القائمة الرئيسية

أجزاء الدراسة

تقرير آفاق التعليم الرقمي 2026: استكشاف الاستخدامات الفعالة للذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم (14/7)

تقرير آفاق التعليم الرقمي 2026: استكشاف الاستخدامات الفعالة للذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم (14/7)
ملخص الدراسة

يناقش الفصل السابع إطاراً مفاهيمياً لتسخير الذكاء الاصطناعي التوليدي (GAI) في التعليم بهدف تعزيز "فاعلية المعلمين" - أي قدرتهم على ممارسة الحكم المهني والابتكار. يميز الفصل بين ثلاثة أنماط لدمج الذكاء الاصطناعي: "الإحلال"، حيث يحل محل مهام المعلم (مما يثير مخاوف بشأن نزع الطابع الإنساني وضمور المهارات)، و"التكامل"، حيث يعمل الذكاء الاصطناعي أداةً داعمة تضخّم قدرات المعلم، و"التعزيز"، وهو أعمق أشكال الدمج ويزيد من كفاءة المعلم. يقترح الفصل إطاراً من خمسة مستويات للعمل المشترك بين المعلم والذكاء الاصطناعي، تتراوح من التفاعلات البسيطة (التبادلي والموقفي والتشغيلي) إلى الأكثر عمقاً وتطوّراً (العملي التأملي والتآزري). ويرى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يعزز إمكانات العمل المشترك على جميع المستويات، خاصة المستويات العليا التي تمكن من التأمل النقدي والنمو المتبادل (التآزر). ويؤكد الفصل على أن تحقيق التآزر الفعال، الذي يفوق أداء كل من الإنسان والذكاء الاصطناعي منفردين، يتطلب تصميماً دقيقاً لأدوات الذكاء الاصطناعي، وتدعيماً منهجياً للتفاعلات، وتنمية كفاءات المعلمين في الذكاء الاصطناعي، بهدف صون فاعلية المعلمين وضمان بقاء التعليم متمحوراً حول الإنسان.

الجزء الثاني: تعزيز أداء المعلمين بالذكاء الاصطناعي التوليدي

الفصل السابع: إطار مفاهيمي للعمل المشترك بين المعلم والذكاء الاصطناعي في التعليم: تسخير الذكاء الاصطناعي التوليدي لتعزيز فاعلية المعلمين

موتلو تشوكوروفا، كلية لندن الجامعية (المملكة المتحدة)

مع تغلغل تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي بسرعة في التعليم، يقدم هذا الفصل تحليلاً مفاهيمياً لكيفية إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل فاعلية المعلمين، ويرى أن تعزيز هذه الفاعلية أمر بالغ الأهمية في عصر يقوده الذكاء الاصطناعي لضمان بقاء الممارسات التعليمية متمحورة حول الإنسان، ومؤسسة على أسس أخلاقية، ومواتية للنمو المستمر لكفاءة المعلمين. ويقدم الفصل إطاراً يميز بين إحلال الذكاء الاصطناعي محل كفاءة المعلم، وتكامله معها، وتعزيزها. وبناءً على المفهومين الأخيرين، يقترح الفصل إطاراً من خمسة مستويات للعمل المشترك بين المعلم والذكاء الاصطناعي، يضم أنماطاً للتفاعل هي: التبادلي، والموقفي، والتشغيلي، والعملي التأملي، والتآزري. ويبرز الإمكانات الفريدة للذكاء الاصطناعي التوليدي في مساعدتنا على تحقيق تفاعلات أكثر تأملاً عملياً وتآزراً بين المعلم والذكاء الاصطناعي، إلى جانب إمكاناته في تعزيز العمل المشترك التبادلي والموقفي والتشغيلي في طيف متنوع من المهام. ويخلص الفصل إلى أن نموذج الإحلال، وإن أمكنه تحقيق مكاسب في الإنتاجية، قد تقترن فوائده بتكاليف يجب الاعتراف بها ومناقشتها لدعم اتخاذ قرارات مستنيرة.

مقدمة

يطرح الحضور المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في السياقات التعليمية مفارقة بين التمكين والقلق. فمن جهة، يعد الذكاء الاصطناعي بتخفيف الأعباء الإدارية المرهقة عن المعلمين، وتقديم رؤى مخصصة حول التعلم، واستكمال القدرات التدريسية، بما في ذلك التخطيط للدروس والتنفيذ الصفي والتقييم. فعلى سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدة المعلمين في التخطيط لدروسهم عبر دعم مراجعتهم للمعارف المراد تدريسها، أو تقديم أفكار حول استراتيجيات تربوية بديلة، أو تحديد احتياجات الطلبة وتعريفهم بها. كما يمكنه دعم التدريس الصفي عبر تغذية راجعة فورية للطلبة، أو للمعلمين حول ممارساتهم أو تدخلاتهم؛ ويمكن استخدامه لنمذجة إتقان الطلبة، وتوليد بنود التقييم، ودعم تصحيح المقالات، أو تقديم تغذية راجعة على جوانب معينة من تدريسهم.

ومن جهة أخرى، ثمة مخاوف كبيرة بشأن تهديدات محتملة، منها تآكل استقلالية المعلمين، ونزع الطابع المهني عن التدريس، والمزالق الأخلاقية إذا أسيء تطبيق الذكاء الاصطناعي. ويخشى كثير من خبراء التعليم أيضاً أن يؤدي الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في أداء مهام المعلمين، كالتصحيح وتوليد التغذية الراجعة والتخطيط للدروس، إلى ضمور مهارات المعلمين. ولذلك برز مفهوم فاعلية المعلم، أي قدرة المعلمين على ممارسة الحكم المهني والابتكار في الممارسة والاحتفاظ بالسيطرة على القرارات التربوية، في صدارة النقاشات حول الذكاء الاصطناعي في التعليم.

ويؤكد هذا الفصل ضرورة تجاوز السرديات المستقطبة وإلحاحها، رافضاً الخوف الواقعي المرير من معلمين أذكياء يحلون محل البشر، والضجيج الطوباوي القائل بأن الذكاء الاصطناعي وحده سيحل جميع مشكلات التعليم. ويدعو بدلاً من ذلك إلى استراتيجيات مستنيرة بالأدلة تسخّر إمكانات الذكاء الاصطناعي مع صون فاعلية المعلمين وحقوقهم ونزاهتهم المهنية. فمع تزايد تفريغ المهنيين لمهام كانت تُعدّ تقليدياً بشرية حصراً إلى الذكاء الاصطناعي، يجب أن ننخرط في تأمل عميق واستشرافي حول الأدوار والهويات الجوهرية للمهنيين. فما الصفات الدائمة والفريدة إنسانياً التي تقع في قلب التعليم؟ وكيف يمكننا صونها والارتقاء بها وإنماؤها مع تحويل التقنية للحياة ولمنظومة التعليم والتعلم الأوسع؟ وما دور المعلم في تعليم تتيح فيه التطورات التقنية توليد المعلومات وتبادلها بفاعلية وكفاءة؟

ولتأطير البحث في هذه الأسئلة الصعبة، يعرض الفصل متصلاً لدمج الذكاء الاصطناعي في التدريس، يميز بين إحلال الذكاء الاصطناعي محل كفاءة المعلم، وتكامله معها، وتعزيزها في الممارسة التعليمية. فالإحلال عبر الأتمتة يشير إلى تفريغ المهام إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي وتنفيذها من قبلها دون تدخل إضافي من المعلم. ويتطلب التكامل نظراً متأنياً فيما تعنيه كفاءة المعلم في مهمة معينة، وفي خصائص تصميم أداة ذكاء اصطناعي محددة وتطويرها ونشرها بما يكمل جوانب محددة من كفاءة المعلم. أما التعزيز فيشير إلى استيعاب أعمق لنماذج الذكاء الاصطناعي في العمليات المعرفية والتربوية للمعلمين، بما يمكّن من تحسين كفاءتهم عبر تفاعلات تكرارية، بحيث يستطيع المعلمون المعززون بالذكاء الاصطناعي إنجاز المهمة على نحو أفضل من الذكاء الاصطناعي أو المعلم منفرداً، أي أن تعزيز الكفاءة يزيد احتمال أن يتفوق أداء فرق المعلم والذكاء الاصطناعي على أفضل أداء لأي منهما منفرداً. ويُعدّ فهم هذه النماذج المفاهيمية أمراً حاسماً لتحديد متى يدعم استخدام الذكاء الاصطناعي فاعلية المعلم، ومتى قد يؤدي إلى تآكلها، ومتى يمكن أن تفضي التفاعلات الفاعلة للمعلمين إلى تعزيز كفاءتهم، ومن ثم إلى تدريس أكثر فاعلية.

كيف يستخدم المعلمون الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم: الفوائد والمخاوف المبكرة

تكشف مراجعة الأدبيات أنه في حين تتكاثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم، لا يزال فهمنا لكيفية دمج المعلمين للذكاء الاصطناعي التوليدي في ممارساتهم على نطاق واسع في بداياته ومتطوراً باستمرار. فضلاً عن ذلك، تتفاوت طرق تعامل المعلمين مع الذكاء الاصطناعي التوليدي تفاوتاً كبيراً بين البلدان والأنظمة، مما يجعل رصد النطاق الكامل للممارسات في هذا الفصل أمراً صعباً. ومع ذلك، واستناداً مثلاً إلى الدعوة المفتوحة لتقديم الأدلة على استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم التي أطلقتها وزارة التعليم في المملكة المتحدة، والتي تلقت ردوداً غير تمثيلية لكنها مفصلة من 567 مشاركاً معظمهم من المعلمين، رأى الجمهور عموماً أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يتيح فرصاً متنوعة. ومن هذه الفرص تحرير وقت المعلمين، وتحسين التدريس والمواد التعليمية، وتقديم دعم إضافي للطلبة، ولا سيما ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة والإعاقات ومن تكون الإنجليزية لغة إضافية لهم، وتحسين التطبيقات الخاصة بالمواد كمواد العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات. وإجمالاً، رُئي أن هذه الفوائد المتصورة تفوق المخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم، كاعتماد الطلبة المفرط عليه، وسوء السلوك الأكاديمي، والخوف من أن يحل محل التدريس الحضوري، و«الفجوة الرقمية». كما تشير معظم حالات الاستخدام المرصودة في المسوح والمقابلات القائمة على التصريح الذاتي للمعلمين إلى أنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي لإعداد مواد الدروس، مع ضمان اتساقها مع أهداف المناهج وتوفير الوقت في إعداد المحتوى. وفي التقييم، يميل المعلمون إلى استخدامه لدعم تصحيحهم وتقديم تغذية راجعة تكوينية مخصصة للطلبة. وخارج الصف، يبدو أن المعلمين يستخدمونه في صياغة السياسات الإلزامية، وتبسيط المهام الإدارية، والسعي إلى تقليل الأعباء البيروقراطية.

ومع أن بيانات المسوح القائمة على التصريح الذاتي تقدم بعض الرؤى حول استخدام المعلمين للذكاء الاصطناعي التوليدي، فإن هذه الطريقة تواجه قيوداً متأصلة، ولا سيما التحيزات الناجمة عن الضغوط الخارجية أو الرغبة الاجتماعية، مما قد يمنع المعلمين من الإبلاغ الدقيق عن ممارساتهم مع الذكاء الاصطناعي. وقد حللت بحوث حديثة لشركة Anthropic أكثر من أربعة ملايين محادثة مع نظامها التوليدي، وبيّنت اعتماداً مرتفعاً على الذكاء الاصطناعي في بعض المهن. فلدى فئات مهنية معينة، منها معلمو اللغة والأدب، تقابل المحادثات مع الذكاء الاصطناعي أداء أكثر من 75% من مهامهم المهنية، وفق تصنيف المهام للمهن في قاعدة بيانات O*Net التابعة لوزارة العمل الأمريكية. ومع أن فهم مدى استخدام المعلمين للذكاء الاصطناعي التوليدي أمر حاسم، فإن فحص كيفية توظيفهم له تحديداً، أهو للتعزيز أساساً أم للأتمتة، لا يقل أهمية. ومع أن هذا نقاش يتوقف على المهمة، تشير الأدلة إلى ميل نحو أتمتة المهام الروتينية كتوليد المحتوى، حيث ينفذ الذكاء الاصطناعي مباشرة مسؤوليات تتطلب أدنى قدر من انخراط المعلم. ومع أن هذه الاستنتاجات ينبغي تفسيرها بحذر، إذ لا تستطيع بيانات السجلات وحدها أن تكشف كيف يتعامل المعلمون في نهاية المطاف مع المخرجات المولدة بالذكاء الاصطناعي أو يعملون بها، فقد يستبعدها بعضهم كلياً ويواصل عمله مستقلاً، فإن التطبيقات المؤتمتة للذكاء الاصطناعي في التعليم تثير أسئلة حاسمة حول الانعكاسات الأوسع على فاعلية المعلم.

وبعيداً عن حالات الاستخدام الحديثة للذكاء الاصطناعي التوليدي، شهدت العقود القليلة الماضية انفجاراً في الاهتمام بتطبيق الذكاء الاصطناعي في التعليم، من أنظمة التدريس الذكية وأدوات التصحيح الآلي إلى أدوات صنع القرار المدعومة بالذكاء الاصطناعي ومنصات التعلم التكيفي. وثمة قدر كبير من الأدلة يُظهر الأثر الإيجابي لاستخدام هذه التطبيقات في دعم الأداء الأكاديمي للطلبة، وانخراطهم الوجداني، ونموهم ما وراء المعرفي، في تقييمات تجريبية مضبوطة. ومع أن هذه الدراسات التجريبية الصغيرة النطاق تقدم رؤى قيّمة، فإن نتائجها تعكس في العادة أدوات ذكاء اصطناعي أكاديمية مصممة بعناية وقُيّمت في ظروف مضبوطة يوجّه فيها الباحثون تطبيق المعلمين بدقة عالية. وإلى جانب هذه الوعود، أثارت التعليقات العلمية والمهنية المبكرة تحذيرات بشأن المزالق المحتملة. وقد تضخمت هذه المخاوف مع الصعود السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي أدخل قدرات الذكاء الاصطناعي، ومعها مخاطره، إلى الوعي العام. ولذلك بدأت معظم الأطراف المعنية بالتعليم مؤخراً في التعامل مع سيناريوهات كانت تبدو يوماً ما مستقبلية، أو محل اهتمام مجموعة صغيرة من الباحثين.

ومن المخاوف الجوهرية في هذه النقاشات احتمال تآكل فاعلية المعلم. فمع بدء أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي في تولي ليس فقط المهام الإدارية الرتيبة المعتادة للمعلمين، بل أيضاً القرارات التربوية والتدريسية المعقدة، كاختيار المحتوى وتقييم أعمال الطلبة وتقديم التغذية الراجعة، قد يجد المعلمون حكمهم المهني مهمشاً أمام المخرجات الخوارزمية. وقد بدأت البحوث التجريبية الحديثة في توثيق هذه الديناميات؛ فقد أشارت دراسة حديثة على المعلمين قبل الخدمة إلى أن التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم حفّز تأملاتهم في دورهم المتطور وقلقهم من تغير الدور، مما يبرز الحاجة إلى إعداد المعلمين لأدوار هجينة جديدة يعملون فيها جنباً إلى جنب مع الذكاء الاصطناعي. وتكشف أدلة مكملة من بحث قائم على مقابلات مع 57 معلماً في ثماني مدارس في السويد وأستراليا أن الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدلاً من تحرير المعلمين من العمل، كثيراً ما يولد أشكالاً جديدة من العمل الخفي، مع تحدي فاعليتهم فيما يتعلق بالملاءمة التربوية والحساسية الاجتماعية للمحتوى التعليمي. وتشير هذه النتائج إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وإن كانت تملك إمكانات كبيرة لدعم المعلمين والممارسات التدريسية، قد تعيد في الممارسة توزيع عمل المعلمين وتحجبه، فتعزز بدلاً من أن تقلل القلق من عبء العمل والمخاوف بشأن الاستقلالية المهنية للمعلمين.

تعريف إجرائي لفاعلية المعلم

تشير فاعلية المعلم في هذا الفصل إلى القدرة الفاعلة للمعلمين وحوافزهم على اتخاذ الخيارات وممارسة التأثير في ممارستهم المهنية. وتشمل الاستقلالية في اتخاذ القرارات التدريسية، والقدرة على تكييف التربية والابتكار فيها، والقدرة على تشكيل البيئة التعليمية وفقاً لقيمهم المهنية واحتياجات طلبتهم، إلى جانب الاستعداد والحوافز للقيام بذلك. وفي جوهر الأمر، يتمتع المعلمون بالفاعلية حين «يفعلون لا حين يُفعل بهم» في العملية التعليمية. وتتجذر فاعليتهم في الكفاءة والثقة المهنيتين، وكثيراً ما تتيحها أو تقيدها الأدوات والتقنيات التي يستخدمونها في ممارستهم، إلى جانب السياق المؤسسي والسياساتي الأوسع الذي يعملون ضمنه. وفاعلية المعلم ليست سمة إما أن توجد كلها أو تنعدم كلها، بل توجد بدرجات وأشكال. وقد وصف علماء الاجتماع التربوي أشكالاً متعددة لاستقلالية المعلم، كالاستقلالية في محتوى المنهج، وفي التربية، وفي تقييم الطلبة، وفي مسارات التطوير المهني. ويمكن لثقافة مدرسية وإطار سياساتي داعمين أن يوسعا هذه الاستقلاليات، في حين يمكن للتفويضات الفوقية، وأنظمة المساءلة العالية المخاطر، أو الأنظمة التقنية التي تتخذ قرارات مستقلة نيابة عنهم، كما قد يكون الحال مع التقنيات التعليمية القائمة على الذكاء الاصطناعي، أن تضيّقها.

وتُعدّ فاعلية المعلم مفهوماً محورياً في التعليم، لأن إحساس المعلمين بفاعليتهم يرتبط بدافعيتهم ورضاهم الوظيفي واستعدادهم لتبني أساليب تربوية أو أدوات جديدة. فحين يشعر المعلمون بأنهم مخوَّلون باتخاذ القرارات، يكونون أكثر ميلاً إلى المبادرة في تحسين تدريسهم والاستجابة بإبداع للتحديات الصفية. وتمكّن فاعلية المعلم المعلمين من تكييف المناهج وتحديثها، وإدماج المشكلات الواقعية المستجدة، ووضع خبرات التعلم في سياق الاحتياجات الاجتماعية والوجدانية والعلائقية لطلبتهم بطرق لا تستطيعها خوارزميات الذكاء الاصطناعي. فضلاً عن ذلك، ترتبط فاعلية المعلم ارتباطاً وثيقاً بهويته، أي بإحساسه بذاته بوصفه مهنياً صاحب رسالة ذات معنى. وقد يُربك إدخال الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى الصف هذه الهوية؛ فبعض المعلمين قد يخشون أن تحل أنظمته محلهم أو أن تحكم عليهم، في حين قد يرى آخرون فيه فرصة لتعزيز فاعليتهم.

ومن منظور المتعلم، يمكن أن تُترجم فاعلية المعلم إلى تفاعلات تعليمية أثرى. فالمعلم ذو الفاعلية المرتفعة يفسّر بفاعلية الرؤى أو التوصيات المولدة بالذكاء الاصطناعي ويكيّفها مع سياق طلبته. فإذا ولّدت أداة ذكاء اصطناعي توليدي مثلاً تغذية راجعة على مقالات الطلبة، أو أنتجت مجموعة من الأسئلة المقترحة لتعزيز التأمل ما وراء المعرفي، فإن المعلم الذي يمارس فاعليته المهنية سيتعامل معها بوصفها موارد مؤقتة، فيراجع صلتها التربوية، ويعيد صياغتها أو يوسعها لتتسق مع أهداف تعلم الطلبة، ويستخدمها منطلقاً للنقاش أو لمزيد من الاستقصاء. وفي المقابل، قد ينطوي سيناريو الفاعلية المنخفضة على معلم يكتفي بلصق التغذية الراجعة المولدة بالذكاء الاصطناعي في منصة التعلم دون مراجعة أو وضعها في سياقها، أو على العكس يتجاهل مقترحات النظام كلياً بسبب عدم الثقة أو ضعف الثقة بالنفس. وكلا الطرفين دون المستوى الأمثل، والهدف شراكة متوازنة يظل فيها المعلم منسّق التدريس، مستخدماً أدوات الذكاء الاصطناعي مساعدين يقدمون المعلومات. ومع أن معظم الباحثين والممارسين سيوافقون على الحاجة المقترحة إلى التوازن، فإن الفهم ضئيل لموضع هذا التوازن في مهمة معينة من مهام المعلم، وكيفية تصوره، وكيفية تحويله إلى إجراءات. ويمثل هذا الفصل محاولة لسد هذه الفجوة. ففي الأقسام التالية، يتعمق الفصل في تصور نظري لدور الذكاء الاصطناعي إزاء فاعلية المعلم، فيعرض مفاهيم الإحلال والتكامل والتعزيز، ثم يقترح إطاراً من خمسة مستويات للعمل المشترك بين المعلم والذكاء الاصطناعي، مع تعريفات وأمثلة واضحة لكل مستوى. ومع أن مجموعة واسعة من العوامل الاجتماعية التقنية والمؤسسية والثقافية تشكل تشكيلاً عميقاً كيفية إدراك المعلمين لفاعليتهم وممارستها واستدامتها في تفاعلاتهم مع الذكاء الاصطناعي، فإن الإطار المقترح هنا يتناول فاعلية المعلم أساساً من منظور إمكانات أنظمة الذكاء الاصطناعي واعتبارات التصميم على مستوى الواجهة.

ثلاثة تصورات للذكاء الاصطناعي في التعليم وانعكاساتها على فاعلية المعلم

يعرض هذا القسم ثلاثة أنماط مفاهيمية للدمج، بوصفها إطاراً للتمييز بين أدوار الذكاء الاصطناعي وانعكاساتها على فاعلية المعلم. ويمكن النظر إلى هذه الأنماط بوصفها نقاطاً على طيف ديناميكي يمتد من ذكاء اصطناعي يعمل مستقلاً عن المعلمين إلى ذكاء اصطناعي مندمج عميقاً في روتينهم المعرفي لتعزيز كفاءتهم. ومن خلال تحديد هذه الأنماط، يسعى الفصل إلى توضيح المقاربات التي تهدد فاعلية المعلم وتلك التي يمكن أن تعززها. ومع أن الإطار ينطبق على جميع أشكال الذكاء الاصطناعي، فإن الذكاء الاصطناعي التوليدي يوفر إمكانات مميزة يمكنها تشكيل مستويات مختلفة من فاعلية المعلم ودعمها، وستُناقش مع أمثلة حيثما كان ذلك ملائماً.

الإحلال

يشير الإحلال إلى أنظمة ذكاء اصطناعي تنفذ مهاماً كان المعلم يؤديها عادةً، عبر عملية مدفوعة بالذكاء الاصطناعي بأدنى تدخل من المعلم أو دون أي تدخل. ومن الأمثلة الكلاسيكية التصحيح الآلي للامتحانات أو المقالات، وتكليف نموذج ذكاء اصطناعي بإعداد خطط الدروس أو الأسئلة أو المواد، والجدولة الخوارزمية لتدريب الطلبة كالواجبات المنزلية، أو المعلمين الأذكياء الذين يقدمون المحتوى مباشرة للمتعلمين، فيؤتمتون الممارسة التربوية للمعلمين. والجاذبية الرئيسية للأتمتة هي الكفاءة وقابلية التوسع. وبالفعل، يمكن أتمتة بعض المهام المرهقة في التدريس بموثوقية، كتصحيح اختبارات الاختيار من متعدد القصيرة، وصياغة خطط الدروس، وتوليد مسائل التدريب، مما قد يحرر وقت المعلمين لأعمال أخرى أو أكثر تعقيداً. غير أن الأدلة المتعلقة بكيفية استخدام المعلمين فعلياً لهذا الوقت الموفَّر شحيحة حالياً، بتأثير من القضايا المنظومية على المستويات السياسية والإدارية والقيادية للممارسة التدريسية.

وإمكانية تحقيق مكاسب في الإنتاجية في التعليم مهمة بالفعل. فقد بحثت دراسة حديثة لمؤسسة الوقف التعليمي، قيّمتها المؤسسة الوطنية للبحث التربوي تقييماً مستقلاً، استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لدى 259 معلماً في 68 مدرسة ثانوية في إنجلترا. وكشفت هذه التجربة العشوائية المضبوطة أن المعلمين الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي التوليدي، مدعوماً بإرشادات عملية، خفّضوا وقت التخطيط للدروس وإعداد الموارد بنسبة 31% في المتوسط، إذ انخفض متوسط وقت التخطيط الأسبوعي من 81.5 دقيقة إلى 56.2 دقيقة، دون المساس بجودة خطط الدروس والموارد. وكما يبرز التقرير العالمي عن المعلمين الصادر عن فريق العمل الدولي المعني بالمعلمين واليونسكو، تواجه النظم التعليمية أزمات متفاقمة في المعلمين والموارد، ولا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. إذ يُقدَّر أن العالم سيحتاج بحلول عام 2030 إلى 44 مليون معلم إضافي في المرحلتين الابتدائية والثانوية، منهم 15 مليوناً في أفريقيا جنوب الصحراء. ويتفاقم هذا النقص العالمي في المعلمين بارتفاع معدلات التسرب من المهنة، إذ يغادرها كثير من المعلمين مبكراً. وكانت المناطق الريفية والنائية الأشد تضرراً، حيث كثيراً ما يسد معلمون غير مؤهلين بالقدر الكافي الفجوات، وتشيع الصفوف المتعددة المستويات؛ فنسبة 90% من المدارس الثانوية في أفريقيا جنوب الصحراء تواجه نقصاً حاداً في المعلمين. ونتيجة لذلك، تتسع فجوات التعلم. كما يواجه الطلبة نقصاً حاداً في المواد التعليمية والمحتوى الجيد؛ ففي بعض الصفوف يتشارك كتاباً مدرسياً واحداً اثنا عشر تلميذاً أو أكثر. وكثير من المحتوى التعليمي الرقمي الذي يمكن أن يساعد ليس بلغة المتعلم؛ فعلى سبيل المثال، وإن لم تكن ممثلة لموارد التعلم في البلدان، فإن 92% من الموارد التعليمية المفتوحة باللغة الإنجليزية، مما يهمش المتعلمين غير الناطقين بها. ويتيح نموذج الإحلال في الذكاء الاصطناعي فرصاً لمواجهة هذا النقص العالمي بمكاسب كبيرة في الإنتاجية. إذ يمكن للأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي التوليدي أن تدعم القوى العاملة التدريسية المثقلة بالأعباء، وأن تقدم دعماً تدريسياً للطلبة في المناطق المحرومة من الخدمات. ويمكن للترجمة وتوليد المحتوى المدعومين بالذكاء الاصطناعي التوليدي أن يوسعا إتاحة موارد تدريسية عالية الجودة باللغات المحلية وللطلبة ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة والإعاقات.

ومع ذلك، تثير الأتمتة الكاملة لمهام المعلمين أيضاً مخاوف بشأن فقدان فاعلية المعلم، وقد تأتي بتكاليف معينة. والغرض من إبراز هذه التحديات ليس معارضة مكاسب الإنتاجية في التعليم، بل الدعوة إلى حوار سياساتي ونظر متأنٍّ في كيفية التخفيف من بعض هذه التحديات. ومن هذه المخاوف اثنان: نزع الطابع الإنساني عن التعليم، وضمور القدرات المعرفية للمعلمين.

ويشير نزع الطابع الإنساني إلى تآكل العناصر البشرية الأساسية في التعليم والتعلم. فالتعليم عملية تفاعلية للنمو البشري، وحين يُستخدم الذكاء الاصطناعي بديلاً عن المعلمين أو الأقران، ثمة خطر أن يصبح التعلم آلياً على نحو مفرط، فيفقد التعاطف والديناميات الاجتماعية التي تميز كثيراً من الأساليب والممارسات التربوية الفعالة. ويمكن أن يتجلى نزع الطابع الإنساني في التدريس والتقييم والتغذية الراجعة مثلاً. فقد يُغرى بعضهم بإنشاء «مدارس بلا معلمين» يُقدَّم فيها التدريس بجعل الطلبة يعملون عبر مناهج يخصصها الذكاء الاصطناعي. غير أن المعلمين البشريين يسهمون بصفات غير ملموسة عديدة، كالحكم الأخلاقي والإلهام والقدوة والقدرة على بناء الثقة مع بشر آخرين وإرشادهم، لا يستطيع أي ذكاء اصطناعي حالياً محاكاتها. وحتى لو تقدم الطلبة أكاديمياً، سيفوتهم التعلم التعاوني والحوار والبناء الاجتماعي للمعرفة مع بشر آخرين. فالممارسة التعليمية كثيراً ما تزدهر بالتدريس القائم على الاستقصاء، والعمل المخبري التعاوني، والنقاشات الجماعية، والمناظرة، وهي جوانب تتطلب حضوراً وتوجيهاً بشريين. وبالمثل، قد تجعل التغذية الراجعة والتقييم الصادران عن خوارزميات غير شخصية الطلبة يشعرون بأنهم أقل حضوراً أو تقديراً بوصفهم أفراداً. وأخيراً، إذا طُلب من المعلمين العمل وفق نصوص خوارزمية أو لوحات أداء تملي عليهم كل حركة، فمن المرجح أن تتآكل هويتهم المهنية فتصبح أقرب إلى هوية عمال خطوط الإنتاج منها إلى هوية المربين. ومن ثم فإن حماية فاعلية المعلم ترتبط مباشرة بالحفاظ على تعليم متمحور حول الإنسان.

وبالمثل، فإن دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في البيئات التعليمية بطرق لا تتيح فاعلية المعلم يثير أيضاً أسئلة كبيرة حول أثره في مهارات التفكير العليا المتنوعة لدى المعلمين، ولا سيما من خلال تأثيره في ممارسات التفكير النقدي والتأملي. فقد أظهرت تجربة حديثة ركزت على الكلفة المعرفية لاستخدام نموذج لغوي كبير في سياق تعليمي لكتابة مقالة أن الطلبة الذين كتبوا دون دعم النموذج أظهروا أقوى تنشيط دماغي وأوسعه نطاقاً، وأظهر مستخدمو محرك البحث انخراطاً متوسطاً، بينما أظهر مستخدمو النموذج اللغوي انخراطاً معرفياً محدوداً. ومع أن الأدلة على الأثر السلبي المحتمل في القدرات المعرفية لمستخدمي الذكاء الاصطناعي التوليدي لا تزال في بداياتها، فقد يكون ذلك خطراً على المعلمين أيضاً حين يستخدمون الذكاء الاصطناعي ضمن نموذج الإحلال.

التكامل

يشير التكامل إلى أنظمة ذكاء اصطناعي تعمل أدواتٍ داعمة تضخّم قدرات المعلم، مع بقاء المعلم منخرطاً فعلياً. ففي نموذج التكامل، يعمل الذكاء الاصطناعي والمعلم جنباً إلى جنب، يسهم كل منهما بما يجيده، دون أن يتفاعلا بالضرورة لتعزيز كفاءة كل منهما. والفلسفة الكامنة وراء التكامل هي توظيف مواطن قوة الذكاء الاصطناعي، كمعالجة البيانات والتعرف إلى الأنماط والسرعة والنطاق وعدم الإرهاق والكفاءة وفرص توفير الوقت وغيرها، لاستكمال مواطن القوة البشرية، كالتفسير العلائقي والتعاطف والتمييز الأخلاقي والحكم السياقي وغيرها. وفي هذا النموذج، يعالج الذكاء الاصطناعي البيانات أساساً لعرض الرؤى أو تفعيل المقاصد التدريسية التي يحددها المعلمون. والأمر هنا يتعلق بدرجة أقل بتعلم الذكاء الاصطناعي من البشر، وبدرجة أكبر باستيعاب المعلمين للتمثيلات الحاسوبية وإعادة تشكيل نماذجهم الذهنية واستدلالهم المهني عبر تفاعلات تكاملية مع الذكاء الاصطناعي. وعلى خلاف نموذج الإحلال، لا تؤدي أنظمة الذكاء الاصطناعي مهام المعلمين بالكامل.

وإذا طُبق مفهوم التكامل تطبيقاً ملائماً، يمكنه أن يعزز فاعلية المعلم أكثر، وأن يحسن الكفاءة البشرية في مهمة معينة. ولتفعيل التكامل، يجب أولاً صياغة نموذج للكفاءة البشرية لنتمكن من تحديد جوانب كفاءة المعلم التي يمكن للذكاء الاصطناعي استكمالها تحديداً دقيقاً. ومن الأمثلة الجيدة على نماذج الكفاءة نموذج متصل الكفاءة الذي يصف الكفاءة البشرية بوصفها متصلاً يمتد من السمات الكامنة إلى العمليات إلى الأداء، متتبعاً كيف تُسهم السمات المعرفية والوجدانية والتحفيزية الكامنة في الإدراك والتفسير واتخاذ القرار، وصولاً في النهاية إلى السلوكيات الملحوظة للمعلمين في مواقفهم الفعلية. ثم يمكننا بحث كيفية تشابك إمكانات تقنية معينة لنمذجة الذكاء الاصطناعي، أو تصميم عامل ذكي محدد، مع كل طبقة من طبقات ذلك المتصل. وقد قدم باحثون إطاراً مفيداً للتفكير في الجوانب المحددة من كفاءة المعلم التي يمكن استكمالها بمساعدة الذكاء الاصطناعي، محددين أربعة أبعاد للتكامل: تكامل تحديد الأهداف، كأن يحدد المعلمون أهداف التعلم ويراقبونها ويقيّمونها بدعم من الذكاء الاصطناعي؛ وتكامل المدخلات الإدراكية، كأن يوسّع الذكاء الاصطناعي إدراك المعلمين لتعلم الطلبة؛ وتكامل الأفعال، كأن يوسّع الذكاء الاصطناعي نطاق أفعال المعلمين؛ وتكامل القرارات، كأن تساعد توصيات الذكاء الاصطناعي المستنيرة بالبيانات المعلمين في اتخاذ قراراتهم. فعلى سبيل المثال، يمكن لنموذج ذكاء اصطناعي قادر على معالجة المعلومات الحسية المستمدة من تفاعلات الطلبة أن يستكمل مهارات المعلمين الموقفية في مراقبة تفاعلات الطلبة. ومن جهة أخرى، يمكن لنموذج ذكاء اصطناعي قادر على تتبع تفاعلات الطلبة عبر الإنترنت في نظام تدريس ذكي أن يستكمل معرفة المعلمين بمستوى إتقان طلبتهم الحالي لموضوع ما. والغاية من هذا التكامل بين المعلم والذكاء الاصطناعي دعم الحكم المهني التكاملي للمعلمين لا الحلول محله. غير أن هذا الإطار لا يقدم أي رؤى حول كيفية استكمال جوانب محددة من كفاءة المعلم تحديداً.

وبالبناء على مفهوم التكامل هذا، يصبح من الضروري تصور كيف يمكن أن تتفاوت التفاعلات بين المعلم والذكاء الاصطناعي في عمقها وتعقيدها. ونقترح هنا أنه في أي مهمة تعليمية، وتبعاً للجوانب المحددة من كفاءة المعلم ولإمكانات الذكاء الاصطناعي المحددة، يمكن أن يحدث العمل المشترك بين المعلم والذكاء الاصطناعي على خمسة مستويات متمايزة: العمل المشترك التبادلي، والموقفي، والتشغيلي، والعملي التأملي، والتآزري.

العمل المشترك التبادلي

يشير العمل المشترك التبادلي إلى تفاعلات بين المعلمين والذكاء الاصطناعي تتكون من معاملات منفصلة، تحددها آلية الطلب والاستجابة، أي أن المعلم يدخل أمراً فيخرج الذكاء الاصطناعي نتيجة. ويدرك كل من المعلمين وأنظمة الذكاء الاصطناعي أفعال الآخر، فيسهم كل فعل ديناميكياً في استدعاء استجابة مقابلة من الطرف الآخر. وعلى هذا المستوى، تستطيع العوامل الذكية أداء أفعال تلقائياً بناءً على مدخلات المعلمين، وكثيراً ما تنجز مهام روتينية أو متكررة نيابة عنهم. والدينامية الجوهرية للعمل المشترك التبادلي هي «من الطلب إلى التنفيذ» بغرض أتمتة المهام وتحقيق الكفاءة، ومن ثم فإن الهدف الأساسي رفع إنتاجية التدريس بتبسيط هذه العمليات. ويمكن وصف نظام المساعدة الذكية على التعلم الذي طوّره باحثون بوصفه نموذجاً للعمل المشترك التبادلي في التفاعل بين المعلم والذكاء الاصطناعي. ففي هذا النظام، يصدر المعلم أمراً، كإدخال كلمات منطوقة أو إشارات بلغة الإشارة أو نص بطريقة برايل، فتحوّله أداة الذكاء الاصطناعي التوليدي تلقائياً إلى الكلام أو لغة الإشارة أو طريقة برايل أو منها، معيدةً نتيجة مترجمة تدعم التواصل مع المعلم أو الأقران. وبذلك تتولى الأداة مهام الترجمة الروتينية، مما يتيح للمعلم تفويض أعمال التحويل المنفصلة والمتكررة، وهي تحديداً دينامية «الطلب ثم التنفيذ» التي تميز العمل المشترك التبادلي.

العمل المشترك الموقفي

يشير العمل المشترك الموقفي إلى شكل من التفاعل يعمل فيه المعلمون بناءً على وعي مشترك بسياق التعليم والتعلم، يُبنى من خلال الإدراكات المجتمعة للعاملين البشري والاصطناعي. وعلى هذا المستوى، تجمع أنظمة الذكاء الاصطناعي البيانات من التفاعلات الصفية أو من أنشطة التعلم في منصات التعلم الرقمية أو في الصفوف الواقعية عبر أجهزة الاستشعار، وتعالجها باستخدام نماذجها الأساسية، وتقدم معلومات ذات معنى تعليمي لدعم المعلمين في اتخاذ قرارات مستنيرة وأفعال ملائمة. ويمكن استخدام منصة التدريس الهجين بين الإنسان والعامل الذكي مثالاً على العمل المشترك الموقفي. فالنظام يجمع بيانات عن ممارسات الخطاب لدى المعلمين الخصوصيين، ويحللها بنماذج الذكاء الاصطناعي، ويزود المعلمين والموجهين البشريين بتغذية راجعة مولدة بالذكاء الاصطناعي التوليدي لتوجيه جلسات التوجيه التدريسي. ويخلق ذلك وعياً مشتركاً بسياق التدريس، يبرز فيه الذكاء الاصطناعي الأنماط في تفاعلات المعلمين الخصوصيين، ويستخدم الموجهون هذه الرؤى لاتخاذ قرارات تربوية مستنيرة. وتعكس الدينامية الجوهرية هنا العمل المشترك الموقفي، إذ يبني المعلمون والعوامل الذكية بالاشتراك وعياً بالسياق يوجّه الفعل البشري، بدلاً من أتمتة المهام.

العمل المشترك التشغيلي

ينطوي العمل المشترك التشغيلي على التعاون بين المعلم ونظام الذكاء الاصطناعي في تخطيط المهام المتصلة بالتدريس وتنفيذها. وعلى هذا المستوى، يقدم المعلمون معلومات عن الحالتين الراهنة والمرغوبة لسياق التعليم والتعلم، يعبّرون عنها بالمقاصد والأهداف التدريسية والمهام والخطط القابلة للتنفيذ. ويدعم نظام الذكاء الاصطناعي المعلمين بإدماج هذه الأهداف في عملية صنع قراره لأداء الأهداف التي يحددها المعلمون باستقلالية أو المساعدة في أدائها. ويتيح هذا العمل المشترك تنفيذاً فعالاً للمهام متسقاً مع احتياجات المعلم، لكنه يتطلب أيضاً أن يمتلك المعلمون فهماً شاملاً للأهداف التدريسية وللتدخلات التربوية اللازمة لتحقيقها. ويمكن استخدام نظام Pair Up مثالاً على العمل المشترك التشغيلي. ففي هذا النظام، يعبّر المعلمون عن أهداف تدريسية عالية المستوى، وهو ما يمكن فعله أيضاً بلغة طبيعية باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، كتحديد توقيت نقل الطلبة بين أنشطة التعلم الفردية والتعاونية. ويدمج نظام الذكاء الاصطناعي هذه الأهداف في عملية صنع قراره بمراقبة تقدم الطلبة في نظام تدريس ذكي في الوقت الفعلي، ثم التوصية بانتقالات في الممارسة الصفية أو تنفيذها بما يتسق مع المقاصد التربوية للمعلم. ويتيح هذا التخطيط والتنفيذ التعاونيان للمعلمين والذكاء الاصطناعي الإدارة المشتركة لمهام التنسيق الصفي المعقدة، مع مساعدة الذكاء الاصطناعي باستقلالية في تنفيذ الخطط التدريسية وضمان بقاء التنفيذ متسقاً مع الأهداف العامة للمعلم.

العمل المشترك العملي التأملي

يشير العمل المشترك العملي التأملي إلى شكل من التفاعل يتبادل فيه المعلم ونظام الذكاء الاصطناعي المعلومات حول الأفعال والإجراءات، استناداً إلى الخبرة السابقة أو أنماط الاستخدام أو التدريب. ويركز هذا المستوى على تنمية «فهم» وممارسات مشتركة بمرور الوقت، بما يمكّن الذكاء الاصطناعي من التعلم من عادات المعلم وتفضيلاته التدريسية، بينما يتكيف المعلم مع قدرات الذكاء الاصطناعي ومقترحاته التربوية. فعلى سبيل المثال، حين يقدم نظام دعم حواري قائم على نموذج لغوي كبير توصيات لتحسين التدريس، يمكنه التعلم من تغذية المعلمين الراجعة الصريحة والضمنية على تلك المقترحات، وتعديل نماذجه الأساسية وفقاً لذلك. ويتطلب ذلك أن يمتلك المعلمون الكفاءة اللازمة للتقويم النقدي لمقترحات الذكاء الاصطناعي بدلاً من قبولها دون نقد، وأن يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على التعلم من تصحيحات المعلم لتعديل نموذجه الداخلي وفقاً لذلك. ويوضح نظام اقتراح التغذية الراجعة القائم على تعلم الآلة الذي طوّره باحثون مثالاً على العمل المشترك العملي التأملي. فالنظام يحلل ما يقدمه الطلبة من شيفرات بلغة Python في المقررات الكبيرة، ويقترح تغذية راجعة يستطيع المدرسون مراجعتها أو تكييفها أو رفضها. وبمرور الوقت، يتعلم الذكاء الاصطناعي من تصحيحات المعلمين وتعديلاتهم، محسّناً قدرته على توليد تغذية راجعة أكثر ملاءمة للسياق ومتسقة مع التفضيلات التربوية للمدرسين. ويجسد هذا التبادل الديناميكي للمعلومات، حيث يتكيف الذكاء الاصطناعي مع أنماط التقويم لدى المعلمين بينما يقيّم المعلمون المقترحات المولدة بالذكاء الاصطناعي تقييماً نقدياً وينقحونها، جوهر العمل المشترك العملي التأملي، الذي تتطور فيه الممارسات المشتركة والتكيف المتبادل تدريجياً.

التعزيز

يشير التعزيز إلى العملية التي تصبح فيها أدوات الذكاء الاصطناعي، والممارسات الجديدة التي تتيحها، منسوجة في الذخيرة الداخلية للمعلمين بطرق تجعل هذه التفاعلات بين الإنسان والذكاء الاصطناعي تفضي أيضاً إلى زيادة في كفاءة المعلم. وهذا يقابل إلى حد بعيد المستوى الخامس من إطار العمل المشترك بين المعلم والذكاء الاصطناعي.

العمل المشترك التآزري

يشير العمل المشترك التآزري إلى شكل من التفاعل يعزز فيه المعلم ونظام الذكاء الاصطناعي كل منهما الآخر عبر التقويمات النقدية، ومساءلة مقترحات كل منهما وطروحاته بالمنطق والأدلة، والانخراط معاً في حل مشكلات معقدة للتقدم نحو فهم مشترك ونمو متبادل. وينطوي العمل المشترك التآزري الفعال على تفاعل متبادل، تقيّم فيه العوامل الذكية والمعلمون ادعاءات بعضهم بعضاً بوعي معرفي، ويذكّر كل منهم الآخر بجوانب ربما أُغفلت. وحين يكون هذا التفاعل متسقاً جيداً، ينشأ نوع من الرنين الإبداعي، يمكّن المعلم والذكاء الاصطناعي من تعميق فهمهما للمهمة وتوليد نتائج لا يستطيع أي منهما تحقيقها منفرداً. ولذلك يُتصور هذا النوع من العمل المشترك بوصفه تآزرياً، أي أن الكفاءة الناشئة يُرجح أن تتجاوز الحد الأقصى لكفاءة الذكاء الاصطناعي أو الإنسان منفرداً في مهمة معينة. وتكمن القيود الرئيسية للعمل المشترك العملي التأملي مقارنةً بالعمل المشترك التآزري في اعتماده على المعارف والخبرة والكفاءة القائمة لدى المعلم، دون أن يدفعه بالضرورة إلى ما وراء ممارساته الحالية. ولذلك يميل العمل المشترك العملي التأملي إلى التقارب عند الحد الأقصى لكفاءة المعلم الحالية، في حين يتطلب العمل المشترك التآزري نمواً متبادلاً أكثر طموحاً بين الذكاء الاصطناعي والمعلمين، وهي حالة يظل تحقيقها في الممارسة أصعب بكثير. وهكذا، في حين يستقر العمل المشترك العملي التأملي في الغالب عند سقف الأداء الأقصى الحالي للمعلمين أو للذكاء الاصطناعي، مع فوائد محتملة في الكفاءة وتوفير الوقت، فإن الانتقال نحو العمل المشترك التآزري، حيث يوسع الذكاء الاصطناعي والمعلمون قدرات بعضهم بعضاً ويحولونها، أصعب تحقيقاً.

التعزيز عبر التآزر

الشرط الرئيسي للتعزيز بهذا المعنى هو العمل المشترك التآزري بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، حيث تفضي توليفة الإنسان والذكاء الاصطناعي إلى كفاءة ناشئة تتجاوز الحد الأقصى لكفاءة الذكاء الاصطناعي أو الإنسان منفرداً في مهمة معينة.

غير أن هذه الفكرة، المستنيرة بنظريات الإدراك الموزع والممتد، تواجه عقبات تجريبية كبيرة. فقد كشف تحليل بعدي شامل حديث لـ106 دراسات تجريبية شملت جميع القطاعات، بنحو 370 حجم أثر مُبلغ عنه، أن توليفات الإنسان والذكاء الاصطناعي كان أداؤها أدنى من أداء الأفضل منهما منفرداً، إنساناً كان أم ذكاءً اصطناعياً، في 58% من الحالات التي جرت مراجعتها، مما يبرهن أن التآزر يتوقف على السياق ولا ينبغي افتراضه. والأهم أن التآزر لا ينشأ إلا في ظل شروط محددة. فأولاً، يهم نوع المهمة؛ إذ يُرجح حدوث التآزر في مهام إنتاج المحتوى البسيطة نسبياً، كأسئلة تعليم العلوم المفتوحة، بينما يخفق في مهام اتخاذ القرار المعقدة، كتصنيف الحالة الانفعالية لطالب في ضوء علاقته بطلبة آخرين. وثانياً، حين يتفوق البشر على الذكاء الاصطناعي منفرداً، يُرجح أن ينشأ التآزر، أما حين يتفوق الذكاء الاصطناعي على البشر، فيميل العمل المشترك بين الإنسان والذكاء الاصطناعي إلى تراجع الأداء. ويدل ذلك على أن التآزر يتوقف على الكفايات البشرية في التقدير ما وراء المعرفي لمتى يُوثق بمدخلات الذكاء الاصطناعي ومتى تُتجاهل، مما يؤكد أهمية تحسين كفايات المعلمين والطلبة في مجال الذكاء الاصطناعي ليتمكنوا من حماية فاعليتهم وامتلاك ثقة نقدية ومستنيرة بالذكاء الاصطناعي، على غرار ما يطرحه إطار كفايات الذكاء الاصطناعي للمعلمين الصادر عن اليونسكو. وثالثاً، للتصميم التدريسي الذي يجري ضمنه التفاعل مع الذكاء الاصطناعي أهمية كبيرة؛ إذ تشير أدلة المراجعة البعدية إلى أن ثلاث تجارب فقط من أصل 106 اختبرت صراحة تفويضاً محدداً سلفاً للمهام الفرعية بين البشر والذكاء الاصطناعي لتنظيم تفاعلاتهما، ولم تسفر عن مكاسب تآزرية ذات دلالة، مما يؤكد أن التعزيز الفعال يتطلب تفاعلات منهجية مدعومة بسقالات بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، مدمجة في إطار تدريسي جيد التصميم.

وتؤكد هذه النتائج أن التعزيز التآزري صعب التحقيق في مجالات كثيرة، منها الرعاية الصحية والقانون والتعليم. وتوحي بأن تطبيقات الذكاء الاصطناعي المستقبلية في التعليم الرامية إلى تحقيق التعزيز عبر التفاعلات التآزرية ينبغي أن تعطي الأولوية لتصميم الذكاء الاصطناعي وتطويره ونشره على نحو خاص بالمهمة، بدلاً من الاعتماد على أدوات عامة مثل ChatGPT، التي ليست في جوهرها تقنيات تعليمية أو تقنيات للنمو البشري. فمع أن هذه الأنظمة العامة الأغراض قد تكون قيّمة للاستخدام الاستكشافي أو الإبداعي، فإن مخرجاتها ليست مؤسسة تربوياً ولا محسّنة للاتساق التدريسي. ولذلك يتطلب تحقيق تآزر هادف تدعيماً مقصوداً للتفاعلات بين المعلم والذكاء الاصطناعي ضمن أطر تعليمية خاصة بالسياق، وتوفير تدريب للمعلمين على كفايات الذكاء الاصطناعي لمساعدتهم على إطلاق أشكال ناشئة من العمل المشترك مع الذكاء الاصطناعي. ومن المهم بالقدر ذاته وضع مقاييس تقييم متينة ترصد الجوانب المحددة من كفاءة المعلم والذكاء الاصطناعي التي يجري تعزيزها في مهمة معينة. فمن دون آليات التصميم والتقييم المقصودة هذه، لا يُرجح أن يحقق العمل المشترك بين المعلم والذكاء الاصطناعي تآزراً، ويخاطر بإنتاج عوائد متناقصة مقارنةً بأداء الإنسان أو الذكاء الاصطناعي منفرداً. ويتناول الإطار الخماسي المقترح هنا فاعلية المعلم من منظور إمكانات أنظمة الذكاء الاصطناعي واعتبارات التصميم على مستوى الواجهة، ومن ثم فإن إمكانات الأنظمة التي نوقشت آنفاً شروط ضرورية لكنها غير كافية للتفاعلات التآزرية بين المعلم والذكاء الاصطناعي. ويعرض ما يلي أمثلة على المستويات الخمسة المختلفة للعمل المشترك بين الذكاء الاصطناعي والمعلم.

مثال دراسة حالة على مستويات العمل المشترك بين المعلم والذكاء الاصطناعي

لتوضيح طيف العمل المشترك بين المعلم والذكاء الاصطناعي بعبارات أكثر تحديداً، تُوصف المستويات هنا من خلال حالة نظام ذكاء اصطناعي متعدد الوسائط صُمم لتشخيص التحديات التعاونية لمجموعات الطلبة وتفاعلاتها في سياقات التعليم العالي. والغرض من هذه الأداة دعم المهارات الموقفية للمعلمين في مراقبة تفاعلات مجموعات الطلبة، بما يتيح تشخيصاً أدق وتدخلات في الوقت المناسب في أنشطة العمل الجماعي للطلبة.

المستوى الأول، العمل المشترك التبادلي: في أبسط صوره، يعمل النظام أداةَ تصنيف قائمة على تعلم الآلة، تصنف الطلبة تلقائياً إلى مستويات مرتفعة ومتوسطة ومنخفضة من كفاءة حل المشكلات تعاونياً باستخدام بيانات أجهزة استشعار متعددة الوسائط. وهنا ينفذ الذكاء الاصطناعي مهمة تصنيف منفصلة استجابةً لإدخال المعلم بيانات سجلات تفاعل الطلبة وتسجيلاتهم الصوتية ومقاطع الفيديو، فيبسّط العمل التشخيصي الروتيني دون أن يشكّل الممارسة التربوية بفاعلية.

المستوى الثاني، العمل المشترك الموقفي: على هذا المستوى، يدمج النظام نماذج ذكاء اصطناعي توليدي لرصد أبعاد التحديات من حوار الطلبة، وتقنيات الرؤية الحاسوبية لتحليل التفاعلات الجماعية غير اللفظية، ويعرض الرؤى المستخلصة من هذه النماذج بصرياً على لوحة معلومات موجهة إلى المعلم. وتخلق هذه الرؤى وعياً مشتركاً بديناميات الصف، بهدف استكمال إدراك المعلمين لعمليات المجموعات ومساعدتهم على التعرف إلى اللحظات التي قد تستدعي التدخل. فيمكن لهذه التمثيلات البصرية مثلاً أن تبيّن أوقات الإصغاء الفاعل للطلبة في الأنشطة الجماعية، وأنواع التفاعلات الجماعية التي ينخرطون فيها، والتحديات المشخصة، معرفية كانت أو انفعالية أو ما وراء معرفية أو تقنية، ومدى نجاح المجموعة في حلها.

المستوى الثالث، العمل المشترك التشغيلي: على هذا المستوى، يبدأ النظام بالتعاون مع المعلمين في تخطيط المهام التدريسية وتنفيذها، بتحويل الأهداف التي يحددها المعلمون إلى قواعد ومعايير قابلة للتنفيذ. إذ يحدد المعلمون أولويات، كتعزيز المشاركة المنصفة أو دعم العمليات ما وراء المعرفية، فتُترجم إلى قيم عتبية وقواعد شرطية وحوافز آلية. فعلى سبيل المثال، قد يهيئ المعلم النظام بحيث إذا لم يسهم طالب ما خلال مرحلة تحديد نطاق المشكلة لأكثر من عدد محدد من الدقائق، تولد لوحة المعلومات تنبيهاً لطيفاً يشجعه على المشاركة. وبالمثل، إذا رصدت النماذج أن مجموعة ما تواجه صعوبة في تحديات ما وراء معرفية خاصة بالمهمة، يمكن للنظام التدخل باستخدام مخرجات مولدة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، مقترحاً على الطلبة العودة إلى وصف النشاط وتوضيح أهدافهم المباشرة. وبهذه الطريقة، تعمل لوحة المعلومات شريكاً في الإدارة المشتركة، تجعل تغذيتها الراجعة وتدخلاتها متسقة مع المقاصد التربوية المعلنة للمعلم، مع الاحتفاظ بسلطة المعلم العامة وحكمه المهني.

المستوى الرابع، العمل المشترك العملي التأملي: على هذا المستوى، يتطور التفاعل بين المعلمين والنظام إلى تطوير ممارسات مشتركة، يتعلم فيها نظام الذكاء الاصطناعي ويتكيف عبر الاستخدام المستمر. فبدلاً من تقديم التغذية الراجعة التي يولدها النظام مباشرة للطلبة، تقدم لوحة المعلومات التمثيلات البصرية والتوصيات المصممة للمعلم أولاً، فيراجع المعلمون هذه المقترحات مراجعة نقدية، ويعدّلونها أو يحررونها، وقد يضيفون توصيات أخرى بناءً على حكمهم المهني. وتُسجل هذه التعديلات ويعالجها نظام الذكاء الاصطناعي، فيدمجها في قاعدة معارفه لتحسين مخرجاته تدريجياً. وبمرور الوقت، تمكّن هذه العملية الذكاء الاصطناعي من الاقتراب أكثر من توقعات المعلم واحتياجاته التربوية. ومع ذلك، يظل مسار تطور العمل المشترك العملي التأملي محدوداً بالخبرة القائمة للمعلم، إذ يتكيف الذكاء الاصطناعي أساساً مع الممارسات الحالية بدلاً من دفع المعلمين بفاعلية إلى ما وراء كفاءتهم الراسخة. وفي المقابل، يتطلب العمل المشترك التآزري تحولاً متبادلاً أعمق، يوسّع فيه كل من المعلم والذكاء الاصطناعي قدرات الآخر لابتكار ممارسات ونتائج جديدة بالاشتراك تتجاوز كفاءة أي منهما منفرداً.

المستوى الخامس، العمل المشترك التآزري: على هذا المستوى، يتطور العمل المشترك بين المعلم والذكاء الاصطناعي إلى بناء حواري مشترك للممارسة التعليمية. إذ يراقب عامل ذكي إضافي تفاعلات المعلم مع نظام التشخيص والتغذية الراجعة، ويقيّم تقييماً نقدياً التوصيات التي يولدها المعلم في ضوء مبادئ علوم التعلم وبيانات التفاعل السابقة وتعديلات المعلم السابقة. وبدلاً من قبول تعديلات المعلم قبولاً سلبياً، يشرك النظام المعلم في تفاوض، حاثاً إياه على إعادة النظر في أبعاد أُغفلت أو في استراتيجيات بديلة. ومن خلال هذا التبادل الحواري مع عامل توليدي، يقيّم كل من المعلم والعوامل الذكية ادعاءات الآخر ويوسعان استدلالهما المتبادل. وحين يكون ذلك متسقاً جيداً، ينتج عنه نوع من الرنين الإبداعي تتشابك فيه الخبرة التربوية للمعلم مع القدرات التحليلية والتقويمية للذكاء الاصطناعي لتوليد حلول أو تدخلات أو تصاميم تدريسية جديدة لا يستطيع أي منهما تحقيقها منفرداً. وهذا ما يُتصور بوصفه تآزراً، أي كفاءة ناشئة تتجاوز الحد الأقصى لأداء الإنسان أو الذكاء الاصطناعي منفرداً.

وتؤكد الأدلة التجريبية من دراسات حديثة الفوائد الملموسة للعمل المشترك العملي التأملي والتآزري بين المعلم والذكاء الاصطناعي في تعزيز فاعلية المعلمين ونواتج تعلم الطلبة معاً. ففي دراسة بحثية حول مصحح آلي، تبيّن أن مقاربة العمل المشترك العملي التأملي بين المعلم والذكاء الاصطناعي خفّضت وقت التصحيح بنسبة 44% مع تحسين الدقة بنسبة 6% مقارنةً بالتصحيح اليدوي. وقيّم مساعدو التدريس باستمرار العملية المدعومة بالذكاء الاصطناعي بأنها أسرع وأسهل وأمتع، وأفادوا بأن الأتمتة خففت الأعباء المعرفية الروتينية وأتاحت تركيزاً أكبر على الاستدلال التربوي العالي المستوى. وبالمثل، أثبتت دراسة حول الإبداع المشترك للتغذية الراجعة بين المعلم والذكاء الاصطناعي أن إشراك خبراء المادة في تأليف المحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يحقق جودة تدريسية مماثلة للمواد البشرية الخالصة، مع خفض كبير في الوقت والجهد المعرفي. فبمشاركة عشرة من خبراء الرياضيات و358 متعلماً، بيّنت الدراسة أن مقاربة تكرارية بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في الإنتاج المشترك للتغذية الراجعة خفّضت عبء العمل المتصور بنسبة 50%، واختصرت عملية تطوير المحتوى من عدة أشهر إلى بضع ساعات، مع الحفاظ على مكاسب تعلم ذات دلالة إحصائية للطلبة. وتؤكد هذه النتائج مجتمعةً الإمكانات التجريبية للذكاء الاصطناعي التوليدي في دعم مقاربات أكثر تقدماً للعمل المشترك تضاعف إنتاجية المعلمين، وتحسن جودة التدريس، وتديم نواتج التعلم، حين يظل الإشراف البشري والفاعلية البشرية في صميم تصميم الأنظمة.

غير أن كلتا الدراستين تحذران من أن التعزيز لا يخلو من القيود. ففي الدراسة الأولى، تراجع أداء الذكاء الاصطناعي في الحالات غير الممثلة في بيانات التدريب، مما كشف عن توقف موثوقية النظام على تنوع بيانات التدريب والحاجة إلى تحقق مستمر من المعلمين البشريين. وبالمثل، أفاد المشاركون في الدراسة الثانية بعدم قابلية النموذج للتنبؤ أحياناً وبصعوبات في توجيه مخرجات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مؤكدين أن جودة التعزيز تتوقف على ثقافة المعلمين في صياغة الأوامر النصية وقدرتهم على التنظيم ما وراء المعرفي. فضلاً عن ذلك، أشار التفاوت في نواتج التعلم بين الدروس إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يقصر أداؤه في سياقات تربوية معينة أو مع ملامح متعلمين معينة. وأخيراً، لم تقس أي من الدراستين التحسن في كفاءة المعلم قبل تفاعلاته مع الأدوات وبعدها لتقييم أثر هذه التفاعلات في كفاءته.

وتشير هذه النتائج مجتمعةً إلى أن فوائد التعزيز تتوقف على خصائص تصميم الواجهة، والتدعيم المنظم للتفاعلات العملية التأملية والتآزرية، والكفاءة والدافعية الخاصتين بالمعلمين. فأياً كانت إمكانات العمل المشترك بين المعلم والذكاء الاصطناعي، يظل احتمال تحقيق التعزيز منخفضاً دون كفاءة ودافعية كافيتين لدى المعلمين للتعامل مع هذه الأدوات تعاملاً هادفاً. فضلاً عن ذلك، يستطيع بعض المعلمين فعلاً تحقيق مكاسب في الكفاءة حتى في عملهم المشترك التبادلي مع أدوات الذكاء الاصطناعي، حين تُستخدم بتأمل وقصد. ويوضح ذلك أيضاً أن المستويات الخمسة للعمل المشترك بين المعلم والذكاء الاصطناعي ليست مراحل تقدم مرتبة هرمياً، بل أنماط تفاعل حساسة للسياق. فقد تستفيد مهام تعليمية ومتطلبات تخصصية وسياقات مؤسسية ومحلية مختلفة فعلاً من مستويات مختلفة من العمل المشترك. ومع ذلك، يمثل تصميم إمكانات العمل المشترك التي تتيح درجات أعلى من فاعلية المعلم، كالتشغيلية والعملية التأملية والتآزرية، جهداً مقصوداً لتعظيم احتمال أن يسهم التفاعل بين المعلم والذكاء الاصطناعي في مزيد من تعزيز فاعلية المعلمين ونمو كفاءتهم. وهذه الأشكال العليا من العمل المشترك ليست متفوقة في ذاتها، لكنها منظمة لتوفير فرص أثرى للتأمل والتكيف والتحول التربوي. وبهذا المعنى، ليس التعزيز خاصية للتقنية وحدها، بل نتيجة ناشئة عن التفاعل الديناميكي بين كفاءة المعلم ودافعيته، وتصميم واجهة التكامل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، وإمكانات نماذج الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي التوليدي والعمل المشترك بين المعلم والذكاء الاصطناعي

يمثل الذكاء الاصطناعي التوليدي تقدماً كبيراً في إمكانات الذكاء الاصطناعي ضمن تطور مستويات العمل المشترك بين المعلم والذكاء الاصطناعي، إذ يوسع نطاق التكامل عبر جميع مستويات التفاعل. فأولاً، يتيح الذكاء الاصطناعي التوليدي التنوع والكفاءة بنطاق ودقة لم يكن بلوغهما ممكناً من قبل. فقدرته على توليد مخرجات متعددة الوسائط، نصية وبصرية وسمعية، تتيح للمعلمين الوصول إلى الموارد وتكييفها وفق ملامح المتعلمين المتنوعة وخلفياتهم اللغوية واحتياجاتهم التعلمية. ويخلق الأداء المرتفع لأحدث نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي في توليد المحتوى فرصاً غير مسبوقة للعمل المشترك التبادلي بين المعلمين والذكاء الاصطناعي التوليدي، بما يتيح لهم إنجاز طيف أوسع من المهام، من مواد دروس ملائمة للسياق إلى محتوى للطلبة ذوي إعاقات معينة. بل إن أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي العامة، مثل ChatGPT وGemini وDeepSeek وغيرها، التي لم تُصمم خصيصاً للتعليم، كثيراً ما تستطيع دعم العمل المشترك التبادلي والتشغيلي بفضل إمكاناتها اللغوية والإبداعية الواسعة. فالمعلمون اليوم يطلبون من ChatGPT عادةً توليد اختبار قصير، أو تلخيص نص، أو إعادة صياغة تعليقات التغذية الراجعة. ومع أن التفاعل يظل تبادلياً في معظمه، إذ يُقدَّم طلب وتُعاد مخرجات، فإن هذه الأنظمة تقدم دعماً كبيراً في طيف واسع من مهام توليد المحتوى التي لم تكن ممكنة ببساطة قبل الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتكمن فاعلية المعلم في هذه التفاعلات في الغالب في تقويم استجابة الذكاء الاصطناعي التوليدي وتكييفها، لكن التبادل المعرفي يظل في معظمه على مستوى أتمتة المهام والكفاءة.

وفي العمل المشترك الموقفي والتشغيلي، يوفر الذكاء الاصطناعي التوليدي وعياً موقفياً أثرى بتوليف تدفقات متنوعة من البيانات الصفية، كالنصوص والكلام والإشارات الفسيولوجية وسجلات التفاعل والإشارات البصرية، في رؤى قابلة للتفسير تساعد المعلمين على اتخاذ قرارات مستنيرة وفي الوقت المناسب. وعلى خلاف أنظمة الذكاء الاصطناعي والتحليلات التقليدية السابقة التي قدمت لوحات معلومات ساكنة أو أحادية البعد، يستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي ترجمة إشارات البيانات المتعددة الوسائط المعقدة إلى شروح سردية أو إسقاطات لسيناريوهات بديلة، مما يتيح للمعلمين أن يكونوا أكثر اطلاعاً على سياقاتهم الصفية من منظورات متعددة. فضلاً عن ذلك، تتيح إمكانات الاستدلال اللغوي للذكاء الاصطناعي التوليدي التعبير عن معالجة البيانات الموقفية وإدخال المدخلات التشغيلية إلى النموذج بسهولة أكبر، للإبداع المشترك للخطط والأهداف والمقاصد في حوار طبيعي، بدلاً من البرمجة أو أدوات التأليف المحدودة للمعلمين، كما كان الحال في مقاربات الذكاء الاصطناعي التقليدية.

والأعمق من ذلك أن إمكانات الذكاء الاصطناعي التوليدي تفتح مسارات غير مسبوقة نحو العمل المشترك العملي التأملي والتآزري. فعلى خلاف أنظمة الذكاء الاصطناعي التقليدية التي تعمل ضمن حدود ثابتة للتنبؤ أو التصنيف، يملك الذكاء الاصطناعي التوليدي القدرة على الانخراط في عمليات إبداع مشترك مع المعلمين، كتوليد الفرضيات التربوية، ونقد بنى الدروس، واقتراح التشبيهات المفاهيمية، وإبراز التوترات المعرفية المحتملة في التصميم التدريسي. ويمكن تحقيق هذا الانخراط الحواري، الذي يقع في صميم مستويي العمل المشترك العملي التأملي والتآزري، بلغة طبيعية باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي. كما يملك الذكاء الاصطناعي التوليدي قدرة على الاستدلال التكيفي المفتوح، مما قد يتيح للمعلمين إظهار تفكيرهم التربوي وفحصه وتنقيحه في دورات تكرارية من التأمل والنقد. ويملك هذا التبادل التكراري إمكانية رعاية النمو المهني، بتمكين المعلمين من مساءلة ممارساتهم المعتادة واستكشاف مقاربات بديلة لم تكن الخبرة البشرية أو التحسين الخوارزمي كل منهما وحده ليكشف عنها. غير أننا لا نزال في المراحل الأولى من دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي دمجاً هادفاً في أدوات الذكاء الاصطناعي الموجهة إلى المعلمين، ولا يزال مدى قدرة هذه الأنظمة على مشاركة المعلمين حقاً في مسؤولية صنع المعنى غير مؤكد. فلم يتضح بعد ما إذا كانت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي قادرة على الإبداع المشترك للمعنى التربوي بطريقة تتحدى استدلال المعلمين بحق، وتثير التأمل، وتسهم في تعلم مهني أعمق. ومع أن إمكاناتها الحوارية تبشر بتبادلات أكثر تكافؤاً، فإن التطبيقات الحالية نادراً ما تُظهر القدرة على الاعتراض على القرارات التربوية غير الملائمة أو دون المثلى، أو مساءلة افتراضات المعلمين، أو اقتراح منظورات بديلة مؤسسة على النظرية والأدلة التربوية. ولا يزال تحقيق هذا التوتر التأملي، حيث لا تكتفي أنظمة الذكاء الاصطناعي بالمساعدة بل تتحدى المعلمين تحدياً بناءً أيضاً، يتطلب تقدماً في النمذجة المعرفية للخبرة التدريسية وفي تصميم واجهات التفاعل بين المعلم والذكاء الاصطناعي معاً، غير أن أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي توفر فرصاً فريدة ينبغي استكشافها في السنوات المقبلة.

خاتمة

لن يتحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم بمدى كفاءته في المساعدة على أتمتة المهام، بل بمدى فاعليته في تمكين المعلمين من ممارسة حكمهم المهني وتوسيع كفاءتهم. ويوفر النموذج المفاهيمي المقترح هنا، أي الإحلال والتكامل والتعزيز، والمستويات الخمسة لإطار العمل المشترك بين المعلم والذكاء الاصطناعي، أي التبادلي والموقفي والتشغيلي والعملي التأملي والتآزري، أساساً للسياسات والبحوث لرسم خريطة أنظمة الذكاء الاصطناعي القائمة الموجهة إلى المعلمين، ووضع مبادئ تصميم لتحديد متى تحل أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي محل كفايات المعلمين أو تكملها أو تعززها. ويمكن استخدام المستويات الخمسة لهذا الإطار لتقييم أدوات الذكاء الاصطناعي في ضوء معايير صريحة لدعم فاعلية المعلم، وتتبع التحولات الديناميكية من التفاعلات التبادلية إلى التفاعلات التآزرية.

ومن المهم أيضاً الإقرار بأنه لما كان التآزر يتطلب تفاعلات متبادلة لتدفق المعلومات في الاتجاهين بين الذكاء الاصطناعي والبشر، يمكن الحديث أيضاً عن استيعاب القيم البشرية في أنظمة الذكاء الاصطناعي بوصفه جزءاً من هذه العملية. فمع عمل المعلمين عن كثب مع الذكاء الاصطناعي، يُفترض في الحالة المثلى أن يؤثروا في تصميم هذه الأنظمة وضبطها، عبر التغذية الراجعة، والاعتراض على التوصيات مع ذكر أسباب الاعتراض، وخيارات الاستخدام، والتصميم التشاركي وغيرها. وبمرور الوقت، ينبغي للذكاء الاصطناعي المستخدم في الصفوف أن يتعلم أولويات التدريس الجيد لدى معلم معين تبعاً لفلسفته التربوية واحتياجاته ومتطلباته، كتعزيز الاستقصاء، وعدم التسرع في تقديم الإجابات، واحترام الحلول المتنوعة، وتفضيل خيارات تدريسية معينة على غيرها، لأن المعلمين يرسخون ذلك في تفاعلاتهم مع الذكاء الاصطناعي. وبمعنى ما، يتعلم نظام الذكاء الاصطناعي بعض الحكمة التربوية للمعلم عبر هذه التفاعلات التآزرية. ومن ثم يتطلب التعزيز أيضاً مساحات ملائمة لتأمل البشر ومساحة لتحديث نماذج الذكاء الاصطناعي؛ أي أن يتأمل المعلمون في كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي في ممارستهم وتعلم طلبتهم، وأن يستخدم الذكاء الاصطناعي بيانات التفاعل المسجلة لتحديث معاملات نموذجه وأوزانه ليتعلم من تفاعلاته مع المعلمين. ويقع هذا الاستيعاب الثنائي الاتجاه في صميم التطور المشترك بين الإنسان والذكاء الاصطناعي في التعليم من أجل التعزيز التآزري؛ فالمعلمون يشكّلون الذكاء الاصطناعي كما يشكّل الذكاء الاصطناعي الممارسات التدريسية على نحو تآزري.

ويمثل نموذج التعزيز التآزري أعمق أشكال التفاعل بين المعلم والذكاء الاصطناعي، حيث لا يعود الذكاء الاصطناعي «إضافة» منفصلة ومكملة لكفاءة المعلمين، بل جزءاً من نسيج التعليم والتعلم. وهو يبشر بتربيات قائمة على ذكاء هجين حقيقي، توظف قدرات الذكاء الاصطناعي مع الاسترشاد بالحكمة البشرية في تفاعلات تآزرية تفضي إلى كفاءة معززة تفوق الحد الأقصى لكفاءة الإنسان أو الذكاء الاصطناعي منفرداً. ويتطلب ذلك مستويات مرتفعة من فاعلية المعلم للتفاوض على العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. فضلاً عن ذلك، يجب أن يظل المعلمون واعين بذواتهم، يؤكدون باستمرار القيم والخبرات البشرية في الحلقة حتى وهم يتبنون أساليب جديدة يمكّنها الذكاء الاصطناعي. وتحقيق النجاح في نموذج التعزيز هذا أمر صعب في التعليم، لكنه يتسق مع رؤية للتعليم يعمل فيها الذكاء الاصطناعي أداةً لتعزيز كفاءة المعلمين، بما يثري تجارب التعليم والتعلم في نهاية المطاف.

دراسة ذات صلة