمون أفكاراً لمعالجة قضايا في السياسات التعليمية كتوفير تكافؤ الفرص. ويمكن للنماذج المتعددة الوكلاء عندئذ أن تقدم مقترحات جديدة لتدخلات تربوية أو سياسات في هذه البيئة المحاكاة.
ما مدى فاعلية هذه النماذج؟
ما مدى فاعلية نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي في توليد الفرضيات العلمية وصقلها وتقييمها؟ لا تزال الأدلة شحيحة، لأن اختبار هذه النماذج معقد ومكلف. وأكثر الاختبارات فاعلية ما يُنفذ بإجراء بحث فعلي وفحص ما يحققه النموذج. وتتنوع التشخيصات بتنوع النماذج والأسئلة البحثية وطرق الاختبار.
ففي الأسئلة البحثية الواسعة، تبدو النماذج قادرة على تقديم اقتراحات مفيدة تشير إلى اتجاهات بحثية قد تكون مثمرة. ويرجع ذلك إلى وصولها الممتاز إلى الأدبيات وقدرتها على معالجتها بطريقة عالية التنظيم. فبحسب شركة Anthropic، تُظهر تقييماتها الداخلية أن أنظمة البحث المتعددة الوكلاء تتفوق خصوصاً في الاستعلامات التي تُعطى فيها الأولوية للاتساع، والتي تنطوي على متابعة اتجاهات مستقلة متعددة في آن واحد.
إطار: أمثلة على نماذج متعددة الوكلاء قائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي
العالِم المشارك بالذكاء الاصطناعي
حين يُزوَّد النظام بهدف بحثي بلغة طبيعية، يبحث في الأدبيات ذات الصلة ويحللها، فيلخص الأعمال القائمة ويدمجها لتوليد فرضيات بحثية جديدة وبروتوكولات تجريبية للتحقق منها لاحقاً. ويدعم العالم المشارك توصياته بالاستشهاد بالمصادر الرئيسية وشرح المنطق الكامن وراء اقتراحاته.
سايمون
انطلاقاً من وصف لمشكلة أساسية، تستحضر النماذج أولاً على نحو ديناميكي مصادر إلهام من الأدبيات السابقة، في صورة مشكلات ذات صلة وحلولها، إلى جانب سياقات من رسم بياني للمعرفة العلمية. وتفيد مصادر الإلهام هذه في تأصيل الأفكار المولدة في الأدبيات القائمة. والأفكار المولدة في هذه المرحلة ليست بالضرورة جديدة، لكن النماذج قادرة على تعزيز جدة أفكارها تكرارياً. فحين يولد النموذج اللغوي الكبير فكرة، يقارنها النموذج بالبحوث القائمة في الأدبيات؛ فإن وجد بحوثاً متداخلة معها بقوة، كُلف بتحديث فكرته لتكون أكثر جدة مقارنة بالأعمال السابقة، تماماً كما يفعل الباحث الجيد. كما يُدخل هذا النموذج نموذجاً تبايناً داخل السياق يشجع الجدة قياساً إلى السياق الأساسي.
المختبر الافتراضي
طوّر سوانسون وزملاؤه المختبر الافتراضي، وهو نموذج متعدد الوكلاء يكلف وكلاء ذكاء اصطناعي مختلفين بإنجاز مهام مختلفة تحت إشراف باحثين بشريين، لممارسة علم متعدد التخصصات والتحقيق في أسئلة بحثية واسعة ومعقدة. فأولاً، يحدد الباحث البشري وكيلين أساسيين: الباحث الرئيسي والناقد العلمي. واستناداً إلى وصف موجز للمشروع، ينشئ الباحث الرئيسي وكلاء علميين إضافيين، ويسند إليهم خبرات وأهدافاً وأدواراً محددة. ثم يجري التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي عبر نوعين من مسارات العمل: اجتماعات الفريق والاجتماعات «الثنائية». ويصف المؤلفون اجتماع الفريق على النحو التالي: يضع الباحث البشري أولاً جدول أعمال الاجتماع، ثم يفتتحه الباحث الرئيسي بأفكار أولية وأسئلة توجيهية، وبعدها يسهم كل وكيل علمي بدوره. ويراجع الناقد العلمي مداخلاتهم، ويوجز الباحث الرئيسي النقاش ويطرح أسئلة متابعة. وبعد عدة جولات من النقاش، يعد الباحث الرئيسي ملخصاً ختامياً وخلاصة للباحث البشري. أما في الاجتماعات «الثنائية»، فيستجيب وكيل علمي محدد لجدول الأعمال الذي وضعه الباحثون البشريون، ويتلقى انتقادات الناقد العلمي، ويحسن إجابته تكرارياً. وبعد جولات متعددة، يقدم العالم الافتراضي إجابة نهائية مصقولة.
ألفا إيفولف من ديب مايند
يقوم ألفا إيفولف على النموذج اللغوي الكبير من غوغل. وتبدأ كل مهمة بتقديم المستخدم سؤالاً ومعايير للتقييم وحلاً أولياً، ثم يولد النموذج اللغوي الكبير مئات بل آلاف التنويعات الممكنة. وتمنح خوارزمية مقيِّمة هذه البدائل درجات وفق المقاييس المحددة، وتوجه البدائل الأفضل أداءً النموذج اللغوي الكبير إلى اقتراح أفكار جديدة. ومن خلال هذه العملية التكرارية، يطور النظام تدريجياً مجموعة من الخوارزميات المتزايدة الفاعلية.
أما حين يتعلق الأمر بأسئلة بحثية أكثر تحديداً، فالأدلة متباينة. فقد تحققت بعض الإنجازات اللافتة، إذ تمكنت نماذج من تحديد فرضيات ووصفها ثم اختبرها الباحثون بنجاح، لكن ثمة أيضاً حالات أقل نجاحاً. وتقترن الحالات الناجحة بمشاركة بشرية كبيرة في العملية.
وتشير بعض الدراسات أيضاً إلى ميل بعض النماذج إلى اقتراح حلول معقولة لكنها ليست جديدة حقاً، بما فيها حلول سبق استكشافها والتخلي عنها. فقد أجرى باحثون تجارب تقييم موسعة استعان فيها مقيّمون بشريون ذوو خبرة في المجال لتقييم مقترحات النموذج المتعدد الوكلاء سايمون، فوجدوا أن الأفكار لا تزال متأخرة كثيراً عن الأوراق العلمية من حيث الجدة والعمق والفائدة، مما يطرح تحديات جوهرية أمام بناء نماذج تولد أفكاراً علمية.
وفيما يخص نظام العالِم بالذكاء الاصطناعي المتخصص في بحوث تعلم الآلة، يقر مؤلفوه بأن الأوراق التي أنتجها لم تتضمن سوى تطورات تدريجية. وكان آخرون لاذعين في تعليقاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ قال أحد المعلقين في منتدى Hacker News الإلكتروني: «بوصفي محرراً لمجلة، كنت على الأرجح سأرفضها من دون تحكيم، وبوصفي محكماً، كنت سأرفضها».
وفي الرياضيات أيضاً، تتضارب الأدلة. فتشير بعض الاختبارات إلى أن بعض الإنجازات المزعومة لنماذج في حل مسائل بمستوى الميدالية الفضية أو الذهبية في الأولمبياد، وهو مسابقة عالمية في الرياضيات، كانت راجعة إلى «تسرب البيانات»، أي أن الحلول كانت منشورة من قبل واطلعت عليها النماذج. وفي المقابل، أظهرت اختبارات بالغة الصرامة أجراها رياضيون محترفون أن o4 mini، وهو نموذج استدلالي من OpenAI، يستطيع حل معظم المسائل التي قدموها بمستوى الدكتوراه، مما يدل على قدرات استدلالية قوية للغاية. ومع ذلك، ثمة إجماع على أن النماذج الحالية لم تبلغ بعد مستوى البحث الرياضي، وإن كانت تقترب منه.
ويجدر ذكر تحفظين آخرين. أولاً، ليست كل النتائج السلبية للاختبارات منشورة بالضرورة، وقد تكون قيود النماذج مقدّرة بأقل من حقيقتها. وثانياً، يصعب تقدير حجم الإسهام البشري في عمل النماذج، وقد يكون كبيراً أحياناً، فيُبالغ عندئذ في تقدير دور النماذج. ومع ذلك، لا تزال هذه النماذج في مرحلة مبكرة جداً من تطورها، ويُتوقع تقدم كبير في المستقبل القريب.
إطار: حالات من اكتشافات الذكاء الاصطناعي التوليدي
العالِم المشارك
اختُبر العالم المشارك بالذكاء الاصطناعي على سؤال استغرق حله سنوات: كيف تنتشر العناصر المعروفة اختصاراً بـ cf PICIs، وهي آلية دفاعية ضد العاثيات، بين أنواع البكتيريا. فولّد عدة فرضيات واختبرها، وتطابقت فرضيته الأعلى ترتيباً مع الآلية المؤكدة تجريبياً. وفتحت فرضيات أخرى مسارات بحثية جديدة، مما يُظهر إمكانات الذكاء الاصطناعي محركاً إبداعياً للاكتشاف العلمي. وكانت الفرضيات المولدة جديدة ومتماسكة منطقياً وقابلة للاختبار تجريبياً، مما يبرز قدرة النظام على تسريع الاكتشاف وبناء جسور بين التخصصات.
المختبر الافتراضي
تصدى المختبر الافتراضي لتصميم أجسام نانوية ترتبط بالمتحورات الجديدة لفيروس سارس كوف 2. فجمع بين عدة نماذج، هي ESM وAlphaFold Multimer وRosetta25، لإحداث طفرات في الأجسام النانوية المستهدفة لبروتين الشوكة. ومن بين 92 جسماً نانوياً مصمماً، عُبّر عن أكثر من 90% منها وكانت قابلة للذوبان، وأظهر اثنان منها ارتباطاً فريداً بالمتحورين الحديثين JN.1 وKP.3. ويُبرهن ذلك على إمكانات التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في تحقيق نتائج علمية معقدة ومثبتة.
أسترو إيجنتس: الذكاء الاصطناعي في تتبع الحياة خارج الأرض
أسترو إيجنتس نظام متعدد الوكلاء يضم ثمانية وكلاء ذكاء اصطناعي يولدون فرضيات في علم الأحياء الفلكي. وباستخدام نماذج لغوية كبيرة، هي Claude Sonnet 3.5 وGemini 2.0 Flash، حلل النظام بيانات مطيافية الكتلة للنيازك والتربة، فأنتج 101 فرضية من Gemini و48 من Claude. وكانت أفكار Gemini أكثر جدة لكنها أكثر عرضة للخطأ، بينما كانت أفكار Claude أوضح لكنها أقل أصالة. وإجمالاً، قدم النظام رؤى معقولة قائمة على رصد الأنماط تتجاوز القدرة البشرية، وهي مفيدة لتحليل عينات كتلك المزمع جلبها من المريخ.
أتمتة العلم: المساعدون البحثيون والمختبرات الروبوتية
تقتصر أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تناولناها آنفاً على المهام المعرفية في البحث: تحليل المعلومات وتوليدها. أما أنظمة أخرى فتخطو خطوة أبعد، وتسعى إلى أداء المجموعة الكاملة من مهام المساعد البحثي، ولا سيما تصميم التجارب، وهي المساعدون البحثيون، بل وحتى تنفيذ التجارب، وهي العلماء الروبوتيون.
المساعدون البحثيون بالذكاء الاصطناعي
شهد المعروض من المساعدين البحثيين بالذكاء الاصطناعي طفرة منذ عام 2024. ويمكن مقارنتهم بالمساعدين التعليميين الذين وصفهم بيكر وزملاؤه في موضع آخر من هذا التقرير، وإن اختلفت وظائفهم وطرق عملهم. والخصائص المشتركة بين المساعدين البحثيين بالذكاء الاصطناعي هي التالية: أولاً، يؤدون جميع المهام المنتظرة من مساعد بحثي، من مراجعة الأدبيات وتوليد الفرضيات وتصميم التجارب إلى صياغة المقالات؛ وثانياً، يشبهون تقنياً نماذج توليد الفرضيات التي تناولناها آنفاً، كالأنظمة المتعددة الوكلاء وغيرها؛ وثالثاً، هم شديدو التفاعل، إذ ينطوي عملهم على تبادلات متكررة ومهمة مع إنسان مشرف يظل ممسكاً بزمام العملية البحثية، فهم في النهاية مجرد «مساعدين».
ويرى أحد الباحثين أن المساعدين البحثيين بالذكاء الاصطناعي يقدمون فوائد عديدة، منها تسريع الجداول الزمنية للبحث، والإتاحة على مدار الساعة طوال الأسبوع، والدعم المخصص، وتعزيز الموضوعية، وتحسين إمكانية الوصول لغير الناطقين بالإنجليزية لغةً أماً. ويتطور هؤلاء المساعدون لدعم نماذج تعاون متنوعة، من المساعدين السلبيين إلى الشركاء البحثيين الكاملين. وعلى الرغم من قدراتهم المبهرة، يواجهون تحديات كبيرة، منها توليد معلومات غير دقيقة، ومحدودية التحليل النقدي، والمخاوف الأخلاقية المتعلقة بالانتحال ونسبة الأعمال.
إطار: أمثلة على المساعدين البحثيين بالذكاء الاصطناعي
ResearchAgent
يحدد النظام باستقلالية مشكلات بحثية جديدة، ويقترح مناهج ويصمم تجارب، ثم يصقلها عبر التغذية الراجعة من وكلاء مراجعة قائمين على النماذج اللغوية الكبيرة. وانطلاقاً من ورقة علمية محورية، يوسع ResearchAgent نطاقه بربط المنشورات ذات الصلة عبر رسم بياني أكاديمي، ودمج مفاهيم مستخلصة من قاعدة معرفية مبنية من أوراق كثيرة. ومحاكاةً للتحكيم العلمي، يستخدم عدة وكلاء مراجعة من النماذج اللغوية الكبيرة يقدمون انتقادات ومراجعات تكرارية. وهؤلاء الوكلاء متوافقون مع التفضيلات البشرية، إذ تُستمد معايير تقييمهم من أحكام بشرية حقيقية عبر توجيه النماذج اللغوية الكبيرة بالأوامر النصية.
AgentRxiv
بُني النظام حول وكلاء متخصصين يتعاونون عبر مراحل البحث المختلفة. ففي مرحلة التجريب، يصمم وكيلا طالب الدكتوراه والباحث ما بعد الدكتوراه الخطة البحثية، بينما يتولى وكيلا تعلم الآلة وهندسة البرمجيات إعداد البيانات ومهام البرمجة. ثم تولد وحدة آلية شيفرات تعلم الآلة وتختبرها وتحسنها تكرارياً، وتتضمن أيضاً وظيفة إصلاح يقودها نموذج لغوي كبير لتصحيح الأخطاء أثناء التنفيذ. وفي مرحلة كتابة التقرير، يجمع وكيلا الأستاذ وطالب الدكتوراه النتائج في تقرير منظم. وتحاكي هذه العملية التحكيم العلمي، بمراجعات تكرارية ونقاط تحقق يمكن أن تكون مستقلة أو موجهة بشرياً.
المختبرات الروبوتية
يمثل «العالِم الروبوتي» أتمتة الخطوة الأخيرة في دورة البحث، وهي إجراء التجارب. ويعمل العالم الروبوتي بربط معدات المختبر بنظام ذكاء اصطناعي، يصمم التجارب ويتحكم في المعدات لتنفيذها.
ولماذا أتمتة التجارب؟ إليكم مثالاً واحداً. فبحسب الرائد روس كينغ، تُعد دراسة بيولوجيا أنظمة حقيقيات النوى مهمة معقدة، إذ إن حتى أبسط الخلايا حقيقية النوى، كالخميرة، تضم آلاف الجينات والبروتينات وغيرها من الجزيئات الصغيرة التي تتفاعل بطريقة مكانية وزمانية معقدة. ويعني التعقيد الكبير للنماذج أن تطويرها وتقييمها يتطلبان تنفيذ ملايين التجارب القائمة على فرضية ما، ولا تملك القدرة على تخطيط هذا العدد الكبير من التجارب وتنفيذها ومتابعتها إلا أنظمة الذكاء الاصطناعي المزودة بمختبرات مؤتمتة.
وفي هذه الحالة، يتيح الروبوت للباحثين إجراء تجارب تتجاوز القدرات البشرية. ومن المزايا الإضافية للمختبرات الروبوتية أن تجاربها تولد كميات كبيرة من البيانات العالية الجودة والمضبوطة، التي يمكن استخدامها في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
ومن الأمثلة في الكيمياء نظام CRESt، الذي يتحاور معه المستخدمون كما يتحاورون مع زميل، بلغة طبيعية. ويساعد CRESt على إعداد التجارب وتنفيذها عبر استرجاع البيانات وتحليلها، وتشغيل المعدات وإيقافها، وتحريك الأذرع الروبوتية، وتوثيق النتائج، وتنبيه العلماء حين يطرأ ما يستدعي انتباههم. وقد حدد الباحثون المستعينون بـ CRESt سبائك مرشحة لخلايا الوقود.
ومع أن أتمتة العمل المختبري مهمة لكثير من المجالات العلمية، فإنها تبدو أقل صلة بالبحث التربوي، حيث تنطوي معظم التجارب على بشر في بيئة مضبوطة أو واقعية. غير أنها قد تدعم أعمالاً في الكيمياء أو الأحياء أو علم الأعصاب تساعد على فهم كيف يتعلم الإنسان أو من أين قد تنشأ بعض العوائق.
خلاصة
يمكن إجمال الأدوار الممكنة للذكاء الاصطناعي التوليدي في مراحل العملية البحثية المختلفة، وما حققه حتى الآن وما يعتريه من قيود، على النحو التالي. ففي تحديد المشكلة البحثية، يستطيع رصد الشذوذ في البيانات والفجوات في الأدبيات، لكن مقترحاته تكون أحياناً بديهية أو متقادمة سبق حلها. وفي مراجعة الأدبيات، تستطيع نماذج كثيرة إنجاز المراجعات، وتتيح عادةً رؤية واسعة ودقيقة إلى حد بعيد لمجال ما، لكنها تعاني من الهلوسات، أي الإحالة إلى مصادر غير موجودة، ومن صعوبة التمييز بين النتائج الحديثة أو الموثوقة والنتائج المتقادمة أو المشكوك فيها. وفي صياغة الفرضيات البحثية وتطويرها، تتعدد المقاربات من العصف الذهني مع الباحث إلى النماذج المتعددة الوكلاء والنماذج الاستدلالية التي تحاكي فريقاً من الباحثين يناقش الأفكار المقترحة ويفحصها، وإن ظلت أصالة الفرضيات المقترحة وقابليتها للتنفيذ محدودة، مع تحسن في أحدث النماذج. وفي تنظيم البيانات وتحليلها وتوليدها، تستطيع النماذج التأسيسية إجراء تحليلات بيانات بالغة التطور وتوليد البيانات، لكن النماذج شديدة التخصص وتحتاج إلى التدريب على كميات كبيرة من البيانات، وكثيراً ما يصعب تفسير نتائجها. وفي تصميم التجارب وتنفيذها، باتت النماذج الحديثة قادرة على تصميم التجارب، وتستطيع الروبوتات التي يقودها الذكاء الاصطناعي تنفيذها، لكن ذلك لا يزال في مراحله الأولى. وأخيراً، في استنتاج الخلاصات البحثية وصياغة الورقة، تستطيع النماذج استخلاص النتائج من التجارب والتحليلات، وربطها بالأدبيات، وصياغة ورقة بحثية، لكن هذه الأوراق، على الرغم من النجاحات في حالات محددة، كثيراً ما تكون محدودة الجودة والجدة والموثوقية.
آثار الذكاء الاصطناعي التوليدي وتحدياته في البحث العلمي
يُظهر الذكاء الاصطناعي التوليدي طيفاً متنامياً من القدرات التي يستخدمها العلماء على نحو متزايد، ومن ثم فهو يؤثر في سمات جوهرية للمسعى العلمي: الإبداع، والموثوقية، والنشر، والعلاقات بين الأوساط الأكاديمية والصناعة.
الأثر في الإبداع
يعني الإبداع في البحث العلمي، كما في أي مجال آخر، إنتاج شيء جديد وذي صلة. وتبيّن الدراسات التجريبية وتجارب الباحثين أنفسهم أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يؤثر في الإبداع العلمي إما مباشرة، عبر اكتشافاته الخاصة، وإما بطريقة غير مباشرة، بتعزيز القدرات الإبداعية للعلماء. فضلاً عن ذلك، يمكن أن يؤثر في الإبداع الجماعي.
تفويض الإبداع العلمي إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي
يتطلب الإبداع في البحث العلمي إتقان المعرفة القائمة وامتلاك المهارات المعرفية اللازمة لتجاوزها. وتتفوق نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي الحالية في تخزين كميات هائلة من المعلومات والتوليف بينها؛ فهي تستطيع تحديد الأنماط وتوليد إعادة تركيب معقولة للأفكار القائمة، أي الاستيفاء الداخلي، باستخدام تقنيات إحصائية. غير أنها، وفق معظم الاختبارات، تجد صعوبة في الاستقراء لمفاهيم جديدة خارج نطاق بيانات تدريبها. بل إن قدرتها على التوليف بين «الأفكار» قد تتعلق بالكلمات لا بالأفكار، لافتقارها إلى الفهم الحقيقي، وهو ما تعبر عنه استعارة «الببغاء العشوائي». ويمكن التشكيك أيضاً في قدرة الذكاء الاصطناعي على الاستدلال، إذ تُظهر اختبارات كثيرة محدودية قدرته على إجراء الاستنتاج المنطقي، وهو عملية ضرورية لصياغة الأفكار العلمية. ونتيجة لذلك، تظل قدرة الذكاء الاصطناعي التوليدي على تحقيق اختراقات علمية جذرية محدودة، بينما تتطلب قدرته على الجدة التدريجية مشاركة بشرية كبيرة. وفي شهادات باحثين جمعها أحد الصحفيين العلميين، يرى أحدهم أن النماذج اللغوية الكبيرة الحالية عاجزة عن صياغة اتجاهات علمية جديدة ومفيدة تتجاوز التوليفات السطحية للمصطلحات الرائجة.
ومع ذلك، ثمة حالات لافتة أظهرت فيها نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي إبداعاً حقيقياً. فقد صمم النموذج ESM3 مثلاً بروتينات فلورية تختلف اختلافاً جذرياً عن البروتينات الموجودة في الطبيعة، وهي متغيرات ربما احتاجت الطبيعة مئات ملايين السنين لتطويرها. وفي تجربة أُجريت في تخصص معالجة اللغة الطبيعية، تفوق Claude 3.5 Sonnet على الخبراء البشريين في توليد أسئلة بحثية مثيرة للاهتمام، وإن كانت اقتراحاته في الغالب أقل قابلية للتنفيذ عملياً. وفي مثال آخر، صممت خوارزمية ذكاء اصطناعي تكوينات غير تقليدية لكواشف الموجات الفضائية، يمكن لبعضها أن يزيد حساسية هذه الأدوات زيادة كبيرة. وتدل هذه الحالات على أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قادر على إنتاج مخرجات مفاجئة وقيّمة، وإن ظلت نادرة وشديدة الارتباط بمجالات بعينها.
ومن العوامل التي قد تجعل الذكاء الاصطناعي التوليدي مبدعاً اتساع فضاء البحث الذي يجوبه بحثاً عن الحلول الممكنة. فنماذج الذكاء الاصطناعي تستطيع تحديد أعداد هائلة من الأفكار وفحصها، واقعة في أجزاء بعيدة جداً من فضاء البحث. وكثيراً ما ينطوي الاكتشاف العلمي على المصادفة، أي العثور على حلول غير متوقعة باستكشاف احتمالات كثيرة. ولأن نماذج الذكاء الاصطناعي تستطيع اختبار عدد كبير جداً من الأفكار والتوليف بينها، فقد تعثر على تكوينات ربما لم يفكر فيها البشر بعد. وتكون هذه الميزة التوافقية فعالة بوجه خاص في مجالات كالكيمياء وعلوم المواد والأحياء، حيث تأتي الجدة غالباً من استكشاف توليفات جديدة. وتوضح البروتينات الفلورية التي ولدها ESM3 كيف أن «الاستيفاء» داخل فضاء بحث هائل، لا يعرف البشر منه إلا أجزاء صغيرة، يمكن أن يسفر مع ذلك عن نتائج جديدة إلى حد كبير.
ومن الجوانب الإضافية الجديرة بالملاحظة:
الفضول: يحرك الفضول الإبداع البشري. وتسعى جهود جارية إلى تزويد نماذج الذكاء الاصطناعي بنوع من «الفضول الاصطناعي» يشجعها على مساءلة الأفكار الراسخة، ولا سيما تلك التي توصلت إليها بنفسها.
رصد الشذوذ: تبدأ اكتشافات كثيرة برصد التناقضات بين الملاحظات والتوقعات، أي تنبؤات نموذج نظري ما. ويستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي التفوق في رصد الشذوذات البسيطة في مجموعات البيانات الضخمة، لكنه يفتقر إلى الاستدلال العميق وإلى مجرد «تمثيل للعالم»، وهما شرطان لرصد التناقضات النظرية المعقدة.
الهلوسات: وتسمى أيضاً «الاختلاقات»، وهي عبارات أو إحالات يختلقها نموذج الذكاء الاصطناعي، تكون غالباً معقولة لكنها خاطئة، وتنتج في الغالب عن الدمج العرضي بين معلومتين مصدريتين أو أكثر. وهي ليست مثالاً على الإبداع الحقيقي لافتقارها إلى الصلة، إذ إنها منفصلة عن السؤال الأصلي ولا تحمل معنى.
الإبداع التعاوني بين الإنسان والذكاء الاصطناعي («الإبداع المعزز»)
مع أن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يستطيع بعد منافسة الإبداع البشري، فإنه يقدم نقاط قوة مكملة يمكن أن تعزز العمل الإبداعي البشري. ومن ثم قد يفضي تقسيم عمل محكم التصميم بين البشر والذكاء الاصطناعي إلى إبداع أكبر لنظام هجين يجمع الإنسان والذكاء الاصطناعي. ويجرب الباحثون أشكالاً متنوعة من التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي:
العصف الذهني: يستطيع الذكاء الاصطناعي إثارة أفكار جديدة بتحدي الافتراضات البشرية، على الرغم من ميله إلى عكس مدخلات المستخدمين دون نقد. وقد وجد باحثون أن من استخدموا نموذجاً لغوياً كبيراً أنتجوا قصصاً أكثر إبداعاً ممن عملوا بمفردهم.
الإنتاجية: تحرير وقت الباحث بتولي المهام الأبسط، ليتمكن من التركيز على التفكير الأعلى مستوى.
الموازنة بين الاستكشاف والاستثمار: قد تتيح قوة الذكاء الاصطناعي التوليدي في إعادة تركيب الأفكار المعروفة، أي الاستثمار، للبشر التركيز على القفزات الحقيقية نحو المجهول، أي الاستكشاف.
البحث والفرز، أي الحوسبة التطورية: يستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي مسح فضاءات توافقية شاسعة وعرض خيارات واعدة للتقييم البشري. فقد بيّن باحثون مثلاً أن النماذج اللغوية الكبيرة قادرة على توليد خطط بحثية، لكن الحكم البشري يظل أساسياً لتقدير قابليتها للتنفيذ.
أنماط التعاون المرنة: تقدم أدوات مثل Agent Laboratory، وهو مساعد بحثي قائم على الذكاء الاصطناعي، نمطين مستقلاً ومساعداً، يستطيع فيهما الباحثون اختيار متى يتدخلون ويوجهون العمل المولد بالذكاء الاصطناعي.
وتؤكد هذه المقاربات المختلطة المبادرة فكرة محورية مفادها أن الذكاء الاصطناعي التوليدي الحالي يُنظر إليه على أفضل وجه أداةً تعزيزية تكمل الإبداع العلمي البشري ولا تحل محله.
فضلاً عن ذلك، يخشى بعض الباحثين أن يؤدي الاعتماد على الذكاء الاصطناعي إلى تآكل الإبداع البشري، لأنه يتولى مهام تدعم الإبداع البشري: فإذا كانت «الكتابة تفكيراً»، وترك البشر الكتابة للآلات، فسيقل تفكيرهم كذلك. وتشير دراسة حديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يقلل الجهد المدرك للتفكير النقدي، فيعزز الاعتماد المفرط عليه ويضعف الانخراط المستقل في حل المشكلات. غير أن هذه النتائج مستندة إلى دراسات أُجريت في ظروف مخبرية، وتتعلق بمهام منفردة وبالإبداع الأدبي لا بسياقات بحثية واقعية، ومن ثم تلزم أدلة أمتن.
الإبداع الجماعي وخطر التجانس
حتى لو عزز الذكاء الاصطناعي التوليدي مخرجات الباحثين الأفراد الذين يستخدمونه، فقد يكون لانتشاره الواسع أثر سلبي في الإنتاج العلمي الإجمالي، وقد يقلل على وجه الخصوص من تنوع البحث العلمي. فقد وجدت دراسة واسعة النطاق أن العلماء الذين يتبنون أدوات الذكاء الاصطناعي ينشرون أوراقاً أكثر بكثير ويحظون باستشهادات أكثر من غيرهم، لكن الذكاء الاصطناعي يضيّق أيضاً نطاق الموضوعات المستكشفة جماعياً، إذ يميل الباحثون المستخدمون له إلى التركيز على موضوعات متشابهة. فبدلاً من أن يلهم الذكاء الاصطناعي مغامرات جريئة في ميادين جديدة، يبدو أنه يسرع العمل في المجالات الراسخة الغنية بالبيانات، مما يثير مخاوف من «أثر التجانس».
وتبرز نتائج مماثلة من تجارب الكتابة الإبداعية. فقد وجد باحثان مثلاً أن أفكار الذكاء الاصطناعي التوليدي، وإن جعلت القصص أكثر إبداعاً وتشويقاً، ولا سيما لدى الكتّاب الأقل إبداعاً، جعلتها أيضاً أكثر تشابهاً فيما بينها. ولاحظ باحثون آخرون بالمثل أن المستخدمين أنتجوا أفكاراً أقل تمايزاً دلالياً مع ChatGPT منها مع أدوات دعم تعاونية أخرى، وشعروا بمسؤولية أقل عن الأفكار التي ولدوها.
وخلاصة القول، من غير المرجح أن يحل الذكاء الاصطناعي التوليدي محل الإبداع البشري في العلم في أي وقت قريب. فلم يحن بعد الوقت الذي يُمنح فيه نظام ذكاء اصطناعي جائزة نوبل، إلا للتأكيد على الإمكانات الإبداعية للذكاء الاصطناعي كما في حالة ألفافولد. غير أن للذكاء الاصطناعي التوليدي إمكانات لإعادة تشكيل الإبداع البشري وتعزيزه بطرق عميقة؛ فهو قادر على توسيع القدرة التوافقية للباحثين، وتسريع المهام المتكررة، وتيسير الاكتشافات بالمصادفة. وفي الوقت ذاته، تظل المخاطر قائمة: فالاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يضعف التفكير النقدي البشري، وقد يتضرر الإبداع الجماعي إذا ركز المجتمع البحثي تركيزاً ضيقاً على الأسئلة التي يبرع فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي.
الأثر في الموثوقية والصدق
الصدق ركيزة أخرى من ركائز العلم. فلا يُقبل القول العلمي بوصفه كذلك إلا بعد التحقق منه وفق إجراءات وقواعد معتمدة اجتماعياً داخل المجتمع العلمي. وقد واجه الذكاء الاصطناعي التوليدي تحديات على هذا الصعيد، مع عدد من الحالات التي ولّد فيها نتائج خاطئة بوضوح.
القيود التقنية
من المشكلات الرئيسية أن مفهوم «الصدق» لدى نماذج الذكاء الاصطناعي مقصور على مجموعة بيانات تدريبها، وهي أضيق بكثير من العالم الحقيقي، ولا سيما في حالة النماذج اللغوية الكبيرة المدربة أساساً على نصوص كثيراً ما يكون صدقها هي نفسها مشكوكاً فيه.
والمشكلة الثانية هي «الهلوسات» أو الاختلاقات، التي تتمثل في الخلط والدمج بين معلومتين أو أكثر من مجموعة التدريب، فتنتج عبارات خاطئة، معقولة في الغالب لكنها كثيراً ما تكون بلا معنى. ويحدث ذلك أحياناً مع الإحالات إلى الأدبيات، إذ يختلق الذكاء الاصطناعي مقالات بعينها ببساطة، فينسب عنواناً إلى مؤلف، والاثنان موجودان فعلاً لكن لا صلة بينهما، والإحالة ذاتها غير موجودة. وتُعزى الاختلاقات عموماً إلى عوامل تقنية: أولاً، ضغط البيانات، وهي عملية تُحدث أحياناً خلطاً عرضياً بين البيانات في مرحلة فك الضغط، فتمزج الآلة مثلاً القصة ذات الصلة بقصة مشابهة لكنها غير ذات صلة كانت قد حفظتها، وتصدر استجابة تستند جزئياً إلى القصة غير ذات الصلة؛ وثانياً، غياب «ما وراء المعرفة»، وهي مجموعة من الإجراءات الاستدلالية التي تعمل في الدماغ البشري وتتحقق من الأفكار قبل التعبير عنها، فتقلل احتمال ظهور الأفكار غير المتماسكة. ويعززها أيضاً ميل معظم النماذج اللغوية الكبيرة إلى التملق، إذ تُدرب على الإجابة عن الاستعلامات حتى حين لا تجد سوى إجابات منخفضة الاحتمال.
قابلية التكرار
قابلية التكرار ركيزة من ركائز العمل العلمي. فلكي تحظى النتائج بقبول المجتمع العلمي، يجب عادةً أن تكون قابلة للتحقق وقابلة للتكرار من قبل آخرين. ومن شروط قابلية التكرار الإفصاح الكامل عن المناهج والبيانات التي أفضت إلى الخلاصة، أي الشفافية وإمكانية الوصول. ومن هذا المنظور، لا تستوفي نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي المعايير العلمية. فأولاً، أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي شيوعاً «صناديق سوداء»، إذ لا تُنشر أوزانها، أي المعالم التي تحدد الشبكة العصبية، ولا بيانات تدريبها. ومن ثم يصعب في أي نتيجة علمية صادرة عن نموذج كهذا الفصل بين إسهام البيانات وإسهام مكونات النموذج المختلفة. وينبع ذلك من طبيعة الشبكات العصبية ذاتها، فالمعرفة فيها موزعة ومن ثم يصعب تحديد موضعها. ولما كانت نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي تنطوي في جوهرها على مكون عشوائي، فقد لا تكون بعض النتائج متينة. فضلاً عن ذلك، قد يكون الوصول إلى بيانات التدريب محدوداً بسبب الطابع الاحتكاري لكثير من نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ ومن الأمثلة على ذلك «اتحاد الذكاء الاصطناعي لعلم الأحياء البنيوي»، وهو مشروع جارٍ يُعد امتداداً لـ AlphaFold3، يستخدم بيانات تملكها شركات أدوية، وهي بيانات سرية وستظل كذلك. وتشمل الحلول المتاحة حالياً للوصول الأوزانَ المفتوحة، كما في Llama، والمصدرَ المفتوح الذي يشمل الوصول إلى بيانات التدريب. وقد برهن AlphaFold2 على أهمية الانفتاح، إذ أطلق الإفصاح عن شيفرته وبياناته سلسلة من المبادرات التي حسّنت الأداة. فالانفتاح أساسي للتقدم التراكمي الذي يقع في صميم العلم.
وثمة مسألتان أخريان قد تجعلان البحث القائم على الذكاء الاصطناعي أقل قابلية للتكرار. الأولى هي الجانب العشوائي في عمل النماذج، أي أن النموذج قد يولد نتائج مختلفة للأمر النصي ذاته دون سبب جوهري؛ والثانية هي انجراف النموذج، إذ تُحدَّث النماذج بانتظام، وقد يأتي طرح السؤال ذاته على النموذج ذاته في لحظتين مختلفتين بإجابتين مختلفتين بسبب تغير معالم النموذج.
غير أن الذكاء الاصطناعي قد يجلب أيضاً الشفافية إلى البحث العلمي، فأنظمة الذكاء الاصطناعي تسجل كل ما تفعله، وتستطيع الإبلاغ عن جميع عملياتها ومخرجاتها المقابلة بطرق أدق من البشر. ويتيح ذلك بلوغ مستوى أعلى من إمكانية التتبع في الأنشطة البحثية، ومن ثم تيسير قابلية التكرار.
وقد تساعد هذه الشفافية أيضاً على تحديد «النتائج البحثية السلبية» ونشرها، كالأدوية التي لم تجتز التجارب السريرية. فهذه النتائج مهمة للبحوث اللاحقة، إذ تشير إلى المسارات التي ينبغي تجنبها وتوفر الوقت والموارد، لكن الباحثين نادراً ما ينشرونها حالياً لضعف المكافأة عليها في السوق، فلم يفز أحد بعد بجائزة نوبل عن نتيجة سلبية. كما سيستفيد الذكاء الاصطناعي نفسه كثيراً من إتاحة النتائج السلبية، لأنها ستثري مجموعات البيانات المستخدمة في التدريب إثراءً كبيراً.
الأثر في النشر والنزاهة
يؤيد بعض العلماء الرأي القائل بأن الذكاء الاصطناعي التوليدي سيعزز أبعاداً معينة من إنتاجيتهم. ففي استطلاع أجرته مجلة Nature وشمل 1600 عالم، أشارت الأغلبية إلى أن الذكاء الاصطناعي يوفر طرقاً أسرع لمعالجة البيانات، ويسرّع عمليات حسابية لم تكن ممكنة من قبل، ويوفر على العلماء الوقت والمال. وفي استطلاع لمجلس البحوث الأوروبي، رأى 85% من المستجيبين أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قادر على تولي المهام المتكررة أو كثيفة العمل، كمراجعات الأدبيات. ورأى 38% أن الذكاء الاصطناعي التوليدي سيعزز الإنتاجية في العلم، بمساعدة الباحثين مثلاً على كتابة الأوراق بوتيرة أسرع.
ولم تُجرَ حتى الآن دراسة مباشرة لأثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في إنتاجية الباحثين، لكن دراسات من هذا القبيل أُجريت في مهن أخرى تؤدي بعض المهام المشابهة لمهام الباحثين. فقد فحصت دراسة آثار ChatGPT على الإنتاجية في مهام الكتابة المهنية المتوسطة المستوى. ففي تجربة إلكترونية مسجلة مسبقاً، كُلّف 453 مهنياً من حملة الشهادات الجامعية بمهام كتابية خاصة بمهنهم ومقترنة بحوافز، وعُرّض نصفهم عشوائياً لاستخدام ChatGPT. وأظهرت النتائج أن ChatGPT رفع الإنتاجية رفعاً كبيراً، إذ انخفض متوسط الوقت المستغرق بنسبة 40%، وارتفعت جودة المخرجات بنسبة 18%. وتقلص التفاوت بين العاملين، وارتفع القلق والحماس تجاه الذكاء الاصطناعي مؤقتاً. وكان العاملون الذين عُرّضوا لـ ChatGPT خلال التجربة أكثر احتمالاً بمرتين للإفادة باستخدامه في عملهم الفعلي بعد أسبوعين من التجربة، وأكثر احتمالاً بـ 1.6 مرة بعد شهرين منها.
وإجمالاً، يمكن توقع أن يؤدي الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى أمرين: أولاً، أن يتيح للعلماء فعل أشياء لم تكن ممكنة لولاه، كقراءة مجموعة واسعة ومتنوعة من الأدبيات، ودراسة الأنظمة المعقدة، ومعالجة البيانات الضخمة أو غير المنظمة، وتوليد البيانات، وغير ذلك؛ وثانياً، أن يوفر وقت الباحثين بتوليه مهام معينة. وينبغي أن يكون لهذه العملية المزدوجة، أي تكميل البشر والحلول محلهم، أثر إيجابي في الإنتاجية. لكنها قد تولد تكاليف أيضاً، كالتكلفة المالية، وزيادة المهام المتصلة بالبيانات، وعدم قابلية التفسير، والنتائج الزائفة، وإضعاف البحث في المسائل الفقيرة في الذكاء الاصطناعي، وتراجع التنوع، وغير ذلك، بحيث قد يكون الأثر الصافي أقل من الأثر الخام.
وقد جعل الذكاء الاصطناعي التوليدي صياغة الأوراق البحثية أيسر بكثير، أي أقل استهلاكاً للوقت والجهد، مقارنة بالمهام البحثية الأخرى، باستثناء طلبات منح البحث ربما. ومن ثم يُتوقع أن يزداد عدد الأوراق عند مستوى معين من المدخلات البحثية. وهذا بالضبط ما يُلاحظ، إذ ارتفع العدد السنوي للمنشورات العلمية ارتفاعاً حاداً في السنوات الأخيرة، وهو ما يطرح على المنظومة العلمية سؤالاً ملحاً حول كيفية الحفاظ على جودة العلم المنشور في ظل هذه الوفرة من الأوراق الجديدة.
وفي هذا السياق، يُخشى أن يُغرق الذكاء الاصطناعي التوليدي السوق بالأوراق، فينتج ركاماً أكثر مما ينتج معرفة. إذ تستغل «مصانع الأوراق» انخفاض التكاليف لإنتاج أعمال بحثية ربما تكون رديئة بكميات ضخمة. وقد وجدت دراسة أن ارتفاع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأوراق يرتبط بتواتر أعلى للمسودات الأولية، وبالمجالات المكتظة، وبالأوراق الأقصر، أي كمية دون مكسب معرفي مضمون، وإن كان ثمة بعض المكسب ربما.
وكانت ردود الفعل الأولى للناشرين تقييدية؛ فقد حظر المؤتمر الدولي لتعلم الآلة ومجلة Science النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي. ومع انتشار الاستخدام، تبنى الناشرون سياسات أكثر دقة. فمعظمهم يميز الآن بين أمرين: أولاً، استخدام الذكاء الاصطناعي في التحرير، ولا يستلزم الإفصاح؛ وثانياً، استخدامه في توليد المحتوى، ويستلزم الإفصاح. وقد أيدت الرابطة الدولية للناشرين العلميين والتقنيين والطبيين هذا التمييز؛ وتطلب دار النشر العلمية Wiley من المؤلفين تحديد طبيعة الاستخدام؛ وتشترط مجلة Science أحياناً تقديم الأوامر النصية؛ وتطلب مجلة Nature التوثيق، لكن ليس للتدقيق اللغوي.
ويفوق نمو الأوراق نمو المعروض من المحكّمين، مما يُجهد القدرة على التحكيم العلمي. ومن الاستجابات الممكنة التحكيم الآلي؛ إذ يُختبر الذكاء الاصطناعي التوليدي لمساعدة المحكمين أو الحلول محلهم. فقد اقترح أحد الباحثين أوامر نصية منظمة، وبيّن باحثون آخرون وجود تداخل قوي بين التغذية الراجعة من الذكاء الاصطناعي ونظيرتها البشرية، مع وجود كثير من الباحثين الذين وجدوها مفيدة. ومع ذلك فالتشكك قوي، إذ يعارض أكثر من 60% من العلماء الأتمتة الكاملة. وتحظر Elsevier والجمعية الأمريكية لتقدم العلوم التحكيم بالذكاء الاصطناعي، بينما تسمح Wiley وSpringer Nature باستخدام محدود ومُفصَح عنه، مع حظر رفع المواد السرية.
والتأليف مفتاح لإمكانية تتبع الاكتشافات العلمية ولمسارات الباحثين البشريين المهنية. ولا يُعترف حالياً بالذكاء الاصطناعي مؤلفاً مشاركاً، وإن قُبلت في عام 2025 ورقة كتبها الذكاء الاصطناعي بالكامل، هي «The AI Scientist v2». وسيثير الاعتراف بتأليف الذكاء الاصطناعي مسائل قانونية، لأن الذكاء الاصطناعي لا يتمتع بحقوق ولا يتحمل مسؤوليات.
وقد تزايد عدد الحالات التي تثير الشكوك حول النزاهة البحثية، وارتبط كثير منها مؤخراً بالذكاء الاصطناعي التوليدي. فالذكاء الاصطناعي التوليدي قادر على إنشاء بيانات محاكاة واصطناعية مقنعة، مفيدة في الإثراء كما ذُكر آنفاً، لكنها معرضة لسوء الاستخدام. ويمكن للبيانات المحاكاة أن تغذي بحوثاً مشكوكاً فيها، بل وقد غذتها بالفعل، كما يتبين في مجموعات البيانات الصحية حيث تضاعفت منذ عام 2021 الأوراق ذات النتائج المشكوك فيها.
الأثر في الروابط بين قطاع الأعمال والأوساط الأكاديمية
يتطلب تطوير النماذج الأساسية للذكاء الاصطناعي التوليدي موارد هائلة تتجاوز ما هو متاح للأوساط الأكاديمية أو لمعظم الحكومات، مما يفضي إلى تركزها في قطاع الأعمال الذي يتحكم في المواهب والبيانات والقدرة الحاسوبية. ويعزز ذلك اتجاهات كانت واضحة بالفعل في الذكاء الاصطناعي غير التوليدي.
ولهذا الوضع عواقب عدة:
تتدفق تمويلات ضخمة إلى البحث الأساسي، مما يعزز مجالات كالعلوم المعرفية والرياضيات.
يعتمد جزء كبير من البحث الأكاديمي في الذكاء الاصطناعي على تمويل القطاع الصناعي، مما يمنح قطاع الأعمال نفوذاً قوياً في تحديد الأجندات، وقد تحل أولويات مرتبطة بالأعمال كالإعلان محل أهداف مجتمعية كالبحث الصحي أو البحث في التعليم.
تتصادم معايير الانفتاح الأكاديمية مع السرية المؤسسية، فقد تفتقر النماذج الواسعة الاستخدام إلى قابلية التكرار أو الشفافية.
نوع جديد من العلم؟
يُحدث الذكاء الاصطناعي التوليدي تحولاً في العلم كان قد بدأه الذكاء الاصطناعي غير التوليدي، بل والبحث القائم على البيانات قبل صعود الذكاء الاصطناعي. ومع أن معظم المراقبين يتفقون على هذا التشخيص، فإنهم يشددون على جوانب مختلفة من هذا التحول، ولديهم رؤى مختلفة للمستقبل. فمن الآراء أن العلم الذي يولده الذكاء الاصطناعي التوليدي سيكون أعقد من أن يفهمه البشر؛ ومن الآراء الأخرى، التي لا تنفي الرأي الأول، أن العلم سيحتاج إلى نظرية أقل فأقل وسيقترب أكثر من البيانات.
نحو علم غير بشري؟
الذكاء الاصطناعي التوليدي خطوة على طريق أتمتة العلم. وإذا واصل العلم تقدمه على هذا المسار، والتغير التقني الحالي يجعل هذا السيناريو معقولاً، فقد يصبح مؤتمتاً بالكامل في مرحلة ما: فلن تؤدي الآلات المهام البحثية التي تتجاوز القدرات البشرية فحسب، بل ستصمم هذه المهام أيضاً وتتخذ قرار تنفيذها، بعد أن تكون قد صاغت الفرضيات الكامنة وقبل أن تستخلص تفسيراً للنتائج. وهذا هو سيناريو «منح جائزة نوبل لذكاء اصطناعي». ومن اللوازم الممكنة لهذا السيناريو نشوء علم جديد يتجاوز فهم البشر، يستخدم نماذج ومفاهيم وتقنيات أكبر أو أعقد من أن يستوعبها البشر. وسيكون هذا النوع من العلم أقوى من العلم الحالي، متحرراً من حدود الإدراك البشري، وسيتيح ابتكار تقنيات أكثر تطوراً. وفي الوقت ذاته، سيفلت إلى حد كبير من إدراك البشر وسيطرتهم، ولن يحقق إحدى المهام التقليدية للعلم، وهي تعميق الفهم البشري للطبيعة وتصورها. سيكون علماً من الآلات وللآلات. وقد اتُّخذت بالفعل خطوات أولى نحو هذا السيناريو، بصيغ نشر للمساعي العلمية قابلة للقراءة الآلية، بحيث يمكن تجاوز حدود التواصل البشري.
ومن الحلول الممكنة لهذه المشكلة تطوير نماذج ذكاء اصطناعي مكلفة بترجمة نتائج النماذج العلمية للذكاء الاصطناعي إلى لغة بشرية.
نحو علم قائم على البيانات؟
يمكن النظر إلى النظرية بوصفها نوعاً من ضغط البيانات، يتيح الحفاظ على المعلومات، أي القدرة التنبؤية، مع تجاوز التفاصيل الأقل أهمية. والبشر بحاجة إلى النظرية لأن للدماغ قدرات حوسبية محدودة. فهي تعمل بتجريد كميات هائلة من المعلومات في مفاهيم وروابط بينها، وتُستخدم للتنبؤ بسمات المواقف المستقبلية استناداً إلى الخبرة بالمواقف السابقة. ومن هذا المنظور، ومع الذكاء الاصطناعي، ولا سيما الذكاء الاصطناعي التوليدي، تتسع هذه القدرة، ومن ثم تضعف الحاجة إلى الضغط، أي إلى النظرية. ففي عام 2008، تصور كريس أندرسون، في مقال شهير في مجلة Wired، «نهاية النظرية». وبعبارة كريستين برسون، أستاذة علوم المواد:
«إننا ندخل عصراً جديداً في العلم هو النموذج الإرشادي الرابع. فالنموذج الأول كان العلم التجريبي القائم على التجارب؛ والثاني كان العلم القائم على النماذج الذي يطور معادلات لتفسير الملاحظات التجريبية؛ والثالث أنشأ عمليات محاكاة قائمة على تلك المعادلات. أما النموذج الرابع فسيكون علماً تقوده البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي؛ فلديك الآن من البيانات ما يكفي لتدريب خوارزميات تعلم الآلة».
وثمة علامات معينة على هذا «العلم اللانظري» في المنشورات. فقد وجدت دراسة أن الأوراق المنخرطة في الذكاء الاصطناعي في أي تخصص باتت أكثر تشابهاً دلالياً مع الأوراق المنخرطة في الذكاء الاصطناعي في علوم الحاسوب، وأقل تشابهاً مع البحوث الأخرى المنشورة في تخصصها. ومن ثم يبدو أن ثمة نوعاً من تقارب الحقول العلمية نحو إطار مشترك تقوده البيانات والذكاء الاصطناعي. ففي مجال اللسانيات الحاسوبية مثلاً، حلت النماذج اللغوية الكبيرة محل ما كان تحليلاً منظماً للغة قائماً على النظرية.
خاتمة
كان انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي في البحث العلمي سريعاً للغاية. فقد اكتسب دوراً محورياً في جميع المهام المتصلة بالنصوص كالكتابة والتحرير والترجمة؛ وهو يحقق اختراقات في العمل التحليلي بنماذج تأسيسية متخصصة للظواهر المعقدة؛ ويتقدم في قدراته على توليد الأفكار، باقتراح الفرضيات أو تصميم التجارب؛ ويغدو مساعداً بحثياً موثوقاً وإن لم يكن معصوماً من الخطأ. ولم تتضح بعد تماماً آثاره في سير البحث وإنتاجيته وأبعاده المعرفية، ولا سيما أن التقنية في تطور سريع. غير أن من الواضح بالفعل أن البحث العلمي سيتحول في السنوات المقبلة، خصوصاً مع تولي أجيال جديدة من الباحثين ذوي الإلمام المتزايد بالتقنية زمام الأمور. وتتلخص حصيلة ذلك في أن للذكاء الاصطناعي التوليدي مزايا واضحة، منها الوصول إلى أنواع جديدة من البيانات ومعالجتها، كالبيانات غير المنظمة من نصوص وصور وغيرها، ومعالجة كميات كبيرة من البيانات، والربط بين مجالات معرفية متباعدة، وتحليل أنظمة بالغة التعقيد، وأتمتة بعض المهام البحثية، ولا سيما البيروقراطية منها، بما يتيح إنتاجية أعلى للعلماء وتركيزاً أكبر على مهام توليد الأفكار، فضلاً عن قدرته على تحسين قابلية التكرار. وفي المقابل، له عيوب، منها قابليته للاختلاق، وافتقاره في الغالب إلى قابلية التفسير، وإغراقه الساحة بالأوراق، وخطر تراجع التنوع. ويظل أثره في الإبداع غير محسوم.
وقد سبق أن دُرست باستفاضة السياسات الرامية إلى تشجيع الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولا سيما في مجال البحث، وهي تشمل تمويل البحث، والاستثمار في الحوسبة، والبنية التحتية، والأطر التنظيمية الملائمة. ومن الجوانب المهمة التدريب؛ فالبحث في معظم المجالات، إن لم يكن جميعها، يستفيد أو سيستفيد من الذكاء الاصطناعي، والباحثون الذين يملكون المهارات والكفاءات المطلوبة قليلون. ومعظم العلماء القادرين على إتقان تقنيات الذكاء الاصطناعي باحثون مبتدئون حديثو التخرج من برامج متخصصة، بينما يجد الباحثون الأقدم صعوبة في التعامل مع التقنيات الجديدة. وينطوي ذلك أيضاً على خطر إحداث شرخ بين خبراء الذكاء الاصطناعي وخبراء المجالات، يفضي من جهة إلى منشورات كثيفة الاستخدام للذكاء الاصطناعي لكنها ضعيفة الصلة بالمجال، ومن جهة أخرى إلى منشورات قوية الصلة بالمجال لكنها لا تستثمر الذكاء الاصطناعي بما يكفي. ومن ثم ثمة حاجة إلى تدريب مزيد من العلماء في برامج الذكاء الاصطناعي، وتشجيع الفرق المتعددة التخصصات، بل وإشراك مزيد من الباحثين الأقدم في التعلم مدى الحياة المتصل بالذكاء الاصطناعي. وهذه مسؤولية جديدة للتعليم العالي.
وسيؤثر هذا التطور تدريجياً في البحث التربوي أيضاً. ويمكن افتراض أن كثيراً من هذه الاتجاهات بات واضحاً بالفعل في البحث التربوي أو سيتضح قريباً. فمن المرجح أن الباحثين التربويين يستخدمون بالفعل أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في المهام المتصلة باللغة كالكتابة والتحرير، وكذلك في البرمجة وتحليل البيانات. والأمر نفسه ينطبق على أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي المستخدمة أو المصممة لإدارة المعرفة العلمية؛ إذ يمكن استخدامها أيضاً للبحث في أدبيات البحث التربوي، وإعداد مراجعات الأدبيات بل وحتى التقارير البحثية. ومع أن معظم أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي العلمية المتخصصة طُورت للعلوم الطبيعية، فمن المرجح جداً أن تتاح أدوات مماثلة للعلوم الإنسانية والاجتماعية، تتجاوز «النماذج البحثية» للنماذج اللغوية الكبيرة. وكما يجري تطوير مساعدين تعليميين بالذكاء الاصطناعي للمعلمين والطلبة، يمكن للباحثين التربويين ومساعديهم البحثيين، إن وُجدوا، أن يستفيدوا أيضاً من مساعدين بحثيين بالذكاء الاصطناعي التوليدي يؤدون بعض مهامهم الروتينية ويجمعون بين بعض الإمكانات المذكورة آنفاً.
وكما في المجالات العلمية الأخرى، بدأت بالفعل نمذجة الظواهر المعقدة كالتعلم أو المسارات الدراسية للطلبة، ومن المرجح أن تواصل توسعها بفضل الإمكانات الجديدة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي لاستكشاف مجموعات البيانات الكبيرة والمعقدة. وقد يتيح ذلك أنواعاً جديدة من التحليل. ويمكن أيضاً تصور أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي ستتمكن من استخلاص الفرضيات من الأدبيات البحثية، وتحسين بعضها بفضل القدرة على إدارة مزيد من البيانات، وربما توليد فرضيات جديدة.
وقد ينطوي هذا التطور على خطر تركيز البحث على الأسئلة الغنية بالبيانات، أي الأسئلة الأكثر عملياتية، على حساب الأسئلة «الاستشرافية الحرة»، أي المفاهيمية والتأسيسية. وقد يقترن ذلك بتراجع في الإنتاجية البحثية، مفهومةً بوصفها عدد الأفكار أو تنوعها في المجال لا عدد الأوراق المنتجة لكل باحث. وقد لا يكون ذلك أيضاً سوى مرحلة في العلم ستفضي إلى نظريات وأسئلة بحثية جديدة.
إطار: أثر الذكاء الاصطناعي في الإنتاجية البحثية
رصد بعض المراقبين تراجعاً محتملاً في إنتاجية البحث، يتجلى في تباطؤ عدد الاكتشافات المهمة والاختراعات المؤثرة، كما في «قانون إيروم»، وهو عكس قانون مور الذي يشير إلى تضاعف فاعلية رقائق الحاسوب كل 18 شهراً. ومن العوامل التي كثيراً ما تُذكر بوصفها مؤثرة في هذا التراجع المحتمل: أولاً، تزايد كمية المعرفة التي ينبغي إدارتها من أجل تصميم معرفة جديدة، مما يخلق «عبئاً» على الباحثين؛ وثانياً، تزايد تعقيد الظواهر التي يحللها العلماء، بعد أن فُهمت أبسطها بالفعل؛ وثالثاً، تنامي العبء الإداري مع اضطرار الباحثين إلى إنجاز كميات متزايدة من الأعمال الورقية؛ ورابعاً، الحوافز المشوهة التي توجه الباحثين نحو موضوعات بحثية «منخفضة المخاطر ومنخفضة العائد»، أي نحو الاستثمار على حساب الاستكشاف. ويمكن للذكاء الاصطناعي، ولا سيما الذكاء الاصطناعي التوليدي، أن يخفف العاملين الأولين، لقدرته على إدارة كميات كبيرة من المعرفة ونمذجة عمليات بالغة التعقيد. ويمكنه أيضاً تخفيف العامل الثالث، لقدرته على المساعدة في الأعمال الورقية كتقديم طلبات المنح وغيرها. أما العامل الرابع فأثره فيه غير مؤكد، كما سبق بيانه.
ويُعد توليد مجموعات بيانات اصطناعية تحفظ الخصوصية وتحاكي إلى حد كبير مجموعات البيانات الأصلية إمكانية جديدة أخرى يتيحها الذكاء الاصطناعي التوليدي. فمن شأن ذلك أن يتيح استكشاف مجموعات بيانات لا تُشارك أو لا تُربط أو لا تُنشأ أصلاً لأسباب تتعلق بالخصوصية، وتحليلها. وعندئذ قد يحظى البحث التربوي بوصول أوسع إلى البيانات الإدارية وإلى البيانات التي تجمعها منصات التعلم الرقمية. وتتطلب مجموعات البيانات الاصطناعية تقييماً دقيقاً للتأكد من أنها تحاكي الخصائص الإحصائية لمجموعة البيانات الأصلية محاكاة سليمة وأنها تحفظ الخصوصية فعلاً. ولما كان جزء من البحث التربوي يعتمد على بيانات المسوح، التي يُقال إن جمعها يزداد صعوبة، فإن إمكانية إثراء هذه البيانات ببيانات محاكاة تفتح أيضاً آفاقاً جديدة، وإن ظل مدى وعد هذا المسار غير واضح. ومع أن تطوير الاختبارات المعيارية وتحليلها باتا يتضمنان روتينياً توليد إجابات محاكاة، أي طلبة محاكين، فإن إمكانية توسيع هذه التقنية لتشمل موضوعات أخرى لا تزال محل جدل. ومن المسارات الواعدة في البحث العلمي التي يمكن استخدامها أيضاً في البحث التربوي نماذج الذكاء الاصطناعي المتعددة الوكلاء؛ إذ يمكنها المساعدة في معالجة الأسئلة التي تستفيد من البحث البيني، أو التي تستلزم تغذية راجعة من فاعلين اجتماعيين محاكين، كما قد يكون الحال في بحوث السياسات وتطويرها.
وأخيراً وليس آخراً، قد يستفيد البحث التربوي من التقدم في مجالات أخرى تتيحه أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي العلمية الجديدة. فيمكن بالفعل تصور أن بحوثاً جديدة، إذا توفرت الحوافز المناسبة، قد تستكشف كيمياء الدماغ أثناء التعلم، أو أن علم الأعصاب والعلوم المعرفية سيقدمان رؤى جديدة حول النمو البيولوجي للأطفال يمكن أن تسترشد بها البحوث والسياسات التعليمية. وثمة تقارب واضح بين تعلم الآلة بوصفه تخصصاً وعلم النفس، ولا سيما علم النفس النمائي، مع تدفقات معرفية في الاتجاهين، إذ يُفيد علم النفس تعلم الآلة في طرق التدريب والبنى، ويقدم تعلم الآلة لعلم النفس منصة لاختبار فرضياته.
ومع صعوبة التنبؤ بالكيفية التي سيندمج بها الذكاء الاصطناعي التوليدي في نسيج البحث التربوي، لا بوصفه موضوعاً بل بوصفه أداة، فإن أحد الدروس الواضحة من استخدامه في المجالات الأخرى حتى الآن هو أن البحث الناجح المدعوم بالذكاء الاصطناعي التوليدي يتطلب إشرافاً بشرياً وثيقاً، ويتوافق عادةً مع نموذج التعزيز لا الإحلال.
