الفصل الرابع: تعزيز التعلم التعاوني وتنمية مهارات التعاون: ما الذي يمكن أن يسهم به الذكاء الاصطناعي التوليدي
سيباستيان شتراوس، جامعة الرور في بوخوم (ألمانيا)، ونيكول روميل، جامعة الرور في بوخوم ومركز الدراسات المتقدمة للإنترنت (ألمانيا)
يوضح هذا الفصل إمكانات الذكاء الاصطناعي التوليدي في دعم التعلم التعاوني، ويراجع البحوث الناشئة في هذا المجال. فبعد عرض كيفية دعم التقنية للتعلم التعاوني، نبيّن الأدوار التي يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أداؤها في أثناء التعاون، كأن يكون مستودعاً للمعلومات أو معلماً أو مدرساً خصوصياً، وجوانب التعاون التي يمكنه دعمها، كتوفير المعرفة أو تعزيز التفاعل الاجتماعي، وما إذا كان هذا الدعم يؤثر في التعلم من حيث المعارف الخاصة بالمجال ومهارات التعاون الفعال. ونختتم بمناقشة السبل الممكنة للجمع بين الذكاء الاصطناعي التوليدي والأنواع الراسخة من دعم المجموعات.
مقدمة
يمكن أن يكون التعاون مع الآخرين في مجموعات صغيرة فعالاً للتعلم، إذ لا يعزز المعارف الخاصة بالمجال فحسب، بل يعزز أيضاً المعارف والمهارات اللازمة للتعلم والعمل ضمن فرق. وفي الوقت ذاته، تواجه المجموعات تحديات في أثناء التعاون، ولذلك بُذلت جهود لتصميم دعم يساعد المجموعات على تجاوز هذه التحديات. وللأعمال في علوم التعلم، ولا سيما في مجال التعلم التعاوني المدعوم بالحاسوب، تقليد راسخ في تطوير الدعم الحاسوبي للتعلم التعاوني واختباره. وقد توسعت هذه الأعمال الآن ببحوث تستكشف استخدام نماذج تعلم الآلة التي تندرج تحت مسمى «الذكاء الاصطناعي التوليدي» في سياق التعلم التعاوني. غير أن صورة واضحة لمشهد الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعلم التعاوني المدعوم بالحاسوب لا تزال غائبة. ولذلك يوضح هذا الفصل كيف تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي حالياً لدعم المجموعات في أثناء التعلم التعاوني، ويحلل فاعليتها في ذلك. ولتحقيق هذا الهدف، نراجع عينة واسعة من الدراسات البحثية الحالية التي يُوظَّف فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي لدعم التعلم التعاوني.
ولفهم كيفية تصميم الذكاء الاصطناعي التوليدي لدعم التعلم التعاوني، وتحديد ما يلزم لتزويد المجموعات بدعم يراعي احتياجاتها الراهنة، من المفيد توضيح كيفية حدوث التعلم في أثناء التعاون. ولذلك نقدم أولاً لمحة موجزة عن الآليات الجوهرية التي يقوم عليها التعلم التعاوني، ونبيّن لماذا تستفيد المجموعات من الدعم. ثم نعرض، استناداً إلى أعمال سابقة ركزت على توظيف تقنيات الحاسوب لدعم المجموعات، أبرز مقاربات التعلم التعاوني المدعوم بالحاسوب في دعم المجموعات. ويتيح لنا ذلك وضع الذكاء الاصطناعي التوليدي في السياق الأوسع للدعم التدريسي، ومقارنته بالجهود السابقة في هذا المجال، وتحديد الإمكانات التي تقدمها هذه التقنية من حيث تزويد المجموعات بدعم مخصص، أي تكيفي.
ويصف الجزء الرئيسي من هذا الفصل كيف تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي حالياً لتزويد المجموعات بالدعم. ونبيّن فيه الأدوار التي يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أداؤها في أثناء التعاون، وجوانب التعاون التي يمكنه دعمها، وما إذا كان هذا الدعم يؤثر في التعلم من حيث المعارف الخاصة بالمجال والمعرفة بالتعاون الفعال، والأسس التي تحدد بها أدواته متى يمكن دعم المجموعات وكيف.
وتوضح مراجعتنا إمكانات الذكاء الاصطناعي التوليدي في دعم التعلم التعاوني، وتؤكد الحاجة إلى جهود أكثر منهجية لتحديد كيفية تصميمه لدعم التعاون، ولا سيما من حيث تأثيره في عمليات التعاون والتعلم اللاحق. ومع أن الحاجة قائمة إلى مزيد من البحث، يمكن للجهود المستقبلية الرامية إلى تصميم دعم فعال باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي أن توظف الرؤى الراسخة المستمدة من بحوث علوم التعلم. ونختتم الفصل بنظرة استشرافية نناقش فيها السبل الممكنة للمضي قدماً في تصميم دعم الذكاء الاصطناعي التوليدي، وكيفية الجمع بين هذه التقنية والأنواع الراسخة من دعم المجموعات، وكيفية بحث فوائد هذا الدعم وتعميق فهمنا لأثره في عمليات التعاون والتعلم. والأهم أننا نشير إلى عدة قضايا يتعين التعامل معها في أثناء هذه العملية.
التعلم التعاوني: التعاون من أجل التعلم وتعلم التعاون
ما التعلم التعاوني؟
يمكن فهم التعلم التعاوني بوصفه «موقفاً يتعلم فيه شخصان أو أكثر شيئاً ما معاً أو يحاولون تعلمه»، وبوصفه «نشاطاً منسقاً ومتزامناً ينتج عن محاولة مستمرة لبناء تصور مشترك لمشكلة ما والحفاظ عليه». وتبيّن هذه التعريفات أن التعلم التعاوني يمكن أن يشمل طيفاً من بيئات التعلم التي لا يقتصر فيها الأمر على تقديم المعلومات للمتعلمين، بل يبنون فيها المعرفة بالاشتراك وبفاعلية من خلال التفاعل. والأهم أن التفاعل بين أعضاء المجموعة يخدم البناء المشترك للمعرفة، لا مجرد إنتاج منتجات كالنصوص أو العروض التقديمية أو الشيفرات البرمجية أو غيرها.
ويُقابَل مصطلح «التعلم التعاوني» أحياناً بمصطلح «التعلم التشاركي»؛ فالتعلم الجماعي يُفهم بوصفه «تعاونياً» حين يُطلب من جميع أعضاء المجموعة التفاعل فيما بينهم لتحقيق أهدافهم، في حين يُفهم بوصفه «تشاركياً» حين يمكن تقسيم المهمة المشتركة إلى أهداف فرعية يمكن تحقيقها باستقلالية، أي دون حاجة إلى البناء المشترك للمعرفة، وفق مقاربة «فرّق تَسُد». وفي هذا الفصل، نستخدم مصطلح التعلم «التعاوني» للإشارة إلى ترتيبات مختلفة للتعلم في مجموعات صغيرة، دون التمييز الصريح بين المفهومين.
وقد ثبتت الآثار المفيدة للتعلم التعاوني مراراً، سواء في اكتساب المعارف الخاصة بالمجال ونقلها، أي التعاون من أجل التعلم، أو في اكتساب مهارات التعاون، أي تعلم التعاون. ومن النتائج المهمة لبحوث علوم التعلم أن وضع المتعلمين في مجموعة وتكليفهم بمهمة يحلونها جماعياً لا يضمن التعلم. فالتعلم التعاوني يشمل البناء المشترك الفاعل للمعرفة من جانب أعضاء المجموعة، وهو ما يحدث عبر أنشطة كتقديم الشروح لأعضاء المجموعة، والتوسع في الأفكار، وتقديم التغذية الراجعة على الأخطاء، وطرح أسئلة مثيرة للتفكير، وحل التعارضات المفاهيمية، والنمذجة المعرفية. ومن ثم تُعدّ أنماط التفاعل مفتاح التعلم عبر التعاون.
ومن الشروط المسبقة المهمة للتفاعل المثمر بين أعضاء المجموعة الاعتماد المتبادل الاجتماعي، أي أن كل عضو في المجموعة لا يستطيع تحقيق أهدافه إلا إذا ساعد الأعضاء الآخرين على تحقيق أهدافهم. وإلى جانب التفاعل لبناء المعرفة بالاشتراك، يتعين على المجموعات أداء مهام أخرى عدة تمهد الأرضية لاستمرار هذا البناء، كالحفاظ على فهم مشترك أو أرضية مشتركة، والمشاركة الفاعلة في النقاشات، وتنظيم التعاون. وإلى جانب هذه العمليات المفيدة، حددت البحوث أيضاً عثرات قد تعوق التعلم التعاوني.
ومن الواضح أن التعلم التعاوني معقد ويمثل تحدياً للمتعلمين. ولذلك استكشفت بحوث علوم التعلم كيفية مساعدة المجموعات على الانخراط في تفاعل فعال يتيح التعلم في نهاية المطاف. ونقدم في القسم التالي لمحة عامة عن المنطلقات التي توجه تصميم هذا الدعم للتعاون، ونوضح أهم أنواع الدعم التكيفي، بدءاً بالدعم الذي لا يعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتشكل هذه اللمحة أساساً لتحليل التطبيقات الحالية للذكاء الاصطناعي التوليدي ومناقشة المسارات المستقبلية لتطوير دعمه للتعلم التعاوني.
الدعم الحاسوبي للتعلم التعاوني: السقالات التكيفية
ليس تزويد المجموعات بدعم تكيفي أو مخصص مفهوماً جديداً. فأولى الجهود في مجال التعلم التعاوني المدعوم بالحاسوب تعود إلى تسعينيات القرن الماضي، وبحثت في دعم غير تكيفي. ومع أن هذا الدعم غير التكيفي ذاته ثبتت قدرته على تعزيز الآثار المفيدة للتعلم التعاوني، فقد ظل الدعم التكيفي موضوعاً ثابتاً في الخطاب المتعلق بدعم التعاون.
والأساس المفاهيمي لتزويد المجموعات بدعم مصمم وفق احتياجاتها هو مفهوم السقالات التعليمية، الذي يستحضر استعارة السقالات المستخدمة في تشييد المباني، للدلالة على تزويد المتعلمين بالوسائل التي تمكنهم من إنجاز مهام تعلم لم يكن بلوغها ممكناً من قبل. والجوهري في السقالات أن يؤدي المتعلم جميع أجزاء المهمة بنفسه، رغم تلقيه الدعم، وهو ما يُعرف بـ«النشاط المستقل». وتأتي السقالات من طرف أكثر معرفة، كالمعلم أو المواد التعليمية أو بيئة التعلم الرقمية. فعلى سبيل المثال، يمكن للسقالات أن تنمذج عملية حل المسائل، أو توجه الانتباه إلى جوانب مهمة في المهمة، أو تستدعي الشروح. وبما أن كل متعلم يدخل موقف التعلم بمعارف سابقة مختلفة، فإن التكيف من المبادئ الأساسية للسقالات، والأمر ذاته ينطبق على مجموعات المتعلمين. ويُعدَّل هذا الدعم التكيفي أو المخصص وفق الخصائص ذات الصلة للمتعلم أو المجموعة أو تفاعلهما، وتكون الخصائص «ذات صلة» إذا كان يُتوقع أن تؤثر في قدرة المجموعات على تحقيق هدفها، كاكتساب معارف جديدة خاصة بالمجال. ويتسق ذلك مع أعمال في مجال التعلم التعاوني المدعوم بالحاسوب، ولا سيما البحوث المتعلقة بنصوص التعاون الخارجية، إذ أظهرت البحوث حول الخبرة ونصوص التعلم التعاوني أن المجموعات لا تستفيد جميعها من القدر ذاته من الدعم. بل يُتوقع أن يفضي الدعم المفرط في التفصيل إلى أداء أدنى لدى المتعلمين ذوي الكفاءة المرتفعة أصلاً، وهو ما يُعرف بأثر انعكاس الخبرة أو الإفراط في البرمجة، في حين قد يجد المتعلمون ذوو الخبرة السابقة القليلة صعوبة في التعاون بفاعلية حين يتلقون دعماً قليلاً جداً، وهو ما يُعرف بالتفريط في البرمجة. ومن ثم يُعدّ تكييف الدعم وفق احتياجات المجموعة أمراً حاسماً.
التصميم من أجل الدعم التكيفي
عند تصميم دعم للتعلم التعاوني، يتعين على الباحثين والمطورين اتخاذ عدد من القرارات، ويمكن أن يكون إطار أبعاد التصميم في مجال التعلم التعاوني المدعوم بالحاسوب دليلاً مفاهيمياً لذلك.
فأولاً، يجب على المطورين أن يقرروا ما يُنتظر من الدعم في نهاية المطاف أن يساعد المجموعات على تحقيقه، أي هدف الدعم. وقد يكون هذا الهدف اكتساب معارف جديدة خاصة بالمجال، أو اكتساب مهارات التعاون، أو الرضا عن التعاون، أو غير ذلك من النواتج ذات الصلة. ثم يتعين تحديد كيفية تحقيق الدعم التدريسي لهذا الهدف، وهو ما يُسمى مستهدف الدعم. فعلى سبيل المثال، لكي تبني المجموعة بالاشتراك معرفة لم يكن يمتلكها أي من أعضائها من قبل، قد تتلقى دعماً يستهدف تفاعلها، كحث المجموعات على الانخراط في نقاش. ويمكن معالجة الهدف ذاته بمساعدة المجموعات على مراقبة فهمها ودعم بعضها بعضاً في تصحيح المفاهيم الخاطئة. وإلى جانب أبعاد أخرى كتوقيت الدعم والجهة الموجه إليها ومدى إتاحته، يتعين أيضاً تحديد ما إذا كان الدعم يُطبق بطريقة ثابتة، تتلقى فيها جميع المجموعات الدعم ذاته في الوقت ذاته، أو قابلة للتكييف، تقرر فيها كل مجموعة الدعم الذي تتلقاه، أو تكيفية، يقرر فيها نظام ما الظروف التي تتلقى فيها المجموعة درجة معينة من الدعم.
وأساس النظام التكيفي نموذج للشروط المسبقة ذات الصلة بالتعلم التعاوني وللحالات أو العمليات المرغوبة التي يمكن أن تحدث في أثناء التعاون، ويقوم عليه عمل نظام الدعم المؤتمت. وتعود الأعمال المبكرة حول الدعم التكيفي للتعلم التعاوني إلى العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ووظفت تقنيات تمثل الذكاء الاصطناعي «التقليدي» أو الرمزي، أي أنها كانت قائمة على القواعد.
ولتزويد المجموعات بدعم تكيفي في أثناء التعاون، يتعين على النظام جمع معلومات عن التعاون، ومعالجتها لتحديد ما إذا كانت المجموعة تحتاج إلى دعم، ثم تنفيذ تدخلات ملائمة تساعد المجموعة على تحقيق أهدافها.
ففي الخطوة الأولى، يجب على النظام جمع المعلومات عن المتعلمين والمجموعات وعملية التعاون، أي الرصد، ومعالجة هذه المعلومات وتحويلها إلى مؤشرات تمثل رؤى ذات صلة بالخصائص والعمليات في أثناء التعاون، كتوزع المعارف ذات الصلة بالمجال بين أعضاء المجموعة. ومن المقاربات المبكرة للجمع والمعالجة الآليين للمعلومات ذات الصلة بعملية التعاون توظيف مقاربات تصنيف النصوص، وهي مجموعة من تقنيات تعلم الآلة المستمدة من اللسانيات الحاسوبية. فاستناداً إلى تجاربهم في مشروع متعدد التخصصات، ناقش باحثون كيف يمكن توظيف تصنيف النصوص لتحليل نصوص الحوارات التعاونية، بغية التحليل الآلي لعملية البناء المشترك للمعرفة باستخدام مخطط ترميز متعدد الأبعاد، بدلاً من الاكتفاء بتحليل محتوى الحوار. ووفرت هذه القدرة على التقييم الآلي لعمليات التعاون من حيث الأحداث ذات الصلة، كالبناء المشترك للمعرفة، أساساً لتحديد حاجة المجموعات إلى الدعم. وحث الباحثون على توخي عناية فائقة عند تطوير المؤشرات التي سيستخدمها النظام المؤتمت لتقييم عملية التعاون؛ فمن الضروري مثلاً أن تكون المؤشرات صادقة خارجياً، وأن تمثل فعلاً ما يُراد لها أن تمثله.
وتزود هذه المؤشرات النظام بالحالة الراهنة للتعاون، ثم تُقارن بحالة الهدف المرغوبة، أي التشخيص. وبحسب نتيجة هذه المقارنة، قد يُقدَّم الدعم، أي الفعل. وقد أكد باحثون أهمية تطوير قواعد تحكم سلوك نظام الدعم، وأوضحوا تحديداً قواعد الإنتاج، أي القواعد الشرطية، التي تحدد الدعم المقدم في ظروف معينة. ويمكن لهذه القواعد أن تستهدف لحظات حرجة، كأن تقول: «إذا كانت الحالة ضارة، فقدّم الدعم أ»، أو لحظات سانحة، كأن تقول: «إذا وُجدت إمكانية لتفاعل مفيد، فقدّم الدعم ب».
ووفقاً لمفهوم السقالات، تُصمم الأنظمة الداعمة للتعلم التعاوني بحيث لا تقدم الدعم إلا ما دامت المجموعة بحاجة إليه. ونتيجة لذلك، تُخفَّض درجة الدعم تدريجياً، أو تُزاد عند الضرورة، مع تغير كفاءة المتعلم أو المجموعة. ويمكن تحقيق هذا التلاشي التدريجي مثلاً بإزالة بعض الحوافز العملية بعد عرضها عدداً محدداً من المرات. ومن ثم فإن الدعم في التعلم التعاوني ومن أجله، أي السقالات، ليس متاحاً إلى أجل غير مسمى، بل ما دام المتعلمون بحاجة إليه.
وبعد توضيح أسس الآليات الكامنة وراء التعلم في أثناء التعاون وكيفية تصور دعم هذه العمليات، ننتقل إلى أبرز المقاربات لتزويد المجموعات بدعم تكيفي، بادئين بلمحة عامة عن المقاربات الراسخة.
مقاربات مختلفة لتقديم الدعم التكيفي
تشمل أساليب دعم المجموعات: نصوص التعاون التكيفية؛ وأنظمة التدريس التكيفية التي جرى تعديلها لتستوعب التعلم والتدريس التعاونيين؛ والعوامل الافتراضية في صورة عوامل حوارية تعاونية وروبوتات محادثة. وتهدف هذه المقاربات إلى تيسير التفاعلات المواتية للبناء المشترك للمعرفة أو كبح أنماط التفاعل غير المرغوب فيها، مع إتاحة الفرص للمتعلمين لاستيعاب أنماط التفاعل المفيدة. وإلى جانب المقاربات الرامية إلى تعزيز التعاون في المجموعات مباشرة، صُممت بعض المقاربات بدلاً من ذلك لمساعدة المعلم على مراقبة تعاون الطلبة وإدارته.
وكثيراً ما تستخدم هذه الأنظمة قواعد الإنتاج الشرطية لتوليد تشخيصات للتعاون أو قرارات بشأن الحاجة إلى الدعم. وعلى الرغم من فاعلية الدعم التكيفي للتعاون، فإنه لم يُطبق على نطاق واسع على مر السنين. وقد يُعزى ذلك جزئياً إلى الشروط الحدية المعقدة للتعلم التعاوني الفعال، التي يجب فهمها جيداً لصياغة قواعد الإنتاج. فضلاً عن ذلك، فإن تقييم حالة التعاون بطريقة صادقة ومؤتمتة أمر بعيد كل البعد عن البساطة.
وقد أثار الظهور الحديث لروبوتات المحادثة التي توظف النماذج اللغوية الكبيرة نقاشاً جديداً حول تزويد المجموعات بدعم تكيفي، مع آمال مرتفعة في الغالب بشأن قدرتها على تقديم هذا الدعم.
دعم التعلم التعاوني بالذكاء الاصطناعي التوليدي
كما تبيّن في القسم السابق، ثمة تقليد راسخ في توظيف تقنيات الحاسوب لتزويد المجموعات بسقالات تكيفية. وقد اكتسب البحث والتطوير في هذا المجال زخماً جديداً حين أتاحت شركة OpenAI للعموم نموذجها اللغوي الكبير GPT3.5 في صورة «ChatGPT». وقد رُوِّج لظهور منصات النماذج اللغوية الكبيرة، مثل ChatGPT من OpenAI، وGemini من Google، وCopilot من Microsoft، وClaude من Anthropic، وLe Chat من Mistral، وDeepseek من DeepSeek، بوصفها «نوعاً جديداً من السقالات التربوية» قادراً على إعادة تشكيل التعليم وإحداث ثورة فيه. وعلى الرغم من أنها ليست تقنية تعليمية مخصصة، فإن التوقعات مرتفعة بأن تحقق هذه التقنية تخصيصاً للدعم أعمق مما حققته المحاولات السابقة. والأمل معقود على مواصلة الجهود السابقة بدعم تكيفي أكثر مرونة مما كان ممكناً حتى الآن.
وفي سياق التعلم التعاوني، يبرز الباحثون قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي، والنماذج اللغوية الكبيرة عادةً، على معالجة مدخلات من وسائط مختلفة كالنص والكلام والصور، والاحتفاظ بسياق المحادثة، وتوليد ردود ملائمة، كنصوص متماسكة شبيهة بنصوص البشر أو تكاد، أو محتوى آخر مماثل للمواد التي يصنعها البشر. فضلاً عن ذلك، يُتوقع أن تجري هذه الأدوات تقييمات آلية للتعاون، وأن تقدم سقالات فورية ومصممة وتكيفية في صورة تغذية راجعة وتوجيه وتصحيح للأخطاء. ويُتوقع في نهاية المطاف أن يفضي هذا الدعم التكيفي إلى تعلم أفضل عبر التعاون.
وكما وُصف آنفاً، لكي يقدم النظام دعماً تكيفياً، يتعين عليه تحقيق ثلاثة أهداف: أولاً، رصد الخصائص ذات الصلة لأعضاء المجموعة وللمجموعة ككل ولعملية التعاون؛ وثانياً، صياغة تشخيص للحالة الراهنة للتعاون بمقارنتها بحالة الهدف المرغوبة؛ وثالثاً، اختيار السقالات وتطبيقها.
ويمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يتولى مهام الرصد والتشخيص. فعلى غرار مقاربات اللسانيات الحاسوبية، تتمتع النماذج اللغوية الكبيرة التوليدية بقدرات في معالجة اللغة الطبيعية يمكن أن تسهم إسهاماً قيّماً في سلسلة التحليل ضمن دعم التعاون. فعلى سبيل المثال، استخدم باحثون نموذجاً لغوياً كبيراً لوسم البيانات المستمدة من التفاعل في المجموعات؛ وبعد الوسم، أي تصنيف الأفعال التعاونية المختلفة أو ترميزها وفق مخطط ترميز، استخدم نظام الدعم قواعد الإنتاج لتوليد الدعم للمجموعات. وتتوقف حالة الاستخدام هذه على دقة النموذج في إسناد الوسوم إلى بيانات التعاون، كالتسجيلات الصوتية ومقاطع الفيديو وملفات سجلات الحاسوب. ومن ثم فإن السؤال الجوهري هو مدى قدرة النماذج اللغوية الكبيرة على وسم البيانات بموثوقية وفق مخطط ترميز. فقد وجدت بعض الدراسات أداءً مقبولاً في الوسم عبر وسوم متعددة مقارنةً بالترميز البشري، بمعاملات ثبات بين المقدرين تتجاوز 0.7، في حين أفادت دراسات أخرى بأداء إجمالي أدنى، أو بأداء مرتفع لبعض الوسوم فقط. ومن ثم ثمة إمكانية لدمج النماذج اللغوية الكبيرة في التحليل الذي يشكل الأساس لتزويد المجموعات بدعم تكيفي، لكن لا تزال هناك عقبات ينبغي تجاوزها، ولا سيما فيما يتعلق بدقة التشخيص واتساقه، بحيث لا تتلقى المجموعات دعماً غير ملائم بسبب أخطاء التصنيف. وفي هذا السياق، أثبت باحثون مؤخراً أن دقة الترميز الآلي يمكن تحسينها أكثر باستخدام نماذج قادرة على توظيف مدخلات من وسائط متعددة، كالكلام المسموع والنص المكتوب.
ما الأدوار التي يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي الاضطلاع بها لدعم التعلم التعاوني؟ وما الذي يجري دعمه؟
نركز في هذا الفصل على كيفية توظيف الباحثين والمطورين لنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي لتزويد المجموعات بالسقالات، وعلى أثر ذلك. ولذلك جمعنا عينة واسعة من المقالات المنشورة في المجلات العلمية ووقائع المؤتمرات، والتي تناولت دراسات طُبقت فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي في سيناريوهات التعلم التعاوني. واللافت أننا لاحظنا ميل الدراسات في هذا المجال إلى استخدام النماذج اللغوية الكبيرة أساساً للدعم، مع ندرة توظيفها لتوسيع قدرات أنواع دعم التعاون الراسخة، كنصوص التعاون أو العوامل التربوية. وللحصول على صورة أوضح لمشهد دعم الذكاء الاصطناعي التوليدي للتعلم التعاوني، حللنا هذه الدراسات وحددنا: أولاً، الدور الذي قد يضطلع به نظام الدعم في أثناء التعاون لتقديم السقالات له؛ وثانياً، جوانب التعاون التي تحظى بالسقالات، أي بُعد «المستهدف» في إطار أبعاد التصميم؛ وثالثاً، ما إذا كانت الأدوات فعالة في دعم اكتساب المعرفة في أثناء التعلم التعاوني؛ ورابعاً، الأسس التي يُصمم وفقها السلوك التكيفي للأدوات.
وبفحص الدراسات الحالية حول التعلم التعاوني بالذكاء الاصطناعي التوليدي، استخلصنا أربع طرق مختلفة جرى بها دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في بيئات التعلم التعاوني لإتاحة التعاون أو دعمه، نعرضها فيما يلي مع أمثلة.
مستودع للمعلومات
أولاً، ثمة دراسات عمل فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي، أي النماذج اللغوية الكبيرة، مستودعاً للمعلومات، تستعلم منه المجموعات للحصول على معلومات تستخدمها في حل مهامها، فيؤدي بذلك وظيفة البحث على الويب. فعلى سبيل المثال، وظف باحثون ChatGPT لدعم المجموعات في أثناء البناء المشترك للمعرفة الحِجاجية. ففي المرحلة الأولى من النشاط التعاوني، كُلفت المجموعات بالبحث عن المعلومات التي استخدمتها لاحقاً في بناء الحجج، وكان بإمكانها في هذه المرحلة البحث عن معلومات حول موضوعات مختلفة باستخدام ChatGPT أو مصادر أخرى. وفي المراحل اللاحقة من النشاط، ناقش الطلبة موظفين حججهم.
مواد تعليمية مخصصة وأداء المهام نيابة عن المجموعة
يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي كذلك أن يكون مصدراً لمواد تعليمية مخصصة، أي أداة تجمع معلومات عن المجموعة أو تعاونها أو نتائجها، وتولد مواد تعليمية إضافية تستطيع المجموعة استخدامها. فعلى سبيل المثال، وظف باحثون الذكاء الاصطناعي التوليدي في سيناريو تعاوني طوّرت فيه المجموعات أولاً حلاً لمشكلة ما، ثم قارنته بحل بديل، وناقشت بعد ذلك المفاضلات بين الحلين. وفي هذه الحالة، عالج ChatGPT حل المجموعة باستخدام أوامر نصية من الباحثين، كلّفوا فيها النموذج بإعداد حل بديل، أي ما يسمى «الحالة المقابلة». وتعرض الحالات المقابلة على المتعلمين حلولاً بديلة للمشكلة، ومن خلال مقارنة حلهم بحالة أخرى، يستطيع المتعلمون اكتساب فهم أعمق للمبادئ الكامنة وراء الحل الصحيح. ثم كان على المجموعة مناقشة مزايا حلها والحل المولد وعيوبهما. وفي دراسات أخرى، استُخدمت أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي أدواتٍ تؤدي المهام نيابة عن المجموعات، كتوليد السرديات أو الصور بناءً على مدخلات المجموعة.
المعلم أو الميسّر
استخدمت دراسات أخرى الذكاء الاصطناعي التوليدي للتدخل في التعاون ودعمه بالسقالات، فاضطلع بذلك بدور المعلم أو الميسّر. وفي هذا الدور، يكون الذكاء الاصطناعي التوليدي خارج المجموعة، يراقب التعاون ويقدم الدعم. فعلى سبيل المثال، طبّق باحثون روبوت محادثة قائماً على ChatGPT يتبع قواعد محددة سلفاً لتيسير المشاركة الفاعلة في أثناء التعاون. ولهذا الغرض، راقب النظام المشاركة ونبّه المجموعة إذا كانت غير متوازنة، حاثاً إياها على ضمان إسهام جميع أعضائها. فضلاً عن ذلك، نظّم الروبوت النقاش وفق مراحل تطور المجموعات التي اقترحها تكمان لتعزيز بناء المعرفة، كطرح أسئلة المتابعة وإعادة المحادثة إلى الموضوع عند الضرورة.
ووصفت دراسة أخرى نظاماً لا يقدم الدعم إلا عند الطلب؛ إذ كان بمقدور المجموعات أن تطلب من النظام تقديم ملخصات لنقاشها أو تغذية راجعة عليه. وكشف تحليل التفاعل بين أعضاء المجموعات وروبوت المحادثة أن معظم طلبات المجموعات كانت تفاعلات معرفية، كطرح أسئلة متعلقة بالمهمة أو الطلب من الروبوت أداء مهام كتنسيق المخرجات. وفي أمثلة أخرى اضطلع فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي بهذا الدور، صُمم النظام لتعزيز التأمل في عملية التعاون، إما بمراقبة تفاعل المجموعة من حيث معاييرها وتعزيز التأمل في التفاعل داخلها، أو بمساعدة المجموعات على تفسير المعلومات المستمدة من لوحة تحليلات التعلم والتأمل فيها خلال جلسة مراجعة بعد مرحلة التعاون، أو بتقديم تغذية راجعة على النصوص التي أُعدت في أثناء نشاط لبناء المعرفة، أو بتيسير عملية تقديم التغذية الراجعة بين الأقران.
المدرس أو الشريك في الحوار
يمكن لنظام الذكاء الاصطناعي التوليدي أيضاً أن يضطلع بدور المدرس أو الشريك في الحوار. ويتصل هذا الدور بدور المعلم، غير أن النظام بدلاً من تقديم التوجيه بشأن التفاعل في المجموعة، يعمل شريكاً في حوار يهدف إلى تنمية المعارف الخاصة بالمجال. فعلى سبيل المثال، وصفت دراسة سيناريو تعلم تعاوني تفاعلت فيه المجموعات مع شخصيات رقمية في بيئة واقع افتراضي، كشخص جرى إجلاؤه بسبب إعصار أو عالم مناخ، لجمع المعلومات اللازمة لحل مهمة ما. ومثلت هذه الشخصيات عنصراً سردياً، ولم تُصمم لتعمل عوامل تربوية. ويوجد تطبيق أوسع انتشاراً لشركاء الحوار التربويين في الترتيبات التي يتفاعل فيها متعلم فرد مع عامل اصطناعي يؤدي دور المدرس أو الشريك في حوار سقراطي. ومن ذلك نظام قائم على روبوت محادثة بُني حول مجموعة من مبادئ الحوار السقراطي، كتزويد المتعلمين بأسئلة منظمة يُتوقع أن تستثير التفكير النقدي وتحليل استدلالهم الذاتي بدلاً من تقديم إجابات مباشرة عن أسئلتهم. وعلى المنوال ذاته، طوّر باحثون روبوت محادثة قائماً على نموذج لغوي كبير للتفاعل في أثناء نشاط تعلم في الواقع المختلط، صُمم لاستخدام سجل المحادثة بين المتعلم والروبوت لتقديم ردود مخصصة تسعى إلى تعزيز التفكير النقدي، كطرح أسئلة مفتوحة وتشجيع التوسع والتأمل. ونود أن نشير إلى أن هذا التطبيق للذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل على الأرجح حالة هامشية ضمن المشهد الأوسع للتعلم التعاوني، الذي يركز تقليدياً على التفاعل بين متعلمَين بشريين على الأقل. وقد أدرجناه هنا لأن التفاعل مع شريك تفاعل اصطناعي يمكن أن يستثير عمليات معرفية مواتية للتعلم نجدها أيضاً في التعاون بين المتعلمين البشر، كاستثارة الحِجاج والشرح الذاتي. غير أن مسألة ما إذا كانت هذه السياقات تمثل تعلماً تعاونياً حقاً تتطلب نقاشاً مستقلاً.
عضو اصطناعي في المجموعة
أخيراً، يمكن أيضاً تطبيق الذكاء الاصطناعي التوليدي بوصفه عضواً اصطناعياً في المجموعة. وفي هذا الدور، يكون النظام جزءاً من المجموعة ويشارك في نشاط التعلم، كالإسهام بمعارف خاصة بالمجال في الحوارات، أو تيسير التفاعل. فعلى سبيل المثال، طبّق باحثون دعماً لتعلم التعاون المتعدد التخصصات؛ إذ أُسندت إلى الطلبة أدوار خبراء مختلفين، ثم تعاونوا لحل مشكلة ضمن فريق. وفي إحدى المجموعات، عمل عامل حواري قائم على ChatGPT عضواً قريناً في المجموعة، تقمص دور مهندس وقدّم المعارف الخبيرة ذات الصلة للنقاش الجماعي. وبالمثل، طبّق باحثون آخرون قريناً اصطناعياً في نشاط لبناء المعرفة، شارك في النشاط وصُمم لاستثارة النقاشات وتعزيز مهارات التفكير النقدي، بتقديم إجاباته الخاصة في بيئة بناء المعرفة، وتقييم إجابات الطلبة الآخرين، والمشاركة في نقاش بناء المعرفة.
مستهدفات الدعم
في أثناء الاضطلاع بهذه الأدوار المختلفة، يمكن للدعم أن يقدم السقالات لجوانب مختلفة من التعاون لتحقيق هدفه، أي لمستهدفات مختلفة. ونعرض فيما يلي أمثلة على المستهدفات المختلفة التي حددناها في الأدبيات. واللافت أن المجموعات في بعض الدراسات كانت حرة في اختيار كيفية استخدام أداة الذكاء الاصطناعي التوليدي. ولم تُفد جميع الدراسات صراحة بمستهدف الدعم، وفي هذه الحالة لا يمكن افتراض مستهدفه إلا استناداً إلى النتائج المعلنة أو لقطات الشاشة التوضيحية التي قدمها الباحثون.
الجوانب المعرفية والاجتماعية المعرفية
يمكن للدعم أن يستهدف الجوانب المعرفية للتعاون، كتوفير المعلومات أو الموارد التي تحتاجها المجموعة لحل مهمتها والتعلم. فقد طبّق باحثون مثلاً روبوت محادثة قائماً على ChatGPT عمل قريناً في أثناء التعاون، وقدمت إحدى نسخه في تلك الدراسة المعارف التخصصية اللازمة لحل المهمة التعاونية. وفي دراسات أخرى، سعى النظام القائم على النموذج اللغوي الكبير إلى استثارة عمليات معرفية كالتوسع في المعلومات الجديدة.
وثمة أيضاً مقاربات تُتاح فيها أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي للمجموعات لكي تفرغ إليها المهام. فعلى سبيل المثال، زُوِّدت مجموعات بتوليفة من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، هي ChatGPT وMidjourney وRunway، أدت مهام مختلفة للمجموعة، كإعداد اللوحات القصصية والصور ومقاطع الفيديو. ولا يمكن بالضرورة تصور هذه المقاربات بوصفها سقالات تعليمية.
واستكشف باحثون آخرون كيف يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يقدم سقالات لأنماط التفاعل الاجتماعي المعرفي التي تتيح البناء المشترك للمعرفة في المجموعة، أو أن يعزز عمليات التأمل. فعلى سبيل المثال، أبرزت بعض الأنظمة أجزاءً معينة من حلول المجموعات، وطلبت من أعضائها التأمل في حلهم وشرح المفاهيم المتضمنة فيه.
العمليات ما وراء المعرفية والتغذية الراجعة بين الأقران
كثيراً ما قُدمت السقالات للجوانب ما وراء المعرفية للتعاون عبر تزويد المجموعات بتغذية راجعة على أعمالها. فقد عرض باحثون نظاماً يقيّم حل المجموعة ثم يزودها بتغذية راجعة على جودته، فتستطيع المجموعات عندئذ التفاعل مع التغذية الراجعة ومراجعة حلها. فضلاً عن ذلك، حين كانت المجموعات حرة في اختيار كيفية استخدام روبوت محادثة قائم على نموذج لغوي كبير، طلب بعضها صراحة تغذية راجعة على حلولها المكتوبة.
ومن الأساليب الشائعة الأخرى لتقديم الدعم في سياق التغذية الراجعة التغذية الراجعة بين الأقران. وقد عُرضت مقاربتان لكيفية تيسير الذكاء الاصطناعي التوليدي لهذه العملية. تتمثل الأولى في نظام يعالج نصاً كتبه طالب ويولد رسالة تغذية راجعة عليه، بينما يقرأ طالب آخر، هو المراجع القرين، النص ذاته ويعد رسالة تغذية راجعة خاصة به؛ ثم يراجع المراجع القرين الرسالتين، ويعد رسالة تجمع بين الرسالة المولدة آلياً والرسالة البشرية، قبل إرسالها إلى الطالب كاتب النص. وفي المقاربة الثانية، قدم نموذج لغوي كبير تغذية راجعة على رسالة التغذية الراجعة التي أعدها المراجع القرين، فراجع المراجع رسالته بمساعدة هذه التغذية الراجعة الآلية قبل إرسالها إلى الطالب الأصلي. وأشار باحثون كذلك إلى أن النموذج اللغوي الكبير قد يساعد المتعلمين أيضاً على التأمل في التغذية الراجعة التي تلقوها من أقرانهم، أو على مراجعة نصوصهم باستخدامها.
ومن الطرق الأخرى التي تستطيع بها أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي تقديم التغذية الراجعة تعزيز التأمل الجماعي في عملية التعاون. فقد راقب أحد الأنظمة التعاون من حيث المعايير الجماعية المتفاوض عليها سلفاً، وقدم أمثلة من عملية التعاون ليتأمل المتعلمون في تعاونهم بعد انتهائه.
الجوانب الاجتماعية والسلوكية
تستهدف بعض الأنظمة الجوانب الاجتماعية للتعاون، كمشاركة أعضاء المجموعة أو النقاشات الخارجة عن الموضوع. وكما وُصف آنفاً، راقبت بعض الأنظمة حجم المشاركة في المجموعات، وحثتها على تنظيم توزيع المشاركة إذا كان غير متوازن. وبالمثل، طبّق باحثون عضواً اصطناعياً في المجموعة يراقب التفاعل لرصد لحظات عدم توازن المشاركة، ويحث الأعضاء غير النشطين على الإسهام في النقاش.
كما راقب أحد الأنظمة محتوى المحادثة لتحديد الحديث الخارج عن الموضوع، فإذا رُصد ذلك، حث المجموعة على العودة إلى المهمة الرئيسية.
وركزت أنظمة أخرى على توجيه التعاون وإدارته على المستوى السلوكي، كقيادة المجموعة عبر المهمة. فعلى سبيل المثال، صمم باحثون نظاماً أدار التعاون بتوجيه أعضاء المجموعة عبر المراحل المختلفة للمهمة التعاونية، وشرح المهام، ونظّم تبادل الأدوار في أثناء النقاشات. وعمل نظام آخر أداةً مساعدة على التلخيص لإعداد تغذية راجعة للمجموعة واقتراح موضوعات إضافية محتملة يمكن للمجموعة التعرف إليها؛ إذ أعد النظام، استناداً إلى إسهامات أعضاء المجموعة، رسائل تغذية راجعة لخصت «فهم» النموذج لما استوعبه أعضاء المجموعة بالفعل وكيف يمكنهم المضي في مهمتهم.
الجوانب الاجتماعية الوجدانية
أخيراً، صُممت بعض الأنظمة لدعم الجوانب الاجتماعية الوجدانية في أثناء التعاون، ويشمل ذلك تحفيز الطلبة، وتنظيم الانفعالات في أثناء التعلم، وتقديم الإطراء. ومع أن بعض الدراسات بحثت التفاعل بين المتعلمين وأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي من حيث العمليات الاجتماعية الوجدانية، فإن الدراسات التي يُوظف فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي تحديداً لتعزيز عمليات أو حالات اجتماعية وجدانية مفيدة نادرة.
ما آثار دعم الذكاء الاصطناعي التوليدي في اكتساب المعرفة؟
كما بيّنا، تستطيع الأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي، والنماذج اللغوية الكبيرة عادةً، الاضطلاع بأدوار مختلفة واستهداف جوانب مختلفة من التعاون. والغاية النهائية من دعم المجموعات إتاحة أنماط تفاعل تفيدها في تحقيق أهدافها، كالتعلم. وقد يشمل التعلم اكتساب المعارف الخاصة بالمجال، إلى جانب المعارف التي تمكّن أعضاء المجموعة من التعاون بفاعلية أكبر. ومن المهم الإشارة إلى أن الآثار المفيدة لأداة الدعم تتوقف على ما إذا كانت الأداة قادرة على استثارة أنماط تفاعل مواتية، وإلى أي مدى. وعلى هذه الخلفية، فإن التساؤل عن «الأثر» الواحد للذكاء الاصطناعي التوليدي في التعلم التعاوني ليس دقيقاً بما يكفي. بل ينبغي أن نتساءل عن كيفية تفاعل المتعلمين والمجموعات مع أداة ما في أثناء العمل على مهمة، وعن عمليات التعلم الفردية والتعاونية التي تُستثار بهذه الطريقة، وعن كيفية تأثير ذلك بدوره في نواتج كالبناء المشترك للمعرفة واكتسابها. وهذه الرؤية مستمدة مما يسمى الجدل حول الوسيط والأسلوب، الذي يُعدّ أساسياً للبحوث المعاصرة حول التعلم المعزز بالتقنية. ونلخص فيما يلي باختصار الأدلة على فاعلية دعم الذكاء الاصطناعي التوليدي للتعلم.
اكتساب المعارف الخاصة بالمجال
من بين الدراسات الموصوفة آنفاً، اعتمدت عدة دراسات تصميماً شبه تجريبي أو تجريبياً، وعادةً في الميدان كالمقررات الجامعية، وهو المعيار الذهبي لبحث آثار الدعم في نواتج كالمعارف الخاصة بالمجال. واللافت أن جميع الدراسات التي حددناها ركزت على المعارف المتعلقة بالبرمجة الحاسوبية. فعلى سبيل المثال، أجرى باحثون تجربة ميدانية مع طلبة جامعيين، قارنوا فيها أثر الدعم المقدم من نظام ذكاء اصطناعي توليدي في المعارف المتعلقة ببرمجة Arduino بحالة ضابطة لم تتلق أي دعم في أثناء التعاون. وعمل النظام التوليدي روبوت محادثة قدم المعلومات في المرحلة الأولى من التعاون، ثم زوّد المجموعة لاحقاً بملخص لفهمها الحالي وبالموضوعات التي ينبغي لها استكشافها بعد ذلك. وأفاد الباحثون بأثر إيجابي متوسط الحجم (η² = 0.035)، مما يوحي بأن المجموعات استفادت من التفاعل مع روبوت المحادثة من حيث المعارف المتعلقة بالبرمجة.
وبحثت دراسة أخرى أثر حلقات تأمل مخصصة حُثت فيها مجموعات من ثلاثة طلبة تقريباً على مناقشة جوانب محددة من مهامها الحالية، مقارنةً بحالة ضابطة دون دعم. وباستخدام ChatGPT، صُممت أوامر التأمل وفق محتوى نقاش المجموعات. ومع أن الباحثين أفادوا بأن جميع الطلبة زادت معارفهم المتعلقة بالبرمجة، فإنهم لم يجدوا أثراً ذا دلالة إحصائية لأوامر التأمل المخصصة في معارف الطلبة.
وفي دراسة أخرى، بحث الباحثون أنفسهم أثر مصادر مختلفة للحالات المقابلة، ذاتية التوليد أو مخصصة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، في المعارف الخاصة بمجال البرمجة الحاسوبية. وقارنوا حالة ضابطة لم تُجر مقارنة بالحالات المقابلة، لكنها أجرت نشاطاً للتأمل، بحالة كان على المجموعات فيها توليد حالة مقابلة لحلها بنفسها، وبحالة وُجِّه فيها ChatGPT إلى بناء حالة مقابلة للمجموعة استناداً إلى حلها. ومع أن التحليلات لم تُظهر أثراً إجمالياً للحالات المقابلة المولدة آلياً في معارف الطلبة، فإن النتائج أوحت بأن الطلبة ذوي المعرفة السابقة المنخفضة استفادوا من هذه الحالات أكثر من الطلبة ذوي المعرفة السابقة المرتفعة. وفي المقابل، أظهر الطلبة ذوو المعرفة السابقة المرتفعة درجات أعلى في الاختبار البعدي حين كان على مجموعتهم توليد حالة مقابلة بنفسها.
وخلاصة القول، بحثت دراسات عدة فاعلية مقاربات مختلفة لكيفية دعم الأنظمة الموظفة للذكاء الاصطناعي التوليدي لاكتساب المعارف الخاصة بالمجال. ومالت هذه الدراسات إلى إيجاد آثار إيجابية للدعم في معارف الطلبة. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الدراسات اعتمدت مقاربات مختلفة لتعزيز التعلم التعاوني، وأن القيود المنهجية تستدعي الحذر عند تفسير النتائج. وسنناقش هذه النقاط بمزيد من التفصيل في نهاية هذا الفصل.
اكتساب مهارات التعاون
لبدء تعاون فعال يفضي في نهاية المطاف إلى التعلم والحفاظ عليه، تحتاج المجموعات إلى أداء طيف واسع من الأفعال. وعلى الرغم من الدور الحاسم لمهارات التعاون، لم تبحثها بوصفها متغيراً ناتجاً أو تابعاً سوى قلة من الدراسات التي وجدناها. ومن أمثلة ذلك دراسة قارنت أداء التحدث الحِجاجي وتعقيد الحجج قبل التعاون بدعم من نظام ذكاء اصطناعي توليدي وبعده، في سياق تعلم الإنجليزية لغةً أجنبية. ففي إحدى المراحل، كان بإمكان المجموعات الاستعلام من ChatGPT عن معلومات حول الموضوع، وفي مرحلة لاحقة، استخدمت المجموعات أوامر نصية محددة سلفاً لـChatGPT تعالج مدخلات المجموعة، كقول: «أعد كتابة هذه الحجج باستخدام نموذج الحِجاج». وكشفت النتائج عن أثر كبير ذي دلالة (η² = 0.33) للسقالات في أداء الطلبة في التحدث الحِجاجي وفي تعقيد الحجج التي استطاعوا تقديمها بعد التعاون.
وبحثت دراسة أخرى أثر توليفة من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي المختلفة، هي ChatGPT وMidjourney وRunway، في أثناء نشاط للسرد القصصي الرقمي، في مهارات الطلبة في حل المشكلات تعاونياً. فعلى مدى عدة أسابيع، أعد الطلبة مقاطع فيديو رقمية تروي قصصاً قصيرة، واستخدمت المجموعات في الحالة التجريبية أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي المختلفة لإعداد اللوحات القصصية والصور ومقاطع الفيديو. واستخدم الباحثون متغيراً تابعاً تمثل في استبانة قيّم فيها المشاركون عبارات تتعلق بسلوكهم التعاوني السابق وردود أفعالهم المحتملة في مواقف تعاونية افتراضية. وحقق المتعلمون الذين تعاونوا باستخدام هذه الأدوات درجة أعلى على هذا المقياس من أقرانهم الذين تعاونوا دونها، بأثر كبير (η² = 0.16)، وإن كان الباحثون يرون أن المقياس يخلط بين مفاهيم مختلفة، مما يستدعي تفسيره بوصفه مقياساً لمهارات حل المشكلات تعاونياً بحذر.
وإجمالاً، لا تزال البحوث حول آثار المقاربات المختلفة لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في تقديم السقالات للتعلم التعاوني بهدف تعزيز مهارات التعاون محدودة جداً. وقد بحثت دراسات أخرى في هذا المجال نواتج أو خصائص أخرى لعملية التعاون، كأداء المجموعة، وأنماط التفاعل وأدوار المشاركين التي برزت في أثناء التعاون حين أتيح لهم نظام ذكاء اصطناعي توليدي، والتفكير التأملي، والتأثير المتصور لـChatGPT في ديناميات المجموعة، والتصور العام لروبوت محادثة توليدي.
المنطلقات الموجهة للتكيف
تؤكد البحوث أن السقالات تكون فعالة إذا صُممت وفق مبادئ تعليمية. وعلى هذه الخلفية، استكشفنا كيف صُممت أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي لتزويد المجموعات بدعم تكيفي.
الاعتماد على النموذج وإسناد التكيف إلى النموذج اللغوي الكبير
تمثلت إحدى المقاربات التي اعتمدها الباحثون لإتاحة سقالات مخصصة في الاعتماد على النموذج التوليدي، أي النموذج اللغوي الكبير، لإجراء المراقبة والتشخيص واتخاذ القرارات بشأن إجراءات تدريسية محددة. وفي بعض الحالات، كان بإمكان المجموعات استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي كما تشاء، ومن ثم كانت الإجراءات التكيفية المحددة للنظام متوقفة على أوامر المجموعات النصية أو على السلوك المنقول إلى النموذج. وفي هذه الحالات، إذا تلقى النموذج طلباً يهدف إلى الحصول على تغذية راجعة أو توجيه، كان التوجيه متوقفاً على خصائص النموذج ذاته، كالنماذج اللغوية الكبيرة من قبيل ChatGPT 3.5.
توجيه التعليمات وتزويد النموذج اللغوي الكبير بتعليمات عامة
استخدم باحثون آخرون الأوامر النصية لتوجيه نظام الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى كيفية التصرف. ومن هذه المقاربات تحديد دور ينبغي للنظام أن يتقمصه، ومعايير تقييم محددة ينبغي أن يستخدمها لتقييم مدخلات المجموعة. فعلى سبيل المثال، كُلفت المجموعات المشاركة في إحدى الدراسات بإعداد خطط تقييم قيّمها ChatGPT لاحقاً. وزوّد الباحثون النموذج بأمر نصي تدريسي يحدد الدور الذي ينبغي أن يتقمصه، أي دور الخبير، والمعايير التي ينبغي أن يقيّم وفقها حل المجموعة: «تصرّف بوصفك خبيراً في إطار الأنظمة الصحية التعلّمية مع التركيز على خطط التقييم الاجتماعية التقنية... وحلل محتواها بدقة وفق الفئات المحددة». وشملت هذه الفئات أسلوب التقييم: «قيّم مدى ملاءمة أسلوب التقييم المختار ومتانته وجدواه»، ومصدر البيانات: «افحص فحصاً نقدياً مصادر البيانات المدرجة من حيث صلتها وموثوقيتها وقدرتها على تحقيق أهداف التقييم».
ويمكن العثور على مثال لأمر نصي استُخدم لتصميم قرين اصطناعي في دراسة اختبرت روبوت محادثة للتعلم التعاوني. فقد زوّد الباحثون نماذج ذكاء اصطناعي توليدي، هي Ernie Speed 128k ونموذج Qwen، بأوامر مثل: «أنت عامل طالب اسمه أليس، ستشارك في نقاش جماعي مع عدة طلبة حول [الموضوع]»، أو: «حين يبدأ النقاش، ينبغي أن توجه المحادثة وتساعد الطلبة على التعمق في الأسئلة المطروحة بمشاركة وجهات نظر متنوعة». وطُبق العامل الاصطناعي في غرفة دردشة يستطيع الطلبة التعاون فيها، وشارك في النقاش.
ووصف باحثون آخرون نظاماً أكثر تعقيداً يستخدم عوامل متعددة قائمة على النماذج اللغوية الكبيرة لدعم مجموعات المتعلمين في أثناء مهمة برمجية. وحدد الباحثون سلوك النظام بتزويده بتوجيهات حول السلوك الذي ينبغي أن يُظهره، كالأسلوب والشخصية، والصيغة التي ينبغي أن تتخذها ردوده، وأمثلة على الردود.
ومن المقاربات البديلة لقيام الباحثين أو المعلمين بتحديد معايير التقييم التي ينبغي أن يستخدمها نظام الذكاء الاصطناعي التوليدي إتاحة المجال للمجموعات لتحديد المعايير بنفسها. ومن أمثلة ذلك نظام ذكاء اصطناعي توليدي يراقب نقاشات المجموعات في ضوء معايير جماعية صممتها المجموعات قبل التعاون، ثم ييسر التأمل في التعاون بتقديم أمثلة من عملية التعاون تجلت فيها هذه المعايير.
قواعد الإنتاج
بديلاً عن استخدام التعليمات النوعية لتوجيه التدخلات التكيفية لنظام الذكاء الاصطناعي التوليدي، يمكن أن تستند التدخلات إلى قواعد الإنتاج، أي العبارات الشرطية، التي يسميها بعض الباحثين أيضاً «المحفزات». فعلى سبيل المثال، أحصى أحد الأنظمة عدد الإسهامات التي قدمها كل عضو في المجموعة، فإذا انخفض العدد النسبي لإسهامات عضو ما عن 10%، أصدر النظام تنبيهاً يشجع هذا العضو على المشاركة أكثر. وبالمثل، طبّق باحثون عدة قواعد إنتاج استخدمت المطابقة القائمة على التعابير لتحديد أنواع معينة من مقاطع الشيفرات البرمجية التي استخدمتها المجموعات في أثناء حل مهامها البرمجية، وهدفت كل قاعدة إلى تشجيع التأمل في واحد من خمسة أهداف تعلم. فإذا تضمنت الشيفرة التي أدخلها الطلبة مثلاً تعبيراً محدداً يهدف إلى تغيير نوع بيانات عمود ما، حث النظام المجموعة على مناقشة اختيارها.
الضبط الدقيق وتوفير المعلومات السياقية
ثمة مقاربتان إضافيتان لتوجيه نظام الذكاء الاصطناعي التوليدي في تقديم التعليمات للمجموعات، هما ضبط النظام ضبطاً دقيقاً وتزويده بمعلومات إضافية عن سياق التعلم. ويتمثل الضبط الدقيق في تكييف نموذج مدرب مسبقاً لمهام أو حالات استخدام محددة باستخدام مجموعة بيانات أصغر ومحددة. ومن أمثلة ذلك دراسة ذكر باحثوها أنهم استخدموا «بيانات واسعة من حوارات المدرسين لتدريب النموذج اللغوي الكبير، بما يضمن توليد ردود أكثر مهنية في التوجيه التدريسي والتربوي»، لكنهم لم يقدموا تفاصيل إضافية عن مدونة حوارات التدريس أو إجراءات التدريب. كما ذكر باحثون آخرون أنهم ضبطوا ChatGPT ضبطاً دقيقاً قبل تطبيقه في أداة المساعدة على التلخيص المدعومة بـGPT، لكنهم لم يقدموا معلومات إضافية عن ذلك.
وبدلاً من الضبط الدقيق لنموذج لغوي كبير، زوّد باحث روبوت المحادثة الخاص به بشرائح العرض ووصف لمهمة حل المشكلات تعاونياً المستخدمة في المقرر الذي حضره الطلبة، إلى جانب تحديد دور الروبوت والسلوك المرغوب منه. ورأى الباحث أن هذه المقاربة أقل تكلفة من الضبط الدقيق، وتتيح إجراء التعديلات بمجرد استخدام النظام.
استنتاجات: توظيف إمكانات الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعلم التعاوني
استجابةً للذكاء الاصطناعي التوليدي، يستكشف الباحثون والمطورون التربويون سبلاً جديدة للدعم التكيفي للتعلم التعاوني باستخدام هذا النوع الجديد من نماذج تعلم الآلة، والنماذج اللغوية الكبيرة عادةً. ولتحديد أفضل السبل لتصميم دعم فعال، ونواتج التعلم التي ثبتت فائدة هذا الدعم لها، حللنا عينة واسعة من الدراسات. وإجمالاً، حددنا الأدوار المحتملة لدعم الذكاء الاصطناعي التوليدي في بيئات التعلم التعاوني، وكثيراً ما تكون بيئات تعليم عالٍ، ووضحناها. وبالتمعن في الدراسات، رأينا أن أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي كثيراً ما صُممت لتضطلع بدور المدرس أو الميسّر، أو لتعمل مستودعاً للمعلومات أشبه بمحرك البحث، في حين استُكشف دور العضو الاصطناعي في المجموعة بتواتر أقل. واستهدف الدعم جوانب مختلفة من التعاون لتعزيز التعلم التعاوني، كتقديم معلومات خاصة بالمجال، وتيسير النقاشات، واستثارة التفكير التأملي، والحث على المشاركة المتكافئة لجميع أعضاء المجموعة. فضلاً عن ذلك، اعتمدت نسبة كبيرة من الدراسات في نهاية المطاف على الذكاء البشري لتطبيق معايير التقييم وتحديد القواعد التي تحكم السلوك التربوي المرغوب للذكاء الاصطناعي التوليدي، بدلاً من الاعتماد على النموذج اللغوي في تقديم المقترحات.
وبالنظر إلى قلة الدراسات التي بحثت منهجياً فوائد دعم الذكاء الاصطناعي التوليدي لاكتساب المعرفة، يصعب حالياً إلى حد ما تحديد أفضل السبل لتوظيف إمكاناته في دعم التعلم التعاوني. وفيما يتعلق بتعزيز اكتساب المعارف الخاصة بالمجال، جاءت النتائج متباينة؛ إذ وجدت دراستان من الدراسات الثلاث التي ركزت على المعارف الخاصة بالمجال بوصفها ناتجاً آثاراً صغيرة إلى متوسطة، وإن استهدفت هذه الدراسات مجالاً محدداً جداً هو البرمجة الحاسوبية. وكانت الدراسات التي ركزت على تعلم التعاون، بدلاً من التعاون من أجل التعلم، نادرة بوجه خاص، غير أن إحداها أفادت بنتائج واعدة فيما يتعلق بدعم مهارات الحِجاج لدى الطلبة.
وتبيّن مراجعتنا أن إمكانات الذكاء الاصطناعي التوليدي تُستكشف فعلاً، وأن الأعمال المفاهيمية والتجريبية مستمرة. وقد راكمت البحوث السابقة حول التعلم التعاوني ثروة من الرؤى حول الشروط الحدية للتعاون الفعال، وتمثل هذه الرؤى أساساً مثمراً لمواصلة البحث في الدعم التكيفي الموظف للذكاء الاصطناعي التوليدي، ولا سيما النماذج اللغوية الكبيرة. والأهم أن سيناريوهات التعلم التعاوني ينبغي أن تخلق اعتماداً متبادلاً اجتماعياً، وأن الدعم يكون أكثر فائدة حين يستطيع استثارة عمليات تفاعل وعمليات معرفية أو ما وراء معرفية أو تحفيزية أو وجدانية تفيد بناء المعرفة في المجموعة.
ومن الناحية المفاهيمية، من المهم مناقشة الأدوار التي يستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي أداءها واقعياً في عملية رصد عمليات التعاون وتشخيصها، وكيف يمكنه توليد دعم تدريسي ملائم، وكيف يمكن دمجه في المقاربات القائمة الراسخة بحثياً لدعم التعاون. ومن الناحية التجريبية، سيكون من المفيد استكشاف ما إذا كانت نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي تقدم فعلاً الدعم الذي يتوقعه المصممون، وما إذا كانت إجراءاتها الداعمة متسقة مع الإجراءات المفيدة التي حددتها البحوث السابقة، وما إذا كانت تستثير عمليات تعاون مفيدة. وفي الحالة المثلى، ينبغي الجمع بين المنظورين المفاهيمي والتجريبي لتصميم دعم التعاون واختباره. ونشارك في القسم الأخير أفكاراً حول تصميم دعم التعاون، وحول المقومات الأساسية لتصميم الدراسات المستقبلية في هذا المجال، آملين بذلك أن نشجع الباحثين والمطورين على التعاون ومواصلة رسم خريطة إمكانات الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعلم التعاوني.
نظرة استشرافية: دوافع لمستقبل الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعلم التعاوني المدعوم بالحاسوب
بعد توضيح المشهد الحالي لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في سياقات التعلم التعاوني، يبرز سؤال عما قد يحمله المستقبل. وبوصفنا باحثين ومربين ومطورين وصانعي سياسات، يجب أن نضطلع بدور فاعل في تشكيل هذا المستقبل بتوظيف النظريات التربوية والأدلة التجريبية لتصميم دعم تدريسي يفيد التعلم في المجموعات الصغيرة. ويعرض هذا القسم أفكارنا حول الخطاب الراهن والآمال المتعلقة بتطوير الذكاء الاصطناعي التوليدي وتطبيقه في التعلم التعاوني، وكذلك حول البحوث اللازمة لتوجيه تطوير دعم التعلم التعاوني.
الذكاء الاصطناعي التوليدي لدعم التعلم التعاوني: حل مستقل ووظيفة مساندة
مع وجود بحوث وافرة حول التعلم التعاوني والدعم التكيفي للتعاون، تميل الآمال الأولى المعقودة على توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي لدعم التعلم التعاوني إلى الاعتماد على النماذج اللغوية الكبيرة بوصفها حلاً مستقلاً للدعم التدريسي. وبالنظر إلى التقليد الثري في الدعم التكيفي للتعاون، يثير هذا الاتجاه سؤالاً مهماً: ما الجوانب في تصميم النماذج اللغوية الكبيرة التي تسوّغ افتراض قدرتها فعلاً على أداء جميع الإجراءات اللازمة للدعم الفعال في التعلم التعاوني؟
فكما تبيّن آنفاً، لتوليد دعم تكيفي للمجموعات، يجب أن تكون نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، والبشر كذلك، قادرة على أداء أنشطة كتلك المحددة في إطار «الرصد ثم التشخيص ثم الفعل». وقد استكشفت البحوث في مجالات التعلم التعاوني المدعوم بالحاسوب وتحليلات التعلم والذكاء الاصطناعي في التعليم كيفية استخلاص مؤشرات من تدفقات البيانات المتعددة الوسائط تمثل تحديدات إجرائية موضوعية وموثوقة وصادقة تعكس الخصائص ذات الصلة للمتعلمين والمجموعات والتفاعل التعاوني. وقد أظهرت هذه الجهود أن ذلك ليس بالمهمة اليسيرة. فإلى جانب الأعمال المفاهيمية، ثمة أيضاً مقاربات تجريبية تهدف إلى استكشاف تدفقات البيانات المتعددة الوسائط، كالفيديو والصوت وملفات سجلات الحاسوب، لرصد جوانب من عملية التعاون. واللافت أن النتائج الموصوفة في إحدى المراجعات تشير إلى تحديات مستمرة في استخلاص مؤشرات صادقة لجوانب مختلفة من التعلم التعاوني.
وبافتراض أن نوع الدعم وهدفه قد حُددا بالفعل، يحتاج نموذج الذكاء الاصطناعي التوليدي بعد ذلك إلى تحديد ما إذا كان الدعم مطلوباً، ثم توليد إجراءات داعمة تستثير تفاعلاً منتجاً، كتقديم التغذية الراجعة أو الحالات المقابلة أو الحوافز. وبعبارة أخرى، يُفترض أن أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي قادرة، بدلاً من مجرد التنبؤ بـ«الوحدة النصية التالية»، أي أجزاء الكلمات أو الجمل، على التنبؤ بـ«الإجراءات التدريسية الملائمة التالية». وبالنظر إلى الانتقادات التي ترى أن النماذج اللغوية الكبيرة ليست سوى «ببغاوات احتمالية»، وأنها قد تولد نصائح تعيد إنتاج الخرافات العصبية كما بيّن باحثون، قد يتساءل المرء عما إذا كان من الواقعي توقع قدرة هذه النماذج على تقديم دعم مفيد تدريسياً، بمعنى «تربية الوحدة النصية التالية». وفي هذا الصدد، لا بد من نقاش معمق بين الباحثين والمطورين لتوضيح توقعاتنا من النماذج اللغوية الكبيرة من حيث قدرتها على رصد الخصائص ذات الصلة بالتعلم التعاوني والمجموعات، وتوظيف هذه المعلومات في التشخيص، وتوليد إجراءات داعمة ملائمة تعالج الحالات المشخصة. وينبغي أن يصاحب هذا النقاش بحثٌ تجريبي في عمل الدعم القائم على النماذج اللغوية الكبيرة يقارن مخرجات الآلة بأفضل الممارسات المستمدة من بحوث التعلم والتدريس. وكما رأينا، يحدد كثير من الباحثين إرشادات تربوية يُتوقع أن تتبعها النماذج اللغوية الكبيرة، غير أن مسألة ما إذا كانت الأنظمة تنتج فعلاً المخرجات المرغوبة استجابةً لأحداث التعاون أو طلبات المجموعات نادراً ما جرى الإبلاغ عنها.
استكشاف إسهامات الذكاء الاصطناعي التوليدي في أنواع الدعم الراسخة
تتمثل مقاربة ثانية، وسؤال ثانٍ جدير بالنقاش، في ما إذا كانت تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي كالنماذج اللغوية الكبيرة قادرة على استكمال وسائل دعم التعاون الراسخة أو توسيعها. فبالنظر إلى ثراء البحوث حول دعم التعاون، من المفيد بلا شك استكشاف كيفية توظيف قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي بالاقتران مع أنواع دعم التعاون القائمة. وأبرز سمات النماذج اللغوية الكبيرة قدراتها في معالجة اللغة الطبيعية وطبيعتها الحوارية المحتملة إذا طُبقت إلى جانب واجهة دردشة. ومن القيم الجوهرية للتعلم التعاوني التفاعل بين البشر، الذين يتفاعلون لدعم بعضهم بعضاً وبناء المعرفة بالاشتراك. وشريطة ألا يقوض الذكاء الاصطناعي التوليدي التواصل والتفاعل بين البشر، فقد يكون له مكان في التعلم التعاوني؛ إذ قد ييسر جوانب مختلفة من التعاون، أي مستهدفاته، كالتفاعل الاجتماعي والعمليات الاجتماعية المعرفية وما وراء المعرفة الجماعية. ولتحقيق ذلك، يجب أن يستثير الدعم أنماط تفاعل مفيدة، تشمل تبادل المعلومات وتقديم الشروح ومراقبة التعاون.
وفيما يلي بعض الإسهامات المثمرة المحتملة للذكاء الاصطناعي التوليدي في أنواع دعم التعاون الراسخة. أولاً، قد يكيف النموذج اللغوي الكبير صياغة نص تعاون خارجي مع كفاءة أعضاء المجموعة الأفراد، كاستخدام مصطلحات أسهل أو تقديم مقترحات حول كيفية تنفيذ التوجيه الوارد في النص. وإذا كان النص أكثر تفصيلاً، كأن يكون على مستوى الأقوال الفردية أو بدايات الجمل، فقد يساعد النموذج اللغوي في صياغة رسائل مصممة وفق سياق المهمة وسجل محادثة المجموعة. وفي الوقت ذاته، ثمة إمكانية لأن تتفاعل المجموعات مع الدعم وتكيّفه في أثناء التعاون؛ فإذا قُدم الدعم عبر روبوت محادثة، قد تطرح المجموعات أسئلة استيضاحية، ككيفية تطبيق استراتيجية تعاون معينة. وقد تعدّل المجموعات أيضاً درجة الدعم، كزيادة مقداره أو دقته أو خفضهما، أو اختيار جوانب محددة من تعاونها ترغب، أو لم تعد ترغب، في تلقي الدعم فيها. وفي هذه الحالة، لا يقدم الذكاء الاصطناعي التوليدي دعماً تكيفياً فحسب، بل دعماً قابلاً للتكييف أيضاً، أي أن المجموعة تستطيع تعديل الدعم وفق احتياجاتها في أثناء التعاون.
وحين يُدمج النموذج اللغوي الكبير في العوامل الحوارية أو أنظمة التدريس الذكية، قد يجعل المخرجات النصية للعامل الاصطناعي أقرب إلى النصوص البشرية، ويتيح للمتعلمين الإدخال بلغة طبيعية، ويقدم حوافز أكثر وعياً بالسياق، ويراعي سجل المحادثة، أي سياقها، بين المتعلم والعامل الاصطناعي، كالأهداف التي تسعى إليها المجموعة حالياً. ومن ثم قد ينخرط المتعلمون في رسائل الدعم بفاعلية أكبر. وقد ينطبق الأمر ذاته على الأنظمة التي لا تضطلع بدور الميسّر، بل بدور القرين الذي يتعين على المجموعة تعليمه، فيستثير بذلك أنماط تفاعل مفيدة.
وينبغي أن تخضع آثار هذه التطبيقات للذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث التجريبي. ومن الضروري الإشارة إلى أن مخرجات النماذج اللغوية الكبيرة يُرجح أن تعاني من تحيزات وصور نمطية مرمَّزة فيها، ومن معلومات غير صحيحة قد تتضمن حتى خرافات عصبية حول التعلم والتدريس. ويجب على الباحثين والمطورين والمعلمين أن يكونوا حساسين لهذه القضايا، وأن يختبروا أداء النظام قبل تطبيقه على نطاق أوسع.
وأخيراً، قد يكون الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولا سيما النماذج اللغوية الكبيرة، إضافة قيّمة إلى سلسلة التحليل في أنظمة الدعم التكيفي بفضل قدراته في معالجة اللغة الطبيعية. وفي هذا السياق، لا يكون الذكاء الاصطناعي التوليدي مسؤولاً مباشرة عن تشخيص التعاون أو تنفيذ الإجراءات التربوية، بل يكون جزءاً من تحليل التفاعل، كالحوار داخل المجموعة.
تصميم الدعم: قائم على الأدلة وأخلاقي
ناقشنا حتى الآن سبلاً محددة مختلفة لتوظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي في دعم التعاون. ونبرز فيما يلي بعض الجوانب العامة التي ينبغي مراعاتها عند تصميم دعم يتضمن الذكاء الاصطناعي التوليدي. والأهم أن تصميم الدعم التكيفي للتعاون يجب أن يتمحور حول التحديات التي تواجهها المجموعات، لا حول توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي لذاته. ومن ثم ينبغي للباحثين والمطورين تصميم دعم يستهدف تحديات محددة قد تنشأ في أثناء التعلم التعاوني. وهنا يعود النقاش إلى تقييمنا للوضع الراهن للبحوث حول آثار الذكاء الاصطناعي التوليدي في تيسير التعلم التعاوني. فمع أن الأدلة على الآثار المفيدة الملموسة محدودة حالياً وإن كانت إيجابية، يمكننا تصور دعم للتعاون قد يكون فعالاً. فالآليات الكامنة وراء التعاون الفعال والتحديات التي تواجهها المجموعات موثقة توثيقاً جيداً، وقد بيّن باحثون أهمية تصميم الدعم بعناية استناداً إلى نظريات راسخة وأدلة تجريبية، كما بيّن آخرون إحدى الطرق التي يمكن بها للرؤى والمناهج المستمدة من علوم التعلم أن توجه تصميم دعم تدريسي فعال.
وقد اقترحنا تصور الدعم التكيفي بوصفه سقالات تعليمية. ومن هذا المنظور، لا يظل الدعم متاحاً للمجموعات، بل يتلاشى تدريجياً مع ازدياد كفاءة المتعلمين في أداء جميع جوانب المهمة بأنفسهم. والغاية النهائية للسقالات تحقيق تعلم ينمو بمرور الوقت ويفضي إلى أداء مستقل، لا مجرد رفع الأداء في اللحظة الراهنة، وربما ما دام الدعم متاحاً فحسب.
ويمكن العثور على توجيهات أكثر تحديداً لتصميم الدعم في إطار أبعاد التصميم في مجال التعلم التعاوني المدعوم بالحاسوب، الذي يستطيع المطورون الرجوع إليه للتعرف إلى قرارات التصميم والخيارات الممكنة، ثم توظيف الأعمال النظرية والتجريبية لتوجيه التصميم المحدد للدعم. ومن المنظورات التي قد تكون مثمرة عند التأمل في قرارات التصميم الأكثر تفصيلاً مفهوم التفريغ المعرفي، الذي يبرز التساؤل عن الأنشطة المعرفية التي تُفوَّض، إلى شيء في البيئة أو إلى عامل اصطناعي مثلاً، ومن ثم لا يؤديها المتعلمون البشر بعد. فمع أن تفريغ مهام معينة أو تفويضها قد يفضي إلى زيادة في الأداء، ينبغي أن يُؤخذ في الحسبان أن أنشطة معينة تمثل فرصاً للمتعلمين، وأن تفويضها قد تكون له آثار غير مرغوب فيها، أو قد يحرمهم من الصعوبات المرغوبة. ومن هذا المنظور، ثمة حجج وجيهة لـ«تحميل» المتعلمين أنشطة ودعمها، كتوليد حجج وشروح مختلفة واستكشافها تعاونياً، أو دعم أعضاء المجموعة الآخرين في مراقبة انخراطهم وتنظيمه في أثناء التعاون.
وأخيراً، ينبغي النظر في تصميم دعم التعلم وآثاره وعواقبه، ولا سيما عند توظيف نماذج تعلم الآلة، في ضوء انعكاساته أو جوانبه الأخلاقية والقانونية والاجتماعية. فالتقنية ليست محايدة أبداً، ولذلك نحتاج إلى التأمل ليس فقط في استخدامنا للتقنية، بل في تصميمها أيضاً، أي الأخلاقيات بالتصميم. ويمكن العثور على توجيه لهذا التأمل في مجال الأخلاقيات التطبيقية، ولا سيما في الأخلاقيات الخاصة كأخلاقيات التقنية، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في التعليم. كما توجد مقاربة أكثر عملية للتأمل الأخلاقي تقدم مقترحات وأسئلة موجهة. وبالنظر إلى الاتجاهات الحالية في استكشاف استخدام النماذج اللغوية الكبيرة في البيئات التعليمية، نلخص بعض الرؤى التي يمكن تضمينها في التأمل الأخلاقي: فمع أن لتوظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي جزءاً من التقنيات التعليمية فوائد محتملة لا شك فيها، يجب أن نعي التكاليف المحتملة، القانونية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، المرتبطة به. وقد وُصفت بعض التكاليف المرتبطة بنماذج لغوية كبيرة بعينها، ومنها مسألة المواد التي يحق للشركات قانونياً استخدامها لتدريب نماذجها، وظروف العمل الهشة للعاملين في البيانات المشاركين في تدريب النماذج وضبطها الدقيق. ومن التكاليف الأخرى التحيزات والصور النمطية المرمزة في نماذج تعلم الآلة، والطاقة اللازمة لتدريب النماذج ومعالجة استفسارات المستخدمين، وغيرها من «التكاليف الخفية». وفي ضوء ذلك، علينا أن نناقش التكاليف التي نحن مستعدون لتحملها في مقابل فوائد كالآثار الإيجابية، بحجم معين، في نواتج التعلم، وأهداف كأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، ومنها التعليم الجيد والمساواة بين الجنسين والعمل اللائق والنمو الاقتصادي. وعلينا هنا أن نتذكر أن التكاليف المرتبطة بالنماذج اللغوية الكبيرة يُتوقع أن تختلف بحسب تفاصيل عملية التطوير، أي التدريب، وكذلك بحسب طريقة تطبيقنا لها في السياقات التعليمية.
إجراء البحوث حول آثار الدعم القائم على الذكاء الاصطناعي التوليدي للتعلم التعاوني
كما بيّنا، لا بد من مزيد من البحث في آثار دعم الذكاء الاصطناعي التوليدي لتوجيه تصميم بيئات التعلم التعاوني على نحو أفضل. ولذلك نرسم الجوانب التصميمية ذات الصلة بالدراسات التجريبية، التي تُعدّ أساسية لإنتاج أدلة متينة وموثوقة بما يكفي لتوجيه قرارات الأطراف المعنية بشأن تصميم بيئات تعاون فعالة.
موضوعات البحث
كشفت مراجعتنا أن ثمة حاجة إلى إيلاء مزيد من الاهتمام البحثي لأدوار الدعم وأهدافه وجوانب التعاون التي قد يعالجها الدعم التدريسي لتحقيق هذه الأهداف. ومن ثم فإن أحد مسارات البحث المستقبلي استكشاف هذه الجوانب على نحو أعمق، ويمكن أن يسترشد هذا البحث بإطار أبعاد التصميم. وبالنظر إلى الدور الحاسم لعمليات التعاون في التعلم، ينبغي للبحوث أيضاً أن تتناول العمليات التي تحدث في المجموعة، كالأدوار التي يتخذها المتعلمون عند تفاعلهم فيما بينهم ومع عامل اصطناعي، وجودة التفاعل، وعمليات التنظيم، وعمليات البناء المشترك للمعرفة. وكما أشار أحد الباحثين، لا ينبغي أن يقتصر البحث على النواتج المعرفية؛ فالتعلم التعاوني يتيح فرصاً لتعلم بناء العلاقات مع الأقران، وممارسة التنظيم الانفعالي، وبناء تقدير الذات، واكتساب القدرات ما وراء المعرفية.
غير أن البحوث المستقبلية قد لا تقتصر على التوسع في المستهدفات والأهداف المحتملة لدعم التعاون، أو البحث المنهجي في أبعاد التصميم الأخرى، بل قد تتناول أيضاً عواقب إدخال عوامل اصطناعية إلى المجموعات، كتغيير التفاعل داخل المجموعة، ومن ثم تغيير الطريقة التي يعالج بها المتعلمون البشر المعلومات. فعلى سبيل المثال، تبرز إحدى المراجعات أن نجاح فرق الإنسان والآلة ليس مضموناً، بل إن المكاسب في أداء فرق الإنسان والذكاء الاصطناعي لا تكون أرجح إلا إذا كان الإنسان منفرداً يتفوق على الذكاء الاصطناعي منفرداً.
ومن منظور التفريغ المعرفي، قد يدفع إدخال العوامل الاصطناعية المتعلمين البشر إلى تفويض المهام إليها بدلاً من أدائها بأنفسهم. وقد يقوض ذلك أنشطة أساسية للتعلم، ولا سيما أنشطة التعلم التوليدي التي تفرض على المتعلمين صعوبات مرغوبة. والأمر ذاته ينطبق على مراقبة التعاون وضبطه. ففي سياق التعلم الفردي، وجد باحثون أن بعض المتعلمين فوضوا العمليات ما وراء المعرفية إلى عامل اصطناعي، وهي نتيجة أسموها «الكسل ما وراء المعرفي». وفي الوقت ذاته، من المهم الإقرار بأن التفريغ المعرفي ليس ضاراً دائماً بالضرورة، بل يمكن أن يكون جزءاً من عملية التلاشي التدريجي للسقالات، أو من التنظيم المشترك التيسيري للتعاون.
تصميم الدراسات لجمع الأدلة التجريبية
من خلال السعي في مسارات كتلك الموصوفة آنفاً، نطمح إلى اكتساب رؤى تتيح لنا تحديد كيفية تصميم دعم فعال للتعاون في سياقات تعليمية مختلفة.
وأساس تصميم الدراسات التجريبية اختبار فرضيات حول الآليات المتوقعة الكامنة وراء تأثير الدعم في عمليات التعاون. وفي الحالة المثلى، يمكننا بعد ذلك تطوير تجارب تعزل أثر هذا الدعم في نواتج كاكتساب المعرفة. ويقترن إجراء هذه الدراسات في سياق التعلم التعاوني بتحديات إضافية، كصغر أحجام العينات، والتوزيع العشوائي، والتحليلات الإحصائية. وتكون التجارب المتعلقة بآثار الدعم القائم على الذكاء الاصطناعي التوليدي مفيدة بوجه خاص للممارسة التعليمية إذا قارنت هذا الدعم المصمم حديثاً بحالة ضابطة «قوية»، كأنواع أخرى من الدعم، مثل نصوص التعاون أو العوامل الحوارية. أما مقارنة نواتج المجموعات التي تتلقى دعماً تكيفياً يوظف الذكاء الاصطناعي التوليدي بنواتج مجموعات لا تتلقى أي دعم أو تتلقى تدريساً اعتيادياً، فقد تخلط بين آثار الدعم وعوامل أخرى كعامل الجدة، وقد لا تكون مفيدة كثيراً للممارسة التعليمية. وعند المقارنة بين الحالات، من الحيوي أيضاً التحقق مما إذا كان النظام التكيفي يقدم فعلاً الدعم المقصود، أي التحقق من التطبيق، وإلا فإن النتائج لا تقدم إلا فهماً ضئيلاً لكيفية تصميم الدعم التكيفي وتطبيقه. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في المواقف التي تتطلب فهم الشروط التي تكون فيها أنواع الدعم المختلفة فعالة، بما يتيح لنا الاختيار بين البدائل.
وفي الحالة المثلى، سيأتي وقت تتوافر فيه أدلة وافرة من بحوث صارمة يمكن توليفها في مراجعات كالمراجعات المنهجية للأدبيات أو التحليلات البعدية. ويبدو أن ذلك يمثل تحدياً ماثلاً أمام الجيل الحالي من البحوث حول آثار الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعلم. ومن ثم نحتاج إلى مزيد من البحوث التي تسفر عن نتائج متينة.
ويمكننا التصدي لتعقيد تطوير دعم الذكاء الاصطناعي التوليدي للتعلم التعاوني وتقييمه بالجمع بين الخبرات من مجالات كعلوم التعلم والذكاء الاصطناعي وعلوم الحاسوب والممارسة التعليمية. ويمكن لهذا التعاون المتعدد التخصصات أن يفضي إلى تصاميم بحثية أشمل، وتحليل أدق وأمتن للبيانات، ومن ثم فهم أعمق لكيفية إتاحة نوع محدد من الدعم للتعلم التعاوني. ومع أن هذا التعاون يتطلب مزيداً من الوقت والجهد، نعتقد أن التكاليف اللازمة لإنتاج نتائج متينة وموثوقة مبررة بالنظر إلى عواقب الاستنتاجات المتسرعة، كإهدار الوقت في تطوير دعم غير فعال وتطبيقه، أو إعاقة التعلم، وهو ما تدعو إليه فكرة «العلم البطيء». ومن الأطر المعتمدة لإجراء بحوث متعددة التخصصات تسعى إلى إحداث أثر في الممارسة في سياقات تعلم حقيقية البحثُ القائم على التصميم.
وبدلاً من مبدأ «التحرك بسرعة وتحطيم الأشياء»، نرى أن التكاليف اللازمة لإجراء بحوث تنتج رؤى موثوقة تُنفق في محلها إذا خُففت الأضرار واستطعنا أن نثق بأن الدعم يفيد متعلمينا فعلاً. وبوصفنا باحثين ومربين ومطورين وصانعي سياسات، تقع علينا مسؤولية تشكيل مستقبل تُستخدم فيه التقنيات التعليمية لإتاحة تعاون هادف ودعم تفاعل فعال يخدم التعلم. ولهذا الغرض، يجب أن تُصمم التقنيات بتأنٍّ. فكما يقول أندرياس شلايشر: «تخلق التقنيات الرقمية أيضاً فرصاً ستضخم التدريس المتميز، وإن كانت التقنية الرقمية المتميزة لا تستطيع أبداً أن تعوض التدريس الضعيف». ولذلك فإن مراعاة الرؤى المستمدة من البحوث حول التعلم التعاوني هي العمود الفقري لتصميم دعم يفيد المجموعات، ولا يعزز اكتساب المعارف الخاصة بالمجال فحسب، بل يساعدها أيضاً على أن يصبح أعضاؤها أعضاء فرق أكفاء.
