الفصل الخامس: تنمية الإبداع بالذكاء الاصطناعي التوليدي: حوار مع رونالد بيغيتو
هذا الفصل مقابلة أجرتها أمانة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مع رونالد بيغيتو، الأستاذ في جامعة ولاية أريزونا بالولايات المتحدة. فبعد تعريف الإبداع، يعرض بيغيتو مقاربته في بناء أدوات ذكاء اصطناعي لخوض تجربة الإبداع، والأدوات التي طوّرها. ويدعو إلى استخدام بطيء للذكاء الاصطناعي التوليدي، يظل فيه المعلمون والطلبة، والبشر عموماً، ممسكين بزمام أفكارهم، ويستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحقيق هدف شخصي.
ما الذي ينطوي عليه الإبداع
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: أنت خبير في الإبداع وفي سبل تعزيزه في التعليم. فما المبادئ الرئيسية في نظرك؟
رون بيغيتو: أنظر إلى الإبداع نظرة بسيطة جداً: الإبداع إمكانية لدينا جميعاً، لكنه ليس شيئاً نملكه. فنحن نملك القدرة والإمكانية على القيام بشيء إبداعي، لكن الحكم على ما إذا كان كذلك يأتي عادةً بعد وقوعه. فنحن لا نعرف مسبقاً أبداً ما إذا كانت العملية أو النتيجة ستكون إبداعية. والتعريف المستخدم عموماً في هذا المجال أن الإبداع يتطلب أن يكون الشيء جديداً وذا معنى أو مفيداً في آن واحد. فهو ليس مجرد أصالة، بل أصالة مقيدة بمعايير وأهداف ومعنى. وتوليد كثير من الحلول الجامحة ليس سوى أصالة بلا معنى. ويجب أن يعالج الإبداع أيضاً مشكلة أو مهمة ما أو يحلها. فإذا كنت طاهياً مثلاً ومزجت المكونات بطريقة جديدة تماماً لكن الطبق لم يكن صالحاً للأكل، فهذا ليس إبداعاً. يجب أن يكون لذيذاً وصالحاً للأكل وجذاباً. فالإبداع مزيج من الأصالة والملاءمة، يكون ذا معنى على المستوى الشخصي أو بالنسبة إلى جمهورك.
وفي التعليم، الميزة الكبرى أننا بارعون جداً في تحديد المعايير والقيود. وكل ما علينا هو أن نفتح العملية بحيث يستطيع الناس تحقيق تلك الأهداف بطرق مختلفة وغير متوقعة. وهذا يُدخل عنصر عدم اليقين، وعدم اليقين المنظم هو المفتاح. فإذا كان كل شيء محدداً سلفاً، ما المشكلة، وكيف تُحل، وكيف تبدو الإجابة، فنكون قد هندسنا التعليم بحيث أقصينا الإبداع منه. أما إذا قدمت بنية بقولك: «هذا ما نريده، لكن طريقة تحقيقه متروكة لك»، فإن ذلك يخلق مساحة للإبداع.
وعلى صعيد التدريس، يتمثل جزء من تعزيز الإبداع في مساعدة المربين على الارتياح لعدم اليقين المتمثل في عدم معرفة الطريقة التي سيبلغ بها الطلبة الأهداف. عليك أن تكون واضحاً بشأن المعايير، ثم تترك الطلبة يجدون مساراتهم الخاصة. والمبادئ الجوهرية هي: أولاً، الارتياح لعدم اليقين؛ وثانياً، تقديم البنية والدعم اللازمين دون تحديد كل شيء سلفاً؛ وثالثاً، الموازنة بين المعايير المحددة سلفاً والانفتاح؛ ورابعاً، إدراك أن المعرفة بالمجال أساسية. فالطلبة المبدعون في الرقص أو الموسيقى قد لا يكونون مبدعين في العلوم، والعكس صحيح. ويجب أن تكون لديهم معرفة وخبرة في مجال ما لإنتاج شيء جديد وملائم.
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: حين أطلقت OpenAI تطبيق ChatGPT، سارعت إلى تصميم بعض أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لدعم جوانب مختلفة من العملية الإبداعية. هل يمكنك أن تحدثنا عن ذلك؟
رون بيغيتو: بالنسبة إليّ شخصياً، حين حدثت «لحظة ChatGPT»، تمكنت من الحصول على وصول بحثي عبر مفتاح لواجهة برمجة التطبيقات، فاستطعت بناء أدواتي الخاصة المدعومة بنماذج GPT منذ عام 2022. وكانت فكرتي الأولى: هذا مثير للاهتمام حقاً... فقد كانت هناك مساحة تجريبية صغيرة يمكنك فيها اختبار الأفكار ثم بناء شيء ما. وكنت أعمل منذ مدة مع مربين على بروتوكولات لدعم «التفكير في الممكن»، عادةً في سياق تفاعل بين البشر. فتساءلت عما إذا كان يمكن تدريب هذه الأداة لتعمل ميسّراً رقمياً، ولا سيما إذا لم يكن لديك شركاء في التفكير في الممكن. وكانت المشكلة أنني لم أكن أعرف البرمجة بلغة Python؛ فقد تعلمت لغة البرمجة BASIC منذ زمن بعيد، وكان ذلك كل شيء تقريباً. فقضيت عطلة نهاية أسبوع أعمل مع ChatGPT نفسه، أطلب منه أن يعلمني كيف أبني تطبيقاً بلغة Python، ففعل. واللافت أنني حصلت على تطبيق عامل في غضون يوم أو يومين، وهو أمر كان سيستغرق مني سنوات لو حاولت التعلم من الصفر عبر مقاطع يوتيوب. ولأن هدفي كان محدداً جداً وكانت لدي بعض المعرفة بالمجال، كنت أعرف بالضبط ما أريده من روبوتي: ألا يكتفي بتقديم الإجابات، بل أن يتفاعل مع المستخدمين بطريقة أكثر سقراطية.
كانت تلك التجربة مذهلة حقاً. فسرعان ما بدأت أستخدم أفكاراً ومعارف من عملي ومن هذا المجال لبناء أدوات مستقلة يمكن استخدامها مجاناً. وكان ذلك إدراكاً مهماً بالنسبة إليّ: فقد كنت أبني شيئاً مختلفاً تماماً عن الطريقة التي رأيت معظم الناس يستخدمون بها ChatGPT آنذاك. فالواجهة تبدو كمحرك بحث، ولذلك تكاد تهيئ الناس لكتابة سؤال والحصول على إجابة، وهذه النماذج مصممة لذلك. وأعتقد أن هذا يضع الناس على مسارين متباعدين. في الأول تصبح الأداة شريكاً ثرياً في التفكير في الممكن، شيئاً يعزز التفكير ويمكن توجيهه بطرق راسخة في مبادئ جيدة لدعم التفكير الإبداعي. وهذا ما نسميه، أنا وفلاد غلافيانو، «تجربة الذكاء الاصطناعي البطيء»، حيث يطلب النظام دائماً مزيداً من السياق، لأن هندسة السياق أكثر فاعلية بكثير من هندسة الأوامر النصية وحدها. والمسار الثاني هو «الذكاء الاصطناعي السريع»، حيث يستخدمه الناس استخداماً عابراً، فيكتبون سؤالاً ويمضون بأول رد مصقول يحصلون عليه. وقد لاحظت منذ البداية، وأنا مقتنع بذلك أكثر فأكثر، أن التعليم يقف عند نقطة تحول حاسمة بين هذين المستقبلين الممكنين.
الاستخدامات السريعة مقابل الاستخدامات البطيئة للذكاء الاصطناعي
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: حدثنا أكثر عن هذين المسارين. ما الذي لاحظته في بحوثك وتدريسك؟
رون بيغيتو: لنبدأ بالمسار الثاني، مسار «الذكاء الاصطناعي السريع». في نظري، يفضي هذا المسار إلى الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي، حيث يصبح الطلبة والمعلمون في جوهر الأمر دمى رقمية. وثمة في الواقع بعض الأدلة التجريبية التي بدأت تُظهر ذلك، ولا سيما لدى الطلبة، لكنني أعتقد أنه يحدث مع المعلمين أيضاً. تخيل طالباً يقترب موعد تسليم واجبه، ولديه بعض الأفكار لمقالة، لكنه قبيل الموعد النهائي يلصق التعليمات وبعض الأفكار، ويجعل ChatGPT أو أداة أخرى تكتب المقالة نيابة عنه. ربما يعدّلها قليلاً، وربما لا. وثمة تقارير عن طلبة يستخدمون المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي دون أي تعديل. فعلى سبيل المثال، أصدرت شركة Anthropic تقريراً عن استخدام نموذج Claude تناول مليون مستخدم بعناوين بريد إلكتروني تعليمية، يُفترض أن معظمهم طلبة، وربما بعض أعضاء هيئة التدريس. ووجدوا أن نحو نصفهم كانوا يستخدمونه بطريقة الاستجابة المباشرة هذه: طرح الأسئلة وتلقي الإجابات. بل كان بعضهم يطلب صراحة من الذكاء الاصطناعي إنتاج نص لا ترصده أدوات كشف الانتحال.
لكنني أعتقد أن المربين أيضاً يتحولون إلى دمى رقمية. فالمربي الذي لديه 160 ورقة للتصحيح قد يفكر: «سأرى ما يستطيع ChatGPT فعله. هذه معاييري، وهذه التغذية الراجعة التي أقدمها عادةً». وسرعان ما ينتهي بك الأمر في هذا الفضاء العبثي الضار، حيث يتحدث ذكاء اصطناعي عبر الطلبة إلى ذكاء اصطناعي آخر يتحدث عبر المعلمين. ومجرد التأمل في هذه الفكرة كئيب ومرير إلى حد ما. ومع ذلك فهو يحدث، جزئياً على الأقل.
أما المقاربة الأخرى، مقاربة «الذكاء الاصطناعي البطيء» التي أدعو إليها، فهي مساعدة المربين والطلبة على تعلم العمل بإبداع ومسؤولية مع الذكاء الاصطناعي ليصبحوا مفكرين أكثر حيوية. إنها تعني استخدام الذكاء الاصطناعي شريكاً في التفكير في الممكن كما لو كان مجرد منظور جديد، كأن تلجأ إلى زميل. وبهذه الطريقة، لا بأس إن لم يكن دقيقاً تماماً، لأنه لا ينبغي لك أبداً أن تثق بأي مصدر واحد ثقة غير نقدية، بل عليك أن تتحقق من منظورات مختلفة. وأعتقد أن ذلك يمكن أن يكون قوياً حقاً، لكنه يتطلب إبطاء الأمور. عليك أن تبدأ بتفكيرك الخاص، ثم، كما تفعل مع زميل، تحصل على بعض التغذية الراجعة، وتعود بها إلى نفسك أو إلى فريقك، وتعمل عليها. وهذا هو الفرق بين أن نجعل الذكاء الاصطناعي يؤدي العمل أو التفكير الإبداعي نيابة عنا، وأن نعمل معه لتعزيز تفكيرنا.
مبادئ وأدوات لتعزيز الإبداع بالذكاء الاصطناعي التوليدي
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: كيف يمكن للمعلمين الإفادة القصوى من الذكاء الاصطناعي التوليدي لتعزيز الإبداع، ولا سيما أنهم ينفرون عادةً من عدم اليقين؟ وهل تختلف المبادئ بالنسبة إلى الطلبة؟
رون بيغيتو: أعتقد أن المبادئ هي نفسها في جوهرها للمعلمين والطلبة. وقد عملنا أساساً مع المعلمين، لأن دورهم بالغ الأهمية، ولا سيما عند العمل مع الطلبة الأصغر سناً. فكثير من هذه الأدوات تشترط في شروط خدمتها حداً أدنى للعمر، ولا ينبغي ببساطة إطلاق الطلبة لاستخدامها دون رقيب. يجب أن يكون المعلمون جزءاً من العملية، وأن يكونوا في الحلقة.
أولاً، يجب أن يرتاح المعلمون لعدم اليقين المتمثل في عدم معرفة الطريقة المثلى لاستخدام هذه الأدوات بالضبط. فكثير من المعلمين يجربون، لكن كثيرين منهم لا يزالون لا يرون أنفسهم مبدعين. ويميل كثير من الناس عموماً، ومنهم المعلمون، إلى الاعتقاد بأن الأطفال أكثر إبداعاً من الكبار. وهذا اعتقاد إشكالي؛ فهم يرون الأطفال أكثر حرية وأكثر لعباً، لكنهم مرة أخرى يخلطون بين الإبداع والأصالة المحضة. نعم، كثيراً ما يأتي الصغار بشتى الأفكار الجامحة، ومع التقدم في العمر تتعلم قيود العالم وحقائقه. لكن الإبداع، مرة أخرى، أصالة مقيدة: يجب أن يكون ملائماً للمهمة ومؤسساً على المعرفة. والمعلمون في الواقع في موقع جيد لتوجيه ذلك، لكنهم يحتاجون إلى فهم الإبداع فهماً صحيحاً وإلى الوضوح بشأن سبب استخدامهم للذكاء الاصطناعي التوليدي. لذا يجب أن تكون لدى المعلمين غاية وأهداف واضحة، وأن يستخدموا خبرتهم ومعرفتهم بالمجال، وأن يكونوا منفتحين على عدم اليقين والمنظورات المختلفة.
لنأخذ أمثلة عملية. أحياناً يكون لديك درس تدرّسه منذ سنوات ولا ينجح جيداً. تريد تغييره وجعله أكثر إبداعاً، لكنك قريب منه أكثر من اللازم، مألوف لديك أكثر من اللازم. ومن القواعد البسيطة في هذا الصدد أن تجعل المألوف غير مألوف. فأنت تلعب بالتوترات بين البنية وعدم اليقين، وبين الألفة وعدمها. ولأن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي حوارية، أي قادرة على إجراء محادثات هادفة معك، يمكنك أن تقول: «لا أعرف كيف أفعل هذا، وهذا ما أفكر فيه». لكنك تظل ممسكاً بزمام الأمور: «هذه أهدافي، وهذا سياقي». وإذا لم يكن المعلمون مستعدين لبناء الأدوات بأنفسهم، فعليهم على الأقل أن يتعلموا كيف يتفاعلون مع الذكاء الاصطناعي بطريقة تبطئ العملية. ويعني ذلك امتلاك أهداف واضحة، والاعتراض كما تفعل مع زميل، وتقديم سياق مفصل، كأن تقول: «هذا ما أريد فعله، وهذه موادي، وهكذا أتوقع أن يجري التفاعل». وهذا جانب من هندسة السياق، يتجاوز هندسة الأوامر النصية. ويمكنك أن تقول لروبوت المحادثة: «اعرض عليّ إمكانات، لا إجابات».
وابدأها بعبارة "ماذا لو" كي أتذكر أنها مجرد منظور واحد». وأعتقد أن هذه هي نقطة البداية: أن يقدم المعلمون نموذجاً لهذا الاستخدام المتأني والمتأمل.
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: انطلاقاً من تجربتك الخاصة، كيف تشجع المعلمين والمتعلمين على استكشاف المسار الأبطأ؟
رون بيغيتو: ما أدركته أكثر فأكثر أن المربين والطلبة يحتاجون إلى تعلم البناء بالذكاء الاصطناعي التوليدي، كما فعلت أنا. وأعتقد أن هذه هي الطريقة الأكثر فاعلية.
فثمة خطاب كثير حول الثقافة في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو أمر جيد، لكنه يميل إلى السطحية: «استخدمه استخداماً أخلاقياً، واحذر التحيز»، وما إلى ذلك. كل ذلك صحيح، لكنك لا تفهمه حقاً ما لم تحاول بناء شيء بنفسك. وثمة «لحظة برمجة بالإحساس» آخذة في الظهور، تمكّن الناس من البدء في بناء الأدوات. لكنك تحتاج إلى هدف واضح، ومعرفة مسبقة بالمحتوى، وتصور لما تريد بناءه.
في خريف عام 2024، بدأت مقرراً مع طلبة دكتوراه، كانت لديهم بالتالي بعض الخبرة في مجالاتهم. وبدأنا بسؤال: «ما نوع المساعد الذكي الذي يمكنك بناؤه لدعم أهدافك المهنية؟». وعلّمتهم عملية استخدام هذه الأدوات لبناء شيء لعملهم، أو لمربين أو طلبة آخرين. وأسمي ذلك مقاربة «ابنِ لتتعلم، وتعلّم لتبدع». فأنت تبني أولاً، ثم تبدأ برؤية مواطن القوة والقصور في منتجك. وكان ما أنتجته هذه المجموعة لافتاً؛ فمعظم الطلبة لم يسبق لهم بناء أي أداة ذكاء اصطناعي، وربما كان أحدهم قد جرب قليلاً، لا أكثر. لكن لأن أهدافهم كانت واضحة وكانوا يعرفون ما يريدون تحقيقه، بنوا أدوات يستخدمونها الآن في رسائلهم الجامعية أو ممارساتهم المهنية.
ثم فكرت: لماذا لا أفتح ذلك لطلبة المرحلة الجامعية الأولى والمعلمين؟ ومنذ خريف عام 2025، أدرّس مقررين: أحدهما لطلبة المرحلة الجامعية الأولى من جميع التخصصات، والآخر لطلبة الدراسات العليا. كما أدير ورش عمل للمعلمين، أبيّن فيها كيف يمكن استخدام هذه المقاربة بطريقة أكثر انضباطاً بالمبادئ، أي مقاربة الذكاء الاصطناعي البطيء التي تعلّم فيها الذكاء الاصطناعي الاستجابة بطريقة سقراطية. بل سقراطية إلى حد مزعج تقريباً: يطرح الأسئلة دائماً، ويبحث عن السياق، ويدعم الحفاظ على الأفكار والفاعلية البشرية، ولا يقدم أبداً إجابات مباشرة، بل يقترح إمكانات: «ماذا لو جربت هذا؟» أو «ماذا لو جربت ذاك؟»، مع إبقاء ملكية الأفكار للإنسان.
ثانياً، أعتقد أن المعلمين يحتاجون إلى خبرة متواصلة مع هذه الأدوات قبل تقديمها للطلبة. ففي مقرراتي، أعرض أمثلة على الأدوات التي بنيتها، لكنني أقول للطلبة: «لا تبنوا الأدوات ذاتها، بل ابنوا شيئاً يعالج مشكلة أو حاجة تحددونها أنتم».
أما بالنسبة إلى الطلبة، فإن الاستخدام الأمثل أو الأكثر إبداعاً للتطبيقات الموجهة إليهم يعتمد على احتياطات مماثلة. فمعظم الطلبة يستخدمون الذكاء الاصطناعي بالفعل، وكثيراً ما يستخدمونه نوعاً من الرفيق، بما في ذلك للحصول على دعم اجتماعي ووجداني. وقد يكون مقنعاً، بل مقنعاً أكثر من اللازم أحياناً. فقد يفكر طالب مثلاً: «أحب كتابة الشعر، لكن هذا الشيء يكتب شعراً أفضل مما يمكنني كتابته أبداً، فلأجعله يكتبه عني». ولا نريد ذلك. أو قد يقول: «تبدو هذه النصيحة معقولة جداً». لكن عليك أن تظل ناقداً؛ فهذا مجرد صوت واحد، فاحصل على منظورات أخرى، بما في ذلك من بشر تثق بهم. لذا تنطبق مجدداً المبادئ التالية: تقبّل عدم اليقين، وأسس عملك على المعرفة والأهداف الواضحة، وكن منفتحاً على المنظورات المختلفة، وقيّد العملية بحيث تكون المخرجات ذات صلة وقابلة للتطبيق.
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: حدثنا قليلاً عن الأدوات المختلفة التي بنيتها بالذكاء الاصطناعي التوليدي.
رون بيغيتو: يمكن للقراء أن يجدوا على موقعي الإلكتروني مقاطع فيديو قصيرة تعرض بعض الأمثلة على الروبوتات التي بنيتها بالذكاء الاصطناعي التوليدي، بل جعلت الذكاء الاصطناعي يروي المقاطع إلى جانب روايتي.
ومن الأدوات التي طوّرتها أداة لـ«مختبر الإمكانات الذكي»، وهو منظومة من الأدوات أستخدمها في صفوفي وخارجها مع الطلبة والمعلمين والقادة التربويين. وجميع حلولي الذكية مبنية حول إطار تربوي بسيط: أولاً، إعطاء الأولوية للحوار بين البشر، لتوضيح سبب رغبتك في استخدام الذكاء الاصطناعي أصلاً؛ وثانياً، إذا وجدت نفسك عالقاً، فعندئذ تلجأ إلى أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي. ويضم مختبر الإمكانات عاملاً ميسّراً يعرف جميع الأدوات الأخرى ويتصل بها. فيمكنك أن تقول: «هذه مشكلة أعمل عليها»، أو «لا أعرف حتى كيف أفكر في هذا». وسيطلب الميسّر السياق ويقترح أنسب الأدوات لاستخدامها. فثمة أدوات تساعدك على إدراك الإمكانات، باستخدام التشبيهات مثلاً؛ واستكشاف تلك الإمكانات بعمق، باختبار الافتراضات والنظر في السيناريوهات؛ وتنقيح الإمكانات، بالتفكير في العواقب غير المقصودة؛ والتخطيط لإمكانات جديدة وتنفيذها، بتحديد الأهداف ومتابعة التقدم وتطوير مشروعات متكاملة.
وأداة أخرى هي «روبوت فك تخطيط الدروس». وهي تساعد المعلمين على أخذ الدروس المفرطة في التخطيط والمحددة سلفاً، من النوع الذي تكره تدريسه، وبث حياة إبداعية فيها. فهي تساعدك على تفكيك بنية الخطة، وإدخال عدم اليقين المنظم، وإعادة تصور الدرس.
وأداة ثالثة هي «روبوت مشروع الإرث»، الذي يساعد الطلبة على تطوير مشروعات إبداعية تحدث أثراً في مدارسهم أو مجتمعاتهم، كمعالجة هدر الطعام أو تصميم مساحة آمنة لما بعد الدوام المدرسي.
وتستند هذه الأمثلة الثلاثة إلى عملي وإلى أعمال علمية أخرى ذات صلة، وهي مؤسسة على تعريفاتي للإبداع. والأهم أن الثلاثة جميعاً مصممة لتمكين الفاعلية الإبداعية والحفاظ عليها، بدلاً من التنازل عنها للآلة.
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: لنتحدث عن الأدلة التجريبية الناشئة. ثمة دراسات تقارن المخرجات الإبداعية حين يُسمح للناس باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي أو لا يُسمح لهم بذلك. وتُظهر إحداها أن المخرجات الفردية، كما يقيّمها محكمون بشريون، تكون في العادة أكثر إبداعاً حين يُستخدم الذكاء الاصطناعي عوناً لتقديم فكرة أولى، لكن الأصالة الجماعية تكون أقل لدى من استخدموا الذكاء الاصطناعي التوليدي. فما رأيك في ذلك؟
رون بيغيتو: حدسي أن هذه الأدوات، نعم، قادرة على تعزيز الإبداع، وأعرف ذلك من تجربتي. لكن لا يمكنك إغفال معرفة المستخدم وخبرته. فهي قادرة على الارتقاء بالمستخدمين الأقل خبرة إلى مستوى معين. لكن دون معرفة أعمق، تحصل أحياناً على مخرجات متجانسة وتنوع أقل مما لو كنت تعمل مع متعاون مبدع عالي المهارة. وأعتقد أن من لديه أفكار جيدة أصلاً ويستطيع الحكم على ما ينتجه الذكاء الاصطناعي، فيرفض ما لا معنى له ويحتفظ بما له معنى، يمكنه بالتأكيد أن يكون أكثر إبداعاً. وثمة أيضاً أدلة على أن الخبراء أنفسهم يستبعدون أحياناً إسهامات للذكاء الاصطناعي قد تكون قيّمة. أو على العكس، يقيّم الجمهور أحياناً مخرجات الذكاء الاصطناعي بأنها أفضل من مخرجات البشر. ولا تزال الأدلة في طور التشكل، لكن المعايير ذاتها تنطبق: لا تكن متصلباً أكثر من اللازم وإلا فاتك شيء إبداعي. ابنِ على المعرفة بالمجال، وكن منفتحاً على عدم اليقين، وأظهر المرونة.
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: وماذا عن دقتها؟
رون بيغيتو: البشر يهلوسون أيضاً، ويقولون أشياء غير دقيقة. والإبداع يزدهر أحياناً على «الهلوسات»، وقد يكون فيها ما يستحق المتابعة. لكنني لن أعتمد كلياً على أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي للحصول على إجابات واقعية، بل أستخدمها لدعم التفكير الجديد. ويجب أن يتولى الإنسان التحقق من الحقائق والاختبار التجريبي.
ما وراء توليد النصوص: تعدد الوسائط والذكاء الاصطناعي العام
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: بعيداً عن النصوص، ما رأيك في أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تنتج الموسيقى والفيديو والصور؟ هل يمكننا أيضاً استخدامها بطرق إبداعية؟ وهل ستحل محل الإبداع البشري؟
رون بيغيتو: مرة أخرى، يتوقف ذلك على العقلية والتوجه. فإذا تعاملت معها دون سؤال أو غاية واضحة، كأن تقول: «افعل هذا من أجلي فحسب»، فقد تحل فعلاً محل إبداعك، أو تصبح ببساطة مربكة. وهذا سبب آخر يدعوك دائماً إلى البدء بمشروع أو هدف، لا بمجرد القول: «لدي موعد نهائي، أرجو أن تفعل هذا من أجلي». وسيحدث ذلك أحياناً بطبيعة الحال، لكن الأمثل أن تتعامل معها وأنت تفكر: «أحتاج إلى بعض التغذية الراجعة أو الأمثلة».
وعادةً ما أستخدم أدوات ذكاء اصطناعي توليدي مختلفة: ChatGPT وGemini وClaude ونماذج مفتوحة المصدر، ولكل منها «شخصية» مختلفة قليلاً. أضع القواعد الأساسية وأقدم السياق، ثم أعاملها كهيئة من الزملاء. أعرض المشكلة ذاتها على كل منها، وأشاركها تفكيري الأولي، وأقارن المنظورات. فإذا قال أحدها شيئاً مثيراً للاهتمام، قد آخذه وأطلب من آخر البناء عليه، أو أسأل: «ابحث عن الثغرات في هذه الفكرة: كيف يمكن أن تفشل؟». وأعتقد أن هذا هو الاستخدام الأقوى: بوصفها هيئة من المنظورات المختلفة، مع بقائك دائماً ممسكاً بزمام الأمور. ونعم، سترغب أحياناً في إضافة موسيقى أو مرئيات، لكن يجب أن تظل أنت من يقرر متى ولماذا.
وتستطيع هذه الأدوات تسريع ما تستطيع فعله أصلاً وتعزيزه، وأن تأخذك أبعد، تماماً كالعمل مع أي متعاون ماهر. فهي تحمل كثيراً من «المعرفة»، ولذلك يمكنها تسريع التعلم. لكن عليك أن تتحقق من كل شيء بالمقارنة بمصادر أخرى، تماماً كما تفعل مع المصادر البشرية.
ولا ينبغي على الإطلاق أن نقصر استخدامها على التعليم العالي؛ فالطلبة الأصغر سناً يستخدمونها بالفعل على أي حال. وهم يحتاجون فقط إلى تعلم استخدامها بطريقة منضبطة بالمبادئ ومسؤولة، بالتحقق والمساءلة وتنمية التفكير النقدي. ولنتذكر أن هذا المجال يتطور بسرعة؛ فما نناقشه الآن سيصبح قريباً متجاوزاً. وهذا لا يشبه أي مادة أو تقنية رأيتها في حياتي؛ فالتسارع غير مسبوق.
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: ما رؤيتك للمستقبل؟
رون بيغيتو: التهديد الكبير هو أزمة معنى في التعليم. فإذا كان التعليم مجرد نقل محتوى جامد ليعيد الطلبة إنتاجه، فإن الآلات ستفعل ذلك أفضل. وإذا أصبح الطلبة دمى رقمية تقول «افعل هذا من أجلي»، وأسند المعلمون أيضاً تغذيتهم الراجعة إلى غيرهم، يفقد التعليم غايته. ولهذا قال الفلاسفة دائماً إن التعليم يجب أن يكون ذا معنى وقائماً على التجربة وهادفاً، وإلا فسيقول الناس: «اتركوا المعرفة الجامدة للآلات، وسأحصل على الإجابة حين أحتاج إليها».
أعتقد أننا نعيش لحظة مهمة. وأنا في الحقيقة متفائل تماماً، لكن علينا أن نكون صادقين بشأن المخاطر. فهذه لحظة مختلفة جداً، وليست مجرد تقنية جديدة أخرى. فالتفكير فيها بوصفها أداة إنتاجية في الصناعة شيء، أما في التعليم، الذي يدور حول التعلم، فالأمر مختلف تماماً. فحين تكون دمية رقمية، لا تتعلم حقاً، وهنا تكمن الأزمة. لقد ظل التعليم يتحرك ببطء لزمن طويل، لكن ربما يسرّع هذا بعض التأمل الذي تشتد الحاجة إليه في الغاية منه.
