الفصل الأول: استكشاف الاستخدامات الفعالة للذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم: نظرة عامة
يعرض هذا الفصل خلاصة لنتائج تقرير آفاق التعليم الرقمي 2026 الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. فبعد التعريف بالذكاء الاصطناعي التوليدي ومدى انتشاره في المجتمع وفي التعليم، يبيّن الفصل كيف يمكن لأعمال البحث والتطوير في هذا المجال أن تسترشد بها السياسات والممارسات التعليمية. ويذهب إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي العام الأغراض ينطوي على مخاطر على التعلم، وأنه ينبغي استخدامه لغاية تربوية واضحة، أو إعادة تصميمه في صورة أدوات تعليمية متخصصة. ويقدّم الفصل أمثلة على عدد من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي التعليمية ووظائفها. كما يوضح أن هذا النوع من الذكاء الاصطناعي قادر على دعم سير العمل داخل المؤسسات والنظم التعليمية، وعلى فتح آفاق جديدة أمام البحث التربوي.
يتناول هذا التقرير الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو تقنية تحويلية وضعت الذكاء الاصطناعي في دائرة الضوء العام، بما في ذلك لدى الطلبة وصانعي السياسات التعليمية، منذ أن أطلقت شركة OpenAI تطبيق ChatGPT عام 2022. وعلى خلاف أنظمة الذكاء الاصطناعي التعليمية السابقة، فإن الذكاء الاصطناعي التوليدي متاح للطلبة ويستخدمونه خارج المؤسسات التعليمية، سواء أقرّ ذلك المعلمون وقادة المدارس وصانعو السياسات أم لم يقرّوه. ويطرح هذا الواقع فرصاً كبيرة وتحديات معقدة في آن واحد أمام التعليم. وبعد توضيح المقصود بالذكاء الاصطناعي التوليدي، يستعرض هذا الفصل مدى انتشاره بين سكان دول المنظمة، ومنهم الطلبة والمعلمون. ثم يقدّم خلاصة للمعارف والمعلومات الواردة في هذا التقرير، وتشمل الأدلة البحثية على آثار الذكاء الاصطناعي التوليدي في تعلم الطلبة، وأمثلة على ما يمكن أن يكون عليه الذكاء الاصطناعي التوليدي التعليمي، والاستخدامات الممكنة لتحسين سير العمل على مستوى المؤسسات والنظم.
الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم
ما الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
الذكاء الاصطناعي التوليدي فرع من الذكاء الاصطناعي يُعنى بإنتاج محتوى جديد، كالنصوص والصور ومقاطع الفيديو والأغاني والمعادلات الرياضية والبرامج الحاسوبية، وذلك في الغالب استجابةً لسؤال أو أمر يُعرف بالموجِّه أو «الأمر النصي». وتتولد هذه المخرجات استناداً إلى كميات ضخمة من بيانات التدريب. ولتحقيق ذلك، يعتمد الذكاء الاصطناعي التوليدي على تقنيات متقدمة في تعلم الآلة، مثل الشبكات العصبية القائمة على المحوِّلات، ولا سيما المحوِّل التوليدي المُدرَّب مسبقاً (GPT)، والتمثيلات المتجهية، والوحدات النصية، وغيرها. وقد تعرّف معظم الناس إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي عبر روبوتات المحادثة القائمة على النماذج اللغوية الكبيرة، مثل ChatGPT من OpenAI، وGemini من Google، وCopilot من Microsoft، وClaude من Anthropic، وLeChat من Mistral، وDeepseek من شركة Deepseek.
وفي المقابل، تنتج أنظمة الذكاء الاصطناعي غير التوليدية أساساً تنبؤات وتصنيفات وتوصيات وتقييمات، كتلك المتعلقة بالأفلام أو الكتب أو غيرها من المنتجات والخدمات. ومع أنها قد تستخدم تقنيات مشابهة لتلك التي يعتمدها الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإن غايتها الأساسية هي التعرف إلى الأنماط والعلاقات في كميات هائلة من البيانات، لا ابتكار محتوى جديد. ويُطلق على هذه الأنظمة أحياناً اسم الذكاء الاصطناعي «القائم على القواعد» أو «التنبؤي» أو «التقليدي». ورغم أنها كثيراً ما تكون أقل ظهوراً للمستخدمين النهائيين، فإنها تظل أنظمة قوية ذات استخدامات متنوعة، منها ما يتصل بالتعليم؛ إذ تُدمج في التقنيات المساعدة، كتلك الموجهة للطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة، وتُستخدم لتكييف التعلم وفق الاحتياجات الفردية داخل أنظمة التدريس الذكية، ولتصحيح التقييمات، وللتنبؤ بالطلبة المعرّضين لخطر التسرب.
ومن المهم التمييز بين أدوات الذكاء الاصطناعي العامة الأغراض وتلك المتخصصة، وهي في سياقنا تعليمية في المقام الأول؛ فالأنظمة العامة الأغراض متعددة الاستخدامات ومصممة لخدمة أغراض كثيرة من بينها الأغراض التعليمية، في حين أن الأدوات التعليمية المتخصصة مصممة للأغراض التعليمية وحدها.
ما الذي يميز أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي العامة الأغراض؟
كثيراً ما تقدم أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي العامة الأغراض إجابات وثيقة الصلة بالأسئلة ومراعية لسياقها، مع قدرتها على الاستيضاح وطرح أسئلة المتابعة. ولم تكن هذه القدرات ممكنة في تقنيات معالجة اللغة الطبيعية السابقة غير التوليدية. وتُدرَّب هذه الأدوات على مجموعات بيانات ضخمة تفوق ما يستطيع البشر استرجاعه يدوياً. فضلاً عن ذلك، فهي مرنة وقابلة للتطبيق في موضوعات شتى. وعلى خلاف معظم أدوات الذكاء الاصطناعي التعليمية، تتيح أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي العامة الأغراض عادةً نسخاً مجانية، مما يمكّن الطلبة والمعلمين من استخدامها حتى إن لم توفرها لهم الجامعات أو المدارس، شريطة امتلاكهم جهازاً مناسباً واتصالاً كافياً. بل إن النماذج اللغوية الصغيرة يمكنها العمل دون اتصال بالإنترنت، وإن كان ذلك بأداء أدنى.
وثمة كذلك جملة من أوجه القصور المعروفة الخاصة بأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي الحالية والملازمة لتقنيتها. فلكونها قائمة على نماذج احتمالية، قد «تهلوس»، أي تقدم إجابة معقولة الظاهر لكنها خاطئة، أو تختلق تفاصيل في مخرجاتها. كما أنها لا تنتج في العادة نتائج متسقة بمرور الوقت؛ فتكرار المهمة ذاتها عدة مرات يفضي إلى إجابات أو منتجات مختلفة ولو اختلافاً طفيفاً، وهو ما يشكل مشكلة في بعض الأحيان. ويرجع ذلك إلى التحديثات الدورية للأنظمة وإلى طبيعتها الاحتمالية. ولأنها مدرَّبة على مجموعات البيانات المتاحة، تميل إجاباتها وسائر منتجاتها إلى إعادة إنتاج الآراء ووجهات النظر الممثلة في تلك البيانات، التي تستند في غالبيتها الساحقة إلى الثقافات الناطقة بالإنجليزية والثقافات الغربية. فعلى سبيل المثال، ما لم يُطلب منها غير ذلك، فإنها تستخدم عادةً أسماء وأمثلة غربية في ما تنتجه. يضاف إلى ذلك أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، على الرغم من أنها تبدو ذكية، لا «تفهم» المدخلات التي تعالجها ولا المحتوى الذي تولده. ولذلك تتطلب مخرجاتها عادةً إشرافاً بشرياً وتدقيقاً، يفوق في كثير من الأحيان ما تتطلبه أنظمة الذكاء الاصطناعي المتخصصة غير التوليدية.
وعلى الرغم من خروج ذلك عن نطاق هذا التقرير، فإن الذكاء الاصطناعي التوليدي يطرح أيضاً جملة من التحديات المجتمعية. فكثير من المراقبين قلقون من بصمته البيئية، وإن ظل قياسها ومقارنتها بغيرها من التقنيات الرقمية أمراً عسيراً حتى الآن. وقد يؤدي انتشار المعلومات والبيانات المولدة بالذكاء الاصطناعي إلى تراجع جودة المحتوى الذي سيُولَّد مستقبلاً، إذ تدخل هذه المعلومات في مجموعات بيانات التدريب، وإلى تضخيم بعض القيود الراهنة في معارفنا. وسيجعل ذلك التفكير النقدي وتنمية مهارات ما وراء المعرفة والتفكير العليا أكثر أهمية من أي وقت مضى. ولا يزال الأثر الكامل لكيفية إسهام الذكاء الاصطناعي التوليدي في تحويل المجتمعات وأسواق العمل والاقتصادات آخذاً في التشكل.
ما مدى انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي بوجه عام؟
يتعرف معظم الناس إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي من خلال روبوتات المحادثة القائمة على النماذج اللغوية الكبيرة، مثل ChatGPT من OpenAI، وGemini من Google، وCopilot من Microsoft، وClaude من Anthropic، وLeChat من Mistral، وDeepseek R1 من Deepseek. واستناداً إلى بيانات حركة المرور على المواقع الإلكترونية حتى أبريل 2025، هيمنت روبوتات المحادثة على الاستخدام العام لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ استأثرت بنسبة 95% من حركة المرور الشهرية إلى أكبر ستين منصة للذكاء الاصطناعي التوليدي. وحده ChatGPT مثّل نحو 78% من الزيارات الشهرية، بعد أن كانت حصته 89% في أبريل 2023. أما أدوات توليد الصور فقد استأثرت بنسبة 2.4% من حركة المرور إلى مواقع الذكاء الاصطناعي التوليدي، وأدوات الفيديو والصوت بنسبة 1.9%، وأدوات الإنتاجية والأعمال بأقل من 0.5%. ومع أن هذه الحصص تظل صغيرة، فإن استخدام هذه الأنظمة نما نمواً ملحوظاً منذ عام 2023، تماشياً مع النمو العام في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي. كما تتصاعد المنافسة بين المنصات، مع اكتساب منصات جديدة مثل Deepseek وPerplexity حصصاً سوقية منذ عام 2023. وقد تبيّن أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي قد اتسع واشتد في آن واحد؛ فبين عامي 2024 و2025، ازداد عدد المستخدمين الفريدين لتطبيق ChatGPT بنسبة 42%، وارتفعت الزيارات لكل مستخدم بنسبة 50%، وتضاعف متوسط مدة الجلسة من سبع دقائق إلى خمس عشرة دقيقة، مما أدى إلى تضاعف حركة المرور إليه بنمو بلغ 113%.
وقد جاء معظم هذا النمو مدفوعاً بالمستخدمين في البلدان المرتفعة الدخل؛ ففي عام 2025، استأثرت هذه البلدان بنسبة 60% من استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، مقارنةً بنسبة 55% في عام 2024، في مقابل 39% للبلدان المتوسطة الدخل وأقل من 1% للبلدان المنخفضة الدخل. ويعكس ذلك إقبالاً قوياً في الدول الأعضاء في المنظمة، وكذلك في الدول المرشحة للانضمام والدول الشريكة الرئيسية مثل البرازيل والصين والهند. غير أنه يشير أيضاً إلى فجوة رقمية آخذة في الاتساع، أساسها التفاوت في التبني والاستخدام. وقد يُعزى جزء من هذه الفجوة إلى إشكالات في القياس، إذ قد لا يتمكن المستخدمون في المناطق ضعيفة الاتصال من الوصول إلى المنصات عبر الإنترنت، فيستخدمون نسخاً تعمل دون اتصال على أجهزتهم. ومع ذلك تبقى حصة مستخدمي الإنترنت الذين يستخدمون ChatGPT مؤشراً تقديرياً على مدى تبني أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بين السكان، مع الإقرار بأن المتوسطات تُخفي معدلات استخدام أعلى بين الأجيال الأصغر سناً. وقد ارتفعت هذه الحصة في دول المنظمة والدول المرشحة للانضمام والدول الشريكة الرئيسية، علماً بأن ChatGPT غير متاح عموماً في الصين، وبأن روبوتات المحادثة المحلية البديلة تحظى في الغالب بشعبية أكبر في بلدانها أو مناطقها الأصلية، وإن ظل ChatGPT أكبر خدمات المحادثة التوليدية على الإطلاق. وتؤكد هذه البيانات نمو استخدام روبوتات المحادثة التوليدية في جميع البلدان تقريباً.
هل يشيع استخدام الطلبة للذكاء الاصطناعي التوليدي؟
على الرغم من عدم توافر بيانات مقارنة موثوقة حالياً بشأن استخدام الطلبة للذكاء الاصطناعي التوليدي في مختلف المراحل التعليمية، تقدم عدة مسوح وطنية ودولية صورة أولية عن مدى استخدام الطلبة لهذه الأدوات والأغراض التعليمية التي يستخدمونها من أجلها.
ففي سويسرا، يشير مسح تمثيلي إحصائياً أُجري عام 2024 على طلبة تتراوح أعمارهم بين 8 أعوام و18 عاماً إلى تفاوت حاد في الاستخدام بحسب العمر. فقد أفاد نحو 8% من طلبة المرحلة الابتدائية بأنهم استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في الصف مرة واحدة على الأقل أسبوعياً، مقابل 30% في المرحلة الإعدادية، ونحو النصف في التعليم الثانوي العام، و40% في التعليم المهني. وجاء الاستخدام في المنزل وفق نمط عمري مماثل، بنسب تقارب 9% و33% و54% و40% على التوالي. وإذا أُدرجت الاستخدامات الأقل تكراراً من مرة أسبوعياً، فإن نحو 70% من طلبة التعليم الثانوي العام في سويسرا يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي، ويستخدمه سائر التلاميذ السويسريين وفق نمط عمري ومدرسي مماثل لنمط المستخدمين المكثفين.
وفي إستونيا، وجد مسح وطني شمل نحو 16000 طالب أن 74% من طلبة المرحلة الإعدادية و90% من طلبة المرحلة الثانوية أفادوا باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لدعم دراستهم في عام 2024، وكان ChatGPT الأداة المهيمنة بفارق كبير، إذ يستخدمه 70% من الطلبة. وبعيداً عن دراسات الحالة الوطنية، رصد مسح أوروبي عابر للبلدان شمل أكثر من 7000 طالب تتراوح أعمارهم بين 12 عاماً و17 عاماً في سبعة بلدان، هي ألمانيا واليونان والبرتغال ورومانيا وإسبانيا وتركيا والمملكة المتحدة، استخداماً مرتفعاً للذكاء الاصطناعي التوليدي بين الطلبة؛ إذ صرّح 48% منهم باستخدام ChatGPT في عام 2024، وكان ما يقارب نصفهم قد وُجِّهوا إلى ذلك من معلميهم.
ويبدو أن استخدام طلبة التعليم العالي للذكاء الاصطناعي التوليدي يتسق مع النمط العمري المشار إليه آنفاً، وإن لم تتوافر بعد مسوح تمثيلية إحصائياً تقدم معلومات بهذا الشأن. ومع ذلك، شملت بعض الدراسات أعداداً كبيرة من طلبة التعليم العالي، وأعادت ترجيح إجاباتهم لتكون أكثر تمثيلاً. ففي فرنسا، أفادت دراسة أُجريت عام 2023 على نحو 4500 طالب بأن 55% من طلبة التعليم العالي يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وارتفعت هذه النسبة إلى 82% في عام 2025. وفي ألمانيا، وجد مسح شمل أكثر من 23000 طالب في التعليم العالي أن 94% منهم استخدموا الذكاء الاصطناعي في عام 2025، منهم 65% يستخدمونه يومياً أو أسبوعياً. كما وجد مسح دولي أُجري عام 2024 على 3000 طالب في التعليم العالي في ستة عشر بلداً أن 86% منهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي في دراستهم، منهم 54% يستخدمونه يومياً أو أسبوعياً.
وتشير الأدلة إلى أن استخدام الطلبة للذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل بسرعة من الهامش إلى التيار السائد منذ عام 2022. ويتجلى ذلك في الاتجاهات السائدة بين طلبة المرحلة الثانوية العليا في الولايات المتحدة، وهي من الأماكن القليلة التي أُجريت فيها مسوح متعددة على مدى زمني. فقد أشارت المسوح التي أُجريت عام 2023 إلى انتشار واسع للتعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ أفاد ما بين 25% و33% من طلبة المرحلة الثانوية باستخدامه في واجباتهم المدرسية. وفي عام 2024، أشارت مسوح مماثلة إلى تسارع ملحوظ، حيث أفاد ما يقارب 50% من طلبة المرحلتين المتوسطة والثانوية باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بدرجة ما، ولا سيما للمساعدة في الواجبات المنزلية وتوليد الأفكار وشرح المفاهيم الصعبة. وفي عام 2025، أفاد نحو 68% من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 عاماً و17 عاماً باستخدام روبوتات المحادثة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT.
ومن المرجح أن تكون الفئات العمرية الأصغر هي المحرك أيضاً للزيادة المشار إليها في التعامل مع الذكاء الاصطناعي التوليدي بين عامي 2024 و2025. ففي عام 2024، ومقارنةً بعموم مستخدمي الإنترنت، كانت الفئات العمرية الأصغر والأكثر تعليماً مسؤولة عن حصة كبيرة من حركة المرور إلى هذه الأدوات، مما يدل على استخدام مبكر ومركّز بين المراهقين والشباب. ولا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بأن إسهامهم في هذه الحصة قد تراجع، بل من الممكن، ومن المرجح أيضاً، أن يكون المجرّبون الأوائل في عام 2024 قد تحولوا إلى مستخدمين منتظمين في عام 2025.
وخلاصة القول إن الطلبة يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي فعلاً؛ بدرجة محدودة في التعليم الابتدائي، وبنسبة معتدلة في المرحلة الإعدادية، في حين يبدو أن غالبيتهم يستخدمونه بانتظام في المرحلة الثانوية والتعليم العالي. ومع أن إقبال الطلبة على الذكاء الاصطناعي التوليدي يتفاوت من بلد إلى آخر، فإن الاتجاهات العامة تشير إلى نمو واسع في استخدامهم له عبر دول المنظمة.
لأي أغراض يستخدم الطلبة الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
من الواضح أن كثيراً من الطلبة يلجؤون إلى أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لأغراض أكاديمية، غير أن دوافعهم الأساسية تتمحور في الغالب حول السهولة والكفاءة لا حول التعلم العميق. فحين يُسألون عن أسباب استخدامهم له، يجيب الطلبة عادةً، وفق عدد من الدراسات، بأنهم يسعون إلى «دعم معرفي»، كالحصول على المعلومات والشروح والملخصات، أو إلى «دعم إنتاجي»، كتوليد الأفكار وإعداد المسودات، وربما على نحو أكثر إشكالاً، توليد الحلول.
ففي إستونيا مثلاً، أفاد طلبة الصفوف من السادس إلى الثاني عشر في أغلب الأحيان بأنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحقيق درجات أفضل، وتيسير المهام التعليمية، وتوفير الوقت. وهذه الاستخدامات لا تدعم في العادة تعلم الطلبة. ومن الاستخدامات الشائعة الإجابة عن أسئلة الواجبات المنزلية وتوليد الأفكار. وكان طلبة المرحلة الإعدادية أكثر ميلاً إلى الإفادة باستخدامه للتحقق من الحقائق، بينما مال طلبة المرحلة الثانوية إلى الإفادة باستخدامه لتلخيص موضوعات بعينها وإنشاء مواد بصرية للعروض التقديمية. وفي معظم هذه الحالات، كان الدافع الأساسي هو الكفاءة والسهولة لا التعلم العميق.
وعلى المنوال نفسه، تبيّن في المسح الأوروبي المشار إليه آنفاً والذي شمل سبعة بلدان أن أكثر الاستخدامات التعليمية شيوعاً خارج المدرسة ودون توجيه من المعلمين هي الحصول على المعلومات بنسبة 56%، والحصول على شروح للمصطلحات والمفاهيم بنسبة 45%. وأفاد ما يقارب الثلث، أي 31%، باستخدام الذكاء الاصطناعي لتقديم حلول كاملة للمهام، في حين يستخدمه عدد أقل، بنسبة 20%، لوظائف التنظيم الذاتي، كوضع خطط تعلم شخصية أو متابعة التقدم. وتتسق هذه الأنماط مع نتائج مقابلات نوعية معمقة أُجريت مع تلاميذ هولنديين.
وفي التعليم العالي، يبدو أن الطلبة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي أساساً للبحث عن المعلومات، وللمهام اللغوية كالتحرير والتلخيص وإعادة الصياغة، وبدرجة أقل لإعداد المسودات. وتقدم إحدى الدراسات الألمانية التصنيفات الأكثر تفصيلاً للاستخدام، وتكشف عن صورة مشابهة إلى حد كبير؛ إذ يستخدمه الطلبة أساساً للبحث العام وتوليد الأفكار والبحث في الأدبيات على الجانب «المعرفي»، وللتلخيص وإعداد المسودات على الجانب «الإنتاجي»، وذلك لدى نحو 22% من المستخدمين المنتظمين. واللافت أن نحو 33% من الطلبة يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي بوصفه «شريكاً في التعلم».
وإجمالاً، تشير الأدلة المتاحة إلى أن عدداً متزايداً من الطلبة يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث العام والفهم وإعداد المسودات، بما في ذلك استخدامه طريقاً مختصراً لإنجاز المهام والواجبات المنزلية. ولا يبدو أن الاستخدامات تختلف كثيراً بين التعليم العالي والمرحلة الثانوية، بل تميل إلى أن تعكس التوقعات الدراسية المطلوبة من الطلبة في هاتين المرحلتين.
كيف يستخدم المعلمون الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
يقدم المسح الدولي للتعليم والتعلم (TALIS) لعام 2024 الصادر عن المنظمة معلومات تمثيلية ومقارنة عن كيفية استخدام معلمي المرحلة الإعدادية للذكاء الاصطناعي. ففي المتوسط، وعبر دول المنظمة، أفاد 36% من معلمي المرحلة الإعدادية بأنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي في عملهم خلال الأشهر الاثني عشر السابقة للمسح، مع تفاوتات كبيرة جداً بين البلدان؛ إذ أفاد نحو 75% من المعلمين في سنغافورة والإمارات العربية المتحدة باستخدامه، مقارنةً بأقل من 20% من المعلمين في فرنسا واليابان.
ومع أن المسح لا يسأل عما إذا كان المعلمون قد استخدموا الذكاء الاصطناعي بأنواعه كافة أم الذكاء الاصطناعي التوليدي تحديداً، فإن المهام التي أفاد بها المعلمون توحي بأن معظم الاستخدامات تنطوي على أدوات توليدية. فالمعلمون يستخدمون الذكاء الاصطناعي في المقام الأول لمهام الإعداد والإنتاجية؛ إذ أفاد 68% منهم في المتوسط باستخدامه للتعرف بكفاءة إلى الموضوعات التي يدرّسونها وتلخيصها، واستخدمه 64% لإعداد خطط الدروس. ومن بين مستخدمي الذكاء الاصطناعي، أفاد 25% في المتوسط باستخدامه لمراجعة بيانات مشاركة الطلبة أو أدائهم، واستخدمه 26% لتقييم أعمال الطلبة أو تصحيحها.
إضافة إلى ذلك، يوافق 40% من المعلمين في المتوسط أو يوافقون بشدة على أن الذكاء الاصطناعي يساعدهم على دعم الطلبة فردياً. ويوافق نحو 50% على أنه يساعد في إعداد خطط الدروس أو تحسينها، وإن تراوحت نسبة الموافقة بين 18% فقط في فرنسا و91% في فيتنام. ويرى سبعة من كل عشرة معلمين في المتوسط أن الذكاء الاصطناعي قد يمكّن الطلبة من نسبة أعمال غيرهم إلى أنفسهم. ويوافق نحو أربعة من كل عشرة معلمين على أن الذكاء الاصطناعي قد يضخم التحيزات، أو يرسخ المفاهيم الخاطئة لدى الطلبة، أو يعرّض خصوصية البيانات وأمنها للخطر.
أما المعلمون الذين لم يستخدموه، فيفيدون بشعورهم بالإرهاق من التوقعات المتزايدة لدمج الأدوات الرقمية في التعليم، ويعدّون ذلك عائقاً أمام استخدام الذكاء الاصطناعي في تدريسهم. ويتفاوت ذلك تفاوتاً ملحوظاً بين النظم، من أقل من 20% في البرازيل وتشيلي وكوستاريكا وإيطاليا والمغرب وتركيا والإمارات العربية المتحدة، إلى أكثر من 50% في كرواتيا والمجتمع الفلمنكي في بلجيكا واليابان وصربيا. وفي المتوسط، يفيد ثلاثة من كل أربعة معلمين بأنهم يفتقرون إلى المعرفة أو المهارات اللازمة للتدريس باستخدام الذكاء الاصطناعي. ويرى نحو نصف هؤلاء المعلمين كذلك أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُستخدم في التدريس. وعلى صعيد السياسات المدرسية، أفاد معلم واحد من كل عشرة معلمين بأن مدرسته تحظر استخدام الذكاء الاصطناعي في التدريس.
فماذا نعرف عن استخدام المعلمين لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في المراحل التعليمية الأخرى؟ يتيح مسح TALIS 2024 إجراء مقارنات لاستخدام المعلمين للذكاء الاصطناعي في مراحل أخرى في عدد محدود من البلدان المشاركة. وفي هذه النظم التعليمية، يقل احتمال إفادة معلمي المرحلة الابتدائية باستخدام الذكاء الاصطناعي عموماً مقارنةً بنظرائهم في المرحلة الإعدادية، مع فجوات كبيرة بوجه خاص في أستراليا والمجتمع الفلمنكي في بلجيكا. ويميل معلمو المرحلة الابتدائية الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي في الغالب إلى توظيفه في ممارسات تربوية موجهة، ولا سيما دعم الطلبة ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، وتكييف مستوى صعوبة المواد الدراسية وفق احتياجات الطلبة التعليمية، مع فروق كبيرة بوجه خاص في فرنسا وهولندا. وقد يشير ذلك إلى أنهم يستخدمون تقنيات الذكاء الاصطناعي المساعدة للطلبة ذوي الاحتياجات الخاصة وأنظمة التعلم التكيفي، التي قد تنطوي على ذكاء اصطناعي توليدي وقد لا تنطوي عليه.
وتؤكد المسوح الوطنية والدراسات القُطرية إلى حد بعيد الصورة التي رسمها مسح TALIS فيما يخص استخدامات الذكاء الاصطناعي التوليدي. ففي إستونيا مثلاً، وجد مسح شمل نحو 4000 معلم أن 53% منهم أفادوا باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في عملهم، مع ارتفاع الاستخدام لدى معلمي المرحلتين الابتدائية والإعدادية إلى 66%، مقارنةً بنسبة 50% لدى معلمي المرحلة الثانوية. ويستخدم المعلمون الذكاء الاصطناعي التوليدي أساساً لرفع كفاءة عملهم، كإعداد المواد ودعم التخطيط وتبسيط المهام الروتينية، لا لممارسات تربوية تحويلية عميقة أو فردية. وأقوى العوامل المنبئة بالاستخدام هي جاهزية المعلمين كما يقدّرونها بأنفسهم، بما تشمله من ثقة وإتاحة للأدوات ودعم مؤسسي، إلى جانب اعتقادهم بأن الذكاء الاصطناعي التوليدي يقدم فوائد عملية واضحة للتدريس. وفي المقابل، يُفسَّر عدم الاستخدام في معظمه بقصور المهارات، وضعف الثقة، ومحدودية فرص التدريب، أو عدم اليقين بشأن القيمة التربوية. ويرتبط العمر ارتباطاً إيجابياً ضعيفاً بالاستخدام، في حين لا تؤثر سنوات الخبرة في التدريس بعد احتساب الجاهزية والفائدة المتصورة، مما يوحي بأن تبني الذكاء الاصطناعي التوليدي في إستونيا مدفوع ببناء القدرات والصلة المتصورة بالتدريس اليومي أكثر مما هو مدفوع بالأقدمية.
وتقدم دراسات في أستراليا وإيطاليا وسلوفينيا والولايات المتحدة صوراً متنوعة للأنماط ذاتها من الاستخدام، ولا سيما في أعمال الإعداد، كأوراق العمل وخطط الدروس والأنشطة. كما تكشف عن اختلافات في الاستخدام بحسب المواد الدراسية؛ ففي الولايات المتحدة مثلاً، كان معلمو اللغة الإنجليزية و«الدراسات الاجتماعية» أكثر ميلاً إلى استخدام هذه الأدوات، ربما لأنهم أكثر ميلاً من معلمي بعض المواد الأخرى إلى تصميم دروسهم أو تكييفها.
ومن المرجح أن يكون الإقبال على الذكاء الاصطناعي التوليدي أكبر بكثير في التعليم العالي، نظراً إلى الاستخدام الواسع لأدواته في البحث العلمي. ففي فرنسا، وجد مسح شمل 30000 من طلبة التعليم العالي وأساتذته وموظفيه الأكاديميين أن 80% من أساتذة التعليم العالي كانوا قد استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بالفعل في عام 2025، وذلك أساساً للمساعدة في صياغة مقرراتهم وإعدادها بنسبة 49%، أو صياغة تقييمات الطلبة بنسبة 26%، وبدرجة أندر لمساعدتهم في تصحيح أعمال الطلبة بنسبة 13% أو رصد درجاتها بنسبة 8%. وأفادت دراسة دولية شملت 1700 أستاذ في 52 مؤسسة للتعليم العالي بأن 68% منهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي عموماً، ومن بين هؤلاء استخدم 75% الذكاء الاصطناعي التوليدي لإعداد المواد التعليمية، واستخدمه 24% لتوليد التغذية الراجعة على أعمال الطلبة. والمثير للاهتمام أن كلا المسحين يشير إلى أن أساتذة التعليم العالي نادراً ما يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي في تدريسهم الفعلي أو يطلبون من طلبتهم استخدامه. ومن المؤسف أن البيانات المتعلقة بوتيرة الاستخدام لا تزال محدودة.
وخلاصة القول إن استخدام المعلمين للذكاء الاصطناعي التوليدي يتفاوت بحسب البلد والمرحلة التعليمية التي يدرّسون فيها. وفي حين يبدو استخدامه أبرز في المرحلة الإعدادية منه في الابتدائية وفق بيانات TALIS 2024، تُظهر البحوث في إستونيا أن معلمي المرحلة الابتدائية هناك يستخدمون هذه الأدوات أكثر من معلمي المرحلة الثانوية. ويبدو أن المعلمين يستخدمون هذه الأدوات بقدر مساوٍ لطلبتهم أو أقل منهم، لا أكثر. ففي إستونيا أيضاً، بينما استخدم 50% من معلمي المرحلة الثانوية أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في عام 2025، يستخدمها 90% من طلبتهم. وفي الولايات المتحدة، وجدت الدراسة الوحيدة التي شملت الطلبة والمعلمين في آن واحد مستويات متقاربة من الاستخدام المنتظم، مع مستويات استخدام أعلى قليلاً إجمالاً لدى طلبة المرحلة الجامعية الأولى. وفي التعليم العالي، تبدو حصة المستخدمين المنتظمين متقاربة بين الأساتذة والطلبة. وأياً كانت المرحلة التعليمية، يفيد المعلمون بأنهم يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي للأسباب ذاتها في الغالب، وهي مساعدتهم في إعداد خطط الدروس والأنشطة التربوية ومواد التعليم والتعلم، وأحياناً في تقديم التغذية الراجعة للطلبة.
متى يحسّن الذكاء الاصطناعي التوليدي نواتج التعلم؟
في ضوء الاستخدام الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي من جانب الطلبة، بما في ذلك خارج البيئات المدرسية ودون توجيه من المعلمين، ومن جانب المعلمين أنفسهم بدرجة أقل، تبرز أمام قطاع التعليم أسئلة مهمة، منها: كيف يؤثر استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعلم؟ وكيف يمكن توظيف أدواته لتعزيز التعلم؟ ويتناول الجزء الأول من التقرير هذه الأسئلة، التي تُستكشف بمزيد من التعمق في مختلف أجزائه.
هل يؤدي استخدام الأدوات العامة الأغراض تلقائياً إلى تعزيز تعلم الطلبة؟
تستعرض إحدى الدراسات المتضمنة في هذا التقرير البحوث الناشئة حول التعليم والتعلم بالذكاء الاصطناعي التوليدي، وتؤكد أن أدواته قد تقوّض التعلم أو تعززه بحسب طريقة استخدامها. بل إن استخدامه قد يكون مضللاً في بعض الحالات؛ إذ قد ترفع أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي الجودة الظاهرة لأعمال الطلبة، أي أداءهم في المهام التعليمية، دون أن تحسّن تعلمهم الفعلي، أي اكتسابهم للمعارف والمهارات، وهي مفارقة توضحها دراسات عدة.
فقد تناولت دراسة شملت 1000 طالب من طلبة المرحلة الثانوية في تركيا في مادة الرياضيات بالصفوف التاسع والعاشر والحادي عشر ثلاث حالات للتدرّب عبر ست جلسات مدة كل منها تسعون دقيقة: الأولى باستخدام مذكرات المقرر والكتاب المدرسي كالمعتاد، والثانية باستخدام روبوت محادثة عام الأغراض قائم على نموذج لغوي كبير (GPT الأساسي)، والثالثة باستخدام روبوت محادثة تعليمي قائم على نموذج لغوي كبير (GPT المعلم). والنماذج اللغوية التعليمية مهيأة أو مضبوطة بدقة بحيث تتجنب تقديم إجابات مباشرة وتدعم التعلم، وإن لم يكن هناك ما يشير في هذه الحالة إلى أنها أداة تعلم تكيفية. وحللت هذه التجربة العشوائية المضبوطة نتائج الطلبة أثناء التدرب، ولاحظت أن نسبة الإجابات الصحيحة عن التمارين كانت أعلى بكثير لدى الطلبة الذين استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي مقارنةً بمن عملوا بمفردهم، إذ تحسن الأداء بنسبة 48% مع النسخة الأساسية، وبنسبة 127% مع النسخة التعليمية. غير أنه حين قيست معارفهم في اختبار مغلق الكتاب، تلاشت هذه المكاسب؛ فقد حصل الطلبة الذين استخدموا GPT العام الأغراض على درجات أدنى بنسبة 17% ممن درسوا بمفردهم. أما الطلبة الذين استخدموا روبوت المحادثة التعليمي فجاء أداؤهم مماثلاً تقريباً لأداء أقرانهم الذين درسوا ذاتياً. وعلى الرغم من أنهم عززوا مهاراتهم في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإن المنتظر من أدوات التعلم الرقمية الفعالة أن تعزز التعلم لا مجرد الأداء في التدريب، وهو ما يلمّح إلى احتمال قصور أداء أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي توصف نفسها بأنها «تعليمية».
وتُظهر دراسات أخرى نتائج مماثلة في ظروف مختلفة، وإن كانت بقوة إحصائية أقل. وتكمن قيمتها بالأحرى في تفسير سبب عدم إفضاء الأداء المحسَّن باستخدام الأدوات العامة الأغراض بالضرورة إلى التعلم. فقد حللت دراستان العمليات ما وراء المعرفية لدى طلبة التعليم العالي في الصين الذين استخدموا نماذج لغوية كبيرة عامة الأغراض لمراجعة مقالة كانوا قد كتبوها بالإنجليزية دون استعانة بأي أداة توليدية. وفي تجربة عشوائية مضبوطة أولى، كُلِّف الطلبة بمراجعة مقالاتهم بأربع طرق مختلفة: بمفردهم، أو بمشورة خبير بشري، أو باستخدام قائمة تحقق وأدوات رقمية، أو باستخدام نموذج لغوي كبير عام الأغراض. ولم تُرصد فروق ذات دلالة إحصائية في الدافعية بين هذه الحالات، وإن سجلت المجموعات الثلاث التي تلقت دعماً خارجياً ارتفاعاً طفيفاً في الدافعية. وعلى صعيد الأداء في المهمة، حققت المجموعة التي استخدمت أداة الذكاء الاصطناعي التوليدي أعلى الدرجات، غير أن المكاسب المعرفية التي قاسها اختبار للمعارف لم تتحسن. وعلى صعيد العمليات ما وراء المعرفية أو التعلم المنظم ذاتياً، أدّت المجموعة التي استخدمت الذكاء الاصطناعي التوليدي مهام ما وراء معرفية أقل، ولا سيما مهام التقويم والتوجيه. وقارنت دراسة أخرى الفروق بين طلبة راجعوا مقالاتهم بطلب مشورة بشرية وآخرين استخدموا نموذجاً لغوياً كبيراً عام الأغراض، فوجدت أن من تفاعلوا مع خبراء بشريين طلبوا المساعدة بطريقة خطية تتبع نماذج نظرية «طلب المساعدة»: تشخيص ما يحتاجون إلى المساعدة فيه، ثم طلبها، ثم تقويم المساعدة التي تلقوها، ثم التكرار، وأخيراً تطبيق المساعدة النهائية. وبيّنت الدراسة أن بعض الطلبة، عند تفاعلهم مع روبوت محادثة عام الأغراض، مالوا إلى طلب المساعدة مباشرة وتطبيق الحل الذي تلقوه فوراً، متجاوزين في الغالب مراحل التشخيص والتقويم والتكرار. ويسمي الباحثون ذلك «الكسل ما وراء المعرفي»، وهو وصف لما يُعرف بـ«التفريغ المعرفي».
وتجدر الإشارة إلى دراسة أخرى تلقي ضوءاً من منظور علم الأعصاب على النتائج السابقة. ففي الولايات المتحدة، طُلب من طلبة من خمس جامعات كتابة مقالة في عشرين دقيقة ضمن ثلاث حالات عمل: الكتابة بمفردهم (بالاعتماد على الدماغ وحده)، أو باستخدام محرك بحث، أو باستخدام أداة ذكاء اصطناعي توليدي عامة الأغراض هي ChatGPT. وبعد ذلك، وفي غضون ساعة من كتابة المقالة، لم يستطع سوى 12% من مجموعة النموذج اللغوي الاستشهاد بشيء من مقالاتهم استرجاعاً دقيقاً، مقابل 89% في المجموعتين الأخريين. ورغم أن مقالات مجموعة النموذج اللغوي حظيت بتقييمات جيدة، فقد كانت هذه المجموعة أقل قدرة على تلخيص وجهة نظر مقالاتها، وأضعف شعوراً بملكيتها، كما جاء محتوى مقالاتها أكثر تشابهاً. وأشار التصوير الدماغي إلى تحول في مهامهم التنفيذية من توليد المحتوى إلى الإشراف على المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي، مع انخفاض في الترابط والانخراط العصبي. وبيّنت الدراسة أيضاً أن الكتابة المنفردة أولاً ثم استخدام النموذج اللغوي حافظت على مستويات أعلى من التنشيط والاسترجاع، في حين سجّل من بدؤوا بالنموذج اللغوي ثم واصلوا بمفردهم مستويات منخفضة من التنشيط والاسترجاع. وتشير هذه النتائج إلى أن التنشيط المعرفي الأولي بالغ الأهمية قبل استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وتبرز هذه الأدلة أن نسبة من الطلبة الذين يستخدمون النماذج اللغوية الكبيرة العامة الأغراض قد يلجؤون إلى الطرق المختصرة، متجنبين المجاهدة المنتجة والجهد المعرفي اللازمين للتعلم ولاكتساب معارف ومهارات راسخة. ويتسق ذلك مع استخدام «سريع» للذكاء الاصطناعي التوليدي بدلاً من استخدام «بطيء» وتكراري أكثر إنتاجية، ومع مفهوم الاستخدام «الكسول» للذكاء الاصطناعي التوليدي.
هل يمكن تعزيز نواتج التعلم باستخدام أدوات ذكاء اصطناعي توليدي تربوية؟
على الرغم من أن الأدلة تشير إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تعزز أحياناً أداء الطلبة على حساب التنمية الراسخة للمهارات والمعارف، فإن ذلك لا يعني استحالة تحقيق نواتج إيجابية. بل إن عدة فصول من هذا التقرير تبرز نتائج واعدة كذلك. وينبغي هنا النظر في نوعين من استخدامات الذكاء الاصطناعي التوليدي التعليمي؛ إذ يُعاد توظيف بعض أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي القائمة على النماذج اللغوية الكبيرة لأغراض تعليمية، إما بـ«الضبط الدقيق»، أي إعادة تدريبها جزئياً على بيانات ذات صلة بالتعليم، وإما بـ«التهيئة» من خلال سلسلة من التعليمات والأوامر النصية التي تحدد كيفية استجابتها لطلبات المستخدمين.
ففي الولايات المتحدة مثلاً، طُوِّرت في جامعة ستانفورد أداة ذكاء اصطناعي توليدي تسمى Tutor CoPilot، ضُبط فيها نموذج GPT4 ضبطاً دقيقاً استناداً إلى ملاحظات إثنوغرافية لمعلمين أكفاء أثناء تقديمهم التغذية الراجعة. ودُمجت الأداة في منصة للتدريس الخصوصي عبر الإنترنت لمساعدة 900 معلم خصوصي، لا معلمين نظاميين، في الوقت الفعلي أثناء عملهم مع 1800 تلميذ من الفئات المحرومة في الولايات المتحدة. وقد رفع هذا التدخل نسب نجاح الطلبة بمقدار 4% في المتوسط، وتحققت أكبر المكاسب لدى المعلمين الخصوصيين الأقل خبرة بنسبة 9%، ولدى من سبق تقييمهم بأنهم أدنى جودة بنسبة 7%. في حين كان أثر استخدام الأداة أقل لدى المعلمين الخصوصيين الأكثر فاعلية وخبرة. وبالنظر إلى فاعلية التدريس الخصوصي استراتيجيةً للتعلم، تبيّن هذه الدراسة الرصينة أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي واعدة في دعم المعلمين الخصوصيين، وربما المعلمين الأقل خبرة كذلك. ويجري أيضاً تطوير استخدامات واعدة أخرى لجعل التدريس أكثر فاعلية.
وقارنت تجربة عشوائية مضبوطة أخرى في الولايات المتحدة التعلمَ في مقرر للفيزياء لطلبة المرحلة الجامعية الأولى بجامعة هارفارد، قُدِّم إما حضورياً وفق أسلوب «التعلم النشط»، وإما عبر معلم ذكي قائم على الذكاء الاصطناعي التوليدي هُيِّئ لتطبيق المبادئ التربوية لـ«التعلم النشط» عبر الإنترنت. وكانت الفكرة أن تُعتمد الممارسات التربوية ذاتها في الحالتين، مع اختلاف طريقة التقديم وحدها. ووجدت الدراسة أن الطلبة تعلموا أكثر بكثير في وقت أقل عند استخدامهم المعلم الذكي، مع حجم أثر كبير بلغ 0.63 بين المجموعتين، وأنهم شعروا كذلك بانخراط ودافعية أكبر. وفي الصين، أدت أداة ذكاء اصطناعي توليدي هُيِّئت لتطبيق التعلم القائم على حل المشكلات في القراءة إلى تحسن أداء الطلبة في القراءة ودافعيتهم مقارنةً بالنهج التقليدي الأقل تخصيصاً.
وقد راجعت إحدى الدراسات في هذا التقرير بحوثاً مختلفة تستخدم النماذج اللغوية الكبيرة لدعم التعلم التعاوني، ولاحظت أن معظمها لا يستخدم نموذجاً لغوياً عام الأغراض، بل يهيئ النموذج عادةً للتحكم في سلوكه وإسناد دور وسلوك محددين إليه، وفق الممارسات الجيدة التي سبق تحديدها في البحوث المتعلقة بالتعلم التعاوني المدعوم بالحاسوب.
ومع أن الأدلة محدودة وتفتقر في الغالب إلى القوة الإحصائية، تُظهر هذه الدراسات أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قادر على تعزيز التعلم حين تُهيَّأ أدواته لتكون تعليمية ومستندة إلى ممارسات التدريس الخبيرة وعلوم التعلم.
هل يمكن تعزيز نواتج التعلم باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي العامة الأغراض لغاية تربوية؟
من الأسئلة الجوهرية ما إذا كان ينبغي الانتقال حصرياً إلى أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي التعليمية المصممة منذ البداية لدعم التعلم. فمع أن هذه الأدوات أرجح من حيث المبدأ في دعم التعلم من النماذج العامة الأغراض، فإن الاستخدام التربوي لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي العامة الأغراض يمكنه هو الآخر تنمية معارف الطلبة ومهاراتهم. يضاف إلى ذلك أن استخدام هذه الأدوات العامة سيعزز الثقافة الذكائية لدى الطلبة على نحو أوسع، إذ يتيح لهم التعامل مع بعض الأدوات التي سيحتاجون على الأرجح إلى استخدامها في سوق العمل.
ففي المملكة المتحدة مثلاً، تقدم دراسة حول الإبداع دروساً يمكن تطبيقها في التعليم. فقد قاست الدراسة كيف يمكن لاستخدام نموذج لغوي كبير عام الأغراض أن يعزز النتاج الإبداعي للأشخاص وجودة كتابتهم التواصلية. وطُلب من المشاركين كتابة قصة إبداعية أصيلة من ثماني جمل، ووُزِّعوا على ثلاث مجموعات: الأولى تكتب مستقلة دون أي دعم من الذكاء الاصطناعي التوليدي، والثانية يحق لها طلب فكرة واحدة من الذكاء الاصطناعي التوليدي المهيأ لتقديم فكرة من ثلاث جمل، والثالثة يحق لها طلب خمس أفكار وفق المبدأ ذاته. وتفوقت المجموعات التي أتيح لها العصف الذهني مع الذكاء الاصطناعي التوليدي على من عملوا منفردين من حيث الإبداع وجودة الكتابة معاً، وكان أداء من تلقوا أفكاراً أكثر هو الأفضل. والأهم أن المشاركين جميعاً، خلافاً للدراسات المعروضة آنفاً، كتبوا القصة دون استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، بحيث لم تكن الفوائد ناجمة عن تفريغ معرفي أو إنتاجي. ومع ذلك، وكما في دراسة التصوير الدماغي المذكورة سابقاً، جاءت القصص التي كتبتها المجموعات المستعينة بالذكاء الاصطناعي التوليدي أكثر تشابهاً، مما يشير إلى أثر جانبي سلبي محتمل وتراجع في الإبداع الجماعي.
وفي نيجيريا، أتاحت تجربة عشوائية مضبوطة في تسع مدارس ثانوية استخدام Microsoft Copilot القائم على GPT4 ضمن برنامج بعد الدوام المدرسي، في حين لم تُتح المجموعة الضابطة الوصول إليه. وعمل طلبة المجموعة التجريبية في أزواج، وتلقوا من معلميهم تعليمات حول كيفية استخدام Copilot، بما في ذلك الأوامر النصية. ومع أن النموذج كان عام الأغراض، فقد وُجِّه الطلبة تربوياً إلى كيفية استخدامه بفاعلية، ووُضعوا عن قصد في سيناريو تربوي محدد هو التعلم بين الأقران. ووجدت الدراسة أثراً إيجابياً متوسط الحجم في التعلم.
وفي إندونيسيا، قارنت دراسة آثار استخدام ChatGPT بدلاً من محركات البحث أداةً داعمة لإعداد خطب حِجاجية باللغة الإنجليزية بوصفها لغة أجنبية وإلقائها. ولم تُترك مجموعة ChatGPT وشأنها، بل تلقت تدريباً أولياً على صياغة الأوامر النصية، وبحثت عن المعلومات الأولية باستخدامه. وفي مرحلة ثانية، زُوِّدت المجموعتان بنص تعاوني يوجه تعلمهما التعاوني. وفي مرحلة ثالثة، أعدت المجموعات خرائط للحجج، بمساعدة ChatGPT في مجموعته، قبل إلقاء خطبها الحجاجية. وتفوقت مجموعة الذكاء الاصطناعي التوليدي على مجموعة محرك البحث في مكاسب التعلم المتعلقة بالحِجاج، وفي المستويات المعلنة ذاتياً من «الوعي بالتفكير النقدي» و«النزعة التعاونية». وقدمت هذه المجموعة مزيداً من «الإسناد»، أي المعلومات الواقعية، لحججها، واستفادت من «الردود المضادة» التي قدمها الذكاء الاصطناعي التوليدي، مع ارتباط النتائج بجودة صياغة الطلبة للأوامر النصية وبإتقانهم للإنجليزية. وأظهرت دراسة في فيتنام استخدم فيها الطلبة ChatGPT وCharacterAI في بيئة تعلم تعاوني للغة الإنجليزية بوصفها لغة أجنبية نتائج مماثلة.
وتُظهر دراسات أخرى أن استخدام النماذج اللغوية الكبيرة العامة الأغراض بطريقة تربوية يمكن أن يحسن نواتج تعلم الطلبة. فعلى سبيل المثال، تشير دراسات إلى اكتساب أفضل للمعارف عند استخدام نموذج لغوي كبير بوصفه «عاملاً قابلاً للتعليم» في علوم الحاسوب، مقارنةً بالدراسة المنفردة.
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي تحسين نواتج التعلم عبر تقديم التغذية الراجعة للطلبة؟
يحمل الذكاء الاصطناعي التوليدي وعوداً كبيرة في إتاحة توليد التغذية الراجعة للطلبة بسرعة وعلى نطاق واسع. فالتقييم التكويني الجيد يقوم على تغذية راجعة متكررة وفي وقتها ومحددة الهدف وفردية على أعمال الطلبة. وبالنظر إلى أعداد الطلبة في الصفوف، لا يستطيع المعلمون دائماً تقديم تغذية راجعة مفصلة وشخصية لجميع الطلبة، مما يجعل التغذية الراجعة المولَّدة بالذكاء الاصطناعي محركاً معقولاً لتحسين نواتج التعلم. وتراجع إحدى دراسات هذا التقرير الأدبيات البحثية المتعلقة بالتغذية الراجعة المولدة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، وتخلص إلى أنه قادر على مساعدة المعلمين في تقديم تغذية راجعة أفضل، وإن كان عاجزاً عن أن يحل محل التغذية الراجعة البشرية.
وتجد الأدبيات البحثية التي تقارن التغذية الراجعة المولدة بالنماذج اللغوية الكبيرة، المهيأة عادةً استناداً إلى سلالم التقدير وأمثلة على إجابات جيدة، أن التغذية الراجعة المولدة بالذكاء الاصطناعي تضاهي التغذية الراجعة البشرية في جودتها، مع الإقرار بأوجه القصور في التغذية الراجعة البشرية نفسها. فقد وجدت إحدى الدراسات فروقاً طفيفة في تصحيح الإجابات القصيرة في العلوم السياسية. ووجدت دراسة أخرى أن الطلبة الذين تلقوا تغذية راجعة قائمة على GPT4 حققوا مكاسب تعلم مماثلة لمن تلقوا دائماً تغذية راجعة من مدرسين بشريين، وهو ما يبيّنه أيضاً تحليل بعدي للتغذية الراجعة بالذكاء الاصطناعي يشمل أشكاله كافة. وقارنت دراسة ثالثة جودة التغذية الراجعة البشرية والمولدة بالذكاء الاصطناعي التوليدي على مستوى المهمة (الصحة)، والعملية (استراتيجيات التعلم)، والتنظيم الذاتي (مراقبة التعلم)، والذات (السمات الشخصية والدافعية). وفي المتوسط، ينتج الذكاء الاصطناعي التوليدي تغذية راجعة على المقالات المكتوبة أيسر قراءة وأكثر صقلاً من الناحية الأسلوبية مقارنةً بالمربين البشريين، في حين تميل التغذية الراجعة البشرية إلى الإيجاز. كما تفوق الذكاء الاصطناعي التوليدي قليلاً على البشر في تواتر تقديم التغذية الراجعة المتعلقة بالعملية والتنظيم الذاتي، اللذين يدعمان التعلم العميق واستقلالية المتعلم. وعلى الرغم من تماثل الأداء في التغذية الراجعة التكوينية، قد يتدنى مستوى الاتفاق بين البشر والذكاء الاصطناعي التوليدي بشأن مواطن القوة والضعف في أعمال الطلبة، ومن ثم بشأن تقدير درجاتها.
فهل يعني هذا الأداء المتكافئ أن التغذية الراجعة التكوينية على مهام الطلبة ينبغي أن تُسند إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي؟ ليس بالضرورة. فالتغذية الراجعة لا تكون فعالة إلا إذا أُخذت بجدية وبُني عليها العمل، وهو أمر يتوقف جزئياً على جودتها، لكنه يتوقف أيضاً على مصداقيتها وبعدها «التحفيزي». فالأداء المتقارب لا يعني قابلية التبادل التربوي. وتجد الأدبيات البحثية المتنامية حول تصورات الطلبة للتغذية الراجعة المولدة بالذكاء الاصطناعي أن الطلبة يرون التغذية الراجعة البشرية أكثر مصداقية ومعنى، مما يجعلها أرجح تأثيراً في دافعيتهم وحكمهم التقويمي وثقتهم، وهي أبعاد علائقية يظل من الصعب على أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي محاكاتها.
ولذلك يتجه الإجماع بين الخبراء نحو مقاربة هجينة للتغذية الراجعة. فالفروق في الأداء بين الذكاء الاصطناعي التوليدي والمدرسين البشريين تتيح فرصاً جديدة لاستكمال فاعلية المعلمين في تقديم التغذية الراجعة وتعزيزها. فعلى سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يولد تغذية راجعة أولية على أعمال الطلبة، يستخدمها المعلمون مقترحاتٍ لتحسين مسودات تغذيتهم الراجعة. كما يمكن استخدامه لتقييم جودة التغذية الراجعة المقدمة استناداً إلى البحوث المتعلقة بالتغذية الراجعة العالية الجودة. وبقدر ما يُنجز عمل الطلبة على منصات رقمية، يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أيضاً أن يقدم تغذية راجعة على عملية التعلم ذاتها، وهي صورة مهمة من صور التغذية الراجعة تظل في العادة بعيدة عن متناول المعلمين. وفي نهاية المطاف، يُعدّ تدقيق البشر لهذه التغذية الراجعة أمراً أساسياً لكي يثق بها الطلبة وتكون فعالة لهم.
ما الاستنتاجات الأولية بشأن آثار الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والتعلم؟
ختاماً، ينطوي استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي العامة الأغراض على مخاطر، ولا سيما إذا استخدمها الطلبة لتجنب الجهد المعرفي الذي صُممت المهام التعليمية لاستثارته. غير أن علوم التعلم تقر أيضاً بأن المتعلمين قد يحتاجون إلى «سقالات تعليمية»، أي دعم يُسحب تدريجياً كلما ازداد الطلبة إتقاناً. وحين تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي استخداماً تربوياً، يمكنها أن تؤدي دور هذه السقالات. ويبرز ذلك أهمية أن ينمّي المعلمون كفايات تربوية تدمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في تدريسهم وتكليفاتهم.
وقد تضمنت الدراسات التي وجدت أثراً إيجابياً لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي العام الأغراض لغاية تربوية قدراً من تنمية الثقافة الذكائية لدى الطلبة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي. وقد بدأت الدول تضع استراتيجيات لهذا الغرض، كما طورت المنظمة والمفوضية الأوروبية إطاراً للثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي لدعم هذه الجهود.
وحتى حين لا يدمج المعلمون الذكاء الاصطناعي التوليدي في تدريسهم، فقد يظلون مضطرين إلى تكييف ممارساتهم التدريسية، لأن طلبتهم قادرون على استخدام هذه الأدوات باستقلالية. فكيف ينبغي للمعلمين أن يكيفوا تدريسهم وتكليفاتهم بحيث تواصل تحقيق نتائج تعلم إيجابية، حتى لدى الطلبة الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي أداةً للإنتاجية لا أداةً للتعلم؟ ومع أن كثيراً من محاولات التغيير التربوي هذه غير موثقة، فإن بعض الدراسات تقدم رؤى مفيدة. فعلى سبيل المثال، وثّق فريق من الباحثين كيف أعادوا تصميم مقرر في علوم الحاسوب عبر ثلاث خطوات: أولاً، تعديل الواجبات المنزلية بحيث يتعذر على روبوت محادثة توليدي إنجازها مباشرة؛ وثانياً، تخصيص وقت المختبر لمناقشات شفوية يدافع فيها الطلبة عن الشيفرات البرمجية التي كتبوها، مع طرح أسئلة تقيس «الفهم»؛ وثالثاً، تحويل اختبارات منتصف الفصل إلى اختبارات ورقية تركز على الفهم المفاهيمي. وفي ظل هذه الشروط، حققت المجموعات التي أتيح لها الذكاء الاصطناعي التوليدي والتي لم يُتح لها نواتج تعلم متقاربة. ومن شأن توثيق جهود إعادة التصميم التربوي هذه على المستوى الدولي أن يدعم تبادلاً أسرع للمعارف حول استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي.
كيف تدعم الدول الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
تتناول معظم الدول الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي لدى الطلبة بوصفها جزءاً من الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي عموماً، والتي كثيراً ما تُدرج ضمن أطر الكفاءة الرقمية أو المهارات المستعرضة. وبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي التوليدي مادةً مستقلة، تدمجه النظم التعليمية عبر المواد والمراحل التعليمية المختلفة، أو داخل مادة بعينها في بعض الحالات. وفي مختلف الدول، باتت الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي تشمل على نحو متزايد فهم حدود النماذج التوليدية ومخاطرها، لا مجرد استخدامها أو تطوير مهارة صياغة الأوامر النصية.
فالمجتمع الفلمنكي في بلجيكا يدمج أهدافاً تعلمية متصلة بالذكاء الاصطناعي في معايير التحصيل، بما في ذلك صياغة الأوامر النصية والتقويم النقدي للمصادر الرقمية. وتدمج التشيك الذكاء الاصطناعي التوليدي ضمن الكفاءة الرقمية الإلزامية عبر المواد، مدعومةً بمواد منهجية وافية. وفي فرنسا، تُدعم الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي المتصلة بالأدوات التوليدية عبر منصة Pix، التي تتضمن وحدات عن صياغة الأوامر النصية وآلية عمل الأنظمة وقضايا البيانات. وفي الولايات المتحدة، وضعت ولاية أريزونا خريطة طريق توائم بين أهداف الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي والمعايير الأكاديمية للولاية، وتدمج الذكاء الاصطناعي التوليدي صراحةً في مناهج المواد بدلاً من التعامل معه بوصفه إضافة.
وأدرجت بعض الدول أيضاً الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي في جزء «علوم الحاسوب» من مناهجها. فليتوانيا تدرج الذكاء الاصطناعي، بما فيه التطبيقات التوليدية، ضمن مادة المعلوماتية في المرحلة الثانوية. وفي أيرلندا، ستظهر موضوعات متصلة بالذكاء الاصطناعي التوليدي في المقرر القصير للإعلام الرقمي والثقافة الرقمية في الدورة الإعدادية اعتباراً من عام 2026، وفي مناهج علوم الحاسوب الاختيارية في الدورة الثانوية.
وفي مسح أجرته شبكة المدارس الأوروبية عام 2025، ذكرت تسعة عشر بلداً أوروبياً من أصل عشرين أن الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي لدى المعلمين من أولوياتها. وينبغي فهم هذه الثقافة على أنها القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي بفاعلية في إعداد التدريس وتقديمه، إلى جانب امتلاك فهم عام لتقنية الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتوفر جميع النظم تقريباً التي تتناول الذكاء الاصطناعي التوليدي تطويراً مهنياً عبر الدورات الإلكترونية وورش العمل والندوات عبر الإنترنت ومجتمعات الممارسة، وإن أظهرت نتائج TALIS 2024 تفاوتات كبيرة بين الدول في الإقبال عليه.
وأخيراً، ومع أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يحمل وعوداً للتقييم التكويني ولجودة التغذية الراجعة المقدمة للطلبة، فإنه قد يُستخدم أساساً لدعم المدرسين البشريين لا لأتمتة التغذية الراجعة أتمتة كاملة. فالعلاقة الإنسانية تظل عنصراً جوهرياً في التعليم والتعلم، والتغذية الراجعة المولدة بالذكاء الاصطناعي لا تحظى بالمصداقية ذاتها ولا بالقوة التحفيزية ذاتها التي تحظى بها التغذية الراجعة البشرية، حتى حين تتكافأ جودتهما.
وفي حين ركزت معظم البحوث حتى الآن على أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي العامة الأغراض، ينبغي للدراسات المستقبلية أن تبحث آثار الأدوات المصممة للتعليم، إذ تبدو أكثر وعداً. ومع ذلك، ينبغي تقييم فاعليتها في تحسين نواتج التعلم أو الكفاءة التربوية بوصف ذلك شرطاً أدنى لتبنيها. وكما تبيّن الأدلة التي جرت مراجعتها، يمكن أن تكون أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي التعليمية موجهة إلى الطلبة، أو إلى المعلمين، أو إليهما معاً. وفي الواقع العملي، يجمع كثير من الأدوات بين هذه الأدوار.
كيف تبدو أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي التعليمية؟
مع أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي العامة الأغراض قادرة على دعم التعلم حين تُستخدم لغاية تعليمية واضحة، تشير الأدلة الحالية إلى أن تطوير أدوات ذكاء اصطناعي توليدي خاصة بالتعليم قد يكون أكثر وعداً في تحسين ممارسات المعلمين ونواتج تعلم الطلبة. ويطرح ذلك سؤالاً مهماً: كيف تبدو أداة الذكاء الاصطناعي التوليدي التعليمية؟
في الحد الأدنى، ينبغي لأي أداة ذكاء اصطناعي توليدي تعليمية أن تولد محتوى آمناً وملائماً للعمر، وأن تحترم خصوصية المستخدمين وحماية بياناتهم، وأن تكون قابلة للتفسير وشفافة، وأن تحد من التحيز الخوارزمي قدر الإمكان. وفضلاً عن هذه الضمانات، ينبغي أن تكون «تعليمية» فعلاً، أي أن تساعد المعلمين على التدريس بفاعلية أكبر، وتمكّن الطلبة من تعلم المزيد أو اللحاق بأقرانهم. ويقدم هذا التقرير أمثلة عدة لنماذج أولية أو تطبيقات مبكرة لمثل هذه الأدوات.
كيف يمكن للمعلمين الأذكياء القائمين على الذكاء الاصطناعي التوليدي دعم التعلم المخصص؟
تُعدّ أنظمة التعلم التكيفي من أكثر أدوات التعلم الرقمي استخداماً في النظم التعليمية. وهي تجسد أجندة «التخصيص» المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إذ تتيح للمتعلمين فرصة التدرب وتوسيع معارفهم. وتقيّم هذه الأنظمة عادةً معارف الطلبة ومهاراتهم الأولية ومفاهيمهم الخاطئة، وتشخّص أنواع المسائل التي ينبغي للطلبة حلها، وتعدّل مستوى صعوبة المسائل بحسب أداء الطلبة. وتُظهر تقييمات الأثر أن هذه الأنظمة فعالة عموماً في التعلم. وتقدم أنظمة التدريس الذكية عادةً تغذية راجعة وتدعم الطلبة في التعلم، بدلاً من الاكتفاء بإخبارهم بصحة إجاباتهم أو خطئها. غير أن هذه الأنظمة القائمة على القواعد واجهت صعوبات مع مدخلات الطلبة أو أسئلتهم غير المتوقعة، مما حدّ من قابلية التوسع ومن ثراء التفاعلات التدريسية. وتتغلب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولا سيما النماذج اللغوية الكبيرة، على هذه القيود، فتتيح تجارب تدريسية أكثر جاذبية وتنوعاً.
وتساعد البحوث الحديثة التي تقارن أنظمة التدريس الذكية التقليدية بالأنظمة الجديدة القائمة على النماذج اللغوية الكبيرة على بلورة رؤية للعوامل التربوية القائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي. ويبيّن أحد فصول هذا التقرير كيف أن قدرة النماذج اللغوية الكبيرة على توليد حوار سلس وملائم للسياق على نحو ديناميكي تفتح آفاقاً جديدة أمام أنظمة التدريس الذكية من حيث التكيف مع ملامح المتعلمين وإمكانية تطبيقها في مواد دراسية مختلفة. فهي تتيح تجربة تدريسية أكثر مرونة، قادرة على التعامل مع الأسئلة غير المتوقعة أو سيناريوهات المسائل الجديدة في الوقت الفعلي. ويستطيع المعلمون الأذكياء القائمون على الذكاء الاصطناعي التوليدي تقديم شروح شبيهة بشروح البشر، وطرح أسئلة استيضاحية، ودعم تفكير الطلبة عبر حوار متعدد الأدوار. وباستخدام تقنيات مثل التوليد المعزَّز بالاسترجاع أو الضبط الدقيق، يمكنهم إدماج معلومات واقعية محدَّثة في تدريسهم.
ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو ضمان تهيئة هؤلاء المعلمين الأذكياء أو ضبطهم ضبطاً دقيقاً بحيث تكون تفاعلاتهم سليمة تربوياً، كما كان الحال في أنظمة التدريس الذكية الفعالة غير القائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي. ومن خلال آليات مثل سجل المحادثة أو وحدات الذاكرة الصريحة، يستطيع المعلمون الأذكياء التوليديون تحسين ملامح المتعلمين تدريجياً وتكييف جلسات التدريس وفقاً لها، كتعديل مستوى الصعوبة أو العودة إلى مفاهيم خاطئة سابقة. والحفاظ على مستوى تحدٍّ ملائم للمتعلمين من أهم ما توصلت إليه علوم التعلم. كما يملك هؤلاء المعلمون إمكانية أداء أدوار تربوية مختلفة والتنقل بينها بحسب الظروف؛ فيمكنهم أداء دور المرشد الذي يقدم التوجيه الأكاديمي، أو المدرب الذي يقدم الدعم التحفيزي، أو القرين الذي يتفاعل تفاعلاً أقل رسمية يشبه التعلم بين الأقران. ويستكشف الباحثون أيضاً كيف يمكن أن يصبحوا رفقاء يدعمون المتعلمين في طيف واسع من مجالات التعلم والمواد.
وكثيراً ما يستند المعلمون الأذكياء التوليديون إلى التساؤل السقراطي والاستراتيجيات المتصلة به، فيقدمون حواراً متدرجاً يوجّه المتعلمين إلى بناء معارفهم عبر أسئلة مرتبة بعناية بدلاً من تقديم الإجابات جاهزة. ويتجذر هذا النهج في نظرية فيجوتسكي حول «السقالات التعليمية» و«منطقة النمو القريبة»، حيث يُقدَّم الدعم بما يتجاوز قليلاً قدرة المتعلم الحالية ثم يُسحب تدريجياً مع نمو كفاءته. والمعلمون الأذكياء التوليديون مؤهلون بوجه خاص لتطبيق التساؤل السقراطي، لقدرتهم على توليد طيف واسع من الأسئلة وأسئلة المتابعة، وإعادة صياغة الأسئلة أو تعديل صعوبتها بمرونة بناءً على إجابات المتعلم. ويتخذ أحد فصول هذا التقرير نظام Socratic Playground دراسةَ حالة لتوضيح إمكانات المعلمين الأذكياء التوليديين، ويعرض النماذج الذكائية التي تقوم عليها.
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي دعم التعلم التعاوني؟
تنبع النواتج التعليمية المحسنة من مبادئ تربوية سليمة. وفيما يخص التعلم التعاوني، يؤكد أحد فصول التقرير أن أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي العامة الأغراض لا يُرجح أن تدعم تعلماً تعاونياً فعالاً، تماماً كما أن أشخاصاً يُختارون عشوائياً، مهما كانوا ذوي معرفة، لن يجعلوا التعاون ناجحاً تلقائياً. ولكي يكون المعلمون الأذكياء التوليديون فعالين، ينبغي أن يؤدوا أدواراً مختلفة ويستهدفوا تفاعلات المجموعة بطرق متباينة. وقد حددت البحوث عدة أدوار أداها الذكاء الاصطناعي التوليدي حين دُمج في بيئات التعلم التعاوني: فقد عمل مستودعاً للمعلومات بالنسبة إلى المجموعة؛ وجمع معلومات عن المجموعة أو عن تعاونها أو عن نتائجها؛ وولّد مواد تعليمية إضافية تستخدمها المجموعة في تأملها، كحالة مقابلة مثلاً؛ وشجع المشاركة الفاعلة بوصفه ميسّراً «من خارج المجموعة»؛ وسعى إلى تنمية المعارف الخاصة بالمجال بوصفه شريكاً في الحوار، بالروح السقراطية المشار إليها آنفاً؛ وأضاف خبرة محددة إلى المجموعة بوصفه عضواً اصطناعياً فيها. ومن خلال أداء هذه الأدوار الرسمية الممكنة، تستطيع روبوتات المحادثة التوليدية أن تستهدف جوانب مختلفة من التعاون: الجانب المعرفي، بتقديم المعارف والخبرات؛ والجانب الاجتماعي، بضمان إسهام الطلبة إسهاماً متكافئاً وسماع جميع الأصوات؛ والجانب ما وراء المعرفي، بتشجيع الطلبة على التأمل في العملية التعاونية أو حثهم على التقدم خطوات في تأملاتهم.
وتُظهر الدراسات القليلة حول التعلم التعاوني بالذكاء الاصطناعي التوليدي نتائج إيجابية صغيرة إلى متوسطة الحجم، والأهم أن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يدير التعلم التعاوني وحده، بل يديره الباحثون والممارسون. فجميع الأدوار الممكنة المذكورة آنفاً يجب أن يسندها الباحثون أو المطورون من خلال تهيئة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي المستخدمة أو ضبطها ضبطاً دقيقاً، بناءً على المعارف المتراكمة في مجال التعلم التعاوني المدعوم بالحاسوب. ولا يمكن افتراض أن النماذج اللغوية الكبيرة العامة الأغراض قادرة من تلقاء نفسها على تولي أدوار مختلفة لإنجاح التعلم التعاوني. ومع ذلك، يفتح صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي آفاقاً جديدة للتعلم التعاوني المدعوم بالحاسوب، تبدو واعدة ما دامت متسقة مع المعارف والبحوث التربوية القائمة.
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي دعم المعلمين والحفاظ على فاعليتهم؟
كما ذُكر آنفاً، كثيراً ما يستخدم المعلمون الذكاء الاصطناعي التوليدي العام الأغراض لدعم عملهم، كإعداد خطط الدروس والمواد التعليمية. وقد أظهرت بعض الدراسات أن هذه الأنشطة قادرة على تحقيق مكاسب في الإنتاجية. فعلى سبيل المثال، بحثت تجربة عشوائية مضبوطة استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لدى 259 معلماً في 68 مدرسة ثانوية في إنجلترا، ووجدت أن المعلمين الذين تلقوا إرشاداً عملياً لاستخدامه خفّضوا وقت التخطيط للدروس وإعداد الموارد بنسبة 31% في المتوسط، إذ انخفض متوسط وقت التخطيط الأسبوعي من 81.5 دقيقة إلى 56.2 دقيقة، دون المساس بجودة خطط الدروس والموارد. غير أن هذه الاستخدامات قد تنطوي على مخاطر مماثلة لتلك الملاحظة لدى الطلبة، أي «التفريغ المعرفي» أو «الكسل ما وراء المعرفي». وسيتعين على المعلمين والنظم التعليمية استكشاف كيفية استخدام هذه الأدوات وتوقيته والحالات الملائمة له وتحديد ذلك. فإذا أسند المعلمون كثيراً من مهامهم إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي، فقد يتوقف نموهم المهني وتتضرر علاقتهم بطلبتهم. فالأدلة تُظهر مثلاً أن الطلبة يفضلون تلقي التغذية الراجعة من معلمين بشريين، حتى حين يقيّمون أحياناً التغذية الراجعة المقدمة من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بأنها أفضل.
ويتصل بذلك سؤال عن خصائص التصميم التي تضمن أن تحسّن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي التعليمية الموجهة إلى المعلمين جودة التدريس، مع الحفاظ على فاعلية المعلمين واستقلاليتهم.
ويقترح أحد فصول التقرير إطاراً مفاهيمياً للتفاعلات بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، ويحدد ثلاثة أنماط لها: الإحلال أو الأتمتة الكاملة، حين تنجز أداة الذكاء الاصطناعي مهمة أو مهمة فرعية نيابة عن المعلم؛ والتكامل، حين تضخّم الأداة قدرات المعلم مع بقائه منخرطاً فعلياً؛ والتعزيز، حين ينجز النظام المشترك بين الإنسان والذكاء الاصطناعي مهمة بمخرجات محسنة تتفوق على ما كان يمكن لأي منهما إنجازه منفرداً. وفي حين قد يرفع الإحلال إنتاجية المعلمين بتوفير الوقت، فقد يأتي على حساب نموهم المهني واستقلاليتهم، بل قد يُفقر العلاقات الإنسانية في التعليم والتعلم. ولذلك يتطلب تحديد المهام التي يُراد أتمتتها تفكيراً متأنياً. أما التكامل فيعزز إنتاجية المعلمين مع بقاء زمام الأمور بأيديهم، لكنه في العادة لا يعزز كفاءتهم. في حين يتطلب التعزيز تفاعلات يقيّم فيها كل من المعلمين والذكاء الاصطناعي مقترحات الآخر وطروحاته وينتقدها، سعياً إلى فهم مشترك ونمو متبادل أثناء حل مشكلة ما.
ويعرض الفصل ذاته أمثلة مختلفة على التفاعلات بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، ويرى أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي توفر إمكانات جديدة لتعزيز القدرات المهنية للمعلمين. فعلى سبيل المثال، طوّر باحثون أداة ذكاء اصطناعي توليدي عبر عملية إبداع مشترك مع عشرة من معلمي الرياضيات الذين عملوا على إعداد المحتوى لمنصات التعلم التكيفي. وباستخدام أداة لصياغة الأوامر النصية، تمكّن المعلمون من أن يروا بسرعة كيف تؤثر التغييرات الطفيفة في التغذية الراجعة المقدمة للطلبة. وفي هذه الحالة، كانت التفاعلات بين الإنسان والذكاء الاصطناعي تكرارية وتقويمية، لكنها خفّضت عبء العمل الذي يدركه المعلمون بنسبة 50%، واختصرت عملية تطوير المحتوى من عدة أشهر إلى بضع ساعات. ومع أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يبشر بتبادلات أكثر تكافؤاً بفضل وظائفه الحوارية، فإن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي القادرة على الاعتراض على القرارات التربوية غير الملائمة أو دون المثلى، أو مساءلة افتراضات المعلمين، أو اقتراح منظورات بديلة مستندة إلى النظرية التربوية والأدلة، لم تُطوَّر بعد. وسيتطلب ذلك تقدماً في النمذجة المعرفية للخبرة التدريسية وفي تصميم واجهات التفاعل بين المعلم والذكاء الاصطناعي معاً.
كما أن عملية تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي التعليمية مهمة بدورها. فأحد فصول التقرير يقدم مثالاً على الخطوات المختلفة لنهج التصميم المتمحور حول الإنسان في أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي التعليمية الموجهة إلى المعلمين. فبإشراك المعلمين والطلبة في التصميم منذ البداية، أولاً عبر استقصاء استخداماتهم واحتياجاتهم ومقترحاتهم المعلنة، أشركهم المطورون في مراحل مختلفة من إعداد نموذج أولي. وقد ضمن هذا الإشراك تطوير أدوات تتسق مع احتياجات المعلمين والطلبة، كما اعترف باستقلاليتهم وفاعليتهم في مرحلتي تصميم الأداة واستخدامها كلتيهما.
ويتيح النموذج الأولي المشترك التصميم الذي أُنتج عبر هذه العملية للمعلمين متابعة التفاعلات بين الطلبة والذكاء الاصطناعي، وضبط سلوك الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى حد ما. إذ يستطيع المعلمون بسهولة تحديد «نسبة» الهلوسات في الأداة، بحسب مقدار التفكير النقدي الذي يريدون أن يمارسه الطلبة أثناء تفاعلهم معها. أما من منظور الطلبة، فهي روبوت محادثة توليدي عام الأغراض يستخدمونه لأغراض التعليم. وقد ثمّن المعلمون إمكانات الأداة في تعميق فهمهم لتقدم الطلبة وتخصيص تغذيتهم الراجعة، مع الحفاظ على السيطرة التربوية. غير أن بعضهم أشار إلى خطر زيادة التعقيد وعبء العمل. فالدمج الهادف للذكاء الاصطناعي في التدريس يتطلب تصميماً مقصوداً للاستقلالية، يحدد فيه المعلمون المقاربات التربوية، ويملكون إعدادات تتيح لهم تحديد سلوك الذكاء الاصطناعي، ويحتفظون بالمسؤولية عن التفسير التربوي. وعندئذ يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي مساعداً ضمن حدود يرسمها المعلم.
وقد طُوِّرت بالفعل بعض أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي التعليمية التي تستوفي هذه المتطلبات، ونُشرت لدعم المعلمين ومساعدي التدريس والطلبة في التعليم العالي. ويقدم أحد فصول التقرير أمثلة عدة من التشيك والهند، ويعرض مساعد تدريس ذكياً طُوِّر في الولايات المتحدة بوصفه دراسة حالة، هو JeepyTA. ويدعم JeepyTA مساعدي التدريس والطلبة والمعلمين في مهام متنوعة، منها: الإجابة عن الأسئلة التنظيمية المتعلقة بالمقرر كالقبول والمتطلبات والمواعيد؛ وتقديم التغذية الراجعة على مقالات الطلبة استناداً إلى أهداف تربوية محددة وسلالم تقدير يضعها المدرسون؛ والرد على تأملات الطلبة وأسئلتهم حول قراءات المقرر ومحاضراته، بتقديم توضيحات إضافية وحفز مزيد من التفكير والربط بين الأفكار عبر مواد المقرر؛ وتقديم الدعم في تصحيح أخطاء الشيفرات البرمجية في المقررات التي لا تكون البرمجة فيها هدفاً تعليمياً؛ وتوليد موضوع للنقاش لإطلاق المناقشات الأسبوعية في الصف وتلخيص المحادثات في منتدى النقاش، أحياناً لتزويد المعلمين بالمعلومات وأحياناً لإتاحتها للمتعلمين؛ واقتراح أفكار للمقالات ودعم العصف الذهني لدى الطلبة؛ وتقمص شخصيات مختلفة خلال المقرر.
وللحفاظ على استقلالية المعلمين وسيطرتهم على الأداة، يستطيع المدرسون أو مساعدو التدريس تعديل إعداداتها بحيث تكون الردود مؤتمتة تذهب مباشرة إلى الطلبة، أو تمر أولاً بمراجعتهم. ويساعد ذلك على منع تقديم معلومات غير صحيحة أو مضللة، وهي مشكلة تبرز خصوصاً في المجالات التي تكثر فيها المفاهيم الخاطئة على الإنترنت، ومن ثم في قاعدة معارف النموذج اللغوي. ويستطيع المدرسون أو مساعدو التدريس مراجعة الردود المعلَّمة؛ فإن كان الرد غير دقيق أمكنهم استبعاده والرد مباشرة، وإن كان صحيحاً في معظمه لكنه يحتاج إلى تحسين أمكنهم تحريره قبل نشره، وإن كان دقيقاً ومحكم البناء أمكن اعتماده دون تغيير. وتتيح هذه الطبقة الإضافية لأداة JeepyTA تقديم الدعم في الوقت المناسب مع ضمان تلقي الطلبة معلومات دقيقة وذات صلة ومتسقة مع أهداف المقرر.
وعلى الرغم من أن البحث في فاعلية JeepyTA وحالات الاستخدام المماثلة للذكاء الاصطناعي التوليدي لا يزال جارياً، تُظهر الدراسات القائمة أن الأداة خفّضت الزمن الوسيط للرد على الطلبة من نحو سبع ساعات إلى ساعتين تقريباً، مع الإبقاء على الإشراف البشري. وقد حققت بعض المكاسب في الإنتاجية أفضت إلى تجربة أفضل للطلبة. وقيّم الطلبة JeepyTA بأنه مماثل لمساعدي التدريس البشريين في الوضوح والدقة والمهنية، وإن كان أضعف في تحفيز الطلبة أو تقديم توجيه نمائي أرفع مستوى. وحين استُخدم لتقديم التغذية الراجعة على المقالات، رفع نسبة الطلبة الحاصلين على أعلى الدرجات في مهام كتابة المقالات من نحو 64% إلى 95%، وهو ما يوضح أن التصميم المتأني للأوامر النصية ومواءمتها مع توقعات المدرسين يمكن أن يحسّن جودة المراجعة تحسيناً كبيراً. غير أن المخاطر تشمل تجانس الأفكار، كما لوحظ في مهام العصف الذهني، والاعتماد المفرط، وإغراء المؤسسات بتقليص الفاعلية التدريسية البشرية.
وتؤكد هذه النتائج التجريبية مجتمعةً إمكانات الذكاء الاصطناعي التوليدي في مضاعفة إنتاجية المعلمين وتحسين جودة التدريس، مع إبقاء الإشراف البشري والفاعلية البشرية في صميم تصميم الأنظمة.
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي تعزيز فاعلية النظم والمؤسسات التعليمية؟
يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي أيضاً أن تدعم النظم والمؤسسات التعليمية بطرق لا تؤثر مباشرة في نواتج التعلم. فكما في القطاعات الأخرى، يتيح الذكاء الاصطناعي التوليدي فرصاً لتبسيط سير العمل وتحسين الكفاءة التشغيلية للمؤسسات والنظم التعليمية. ويركز هذا التقرير على هذا الجانب من خلال ثلاث زوايا؛ فهو يبيّن كيف يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي أن تدعم بالفعل تحسين العمليات الإدارية الخلفية في مؤسسات التعليم العالي، كالاعتراف بالشهادات وتصميم البرامج التعليمية ودعم المرشدين الأكاديميين، وتطوير بنود التقييمات المعيارية، والفرص والتحديات الجديدة أمام البحث العلمي، وهي في معظمها مماثلة لما يواجهه البحث التربوي.
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي دعم مسارات أكثر فاعلية داخل المؤسسات وفيما بينها؟
من التحديات التي تواجه مؤسسات التعليم العالي مواءمة برامجها مع البرامج التي تقدمها مؤسسات أخرى داخل البلد وخارجه. ويُعدّ الاعتراف بالتكافؤ بينها أساسياً لضمان قدرة الطلبة على تغيير مساراتهم الدراسية دون إهدار الوقت، ولدعم تنقل الطلبة بين المؤسسات مثلاً. وتعالج بعض النظم هذه القضايا بتصميم هياكل وطنية للدرجات العلمية أو باعتماد أنظمة ساعات معتمدة مشتركة تيسّر انتقال الطلبة بين المؤسسات والتخصصات. وتؤدي اتفاقيات المعادلة وبرامج التبادل بين المؤسسات دوراً مماثلاً. غير أن قرارات النقل واتفاقيات المعادلة لا تزال في الواقع العملي بشرية الصنع في معظمها وتستهلك وقتاً طويلاً، إذ تتطلب من أعضاء هيئة التدريس وموظفي القبول مراجعة توصيفات المقررات والبرامج وإصدار حكم بشأن التكافؤ بين المؤسسات. ومن شأن تبسيط هذه العمليات أن يرفع كفاءة النظم، وأن يحسن كذلك معدلات الإكمال والتحصيل فيها، بفضل مسارات أكثر مرونة للطلبة. وقد تواجه النظم المدرسية قضايا مماثلة حين تبدأ، في التعليم الثانوي عادةً، في تقديم مزيد من المسارات وخيارات المقررات لتلبية اهتمامات الطلبة.
ويبيّن أحد فصول التقرير أن النماذج التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي التوليدي قادرة على دعم عمليات المعادلة هذه عبر إبراز العلاقات بين المقررات داخل المؤسسات وفيما بينها. ولهذا الغرض، يعالج نموذج الذكاء الاصطناعي الوصف النصي للمقررات وأنماط التسجيل السابقة أو أحدهما، ليمنح الإداريين وضوحاً أكبر بشأن المقررات المتقاربة أو المتشابهة أو المترابطة جيداً داخل مؤسساتهم، والبرامج والمقررات الخارجية التي يمكن عدّها معادلة لبرامجهم. وتُظهر البحوث الحالية أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي قد تقترب كثيراً من الحكم البشري في تحديد أوجه التكافؤ، بل قد تكشف عن إمكانات جديدة للمعادلة، غير أن تبنيها يتوقف على الثقة وعلى طريقة عرض المعلومات على صانعي القرار النهائيين. كما يمكن لهذه النماذج أن تقدم المشورة للطلبة بشأن الخطوات التالية في دراستهم، كأن توصي بمؤسسات أو برامج معينة.
وبالروح ذاتها، بدأت تظهر أعمال حول كيفية دعم الذكاء الاصطناعي التوليدي للمرشدين الأكاديميين. ففي النظم التعليمية ومؤسسات التعليم العالي، يقدم المرشدون الأكاديميون عادةً المشورة بشأن اختيار المقررات والمسارات المهنية. وقد طوّر باحثون نموذجاً قائماً على GPT يسأل طلبة السنة الجامعية الأولى عن تفضيلاتهم في المقررات وأهدافهم المهنية، ثم يقدم توصيات مشفوعة بمبرراتها يراجعها المرشدون قبل اللقاءات الحضورية. وقد قيّم المرشدون الأكاديميون مقترحات الأداة تقييماً إيجابياً، واتفقوا اتفاقاً تاماً مع التخصص الرئيسي الذي أوصت به في 33% من الحالات، مما وفّر وقتهم مع الحفاظ على استقلاليتهم المهنية وعلاقاتهم بالطلبة.
ويمكن ذكر وظائف أخرى تستخدم تقنيات مماثلة، كالوسم الآلي للمحتوى التعليمي وفق تصنيفات متغيرة. فوسم موارد التعلم، كالموارد التعليمية المفتوحة أو المحتوى التعليمي المتضمن في نظام للتعلم التكيفي، أمر أساسي لتيسير الوصول إليها وضمان توافقها مع المناهج المحلية.
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي دعم تطوير التقييمات المعيارية؟
يتزايد استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في إعداد التقييمات المعيارية وتطبيقها، بما في ذلك في السياقات العالية المخاطر. ويبرز فصلان من فصول التقرير كيف يمكن للنماذج اللغوية الكبيرة أتمتة إعداد بنود التقييم ذات الاختيار من متعدد والإجابات القصيرة، ولا سيما حين تستند إلى مواد مناهج قائمة، أو حين يصمم الخبراء النماذج الأولية، ربما بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي. فعلى سبيل المثال، أفادت دراسة بأن بنود الجبر المولدة بواسطة ChatGPT أظهرت خصائص سيكومترية مماثلة لتلك التي أعدها البشر. واللافت أن البنود المولدة بالنموذج اللغوي أظهرت قدرة أعلى قليلاً على التمييز بين المستجيبين ذوي القدرات المرتفعة والمنخفضة، مما يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قادر في ظروف مضبوطة على إنتاج محتوى تقييمي بجودة مماثلة أو أعلى. ويمثل ذلك مكاسب في الوقت والإنتاجية للسلطات الوطنية ومطوري الاختبارات، وربما للمدرسين في تصميم التقييمات لطلبتهم. كما يمكن أن يعالج قيوداً معروفة في بنوك الاختبارات التقليدية، كالتحدي المستمر المتمثل في الإفراط في تعريض البنود، مما يقلل فاعليتها. ويكمن القيد في أن الكوادر التعليمية ستظل بحاجة إلى التحقق من كل مسألة قبل أن يراها الطالب، ما دام الذكاء الاصطناعي التوليدي لم يتوقف عن الهلوسة.
ويمكن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي أيضاً للابتكار في التقييمات المعيارية. فأحد فصول التقرير يبيّن كيف أدخل اختبار دولينجو للغة الإنجليزية نوعين جديدين من تقييمات الكتابة والتحدث ما كانا ليصبحا ممكنين دون الذكاء الاصطناعي التوليدي. الأول مهمة كتابة تفاعلية، يقدم فيها روبوت محادثة تغذية راجعة للمختبَرين في أثناء كتابتهم مقالة قصيرة بالإنجليزية، مقترحاً اتجاهات إضافية وتعديلات. والثاني تقييم آلي لمهارة التحدث الشفوي خلال حوار «بلغة طبيعية» مع عامل مدعوم بالذكاء الاصطناعي التوليدي. وفي التقييمات العالية المخاطر، لا تشكل النماذج التوليدية سوى طبقة واحدة من بنية أكثر تعقيداً تضم أدوات ذكاء اصطناعي أخرى وبشراً.
وأخيراً، يمكن استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي لتقييم جودة البنود المعيارية ومعايرتها. فقد بيّنت دراسة أن نماذج الذكاء الاصطناعي المتعددة العوامل، التي تجمع مجموعات من النماذج اللغوية الكبيرة تؤدي دور مستجيبين «اصطناعيين» أو «محاكَين»، قادرة على إنتاج توزيعات للاستجابات ذات خصائص سيكومترية متوافقة إلى حد كبير مع خصائص استجابات الطلبة. وتوحي استراتيجيات التعزيز هذه، كإضافة استجابات النماذج اللغوية إلى مجموعة صغيرة من بيانات المستجيبين البشريين، بأن المعايرة القائمة على النماذج اللغوية الكبيرة يمكن أن تستكمل بيانات الاستجابة المحدودة للطلبة، فتخفض التكاليف وتسرّع دورات التحقق من صلاحية البنود عند إعداد التقييمات المعيارية.
كيف يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي تعزيز البحث التربوي؟
يُحدث الذكاء الاصطناعي التوليدي أثراً كبيراً في البحث العلمي، مع تزايد استخدام الباحثين له في كتابة الأوراق الأكاديمية وفي مساعدتهم في مختلف مراحل عملية البحث. ويبرز أحد فصول التقرير هذه الاتجاهات، مقدماً أمثلة على كيفية تدخل الذكاء الاصطناعي التوليدي في عملية البحث في العلوم الطبيعية، بما في ذلك إعداد مراجعات الأدبيات، وتحليل مجموعات البيانات الضخمة لتوليد أسئلة بحثية أو فرضيات جديدة، والتعاون مع البشر لتصميم البحوث والتجارب وإجرائها. ومع أن الذكاء الاصطناعي التوليدي حقق بالفعل إنجازات مذهلة، كتوليد البنية الثلاثية الأبعاد لمئتي مليون بروتين، فإنه لا يزال يتطلب عادةً إشرافاً بشرياً مكثفاً، ويطرح بعض المخاطر على المشروع البحثي، كتراجع الأصالة الجماعية وتزايد استحالة مواكبة النتاج البحثي الجماعي.
ويتطلب تحسين جودة التعلم وفاعلية النظم التعليمية الاستثمار في بحوث وأدلة عالية الجودة تسترشد بها السياسات والممارسات. ومع عدم توافر معلومات عن كيفية استخدام الباحثين التربويين للذكاء الاصطناعي التوليدي، فمن المرجح أنهم يستعينون بأدواته في مهام مثل كتابة الأوراق البحثية وتحريرها وإجراء مراجعات الأدبيات. وبعيداً عن هذه المهام، تبرز ثلاثة مجالات واعدة بوجه خاص لدعم الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث التربوي. أولها أن التعليم بيئة غنية بالبيانات، تُجمع فيها بيانات إدارية كثيرة لضمان سير عمل النظم والمؤسسات التعليمية بسلاسة، غير أن هذه البيانات كثيراً ما تبقى قليلة التحليل بسبب مخاوف مشروعة تتعلق بالخصوصية. وأصبح بمقدور تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي الآن أن تولد بسهولة مجموعات بيانات اصطناعية تحافظ على الخصوصية وتعيد إنتاج الخصائص الإحصائية لمجموعة بيانات ما، مع خطر ضئيل جداً لانتهاك الخصوصية، لأن مجموعة البيانات مُنشأة بالكامل. وثانيها أنه يمكن أيضاً اختبار استخدام البيانات المحاكاة لتعزيز البيانات الحقيقية وتطبيقه، وإن بحذر وحين يجعل السياق ذلك ملائماً، لاستكمال البيانات الحقيقية حيث تكون معدلات الاستجابة للمسوح متدنية جداً. وثالثها أن صعود النماذج المتعددة العوامل القائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي، والتي تُسمى أيضاً «الذكاء الاصطناعي الوكيلي»، يتيح إمكانات بحثية جديدة يمكن توظيفها في مجال التعليم، حيث تتطلب الإجابة عن الأسئلة البحثية في الغالب منظورات متعددة التخصصات.
ملاحظات ختامية
تبرز الأدلة الناشئة حول الذكاء الاصطناعي التوليدي إمكاناته في تحسين جودة التعليم وفاعليته، كما تبيّن أنه ينطوي على مخاطر على تعلم الطلبة وعلى النمو المهني للمعلمين. ويبدو الذكاء الاصطناعي التوليدي أشد إرباكاً من الذكاء الاصطناعي غير التوليدي، لأن الطلبة يستطيعون الوصول إلى منصاته العامة الأغراض، ويستخدمونها فعلاً في المنزل لإنجاز تكليفاتهم التعليمية. وحتى لو لم تُستخدم هذه الأدوات في المؤسسات التعليمية، فإن توافرها خارج المدرسة يشكل تحدياً للعمليات التعليمية الحالية. ومن ثم ينبغي للأطراف المعنية بالتعليم أن تنظر في كيفية إفادة النظم التعليمية من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي أو تكيفها معها أو كليهما.
وقد أدرجت دول كثيرة المهارات الرقمية، ومنها الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي، ضمن أهداف مناهجها. وينبغي للطلبة اكتساب هذه الثقافة خلال مسار التعليم النظامي، أساساً للاستعداد لسوق العمل وللمجتمعات التي يُرجح أن يواصل فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي أداء دور مهم. ففي بعض المجالات، كالبرمجة الحاسوبية، تتوقف قابلية توظيف الطلبة على قدرتهم على استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في كتابة الشيفرات، وإن ظل فهم المفاهيم والمبادئ الأساسية للبرمجة أمراً لا غنى عنه. كما سيتضمن المحتوى الرقمي على نحو متزايد محتوى مولداً بالذكاء الاصطناعي، ومن هنا تأتي أهمية أن يكون لدى الجميع قدر من الفهم لكيفية عمل الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ويظل اكتساب المعارف والمهارات والاتجاهات في مختلف المجالات أمراً محورياً في تعليم الشباب، بما في ذلك الاستدلال والتفكير النقدي والإبداع والتعاطف وحب الاستطلاع وحسن التقدير. ومع أن هذه المهارات يمكن اكتسابها دون أي تقنية، فإن المعلمين والطلبة يستطيعون توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي لهذا الغرض. فالأدلة الحالية تُظهر أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي التعليمية المتسقة مع المعارف والعلوم التربوية يمكن أن تفضي إلى تعلم أفضل، كما تُظهر أن المعلمين يستطيعون استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي العام الأغراض بفاعلية إذا أدمجوه في استراتيجية تربوية واضحة. وفي هذا السياق، يمكن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في أي مرحلة من مراحل العملية التعليمية، شريطة أن تكون جيدة التصميم أو أن تُستخدم لغاية تربوية سليمة.
ويمكن أيضاً استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي أو تصميمها لدعم المعلمين وسائر الكوادر التعليمية، كمساعدي التدريس والمرشدين الأكاديميين والمهنيين. ومع أن دراسات عدة تُظهر قدرتها على تحسين إنتاجيتهم، بحيث يقضون وقتاً أقل في بعض المهام مع الحفاظ على جودة المخرجات، فإنهم يواجهون المخاطر ذاتها التي يواجهها الطلبة من تفريغ معرفي وغياب للتعلم. وتستكشف أعمال البحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي التعليمي كيف يمكن لأدواته أن تحافظ على استقلالية المستخدمين وتعلمهم المهني وإحساسهم بالمسؤولية عن المخرجات النهائية. ويمكن أن يتخذ ذلك سبلاً مختلفة، بدءاً بالإبداع المشترك مع المستخدمين النهائيين وفق نهج «التصميم المتمحور حول الإنسان»، وانتهاءً بضمان قدرة المعلمين أو غيرهم من الكوادر التعليمية على تكييف الأدوات مع سياقاتهم وأهدافهم المحلية.
ويُعدّ تقديم التغذية الراجعة التكوينية للطلبة، وهي مهمة جوهرية لكنها تستنزف وقت المعلمين، مثالاً جيداً على ذلك. فالبحوث الحالية تُظهر أن التغذية الراجعة المولدة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، وإن لم تكن في الغالب بموثوقية التغذية الراجعة المقدمة من الذكاء الاصطناعي غير التوليدي واتساقها، تضاهي التغذية الراجعة البشرية أو تتفوق عليها، مع ما لكل منهما من مواطن قوة وحدود. ومع ذلك، تُظهر معظم الدراسات أن الطلبة يجدون التغذية الراجعة البشرية أكثر معنى وجدارة بالثقة وقدرة على التحفيز. وفي هذا السياق، قد يكون استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لمساعدة المعلمين في تغذيتهم الراجعة واستكمالها، مع تحملهم المسؤولية الكاملة عنها، هو السبيل الأمثل.
ولا يزال فهم ما يجعل أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي التعليمية فعالة، وكيف تقارن فاعليتها بفاعلية أدوات الذكاء الاصطناعي غير التوليدية، في بداياته. وبالمثل، لا تزال المعرفة بالدمج الفعال لأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي العامة الأغراض في سيناريوهات التعلم التي يصممها المعلمون حديثة العهد. وستقدم مبادرات قُطرية عدة معارف جديدة حول المقاربات الممكنة، مما يبرز أهمية التعاون الدولي والبحث التربوي في هذا المجال.
ولا تزال البحوث الحالية حول استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم محدودة، ويمكن تعزيزها بالاستثمار البحثي والتعاون الدولي. فمعظم النتائج الحالية، على سبيل المثال، قائمة على تدخلات قصيرة جداً، لا على استخدام مستمر ومتكرر لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي على فترات زمنية أطول.
وعند النظر في كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي بفاعلية في التعليم، ثمة استنتاجات رئيسية جديرة بالمراعاة: فالنجاح في أداء مهمة تعليمية باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يفضي تلقائياً إلى التعلم. ويظل اكتساب المعارف والمهارات الأساسية في المواد الرئيسية وإثباتها دون استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي العام الأغراض أمراً جوهرياً. وينبغي أن تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، تعليمية كانت أم عامة الأغراض، ضمن سيناريوهات تعلم يصممها المعلمون عن قصد لتحقيق أهداف تعلم محددة. وعند استخدام هذه الأدوات، يجب أن يواصل المعلمون وسائر الكوادر التعليمية ممارسة حكمهم المهني، وأن يظلوا مسؤولين عن جودة المخرجات من خلال تقويم المخرجات المولدة بالذكاء الاصطناعي أو تعديلها أو اعتمادها. وينبغي لمطوري الذكاء الاصطناعي التوليدي تصميم أدوات خاصة بالتعليم تستند إلى البحث التربوي والمعرفة التربوية، وإشراك المعلمين وغيرهم من الأطراف المعنية، كالطلبة أو أولياء الأمور أو نقابات المعلمين بحسب الاقتضاء، في عملية التصميم. ومن شأن التعاون الدولي في البحث العلمي لتقييم آثار الاستخدامات التربوية المحددة جيداً لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في تعلم الطلبة والمعلمين ورفاههم أن يساعد على توظيف هذه الأدوات بفاعلية.
كيف تدعم الدول تبني أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم؟
إلى جانب إصدار الاستراتيجيات والمبادئ التوجيهية، تنفذ الدول مجموعة متنوعة من المشروعات المبتكرة لدعم تبني الذكاء الاصطناعي التوليدي واستخدامه في المدارس. ومع أن المعلومات عن الاستخدام الفعلي للذكاء الاصطناعي التوليدي في المدارس لا تزال محدودة، يرى الخبراء أن تبنيه في الصفوف الدراسية يجري أساساً عبر مشروعات تجريبية. وتُستخدم هذه المشروعات لاستكشاف الاستخدامات المختلفة للذكاء الاصطناعي التوليدي في المدارس، واختبار القيمة التربوية لأدواته، وتحديد أوجه قصورها المحتملة، وبناء القدرات المؤسسية قبل التوسع.
وتنطوي هذه المشروعات التجريبية عادةً على عمليات تعاون، داخل البلد أحياناً، وبين البلدان أحياناً أخرى، أو مع الشركات. ففي أنحاء أوروبا مثلاً، تشارك سلطات تعليمية كثيرة في مشروعات إقليمية أو وطنية أو دولية متصلة بالذكاء الاصطناعي، وقد تنطوي هذه المشروعات أيضاً على شراكات بين القطاعين العام والخاص. ويمكن إبراز نوعين من المشروعات: أحدهما يركز على تطوير أدوات ذكاء اصطناعي توليدي تعليمية، والآخر يركز على استخدام هذه الأدوات في المدارس، عادةً بعد قدر من التطوير.
ومن أمثلة الإدخال الفعلي للأدوات التعليمية في المدارس أن كوريا رخّصت معلمين أذكياء مدعومين بالذكاء الاصطناعي التوليدي وأتاحتهم للمعلمين والمدارس بوصفهم مواد تعليمية رقمية ذكية تعمل كأنظمة التدريس الذكية المعتادة، تتيح للطلبة تدرباً تكيفياً في عدة مواد، وتتيح للمعلمين تلقي تغذية راجعة عن المفاهيم الخاطئة المحتملة لدى الطلبة. وتشمل هذه الخصائص الشرح التكيفي، والتغذية الراجعة المؤتمتة، والحوار التفاعلي المتسق مع المنهج الوطني.
ومن خلال برنامج «قفزة الذكاء الاصطناعي» الذي نُفّذ في العام الدراسي 2025 و2026، تسعى إستونيا إلى استكشاف استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في المرحلة الثانوية، بمقاربة على مستوى النظام تجمع بين البنية التحتية وتطوير المناهج وتدريب المعلمين والشراكات مع مزودي التقنية. وقد أتاح البرنامج أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي العامة الأغراض لجميع المعلمين، وسيتيح لطلبة المرحلة الثانوية وصولاً مجانياً إلى روبوتات محادثة قائمة على نماذج لغوية كبيرة، مهيأة لتكون تعليمية وتتبع مبادئ البحث التربوي، وتلتزم كذلك باستخدام اللغة الإستونية لغةً للتفاعل.
وفي اليونان، تجرّب مدارس ثانوية مختارة استخدام ChatGPT Edu من خلال شراكة OpenAI for Greece التي أُطلقت عام 2025. ويشمل المشروع تدريب المعلمين ورصد الآثار التربوية لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وتركز دول أخرى على إدخال أدوات موجهة إلى المعلمين والمدارس. فسلوفاكيا تجرّب مساعدين أذكياء للتخطيط للدروس والتقييم. وتختبر فنلندا تطبيقات للذكاء الاصطناعي التوليدي أساساً لدعم المعلمين والتغذية الراجعة. وتجري اليابان وكندا وأستراليا مشروعات تجريبية على المستوى دون الوطني تركز على دعم الكتابة وتوليد التغذية الراجعة وتخفيف عبء العمل. وتطور فرنسا «ذكاءً اصطناعياً سيادياً» للتعليم يدعم المعلمين في التخطيط للدروس، إلى جانب روبوت محادثة يقدم إجابات عامة عن أسئلة إدارة الموارد البشرية لمعلميها البالغ عددهم 1.3 مليون معلم، بما يتيح للموظفين البشريين التفرغ للحالات الفردية.
ويمكن لمثالين أن يوضحا مقاربات تطوير أدوات ذكاء اصطناعي توليدي ملائمة للتعليم. ففي المملكة المتحدة (إنجلترا)، يجمع «مستودع المحتوى» التابع لوزارة التعليم التوجيهات المنهجية وخطط الدروس وتقييمات التلاميذ مجهولة الهوية لدعم تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، مما يتيح تطوير أدوات ذكاء اصطناعي توليدي تعليمية دقيقة وعالية الجودة ومتوافقة مع القانون ومصممة خصيصاً للمدارس الإنجليزية. كما وُضعت توقعات للسلامة خاصة بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، تزود المطورين بمجموعة واضحة من التوقعات يمكن أن تيسر تبني المدارس لها. وفي هولندا، يتولى المختبر الوطني للذكاء الاصطناعي (NOLAI) التصميم المشترك لأدوات ذكاء اصطناعي توليدي تعليمية، إلى جانب أدوات ذكاء اصطناعي أخرى، وتطويرها لصالح النظام التعليمي، من خلال شراكة تجمع الحكومة والأوساط الأكاديمية والقطاع الصناعي والمدارس.
ملحق الفصل الأول: أمثلة على استراتيجيات الدول وأطرها بشأن الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم
منذ الإطلاق العام لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في أواخر عام 2022، وسّعت النظم التعليمية في دول المنظمة استراتيجياتها السابقة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي عموماً أو حدّثتها، مع صدور بعض الوثائق أو المبادرات السياساتية الحديثة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي التوليدي تحديداً. وتتقارب الاستجابات السياساتية عبر الدول حول ثلاثة أبعاد: وضع استراتيجيات طويلة الأجل وتوجيهات عملية وضوابط أو تحديثها؛ ووضع مبادرات تعالج التحديات المتصورة للذكاء الاصطناعي التوليدي؛ ودمجه في المناهج ونشر الثقافة المتعلقة به والتطوير المهني. ويركز هذا الملحق على استراتيجيات الدول وتوجيهاتها.
وقد دخلت معظم دول المنظمة النقاش حول الذكاء الاصطناعي التوليدي وهي تمتلك استراتيجيات وطنية قائمة للذكاء الاصطناعي أو للتحول الرقمي. ومنذ عام 2023، حدّث كثير منها هذه الأطر أو أصدر وثائق خاصة بالتعليم تتناول الأدوات التوليدية صراحة.
وكانت الاستجابة السياساتية الفورية الأكثر شيوعاً للذكاء الاصطناعي التوليدي هي وضع توجيهات على المستوى الوطني أو على مستوى النظام. وتركز هذه الوثائق عادةً على الاستخدام الأخلاقي والمسؤول، والنزاهة الأكاديمية، وحماية البيانات، وأدوار المعلمين والطلبة ومسؤولياتهم.
ومن بين الدول الثلاث والعشرين التي استجابت لمسح أوروبي عام 2025، أفادت عشر دول أعضاء في المنظمة أو مرشحة للانضمام إليها، هي بلجيكا (المجتمع الفلمنكي) وكرواتيا والتشيك وفنلندا وفرنسا والمجر وأيرلندا وإيطاليا والنرويج وتركيا، بأن الذكاء الاصطناعي التوليدي يُتناول رسمياً في استراتيجيات نظمها القائمة أو المخطط لها، وكانت تسع دول تضع أو تعتزم وضع توجيهات أو سياسات لمعالجة استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم، هي اليونان ولاتفيا وليتوانيا ولوكسمبورغ وهولندا والبرتغال وسلوفاكيا وسلوفينيا وسويسرا.
ويشير التقرير إلى أن الاستراتيجيات الوطنية في الاتحاد الأوروبي تتوافق على نحو متزايد مع قانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي، وإن كانت انعكاساته التعليمية لا تزال قيد المراجعة. وقد أوضحت معظم الدول متطلبات المساءلة والإشراف البشري والشفافية المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم. وعبر النظم المختلفة، تميل القيود المفروضة على الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى أن تكون محددة الهدف لا عامة؛ فبعض الدول تنظم أدوات أو سياقات بعينها كالتقييم، في حين تعتمد دول أخرى على سياسات استخدام الأجهزة التي تحد بصورة غير مباشرة من الوصول إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي. وإجمالاً، تركز وثائق التوجيه على تمكين الحكم المهني المستنير بدلاً من فرض حظر شامل.
استراتيجيات أو مبادئ توجيهية عملية خاصة بالذكاء الاصطناعي التوليدي
أستراليا: يبرز إطار الذكاء الاصطناعي التوليدي في المدارس ستة مبادئ، منها تنوع المنظورات وعدم التمييز والخصوصية وحماية البيانات والإشراف البشري. وعلى خلاف استراتيجيات الذكاء الاصطناعي السابقة، يتناول الإطار الاستخدامات الصفية لأنظمة توليد النصوص والصور.
اليابان: تقدم الحكومة توجيهات بشأن الذكاء الاصطناعي التوليدي في المدارس تحذر صراحة من إدخال بيانات شخصية أو حساسة في أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، مما يعكس إدراكاً مبكراً لمخاطر إعادة استخدام البيانات وإعادة التدريب الخاصة بالنماذج اللغوية الكبيرة في التعليم.
المملكة المتحدة (ويلز): تركز وثيقة «الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم: الفرص والاعتبارات» صراحة على استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتستكملها توجيهات للحماية تتناول المخاطر الخاصة بالذكاء الاصطناعي، كالتزييف العميق والوسائط الاصطناعية.
الذكاء الاصطناعي التوليدي ضمن استراتيجيات الذكاء الاصطناعي أو مبادئه التوجيهية
تدمج معظم الدول الذكاء الاصطناعي التوليدي ضمن استراتيجيات أوسع للتعليم الرقمي.
فنلندا: أصدرت الوكالة الوطنية الفنلندية للتعليم توصيات بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم، تشمل توجيهات عملية ومرجعاً سياساتياً للذكاء الاصطناعي التوليدي.
ليتوانيا: تعد ليتوانيا توصيات للتطبيق الآمن للذكاء الاصطناعي في المدارس، تشمل سجلاً وطنياً لأدوات الذكاء الاصطناعي المعتمدة وأطراً لكفايات المعلمين.
فرنسا: يوضح «إطار استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم» الصادر عام 2025 الاستخدامات المسموح بها للذكاء الاصطناعي التوليدي في المدارس، ويضع شروطاً تتعلق بحماية البيانات والشفافية والمسؤولية التربوية.
إيطاليا: تركز «المبادئ التوجيهية لإدخال الذكاء الاصطناعي في المؤسسات المدرسية» الصادرة عام 2025 على التبني الآمن والواعي للأدوات التوليدية لدعم التدريس والعمليات التنظيمية.
أيرلندا: تستكمل «التوجيهات بشأن الذكاء الاصطناعي في المدارس» الصادرة عام 2025 الاستراتيجية الوطنية المنقحة للذكاء الاصطناعي الصادرة عام 2024، بتقديم مبادئ خاصة بالتعليم للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي التوليدي.
لاتفيا: تتناول «المبادئ التوجيهية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم الابتدائي والثانوي» صراحة الأدوات التوليدية والتفكير النقدي.
لوكسمبورغ: تُعدّ «بوصلة الذكاء الاصطناعي» إطاراً مرجعياً وطنياً يجمع بين الرؤى المتعلقة بالتوجه الاستراتيجي والممارسة التربوية والتبادل المهني.
هولندا: تقدم «رؤية بشأن الذكاء الاصطناعي التوليدي» الصادرة عام 2024، ثم «استراتيجية الرقمنة الهولندية: التسارع معاً» الصادرة عام 2025، استراتيجية عابرة للقطاعات، في حين تتولى مؤسسة Kennisnet تقديم توجيهات خاصة بالتعليم من خلال «دليل الذكاء الاصطناعي في التعليم» و«الاتفاقات المدرسية بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي».
النرويج: تتناول «استراتيجية الكفاءة الرقمية والبنية التحتية في التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة والمدارس» الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتصاحبها مبادئ توجيهية وطنية وحزم لتطوير الكفايات.
سلوفاكيا: تتضمن «الخطة الاستراتيجية لدمج الذكاء الاصطناعي في التعليم» مبادرات مخصصة للمساعدين الأذكياء للمعلمين ولأدوات التعلم المخصص.
إسبانيا: يتناول «دليل استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم» الصادر عام 2024 الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى جانب أدوات الذكاء الاصطناعي الأخرى، ومن ذلك التنفير من استخدام الأدوات التوليدية غير المتوافقة مع الأنظمة.
تركيا: تتناول «وثيقة سياسة الذكاء الاصطناعي في التعليم وخطة العمل للفترة من 2025 إلى 2029» صراحة استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي وإتاحته، إلى جانب اعتبارات الأخلاقيات وبناء القدرات.
الولايات المتحدة: على المستوى الاتحادي، يوجّه الأمر التنفيذي الصادر عام 2025 بشأن النهوض بتعليم الذكاء الاصطناعي للشباب الأمريكي بإنشاء فريق عمل في البيت الأبيض معني بتعليم الذكاء الاصطناعي، لتنسيق الجهود الاتحادية الرامية إلى دمج الذكاء الاصطناعي، بما فيه التوليدي، في التعليم الابتدائي والثانوي وما بعد الثانوي. ويعزز الأمر الدمج الملائم للذكاء الاصطناعي في المناهج، والتدريب الشامل للمربين عليه، وتنظيم مسابقة سنوية للذكاء الاصطناعي لتحفيز ابتكار الطلبة والمعلمين باستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، مع السعي إلى شراكات بين القطاعين العام والخاص لتطوير موارد إلكترونية تركز على الثقافة الأساسية في مجال الذكاء الاصطناعي ومهارات التفكير النقدي.
المبادئ التوجيهية الدولية بشأن الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي التوليدي
المفوضية الأوروبية: إلى جانب عملها على الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي، نشرت المفوضية الأوروبية عام 2022 توجيهات خبراء بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات في التعليم، إلى جانب المبادئ التوجيهية الأخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات في التعليم والتعلم الموجهة إلى المربين، والتي ستصدر نسختها المنقحة عام 2026 استجابةً لتطورات مثل ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي.
اليونسكو: أصدرت اليونسكو في عامي 2024 و2025 توجيهات بشأن تبني الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والبحث، إلى جانب إرشادات أكثر توجهاً نحو المعلمين تتمثل في إطار كفايات الذكاء الاصطناعي للمعلمين.
اليونيسف: في ديسمبر 2025، حدّثت اليونيسف توجيهاتها بشأن الذكاء الاصطناعي والأطفال استجابةً للتطورات التقنية المتسارعة كالذكاء الاصطناعي التوليدي، وللمخاوف الجديدة كالمحتوى الضار المولد بالذكاء الاصطناعي. ويحدد الإطار عشرة مبادئ لضمان أن تكون تقنيات الذكاء الاصطناعي آمنة وداعمة لرفاه الأطفال.
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والاتحاد الدولي للتعليم: في عام 2023، أصدرت أمانتا المنظمة والاتحاد الدولي للتعليم، وهو الاتحاد الدولي لنقابات المعلمين، ورقة مشتركة بعنوان «الفرص والمبادئ التوجيهية والضوابط للاستخدام الفعال والمنصف للذكاء الاصطناعي في التعليم»، تشمل أشكال الذكاء الاصطناعي كافة، بما فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتوفر منطلقاً للنقاش بين نقابات المعلمين والسلطات التعليمية.
