الفصل السادس: الإنصاف
الرسائل الرئيسية
ماذا تُظهر البيانات؟
دفع الرصد العالمي النقاشَ حول الإنصاف إلى الأمام، لكن حدوده باتت واضحة الآن أيضاً. فقد قادت خطة عام 2030 توسّعاً غير مسبوق في البيانات التعليمية المفصّلة، ومع ذلك ينبغي، إلى جانب الرصد العالمي، إيلاء أولوية أعلى للرصد الوطني لعدم المساواة.
ومؤشر التكافؤ أداة مفيدة لكنه سهل سوء القراءة. ففي معظم مؤشرات الهدف الرابع، كمعدلي عدم الالتحاق والإتمام، يميل مؤشر التكافؤ إلى التحسّن تلقائياً تقريباً مع ارتفاع مستوى المؤشر المفصّل، لا بالضرورة لأن النظم تصبح أكثر عدلاً. ولا يكون مفيداً إلا إذا حُلّل في سياقه.
وكان التقدّم في معالجة التفاوت بين الجنسين حقيقياً، لكن فجوات الثروة لا تزال متجذرة بعمق. فبين عامَي 2000 و2024، انخفضت حصة البلدان ذات التفاوت المرتفع بين الجنسين على حساب الفتيات من 20% إلى 4% في المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي. غير أن الفوارق المرتبطة بالثروة لا تزال قوية: ففي مطلع العقد الثالث من هذا القرن، كان لدى 83% من البلدان فجوات ثروة شديدة في التعليم ما قبل الابتدائي، و55% في المرحلة العليا من التعليم الثانوي.
وتوسّع توافر البيانات المفصّلة، لكن ليس بما يكفي. فمنذ عام 2000، لا يملك 44% من البلدان أكثر من ثلاث ملاحظات مسحية عن الإتمام مفصّلة بحسب الموقع، و62% بحسب الثروة.
ماذا نعرف عن السياسات المرتبطة بالتوسّع والإنصاف على المدى الطويل؟
يمكن لسياسات التمويل أن تساعد على إعادة توزيع الأموال لمساعدة المتعلمين المحرومين. فلدى الحكومات أدوات سياساتية كثيرة لتحسين الإنصاف، والتمويل أداة رئيسية منها. ويمكن أن يفيد ارتفاع الإنفاق العام على التعليم الفئات المحرومة، لكن المهم هو ما إذا كانت الموارد موجّهة عن قصد إلى المناطق والمدارس والطلاب الذين يعيقهم الفقر والجغرافيا وغيرها من العوائق.
وثمة خمس آليات رئيسية لإعادة توزيع الموارد التعليمية، لكنها جميعاً غير مستغلة بما يكفي. أولاها اللامركزية: إذ يوجّه 58% من البلدان الأموال إلى الحكومات دون الوطنية، لكن نصفها فقط يطبّق معايير الإنصاف، و14% فقط لديها تركيز قوي على الإنصاف. وثانيتها التحويلات إلى المدارس: إذ يعيد 76% من البلدان تخصيص الموارد للمدارس المحرومة، ومع ذلك تمثّل التحويلات أقل من 0.5% من الإنفاق على التعليم في نصف هذه البلدان على الأقل. وثالثتها التحويلات إلى الطلاب: إذ تقدّم 62% من الوزارات مساعدة مالية مباشرة للمتعلمين المحرومين، لكن 40% من البلدان ليس لديها تحويلات للطلاب موجّهة نحو الإنصاف، وحيث توجد، نادراً ما تزيل التغطية ومستويات الاستحقاق العوائقَ المالية إزالة كاملة. ورابعتها التغذية المدرسية: إذ لدى 84% من البلدان برامج للوجبات المدرسية، لكن أقل من ثلث تلاميذ المرحلة الابتدائية يتلقّون وجبات مجانية أو مدعومة. وخامستها تحويلات الحماية الاجتماعية: إذ ترفع التحويلات النقدية المشروطة الالتحاقَ والتحصيل، لكن فعاليتها تتوقف على أن تكون التحويلات قابلة للتنبؤ وسهلة الحصول وحسنة الاستهداف.
ويجد مؤشر جديد أن أقل من بلد واحد من كل عشرة بلدان يولي الإنصاف تركيزاً قوياً في تمويله. فالمؤشر يقيّم جهود البلدان لإعادة توزيع الأموال بهدف تحسين الإنصاف في التعليم بناءً على تغطية برامجها وحجمها: فقد قُيّمت جهود نحو 8% من البلدان بأنها متقدمة، و39% بأنها راسخة، و33% بأنها ناشئة، و19% بأنها كامنة. وترتفع حصة النظم الراسخة أو المتقدمة من 12% في البلدان منخفضة الدخل إلى 58% في البلدان مرتفعة الدخل.
الاتجاهات الرئيسية
«عدم ترك أحد خلف الركب» هو «الوعد المحوري والتحويلي» لخطة التنمية المستدامة لعام 2030، ويمثّل التزاماً بـ«القضاء على الفقر بجميع أشكاله، وإنهاء التمييز والإقصاء، والحدّ من أوجه عدم المساواة ومواطن الضعف». ولفهم ما إذا كان التقدّم يتحقق، يلزم تفصيل بيانات مؤشرات نواتج التنمية بحسب الجنس والثروة والموقع ومجموعة من الخصائص الأخرى، بعضها قد يكون قابلاً للمقارنة بين البلدان وبعضها الآخر قد لا يكون ذا صلة إلا بالمقارنات داخل البلدان. وباستثناء التفاوت بحسب الجنس، لم تشدد الأهداف الإنمائية للألفية بين عامَي 2000 و2015 على التفصيل، لكن تزايد توافر بيانات المسوح في العقد الأول من هذا القرن أتاح توجيه الاهتمام نحو عدم المساواة وكيفية معالجته.
وكان قطاع التعليم من القطاعات التي استخدمت البيانات المفصّلة لتسليط الضوء على الفوارق الكبيرة. وقد عُبّر عن هذا الالتزام بقوة في التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع لعام 2010 بشأن التهميش، وفي إطلاق النسخة الأولى مما أصبح لاحقاً قاعدة البيانات العالمية لأوجه عدم المساواة في التعليم، التي ساعدت على تصوير التفاوت ليس بحسب الخصائص الفردية فحسب، بل، وهو الأهم، بحسب تقاطعها. وبالطبع، فإن الإنصاف في التعليم أوسع بكثير من الإحصاءات المفصّلة عن مخرجات التعليم ونواتجه: فهذه ليست سوى مظاهر لأثر التوزيع غير المتكافئ للموارد، كتوزيع المعلمين، والعمليات البنيوية المتحيزة، كتوزيع الطلاب على المسارات، التي تُقصي وتميّز. ومع ذلك، تمثّل هذه الإحصاءات خلاصة قوية للظلم الاجتماعي.
وبالاستفادة من الرؤية اللاحقة، يستعرض هذا القسم التقدّم في رصد عدم المساواة التعليمية وحدوده خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية من منظور مقارن. ويبدأ بتلخيص وعود الاعتقاد بإمكانية رصد التقدّم نحو الإنصاف واستخلاص رؤى مقارنة لا لبس فيها بين البلدان وعبر الزمن، ومخاطره. ويناقش ثلاث مسائل رئيسية خففت ذلك التفاؤل الأولي. ثم يناقش نتائج مختارة تنبثق فعلاً من مصادر البيانات القابلة للمقارنة دولياً، موثّقاً كيف تطوّر التفاوت بحسب الجنس والثروة والموقع بمرور الوقت.
رصد الإنصاف في التعليم ليس أمراً يسيراً
بدأت مجموعات بيانات المسوح الأسرية تُظهر تفاوتاً لافتاً بين الفئات السكانية منذ التسعينيات. فنحو منتصف ذلك العقد، دُمجت ووُحّدت ثلاثة برامج رئيسية للمسوح الأسرية متعددة الأغراض: مسح قياس مستويات المعيشة التابع للبنك الدولي، والمسح الديموغرافي والصحي الممول من الولايات المتحدة، والمسح العنقودي متعدد المؤشرات التابع لليونيسف. ومع تراكم مجموعات بياناتها المتاحة للجمهور، بدأت ترسم صورة أوسع لعدم المساواة. فقد تضمنت جميع المسوح معلومات أساسية عن مشاركة أفراد الأسرة في التعليم وتحصيلهم يمكن ربطها بالخصائص الفردية. وبرزت فجأة إلى الواجهة بعض الخصائص التي كانت أقل رصداً ومخفية سابقاً، كالانتماء العرقي والدين.
وأوجد هذا الوضع تفاؤلاً، وأفضى إلى مبدأ «عدم ترك أحد خلف الركب» في خطة التنمية المستدامة لعام 2030، وإلى غايات، كالغاية 4.5 المتعلقة بالإنصاف في التعليم، وإلى إطار للرصد يتسم بإشارات صريحة إلى الإنصاف. ودعت الغاية 17.18 المتعلقة بالقدرة الإحصائية إلى تفصيل البيانات «بحسب الدخل ونوع الجنس والعمر والعرق والانتماء الإثني والوضع من حيث الهجرة والإعاقة والموقع الجغرافي وغيرها من الخصائص ذات الصلة بالسياقات الوطنية».
وكان تفصيل البيانات أيضاً أحد المبادئ التسعة لمبادرة ثورة البيانات من أجل التنمية المستدامة: «لا ينبغي أن يكون أحد غير مرئي. وبقدر الإمكان، ومع الضمانات الواجبة لخصوصية الأفراد وجودة البيانات، ينبغي تفصيل البيانات عبر أبعاد متعددة... مع الحماية الواجبة للخصوصية وحقوق الإنسان. ويمكن للبيانات المفصّلة أن تقدّم صورة مقارنة أفضل لما ينجح، وأن تساعد على توجيه صنع السياسات القائم على الأدلة وتعزيزه على كل مستوى».
غير أنه من الإنصاف القول إن الوعد الأولي يبدو أنه توقف، بما في ذلك في التعليم. وتبدو ثلاث مسائل رئيسية من منظور عالمي: مدى ملاءمة إطار الرصد، والرصد العالمي للإنصاف؛ وتوافر البيانات الملائمة؛ وحدود المقارنات. وفي نهاية المطاف، فإن ما يهم أكثر من الرصد العالمي، وحيث يمكن للجهات الفاعلة العالمية أن تقدّم أكبر إسهام، هو تشجيع البلدان، إن لم يكن مطالبتها، بوضع رصد الإنصاف في صميم أطر حوكمتها وسياساتها، مع احترام مبادئ جودة البيانات وسلامتها وحسن توقيتها وشفافيتها وانفتاحها وقابليتها للاستخدام واستقلاليتها والقدرات والحقوق.
ملاءمة المؤشرات
انصبّ تركيز رصد الإنصاف في التعليم على المؤشر العالمي 4.5.1، أي مؤشر التكافؤ، وهو نسبة قيمة مؤشر ما لفئة، محرومة من حيث المبدأ، إلى قيمة ذلك المؤشر لفئة أخرى، مميّزة عادة. وتتراوح قيمته بين صفر، أي عدم مساواة شديد على حساب الفئة المحرومة، وواحد، أي التكافؤ، واثنين، أي عدم مساواة شديد على حساب الفئة المميّزة.
وليس هذا مقياساً جديداً لعدم المساواة في بنية الرصد العالمي: فقد كان جزءاً من إطار رصد الأهداف الإنمائية للألفية، حيث استُخدم لرصد التفاوت في خاصية واحدة، هي الجنس، أي مؤشر التكافؤ بين الجنسين، وفي مؤشرين، هما نسبة الالتحاق الإجمالية في التعليم الابتدائي والثانوي والعالي، ومعدل إلمام الشباب والبالغين بالقراءة والكتابة. لكن في إطار أهداف التنمية المستدامة، عُمّم استخدام مؤشر التكافؤ على مزيد من الخصائص، أساساً الثروة والموقع لكن أيضاً غيرهما، وعلى مزيد من المؤشرات: فقد أُدرج عملياً كل مؤشر من مؤشرات رصد الهدف الرابع يمكن تفصيله. وعنى ذلك عدداً غير واقعي من الاتجاهات المحتملة لعدم المساواة ينبغي تتبّعها وفهمها. وتجدر الإشارة إلى أن مؤشر التكافؤ ليس سوى مقياس واحد لعدم المساواة. فكما أظهر التقرير العالمي لرصد التعليم لعام 2016، قد يوحي مؤشر التكافؤ، لقيم المؤشر التعليمي نفسها المقارنة عبر الزمن، بأن عدم المساواة يتزايد في حين قد يوحي مقياس آخر، كالمدى أو مؤشر التركّز، بأنه يتناقص.
ومؤشر التكافؤ جذاب لأنه يضغط المعلومات في رقم واحد سهل المقارنة. لكن هذه القوة هي أيضاً حدّه. أولاً، قد يوحي مؤشر التكافؤ بأن عدم المساواة يتزايد أو يتناقص دون أن يوضح ما إذا كان ذلك لأن الوصول يتحسّن بين الفئات المحرومة، أو لأن الوضع يركد أو يسوء للفئات المميّزة، أو لأن الفئتين تتوسّعان بسرعات مختلفة. ثانياً، يرتبط مؤشر التكافؤ ارتباطاً آلياً بمستويات المؤشر الأساسي في معظم مؤشرات الهدف الرابع التي تتراوح بين 0% و100%، كمعدل عدم الالتحاق ومعدل الإتمام.
ولذلك يجب تفسير مؤشر التكافؤ بحذر. فقيمته تميل إلى الارتفاع مع مستوى المؤشر: فهي منخفضة، أي مستوى مرتفع من عدم المساواة، حين تكون قيمة المؤشر منخفضة وتكون قيمته للفئة المحرومة قريبة من 0%، وهي مرتفعة، أي مستوى منخفض من عدم المساواة، حين تكون قيمة المؤشر مرتفعة وتكون قيمته للفئة المحرومة قريبة من 100%. وبعبارة أخرى، يقدّم المؤشر معلومات محدودة: فمعرفة مستوى المؤشر التعليمي تساعد إلى حدّ كبير على التنبؤ بمستوى «عدم المساواة». ومعرفة أن مؤشر التكافؤ قد تحسّن لا تعني في الغالب سوى أن قيمة المؤشر الأساسي قد ارتفعت. ويمكن توضيح ذلك برسم جميع قيم معدل إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي الملحوظة منذ عام 2000 مقابل قيم مؤشر التكافؤ في الثروة المقابلة لها. وسيكون من الخطأ مقارنة قيمة مؤشر التكافؤ لبلدين عند مستويات مختلفة من معدل الإتمام واستنتاج أن البلد ذا الإتمام الأعلى أقل عدم مساواة.
غير أن المؤشر لا يزال مفيداً بطريقتين. أولاهما أنه يمكن استخدامه لمقارنة عدم المساواة بين البلدان عند مستويات متماثلة من المؤشر. فمثلاً، في عام 2001، بلغ معدل إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي في بوليفيا 52%، لكن مؤشر التكافؤ في الثروة بلغ 0.15، أي أنه مقابل كل مائة شاب من أغنى 20% من الأسر أتمّوا المدرسة الثانوية، لم يحقق ذلك سوى خمسة عشر شاباً من أفقر 20% من الأسر. وعند القيمة نفسها للمؤشر، أي 52%، بلغ مؤشر التكافؤ في الثروة 0.29 في السلفادور في عام 2012، و0.38 في الجمهورية الدومينيكية في عام 2008. ومن الممكن أن توحي هذه الفروق في المؤشر بوجود بنى اجتماعية وتعليمية مولّدة لعدم المساواة أقوى في بعض البلدان منها في غيرها، لكن المقارنة تحتاج إلى أن تُجرى في سياقها.
وثانيتهما أنه يمكن استخدام المؤشر لمقارنة تطوّر مستويات التفاوت في بلد ما عبر الزمن، ولا سيما مقارنته بالنمط المتوسط، كما يُبرزه خط التفاوت «المتوقع»، مع الإشارة إلى النطاق المعتاد للتباين حوله، أي زائد أو ناقص انحراف معياري واحد. وتقع معظم الملاحظات القطرية السنوية ضمن هذا النطاق، مما يدل على أن التكافؤ في الثروة يتبع عموماً مساراً قابلاً للتنبؤ مع ارتفاع الإتمام. ومع ذلك، تقع مجموعة فرعية من الملاحظات خارج النطاق، مما يوحي بحالات يكون فيها التفاوت أكبر أو أصغر باستمرار مما يُتوقع عند مستوى معيّن من المؤشر. فقد بدأت بوليفيا بعدم مساواة مرتفع في مطلع الألفية، إذ كانت قيمة مؤشر التكافؤ دون خط الاتجاه المتوسط، لكنها تحسّنت بسرعة ووجدت نفسها فوق المتوسط في غضون عقد. وأمثلة هذا التقدّم الكبير والملموس في فترة قصيرة قليلة، لكن بوليفيا، كبعض البلدان الأخرى التي تتناولها دراسات الحالة في هذا الفصل، تدل بوضوح على أن التغيير ممكن.
وتظل الرسالة الجوهرية أن المقارنات تحتاج إلى أن تُجرى في سياقها. فبعض البلدان ذات القيم المنخفضة لمعدل إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي، كبوروندي وجزر القمر والنيجر، والقيم المتوسطة، كالصين والأردن والمكسيك، والقيم المرتفعة، كأستراليا وكندا والاتحاد الروسي، لديها باستمرار قيم لمؤشر التكافؤ في الثروة أعلى من نظيراتها. وقد تتنوع أسباب كون عدم المساواة أقل باستمرار مما هو متوقع، وقد لا تكون متعلقة بالتعليم تحديداً. فقد تكون مرتبطة بالاقتصاد والتاريخ والجغرافيا، بل بحساسية مجموعة البيانات المحللة في التمييز بين الفئات، وهما في هذه الحالة الأفقر والأغنى.
وتظهر العلاقة الواضحة نفسها بين الإتمام الإجمالي ومؤشر التكافؤ في حالة التفاوت بين المناطق الريفية والحضرية. لكن ثمة أيضاً فروقاً في شكل هذه العلاقة. فارتفاع خط التفاوت «المتوقع» يتسارع كلما اقترب معدل الإتمام من 100% في حالة الثروة، لكنه يظل ثابتاً أو حتى يتباطأ كلما اقترب معدل الإتمام من 100% في حالة الموقع. والواقع أن ثمة بلداناً كثيرة ذات معدلات إتمام مرتفعة يُتمّ فيها المرحلة العليا من التعليم الثانوي شبابٌ في المناطق الريفية أكثر مما في المناطق الحضرية.
وثمة سببان على الأقل للفروق الملحوظة في تطوّر التفاوت بحسب الثروة وبحسب الموقع. أولهما أن الخصائص المقارنة مختلفة: فمن جهة، تُقارن فئتان متساويتا الحجم عند الطرفين الأقصيين لتوزيع الثروة، أي الخُمس الأفقر والخُمس الأغنى، مع تنحية الـ60% الوسطى جانباً، ومن جهة أخرى، تُقارن فئتان، ريفية وحضرية، تغطيان السكان بأكملهم، ويتغيّر حجمهما بمرور الوقت مع نمو الفئة الحضرية على حساب الفئة الريفية بفعل الهجرة الداخلية. وثانيهما أن فجوات الثروة الكبيرة قد تستمر، بما يعكس عوائق متعددة ومتداخلة ومعقّدة، كالتكاليف المباشرة وتكاليف الفرصة البديلة والصدمات الأسرية وعدم تكافؤ الوصول إلى الخدمات الجيدة، في حين قد تتأثر الفجوات بين الريف والحضر تأثراً أكثر إيجابية بالتدخلات المرتبطة مباشرة بتوافر الخدمات والمسافة: فبمجرد توافر المدارس والنقل في المناطق الريفية، يمكن تحقيق التكافؤ بوتيرة أسرع.
ومرة أخرى، تظل الرسالة الجوهرية أن المقارنات تحتاج إلى أن تُجرى في سياقها، بمقارنة المتماثل بالمتماثل. فكون بعض البلدان ذات القيم المنخفضة لمعدل إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي، كليسوتو ونيبال، والقيم المتوسطة، ككوستاريكا وأوروغواي، والقيم المرتفعة، كسلوفينيا وإسبانيا، لديها باستمرار قيم لمؤشر التكافؤ في الموقع أعلى من نظيراتها، قد يكون أو لا يكون مرتبطاً بالتدخلات التعليمية. ومؤشر التكافؤ أداة واضحة وأساسية لتتبّع عدم المساواة التعليمية بين الفئات السكانية، لكن ينبغي ألا يُفسَّر بمعزل عن غيره. فما يخبرنا به يتوقف توقفاً حاسماً على قيمة المؤشر الأساسي، وكذلك على المعلومات السياقية. ولهذا السبب، تكون مؤشرات التكافؤ أكثر إفادة حين تُستخدم جزءاً من إطار تحليلي أوسع لا غاياتٍ قائمة بذاتها.
توافر البيانات
يمكن للمصادر الإدارية تفصيل المؤشرات التعليمية بحسب بعض الخصائص الفردية، كالجنس والمنطقة الإدارية. وهي توفّر أيضاً معلومات عن توزيع المشاركة بحسب نوع المدرسة. لكنها لا تستطيع تفصيل المؤشرات التعليمية بحسب الوضع الاجتماعي الاقتصادي أو الانتماء العرقي أو اللغة. وفي هذا السياق، تُعدّ المسوح الأسرية، والتعدادات بدرجة أقل، المصدر الرئيسي للبيانات لاستكشاف عدم المساواة التعليمية.
وتتوافر أسئلة التعليم المتعلقة بأفراد الأسرة في جميع الأنواع الرئيسية من المسوح الأسرية، ومنها مسوح دخل الأسرة وميزانيتها وإنفاقها الاستهلاكي، ومسوح القوى العاملة، وإن كانت عادة لأفراد الأسرة في سن الخامسة عشرة فما فوق، والمسوح متعددة الأغراض، التي تنتمي إليها عموماً برامج المسح الديموغرافي والصحي ومسح قياس مستويات المعيشة والمسح العنقودي متعدد المؤشرات رغم اختلافاتها. ويعني ذلك أن معظم البلدان تملك نظرياً معلومات مفصّلة عن التعليم، باستثناء محتمل لأفقر البلدان، التي لا تستطيع إجراء مسوح أسرية بانتظام دون دعم خارجي، والدول الجزرية الصغيرة النامية، التي يقل فيها منطق جمع هذه المعلومات بانتظام، والبلدان المتأثرة بالنزاعات، التي لا تستطيع تغطية أراضيها وقد تفتقر حتى إلى إطار للمعاينة.
ومع ذلك، لا تزال بلدان كثيرة لا تُبلغ عن معلومات مفصّلة. وثمة سببان عامان محتملان لذلك. أولهما أن وزارات التعليم قد لا تكون على دراية، أو غير مقتنعة، بأنه يمكن استخدام بيانات المسوح هذه لتحديد الغايات أو لأغراض التخطيط في التعليم. فعلى وجه الخصوص، لا تزال وزارات تعليم كثيرة تعتمد حصراً على البيانات الإدارية لأنها مصدر البيانات الوحيد الذي تعرفه وتتولّى مسؤوليته. وقد يكون تعاونها مع المكاتب الإحصائية الوطنية محدوداً، كما قد تكون معرفتها بمخرجات النظام الإحصائي الوطني وثقتها بالمعلومات التي تقدّمها مسوح العيّنات محدودة. وقد يُفسَّر ضعف التعاون بين وزارات التعليم والمكاتب الإحصائية الوطنية بتصوّر وزارات التعليم أنها مسؤولة فقط عن الطلاب الملتحقين بالمدارس، لا عمن تسرّبوا، الذين تغطيهم المسوح. وقد يفتقر موظفو وزارات التعليم أيضاً إلى القدرة على معالجة بيانات المسوح وتحليلها، بل حتى على فهم منهجية المسوح وقيمتها.
وثانيهما أنه من الممكن أن تفهم البلدان بيانات المسوح وتستخدمها لأغراض تعليمية، لكنها تختار عدم الإفصاح عنها لأن النتائج حساسة سياسياً. فمؤشر للأداء الإحصائي وضعه البنك الدولي، لا يقتصر على المسوح، ويشمل خمسة أبعاد للبيانات، هي الاستخدام والخدمات والمنتجات والمصادر والبنية التحتية، يُظهر أنه بينما يرتبط الأداء الإحصائي ارتباطاً سلبياً بالفقر، وهو أمر متوقع ويدل على نقص الموارد، فإنه يرتبط ارتباطاً سلبياً أيضاً بعدم المساواة، الذي قد يكون مسألة وطنية حساسة.
وتوافر البيانات أمر حين يتعلق بما إذا كانت البلدان تجمع البيانات وتحللها وتستخدمها وتُبلغ عنها لرصد عدم المساواة التعليمية لأغراضها الوطنية، وهو ما لا يمكن ملاحظته إلا جزئياً، وأمر آخر حين يتعلق بما إذا كانت هذه البيانات تُبلَّغ دولياً. وللإجابة عن السؤال الأخير، وبالنظر إلى تعدد المؤشرات التعليمية والخصائص الفردية المتاحة، اختير معدل إتمام المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي المفصّل بحسب الموقع والثروة مثالاً دالاً. وقُسّمت السنوات الخمس والعشرون الماضية إلى فترات خمسية. ففي حالة الموقع الريفي والحضري، ارتفعت نسبة البلدان التي لديها ملاحظة واحدة على الأقل في كل فترة خمسية من 38% في الفترة 2000 إلى 2004 إلى 61% في الفترة 2005 إلى 2009، وهو مستوى حوفظ عليه في العقد الثاني من هذا القرن. وفي حالة الخُمسين الأفقر والأغنى، ارتفعت نسبة البلدان التي لديها ملاحظة واحدة على الأقل في كل فترة خمسية من 26% في الفترة 2000 إلى 2004 إلى 48% في الفترة 2005 إلى 2009، وهو مستوى حوفظ عليه في العقد الثاني. وثمة انخفاض طفيف في العقد الثالث، لكنه يعود أساساً إلى التأخر المعتاد في توافر المسوح، وتباطؤ تنفيذ المسوح الأسرية بسبب جائحة كوفيد 19، والاضطراب الناجم عن انتهاء برنامج المسح الديموغرافي والصحي في عام 2025.
ويُظهر تحليل إضافي أن عدد نقاط البيانات غير كافٍ لتقديم اتجاهات عدم المساواة لمعظم البلدان. ففي حالة الموقع، ليس لدى 24% من البلدان أي ملاحظات على الإطلاق، ولدى 44% ما لا يزيد على ثلاث ملاحظات في خمس وعشرين سنة. وفي حالة الثروة، ليس لدى 36% من البلدان أي ملاحظات على الإطلاق، ولدى 62% ما لا يزيد على ثلاث ملاحظات في خمس وعشرين سنة. ويُظهر تفصيل هذه الإحصاءات بحسب المنطقة أيضاً أن بعض المناطق ممثّلة تمثيلاً ناقصاً أو زائداً. فبلدان أفريقيا جنوب الصحراء ممثّلة عموماً تمثيلاً زائداً بين البلدان التي لديها عدد كبير من الملاحظات، بين 4 و14، المفصّلة بحسب الموقع والثروة، لأن برامج المسوح الدولية تعطيها الأولوية؛ وفي المقابل، يُمثَّل شمال أفريقيا وغرب آسيا وأوقيانوسيا تمثيلاً زائداً بين البلدان التي ليس لديها أي ملاحظات أو لديها ما بين ملاحظة وثلاث ملاحظات على الأكثر. والبلدان الأوروبية وبلدان أمريكا اللاتينية هي الوحيدة التي لديها أكثر من خمس عشرة ملاحظة مفصّلة بحسب الموقع، وبلدان أمريكا اللاتينية وحدها بحسب الثروة. وتُفسَّر هذه الأنماط أدناه، لكن من الاستنتاجات أن رصد عدم المساواة التعليمية انتقائي، إذ يقل احتمال رصد بلدان معيّنة.
ومن المهم ملاحظة أنه بينما ينبغي من حيث المبدأ أن تُبلغ البلدان مباشرة عن المؤشر العالمي 4.5.1، فإن معهد اليونسكو للإحصاء والتقرير العالمي لرصد التعليم هما من يجمع الإحصاءات، في إطار تعاونهما بشأن قاعدة البيانات العالمية لأوجه عدم المساواة في التعليم. وهما يعتمدان أساساً على مجموعات البيانات الجزئية المتاحة للجمهور من المسح الديموغرافي والصحي ومسح قياس مستويات المعيشة والمسح العنقودي متعدد المؤشرات، وهو ما يفسّر ارتفاع معدل التغطية في أفريقيا جنوب الصحراء. ويبذلان أيضاً جهوداً تكميلية، منها تعاون بين معهد اليونسكو للإحصاء ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي لمعالجة قاعدة بيانات المسوح الأسرية الوطنية لدى اللجنة، وهو ما يفسّر ارتفاع معدل التغطية في هذه المنطقة؛ وتحليلات التقرير العالمي لرصد التعليم ضمن مشاريع بحثية تستخدم موارد كدراسة لوكسمبورغ للدخل ومسوح الدخل وظروف المعيشة ومسوح القوى العاملة لدى المكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي؛ وتحليل بيانات التعدادات من سلسلة البيانات الجزئية المتكاملة للاستخدام العام الدولية في جامعة مينيسوتا؛ وتحليل مجموعات بيانات المسوح البحثية الأكاديمية؛ وتحليل مجموعات بيانات المسوح الأسرية الوطنية بناءً على طلبات مباشرة إلى المكاتب الإحصائية الوطنية.
ويعني ذلك أن البيانات المتاحة ليست ما تُبلغ عنه البلدان مباشرة، بل هي حصيلة إتاحة بعض مجموعات البيانات بسهولة للتحليل لدى معهد اليونسكو للإحصاء والتقرير العالمي لرصد التعليم، إضافة إلى جهود الجهتين لزيادة التغطية بتحليل مجموعات بيانات إضافية متاحة، مع التركيز على البلدان الحاسمة لتقدير مجاميع إقليمية وعالمية موثوقة.
ومركزة تحليل هذه البيانات ضرورية إلى حدّ كبير لضمان الاتساق، الذي لا يستطيع كل بلد بمفرده توفيره. لكن العملية ليست بالكفاءة التي ينبغي أن تكون عليها. فلا توجد عملية منهجية تتيح بها البلدان مجموعات بياناتها للجمهور. ففي عام 2004، وفي إطار خطة عمل مراكش للإحصاء، أُطلقت الشبكة الدولية للمسوح الأسرية وبرنامج البيانات المسرّع لتحسين برامج المسوح الأسرية، بما في ذلك عبر معايير وأدوات برمجية لمساعدة المكاتب الإحصائية الوطنية على إنتاج البيانات الجزئية وتوثيقها وإخفاء هويات أصحابها وأرشفتها ونشرها. وأُنشئت أرشيفات وطنية للبيانات تدرج مجموعات البيانات الجزئية المتاحة التي يمكن للمستخدمين طلب الوصول إليها في 37 بلداً من أصل 65، وإن كان كثير من هذه البلدان لم يفعّل بحلول مطلع العقد الثاني من هذا القرن خصائص تنزيل البيانات الجزئية. ومع انتهاء البرنامج، توقف كثير من الأرشيفات عن العمل، إذ لم تعد الموارد متاحة لصيانتها. وفهرس البيانات الجزئية للبنك الدولي مورد مهم، لكن كثيراً من مصادر بيانات المسوح الحاسمة لرصد عدم المساواة التعليمية، التي يستخدمها البنك الدولي لأغراض أخرى، أساساً تحليلات الفقر، ليست متاحة للجمهور بسبب اتفاقات بين البنك الدولي والحكومات الوطنية.
ويُظهر استعراض لتسعة وخمسين بلداً، يعود آخر مجموعة بيانات مسحية حللها معهد اليونسكو للإحصاء والتقرير العالمي لرصد التعليم فيها إلى عام 2020 أو قبله، أن 42 بلداً أجرت بالفعل مسحاً ذا صلة منذ ذلك الحين لكن الوصول إلى بياناته الجزئية مقيّد، في حين يُتوقع أن يُجرى في 17 بلداً مسح ديموغرافي وصحي أو مسح عنقودي متعدد المؤشرات بحلول عام 2027.
غير أن الوصول حتى إلى مصادر البيانات الجزئية الراسخة ثبت أنه هش. فمن عواقب قرار حكومة الولايات المتحدة إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في فبراير 2025 إغلاق برنامج المسح الديموغرافي والصحي، الذي كان يعمل منذ الثمانينيات والذي اعتمد عليه عدد كبير من مؤشرات رصد أهداف التنمية المستدامة، بما في ذلك في التعليم. وكشفت هذه الأزمة خللاً كبيراً آخر في الإنتاج العالمي لإحصاءات المسوح التي يعتمد عليها التعليم أيضاً. فقد كانت تدير برنامج المسح شركة خاصة تتحكم في الوصول إلى البيانات، وبموجب الشروط التي تحكم هذا الوصول، كان المستخدمون ملزمين بعدم إعادة توزيعها. وبينما وفّرت منحة جسرية لمدة ثلاث سنوات من مؤسسة غيتس حلاً مؤقتاً، لا يلوح في الأفق أي حل بعد عام 2027 لمشكلات إنتاج البيانات أو الوصول إليها. ورغم أن هذه الأزمة سيكون لها حتماً أثر إيجابي يتمثّل في استعادة الملكية الوطنية لبرامج المسوح الأسرية، فإن المرحلة الانتقالية ستجعل إنتاج البيانات المتعلقة بعدم المساواة التعليمية والوصول إليها أكثر صعوبة.
وثمة أسئلة أوسع حول مستقبل المسوح الأسرية. فهي معرّضة للخطر عموماً لأن التمويل المحلي والخارجي كليهما مقيّد. وثمة أيضاً مخاوف بشأن الجودة بسبب تراجع معدلات الاستجابة، سواء من الأسر أو على أسئلة بعينها. وقد بدأت هذه المخاوف في البلدان مرتفعة الدخل والحضرية، لكنها تنتشر إلى البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل أيضاً. وتقدّم التكنولوجيا حلولاً، لكنها ستطرح على الأرجح تحديات أخرى أمام الإجراء السلس للمسوح الأسرية في السنوات المقبلة.
قابلية البيانات للمقارنة
أوجدت خطة التنمية المستدامة لعام 2030 توقعات كثيرة بأن المؤشرات التعليمية يمكن تفصيلها بحسب طائفة من الخصائص الفردية. غير أن إمكانية فعل ذلك على أساس مقارن قُدّرت بأكثر من حقيقتها، حتى بالنسبة للخاصيتين اللتين تبدوان قابلتين للمقارنة واللتين نوقشتا حتى الآن. ففي حالة الموقع، تتفاوت التعريفات الوطنية للحضرية بين البلدان، في حين لم تُطبَّق بعد بعض التعريفات العالمية الموضوعية القائمة على كثافة البيئة العمرانية. والثروة صعبة المقارنة أيضاً. فرغم أن مؤشرات الأصول التي وُضعت للمسح الديموغرافي والصحي والمسح العنقودي متعدد المؤشرات قيّمة لفهم عدم المساواة في بلد واحد في نقطة زمنية واحدة، فإن لها حدوداً واضحة بوصفها أداة لرصد عدم المساواة بين البلدان وعبر الزمن.
وهذه الحدود أوضح في خصائص أخرى ينبغي التفصيل بحسبها. فالانتماء العرقي مثلاً غير قابل للمقارنة بين البلدان. فضلاً عن ذلك، فإن الهوية العرقية خاصة بالسياق ومبنية اجتماعياً وحساسة سياسياً، مما يعني أن البلدان تتعامل مع المسألة بطرق مختلفة جداً. وحتى حين تعترف القوانين الأساسية للبلدان بالمجموعات العرقية، فكثيراً ما لا يُتوقع جمع البيانات. ولدى بعض البلدان قواعد صريحة تمنع تحديد الانتماء العرقي. والانتماء العرقي، وكذلك اللغة والعرق والجنسية والدين، مسائل هوية شخصية، مما يجعل هذه الخصائص أكثر تعارضاً مع الرصد العالمي. بل إن المقارنات داخل البلدان عبر الزمن باستخدام أداة المسح نفسها لم تثبت أنها مواتية لرصد ذي معنى. فمثلاً، غيّر استبيان المسح الديموغرافي والصحي تصنيفات الانتماء العرقي. ففي إثيوبيا، اعترفت جولة عام 2000 بثماني مجموعات عرقية، لكن جولة عام 2011 اعترفت بسبع وعشرين. وفي غواتيمالا، ميّز مسح عام 2000 خمس مجموعات لغوية من شعب المايا إلى جانب فئة لغير الشعوب الأصلية، في حين دُمجت هذه الفروق بحلول عام 2015 في ثلاث هويات عامة.
والمشكلة نفسها تنطبق على وضع المهاجر أو اللاجئ. فرغم أن الهجرة محورية في النقاشات السياساتية التعليمية في بلدان كثيرة، تظل البيانات القابلة للمقارنة دولياً محدودة للغاية في نظم البيانات الإدارية ونظم بيانات المسوح على السواء. ففي حالة الهجرة، تتفاوت التعريفات تفاوتاً واسعاً، وقد تشمل بلد الميلاد أو الجنسية أو مدة الإقامة أو أصل الوالدين أو الوضع القانوني. وفي حالة النزوح، رصدت نظم البيانات أساساً اللاجئين المقيمين في المخيمات، مما يعطي صورة مضللة عن مجمل اللاجئين، إذ يتفرّق كثيرون منهم في المناطق الحضرية. وبعبارة أخرى، تعني التعريفات أشياء مختلفة في سياقات مختلفة، والخصائص ذات التعريفات المتباينة غير ملائمة للرصد العالمي.
والأشخاص ذوو الإعاقة أكثر قابلية للمقارنة بين البلدان من الفئات الأخرى التي يناقشها هذا القسم. فرغم تفاوت البلدان في تحديد الإعاقة، من التعريفات الطبية والإدارية إلى التعريفات الوظيفية القائمة على قيود النشاط، اعتمد 75 بلداً مؤخراً في تعداداتها ومسوحها أدوات معيارية قائمة على أسئلة فريق واشنطن، ويُتوقع أن تحسّن توافر بيانات مفصّلة وقابلة للمقارنة عن المشاركة التعليمية والتحصيل بحسب وضع الإعاقة في المستقبل القريب. ومع ذلك، يخضع رصد الوضع التعليمي للأشخاص ذوي الإعاقة أيضاً لتحدٍّ مشترك مع بعض الفئات الأخرى، إذ إنهم إذا كانوا فئة سكانية صغيرة جداً، قد لا يولّدون إحصاءات موثوقة لأنهم لا يُرصدون في المسوح بأعداد كافية ما لم يكن حجم العيّنة كبيراً بما يكفي.
وكانت المسوح أساسية في إبراز الوضع التعليمي النسبي للفئات المختلفة. وثمة قيمة هائلة في الاعتراف بالفئات وإظهارها عبر الإحصاءات على المستوى الدولي. غير أن الأمر لا يتعلق برصد الوضع العالمي، الذي لا يمكن إجراؤه إلا على نحو غير دقيق. بل يتعلق بتشجيع البلدان ومساءلتها عن ضمان أن تحضر قضايا عدم المساواة صراحةً في أجندات الرصد والسياسات التعليمية الوطنية.
كيف تطوّر التفاوت التعليمي خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية؟
بعد استعراض فوائد رصد عدم المساواة التعليمية وتحدياته، يلخّص هذا القسم الأخير الاتجاهات الإجمالية، مستخدماً مؤشر التكافؤ دليلاً في الأساس. ويوفّر التكافؤ بين الجنسين أعلى مستوى من الوضوح المفاهيمي واستمرارية البيانات، إذ إنه الخاصية الفردية الأكثر قابلية للمقارنة والأكثر استقراراً. وقد قلّص توسّع التعليم، مقترناً بسياسات موجّهة لتعزيز مشاركة الفتيات، الفجوات بين الجنسين تقليصاً كبيراً في معظم أنحاء العالم. ومع ذلك، كثيراً ما تحجب المقاييس الإجمالية للتكافؤ، على المستويين الإقليمي والعالمي، فروقاً مهمة بين البلدان. ولإبراز هذا التباين، جُمعت مجموعة متوازنة من البلدان في سبع فئات بحسب مستوى مؤشر التكافؤ بين الجنسين، المعرَّف على المشاركة، أي نسبة الالتحاق الإجمالية، في خمس مراحل تعليمية، من التعليم ما قبل الابتدائي إلى التعليم العالي، في ثلاث نقاط زمنية، هي الأعوام 2000 و2015 و2024.
ويُظهر التحليل أن عدد البلدان التي حققت التكافؤ ارتفع بين عامَي 2000 و2024، مثلاً من 42% إلى 57% في المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، ومن 17% إلى 31% في المرحلة العليا منه. كما يُظهر أن حصة البلدان ذات التفاوت المرتفع على حساب الفتيات، أي أقل من تسع فتيات لكل عشرة فتيان ملتحقين، انخفضت انخفاضاً كبيراً، من 15% إلى 2% في التعليم الابتدائي، ومن 20% إلى 4% في المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، ومن 18% إلى 5% في المرحلة العليا منه. وهذا جزء من الاتجاه العام لانخفاض احتمال التحاق الشبان بالمرحلة العليا من التعليم الثانوي، وبخاصة بالتعليم العالي، وهو اتجاه كان قائماً أصلاً في عام 2000.
وبينما يتيح الجنس مقارنة واسعة على مستوى النظام، فإن توسيع هذا التحليل ليشمل الموقع والثروة يقلّص تقليصاً كبيراً عدد البلدان التي يمكن مقارنة هذا التفصيل فيها عبر الزمن. ولذلك ينبغي تفسير النتائج بوصفها دالة، لكن الفجوات التي تظهر بهذه الطريقة لا تزال منتشرة على نحو لافت. فبين منتصف العقد الأول ومطلع العقد الثالث من هذا القرن، ارتفع عدد البلدان التي حققت التكافؤ بين المناطق الريفية والحضرية من 47% إلى 67% في التعليم الابتدائي، ومن 24% إلى 45% في المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، ومن 5% إلى 19% في المرحلة العليا منه. ورغم الميل إلى سدّ الفجوات، لا تزال حصة البلدان ذات التفاوت الشديد على حساب المناطق الريفية، أي أقل من ثمانية يرتادون المدرسة في المناطق الريفية لكل عشرة يرتادونها في المناطق الحضرية، تبلغ 16% في التعليم الابتدائي، و24% في المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، و43% في المرحلة العليا منه.
والتفاوت أقوى ما يكون فيما يتعلق بالثروة. فبين منتصف العقد الأول ومطلع العقد الثالث من هذا القرن، لم يحقق التكافؤ في التعليم بين الأفقر والأغنى في أي مرحلة سوى عدد قليل من البلدان. ويُبرز تحليل مقارن أيضاً تفاوتاً كبيراً جداً لا يزال قائماً في مرحلة التعليم ما قبل الابتدائي، كما وُثّق سابقاً في الفصل الثالث، ينخفض بعض الشيء في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، قبل أن يرتفع مجدداً في المرحلة العليا من التعليم الثانوي. وبلغت حصة البلدان ذات التفاوت الشديد على حساب الأفقر، أي أقل من ثمانية يرتادون المدرسة بين الأفقر لكل عشرة يرتادونها بين الأغنى، في مطلع العقد الثالث من هذا القرن 83% في التعليم ما قبل الابتدائي، و21% في التعليم الابتدائي، و29% في المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، و55% في المرحلة العليا منه.
تحقق تقدّم في الحدّ من الفصل المؤسسي في التعليم
كما ذُكر في المنهجية في الفصل الثاني، استُخدم مؤشر التكافؤ لاختيار البلدان التي أحرزت تقدّماً نحو القضاء على عدم المساواة بحسب الجنس والموقع والثروة وعرضها. لكن هذا النهج ما كان ليتيح اختيار البلدان التي أحرزت تقدّماً في مجال حاسم آخر: إدماج ذوي الإعاقة. فكما أُوضح أعلاه، لا توجد ببساطة ملاحظات موثوقة كافية عن اتجاهات الوصول إلى التعليم للمتعلمين ذوي الإعاقة لتحديد البلدان التي أحرزت تقدّماً في هذا المجال. غير أن عدم المساواة في التعليم لا يتعلق بالنواتج الملحوظة فحسب. بل يتعلق أيضاً بالعمليات التي تشكّل طريقة تنظيم النظم التعليمية لهذا الوصول. فتوزيع الطلاب على أنواع مختلفة من المدارس آلية غير منصفة في الغالب تميّز بعض النظم التعليمية. ومن أقصى مظاهرها إلحاق الطلاب ذوي الإعاقة بمدارس خاصة بدلاً من المدارس العادية.
وتجمع قاعدة بيانات الرصد التحويلي من أجل إنصاف معزّز، التي تحتفظ بها اليونيسف لبلدان أوروبا وآسيا الوسطى، مؤشرات منسّقة إدارية وقائمة على المسوح عن الأطفال، بمن فيهم الأطفال ذوو الإعاقة، باستخدام تعريفات وبروتوكولات إبلاغ متسقة قدر الإمكان عبر الزمن. ورغم محدودية تغطيتها الجغرافية، فإنها تتيح فرصة نادرة للتحليلات الطولية لمسائل مختلفة. فمثلاً، يمكن ملاحظة كيف نما التحاق الطلاب ذوي الإعاقة في المدارس العادية والخاصة. ففي جميع البلدان تقريباً، ارتفع التحاق الطلاب ذوي الإعاقة بالمدارس العادية، وتضاعف أكثر من مرتين منذ عام 2015 في جورجيا ولاتفيا ومقدونيا الشمالية وبولندا وتركيا. غير أن اتجاهات الالتحاق بالمدارس الخاصة كانت أكثر تبايناً. ففي أرمينيا ولاتفيا وجمهورية مولدوفا، انخفض انخفاضاً حاداً، بما يتسق مع سياسات الإدماج الوطنية. لكن في طاجيكستان وتركيا، ارتفع بأكثر من النصف، وبدرجة أقل في كازاخستان وبولندا وسلوفاكيا، مما يوحي بتوسّع موازٍ بدلاً من انتقال هؤلاء الطلاب بين أنواع المدارس. وقد يعكس ذلك تحسّن تحديد الإعاقات أو التغيّرات الديموغرافية أو الجمود المؤسسي، حتى مع تنامي بروز أطر التعليم الشامل.
الخلاصة
استفادت خطة التنمية المستدامة لعام 2030 من تزايد توافر بيانات المسوح الأسرية الذي اكتسب زخماً في العقد الأول من هذا القرن. وغذّت هذه البيانات الاهتمام بتفصيل نواتج التنمية بحسب فئات معرّفة على أساس الجنس والموقع والثروة والإعاقة والهجرة والنزوح والانتماء العرقي واللغة والدين والعرق وطائفة من الخصائص الأخرى. وقد أتاح هذا المصدر الغني للبيانات تطوير قاعدة البيانات العالمية لأوجه عدم المساواة في التعليم، التي أضافت أيضاً منظوراً مثيراً للاهتمام، وحاسماً، للخصائص المتقاطعة.
غير أنه بعد التفاؤل الأولي الذي غذّاه التصوير اللافت لعدم المساواة، يلزم التوقف للتأمل، كما لاحظت عملية التقييم في هذا القسم. فالمؤشر الأساسي للإنصاف التعليمي في الهدف الرابع، أي مؤشر التكافؤ، يحتاج إلى تحليل دقيق ليكون بوضوح مؤشراً على الإنصاف لا على تقدّم المؤشر. وكان توافر البيانات تحدياً مستمراً، حتى وإن كان يمكن تحليل المصادر القائمة بكفاءة أكبر. وأخيراً وليس آخراً، فإن كثيراً من الخصائص التي كان يُتوقع استخدامها أساساً للتفصيل غير ملائمة للمقارنة الدولية. وختاماً، ورغم الجهود على المستوى الدولي، تحتاج البلدان إلى تبنّي أجندة الإنصاف التعليمي بفاعلية أكبر، بالالتزام باستخدام بياناتها بفعالية أكبر، ورصد الفئات التي يهم حرمانها في مجتمعاتها، ومساءلة نفسها عن الإبلاغ عن التقدّم.
دراسات الحالة
أرمينيا: الإرادة السياسية لتحقيق التعليم الشامل بحلول عام 2025
في أرمينيا، انخفضت نسبة الأطفال ذوي الإعاقة الذين يرتادون مدرسة خاصة من 37.5% في عام 2015 إلى 6.5% في عام 2023. وهذا أكبر انخفاض نسبي لوحظ في وسط أوروبا وشرقها والقوقاز وآسيا الوسطى خلال هذه الفترة، وهي منطقة تُصلح فيها بلدان كثيرة نظمها التعليمية للتخلص من إرث العزل التعليمي للأطفال ذوي الإعاقة، الذي كان هو المعيار خلال حقبة اشتراكية الدولة. وإلى جانب جورجيا وليتوانيا وجمهورية مولدوفا، أفادت أرمينيا بأن أقل من 10% من الأطفال ذوي الإعاقة لا يزالون ملتحقين بمؤسسات تعليمية خاصة في عام 2023.
وشرعت أرمينيا في إصلاحات هيكلية لنظامها التعليمي العام في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، متبنّيةً التعليم الشامل سبيلاً لتجاوز النموذج الطبي السابق للإعاقة والتحرك نحو نهج تربوي نفسي يستجيب لاحتياجات المتعلمين المتنوعة. فقد أدخل قانون تعليم الأشخاص ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة لعام 2005 مفهوم التعليم الشامل ودعم الطلاب ذوي الإعاقة على ثلاثة مستويات: المدرسة والإقليم والدولة. وفي عام 2021، عزّز قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة إمكانية الوصول والإدماج الاجتماعي، ونظّم قانون التقييم الوظيفي التقييم النفسي الاجتماعي للإعاقات.
وفي أعقاب مشروع تجريبي للتعليم الشامل في مقاطعة تافوش بين عامَي 2009 و2012، عُدّل قانون التعليم العام في عام 2014 لتمهيد الطريق نحو التعليم الشامل للجميع. وفي عام 2016، اعتُمدت خطة العمل والجدول الزمني لإدخال نظام التعليم الشامل، مع التزام بجعل جميع المدارس شاملة بحلول أغسطس 2025.
وحُوّلت المدارس الخاصة تدريجياً إلى خدمات للدعم التربوي النفسي، تقدّم الدعم للطفل والأسرة. ففي عام 2019، حُوّلت عشر مدارس من أصل ثماني عشرة مدرسة خاصة عامة، يقع معظمها في المناطق الريفية. ونتيجة لذلك، انخفض عدد الطلاب في المدارس الخاصة المعزولة بنسبة 75% بين عامَي 2017 و2019، في حين ارتفع التحاق الطلاب ذوي الإعاقة بالمدارس العامة العادية نحو خمس مرات بين عامَي 2011 و2023. ورغم أن جميع الطلاب يُفترض أن يتعلّموا في مدارس عادية، كانت ثمة حتى عام 2024 سبع مدارس خاصة عامة تضم نحو خمسمائة طالب. وفي عام 2020، وُسّع التعليم الشامل للجميع ليشمل مؤسسات ما قبل الابتدائي. وجرى التنفيذ على مراحل في مناطق مختلفة بهدف تغطية البلد بأكمله بحلول عام 2023.
وأُصلحت أيضاً عملية التحديد والتقييم لاستهداف الأطفال ذوي الإعاقة على نحو أفضل. فالمركز الجمهوري للدعم التربوي النفسي، الذي أُنشئ في عام 2017، ووحداته الإقليمية التي يزيد عددها على عشرين، مسؤولة عن تقييم الإعاقة. وولاية المركز زيادة إمكانية الوصول والكفاءة في التعليم عبر أنشطة المناصرة والتدريب والرصد. وبناءً على طلب الأسرة، تجري مجموعة من ثلاثة إلى خمسة اختصاصيين متعددي التخصصات تقييماً وظيفياً. وقد صُقلت الإجراءات بمرور الوقت لتكييف تدابير التدخل. وأدت التحسينات في عملية التحديد والتقييم وتنامي الوعي بين الأسر إلى زيادة بنحو 30% في تحديد الأطفال ذوي الإعاقة منذ عام 2011.
وكان للمجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية دور محوري في تطوير التعليم الشامل وتنفيذه. فقد أشركتها وزارة التعليم والعلوم والثقافة والرياضة بفاعلية عبر فريق عمل مخصص. ومنذ مطلع الألفية، أثّرت منظمة «جسر الأمل» غير الحكومية في النقاش السياساتي حول الإدماج. وبالتعاون مع وزارة التعليم، جرّبت مشاريع، وقدّمت دعماً تربوياً ونفسياً للمدارس المحلية ودورات تدريبية للمهنيين، ودعمت الأسر والمجتمعات عبر مراكز الدعم، ونظّمت حملات للتوعية.
ومع ذلك، ورغم الجهود الكبيرة والاقتراب من تحقيق غاية تعميم التعليم الشامل بحلول عام 2025، أُفيد بأن بعض الأطفال لا يزالون يُبقون في المنزل، حتى وإن كانوا مسجّلين رسمياً في المدارس. وقد يتصل بهم المعلمون هاتفياً أو يزورونهم لتقديم تعليم أساسي في القراءة والكتابة والحساب، ويجرون لهم امتحانات أحياناً. والتعليم المنزلي مسموح قانوناً للحالات الصحية. غير أن كثيراً من الطلاب ينتهي بهم الأمر إلى تلقّي شكل محدود من التعليم على المدى الطويل، ولا يستفيدون من تفاعل ذي معنى مع أقرانهم.
ويعود ذلك إلى أسباب عدة. أولها أن المدارس العادية لم تكن مهيّأة تماماً للانتقال. فالمباني المدرسية تفتقر إلى خصائص الوصول المادي الأساسية، كالمنحدرات والمصاعد ودورات المياه الميسّرة. وفي عام 2024، حُسب أن مبنى واحداً من كل أربعة مبانٍ تعليمية عامة يحتاج إلى شكل من أشكال الإصلاح. وموّلت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، التي أُغلقت الآن، مشروعاً بين عامَي 2018 و2021 لتعزيز التعليم الشامل ركّز على جعل مائة مرفق تعليمي على الأقل أكثر إتاحة وتجهيزها بالمواد التعليمية اللازمة.
وثانيها أن ممارسات العزل مستمرة في المدارس العادية. فكثير من الأطفال ذوي الإعاقة قد يكونون حاضرين في الفصل لكنهم لا يستفيدون استفادة كاملة من المنهج. وكثيراً ما يتألف تعليمهم من جدول مقلّص بحسب توافر المهنيين. وأُفيد بأن الأطفال الملتحقين بالمدارس العادية يُخرجون من الفصول العادية ويُقدَّم لهم تدريس فردي. والمواد التربوية ليست دائماً متاحة أو ملائمة. وأُفيد بنقص الكتب المدرسية بطريقة برايل أو الكتب المكيّفة. وبحسب دراسة الاتجاهات الدولية في الرياضيات والعلوم لعام 2023، أفادت ثلاث مدارس من كل خمس للصف الرابع في أرمينيا بأنها تتأثر على الأقل بعض الشيء في تقديم حصص العلوم بسبب نقص الموارد للطلاب ذوي الإعاقة.
وثالثها أن المهنيين كانوا أساسيين في الانتقال إلى الإدماج، لكن غياب إصلاح شامل لإعداد المعلمين قد يسهم في إدامة الصور النمطية ونهج قائم على العجز في التعامل مع الإعاقة. فقد أدخلت جامعة الدولة التربوية الأرمينية مقررين إلزاميين ومقررين اختياريين للمعلمين المتدربين بدعم من «جسر الأمل». غير أن هذه المقررات يدرّسها اختصاصيون من كلية التربية الخاصة السابقة. وفي عام 2020، نظّم المركز الجمهوري للدعم التربوي النفسي، الذي يقدّم التدريب والمواد التعليمية دعماً للإدماج للمهنيين التربويين، تطويراً مهنياً لأكثر من أربعة آلاف اختصاصي من أكثر من 250 مؤسسة، وانخرط في أنشطة الإرشاد والمناصرة. وفي عام 2019، جرّبت اليونيسف ومنظمة «علّم من أجل أرمينيا» غير الحكومية برنامجاً للتوجيه والتدريب للمعلمين، ووضعتا مجموعات أدوات لدعم إدماج جميع الأطفال في المدارس العادية. ومع ذلك، لم يكتسب جميع المعلمين الوعي والمواقف غير التمييزية المطلوبة.
ورابعها أن عدد مساعدي المعلمين الذين يقدّمون الدعم المباشر للأطفال غير كافٍ. وقد يساعد هؤلاء المساعدون على تنفيذ التدريس الفردي ودعم بيئة تعلّم شاملة. وتشترط السياسة أن يحمل مساعدو المعلمين مؤهلاً متقدماً أو خبرة تربوية لا تقل عن ثلاث سنوات. وفي عام 2020، كان ثمة نحو 860 مساعد تدريس وأكثر من 2,200 ممارس، منهم أخصائيون نفسيون ومربّون اجتماعيون وخاصون وأخصائيو نطق ومربّون، يدعمون المدارس في إدماج الطلاب ذوي الإعاقة. غير أن المعلمين أفادوا بحاجتهم إلى مزيد من مساعدي التدريس لدعمهم في جعل التعليم والتعلّم أكثر شمولاً.
وأخيراً، لا تزال بعض الأسر متشككة في الإدماج. فآباء الأطفال ذوي الإعاقة وأجدادهم، ولا سيما ذوي الإعاقات الشديدة، يعارضون تعليم أطفالهم في المدارس العادية، محتجين بعدم كفاية الدعم المقدّم لهم. وقد تنطوي الإعاقة على وصمة اجتماعية لدى بعض الأسر، مما قد يدفعها إلى تفضيل إبقاء أطفالها في المنزل. وبعض أسر الطلاب الآخرين متشككة أيضاً في إدماج فتيان وفتيات ذوي قدرات متنوعة في الفصل نفسه مع أطفالها، إذ لم تتلقَّ معلومات كافية عن التعليم الشامل.
ويؤكد البرنامج الشامل للإدماج الاجتماعي للأشخاص ذوي الإعاقة للفترة 2022 إلى 2027 من جديد الالتزام بالتعليم الشامل، ويعتزم معالجة عوائق كنقص الوصول المادي ومحدودية الخدمات واستمرار الوصم. ووافقت الحكومة على تخصيص نحو تسعة ملايين دولار أمريكي لتجديد المؤسسات التعليمية وتحديثها في أنحاء البلد. ومن المقرر استحداث مزيد من وظائف مساعدي المعلمين لضمان وصولهم إلى 10% من الطلاب.
دولة بوليفيا المتعددة القوميات: إدماج الطلاب من الشعوب الأصلية والطلاب الفقراء
أمريكا اللاتينية هي المنطقة ذات أعلى مستوى من عدم المساواة في الدخل في العالم. ومع ذلك، بذلت المنطقة جهداً كبيراً لرصد ظروف معيشة الأسر وإدخال برامج اجتماعية تهدف إلى الحدّ من الفجوات الاجتماعية الاقتصادية. وقليلة هي بلدان أمريكا اللاتينية التي حققت تقدّماً سريعاً ومبهراً في تضييق عدم المساواة التعليمية كالذي حققته بوليفيا، وإن حدث تغيّر كبير في بلدان كثيرة. ففي عام 2000، لم يُتمّ المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي سوى 31% من المراهقين من أفقر الأسر في بوليفيا، مقارنة بنسبة 87% من أغنى الأسر. وفي غضون خمس سنوات فقط، قُلّصت هذه الفجوة البالغة 56 نقطة مئوية بمقدار الثلثين إلى 17 نقطة مئوية. وحتى عام 2021، كان 94% من أفقر المراهقين يُتمّون المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي. ويماثل إنجاز بوليفيا إنجاز بلدي الأنديز الآخرين الأغنى بكثير، الإكوادور وبيرو، ويتجاوز بكثير إنجاز بلدين في أمريكا الوسطى، هما هندوراس والسلفادور.
وحدث تقدّم بالحجم نفسه في إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي. ففي عام 2000، لم يُتمّ المرحلة العليا من التعليم الثانوي سوى 10% من الشباب من أفقر الأسر، مقارنة بنسبة 87% من أغنى الأسر. وفي غضون خمس سنوات فقط، قُلّصت هذه الفجوة البالغة 57 نقطة مئوية بنسبة 40% إلى 35 نقطة مئوية. وحتى عام 2021، كان 65% من أفقر الشباب يُتمّون المرحلة العليا من التعليم الثانوي مقارنة بنسبة 88% من أغنى الشباب. وهذه نتيجة أكثر إنصافاً مما حققته الإكوادور والسلفادور وبيرو. وفي هندوراس، لم يُتمّ المرحلة العليا من التعليم الثانوي سوى 21% من الأفقر مقارنة بنسبة 77% من الأغنى.
واقترن توسيع الوصول إلى المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي بارتفاع معدل إعادة الصفوف فيها، الذي ارتفع من 3% في عام 2000 إلى 6% في عام 2021، وهو ربما نتيجة يصعب تجنّبها للإدماج. فمع توسّع الوصول، التحق بالمدرسة وبقي فيها عدد متزايد من الطلاب من الأسر الفقيرة، وكذلك من الأسر الريفية ومن الشعوب الأصلية، ممن ربما كانوا أول من يتقدّم إلى هذا الحد في التعليم في أسرهم. وكثيراً ما تواجه هذه الفئات المدمجة حديثاً تحديات تعلّم أكبر، وتكون أكثر ميلاً إلى إعادة الصفوف، لكنها في غضون سنوات قليلة أصبحت تعيد الصفوف دون أن تتسرّب. وبحلول عام 2020، لم يكن قد ترك المدرسة مبكراً سوى 8% من البوليفيين من سن 18 إلى 24، وهي من أدنى النسب في المنطقة، مقارنة بنسبة 19% في أمريكا اللاتينية.
واتسم النظام التعليمي في بوليفيا تاريخياً بنهج نخبوي، حتى وسّع إصلاح عام 1954 الوصول إلى السكان الريفيين والشعوب الأصلية، مع الإبقاء على التحيزات اللغوية والثقافية ضدهم. وجمّد الحكم العسكري بين عامَي 1964 و1982 التقدّم، لكن عودة الديمقراطية أحيت النقاش، الذي بلغ ذروته في قانون إصلاح التعليم لعام 1994. وبدعم من المانحين الدوليين، كانت ثمة دفعة نحو تعميم إتمام التعليم الابتدائي وزيادة الانتقال إلى المدرسة الثانوية. وأدخل النظام التعليمي أيضاً التعليم ثنائي اللغة ومتعدد الثقافات، في حين نقل إدارة المدارس إلى البلديات.
وفي نهاية المطاف، تسارع التحوّل التعليمي في بوليفيا بفعل تخفيف الديون وإعادة توزيع الثروة وإعادة تصوّر سياسي للدولة. ففي مطلع القرن، كان 63% من جميع البوليفيين و80% من سكان المناطق الريفية فقراء، في حين كان 37% يعيشون في فقر مدقع. وبحسب وزارة التخطيط والتنمية المستدامة آنذاك، كان 23% من الأطفال من سن السابعة إلى الرابعة عشرة يعملون، ولم يكن نحو 60% منهم يرتادون المدرسة. وبسبب عبء الديون، تأهلت بوليفيا لمبادرة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للبلدان الفقيرة المثقلة بالديون، وحصلت بموجبها على إلغاء ديون بقيمة 1.3 مليار دولار أمريكي في عام 2001. وحرّرت هذه الخطوة حيزاً مالياً للاستثمار الاجتماعي، وذهبت الأموال ذات الصلة مباشرة إلى البلديات، خُصّص 20% منها للتعليم.
وبالتوازي مع ذلك، وفي سياق اضطرابات اجتماعية بشأن خصخصة إمدادات المياه البلدية في مدينة كوتشابامبا واستغلال احتياطيات الغاز الطبيعي في البلد، أصبح التعليم شعاراً للسيادة والعدالة الاجتماعية. وأدى انتخاب حكومة الحركة نحو الاشتراكية في عام 2006 إلى صياغة دستور جديد وولادة الدولة المتعددة القوميات، التي عزّزت حقوق الشعوب الأصلية المهمشة تاريخياً. كما أدى إلى تأميم موارد المحروقات، مما ساعد على تمويل نموذج رعاية اجتماعية شامل.
وفي عام 2010، أعاد قانون التعليم «أفيلينو سينياني وإليزاردو بيريز» صياغة التعليم بوصفه حقاً وواجباً على الدولة، وأدخل نموذجاً يمزج بين رؤى الشعوب الأصلية للعالم والقيم المجتمعية والتعلّم الإنتاجي. وبدعم من المعلمين والنقابات والحركات الاجتماعية، كان إصلاحاً تعليمياً تشاركياً تقوده الدولة. ورُوجع منهج التعليم الثانوي ليجمع بين المعرفة العلمية والمعرفة المحلية من أجل إنهاء طابعه الاستعماري، ومن ثمّ المساعدة على منع التسرّب بجعل التعليم أكثر ملاءمة ثقافياً وتعزيز الاعتماد على الذات. وعُزّز التمهين في التدريس بتوحيد إعداد المعلمين في الريف والحضر واستبدال المعلمين «المؤقتين» غير المؤهلين بمعلمين معتمدين. ومن التحديات الأخرى أن كثيراً من المعلمين حملوا صوراً نمطية تقليدية إلى الفصل واحتاجوا إلى التكيّف مع النموذج التعليمي الجديد. وبحلول عام 2018، كان أكثر من 90% من المعلمين قد تلقّوا تدريباً تكميلياً في التعليم متعدد الثقافات القائم على الممارسة عبر البرنامج التكميلي لتدريب المعلمين الممارسين. ووفّر إنشاء ستة عشر مركزاً للدعم التربوي الشامل دعماً تعليمياً ونفسياً لأطفال الآباء المسجونين.
ويدين الارتفاع المنصف في معدلات إتمام المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي أيضاً بالكثير لنهج متعدد القطاعات، يجمع بين الوجبات المدرسية والتحويلات النقدية لخفض العوائق الاقتصادية والاجتماعية أمام الدراسة. فقد وصل البرنامج الوطني للتغذية المدرسية إلى 87% من المدارس العامة بحلول عام 2012. وأُطلقت منحة «خوانسيتو بينتو» في عام 2006 بوصفها أول تحويل نقدي مشروط على المستوى الوطني في بوليفيا. ومُوّلت من إيرادات صناعة المحروقات المؤممة، وقدّمت لجميع طلاب المدارس العامة مائتي بوليفيانو، أي 28 دولاراً أمريكياً، سنوياً ما داموا يحققون نسبة حضور قدرها 80%. واقتصرت في البداية على المرحلة الابتدائية، ثم وُسّعت تدريجياً لتغطي المرحلة الثانوية بأكملها، فوصلت إلى نحو مليوني طالب. ورغم صغر حجمها، جعلها تصميمها الشامل وانخفاض تكاليفها الإدارية رمزاً لدولة الرعاية الشاملة في بوليفيا. وبحلول عام 2009، وصلت إلى 70% ممن يعيشون في فقر مدقع و62% من الفقراء فقراً معتدلاً. وبوصفها البرنامج الأوسع نطاقاً في أمريكا اللاتينية، وُصفت بأنها المبادرة «الأقرب إلى النموذج المثالي للدخل الأساسي».
ووجد تقييم استخدم الإعلان المتدرج عن توسيع البرنامج والتغييرات في معايير الأهلية العمرية أن التحويل النقدي كان له أثر بنسبة 5% في الالتحاق على مستوى الصف التاسع، ولا سيما في المناطق الريفية. ووجد تحليل أحدث أن أثره في عمل الأطفال كان أصغر، بنسبة 2%، إذ كان مبلغ التحويل أصغر من أن يعوّض الدخل الذي يكسبه الأطفال من العمل، ولا سيما للمراهقين فوق الرابعة عشرة. فضلاً عن ذلك، تآكلت قيمته الحقيقية بنحو 75% منذ بدايته، وهو ما عكس أيضاً تحوّل الأولويات المالية نحو نظام معاش «رنتا ديغنيداد» الأعلى تكلفة. وانخفض الفقر إلى 40% في عام 2021. وأظهر تحليل تفكيكي أنه بينما تفسّر الزيادات في دخل العمل الحصة الأكبر من الحدّ من الفقر، ولا سيما بين عامَي 2007 و2011، أدّت التحويلات النقدية دوراً، كضمان أن تشهد المناطق الريفية انخفاضات أكبر في الفقر.
لقد حوّلت بوليفيا أحد أكثر النظم التعليمية عدم مساواة في العالم إلى أحد أكثرها شمولاً. ففي غضون سنوات قليلة، أزالت فجوات الثروة في الوصول إلى المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي وإتمامها، وهي فجوات ارتبطت ارتباطاً عميقاً بالتمييز التاريخي ضد غالبيتها من الشعوب الأصلية. وجعل تخفيف الديون وتأميم الموارد وسياسات إعادة التوزيع التعليمَ ركيزة محورية للإدماج الاجتماعي. وتخصّص بوليفيا من أعلى أحجام الإنفاق العام على التعليم، متجاوزةً ليس المعيارين الدوليين الأدنيين فحسب، أي 4% من الناتج المحلي الإجمالي و15% من إجمالي الإنفاق العام، بل المعيارين الأقصيين أيضاً، أي 6% و20% على التوالي، طوال الفترة منذ عام 2006. لكن ثمة قلقاً من ارتفاع عدم الكفاءة في الإنفاق، ومن ضرورة بذل مزيد من الجهد لتعزيز المسارات المهنية لمواءمة التعليم مع الاقتصاد الذي يأمل البلد بناءه.
إثيوبيا: إدارة التفاوت التعليمي الإقليمي بين التقدّم والتراجع
ظلت إثيوبيا طويلاً من أكثر بلدان العالم حرماناً تعليمياً. فقبل عام 1974، كان التعليم مقتصراً على نخبة حضرية صغيرة. وفي عام 1974، استولى مجلس عسكري على السلطة وأسّس نظام «الدرغ» المستوحى من النموذج السوفيتي، الذي أطلق أول توسّع كبير للنظام المدرسي. وشهد ذلك ارتفاع نسبة الالتحاق الإجمالية بالتعليم الابتدائي من 18% إلى 42% في عام 1983. لكن القمع السياسي والمجاعة التي أعقبته في منتصف الثمانينيات أنهيا هذا النمو، وأفضيا في النهاية إلى إطاحة النظام على يد الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية في عام 1991. وفي منتصف التسعينيات، بدأ التعليم الابتدائي يتوسّع بسرعة، وارتفع معدل الإتمام من 22% في عام 1995 إلى 68% في عام 2020، أي بمقدار 1.9 نقطة مئوية سنوياً، بما يزيد على ضعف سرعة بقية أفريقيا جنوب الصحراء، فتقلّصت الفجوة من 33 إلى 6 نقاط مئوية.
واقترن التوسّع بتضييق الفوارق بين المناطق الحضرية والريفية. فقد انخفضت الفجوة من 54 نقطة مئوية في عام 2000، حين كان 6% من الأطفال في المناطق الريفية يُتمّون المدرسة الابتدائية، بواقع 4% من الفتيات و8% من الفتيان، إلى 34 نقطة مئوية في عام 2019، حين كان 34% من الأطفال في المناطق الريفية يُتمّون المدرسة الابتدائية، مع تكافؤ بين الجنسين. وتقلّصت الفجوة أيضاً بين الولايات الإقليمية الكبيرة التي أُنشئت في عام 1992. فمثلاً، مقابل كل مائة طفل يُتمّون المدرسة الابتدائية في أديس أبابا، كان ثمة 22 طفلاً في أوروميا وفي إقليم الأمم والقوميات والشعوب الجنوبية أتمّوا المدرسة الابتدائية في عام 2000، وارتفع العدد إلى 64 طفلاً في عام 2019.
وثمة ثلاثة عوامل جديرة بالملاحظة بشأن التوسّع المنصف جغرافياً في التعليم الابتدائي في إثيوبيا: إصلاحات اللامركزية، والاستثمار في الصحة، والاستخدام الكفء للتمويل الخارجي.
أولاً، أُدخلت إصلاحات اللامركزية في إثيوبيا جزءاً من جهود حكومية أوسع لتحسين تقديم الخدمات بتعزيز كفاءة القطاع العام ومساءلته. وجرت العملية على مرحلتين. فبين عامَي 1991 و1994، أنشأت الحكومة المركزية بنية حوكمة من أربعة مستويات، تضم المستوى المركزي والإقليمي ومستوى المنطقة ومستوى «الووريدا» أي القضاء، ونقلت سلطات الدولة إلى الأقاليم العرقية اللغوية المنشأة حديثاً. وفي عام 2002، مُدّدت اللامركزية إلى مستوى القضاء في أربعة أقاليم تضم مجتمعةً نحو 90% من السكان. وفي هذه الأقاليم، تولّت حكومات الأقضية مسؤولية الجزء الأكبر من تقديم الخدمات، وتلقّت منحاً إجمالية من حكوماتها الإقليمية بلغت نحو نصف الإنفاق العام الإقليمي. ومع النمو الاقتصادي السريع الذي شهدته إثيوبيا في العقد الأول من هذا القرن، ارتفعت المنح الإجمالية الاتحادية المخصصة للحكومات الإقليمية ارتفاعاً كبيراً، وارتفعت الحصة الحقيقية للفرد من الميزانية الإقليمية المحوّلة إلى الأقضية بنسبة 2.5% سنوياً. وفي عام 2011، قُدّر أن 60% من هذه المنح وُجّهت إلى التعليم، تليه الصحة والزراعة اللتان تلقّت كل منهما نحو 20%.
وفي إطار سياسة التعليم والتدريب لعام 1994، وجزءاً من خطة لقطاع التعليم مدتها عشرون عاماً، أُطلق أول برنامج خمسي لتطوير قطاع التعليم في عام 1997. وشدّد على توسيع الوصول في الريف، وكانت اللامركزية أساسية فيه، إذ هدفت إلى جعل مجالس الأقضية المنتخبة أكثر استجابة لاحتياجات المجتمع. وكانت الأقضية مسؤولة عن إنشاء خدمات التعليم الأساسي وإدارتها، وتوظيف المعلمين ونشرهم، وإدارة رواتبهم، وتخطيط مواقع المدارس الجديدة، وتعزيز الإشراف المدرسي، وتعزيز مشاركة المجتمع في إدارة المدارس. ومن النتائج الإيجابية أن نقل إدارة الموارد البشرية إلى الأقضية أسهم في انخفاض تدريجي في نسبة التلاميذ إلى المعلمين رغم ارتفاع معدلات الالتحاق. فبين عامَي 2000 و2020، تضاعف عدد تلاميذ المرحلة الابتدائية ثلاث مرات ونصفاً، في حين تضاعف عدد المعلمين 6.2 مرة. كما أتاحت اللامركزية توزيعاً أكفأ للمعلمين. ففي إقليم الأمم والقوميات والشعوب الجنوبية، وهو أحد الأقاليم الأربعة الكبيرة التي جُرّبت فيها اللامركزية أولاً، والذي قُسّم منذ ذلك الحين إلى أربعة أقاليم، أُعيد نشر المعلمين من المدارس الحضرية الأقل اكتظاظاً إلى المدارس الريفية المكتظة، مما ساعد على إعادة توازن القوى العاملة في التدريس لصالح المناطق النائية والمناطق التي تعاني انعدام الأمن الغذائي والمناطق الرعوية.
ثانياً، تحسّن أيضاً الاستثمار في توفير الخدمات الصحية بفضل إصلاحات اللامركزية حتى بداية الأزمة خلال العقد الماضي. وكما في التعليم، تضاعف الإنفاق الصحي على مستوى الأقضية أكثر من مرتين بين عامَي 2005 و2010، مما أسهم في توسيع الوصول إلى رعاية ما قبل الولادة وتحسين تغطية التطعيم في المناطق الريفية. فمثلاً، ارتفعت نسبة الأطفال من عمر 12 إلى 23 شهراً الذين تلقّوا التطعيم الكامل في المناطق الريفية من 11% في عام 2000 إلى 35% في عام 2016، لكنها انخفضت إلى 22% في العام 2024/2025.
وللصحة انعكاسات على التعليم. فالتغذية مثلاً تؤدي دوراً حاسماً في نمو الأطفال، في حين يقوّض سوء التغذية النمو البدني والأداء المعرفي. وحتى النوبات القصيرة من الجوع قد تضعف الالتحاق المدرسي والتركيز والتحصيل، في حين يعيق نقص المغذيات الدقيقة القدرة على التعلّم أكثر. وانخفض معدل التقزّم، أي نسبة الأطفال دون الخامسة الأقصر مما يناسب أعمارهم، وهو مؤشر رئيسي لسوء التغذية، في المناطق الريفية من 53% في عام 2000 إلى 40% في عام 2016، لكنه ارتفع للمرة الأولى إلى 42% في العام 2024/2025. ووضعت وزارة التعليم مشروع استراتيجية وطنية للصحة والتغذية المدرسية في عام 2012 لتعزيز تقديم خدمات التغذية في المدارس وملكية برامج التغذية المدرسية واستدامتها، في حين وضعت في عام 2021 السياسة الوطنية للتغذية المدرسية. وفي العام 2022/2023، استفاد نحو سبعة ملايين تلميذ في المرحلة الابتدائية من برامج التغذية المدرسية التي ترعاها الحكومة.
ثالثاً، يُنظر إلى إثيوبيا على نطاق واسع بوصفها أدارت التمويل الخارجي بكفاءة. فبرنامج تحسين جودة التعليم العام، الذي أُطلق في عام 2008 بدعم من البنك الدولي، نُفّذ على ثلاث مراحل: ركّزت المرحلة الأولى، بين عامَي 2008 و2013، على توفير المدخلات الأساسية لتحسين التدريس في الفصول وبيئات التعلّم؛ وأدخلت المرحلة الثانية، بين عامَي 2013 و2018، دعم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛ وأولت المرحلة الثالثة، بين عامَي 2018 و2022، تركيزاً أقوى على الإنصاف، وإن أعاقتها جائحة كوفيد 19 واندلاع الحرب في تيغراي.
وأفاد أحد التقييمات بتحوّل من الدوام نصف اليومي إلى الدوام الكامل في المدارس، وبتحسّن توافر مراكز الموارد التربوية والمكتبات ودورات المياه، ولا سيما في المناطق الريفية. وأكد تقييم آخر أنه بين العامين 2012/2013 و2018/2019، جرى توظيف واسع للمعلمين، مع ارتفاع ملحوظ في متوسط مستويات المؤهلات والتدريب والمعرفة، ولا سيما في المناطق الريفية. وانخفضت مستويات نواتج التعلّم في الرياضيات، وهو أمر قد لا يكون مفاجئاً بالنظر إلى أن كثيراً من متعلمي الجيل الأول كانوا يلتحقون بالمدرسة. وحقق الطلاب الريفيون المستفيدون من تدخلات البرنامج تقدّماً أكاديمياً أكبر، مما يوحي بأن هذا الإصلاح واسع النطاق ساعد أيضاً على تضييق فجوات التحصيل بين المناطق الحضرية والريفية.
كان للنزاع في إثيوبيا أثر مدمّر في التعليم
منذ أواخر العقد الثاني من هذا القرن، تعاني إثيوبيا من عنف عرقي ذي عواقب كارثية، منها تراجع تنميتها التعليمية. وتعود جذور عدم الاستقرار إلى دستور البلد لعام 1995، الذي عزّز الفيدرالية القائمة على الانتماء العرقي، وهو ترتيب كان ضرورياً سياسياً لكنه محفوف بالمخاطر أيضاً. وبلغ تدهور العلاقات بين الحكومة الاتحادية وإقليم تيغراي ذروته في حرب بين عامَي 2020 و2022، شاركت فيها إريتريا المجاورة. وانخرطت جميع الأطراف المتحاربة في تيغراي في مهاجمة المدارس ونهبها واحتلالها، مع تضرر 88% من البنية التحتية المدرسية، وتعرّض الأطفال لصدمات، بما في ذلك بسبب المجاعة. ويُقدَّر أن نصف جميع الطلاب في المناطق المتضررة، ولا سيما في شرق تيغراي، لم يتمكّنوا من ارتياد المدرسة الابتدائية، وارتفع متوسط مسافة المشي إلى أقرب مدرسة من 2.2 إلى 4.8 كيلومترات. فضلاً عن ذلك، تعني حركات التمرد التي يقودها جيش تحرير أورومو وميليشيات «فانو» الأمهرية أن النزاع امتد منذ عام 2023 إلى الولايتين الإقليميتين الأكثر سكاناً.
وبين عامَي 2020 و2023، وبحسب وزارة التعليم، انخفض الالتحاق بنسبة 24%، وانخفضت نسبة الالتحاق الإجمالية بالتعليم الابتدائي بتسع وعشرين نقطة مئوية. وبين عامَي 2017 و2024، انخفض معدل إتمام التعليم الابتدائي بإحدى وعشرين نقطة مئوية بين الفتيات وبخمس وعشرين نقطة مئوية بين الفتيان. وارتفع عدد الأطفال غير الملتحقين في سن التعليم الابتدائي من 1.8 مليون في عام 2017 إلى 4.7 مليون في عام 2021، قبل أن ينخفض قليلاً إلى 4.2 مليون في عام 2024. وبينما استثمرت الحكومة في التعليم على نطاق هائل، فرفعت حصته من الناتج المحلي الإجمالي من 2.3% في عام 1993 إلى 3.6% في عام 2002 و5.5% في عام 2006، وهو مستوى حافظت عليه حتى عام 2017، فإن النزاع خلال العقد الماضي عنى أن الاستثمار في التعليم انهار إلى 3.7% في عام 2022 و2.3% في عام 2024.
منغوليا: العوامل الاقتصادية والبيئية تشكّل المشاركة المدرسية للفتيان
في منغوليا، ظلت معدلات ارتياد الفتيات للمدارس الثانوية وإتمامها أعلى باستمرار من معدلات الفتيان. واتسع التفاوت في التسعينيات خلال سنوات التحوّل من اشتراكية الدولة، وبلغ ذروته في عام 2000 حين لم يكن يُتمّ المرحلة العليا من التعليم الثانوي سوى 61 فتى لكل مائة فتاة. ففي عام 1997، أتمّ المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي 47% من الفتيان مقارنة بنسبة 64% من الفتيات. وفي عام 2000، لم يُتمّ المرحلة العليا من التعليم الثانوي سوى 23% من الفتيان مقارنة بنسبة 39% من الفتيات. وتحسّنت معدلات الإتمام تحسّناً ملحوظاً منذ ذلك الحين: بمقدار 1.7 نقطة مئوية سنوياً في المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، إذ بلغت الإتمام الشامل والتكافؤ بين الجنسين في عام 2022، وبمقدار 2.4 نقطة مئوية سنوياً في المرحلة العليا منه، مقتربةً من التكافؤ. وفي العام الدراسي 2024/2025، بلغت نسبة الفتيان من جميع الملتحقين 51% في المرحلتين الابتدائية والدنيا من التعليم الثانوي و46% في المرحلة العليا منه. وكانت أدنى حصة للفتيان من إجمالي الالتحاق بالمرحلة العليا من التعليم الثانوي في المنطقة الشرقية، بنسبة 42%.
ويمكن تفسير هذه الفجوة بين الجنسين بمجموعة متنوعة من العوامل السياقية: فهي نتاج التقاليد البدوية والطلب على العمالة والأعراف المتعلقة بالنوع الاجتماعي التي قدّمت عمل الفتيان على تعليمهم. ففي المناطق الريفية، كان يُعتمد على الفتيان في الرعي والترحال الموسمي والحصاد. وفي البلدات، كانوا يُسحبون من المدرسة للعمل في التعدين غير الرسمي أو البناء أو النقل. وتعزّز الأعراف الاجتماعية هذا النمط: فالفتيان يُتوقع منهم أن يكونوا صامدين ومستقلين ومفيدين اقتصادياً في سن مبكرة.
وكانت التقاليد الثقافية قد فاقمت المشكلة. ففي بعض المناطق، يترك الفتيان المدرسة للحياة الرهبانية أو للتدرّب فرساناً في سباقات الخيل، وهي ممارسة متجذرة بعمق في الهوية الوطنية. وسُجّل نحو ستة عشر ألف فتى بوصفهم فرساناً أطفالاً في سجل سباقات الخيل. ويُظهر المسح الوطني لعمل الأطفال أن 35% من الأطفال من سن الخامسة إلى السابعة عشرة كانوا منخرطين في شكل من أشكال العمل في عام 2022، 83% منهم من الفتيان. ومن بين المنخرطين في أسوأ أشكال عمل الأطفال، مثّل الفتيان جميع الأطفال العاملين تقريباً في التعدين والبناء وصناعات الرفع والتفريغ. ومن الأسباب الشائعة الذكر لتسرّب الفتيان عدم ملاءمة التعليم المتصوّرة، إذ يبدو منفصلاً عن سبل العيش التي لا تزال تهيمن على عمل الذكور، ولا سيما الأعمال اليدوية والاستخراجية والمرتبطة بالنقل.
ويبدو أن تقدّم منغوليا نحو التكافؤ بين الجنسين في التعليم مرتبط بتحوّل اقتصادي وديموغرافي ومناخي أعاد تشكيل سبل العيش وأنماط الهجرة ومعنى التعليم نفسه. فقد كانت التسعينيات شديدة الاضطراب للنظام التعليمي في منغوليا. إذ فكّك الانتقال من الاقتصاد المخطط مركزياً إلى نظام قائم على السوق، الذي بدأ في عام 1991، البنى التي كانت تضمن يوماً ما التعليم الابتدائي والثانوي الشامل والمجاني. فانهارت المالية العامة، وأفلست المدارس الريفية، وكثيراً ما لم يتقاضَ المعلمون رواتبهم، وكانوا يُعوَّضون أحياناً بأكياس من الطحين أو قطع من اللحم.
ومنذ ذلك الحين، حدث تعافٍ اقتصادي لافت. فقد ازدهر التعدين والبناء، متجاوزين الزراعة في إسهامهما في الاقتصاد الوطني. وارتفعت الإيرادات الضريبية كحصة من الناتج المحلي الإجمالي من 8% في عام 1998 إلى 29% في عام 2006، وظلت عند نحو 25% حتى اليوم، مما ساعد على تمويل الإنفاق العام. وظل الإنفاق العام على التعليم فوق 4% من الناتج المحلي الإجمالي باستمرار، رغم انخفاضه التدريجي كحصة من إجمالي الإنفاق العام من 15% في عام 2015 إلى 10% في عام 2020، وبلوغه أدنى مستوى عند 7.5% في أعقاب جائحة كوفيد 19 في عام 2022، قبل أن يرتفع مجدداً فوق 10% في عامَي 2023 و2024. ووسّع الاستثمار الحكومي البنية التحتية، وثبّت رواتب المعلمين، وأعاد الثقة في التعليم. ونما طلب الآباء على التعليم الثانوي وما بعد الثانوي، مع ظهور عوائد التعليم بوضوح أكبر في سوق عمل متنوعة.
والتعافي الاقتصادي وحده لا يفسّر التحوّل نحو التكافؤ بين الجنسين في التعليم، الذي كان نتيجة تحوّل اقتصادي واجتماعي أوسع. فعلى مدى قرون، أعال سكان منغوليا المتناثرون أنفسهم بالرعي البدوي والترحال الموسمي. وهذا النمط من الحياة يتعرّض الآن لضغط شديد. فقد أدى الرعي الجائر إلى تدهور المراعي. وكثّف تغيّر المناخ تواتر ظاهرة «الدزود»، وهي دورات مدمّرة من جفاف الصيف يعقبه شتاء قاسٍ يقضي على الماشية وسبل العيش. وكانت النتيجة هجرة واسعة من الريف إلى الحضر. فبينما كان نحو ستة من كل عشرة منغوليين يعيشون في المناطق الريفية في عام 1960، لا يعيش فيها اليوم سوى الثلث بالكاد. وتخلّى كثير من الرعاة عن البداوة تماماً، وانتقلوا إلى أولان باتور بحثاً عن العمل والتعليم والخدمات. وإلى جانب المهاجرين الرسميين، نشأت أحياء «الغير» أي الخيام غير الرسمية على أطراف المدينة، تسكنها أسر تحتفظ بمساكنها التقليدية لكنها تفتقر إلى الوضع القانوني الكامل أو الوصول إلى الخدمات العامة.
والتعليم محرّك لهذه الهجرة ونتيجة لها في آن معاً. فتقليد إرسال الأطفال الصغار إلى مدارس داخلية بعيدة كثيراً ما عنى الانتقال أو تكبّد تكاليف جديدة أو تفرّق الأسر: فالنساء يرافقن الأطفال الصغار إلى المراكز الإدارية، في حين يبقى الرجال لرعاية الماشية. ومن بين خمسمائة أسرة مهاجرة شملها مسح في عام 2024، ذكرت 39% التعليم سبباً رئيسياً للهجرة، إذ انتقلت لتحسين الوصول إلى مؤسسات أفضل للتعليم الثانوي أو العالي.
وكان النظام التعليمي مصمماً حول الحياة الريفية. ففي الحقبة السوفيتية، أتاحت شبكة واسعة من المدارس الداخلية للأطفال البدو الوصول إلى التعليم، في حين واصلت أسرهم الرعي. لكن بعد عام 1991، تدهورت المساكن الداخلية بسرعة. وأدت الرسوم التي أُدخلت في منتصف التسعينيات لمعالجة العجز المالي إلى انهيار الالتحاق، مما أجبر الحكومة على التراجع وإعادة إقرار الإقامة الداخلية المجانية حقاً قانونياً. وبينما كان عدد المقيمين في المساكن الداخلية ينخفض، استقر بعد عام 2014، وأصبح معظم الأطفال الذين يطلبون أماكن في المساكن الداخلية قادرين على الحصول عليها. وبينما يفوق عدد الفتيان المقيمين داخلياً عدد الفتيات في المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، يفوق عدد الفتيات المقيمات في المساكن الداخلية في المدن عدد الفتيان بكثير في الصفوف من العاشر إلى الثاني عشر.
ولا تزال المساكن الداخلية محورية لاحتياجات الريف. فأكثر من 75% من الأطفال الذين يتقدّمون للمدارس الداخلية ينتمون إلى أسر رعاة. غير أن الجودة لا تزال متفاوتة. فقد وُضعت معايير شاملة لبيئة المدارس الداخلية، تشمل المباني والمرافق للطلاب والمعلمين، وحجم الفصول، والغذاء والتغذية، ومتطلبات السلامة. غير أن تحليلات التجارب في بيئات المساكن الداخلية تُظهر باستمرار ظروف معيشة غير ملائمة. فقد أفاد الأطفال المقيمون في المساكن الداخلية بمزيد من التوتر والقلق واضطرابات النوم مقارنة بمن يعيشون مع أسرهم. وتسهم الظروف السيئة في ارتفاع معدلات التسرّب. ووجدت دراسة لتحديد الحالة الراهنة للمساكن الداخلية في المدارس الثانوية وطاقتها أن الإدارة تواجه تحديات تتمثل في عدم كفاية مشاركة الآباء والأوصياء وتعاونهم، وعدم ملاءمة المرافق والميزانية، وكثرة عدد الأطفال.
وبُذلت جهود لتحسين جودة التدريس في الريف، منها حوافز الرواتب ومبادرات لاجتذاب الرجال إلى مهنة باتت نسائية بأغلبية ساحقة. كما سعت إصلاحات المناهج إلى جعل التعليم أكثر ملاءمة للحياة الريفية، بإدراج تربية الحيوانات وعلوم البيئة والوعي المناخي والثقافة المالية. ووجد تقييم لتدخل تعليمي غير نظامي لتوفير القرائية والمهارات الحياتية لأسر الرعاة أن 5% من المتعلمين عادوا إلى المدرسة الثانوية النظامية، وواصل 47% التعليم الابتدائي والثانوي عبر برامج المعادلة.
وفي المقابل، لا تزال التحديات الحضرية غير معالجة على النحو الكافي. فقد أثقل التحضّر السريع وغير المخطط إلى حدّ كبير في منغوليا كاهلَ البنية التحتية المدرسية. ففي العام 2024/2025، كانت ثمة 885 مدرسة للتعليم العام، منها 314 في العاصمة أولان باتور. ورغم أن ذلك يمثّل نمواً كبيراً منذ عام 2015، لا يزال ثمة نقص مزمن في العرض. والوصول إلى المدرسة أسوأ ما يكون لأفقر الأطفال الذين يعيشون على أطراف المدينة وقد لا يستطيعون تحمّل تكلفة النقل إلى المدرسة. وفي عام 2021، أظهر تقييم ممثّل على المستوى الوطني لاحتياجات المهاجرين أن نحو نصف المهاجرين كانوا قلقين بشأن المسافة إلى التعليم أو توافر المدارس أو أماكنها. وتعمل مدارس كثيرة بنظام الفترات المتعددة: فثلث التلاميذ البالغ عددهم نحو ثمانمائة ألف في الصفوف من الأول إلى الثاني عشر يدرسون في مدارس بفترتين أو ثلاث فترات.
والفتيان ممثّلون تمثيلاً زائداً في التعليم والتدريب التقني والمهني، الذي يتسق أكثر مع طلب سوق العمل وقد يقدّم حوافز مالية فورية. فبعد إتمام تسع سنوات من التعليم الأساسي، يمكن للطلاب الالتحاق ببرامج مهنية تقدّم مخصصات ومسارات أوضح إلى العمل. ومن بين الشباب من سن 15 إلى 19 الملتحقين بهذه البرامج، أكثر من الثلثين من الفتيان، ولا سيما في مجالات الصناعة والنقل والتعدين والبناء.
وتشريعات التعليم في منغوليا تقدّمية. فمنذ مطلع التسعينيات، أكدت قوانين متعاقبة مجانية التعليم وإلزاميته، ومدّدته تدريجياً إلى اثنتي عشرة سنة. ويعزّز قانون التعليم لعام 2023 هذا الالتزام، معرّفاً رسمياً التعليم العام بأنه يُكتسب على مدى اثنتي عشرة سنة. غير أن القوانين والسياسات لم تركّز بما يكفي على حرمان الفتيان في التعليم. فلم يتلقَّ أي من مسؤولي الحكومات المحلية المكلّفين بالتعليم أي تدريب أو مبادئ توجيهية أو مواد لتعميم مراعاة النوع الاجتماعي في التخطيط والبرمجة التعليمية. ولا تعترف خطة تطوير قطاع التعليم للفترة 2021 إلى 2030 تحديداً بحرمان الفتيان. ولا تزال تقييمات النوع الاجتماعي تركّز أساساً على الفتيات والنساء. وتقرّ التحليلات القائمة بشأن النهوض بالإنصاف والكفاءة والنواتج في التعليم بالتفاوت بين الجنسين في المرحلة العليا من التعليم الثانوي، لكنها لا تعطي المسألة أولوية على مستوى السياسات. ويبدو أن الافتراض، الذي يمكن القول إنه غير صحيح، هو أن هذه مشكلة ستحل نفسها بنفسها.
نيبال: قصة لافتة للتكافؤ بين الجنسين في التعليم
يتصدّر جنوب آسيا العناوين السلبية بشأن تعليم الفتيات بسبب محنة الفتيات الأفغانيات. لكن ذلك يتجاهل الخطوات الكبيرة نحو التكافؤ بين الجنسين التي حدثت في المنطقة خلال السنوات الخمس والثلاثين الماضية. ولا مكان يتجلى فيه ذلك أكثر من نيبال. ففي عام 1990، لم تُتمّ المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي «في الوقت المحدد»، أي وفق التعريف العالمي، في غضون ثلاث إلى خمس سنوات من سن التخرج الرسمية، سوى 8% من الفتيات، وأتمّتها في نهاية المطاف بتأخر أكبر 13% منهن، مقارنة بنسبة 41% من الفتيان. وبحلول عام 2024، تحقق التكافؤ بين الجنسين، إذ أتمّ المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي 89% من المراهقات والمراهقين. وهذا ليس فريداً. ففي الهند، تحقق التكافؤ بين الجنسين أيضاً، في حين تُتمّ الفتيات المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي في بنغلاديش بأعداد تفوق الفتيان منذ عام 2010، مع اتساع الفجوة. لكن ما يميّز نيبال أنها بلد أفقر، وانطلقت من نقطة أدنى، وارتفعت بوتيرة أسرع، بمقدار 2.2 نقطة مئوية سنوياً، من نظيراتها، التي بلغت 1.9 نقطة في بنغلاديش و1.8 نقطة في الهند و1.3 نقطة في باكستان.
ويمكن ملاحظة مسار مماثل في المرحلة العليا من التعليم الثانوي. فلم تحقق نيبال بعد التكافؤ بين الجنسين في هذه المرحلة، إذ يُقدَّر أن 44% من الفتيات يُتممنها، ارتفاعاً من 1% في عام 1990، مقارنة بنسبة 53% من الفتيان. لكن منذ عام 2005، يرتفع معدل إتمام الإناث للمرحلة العليا من التعليم الثانوي بمقدار 1.9 نقطة مئوية سنوياً، على قدم المساواة مع الهند وبوتيرة أسرع من بنغلاديش وباكستان.
وتؤكد البيانات الإدارية أن للفتيات والفتيان وصولاً متساوياً تقريباً إلى التعليم الثانوي. فبحسب القطاع، شكّلت الفتيات 52% من الالتحاق بالمرحلة العليا من التعليم الثانوي في المدارس العامة، المعروفة بالمدارس «المجتمعية»، و42% في المدارس الخاصة، المعروفة بالمدارس «المؤسسية»، في العام 2024/2025. وبجمع النوعين من المدارس، ثمة تكافؤ شبه تام في المرحلة الثانوية، أي الصفين التاسع والعاشر، والمرحلة الثانوية العليا، أي الصفين الحادي عشر والثاني عشر. وثمة أيضاً تكافؤ بين الجنسين في الالتحاق بالمرحلتين الثانوية والثانوية العليا بين الفتيان والفتيات من المجموعات العرقية، المعروفة بـ«الجانجاتي»، ومن الطبقات المعروفة بـ«الداليت»، اللتين كان يُنظر إليهما تقليدياً بوصفهما أدنى مكانة في المجتمع.
وشهدت نيبال تغيّرات اجتماعية اقتصادية كبرى خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، تأثرت بتقلبات سياسية متكررة، منها تمرد ماوي وثورة بين عامَي 1996 و2006، وإلغاء الملكية وإعلان جمهورية اتحادية في عام 2008، ودستور جديد يتضمن اتفاقاً على مطالب التمثيل، وإنشاء بنية حوكمة من ثلاثة مستويات في عام 2015، فضلاً عن احتجاجات أحدث ضد الفساد أطاحت الحكومة. وبصرف النظر عن المناخ السياسي، بُذلت جهود سياساتية وطنية متعاقبة لتحسين وضع النساء والفتيات.
وكان التمييز القائم على النوع الاجتماعي، في النظم القانونية والثروة وفرص العمل، مسألة موثّقة جيداً في نيبال أثّرت في التعليم أيضاً. فقد اشترط الجنس والطبقة الاجتماعية والانتماء العرقي بقوة الدخولَ إلى التعليم. وكانت الأسر أقل استعداداً للإنفاق على تعليم الفتيات منها على تعليم الفتيان. ففي العام 2003/2004، أُنفقت تحويلات العمال المهاجرين على تعليم الفتيان على نحو غير متناسب. وأظهر تحليل مستند إلى مسح مستويات المعيشة في نيبال أن إرسال الفتيان إلى المدارس الخاصة والفتيات إلى المدارس العامة كان سلوكاً متحيزاً شائعاً.
وتفسّر ثلاثة أسباب رئيسية تقدّم الفتيات في السنوات الأخيرة: الالتزام السياسي بالمساواة بين الجنسين المعبَّر عنه في التشريعات والسياسات والبرامج؛ والتغييرات في نظام الامتحانات؛ والأثر المباشر وغير المباشر للهجرة الداخلية والدولية.
أولاً، تعزّز المطالبة بالإنصاف في دستور عام 2015، الذي جعل التعليم حقاً غير قابل للتصرف للجميع، بمن فيهم الداليت المهمشون. وجعل قانون التعليم الأساسي الإلزامي والمجاني لعام 2018، المنفّذ للمادة الحادية والثلاثين من الدستور، التعليم الأساسي مجانياً وإلزامياً والتعليم الثانوي مجانياً. وجاء إقرار الحقوق الدستورية في أعقاب التغيّر التدريجي في الأعراف المتعلقة بتعليم الفتيات. فعلى مدى سنوات، ساعدت المناصرة النشطة لتمكين الفتيات قطاعات واسعة من المجتمع على إدراك قيمة التعليم لرفاه الفتيات أنفسهن ورفاه أسرهن.
وركّزت خطط قطاعية متعاقبة، مدعومة مالياً من الحكومة ومن مجموعة منسّقة من شركاء التنمية، على المساواة بين الجنسين. فقد دعمت خطة إصلاح القطاع المدرسي للفترة 2009 إلى 2015 منحاً مع الإقامة ودونها، للداليت وأبناء الشهداء والطلاب ذوي الإعاقة والطلاب من إقليم كارنالي، ووضعت أحكاماً خاصة لتمكين النساء من العمل في التدريس، منها تخفيف معايير ترقية المعلمات المؤهلات والمعلمين من الداليت والفئات المحرومة. وركّز برنامج تطوير القطاع المدرسي للفترة 2016 إلى 2023 على بناء المدارس مع مرافق محسّنة للمياه والصرف الصحي، بما في ذلك تحديث المدارس الثانوية القائمة لتقدّم التعليم حتى الصف الثاني عشر، وإنشاء مدرسة ثانوية واحدة على الأقل
تقدّم العلوم في الصف الحادي عشر في كل دائرة انتخابية. ووُفّرت الكتب المدرسية مجاناً حتى الصف الثاني عشر، وكان من المقرر نشر 1650 معلماً للعلوم في المدارس الثانوية. وأُنشئت برامج موجّهة في المقاطعات التي تنخفض فيها معدلات التكافؤ بين الجنسين والالتحاق، في حين حُدّدت أهداف رئيسية ينبغي رصدها وتحقيقها: التكافؤ بين الجنسين في الالتحاق وفي البقاء في الصفوف من التاسع إلى الثاني عشر.
ثانياً، كان من التغييرات الرئيسية التي أحدثها برنامج تطوير القطاع المدرسي للفترة 2016 إلى 2023 إعادة هيكلة التعليم الثانوي. فعلى مدى أكثر من أربعين عاماً حتى العام الدراسي 2015/2016، كانت المدرسة الثانوية تنتهي في الصف العاشر بامتحان شهادة إتمام الدراسة المدرسية العالي المخاطر. وفي عام 2016، أعاد التعديل الثامن المتعلق بالتعليم تعريف المدرسة بأنها الصفوف من الأول إلى الثاني عشر، فنقل الامتحان الوطني لإتمام الدراسة المدرسية من الصف العاشر إلى الصف الثاني عشر. ونُظّم امتحان التعليم الثانوي المُجدَّد في الصف العاشر وأول امتحان جديد لشهادة إتمام الدراسة المدرسية في الصف الثاني عشر في عام 2017. وكان إصلاح لنظام التقييم في عام 2015 قد حوّل النظام من نظام قائم على حدّ فاصل للنجاح والرسوب إلى نظام قائم على التقدير بالحروف، سعياً إلى الحدّ من عدم الكفاءة، وتخفيف الطابع العالي المخاطر للامتحان، وتيسير الترفيع، والحدّ من التوتر، وجعل النظام متوافقاً مع الممارسة العالمية. ومع تغيّر الغاية من نظام الامتحانات، إذ أصبح امتحان الصف العاشر أقل إرهاقاً بكثير وأكثر تركيزاً على تيسير الدخول إلى الصف الحادي عشر، تحسّنت معدلات البقاء حتى الصف الثاني عشر بين العامين 2019/2020 و2024/2025 بمقدار تسع نقاط مئوية للفتيان وإحدى عشرة نقطة مئوية للفتيات، وهو ما يفسّر أيضاً تسارع التقدّم في إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي في السنوات الأخيرة.
ثالثاً، ارتبط عدم اليقين السياسي والاقتصادي الطويل الأمد في نيبال بتسارع الهجرة الداخلية من المناطق الريفية إلى الحضرية، ولا سيما إلى منطقة العاصمة، وكذلك بالهجرة الدولية منذ مطلع العقد الأول من هذا القرن. فبحسب المسح الوطني للقوى العاملة للعام 2017/2018، كان لدى أكثر من 40% من الأسر على الصعيد الوطني مهاجر واحد على الأقل، في حين كان أكثر من 80% من المهاجرين الدوليين من الذكور بحسب تعداد عام 2021. وكان نحو ثلث المهاجرين الدوليين حاصلين على تعليم ثانوي، لكن لم يكن حاصلاً على تعليم ما بعد ثانوي سوى 7% من المهاجرين الذكور و10% من المهاجرات. ويصنّف قانون العمل في الخارج في نيبال العمال بحسب مستوى المهارة قبل إصدار موافقة العمل، لكنه لا يحدّد معياراً أدنى للتعليم. وكان معظم العمال المهاجرين الذكور يعملون في وظائف متدنية المهارة، ويعانون ظروفاً صعبة وانتهاكات كثيرة لحقوق الإنسان، لكنهم يكسبون رواتب أعلى بكثير مما في بلدهم. وأثّرت هذه الفرص في تصوّرات الفتيان، فجعلتهم يعتقدون أن التعليم الثانوي الأعلى ليس مهماً كثيراً لقابليتهم للتوظيف.
ومن الآثار الإيجابية الرئيسية للهجرة التحويلات المالية، التي خفّضت القيود الاقتصادية على التعليم بمرور الوقت. ففي عام 2012، احتلت نيبال المرتبة الثالثة عالمياً في التحويلات المالية كحصة من الناتج المحلي الإجمالي، إذ بلغت 25% منه، ثم انخفضت خلال جائحة كوفيد 19 وتعافت بعد ذلك لتبلغ 27% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023. وأظهر تحليل لمسح مستويات المعيشة في نيبال للعام 2010/2011 أن التحويلات المالية ارتبطت ارتباطاً إيجابياً بالإنفاق على التعليم. ويُظهر تحليل لبيانات جُمعت في ريف نيبال بين عامَي 2016 و2018 أن زيادة التحويلات الخارجية بنسبة 1% أدّت إلى زيادة نفقات الأسر على التعليم بنسبة 0.27%، مما قد يساعد على تغطية نفقات التعليم غير المتعلقة بالرسوم. وترتبط التحويلات المالية ارتباطاً وثيقاً بالإنفاق على التعليم لدى المهاجرين داخلياً من الريف إلى الحضر، الذين قد يولون التعليم قيمة أعلى مقارنة بمن يطمحون إلى فرص العمل في الخارج. ووجد تحليل لبيانات مسح الأسر للعام 2010/2011 أن التحويلات المتلقاة، التي كانت حتى مطلع العقد الأول من هذا القرن تُستخدم على الأرجح لتعليم الفتيان، بدأت تُستخدم أكثر لتعليم الفتيات.
لقد اتسمت نيبال بالاتساق في تخطيطها لتعزيز تعليم الفتيات. وشملت الجهود المبذولة للحدّ من حرمان الفتيات في التعليم توسيع الوصول إلى التعليم الثانوي العام، وخفض عوائق التكلفة، وتوجيه الجهود للوصول إلى أشد الفتيات تهميشاً. كما جعل تمديد التعليم الثانوي وإصلاح التقييم المرتبط به وصول جميع الطلاب إلى الصفين الحادي عشر والثاني عشر أيسر. وأخيراً، أثّرت موجة الهجرة الدولية المتدنية المهارة، التي بدأت في العقد الأول من هذا القرن، في تصوّرات الفتيان، فجعلتهم يعتقدون أن التعليم ليس مهماً كثيراً لقابليتهم للتوظيف. وسيتطلب ضمان إتمام جميع الفتيات والفتيان المرحلة العليا من التعليم الثانوي جهوداً كبيرة لتحسين جودته وملاءمته، من أجل تعزيز فرص العمل. ويحتل التطلع إلى زيادة الالتحاق بالتعليم الثانوي وإتمامه مكانة محورية في خطة قطاع التعليم المدرسي للفترة 2022 إلى 2031، التي ستواصل دعم التعليم الثانوي المجاني عبر منح موجّهة للمجتمعات المحرومة اقتصادياً والمهمشة.
الفلبين: تقليص الفجوة التعليمية في منطقة متأثرة بالنزاع
ظلت مستويات التحصيل التعليمي مرتفعة في الفلبين. فقد بلغ معدل إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي 62% في عام 2000، أي أكثر من ضعف نظيره في البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا آنذاك، الذي بلغ 25%. لكن التقدّم كان أبطأ بكثير منذ ذلك الحين مقارنة بتلك البلدان: فقد ارتفع معدل الإتمام بمقدار 0.6 نقطة مئوية سنوياً في الفلبين، ليبلغ 73% في عام 2024، أي بوتيرة لا تتجاوز 40% من وتيرة البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، التي قلّصت الفجوة بذلك إلى النصف.
ورغم بطء وتيرة التقدّم، حققت الفلبين تقدّماً في الحدّ من التفاوت الإقليمي. فمن بين مجموعات الجزر الرئيسية الثلاث، ظلت أقاليم لوزون فوق المتوسط الوطني، وأقاليم فيساياس حول المتوسط الوطني، وأقاليم مينداناو دونه بكثير. ورغم أن هذا الترتيب لم يتغيّر، رفعت جميع الأقاليم الستة في مينداناو، باستثناء شبه جزيرة زامبوانغا، معدل إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي بوتيرة أسرع من المتوسط الوطني. ومن بينها منطقة بانغسامورو ذاتية الحكم في مينداناو المسلمة، التي لم يُتمّ فيها المرحلة العليا من التعليم الثانوي سوى 30% من الشباب في عام 2008، أي أقل من نصف المتوسط الوطني البالغ 64%، فقد ارتفع المعدل فيها بأكثر من ضعف وتيرة المتوسط الوطني، أي بمقدار 1.7 نقطة مئوية سنوياً، ليبلغ 53% في عام 2022. ويوضح ذلك قصة لافتة عن تقليص الفجوة التعليمية في جزء من البلد متأثر بالنزاع.
وأُنشئت بانغسامورو في عام 2019 إثر استفتاء عام والمصادقة على قانونها الأساسي. وأصبحت هذه التطورات ممكنة بعد عشر سنوات من المفاوضات بين حكومة الفلبين وعدة جماعات مطالبة بالحكم الذاتي، أفضت إلى اتفاق إطاري في عام 2012، مهّد الطريق لاستبدال منطقة مينداناو المسلمة ذاتية الحكم السابقة بمنطقة جديدة ذات أغلبية مسلمة تتمتع بصلاحيات أوسع. وفي عام 2024، أيّدت المحكمة العليا دستورية القانون الأساسي.
وتعود جذور النزاع إلى أكثر من أربعمائة عام، حين قاومت مجموعتا المورو واللوماد العرقيتان الاستعمار الإسباني والتحويل إلى المسيحية. لكن، جزئياً استجابةً لبرامج إعادة التوطين التي أُطلقت بعد الحرب العالمية الثانية، نشأ تمرد مسلح في أواخر الستينيات، أثّر في نحو 10% من الأراضي الوطنية و6% من السكان. وفي ذروة الاضطرابات، نزح داخلياً تسعمائة ألف شخص. وبينما كان السبب الرئيسي هو الصراع بين أقلية عرقية ودينية والحكومة المركزية، أجّجت أسباب أخرى للنزاع بين جماعات منقسمة بحسب الأيديولوجيا والعشيرة والقبيلة ومكانة النخبة العنفَ أكثر.
وكانت قضايا التعليم محورية في النزاع. فقد تجاهل التعليم العام تاريخياً التاريخ والثقافة والدين الإسلامي، مما خلق شعوراً بالبعد عن التيار الوطني الرئيسي وتشككاً في المدارس. وحتى مع زيادة الحكم الذاتي الإقليمي في التسعينيات، ظل الناس يواجهون تحديات في التوفيق بين التعليم العام وحياتهم اليومية. وفي أعقاب إنشاء المنطقة، هدف قانون التعليم في بانغسامورو لعام 2021 إلى بناء نظام تعليمي متكامل يشمل المدارس العامة ونظام المدارس الدينية. والاستثمار في التعليم ضروري لتجاوز أثر العنف، سواء من الناحية المادية بالنظر إلى الأضرار السابقة في البنية التحتية، أو في بناء أسس السلام والتنمية.
وأدى النزاع المسلح إلى حلقة مفرغة من انعدام الثقة قوّضت التنمية وفاقمت الفقر. فبحسب المسح الوطني للتغذية لعام 2023، كانت بانغسامورو المنطقة ذات أعلى معدل للتقزّم بين الأطفال دون الخامسة، بنسبة 34%. وفي العام نفسه، كانت 24% من الأسر أفقر من أن تشتري الضروريات الدنيا، أي أكثر من ضعف المتوسط الوطني البالغ 11%، وإن كان ذلك أقل من نصف المستوى المسجّل في عام 2018، البالغ 53%. ويوحي ذلك بأن محادثات السلام والاتفاق الإطاري أطلقا فترة من الاستقرار ساعدت المنطقة، ومينداناو عموماً، على تقاسم بعض منافع الازدهار الوطني. فمنذ عام 2000، شهد الاقتصاد الفلبيني عموماً نمواً مطرداً، بل نمواً أسرع منذ عام 2010.
والنمو الاقتصادي وحده لا يترجم تلقائياً إلى نواتج اجتماعية أفضل. فبرنامج التحويلات النقدية المشروطة الكبير في الفلبين، «بانتاويد باميليانغ بيليبينو» أي برنامج الجسر للأسرة الفلبينية، يقدّم منحاً للأسر الفقيرة لمدة تصل إلى سبع سنوات بشرط الامتثال لمتطلبات الصحة والتعليم، ومنها الالتحاق وارتفاع معدلات الحضور لجميع الأطفال من سن الثالثة إلى الثامنة عشرة. وأُطلق في عام 2008 ووُسّع توسيعاً كبيراً في السنوات اللاحقة، فكان يصل إلى 4.5 مليون أسرة في عام 2023. وفي بانغسامورو، كانت 376 ألف أسرة تستفيد من البرنامج في عام 2020 من إجمالي 833 ألف أسرة، أي 45%، مقارنة بمعدل تغطية وطني قدره 16%، وكان ثمة 594 ألف طالب مستفيد من مرحلة ما قبل الابتدائي إلى الصف الثاني عشر. ويُنسب إلى البرنامج خفض الفقر الوطني بنحو 1.4 نقطة مئوية سنوياً. كما أظهرت التقييمات باستمرار أثراً إيجابياً في زيادة الالتحاق وتحسين الحضور، ولا سيما للأطفال الأكبر سناً. فقد أدى توسيع المنافع في عام 2014 لتشمل الفئة العمرية من 15 إلى 18 عاماً إلى رفع الالتحاق بمقدار تسع نقاط مئوية للفئة العمرية من 12 إلى 17 عاماً، وبما يصل إلى ثلاثين نقطة مئوية للفئة العمرية من 16 إلى 17 عاماً، مما خفّض معدلات التسرّب في المناطق الحضرية والريفية على السواء.
ولا يُعزى توسّع معدلات إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي في مينداناو إلى العوامل الاقتصادية فحسب، بل إلى العوامل التعليمية أيضاً. ففي أعقاب قانون التعليم الأساسي المعزّز لعام 2012، خضع النظام التعليمي الوطني لإصلاح كبير في عام 2013، إذ مُدّد التعليم الإلزامي من عشر سنوات إلى ثلاث عشرة سنة، بإضافة سنة من التعليم ما قبل الابتدائي وسنتين من المرحلة العليا من التعليم الثانوي، أي الصفين الحادي عشر والثاني عشر، إلى السنوات الست للتعليم الابتدائي والسنوات الأربع للمرحلة الدنيا من التعليم الثانوي. وهدف الإصلاح إلى معالجة اكتظاظ المناهج، وعدم التوافق الدولي في مؤهلات الخريجين، وضعف قابلية التوظيف. وتقدّم سنتا المرحلة العليا من التعليم الثانوي، أي المدرسة الثانوية العليا، للطلاب أربعة مسارات متخصصة: الأكاديمي، والتقني المهني وسبل العيش، والرياضي، والفنون والتصميم. وارتفع الإنفاق الحكومي على التعليم ارتفاعاً كبيراً لتمويل هذا الإصلاح: فبين عامَي 2000 و2016، أنفقت الحكومة في المتوسط 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي على التعليم الثانوي؛ وبين عامَي 2017 و2023، ارتفعت الحصة إلى 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي. وذهب جزء من الإنفاق المتزايد إلى برنامج واسع النطاق لتوظيف المعلمين خفّض نسب الطلاب إلى المعلمين وقلّص التفاوت بين المناطق تقليصاً كبيراً.
وبالنظر إلى المستقبل، يتمثل التحدي الرئيسي في كيفية استخدام بانغسامورو لإمكانات حكومتها المحلية. ففي أجزاء أخرى من الفلبين، ظلت اللامركزية في التعليم ودور وحدات الحكومة المحلية محدودين. ففي عام 2022، لم تمثّل مساهمات الحكومات المحلية سوى نحو 6% من إجمالي التمويل العام للتعليم الأساسي. ولأن المجالس المدرسية المحلية تُموَّل أساساً من رسم إضافي بنسبة 1% على ضرائب الممتلكات المحلية، يظل الإنفاق المحلي على التعليم متفاوتاً تفاوتاً كبيراً بين المناطق، إذ تتراوح المخصصات لكل طالب بين أقل من دولار أمريكي واحد في بانغسامورو ونحو 120 دولاراً أمريكياً في منطقة العاصمة الوطنية. فضلاً عن ذلك، تقيّد التحديات المستمرة في الحوكمة وحفظ السجلات، ومنها عدم اتساق الإبلاغ وضعف الشفافية ومحدودية مشاركة المدارس في قرارات التمويل، فعاليةَ الحكومات المحلية في التعليم.
ولدى بانغسامورو، التي باتت لها وزارة تعليم خاصة بها، فرصة لتسريع التقدّم التعليمي للّحاق ببقية البلد. غير أنه، كما يشير تقرير لجنة الكونغرس الثانية المعنية بالتعليم الصادر مؤخراً، ثمة تحديات تلوح في الأفق. فبينما ينصّ القانون الأساسي لبانغسامورو على أن يعمل نظامها التعليمي بوصفه «نظاماً فرعياً من النظام التعليمي الوطني»، ليس واضحاً كيف ينبغي تفسير هذا البند. فالبرامج الوطنية، كبرامج التعليم العلاجي، تكون أحياناً غير متاحة أو متأخرة في بانغسامورو بسبب الالتباس بشأن قنوات التمويل والأهلية والاختصاص المؤسسي. ولا توجد آلية تنسيق رسمية بين وزارة التعليم الأساسي والعالي والتقني في بانغسامورو ووزارة التعليم أو غيرها من السلطات الوطنية. ويتوقف أي تعاون على العلاقات الشخصية لا على البروتوكولات المؤسسية، مما يعيق التخطيط المشترك وتبادل البيانات ومواءمة السياسات، مع خطر أن تبتعد المنطقة عن المعايير الوطنية أو حتى تفوّت فرص الدعم الفني والمالي.
وكان نظام التعلّم البديل إصلاحاً رئيسياً أُطلق في عام 2004 لتوفير فرصة ثانية للشباب والكبار غير الملتحقين بالمدارس لتنمية مهارات القرائية وإتمام التعليم الأساسي. وتشير أدلة من تقييم أجراه البنك الدولي إلى أن المتعلمين الذين يجتازون امتحانات المعادلة في هذا النظام كثيراً ما ينتقلون إلى الكليات أو إلى التدريب التقني والمهني، مما يبرز إمكانات البرنامج في توسيع فرص التعليم وسوق العمل في مناطق مثل بانغسامورو. ومع ذلك، يظل نطاقه وأثره الإجماليان محدودين. ففي عام 2023، كان نحو 29 ألف شاب ملتحقين به في بانغسامورو، أي نحو 6% من الشباب غير الملتحقين بالمدارس في المنطقة. فضلاً عن ذلك، ثمة فجوات كبيرة بين المشاركة والإتمام والحصول على الشهادة. فعلى الصعيد الوطني، أتمّ البرنامج أقل من نصف متعلمي نظام التعلّم البديل في عام 2024، ولم يجتز امتحان معادلة المرحلة الابتدائية سوى نحو 17 ألفاً في عام 2025، في حين اجتاز امتحان المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي نحو 96 ألفاً، ويمثّلون معاً نحو 17% من إجمالي الملتحقين بالنظام.
جمهورية مولدوفا: إدماج الأطفال ذوي الإعاقة في المدارس العادية
في البلدان التي تحوّلت عن اشتراكية الدولة في عام 1990، ولا سيما في بلدان الاتحاد السوفيتي السابق، بُذل جهد كبير لتغيير النموذج التربوي للأطفال ذوي الإعاقة وإنهاء عزلهم التعليمي. وانخفضت نسبة الأطفال ذوي الإعاقة الذين يرتادون مدرسة خاصة في أوروبا الوسطى والشرقية والقوقاز وآسيا الوسطى من 78% في عام 2005 إلى 29% في عام 2024. ومن بينها، أبلغت جمهورية مولدوفا عن تغيّر أسرع في هذه الفترة، إذ انخفضت الحصة من 77% إلى 8%.
وبحسب المكتب الوطني للإحصاء في البلد، تضاعف معدل الأطفال ذوي الإعاقة الذين يرتادون المدارس العادية أكثر من ثلاث مرات بين عامَي 2010 و2015. وبين العامين 2010/2011 و2015/2016، انخفض عدد الأطفال ذوي الإعاقة في المدارس الخاصة بنحو ألفي طالب، أي بنسبة 67%، في حين ارتفع عددهم في المدارس العادية بأكثر من تسعة آلاف. ويمكن تفسير هذه الزيادة الكبيرة أساساً بإصلاح نظام التقييم، الذي حسّن تحديد الأطفال ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، مما أتاح دعماً أدق وأكثر استهدافاً. فضلاً عن ذلك، كشفت المنهجية الجديدة أن حصة أكبر من الأطفال تحتاج إلى المساعدة، وكان كثير منهم سيرتاد المدارس العادية لولا ذلك دون دعم كافٍ.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام تعكس التوزيع الإجمالي للطلاب ذوي الإعاقة في التعليم؛ ويُعرف أقل عن المستبعدين من النظام كلياً. ومن شأن إدراج بيانات عن نسبة الأطفال ذوي الإعاقة غير الملتحقين بالمدارس أن يقدّم صورة أشمل عن إجمالي السكان ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة.
وكما في دول ما بعد الحقبة السوفيتية الأخرى، ورثت جمهورية مولدوفا نهجاً نفسياً في التعامل مع الإعاقات الجسدية والعصبية يُعرف بـ«علم العيوب»، أفضى إلى العزل التعليمي. واستُبدل به التزام بالإدماج. وكُرّس إنهاء إيداع الأطفال ذوي الإعاقة في المؤسسات في تشريعات وسياسات بارزة، ثمرةً لتعاون طويل الأمد بين الوزارات المعنية والمجتمع المدني. وأدت الاستراتيجية الوطنية لإصلاح نظام الرعاية الإيوائية للأطفال للفترة 2007 إلى 2012 وخطة عملها إلى إعادة تنظيم وتدابير وقائية أسفرت عن انخفاض كبير في عدد الأطفال في المؤسسات الإيوائية.
وفي عام 2011، أرسى برنامج تطوير التعليم الجامع حق الأطفال في الالتحاق بأقرب المدارس والحصول على المساعدة الاجتماعية. وفي عام 2014، أعاد قانون التعليم، المعدّل في عام 2023، تأكيد التزام البلد بإدماج الأطفال ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة. وانخفض عدد مؤسسات التعليم الخاص الابتدائية والثانوية من ثلاث عشرة مؤسسة في العام 2018/2019 إلى ست في العام 2024/2025. وكان المانحون الدوليون والإقليميون شركاء رئيسيين في دعم هذه الجهود. كما شجّع التطلع إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي على مواءمة أوثق مع نظامه وأهدافه، بما في ذلك تعزيز التعليم الجامع، على النحو الذي أعادت تأكيده استراتيجية تطوير التعليم 2030 وبرنامج تنفيذها لعام 2023.
ويساعد التقييم المتعدد التخصصات في الوقت المناسب على تحديد التدخلات الاجتماعية والتعليمية الملائمة للطلاب ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة. واستناداً إلى اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، يُلزم قانون عام 2012 بشأن الإدماج الاجتماعي للأشخاص ذوي الإعاقة بإجراء تقييم مبكر على يد فريق متعدد التخصصات من الخبراء. وتقيّم الوحدات الإقليمية للمجلس الوطني لتحديد الإعاقة درجة الإعاقة، من الشديدة جداً إلى المتوسطة، وتُصدر برنامجاً فردياً لإعادة التأهيل والإدماج الاجتماعي يتضمن توصيات طبية وتعليمية، استناداً إلى تقييم خدمات المساعدة النفسية التربوية المحلية.
وجعلت خدمات المساعدة المتكاملة المدارس أكثر شمولاً. ففي عام 2013، أُنشئ المركز الجمهوري للمساعدة النفسية التربوية، أي «المركز»، وخمس وثلاثون خدمة للمساعدة النفسية التربوية على مستوى المقاطعات، أي «الخدمات»، لتحديد الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة وتنسيق الدعم وتعزيز إدماج الأطفال ذوي الإعاقة. وتتألف الخدمات من فرق تضم ثمانية إلى عشرة أخصائيين مؤهلين، منهم أخصائيو علاج النطق وعلماء النفس، وتقيّم الاحتياجات التعليمية للأطفال وتقدّم الدعم المنهجي والتدريب الموجّه للمعلمين. وقد حلّ المركز محل اللجان الطبية النفسية التربوية، ويتولى الرصد وتقديم التوجيه المنهجي والمساعدة للخدمات والأسر والمدارس في مجال التعليم الجامع. ويكفل الكادر التعليمي المساند والموظفون المتخصصون الإدماج في المدارس.
ولا يزال نقص توافر الخدمات والضغط الزائد عليها عائقاً. ففي عام 2023، دعم النظام أكثر من عشرة آلاف طفل من ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، منهم أكثر من أربعة آلاف من ذوي الإعاقة، يمثّلون نحو 3% من إجمالي الأطفال الملتحقين بالتعليم العام. غير أنه لم يكن ثمة سوى موظف دعم واحد لكل 8.2 أطفال من ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة في عام 2021، بما يتراوح بين موظف واحد لكل ستة أطفال في مقاطعة أونغيني في وسط البلد، وموظف واحد لكل ستة عشر طفلاً في مقاطعة شولدانيشتي في الشمال الشرقي. ويعيق التبدّل المتكرر للموظفين تقديم التدريب. ومنذ عام 2024، باتت المؤسسات التعليمية قادرة على توظيف أخصائيين نفسيين مدرسيين وكادر تعليمي مساند بحسب احتياجاتها، لتكييف الخدمات على نحو أفضل مع كل مؤسسة.
ومنذ عام 2012، يخصّص صندوق التعليم الجامع ما يصل إلى 2% من إجمالي ميزانية التعليم في المقاطعة للتعليم الجامع. ويُستخدم الصندوق في الغالب لرواتب الكادر التعليمي. وأسهمت هذه الآلية في إحراز تقدّم في إدماج الأطفال ذوي الإعاقة في المدارس العادية. وتتخذ الحكومات المحلية قرارات أفضل بشأن الإنفاق على التعليم الجامع استناداً إلى الخدمات المطلوبة. ويثبت التمويل الموجّه فعاليته إذا طُبّق مبكراً وضمن تدخلات منهجية.
غير أن التخصيص لم يكن متناسباً مع عدد الأطفال ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة. ولم يكن متوائماً مع الاحتياجات الفعلية، ولم يأخذ في الحسبان الفجوات بين المقاطعات. ويعني عدم كفاية التمويل أن تكلفة المواد التعليمية والمعدات لا يمكن تغطيتها بالكامل، في حين يُرجَّح ألا تُلبّى احتياجات بعض المراحل التعليمية، ولا سيما الطفولة المبكرة والتعليم المهني.
ومن التعقيدات الإضافية أن جمهورية مولدوفا تشهد انخفاضاً ديموغرافياً طويل الأمد بسبب تراجع المواليد والهجرة. فقد انخفض عدد طلاب المرحلتين الابتدائية والثانوية بنسبة 13% بين عامَي 2013 و2023. ومع انخفاض العدد الإجمالي للأطفال، تنخفض مخصصات الصندوق تبعاً لذلك. ولمعالجة ذلك، تجري حالياً مراجعة صيغة التمويل المستخدمة لتخصيص الميزانيات لمؤسسات التعليم الابتدائي والثانوي.
ويستغرق التحوّل الثقافي نحو الإدماج وقتاً. فالإرث الطويل من العزل ونقص التعرّض للممارسات الجامعة لا يزالان يوصمان المتعلمين ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، ولا سيما ذوي الإعاقات الجسدية والذهنية الشديدة، في المجتمعات المحلية ولدى المعلمين ومقدّمي الرعاية. وتسعى حملات المناصرة والتدريب والتوعية بشأن الإدماج إلى تبديد المخاوف. وأظهرت دراستان أُجريتا بفارق خمس سنوات أن نسبة المعلمين المؤيدين للإدماج ارتفعت من 40% في عام 2018 إلى 60% في عام 2024، في حين ارتفعت نسبة مقدّمي الرعاية الذين أبدوا تأييدهم من 23% إلى 40%. كما أُنشئت أكاديميات مدرسية للآباء بوصفها فضاءً تعاونياً لمناقشة الممارسات الجامعة.
وينبغي أن يتمتع الطلاب ذوو الإعاقة بوصول متساوٍ إلى جميع مراحل التعليم. ويهدف مشروع التعليم والتدريب المهني الجامع، الممول من الوكالة النمساوية للتعليم والتدويل، إلى تعزيز تقديم تعليم تقني ومهني جامع عبر معاهد جامعة وتدريب موجّه وتحسينات منهجية وأطر قانونية جديدة.
والسعي إلى الإدماج عملية مستمرة ويجب أن يكون مستداماً. وفي إطار تدابير الكفاءة، جرى تحسين الشبكات المدرسية بدمج المدارس الأصغر. وحُوّلت المدارس الأكبر في المقاطعات إلى مدارس نموذجية بمبانٍ ومواد تعليمية جامعة. وستُقدَّم للأسر حوافز كالنقل المجاني ومخصص شهري لإلحاق أطفالها بهذه المدارس النموذجية. فضلاً عن ذلك، تعتزم الحكومة تحسين الخدمات المقدمة للأطفال ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة عبر تخصيص موارد مالية كافية، وزيادة الكادر التعليمي المساند، وتطبيق منهجية محدّثة للتدخل المبكر، وتوجيه الطلاب وأسرهم.
تحليل السياسات: التمويل من أجل الإنصاف
يُعدّ الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة، أي «ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلّم مدى الحياة للجميع»، من أوضح الأمثلة على التعهد الشامل بعدم ترك أحد خلف الركب، الوارد في خطة التنمية المستدامة لعام 2030. غير أن كيفية رصد تحقيق الهدف مسألة لا تزال مطروحة. فرصد نواتج الإنصاف في التعليم، رغم التحديات الكبيرة التي نوقشت في بداية هذا الفصل، يظل أبسط من رصد دور المؤسسات العامة في العمليات الموجّهة نحو الإنصاف، ولا سيما السياسات والبرامج، بسبب الاختلافات الشاسعة في السياق. ونادراً ما جرى ذلك على نحو منهجي.
وعلى الصعيد العالمي، لا يُتمّ واحد من كل ثلاثة شباب المدرسة الثانوية. وهؤلاء المغادرون المبكرون للمدرسة ممثّلون تمثيلاً زائداً بين الفئات المحرومة من حيث الدخل والموقع وغيرهما من الخصائص. ويمكن توظيف سياسات عدة لتعزيز الإنصاف في التعليم أو تقويضه. وحدّدت مراجعة لنُهُج البلدان الأوروبية خمس مجموعات من السياسات، نوقش بعضها بالفعل في هذا التقرير في الفصل الرابع: الحدّ من التقسيم الطبقي، وتعزيز المعايير المشتركة، وتقديم دعم تربوي موجّه، وتوسيع خدمات الطفولة المبكرة، واستخدام آليات التمويل.
وفيما يتعلق بالتمويل، ثمة اتفاق عام على أن ارتفاع حجم الإنفاق العام على التعليم الابتدائي والثانوي يميل إلى أن يكون ذا أثر توزيعي لصالح الفئات الأكثر حرماناً. غير أن كيفية إنفاق الموارد العامة مهمة أيضاً، ولا سيما مدى تعمّد البلدان إعادة توزيع الموارد لمساعدة المدارس والفئات المحرومة على تجاوز التحديات المرتبطة بالفقر والجغرافيا وغيرهما من العوامل المفضية إلى الإقصاء. فبجعل إعادة التوزيع جزءاً محورياً من تمويل التعليم، يمكن للبلدان صون حق الجميع في التعليم، وتحقيق نواتج أكثر عدلاً، وبناء نظم أقوى، وتعزيز التماسك الاجتماعي.
ويتطلب إبقاء الشباب في المدرسة فعلاً تخفيف القيود المالية عن الأسر ومقدّمي الخدمات. فالموارد تساعد مباشرة الأسر التي لا تستطيع تحمّل التكاليف المباشرة أو خسارة الدخل الذي يمكن أن يجلبه الشاب؛ وتساعد بصورة غير مباشرة بتحسين جودة التعليم وزيادة القيمة المتصوّرة للدراسة. غير أن تفاوت تكلفة تقديم التعليم وفق معيار جودة مشترك يعني أيضاً ألا يُخصَّص التمويل بصورة موحّدة.
ويستند هذا القسم إلى مراجعة شاملة للنُهُج الوطنية في استخدام التمويل لتعزيز الإنصاف في التعليم الابتدائي والثانوي. وتبني المراجعة على محاولة سابقة لرصد المؤشر المواضيعي 4.5.3 من مؤشرات أهداف التنمية المستدامة، الذي يتناول وجود آليات تمويل لإعادة تخصيص موارد التعليم للفئات المحرومة. وتتوافر الملامح القُطرية لآليات التمويل الرامية إلى تعزيز الإنصاف على منصة PEER. والغرض من القسم مزدوج: وصف التركيز المتطور الذي توليه البلدان للتمويل الموجّه نحو الإنصاف؛ وتقديم أمثلة على البرامج القُطرية، مع وصف تاريخها وخصائصها، وأثرها حيثما أمكن.
تسعى البلدان إلى تعزيز الإنصاف في التعليم عبر آليات تمويل مختلفة
لتيسير المقارنة بين نُهُج البلدان، يحدّد هذا التحليل خمس آليات تمويل رئيسية.
إلى الحكومات دون الوطنية: تخصّص بلدان كثيرة أموالاً من الحكومة المركزية إلى المستويات الأدنى من الحكومة لاستخدامها في التعليم، سواء كانت مخصّصة لغرض محدد أم لا. وترتبط المنح عادةً بمقاييس السكان وتكلفة وحدة الخدمة، لكنها تُعدَّل أحياناً مع مراعاة عوامل كالفقر والموقع لتعزيز الإنصاف.
إلى المدارس: تقدّم بلدان كثيرة موارد مباشرة من الحكومة المركزية إلى المدارس، عبر منح إجمالية أو مخصصات أخرى على مستوى المدرسة، ويعوّض بعضها المدارس الواقعة في مناطق محرومة أو التي تخدم فئات محرومة أو الاثنتين معاً.
إلى الطلاب والأسر عبر ميزانيات التعليم: قد تقدّم وزارات التعليم موارد للطلاب المحرومين وأسرهم. وقد تكون هذه إعفاءات من دفع الرسوم أو إعانات نقدية، كالمنح الدراسية، وإن كان كثير من هذه البرامج قائماً على الجدارة لا موجّهاً نحو الإنصاف، أو عينية كالحقائب المدرسية.
إلى الطلاب والأسر في صورة وجبات مدرسية: برامج الوجبات المدرسية مثال على تحويل عيني يُقدَّم للطلاب في المدرسة. وبحسب السياق، قد تساعد على تعويض انعدام الأمن الغذائي لتعزيز الحضور والتعلّم. وقد تموّلها وتديرها وزارات التعليم أو وزارات أخرى.
إلى الطلاب والأسر عبر الميزانيات الاجتماعية: تقدّم وزارات الحماية الاجتماعية أموالاً نقدية للأسر المحرومة تساعد على تحسين فرص التعليم، إما صراحةً، كجعل المدفوعات مشروطة بمعيار تعليمي، أو ضمنياً، كالتحويلات النقدية غير المشروطة ومنح الأطفال.
تُستخدم التحويلات إلى الحكومات دون الوطنية أحياناً لإعادة توزيع أموال التعليم
أُدخلت اللامركزية ونقل السلطات في بلدان كثيرة لتحسين كفاءة تخصيص الموارد. وفي حالة التعليم، يمكن للحكومات المحلية الاستفادة من قربها من المدارس والمجتمعات المحلية لاتخاذ قرارات أكثر استنارة، في حين تكون المساءلة أقوى، إذ يمكن للمواطنين رصد أداء السلطات المحلية بسهولة أكبر. لكن موارد التعليم المقدّمة إلى الحكومات دون الوطنية يمكنها أيضاً تحسين الإنصاف. ومدى استجابة هذه التحويلات للاحتياجات التعليمية المختلفة للحكومات دون الوطنية ولقدراتها على تحصيل الإيرادات أمر حاسم لنجاح إصلاحات اللامركزية ونقل السلطات: فتخصيص الموارد السيئ التخطيط قد يفاقم عدم المساواة بين الأقاليم أو المناطق الفقيرة والغنية.
وقد حُدّدت خمسة نماذج عامة لكيفية توجيه البلدان موارد التعليم إلى المستويات دون الوطنية، مرتبةً تصاعدياً بحسب درجة توجّهها نحو الإنصاف.
يتمثل النموذج الأول في نظم مركزية أحادية القناة تتسم بمحدودية نقل السلطات المالية وقوة الرقابة العمودية، تتولى فيها وزارات التعليم أو المالية إدارة المخصصات مباشرة إلى المكاتب غير المركزية، معتمدةً في الغالب على الميزانيات التاريخية مع هامش ضئيل لتعديلات الإنصاف، ومن أمثلتها بنغلاديش والكونغو والأردن وجمهورية لاو الديمقراطية الشعبية. وهذه البنية شائعة أيضاً في الدول الصغيرة.
والنموذج الثاني نظام مزدوج تموّل فيه الحكومة المركزية الرواتب والتكاليف المتكررة الأساسية من قناة أولى، والبنية التحتية أو البرامج التكميلية من قناة ثانية، قد يكون لها هدف إنصافي أو لا يكون. ففي الجزائر، تموّل الحكومة المركزية جميع تكاليف الموظفين تقريباً، في حين تدير البلديات النفقات التشغيلية عبر تحويلات إدارية من صندوق التضامن والضمان للجماعات المحلية المركزي، دون بُعد إنصافي. وتستخدم إيطاليا قناة ثانية، هي صندوق المعادلة المكرّس في المادة 119 من دستور عام 2023، لتحقيق أهداف إعادة التوزيع عبر معايير محددة مركزياً.
وفي منغوليا، تحوّل الحكومة المركزية أموالاً مخصّصة إلى الحكومات دون الوطنية لرواتب المعلمين والعمليات المدرسية المتكررة، في حين يُدار الإنفاق على البنية التحتية والتنمية عبر صندوق التنمية المحلية، الذي ليس له توجّه إنصافي محدد بوضوح.
ويعتمد النموذج الثالث على مخصصات بسيطة لكل طالب تحسّن القدرة على التنبؤ لكنها توفر قدرة محدودة على إعادة التوزيع. ففي كينيا، تتمثل الآلية الرئيسية لتمويل مواد التدريس والتعلّم والعمليات المدرسية في التعليم الأساسي في منح الفرد، التي تُحسب بوصفها مبلغاً ثابتاً لكل طالب ملتحق، دون صيغة صريحة مرجّحة بالإنصاف تراعي الفقر أو البعد أو القدرة المالية.
ويُدخل النموذج الرابع تعديلات صريحة للإنصاف تجمع بين مبلغ لكل طالب وترجيح يراعي الفقر أو البعد أو اللغة أو غيرها من الأبعاد. ففي البرازيل، أُنشئ صندوق صيانة التعليم الأساسي وتطويره وتثمين مهنيي التعليم في عام 2007 وأصبح دائماً في عام 2020. وهو يضمن حداً أدنى وطنياً للإنفاق على كل طالب، مع تكملات اتحادية لأفقر الولايات والبلديات. وقُدّر أن عدم المساواة انخفض بنسبة 12% في خمس سنوات بفضل الصندوق، وأن هذا الأثر استمر طوال العقد الثاني من هذا القرن. وأدخلت إصلاحات ما بعد عام 2020 معايير صغيرة مرتبطة بالأداء قد يكون لها أثر غير منصف. ويخصّص النظام العام للمشاركات في كولومبيا نحو 60% من إيراداته المجمّعة للتعليم مع مراعاة خطر التسرّب والإعاقة والطلاب المقيمين في المساكن الداخلية وغيرها من الاحتياجات. ورغم أن معظم الأموال يذهب إلى الرواتب وأن التعديلات القائمة على الأداء محدودة، تضمن الصيغة حصول البلديات الريفية على تمويل أعلى لكل طالب.
وفي أوغندا، تُخصَّص منح الفرد للتعليم الابتدائي والثانوي للحكومات المحلية لتغطية النفقات المتكررة غير المتعلقة بالأجور. وتُحسب لكل طالب، استناداً أساساً إلى الالتحاق، مع مراعاة ضئيلة للفئات التي يصعب الوصول إليها، كاللاجئين، أو للأداء. وقد جعل صغر حجمها وضعف المعادلة من الصعب على المقاطعات الأفقر الحفاظ على الجودة، مما أدى إلى استمرار التفاوت في الوصول. وبلغت مخصصات المدارس الابتدائية للعام 2025/2026 ثمانية عشر ألف شلن أوغندي لكل تلميذ، أي 5 دولارات أمريكية، مما يعني أن المدارس تعتمد على مساهمات جمعيات الآباء والمعلمين لتغطية النفقات الأساسية.
وفي ظل النموذج الخامس، تتمتع السلطات دون الوطنية باستقلالية كبيرة، وتعيد صيغ المعادلة توزيع الموارد. فكندا وألمانيا تستخدمان التحويلات المالية العامة لدعم معايير خدمة متقاربة بين الولايات القضائية. وتستخدم الصين التحويلات العامة لموازنة القدرة المالية للمقاطعات، وتضع معايير على الصعيد الوطني لتكاليف التعليم الإلزامي. وتُحسب هذه باستخدام مبادئ توجيهية وطنية للإنفاق على كل طالب وعوامل التكلفة الإقليمية، مع مراعاة خاصة لمناطق الأقليات العرقية بموجب قانون الحكم الذاتي الإقليمي العرقي لعام 1984. ورغم أن هذه الآليات قلّصت التفاوت بين المقاطعات، لا تزال أوجه عدم المساواة قائمة على مستوى المحافظات. وفي الدانمرك، تموّل البلديات التعليم الأساسي أساساً عبر ضرائب الدخل المحلية، في حين تغطي تدابير المعادلة الفجوة بين الوعاء الضريبي وتكاليف الخدمة. ولا تخصّص الحكومة المركزية أموالاً للتعليم تحديداً.
وإجمالاً، يخصّص 121 بلداً، أي 58% من البلدان، أموالاً للحكومات دون الوطنية لأغراض التعليم، بنسب تتراوح بين 29% في أوقيانوسيا و33% في شمال أفريقيا وغرب آسيا و91% في أوروبا وأمريكا الشمالية. ومن بينها، يُدرج 57 بلداً، أي 47%، عناصر إنصاف صريحة في آليات التحويل لديها، بنسب تتراوح بين 13% في شمال أفريقيا وغرب آسيا و29% في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي و67% في أوروبا وأمريكا الشمالية و71% في آسيا الوسطى والجنوبية.
وتكافح بلدان كثيرة تحاول إعادة توزيع الأموال عبر التحويلات بين مستويات الحكومة لإحداث أثر في عدم المساواة الإقليمية. فتمويل التعليم في الأرجنتين، وهي بلد اتحادي، يتألف من ثلاثة أجزاء. أولاً، تموّل المقاطعات التعليم من إيراداتها الذاتية، التي تشكّل الجزء الأكبر من إجمالي الإنفاق على التعليم، بنسبة 79% في عام 2024، وإن كانت في تراجع، إذ بلغت 90% في عام 2011. ثانياً، تحوّل الحكومة الاتحادية جزءاً من إيراداتها إلى حكومات المقاطعات، بنسبة 19% في عام 2024، للتعويض عن تفاوت قدرة المقاطعات على تعبئة الإيرادات. وتُصرف هذه الأموال وفق قواعد حدّدها قانون تمويل التعليم لعام 2005، تراعي السكان الريفيين وغير الملتحقين بالمدارس. وتقلّص هذه التحويلات تقليصاً كبيراً الفجوات في الإنفاق على كل طالب بين المقاطعات، وإن لم تكن كافية لإزالتها. ثالثاً، تجري وزارة التعليم وغيرها من الوزارات الاتحادية تحويلات غير تلقائية إلى المقاطعات والبلديات لتنفيذ برامج على الصعيد الوطني، بنسبة 4% في عام 2024، لكن ثمة دعوات إلى مراجعة أثرها في الإنصاف. ورغم أن نموذج المشاركة في الإيرادات يحسّن تمويل المقاطعات الأفقر، فإنه يخلق أيضاً اعتماداً، مما يثبّط توليد الإيرادات المحلية ويجعل معظم الإنفاق غير مرن.
وتقدّم إثيوبيا مثالاً على إصلاح اللامركزية ذي التوجّه الإنصافي القوي. ففي أعقاب نقل واسع للسلطات في التسعينيات والعقد الأول من هذا القرن، مُنحت الحكومات الإقليمية بعض الصلاحيات والمسؤوليات عن تقديم الخدمات، وإن نُقلت هذه على نحو متزايد إلى الأقضية. وكانت المنح الإجمالية من الحكومة المركزية إلى الحكومات الإقليمية، ومن الحكومات الإقليمية إلى حكومات الأقضية، المصدر الرئيسي للتمويل، ونال التعليم الحصة الأكبر منها. واستندت الصيغة الأصلية إلى السكان بنسبة 65%، والفقر بنسبة 25%، وتحصيل الإيرادات وجهد الأداء القطاعي بنسبة 10%. وفي عام 2008، عُدّلت الصيغة لضمان المساواة في نطاق تقديم الخدمات ومستواه واستقلال المنحة عن مستويات الجهد الضريبي الإقليمي، مع توفير حوافز في الوقت نفسه للحكومات المحلية لتحسين أدائها. واتخذت الحوافز شكل منحة مشروطة أُدخلت في العام 2011/2012، وبلغت ذروتها في العام 2012/2013 حين شكّلت ما يصل إلى 37% من جميع التحويلات الاتحادية، لكنها تراجعت بعد ذلك لتبلغ 6% في العام 2019/2020. ورأى أحد التقييمات أن الآثار الإيجابية في التعليم والصحة لم تكن نتيجة زيادة الموارد فحسب، بل نتيجة السيطرة المحلية على القرارات أيضاً.
وتميل البلدان المرتفعة الدخل إلى تضمين الإنصاف في التحويلات المالية بين مستويات الحكومة. ففي ألمانيا، تُعدّ التحويلات الموجّهة نحو الإنصاف سمة أساسية منذ إرساء نظام المعادلة المالية في عام 1969. وتطبّق اليابان إطاراً وطنياً للمعادلة منذ عام 1987، يعيد توزيع الموارد على الحكومات المحلية استناداً إلى الاحتياجات المقدّرة، ومنها التعليم، في إطار نظامها الأوسع للمالية المحلية. وفي جمهورية كوريا، يعمل صندوق تمويل التعليم المحلي منذ عام 1972. ويدعم نحو 97% منه العمليات التعليمية الاعتيادية، ويُخصَّص باستخدام مؤشرات منها التحاق الطلاب وعدد المعلمين والمرافق المدرسية والقدرة المالية المحلية، في حين يعالج الباقي الاحتياجات الخاصة. ويُموَّل الصندوق جزئياً من ضرائب التعليم ويُعدَّل وفقاً للطابع الريفي وغيره من الخصائص الإقليمية.
التحويلات الموجّهة نحو الإنصاف إلى المدارس شائعة لكنها كثيراً ما تكون قصيرة الأمد
تبعاً لترتيبات الحوكمة لديها، تحوّل بلدان كثيرة الموارد مباشرة إلى المدارس. ورغم أن هذه التحويلات قد تخدم أهدافاً مختلفة، كثيراً ما يكون الإنصاف أحدها، مع جهود موجّهة للتخفيف من أثر أوجه الهشاشة الناجمة عن الفقر أو الانتماء العرقي أو الإعاقة أو الموقع. وقد تكون بعض التحويلات مركزية، تخصّص ميزانيات المدارس باستخدام قواعد لكل طالب أو غيرها؛ أو قائمة على منح تشغيلية لتغطية النفقات غير المتعلقة بالرواتب؛ أو مرتبطة بمشاريع أو فئات سكانية محددة، خارج هياكل التمويل الأساسية. وتتطلب المنح المباشرة إلى المدارس الاستمرارية، وأهدافاً واضحة وبسيطة، وصيغاً شفافة، وقدرة إدارية جيدة، وتدريباً كافياً، وآليات مساءلة دون تعقيد تنظيمي مفرط أو رقابة مثقلة بالتدقيق.
وعلى الصعيد العالمي، تعيد 76% من البلدان تخصيص الموارد لصالح المدارس المحرومة. والتحويلات الموجّهة نحو الإنصاف إلى المدارس شبه شاملة في أوروبا وأمريكا الشمالية، بنسبة 91%، وفي أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، بنسبة 88%، لكنها أقل شيوعاً في أوقيانوسيا، بنسبة 56%، وفي أفريقيا جنوب الصحراء، بنسبة 63%. وهي أكثر شيوعاً بكثير في البلدان المرتفعة الدخل، بنسبة 91%، منها في البلدان المنخفضة الدخل، بنسبة 52%. وخصّص نصف البلدان التي لديها مثل هذه السياسات والبرامج على الأقل أقل من 0.5% من إجمالي إنفاقها على التعليم لها.
وطبّقت بنن التعليم الأساسي المجاني على مرحلتين: في عام 1993، موجّهاً إلى الفتيات في المدارس الابتدائية في المناطق الريفية؛ وفي عام 2006، ممتداً ليشمل جميع الأطفال في التعليم ما قبل الابتدائي والابتدائي. وبعد إعانة للرسوم جرّبها أحد المانحين في مقاطعة واحدة لتعويض المدارس عن الدخل المفقود، وسّعت الحكومة البرنامج ليشمل البلد كله في عام 2010، مطبّقةً إياه صفاً تلو الآخر. وأظهر تقييمان زيادات كبيرة في التحاق الفتيات وتقدّمهن الدراسي.
وأدخلت بلغاريا منحاً مباشرة للمدارس التي لا تقل فيها نسبة الأطفال من خلفيات محرومة، ولا سيما الروما، عن 20%، لتمويل تدابير الإدماج، كالدعم اللغوي والمساعدين في الفصول والوسطاء التربويين. وارتفع إجمالي التمويل من 13 مليون يورو في عام 2019 إلى نحو 19 مليون يورو في عام 2025. وتعتمد وظائف رئيسية، منها تدريب الوسطاء، اعتماداً كبيراً على المنظمات غير الحكومية.
وفي فيجي، تُدفع منح التعليم المجاني مباشرة إلى 738 مدرسة ابتدائية و176 مدرسة ثانوية منذ عام 2014. وفي العام 2022/2023، خُصّص 65.5 مليون دولار فيجي، أي نحو 30 مليون دولار أمريكي، بما يمثّل 13% من الإنفاق على التعليم. وفي بابوا غينيا الجديدة، أُدخلت إعانة الحكومة للرسوم الدراسية في عام 2012، فألغت الرسوم الدراسية في جميع المدارس العامة المسجّلة وعوّضتها بمنحة مباشرة لكل فرد. غير أن تنفيذها واجه تحديات، كتفاوت القدرات المؤسسية، وإعادة التوجيه عبر النظم دون الوطنية، والتأخيرات.
وفي إندونيسيا، أُدخلت المساعدة التشغيلية المدرسية في عام 2005 جزءاً من منحة مخصّصة شاملة للحكومات دون الوطنية. وحدّدت المبادئ التوجيهية الحكومية لاستخدام هذه المنح المدرسية القائمة على عدد الأفراد في البداية حداً أدنى لمخصصات مواد التعلّم وحداً أقصى لمخصصات رواتب المعلمين الإضافيين، إلى أن مُنحت المدارس حرية تصرّف كاملة في عام 2020، حين شكّلت المنحة 11% من إجمالي الإنفاق على التعليم. ووجدت المراجعات أن دعم الحكومات دون الوطنية للمدارس من أجل الاستخدام الفعال والكفء للمنح متفاوت، وأن بعض اللجان المدرسية لا تعي المعايير التي عليها استيفاؤها. ومن المشكلات الأخرى التشغيل الموازي لمنحة مدرسية من النوع نفسه على مستوى المقاطعة كان يمكن تنسيقها على نحو أفضل مع المنحة الوطنية. وفي عام 2019، أطلقت الحكومة برنامج المساعدة التشغيلية المدرسية الإيجابية، الذي يقدّم مبلغاً إضافياً قدره 60 مليون روبية إندونيسية، أي 3500 دولار أمريكي، للمدارس في المناطق الأقل نمواً والحدودية والأبعد، مُدخلاً عنصراً إنصافياً.
ومن التحديات المتكررة الأخرى في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أن المنح المدرسية التي أدخلها المانحون لم تُدمج في ميزانية الحكومة، ومن ثمّ لم تستمر بعد انتهاء دورات البرامج. فإلى جانب المنحة الإجمالية بين مستويات الحكومة، جرّبت الفلبين منحاً للإدارة المدرسية الذاتية في مقاطعات مختارة لعدد من السنوات. ورغم إصدار مبادئ توجيهية للمنح في عام 2015، لم تصبح الآلية جزءاً من الميزانية الاعتيادية وأُوقفت. لكن في كمبوديا، دُمج نوعان من المنح المدرسية الممولة من المانحين تدريجياً في ميزانية الحكومة وإجراءاتها.
وأدخلت إثيوبيا منحة مدرسية في عام 2009، كانت متناسبة مع الالتحاق، ومولها المانحون عبر ثلاثة برامج متعاقبة. وكان من شروط برنامج تحسين جودة التعليم العام من أجل الإنصاف أن تشارك الحكومة في تمويل المنحة عبر الميزانية، وهو ما استوفته الحكومة في نهاية المطاف. وظل التوجّه الإنصافي ضعيفاً، وإن أُضيفت بعض المكوّنات، كزيادة إضافية بنسبة 5% للمناطق المحرومة، ومنح إضافية لتحويل مدارس مراكز المجموعات إلى مراكز موارد للتعليم الجامع. وفي غامبيا، أُدخل برنامج منح تحسين المدارس للتخفيف من خسارة المدارس لدخلها بعد إلغاء الرسوم في عام 2013. ومُوّل في البداية من المانحين، لكن الحكومة نقلته إلى ميزانيتها بعد عام 2018. ومع ذلك، واجه تحديات في صرف الأموال في الوقت المناسب. فقد صنّف نحو 85% من المستجيبين في مسح أُجري في عام 2021 تأخّر الإفراج عن الأموال بوصفه المشكلة الأكبر، وهي مشكلة لا تزال قائمة.
وفي زمبابوي، مُوّلت منح تحسين المدارس من مجموعة من المانحين. وفي عام 2019، شكّلت 2% من إجمالي دخل المدارس الابتدائية والثانوية. وفي الواقع، كان أثرها أكبر. فقد وصلت إلى أكثر من نصف جميع المدارس، التي استُهدفت بحسب انخفاض دخلها وموقعها الريفي. وأكّد تقييم مستقل أن الاستهداف كان منصفاً وأن الأموال استُخدمت للغرض المقصود، لكنه أكّد أيضاً أن مستويات المنح كانت غير كافية وأن لجان تطوير المدارس لم تُشرَك بما يكفي. وحدّدت مراجعة أحدث تأخيرات في إخطار المدارس، وأن بعض المدارس تُركت دون دعم. غير أن منح تحسين المدارس لا تموّلها الحكومة، خلافاً لحالة وحدة مساعدة التعليم الأساسي، وهي منحة للطلاب المحرومين.
التحويلات إلى الطلاب تستهدف الحاجة أكثر فأكثر بدلاً من الجدارة
رغم أن معظم البلدان تضمن مجانية التعليم الابتدائي والثانوي، توفر عدة نظم تعليمية أيضاً منحاً دراسية، وإعانات للنقل أو الإقامة الداخلية، ومنحاً للزي المدرسي أو الكتب المدرسية، وأنواعاً أخرى من الدعم، كثيراً ما تكون خاصة بفئات معينة، للمساعدة على خفض التكاليف المباشرة التي يتحملها الطلاب والأسر. ويتفاوت تصميم البرامج: فبعض البلدان يقدّم تغطية شاملة، في حين يستهدف بعضها الآخر الفئات المحرومة. وتوجد أيضاً اختلافات كبيرة في مدى تمويل هذه المبادرات من ميزانيات التعليم، أو اندماجها في نظم الحماية الاجتماعية، أو دعمها من شركاء التنمية.
وإجمالاً، وجدت مراجعة لجميع النظم التعليمية في العالم، معروضة على منصة PEER، أن 62% من وزارات التعليم تقدّم شكلاً من أشكال المساعدة للطلاب، بنسب تتراوح بين 38% في أوقيانوسيا و44% في أفريقيا جنوب الصحراء و82% في أوروبا وأمريكا الشمالية و94% في شرق آسيا وجنوب شرقها. وإجمالاً، تقدّم هذا الدعم 44% من البلدان المنخفضة الدخل و76% من البلدان المرتفعة الدخل، بما يعكس الاختلافات في القدرة المالية.
والمنح الدراسية والمنح الموجّهة مهمة عند نقاط الانتقال بين المراحل، حين يبلغ خطر التسرّب ذروته. وتأتي الأدلة في البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا عادةً من برامج يموّلها المانحون لا من برامج ممولة من المال العام، ومن ثمّ تفتقر إلى انعكاسات أوسع على السياسات. ففي غامبيا، أدى برنامج ممول من المانحين لإعفاء الفتيات من رسوم المدارس الثانوية إلى زيادة عدد المتقدمات لامتحان التخرج من المدرسة الثانوية بنسبة 55%، مع تحقق أكبر المكاسب في المقاطعات الفقيرة حيث كانت التكاليف المدرسية الأعلى. وفي غانا، رفعت تجربة منح دراسية للفتيات مولتها منظمة خيرية احتمال إتمام المدرسة الثانوية بنحو ثلاثين نقطة مئوية. وفي كينيا، أدت تجربة عشوائية لمنحة قائمة على الجدارة مولتها منظمة خيرية، وغطّت الرسوم واللوازم في مقاطعتين، إلى زيادة الحضور والانتقال إلى المرحلة العليا من التعليم الثانوي. وفي أوغندا، استهدفت مؤسسة نحو خمسة آلاف طالب متفوق لكنه محروم مالياً بين عامَي 2013 و2017. وضُمن للطلاب القبول في مدرسة نخبوية ودُفعت رسومهم فيها. وتلقّوا مخصصاً شهرياً قدره خمسون ألف شلن أوغندي، أي 15 دولاراً أمريكياً، ومستلزمات مدرسية بقيمة سبعمائة وستين ألف شلن أوغندي، أي 230 دولاراً أمريكياً. ورفع البرنامج معدل إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي بمقدار أربع وعشرين نقطة مئوية.
وقدّم برنامج ممول من المانحين في كمبوديا في مطلع هذا القرن، في 15% من مدارس المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، منحاً دراسية بقيمة 45 دولاراً أمريكياً لطالبات الصف السابع. وكان هذا المبلغ يعادل متوسط إنفاق الأسرة على كل طالب في المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، وارتفع حضور الفتيات بنحو ثلاثين نقطة مئوية. ووجدت دراسة متابعة أن الفتيات المستفيدات حققن 0.6 سنة إضافية من التعليم حتى بعد انتهاء أهليتهن للمنحة.
ومن بين البرامج الممولة من المال العام، رفعت المنح الدراسية لطلاب المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي الفقراء في مقاطعتَي شنشي وخبي في الصين الانتقالَ إلى المرحلة العليا من التعليم الثانوي بمقدار ثماني نقاط مئوية إذا بدأ منح المنح في الصف التاسع، لكن ليس إذا بدأ في الصف السابع. وفي نيبال، حيث قُدّر أن الأسر تسهم بنسبة 49% من إجمالي الإنفاق على التعليم في منتصف العقد الثاني من هذا القرن، يدعم برنامج للمنح الدراسية طلاب الداليت والطالبات والطلاب ذوي الإعاقة بمبلغ يتراوح بين 400 و600 روبية نيبالية، أي بين 4 و6 دولارات أمريكية سنوياً، والطلاب «الفقراء والموهوبين» في التعليم الثانوي بمبلغ 1700 روبية نيبالية، أي 16 دولاراً أمريكياً، والفتيات في مقاطعة كارنالي بمبلغ يتراوح بين 1000 و1500 روبية نيبالية، أي بين 9 و14 دولاراً أمريكياً سنوياً. ويعني ضآلة مبلغ الدعم، الذي عُدّ غير كافٍ حتى للأدوات القرطاسية، أن هذا البرنامج رمزي في الأساس. ومع ذلك، عنى العدد الكبير من المستفيدين، البالغ ثلاثة ملايين أو نحو 40% من إجمالي الملتحقين بالمدارس الابتدائية والثانوية في عام 2016، أن الإنفاق كان كبيراً، إذ بلغ نحو 40 مليار روبية نيبالية، أي 386 مليون دولار أمريكي، أو 6% من إجمالي الإنفاق العام على التعليم.
ويجب أن تكون المنح الدراسية كبيرة بما يكفي، وحسنة الأداء، وجيدة الاستهداف كي يكون لها أثر. ففي المكسيك، أدخلت وزارة التعليم برنامج المنح الدراسية للتعليم الثانوي الأعلى مستهدفةً طلاب المدارس الثانوية الفقراء في المناطق الحضرية. وارتفعت تغطيته من أقل من ثلاثمائة ألف في عام 2007 إلى نحو تسعمائة ألف في عام 2014، أي 24% من إجمالي الملتحقين، بميزانية قدرها 410 ملايين دولار أمريكي، أي 23% من إجمالي الميزانية الاتحادية للمدارس الثانوية باستثناء الرواتب. وكانت ثمة ثلاثة مستويات للمنح، ترتفع بارتفاع الأداء الأكاديمي للطالب. غير أن متوسط القيمة الشهرية بلغ 716 بيزو مكسيكياً، أي 56 دولاراً أمريكياً، وهو ما يقل قليلاً عن خط الفقر المدقع. فضلاً عن ذلك، لم يحسّن البرنامج معدلات التخرج، ربما لأنه لم يصل إلى مستفيدين بالقدر المقصود من الفقر. وفي الآونة الأخيرة، حلّت منحة «بينيتو خواريس»، وهي منحة شاملة، محل برنامج التحويلات النقدية المشروطة الذائع الصيت «بروسبيرا». وفي العام 2022/2023، بلغ عدد المستفيدين من المنحة 3.4 مليون في التعليم الابتدائي و1.2 مليون في التعليم الثانوي، بميزانية قدرها 27 مليار بيزو مكسيكي، أي 1.5 مليار دولار أمريكي. وقُدّر أن التحاق الفتيان بالمرحلة العليا من التعليم الثانوي انخفض بمقدار اثنتي عشرة نقطة مئوية نتيجة الانتقال من الدفع المشروط إلى الدفع غير المشروط.
وتقدّم ماليزيا برامج متنوعة للمساعدة المالية المتعلقة بالتعليم. فبرنامج مساعدة المدارس الابتدائية، الذي كان في الأصل للطلاب من ذوي الدخل المنخفض، وُسّع في عام 2023 ليشمل جميع طلاب المرحلتين الابتدائية والثانوية، مما قلّص تركيزه على الإنصاف. وفي عام 2026، خُصّص للبرنامج 794 مليون رينغيت ماليزي، أي 203 ملايين دولار أمريكي. ويتألف الدعم الموجّه ذو التركيز الإنصافي حالياً من اثنين وعشرين تدبيراً أصغر، معظمها لطلاب المرحلة الثانوية، كالمساعدة القائمة على الحاجة ومساعدات الطوارئ والمنح الدراسية ومخصص شهري قدره 150 رينغيت ماليزي، أي 38 دولاراً أمريكياً، للطلاب ذوي الإعاقة. والحماية الاجتماعية الأوسع في ماليزيا مجزأة أيضاً، وتنتهي تحديات التنسيق إلى استبعاد كثير من الفئات المحرومة. فنحو ثلثَي مساعدات الحماية الاجتماعية يصل إلى أفقر 40%، لكن المنافع متواضعة، إذ تبلغ 13% من دخل أفقر 10%.
وتهدف السياسات والبرامج الوطنية التي تخفف رسوم الامتحانات عن المرشحين من الأسر المنخفضة الدخل في دومينيكا وغانا وليسوتو وتوغو وفانواتو إلى المساعدة على خفض خطر التسرّب عند نقاط الانتقال الرئيسية. وتعالج برامج المساعدة في النقل في بيلاروس وكوستاريكا وجورجيا وأيرلندا عدم المساواة الجغرافية بما يتجاوز المخصصات لكل طالب.
ويخفّض الدعم العيني التكاليف الخاصة، مقدّماً منافع تصاعدية، ولا سيما إذا استهدف الأسر الفقيرة. ومن أمثلة هذا الدعم الزي المدرسي في غرينادا وسيشيل، والكتب المدرسية في الكاميرون، والمساعدة بالمواد في موريشيوس. وتستهدف تدابير الدعم أيضاً فئات محرومة أخرى. فقد وُجّه الدعم النقدي إلى الفتيات، إما بصورة عامة، كالمخصصات في بنغلاديش، أو بصورة محددة، كإعانات النقل في الهند وإعانات الإقامة الداخلية في المغرب. ويعالج الدعم المقدّم للأقليات العرقية أو اللغوية أو الشعوب الأصلية عوائق محددة كالبعد أو اللغة أو التهميش الثقافي، لا تلتقطها صيغ التمويل المعتادة. ومن الأمثلة إعانات الإقامة الداخلية لطلاب الأقليات العرقية في فييت نام، والمخصصات لطلاب الأقليات في المناطق النائية في الصين، والموارد اللغوية الإضافية لطلاب المابوتشي في شيلي.
ورغم أن برامج كثيرة تعتزم استهداف الفئات السكانية المحرومة، يصعب أكثر تقييم ما إذا كانت تنجح في الوصول إليها عملياً. وتقدّم وحدة خاصة بالحماية الاجتماعية في المسح العنقودي متعدد المؤشرات التابع لليونيسف أدلة، وإن كانت منقوصة، على تغطية البرامج وفعالية استهدافها. وهي تستفسر عن نوعين عامين من البرامج: أحدهما محدد، هو دعم الرسوم الدراسية، والآخر عام، هو أشكال الدعم الأخرى المتعلقة بالمدرسة. ومن عيوبها أنه ليس من اليسير دائماً فهم البرنامج الذي يرصده المسح، كأن يكون آلية ممولة من وزارة التعليم أو من وزارة الحماية الاجتماعية، ولا البرنامج الذي تظن الأسر أنها تقدّم المعلومات عنه، ولا مستوى المساعدة التي تتلقاها. وتشير المعلومات المبلغ عنها إلى جميع أفراد الأسرة الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و24 عاماً والملتحقين بالمدرسة.
ووصل البلد الوسيط إلى 5% من سكانه بدعم الرسوم الدراسية و6% بأشكال الدعم الأخرى. غير أن متوسط الحصة التي جرى الوصول إليها كان أعلى، إذ تجاوز 15% بقليل، لأن لدى بعض البلدان برامج أكبر. والمعلومات مصنّفة بحسب خصائص الأسر، وأهمها الثروة، حيث تُرتَّب الأسر في خمس فئات، من الأفقر إلى الأغنى. وقُسّمت البلدان التي تبلغ نسبة التغطية فيها 5% على الأقل بطريقتين: بحسب مستوى التغطية، أي بين 5% و15% للتغطية الأدنى وما فوق 15% للتغطية الأعلى في المتوسط؛ وبحسب ما إذا كان أحد البرنامجين على الأقل يبدو فعالاً نسبياً في استهداف أفقر الأسر.
ومن بين البلدان ذات التغطية الأدنى، يبدو «برنامج الدعم الآخر المتعلق بالمدرسة» في مدغشقر، الذي يشير على الأرجح إلى توفير الحقائب المدرسية عبر مزيج من الدعم الوطني ودعم المانحين والدعم غير الحكومي، جيد الاستهداف، إذ يستفيد منه 42% من أفقر خُمس الأسر و9% من أغنى خُمس. وفي المقابل، يبدو أن توزيع البرامج في جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد مسطّح. ومن بين البلدان ذات التغطية الأعلى، تحقق الجزائر وبنن استهدافاً جيداً للأفقر، حتى وإن كان كثيرون لا يزالون لا يستفيدون. أما برامج بلدان أخرى، كجامايكا وتايلند، التي كثيراً ما تكون تغطيتها مرتفعة أو شبه شاملة، فتفيد أطفال الأسر الأغنى على نحو غير متناسب حتى حين يبدو أنها تحقق بعض النجاح في الاستهداف.
من الصعب تصميم آليات استهداف فعالة وكفؤة ومنصفة وتنفيذها
كثيراً ما يُسوَّغ الاستهداف لأغراض إعادة التوزيع بأسباب مالية، إذ قد يلزم توجيه الموارد العامة المحدودة إلى الأشد حاجة. غير أن الاستهداف معقد وعرضة لأخطاء كبيرة في الإدراج والاستبعاد، فيقدّم المنافع لغير المؤهلين ويغفل كثيرين من المؤهلين.
وقد يكون الاستهداف فئوياً، كالاستهداف بحسب الجنس أو الموقع الجغرافي أو حالة الإعاقة، أو قد يحاول رصد الفقر، إما مباشرة عبر اختبار الموارد، أو بصورة غير مباشرة عبر الاختبار التقريبي للموارد. ويمكن أن يشمل جهات فاعلة مختلفة، كالمجتمعات المحلية، وعمليات مختلفة، كالتدقيق، في التحقق من المعلومات والمصادقة عليها، وهو أمر مهم لتحسين الدقة والحدّ من الأخطاء وضمان المصداقية. والشفافية والبساطة أساسيتان للإداريين والمستفيدين والمجتمع.
ويتوقف الكثير على القدرة الإدارية. فبعض آليات الاستهداف مكلفة من حيث جمع البيانات ومعالجتها وتحديثها. وتتطلب آليات اختبار الموارد والاختبار التقريبي للموارد وجود سجلات متعددة ومحدّثة وجيدة التكامل للأفراد والأسر. وتتنافس أهداف الدقة والشفافية والجدوى الإدارية أحياناً فيما بينها، وينطوي أي تصميم على مقايضات بينها.
وفي حالة الاختبار التقريبي للموارد، لا يُستخدم الدخل فعلياً لعدم توافر معلومات دقيقة وموثوقة عنه؛ وبدلاً من ذلك، تستند الأهلية إلى تنبؤ باستخدام الخصائص الملحوظة للأسر، أي المؤشرات التقريبية، المرتبطة بالفقر. وفي سياقات الفقر الواسع الانتشار، يغدو التمييز الإداري بين الفقراء ومن هم قريبون من الفقر غير واضح، ولا سيما حيث تكون النظم الإدارية ضعيفة، مما يولّد توترات اجتماعية قائمة على الشعور بالظلم. ولهذا السبب، قد تمنح التغطية الأوسع أو الشاملة البرنامجَ شرعية اجتماعية أكبر. كما أوصي بالجمع بين آليات الاستهداف.
وأخيراً وليس آخراً، قد يحدث الاستبعاد لا خلال العملية الإدارية لتحديد المستفيدين وتسجيلهم فحسب، بل أيضاً خلال مراحل تشغيلية أخرى، تتوقف على كيفية سداد المدفوعات وإنفاذ الشروط.
برامج الوجبات المدرسية أساسية لتعزيز الإنصاف
يمكن لبرامج الوجبات المدرسية أن تعزّز الإنصاف بتقديم حافز للأسر الفقيرة لإرسال أطفالها إلى المدرسة. فبتحسين التغذية، تساعد الأطفال على البقاء أصحاء، والتركيز، وتحقيق أداء أكاديمي أفضل، والبقاء في المدرسة. ولذلك أصبحت البرامج محورية في كثير من الخطط التعليمية الوطنية. غير أن أثرها يتوقف على التغطية والاستهداف وجودة الوجبات.
وأظهرت تقييمات متعددة البلدان أن برامج الوجبات المدرسية تؤدي إلى زيادات في الالتحاق والحضور والتعلّم. فقد وجدت مراجعة كوكرين لثمانٍ وثلاثين دراسة في خمسة وعشرين بلداً زيادة بنسبة 3.4% في الالتحاق، وإن كانت الآثار في الحضور محدودة، وزيادة بنسبة 14% في درجات الرياضيات، وإن كانت الآثار في القراءة محدودة. وأفاد تحليل تجميعي لدراسات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بآثار إيجابية في الالتحاق والحضور، في حدود 0.12 من الانحراف المعياري تقريباً. وتبيّن أن برامج التغذية ترفع التحصيل الدراسي بما يصل إلى نصف سنة لكل مائة دولار أمريكي مستثمرة. وقدّر تحليل للعوائد الاقتصادية لبرامج التغذية المدرسية في أربعة عشر بلداً، منها تسعة في أفريقيا، أن استثماراً سنوياً قدره 11 مليار دولار أمريكي ولّد منافع اجتماعية تُقدَّر بنحو 156 مليار دولار أمريكي عبر تحسين الإنتاجية والصحة على مدى الحياة.
وتقدّم التقييمات الوطنية رؤى إضافية. ففي الصين، أُدخل برنامج تحسين التغذية لطلاب التعليم الإلزامي في الريف في عام 2011 في المدارس الابتدائية ومدارس المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي في المناطق الريفية المحرومة. وبحلول عام 2021، تضاعف عدد المحافظات المشمولة ثلاث مرات تقريباً، من 680 إلى 1732، وشمل البرنامج 42% من جميع الطلاب الملتحقين بالمدارس الريفية، وكانت الحكومة قد صرفت أكثر من 3 مليارات دولار أمريكي سنوياً. ووجد تقييم استفاد من التطبيق التدريجي أن البرنامج رفع الالتحاق بمقدار عشر نقاط مئوية. وفي الهند، أصدرت المحكمة العليا توجيهاً في عام 2001 يأمر الولايات بإدخال وجبات منتصف النهار في المدارس الابتدائية الحكومية؛ وحتى ذلك الحين، لم يكن لدى برنامج شامل للوجبات سوى ولايتين. وساعد الإدخال التدريجي للبرنامج بين عامَي 2002 و2004 على إظهار أن الوجبات المدرسية أدت إلى زيادة الالتحاق بنسبة 13%، ولا سيما في الصف الأول.
وفي غانا، قدّم برنامج التغذية المدرسية الحكومي، المنشأ في عام 2005، وجبات يومية لأكثر من مليوني طالب في المدارس الابتدائية العامة. ووجد تقييم عشوائي في المقاطعات التي تعاني انعدام الأمن الغذائي بين عامَي 2013 و2016 أنه حسّن الحضور، ولا سيما للفتيات والأطفال المحرومين. وفي مالي، رفعت الوجبات المدرسية الممولة من برنامج الأغذية العالمي في المناطق المتأثرة بالنزاع الالتحاقَ بنحو عشر نقاط مئوية والتحصيلَ الدراسي بنحو نصف سنة، في حين لم يكن للمعونة الغذائية العامة مثل هذه الآثار. وفي البلدان المرتفعة الدخل، يكون الأثر أصغر بكثير لكنه ليس معدوماً. فقد وجد تحليل تجميعي لاثنتين وأربعين دراسة أثراً إيجابياً صغيراً في نواتج كالحضور، في حدود 0.02 من الانحراف المعياري، ومكاسب أقوى للبرامج الموجّهة.
وتُظهر مراجعة عالمية للسياسات والبرامج الوطنية أُجريت لهذا التقرير، معروضة على منصة PEER ومستندة أساساً إلى معلومات برنامج الأغذية العالمي والمؤسسة العالمية لتغذية الأطفال والتقارير الوطنية، أن لدى 84% من البلدان برامج للوجبات المدرسية، مع انتشار يفوق المتوسط في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بنسبة 100%، وشرق آسيا وجنوب شرقها بنسبة 94%، وأفريقيا جنوب الصحراء بنسبة 92%، وأوروبا وأمريكا الشمالية بنسبة 89%. ويسجّل شمال أفريقيا وغرب آسيا، بنسبة 56%، وأوقيانوسيا، بنسبة 44%، أدنى المعدلات. والممولون الرئيسيون هم بأغلبية ساحقة وزارات التعليم، بنسبة 75%، تليها وزارات الحماية الاجتماعية والصحة، بنسبة 9%، ومنظمات أخرى، بنسبة 15%. وتشير تقديرات مستندة إلى نتائج مسح الوجبات المدرسية لعام 2024 إلى أن 29% من أطفال المدارس الابتدائية على الصعيد العالمي يستفيدون من وجبات مجانية أو مدعومة. والتغطية ليست متناسبة مع الدخل: فهي 27% في البلدان المنخفضة الدخل، و18% في البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، و39% في البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا، و45% في البلدان المرتفعة الدخل.
ومنذ عام 2020، أدخلت عدة بلدان برامج جديدة للتغذية المدرسية بوصفها مكوّنات أساسية في ميزانياتها الوطنية لتحسين النواتج التعليمية وتعزيز الإنصاف. وهذه المبادرات مصممة للوصول إلى جميع الأطفال، ولا سيما المنتمين إلى الفئات المحرومة. ففي سورينام، أُطلق برنامج للتغذية المدرسية في عام 2022 بصورة تجريبية في اثنتين وأربعين مدرسة ذات معدلات فقر مرتفعة، ثم وُسّع لتقديم فطور يومي لأكثر من تسعة عشر ألف طالب في 180 مدرسة. وفي أعقاب تغيير الحكومة، سيشهد البرنامج حصول أكثر من خمسة عشر ألف طالب على شطيرة و2900 طفل على وجبة ساخنة يومياً، بميزانية قدرها 270 مليون دولار سورينامي، أي 7 ملايين دولار أمريكي.
وفي السنوات الأخيرة، واصلت بلدان كثيرة تعزيز البرامج القائمة وتوسيعها. فقد حُدّث برنامج تحسين التغذية للطلاب الريفيين في الصين، المذكور آنفاً، في عام 2022 بتدابير تنفيذ جديدة تشمل مسائل كالمبادئ التوجيهية للتغذية والمكوّنات المحلية وأنظمة غذاء الأقليات، فضلاً عن الإدارة والتفتيش. وارتفعت ميزانيته إلى 27.7 مليار يوان صيني، أي 4 مليارات دولار أمريكي، في عام 2023. وفي الولايات المتحدة، يخدم البرنامج الوطني لوجبة الغداء المدرسية وبرنامج الفطور المدرسي، اللذان تديرهما وزارة الزراعة منذ عام 1946، ثلاثين مليون طفل، بمعدل تغطية قدره 57%، في 94 ألف مدرسة ابتدائية وثانوية، تمثّل 91% من المدارس العامة و15% من المدارس الخاصة، بتكلفة بلغت 23.5 مليار دولار أمريكي في عام 2024. ويمكن أن تكون الوجبات مجانية أو مخفّضة السعر أو بالسعر الكامل بحسب دخل الأسرة أو معايير فئوية أخرى. ويشمل البرنامج أيضاً حكم الأهلية المجتمعية للمدارس ذات معدلات الفقر المرتفعة. وحتى العام 2023/2024، كانت ثماني ولايات قد سنّت تشريعات للوجبات المجانية الشاملة تغطي جميع الطلاب من مرحلة ما قبل الابتدائي حتى نهاية التعليم الثانوي، أي الصف الثاني عشر.
غير أن حكومات كثيرة لا تزال تكافح لإنشاء برامج الوجبات المدرسية والحفاظ عليها بسبب عدم موثوقية التمويل، والاعتماد على المانحين الخارجيين، وضعف نظم الرصد. ففي نيجيريا، أُوقفت تجربة برنامج التغذية المدرسية المعتمد على الإنتاج المحلي، التي أُطلقت في عام 2004 في اثنتي عشرة ولاية، في غضون سنتين بسبب نقص التمويل ومحدودية إشراك أصحاب المصلحة وضعف البنية التحتية وعدم كفاية الرقابة. وأُعيد إطلاق البرنامج على الصعيد الوطني في عام 2016، وارتفعت تغطيته من مليون طالب في عام 2017 إلى نحو عشرة ملايين طالب في 56 ألف مدرسة ابتدائية عامة في عام 2022. وبلغت ميزانيته 142 مليار نايرا نيجيرية، أي 374 مليون دولار أمريكي، في عام 2023. وظلت تحديات الإدارة المالية، كمخاطر تحويل الأموال عن وجهتها، وعدم انتظام تدفقات الميزانية، ونظام الدفع المركزي، تعيق التنفيذ، وأدت إلى إعادة هيكلته في عام 2024. وجرى إشراك ثلاث منظمات غير حكومية لتعزيز المساءلة. وأظهر تحليل للتغذية المدرسية في غرب أفريقيا أن الحكومات في بلدان أخرى من المنطقة لا تستطيع تخصيص موارد كافية من الميزانية لتغطية النفقات التشغيلية، حتى وهي تعترف على نحو متزايد بالتغذية المدرسية بوصفها مكوّناً أساسياً في استراتيجياتها للتعليم والحماية الاجتماعية. وازداد هذا التحدي حدة في عام 2025 بعد انسحاب الولايات المتحدة بوصفها ممولاً لكثير من برامج التغذية المدرسية في المنطقة، كما في مالي مثلاً.
وفي اليمن، حيث واجه 2.3 مليون طفل دون الخامسة سوء تغذية حاداً في عام 2021، أُعيد إطلاق برنامج التغذية المدرسية في عام 2018 للوصول إلى نحو ستمائة ألف تلميذ في المرحلة الابتدائية. ولتعزيز الاستدامة، تدعو الخطة الاستراتيجية القُطرية المؤقتة لليمن للفترة 2026 إلى 2028 التابعة لبرنامج الأغذية العالمي إلى تعاون أوثق مع السلطات المحلية، ومواءمة مع الأولويات الوطنية للتغذية، وتمويل طويل الأمد يمكن التنبؤ به.
وطوّرت بعض البلدان نُهُجاً مبتكرة لتمويل برامج الوجبات المدرسية لديها. فدولة بوليفيا المتعددة القوميات تجمع الأموال عبر ضريبة على المحروقات، وتخصّص غواتيمالا جزءاً من إيرادات ضريبة القيمة المضافة، وتجمع جمهورية تنزانيا المتحدة بين المنح والقروض وأرصدة الكربون لتعزيز وجبات صحية أكثر ودعم استخدام الطاقة النظيفة.
برامج الحماية الاجتماعية المشروطة بالحضور المدرسي عزّزت البقاء في المدرسة
مثلما أن سياسات التعليم ليست المحرّك الوحيد لتحقيق النواتج التعليمية، فإن ميزانيات التعليم أبعد ما تكون عن الأداة التمويلية الوحيدة لتعزيز الإنصاف في التعليم. إذ يمكن لسياسة الحماية الاجتماعية أن تسهم إسهاماً كبيراً في تجاوز العقبات التي يواجهها الأطفال المحرومون في الوصول إلى التعليم والتقدّم فيه. وقد ثبت أن برامج التحويلات النقدية، سواء كانت غير مشروطة أو مشروطة بالمشاركة المدرسية، تعزّز المشاركة المدرسية. فمثلاً، وجد تحليل تجميعي لخمس وثلاثين دراسة أن الأطفال الذين يتلقّون تحويلات نقدية مشروطة كانوا أرجح بنسبة 36% للالتحاق بالمدرسة. ومال الأثر إلى أن يكون أكبر للفتيات وعند نقاط الانتقال بين المراحل. غير أن فعاليتها تتوقف على تصميمها، بما في ذلك طبيعة الشرطية ووضوحها، والمبلغ، وتوقيت التحويل وإمكانية التنبؤ به، ومتلقي المال. كما ينبغي إعداد المدارس ودعمها لاستيعاب مزيد من الطلاب.
وتتراوح البرامج بين تدخلات موجّهة بدقة تدعم فئات هشة محددة، كالأيتام والأطفال ذوي الإعاقة، وتحويلات نقدية مشروطة ذات استهداف قوي للفقر، وبرامج أوسع، منها مخصصات الأطفال أو الأسر الشاملة الرامية إلى دعم الأسر التي لديها أطفال في سن الدراسة. ووجدت مراجعة للنظم التعليمية حول العالم أُجريت لهذا التقرير، ومعروضة على منصة PEER، أن لدى 73% من البلدان على الصعيد العالمي سياسات اجتماعية تدعم الطلاب وأسرهم. ويتراوح انتشار هذه البرامج بين 38% في أوقيانوسيا و58% في أفريقيا جنوب الصحراء و85% في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي و98% في أوروبا وأمريكا الشمالية. ومن حيث مجموعات الدخل، يتراوح النطاق بين 36% في البلدان المنخفضة الدخل و87% في البلدان المرتفعة الدخل.
وكانت أمريكا اللاتينية الحاضنة الأبرز لتطبيق التحويلات النقدية المشروطة، وإن ظلت مستويات الإنفاق أدنى بكثير من مستوياتها في البلدان المرتفعة الدخل كحصة من الناتج المحلي الإجمالي. ففي البرازيل، أُدخل برنامج «بولسا فاميليا» في عام 2003، ومُدّد ليشمل الفئة العمرية من 16 إلى 17 عاماً في عام 2008. وهو يدعم الأسر الفقيرة، ولا سيما في المنطقة الشمالية الشرقية، بمدفوعات شهرية عن كل طفل يرتاد المدرسة، في حين قُدّمت أموال إضافية عن الأطفال دون الخامسة الذين تلقّوا التطعيم. وبالنسبة إلى الفتيات، رفع المشاركة بمقدار ثماني نقاط مئوية والتقدّم من صف إلى آخر بمقدار عشر نقاط مئوية، وبمقدار ثلاث وعشرين نقطة مئوية للفتيات الريفيات من سن 15 إلى 17. وبحلول عام 2025، كان قد وصل إلى أكثر من عشرين مليون أسرة، أي 55 مليون شخص، مقدّماً في المتوسط 139 دولاراً أمريكياً لكل أسرة شهرياً، بميزانية إجمالية قدرها 35 مليار دولار أمريكي في عام 2023.
وفي كولومبيا، رفع برنامج «عائلات في العمل»، وهو برنامج تحويلات نقدية مشروط بالحضور المدرسي واستخدام الخدمات الصحية، الالتحاقَ بين الأطفال الريفيين من سن 8 إلى 17 بمقدار يتراوح بين نقطة مئوية واحدة وسبع نقاط مئوية، وإتمامَ التعليم الثانوي بمقدار أربع نقاط مئوية. وهو يخدم نحو ثلاثة ملايين أسرة فقيرة تُستهدف عبر آليتين متكاملتين: سجلات من يعيشون في فقر مدقع والشعوب الأصلية والسكان النازحين؛ والمؤشر المتعدد الأبعاد لنظام تحديد المستفيدين من البرامج الاجتماعية التابع لإدارة التخطيط الوطني. ورغم صغر حجمه نسبياً، إذ يبلغ 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي، ومستوى تحويلاته، الذي يبلغ 22% من خط الفقر، كان الأفضل استهدافاً بين جميع البرامج الاجتماعية في البلد، إذ يصل 56% من موارده إلى أفقر 20% من الأسر. وفي عام 2024، دُمج في برنامج «دخل المواطن» الذي يوحّد البرامج ذات الصلة بهدف توسيع التغطية.
وتبرز التقييمات الطويلة الأمد أهمية التحويلات التي يمكن التنبؤ بها والتعرّض المستمر لها. ففي هندوراس، رفع برنامج المخصصات الأسرية الالتحاقَ بمقدار نقطة إلى نقطتين مئويتين، والحضورَ بمقدار 0.8 يوم شهرياً، والترفيعَ بمقدار نقطتين إلى أربع نقاط مئوية. ولاحقاً، كان المستفيدون أرجح لإتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي ودخول التعليم العالي، مع آثار أقوى للفتيات والأسر الأفقر، مما يوحي بأن حتى الآثار المتواضعة في الأجل القصير يمكن أن تتراكم لتصبح مكاسب ذات معنى في الأجل الطويل.
وفي المكسيك، كان البرنامج المعروف على التوالي باسم «بروغريسا» ثم «أوبورتونيداديس» ثم «بروسبيرا»، بين عامَي 1997 و2019، أكثر برامج التحويلات النقدية المشروطة خضوعاً للتقييم الصارم، بمكوّنات للتعليم والصحة والتنمية الاجتماعية. ووقت إغلاقه، كان يخدم 26 مليون شخص، وبلغت تكلفة مكوّنه التعليمي 1.5 مليار دولار أمريكي. وأظهرت التجارب العشوائية زيادات كبيرة في الحضور والتقدّم من صف إلى آخر، ولا سيما عند نقاط الانتقال. كما ظهرت منافع طويلة الأمد من حيث التحصيل التعليمي والنواتج المهنية والحراك الاقتصادي.
وفي أجزاء أخرى من العالم، لبعض برامج التحويلات النقدية تاريخ طويل، في حين استُلهم بعضها الآخر من أمريكا اللاتينية. فبرنامج النهوض عبر الصحة والتعليم في جامايكا يستهدف أفقر 40% من الأسر منذ عام 2001. واليوم، ثمة نحو 350 ألف أسرة مستفيدة. وتبدأ العملية بطلب تقدّم فيه الأسر معلومات عن وضعها الاجتماعي والاقتصادي تُستخدم لتقييم أهليتها. ويزور الأخصائيون الاجتماعيون الأسر حين يلزم التحقق من الأهلية. ويكون الأطفال مؤهلين لتحويل تعليمي حتى إتمام المدرسة الثانوية إذا بلغ معدل حضورهم 85% على الأقل. وبلغ التحويل الشهري لكل طفل نحو 9% من الحد الأدنى للأجور. وللتحويل أثر إيجابي وذو دلالة يصل إلى 6.5 نقاط مئوية في احتمال إتمام المدرسة الابتدائية والثانوية.
وفي جنوب آسيا، ركّزت البرامج على تعليم الفتيات. ففي بنغلاديش، بدأ برنامج مساعدة طالبات المدارس الثانوية في عام 1994، بعد اثنتي عشرة سنة من التجريب، ومن ثمّ فهو يسبق برامج أمريكا اللاتينية. ونُفّذ بخصائص التحويلات النقدية المشروطة، كاشتراط معدل حضور قدره 75%، وإن كان قد عمل فعلياً بوصفه برنامجاً للمنح الدراسية. وقُدّر أثره في التحصيل في البداية بزيادة قدرها 1.2 سنة من التعليم. ووجد تقييم أطول أمداً أن المستفيدات كسبن أكثر من ثلاث سنوات إضافية من التعليم، وكن أرجح بمقدار خمس نقاط مئوية لإتمام المدرسة الثانوية. ورافقت هذه التحسينات تأخّر الزواج، وانخفاض الخصوبة، وارتفاع احتمال المشاركة في العمل الماهر، مما يبرهن على العوائد المتعددة الأجيال لدعم تعليم الفتيات الثانوي.
وفي باكستان، أُطلق برنامج مخصصات طالبات المدارس في البنجاب في عام 2004. ودُفعت مخصصات فصلية بقيمة 600 روبية باكستانية، أي 10 دولارات أمريكية، تعادل نحو 3.4% من الإنفاق الاستهلاكي الوسيط للأسرة، لكل طالبة ترتاد مدرسة ثانوية عامة في الصفوف من السادس إلى العاشر، ما دامت ترتاد المدرسة 80% من الوقت على الأقل. وكان يُفترض أن يكفي نحو 80% من المخصص لتغطية تكاليف النقل والزي المدرسي والكتب المدرسية. ويفيد تقدير أولي بأن المخصص رفع التحاق الفتيات بالمرحلة الدنيا من التعليم الثانوي بمقدار تسع نقاط مئوية. وأكدت دراسة أطول أمداً الأثر في الالتحاق، وقدّرت كذلك الأثر في إتمام المدرسة الثانوية بست نقاط مئوية.
وفي محافظة فقيرة مصنّفة في شمال غرب الصين، خفّض تحويل نقدي مشروط التسرّب من المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي بنسبة 60%. وفي إندونيسيا، بدأ برنامج «الأسرة المأمولة» تقديم تحويلات نقدية فصلية للأسر الشديدة الفقر في عام 2007. ورغم أنها كانت تعادل في البداية ما بين 15% و20% من الدخل، انخفضت قيمتها الحقيقية إلى 7% في غضون ست سنوات. وللأسر المؤهلة خصائص ديموغرافية معينة، كوجود أطفال دون الخامسة عشرة أو أطفال من سن 16 إلى 18 لم يُتمّوا تسع سنوات من التعليم. وشملت شروط المدفوعات معدل حضور مدرسي قدره 85%. وارتفعت معدلات الالتحاق بين من هم في سن 13 إلى 15 بما يصل إلى تسع نقاط مئوية، أي ما يعادل خفض معدل عدم الالتحاق إلى النصف، ومعدلات إتمام التعليم الثانوي بما يصل إلى سبع نقاط مئوية. ووسّعت الحكومة البرنامج من 3.5 مليون إلى عشرة ملايين أسرة بين عامَي 2016 و2018، ليصل إلى 15.6% من السكان في عام 2024. لكن في عام 2025، انخفضت هذه الحصة إلى 14% في إطار جهود تحسين الاستهداف.
وفي الفلبين، وبعد اثنتي عشرة سنة من التنفيذ، كُرّس برنامج التحويلات النقدية المشروطة «بانتاويد باميليانغ بيليبينو» في القانون في عام 2019. وفي عام 2020، كان يغطي 4.3 مليون أسرة لديها أطفال دون الثامنة عشرة ويقل دخلها عن 2.15 دولار أمريكي يومياً. ومنذ عام 2014، يُستكمل ببرنامج يدعم مائتي ألف أسرة لم تكن مدرجة في الأصل لكونها بلا مأوى أو من الشعوب الأصلية أو بحاجة إلى حماية خاصة. وفي عام 2018، صرف 89 مليار بيزو فلبيني، أي 1.7 مليار دولار أمريكي، غطّت الحكومة 78% منها، بما يعادل 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي أو 2.6% من إجمالي الإنفاق العام. ولم يعادل سوى 7% من دخل المستفيدين، وهو مبلغ منخفض مقارنة بالبرامج المماثلة. والمعهد الفلبيني لدراسات التنمية مكلّف بتقييم أثره كل ثلاث سنوات. وأُجريت حتى الآن ثلاثة تقييمات، مع تأخر الموجة الرابعة بسبب جائحة كوفيد 19. ورفع البرنامج معدلات الالتحاق بمقدار ثماني نقاط مئوية بين من هم في سن 12 إلى 17 في المناطق الحضرية.
وفي الجزائر، أدخلت وزارة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة منحة سنوية لمساعدة الأسر الفقيرة على شراء اللوازم المدرسية في عام 1996. وبحلول منتصف العقد الثاني من هذا القرن، بلغت قيمة المنحة ثلاثة آلاف دينار جزائري، أي 23 دولاراً أمريكياً، ووصلت إلى 2.9 مليون طالب في المرحلتين الابتدائية والثانوية. وفي عام 2021، رفع المرسوم التنفيذي رقم 21 61 المنحة إلى خمسة آلاف دينار جزائري، أي 37.50 دولاراً أمريكياً، لكن تنفيذها عانى تعقيد الإدارة وتفاوت معالجة الطلبات بين الولايات. وفي عام 2025، شدّد المرسوم التنفيذي رقم 25 168 معايير الأهلية، أي الأسر التي لا يتجاوز فيها الدخل الشهري لكل من الوالدين الأجر الوطني الأدنى المضمون، ووضّح الإجراءات ورقمنها، وأنشأ إطاراً مؤسسياً أكثر صرامة.
وفي المغرب، جُرّب برنامج التحويلات النقدية المشروطة «تيسير» أول مرة في عام 2008. ويقدّم، لما يصل إلى ثلاثة أطفال في الأسرة الواحدة، دفعة شهرية قدرها 7 دولارات أمريكية في الصفين الأول والثاني، و9 دولارات في الصفين الثالث والرابع، و11 دولاراً في الصفين الخامس والسادس، و16 دولاراً في المدرسة الثانوية. وتبلغ هذه التحويلات 5% من استهلاك الأسرة. وكان البرنامج موجّهاً في الأصل إلى الجماعات الريفية التي لا تقل معدلات الفقر فيها عن 30% ومعدلات التسرّب عن 8%. وفي العام 2018/2019، وُسّع البرنامج ليشمل جميع الجماعات الريفية في حالة التعليم الابتدائي، والبلد بأكمله في حالة التعليم الثانوي. ونتيجة لذلك، تضاعفت تغطيته ثلاث مرات، من سبعمائة ألف إلى 2.1 مليون، وكذلك تكلفته، من 71 إلى 245 مليون دولار أمريكي. وفي إطار التوسيع، سيتعيّن إدراج المستفيدين في السجل الاجتماعي الموحّد لتمكين تطبيق معايير استهداف جديدة تركّز على الفقر. وخفّض البرنامج التسرّب من المرحلة الابتدائية بنسبة 41% ورفع الالتحاق بالصف السادس بمقدار تسع نقاط مئوية، وإن أدى أيضاً إلى الاكتظاظ وزيادة الرسوب.
وفي مقدونيا الشمالية، أدخلت وزارة العمل والسياسة الاجتماعية برنامجاً للتحويلات النقدية في العام 2010/2011 لزيادة التحاق أفقر الأطفال بالمدرسة الثانوية وإتمامهم لها، بشرط أن يرتادوها 85% من الوقت على الأقل. وقُدّم البرنامج للمستفيدين من إعانة المساعدة المالية الاجتماعية، وهي أكبر برنامج لدعم الدخل في البلد، تمثّل 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وتتفاوت بحسب حجم الأسرة ومدة الاستفادة. وبلغت الإعانة السنوية الإجمالية، إذا استُوفيت جميع الشروط، اثني عشر ألف دينار مقدوني، أي 240 دولاراً أمريكياً، أو ما يصل إلى 7% من الإنفاق السنوي للأسر المستهدفة. ورفع البرنامج التحاق من هم في سن 17 إلى 19 بمقدار اثنتي عشرة نقطة مئوية.
والتحويلات النقدية غير المشروطة مستخدمة على نطاق واسع أيضاً، وإن كانت خصائص تصميمها تختلف اختلافاً كبيراً بين البلدان الأغنى والأفقر. ففي البلدان المرتفعة الدخل، تُقدَّم عادةً لجميع الأسر التي لديها أطفال. وكثيراً ما تُعتمد أيضاً سياسات إعانات الأطفال الشاملة لتعظيم الكفاءة الإدارية، والحدّ من أخطاء الاستهداف، وتعزيز الإقبال بمعاملة الدعم بوصفه استحقاقاً اجتماعياً لا مساعدة اجتماعية. ولا تشترط هذه التحويلات الالتحاق بالمدرسة أو الحضور، لكنها مع ذلك تفضي إلى نواتج تعليمية إيجابية.
وفي المقابل، تكون التحويلات النقدية غير المشروطة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل موجّهة للفقر في الغالب بدلاً من أن تكون شاملة. ورغم ارتفاع الالتحاق في البرامج المشروطة وغير المشروطة على السواء، أنتجت الشرطية استجابات أقوى، إذ كانت احتمالات الوجود في المدرسة أعلى بنسبة 65% للمستفيدين من التحويلات النقدية المشروطة، وبنسبة 42% للمستفيدين من التحويلات غير المشروطة. ففي بوركينا فاسو، وفي إطار مشروع تجريبي للتحويلات النقدية في مقاطعة ناهوري ممول من البنك الدولي، زاد نوعا الدعم كلاهما الالتحاق بالمدرسة، لكن النُّهُج المشروطة وحدها حسّنت الحضور والتقدّم من صف إلى آخر والتعلّم. وفي ملاوي، خفّض برنامج للتحويلات النقدية في مقاطعة زومبا، مدعوم أيضاً من البنك الدولي، تسرّب المراهقات في ظل الأسلوبين المشروط وغير المشروط، لكن حجم أثر التحويل غير المشروط كان أصغر بنسبة 57%. وأظهرت دراسة متابعة طويلة الأمد أن التحويل غير المشروط لم ينتج منافع تعليمية دائمة، في حين أدى التحويل المشروط إلى تحسينات مستمرة.
وفي كينيا، أدى تحويل نقدي غير مشروط لمرة واحدة بقيمة 150 دولاراً أمريكياً للمراهقات في مستوطنتين حضريتين غير رسميتين إلى زيادة العودة إلى الالتحاق بالمدرسة بعد جائحة كوفيد 19، ولا سيما بين الفتيات الأكبر سناً اللواتي كن قد تسرّبن. وفي ليسوتو، خفّض برنامج منح الأطفال الفقر وحسّن التغذية لكنه لم يزد المشاركة المدرسية زيادة كبيرة. وفي ملاوي، وفي إطار برنامج التحويلات النقدية الاجتماعية الممول من المانحين، كانت الأسرة المكوّنة من أربعة أفراد تتلقى تحويلاً شهرياً قدره 2400 كواشا ملاوية، أي 5 دولارات أمريكية، وزيادة قدرها 300 كواشا، أي 0.60 دولار أمريكي، لكل طفل، مقارنة بإنفاق تعليمي مقدّر بسبعمائة كواشا لكل طفل. وتبيّن أن البرنامج رفع الالتحاق بمقدار اثنتي عشرة نقطة مئوية وخفّض التسرّب بمقدار أربع نقاط مئوية. وأظهر تحليل إضافي أن القريبين من المدارس الثانوية استفادوا أكثر، وأن هذه الآثار تضاءلت مع انضمام مزيد من الأسر إلى البرنامج.
وفي إكوادور، تستهدف منحة التنمية البشرية الأسرَ التي لديها أطفال دون الثامنة عشرة والمصنّفة هشة وفق المؤشر الاجتماعي الاقتصادي للسجل الاجتماعي، الذي أسفرت التغييرات فيه عن تغيّر العتبات المحددة لأهلية الحصول على المنحة. ولم تُنفَّذ النية الأصلية للبرنامج بجعل المدفوعات مشروطة بالحضور المدرسي. غير أن تقييماً لآثاره على مدى عشر سنوات وجد زيادة كبيرة في إتمام المدرسة الثانوية تصل إلى نقطتين مئويتين. وبمرور الوقت، ازداد سخاء المنحة بالقيمة الحقيقية، بالتوازي مع تشديد شروط الأهلية. ورغم استدامة أثرها في الحدّ من الفقر، كان لفقدان المنحة أثر سلبي في النواتج التعليمية.
ورغم العيوب، قد تكون التحويلات غير المشروطة ضرورية حين يكون التمييز بين أفقر الفقراء مكلفاً للغاية. ويمكن أن تؤدي دوراً وقائياً حاسماً في السياقات الإنسانية حيث تكون القدرة الإدارية محدودة، ويمكن لبساطة التقديم أن تيسّر التوسّع السريع. ففي تركيا، دعم برنامج شبكة الأمان الاجتماعي في حالات الطوارئ نحو 1.8 مليون لاجئ سوري بحلول عام 2021، ويُقدَّر أنه خفّض معدلات عدم التحاقهم بالمدارس بنحو 60%، وخفّض عمل الأطفال بتوفير دخل أسري ثابت، حتى دون اشتراطات دراسية.
الاستجابة لشواغل الإنصاف تتزايد لكنها ليست شاملة
قد يكون لدى البلدان عدة برامج ضمن فئة واحدة من الآليات. وقد أعطى هذا التقرير الأولوية لجمع المعلومات عن السياسة أو البرنامج الواحد في كل آلية الذي ينطوي على أكبر نطاق لتحسين الإنصاف في كل بلد، مع إعداد ملمح قُطري معروض على منصة PEER. وتقدّم المعلومات رؤى في أربعة جوانب: انتشار التوجّه الإنصافي عبر النظم التعليمية الوطنية بمرور الوقت؛ وقوة التوجّه الإنصافي؛ والمعايير المستخدمة لاستهداف المستفيدين؛ وتصنيف عام لتركيز البلدان على نوايا الإنصاف التعليمي عبر جميع الآليات.
اعتماد الآليات الموجّهة نحو الإنصاف يتسارع
سُجّلت لكل برنامج معلومات أساسية عن جدوله الزمني، منها السنة الأولى للتنفيذ على النطاق الوطني لكل آلية، مع استبعاد سنوات التجريب، وسنة إيقاف البرنامج أو استبداله عند الاقتضاء، فضلاً عن سنوات بدء البرامج السابقة الموجّهة نحو الإنصاف وانتهائها. وتتيح هذه الجداول الزمنية تقدير معدلات الانتشار، التي تبيّن نسبة البلدان التي اعتمدت برنامجاً موجّهاً نحو الإنصاف لكل نوع من الآليات بمرور الوقت.
والتحويلات إلى الحكومات دون الوطنية ذات المكوّنات الإنصافية أقل شيوعاً من الآليات الأخرى، إذ لا توجّه جميع البلدان الموارد عبر الحكومات دون الوطنية، وحتى إن فعلت، فليس مؤكداً أنها تحوّل الموارد للتعليم. وحيثما توجد آليات التحويل هذه، تكون في العادة التزامات طويلة الأمد وأقل عرضة للتقلبات السنوية. وقد ازدادت حصة البلدان التي تستخدم التحويلات الموجّهة نحو الإنصاف إلى الحكومات دون الوطنية باطراد، ولا سيما في أواخر العقد الأول من هذا القرن، في ذروة توجّه يحبّذ إصلاحات الحوكمة واللامركزية المالية.
والتحويلات إلى المدارس هي أسرع آليات تمويل الإنصاف نمواً. وخلافاً للتحويلات بين مستويات الحكومة، تشمل المنح المدرسية مجموعة غير متجانسة من الترتيبات، أقل احتمالاً لأن تكون آلية تمويل أساسية وأكثر احتمالاً لأن تكون منحاً مستقلة أو إجمالية. ومن أمثلة التدابير الطويلة الأمد، المدمجة في الغالب في أطر التعليم الجامع، تصنيف الخُمسيات في جنوب أفريقيا، الذي أُدخل في عام 1998، ويخصّص مزيداً من الأموال للمدارس في المجتمعات الأفقر، ويعمل بوصفه آلية أساسية لإعادة التوزيع. وفي هولندا، تُموَّل المدارس الابتدائية منذ عام 1985 على أساس كل طالب، مع أوزان مختلفة تُعطى، مثلاً، بحسب ما إذا كان والدا الطالب هولنديين «أصليين» ذوي تعليم منخفض أو من خلفية مهاجرة. وفي المقابل، كثير من التحويلات الأخرى على مستوى المدرسة أحدث عهداً وأضيق استهدافاً، كالبرامج التي تستهدف المدارس الريفية في جيبوتي منذ عام 2022، أو الطلاب ذوي الإعاقة أو الاحتياجات التعليمية الخاصة في النمسا منذ عام 2012، والبحرين منذ عام 2005، وبنن منذ عام 2018، وكوراساو منذ عام 2024.
وازدادت التحويلات من وزارات التعليم إلى الطلاب وأسرهم زيادة حادة منذ العقد الأول من هذا القرن، بما يعكس تحوّلاً متعمداً نحو تدابير جانب الطلب الرامية إلى خفض التكاليف المباشرة وغير المباشرة للدراسة. وفي المتوسط، تستمر البرامج أربع عشرة سنة، وبعضها مستمر منذ أكثر من عقدين. ففي أيرلندا، دعم برنامج النقل المدرسي، المنشأ في عام 1967، 172500 طالب في عام 2024 بميزانية قدرها 451 مليون يورو. وهو يوفر نقلاً ممولاً من المال العام بناءً على المسافة أو لغة الأقلية أو الدين أو الاحتياجات التعليمية الخاصة وغيرها من المعايير. وفي كينيا، يدعم برنامج «إليمو» للمنح الدراسية طلاب المرحلة الثانوية المحرومين منذ عام 2005، ومنهم الأيتام والمتعلمون من الأسر المنخفضة الدخل واللاجئون والطلاب ذوو الإعاقة. وفي العام 2022/2023، شكّل 1.7% من إجمالي الإنفاق العام على التعليم. لكن واحداً من كل خمسة برامج لا يستمر إلا بين سنتين وخمس سنوات، بما يعكس تغيّر الأولويات السياسية. فقد أطلقت الأرجنتين برنامج القسائم التعليمية في عام 2024، الذي يقدّم قسائم شهرية مؤقتة لأكثر من ثمانمائة ألف طالب من أسر منخفضة الدخل في أكثر من سبعة آلاف مدرسة ممولة جزئياً من الدولة، تعزيزاً لأجندة الحكومة في حرية اختيار المدرسة.
وبرامج الوجبات المدرسية هي الأوسع انتشاراً بين الآليات ذات الإمكانات الإنصافية طوال الفترة، مع نمو قوي انطلاقاً من خط أساس مرتفع أصلاً. ويعكس نموها دورها المزدوج عند تقاطع التعليم والحماية الاجتماعية، وهو ما جعلها صامدة سياسياً ومؤسسياً. وفي البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، كانت هذه البرامج تاريخياً ممولة من المانحين ومدمجة في مبادرات وطنية أوسع للأمن الغذائي، وإن كان ثمة الآن جهد متزايد لإدراجها ضمن الالتزامات المالية على مستوى النظام.
وتوسّعت أيضاً التحويلات من وزارات الحماية الاجتماعية إلى الطلاب وأسرهم في بلدان كثيرة. وتسبق مبادرات كثيرة إصلاحات التعليم الكبرى الموجّهة نحو الإنصاف، مما يبرز جذورها في السياسة الاجتماعية. ففي تركيا، أطلقت وزارة الأسرة والخدمات الاجتماعية برنامج التحويلات النقدية المشروطة للتعليم في عام 2003. ومنذ عام 2021، تتجه الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي نحو إنشاء الضمان الأوروبي للطفل، الذي تنسّقه المديرية العامة للتوظيف والشؤون الاجتماعية والإدماج في المفوضية الأوروبية، مع تعيين منسّقين وطنيين وإنشاء آليات مشتركة بين الوزارات.
البلدان الأغنى تستطيع تحمّل تركيز أقوى على الإنصاف من حيث الحجم والتغطية
يقدّم تحليل استراتيجيات التمويل في البلدان معلومات أكثر من مجرد وجود آلية محددة في القانون أو السياسات. فهو يقدّم أيضاً رؤى بشأن التغطية، أي عدد المستفيدين الذين تصل إليهم، والحجم، أي الفرق الذي يحدثه التحويل في دخل المستفيدين. وتساعد هذه الأبعاد مجتمعةً على تقييم عمق آلية التمويل، أي قدرتها على تحسين الإنصاف. ورغم تسجيل معلومات الاستهداف أيضاً، أي كيفية اختيار المستفيدين، فإنها لا تُستخدم لدعم التحليل المقارن.
ويمكن أن تتفاوت التغطية، أي عدد المستفيدين كحصة من الفئة المعنية، سواء كانت حكومات محلية أو مدارس أو طلاباً أو أسراً، بحسب الآلية. فمثلاً، في برنامج للتحويلات النقدية المشروطة، تكون التغطية هي نسبة الأسر التي لديها أطفال في سن الدراسة وتتلقى التحويل. وفي برنامج للمنح الدراسية، هي حصة الأطفال الملتحقين الذين يتلقّون منحة. وبالنسبة إلى الآليات غير الشاملة، قد تُفسَّر التغطية تفسيراً مختلفاً بحسب ما إذا كانت معرّفة نسبةً إلى الفئة المؤهلة المقصودة، كبرنامج مخصصات يعتزم تغطية 60% من طالبات المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، أو نسبةً إلى إجمالي السكان. وفي هذا التحليل، يُستخدم السكان في سن الدراسة في الغالب مؤشراً تقريبياً لضمان قابلية المقارنة.
أما الحجم، أي الفرق النسبي الذي يحدثه التحويل في ميزانية المدرسة أو الأسرة، كحصة من نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي مثلاً، فمن الصعب جداً رصده استناداً إلى المعلومات المتاحة. ولذلك، تُستخدم مقاييس أخرى أيسر وصولاً لتقدير حجم البرنامج. فبالنسبة إلى التحويلات التعليمية، يُقاس الحجم بإنفاق البرنامج كحصة من إجمالي الإنفاق على التعليم أو من الإنفاق المتكرر غير المتعلق بالأجور. وبالنسبة إلى تحويلات الحماية الاجتماعية وبرامج الوجبات المدرسية، يُقاس الحجم بإنفاق البرنامج كحصة من الناتج المحلي الإجمالي.
واستُخدم مقياس من ثلاث درجات لعمق السياسة أو البرنامج، منخفض أو متوسط أو مرتفع، استناداً إلى معايير التغطية والحجم. وبعبارة أخرى، ينصبّ التركيز على أثرها المقصود في الإنصاف لا أثرها الفعلي، إذ لا توجد على الصعيد العالمي سوى تقييمات قليلة جداً تثبت الأخير. وحُدّدت الحدود الفاصلة تجريبياً لتعكس توزيع تغطية البرامج وحجمها عبر جميع البلدان. ولا ينبغي تفسيرها بوصفها معايير أو أهدافاً تدل على فعالية البرامج. وحيثما لم تتوافر البيانات المالية، استُخدمت معلومات نوعية لتصنيف عمق البرنامج.
وتستند الحدود الفاصلة أيضاً إلى الغاية من كل آلية. فبالنسبة إلى التحويلات إلى الحكومات دون الوطنية وتحويلات الحماية الاجتماعية، تُعدّ التغطية الأعلى والحجم الأعلى كلاهما مرغوباً فيهما. أما بالنسبة إلى التحويلات الموجّهة إلى المدارس والطلاب، فقد تدل التغطية المرتفعة جداً على غياب الاستهداف، إذ تتوزع الموارد على نطاق ضيق الأثر وتستفيد منها فئات غير محرومة. ولهذا السبب، يُصنَّف البرنامج بوصفه أعمق حين تكون التغطية عند مستوى وسيط، كأن تتراوح بين 10% و25% من السكان.
وبالنسبة إلى الوجبات المدرسية، تُصنَّف التغطية وفق نسبة أطفال المدارس الابتدائية الذين يتلقّون وجبات مدرسية. وتحصل البلدان على درجة مرتفعة إذا بلغت التغطية 80% على الأقل، ودرجة متوسطة إذا تراوحت التغطية بين 50% و80%، ودرجة منخفضة حين لا يصل البرنامج إلى نصف الأطفال. ويُقاس الحجم بالإنفاق الحكومي على الوجبات المدرسية كحصة من إجمالي الإنفاق الحكومي. وحُدّدت العتبة عند مستوى أعلى للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل منها للبلدان المرتفعة الدخل.
واستناداً إلى هذه التعريفات، ثمة فروق واضحة في تركيز البرامج على الإنصاف بحسب مستوى دخل البلد. فمن بين البلدان التي تخصّص موارد للتعليم للحكومات دون الوطنية، قُيّم نحو 14% بوصفها ذات تركيز قوي على الإنصاف من حيث التغطية والحجم. ولم يكن لدى ثلثَي البلدان المتوسطة الدخل دليل قوي على توجّه إنصافي في آليات التحويل بين مستويات الحكومة لديها.
وفي حالة التحويلات إلى المدارس، تكون البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل أرجح لإظهار توجّه إنصافي قوي في الحجم وأقل ترجيحاً لإظهاره في التغطية، خلافاً للبلدان المرتفعة الدخل. لكن البلدان أرجح لأن يكون لديها بعض التوجّه الإنصافي في تحويلاتها إلى المدارس منها في تحويلاتها التعليمية إلى الطلاب والأسر: فنحو أربعة من كل عشرة بلدان ليس لديها مثل هذا التوجّه في الأخيرة.
والبلدان الأغنى أرجح عموماً من البلدان الأفقر لأن يكون لديها مستوى متوسط أو مرتفع من التوجّه الإنصافي في تحويلاتها إلى الطلاب والأسر، سواء مُوّلت من ميزانيات التعليم أو الحماية الاجتماعية. ويشمل ذلك حالة الوجبات المدرسية، حيث يتمتع نصف البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا والبلدان المرتفعة الدخل بتوجّه إنصافي متوسط على الأقل في تغطية برامجها.
الفقر والموقع هما الهدفان الرئيسيان للبرامج الموجّهة نحو الإنصاف
تستهدف نظم التعليم والدعم الاجتماعي أساساً الفقر والجغرافيا بسبب التفاوتات الاقتصادية والمكانية المستمرة. ويشيع الاستهداف الجغرافي أكثر ما يشيع في التحويلات إلى الحكومات دون الوطنية، بنسبة 79%، وإلى المدارس، بنسبة 51%، في حين يُعالج الفقر أساساً عبر التحويلات إلى الطلاب والأسر، سواء مُوّلت من وزارات التعليم، بنسبة 71%، أو من وزارات أخرى، بنسبة 92%.
والدعم المقدّم للإعاقة والاحتياجات الخاصة معتدل، ويجري أساساً عبر التمويل المدرسي، بنسبة 58%، لكنه أقل شيوعاً في التحويلات إلى الحكومات دون الوطنية، بنسبة 39%، وإلى الطلاب والأسر، بنسبة 38%. أما الفئات الأخرى، كالأقليات العرقية واللاجئين، فهي أقل احتمالاً لأن تُستهدف صراحةً في البرامج الكبيرة التي حلّلها هذا التقرير، وإن كان من الممكن استهدافها ضمن برامج أصغر لم تُشمل هنا.
مؤشر يبرز التوجّه الإنصافي للنظم التعليمية
من المكلف إلى حدّ يحول دون ذلك أن يُقيَّم على نحو قابل للمقارنة ما إذا كانت تدابير التمويل التعليمي والاجتماعي في البلدان تساعد على تحسين الإنصاف. وعلى أي حال، لا يمكن قياس النجاح بمجرد النتيجة، بالنظر إلى شدة تعقيد تحقيق نتيجة كالإنصاف في التعليم. ويزيد التفاوت الواسع في السياقات المقارنة بين البلدان تعقيداً. غير أن القدرة على تلخيص كل هذه المعلومات مفيدة للبلدان كي تتأمل ما إذا كانت تسير على الطريق الصحيح.
ولأغراض هذا التقرير، وُضع مؤشر لتقييم التوجّه الإنصافي لآليات تمويل التعليم والحماية الاجتماعية. ويحاول المؤشر رصد التفاوت في تصميم السياسات والجهد المالي ومدى الوصول إلى المستفيدين بين البلدان، ملخّصاً معلومات من آليات متعددة ومتمايزة مؤسسياً.
وتُمنح كل آلية درجة باستخدام تعريفات التركيز على الإنصاف للسياسات والبرامج. فيحصل كل بُعد، أي الحجم والتغطية، على نقطة واحدة إذا كان التركيز على الإنصاف منخفضاً، ونقطتين إذا كان متوسطاً، وثلاث نقاط إذا كان مرتفعاً، باستخدام الحدود الفاصلة. وتُمنح درجة الصفر حين لا يكون لدى البلد أي سياسة أو برنامج ذي صلة في إطار كل آلية، وكذلك حين يكون لديه مثل هذه السياسة أو البرنامج لكن دون توجّه إنصافي. وبعبارة أخرى، يمكن أن يحصل البلد في آلية معينة على درجة تتراوح بين 0 و6، إذا سجّل درجة مرتفعة في التغطية والحجم كليهما. وتبعاً لذلك، يمكن أن يحصل على درجة إجمالية تتراوح بين 0 و30 حين تُجمع درجات الآليات الخمس. وفي حالة الآلية الأولى، لا تُحتسب البلدان إلا إذا كانت تحوّل موارد للتعليم عبر التحويلات إلى الحكومات دون الوطنية، مما يعني أن 121 بلداً فقط من أصل 195 بلداً مُنحت درجة. وبالنسبة إلى هذه البلدان، أُعيد ترجيح درجة الآليات الأربع الأخرى بنسبة 25% بحيث يمكن أن تبلغ درجتها القصوى 30 أيضاً.
ويولّد المؤشر توزيعاً جيد الانتشار للقيم. فنحو 20% من البلدان تسجّل ما يصل إلى 6 نقاط وتُصنَّف بوصفها ذات تركيز «كامن» على الإنصاف في التعليم، لأن جهودها محدودة أو ضعيفة التنسيق. وتسجّل 33% أخرى من البلدان ما بين 7 و12 نقطة وتُصنَّف بوصفها ذات تركيز «ناشئ» على الإنصاف في التعليم، بما يعكس مبادرات متعددة تركّز على الإنصاف وأهدافاً واضحة لإعادة التوزيع، لكن مع تنفيذ غير متسق. وتسجّل 39% أخرى من البلدان ما بين 13 و18 نقطة وتُصنَّف بوصفها ذات تركيز «راسخ» على الإنصاف، مع آليات متينة تجمع بين التمويل وتدابير داعمة أخرى. وأخيراً، تُصنَّف 8% من البلدان بوصفها ذات تركيز «متقدّم» على الإنصاف، بما يعكس نُهُجاً منهجية متكاملة تماماً على مستوى الحكومة.
وللمؤشر تدرّج بحسب الدخل، إذ ترتفع حصة البلدان ذات التوجّه الإنصافي الراسخ أو المتقدّم من 12% في البلدان المنخفضة الدخل إلى 43% في البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، و55% في البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا، و58% في البلدان المرتفعة الدخل. ومعبَّراً عنه بالقيمة الوسيطة، يرتفع المؤشر من 6 في البلدان المنخفضة الدخل إلى 10 في البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، و13 في البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا، و14 في البلدان المرتفعة الدخل. وبحسب المنطقة، تسجّل أوقيانوسيا، بقيمة 7، وشمال أفريقيا وغرب آسيا، بقيمة 9، وأفريقيا جنوب الصحراء، بقيمة 9، أدنى القيم الوسيطة، تليها آسيا الوسطى والجنوبية، بقيمة 11، وشرق آسيا وجنوب شرقها، بقيمة 14، وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، بقيمة 14، وأوروبا وأمريكا الشمالية، بقيمة 15، وهي صاحبة أعلى قيمة وسيطة. غير أنه بالنظر إلى انخفاض القيمة الوسيطة في منطقة البحر الكاريبي، البالغة 9، ستكون أمريكا اللاتينية وحدها، بقيمة 16، المنطقة الفرعية ذات التوجّه الإنصافي الأقوى.
ويعطي المؤشر وزناً متساوياً لكل من الآليات الخمس، بما يعكس فكرة أن كلاً منها يمثّل مساراً متمايزاً ومشروعاً بالقدر نفسه يمكن للحكومات عبره السعي إلى أهداف الإنصاف. ولهذا النهج ميزة الشفافية، دون تضمين افتراضات معيارية قوية بشأن الأهمية النسبية لأدوات التعليم الخاصة مقابل أدوات السياسة الاجتماعية. وفي ظل الترجيح المتساوي، تميل البلدان التي تجمع بين تمويل تعليمي إجمالي لإعادة التوزيع إلى الحكومات دون الوطنية وبين المنح أو المنح الدراسية أو آليات دعم الدخل إلى تسجيل درجات أعلى، حتى حين لا يطغى أي نهج بمفرده على الآخرين من حيث الحجم أو التغطية.
ومن النُّهُج البديلة لمنح الدرجات في المؤشر إعطاء وزن أكبر للآليتين الأولى والثانية، لتعكس فكرة أن على الحكومات إعطاء الأولوية للإنصاف عند تخصيص الموارد للسلطات دون الوطنية والمدارس، التي تسيطر عليها سيطرة كاملة. وفي المقابل، يواجه تحويل الموارد إلى الأسر تحديات عملية أكثر. وكان توزيع المؤشر مستقراً عبر خيارات الترجيح المختلفة.
ولا يدل المؤشر على انخفاض عدم المساواة التعليمية أو على الاستخدام الكفء للموارد. فكثير من البلدان لا يطبّق معايير استهداف قوية أو لا ينفذها. غير أنه لا تتوافر ببساطة معلومات كافية لتقييم بُعد الاستهداف لعدد كافٍ من البلدان. فضلاً عن ذلك، وكما ذُكر في بداية القسم، ثمة أدوات سياساتية كثيرة تتجاوز التمويل لتوليد نواتج منصفة. ولذلك لا يشير المؤشر إلا إلى التزام سياساتي قوي بمعالجة الإنصاف في التعليم عبر بنية التمويل العام. وهو أداة لمقارنة التوجّه الإنصافي، لا لتقييم نواتج الإنصاف.
ويمكن استخدام المؤشر أساساً لتحديث المؤشر المواضيعي 4.5.3 من مؤشرات أهداف التنمية المستدامة، أي وجود آليات تمويل لإعادة تخصيص موارد التعليم للفئات المحرومة، بحيث تُصنَّف البلدان التي تبلغ المستوى الراسخ أو المتقدّم بوصفها لديها آلية قائمة، والبلدان التي تقع دون هذه العتبة بوصفها ليست لديها آلية قائمة.
الخلاصة
سياسات التمويل أساسية لتحسين الإنصاف في التعليم. ففي السنوات الأخيرة، حدث نمو كبير في وعي الحكومات بأهمية التحويلات إلى الحكومات دون الوطنية والمدارس والطلاب وأسرهم لمحاولة تحسين الإنصاف. ومع ذلك، لم يُحدَّد سوى بلد واحد من كل خمسة بلدان بوصفه ذا نية إنصافية قوية بما يكفي في آليات تمويله. وتُوصّل إلى هذا الاستنتاج بعد مراجعة شاملة لخمس آليات تمويل في جميع نظم التعليم الابتدائي والثانوي في العالم، معروضة بوصفها ملامح قُطرية على منصة PEER.
والمؤشر أداة تحليلية لمقارنة التوجّه الإنصافي في السياسات الوطنية لتمويل التعليم. وهو نقطة انطلاق، وهو منقوص لأن المعلومات عن السياسات والبرامج كانت غير متاحة أو ناقصة أو غير متسقة. ولا يرصد المؤشر نواتج الإنصاف، التي تتوقف على السياقات الوطنية والتاريخية والاجتماعية الاقتصادية وعلى أدوات سياساتية أخرى تتجاوز التمويل. ولا يرصد كذلك مدى استهداف السياسات القائمة للأشد حرماناً استهدافاً فعالاً. وقد تعترض عقبات مختلفة الطريق بين نية السياسة وتصميمها وتنفيذها. ورغم أن القسم يعرض أدلة قيّمة على فعالية البلدان في توجيه الموارد التعليمية والاجتماعية إلى الأسر بحسب الوضع الاجتماعي الاقتصادي، فإن هذه الأدلة جزئية ولا يمكن استخلاص استنتاجات منها.
ومع ذلك، تصاحب معلومات المؤشر أيضاً أدلةٌ من دراسات مختارة لتقييم الأثر، تُظهر أن أمام الحكومات تحديات في استخدام التمويل لتحسين الالتحاق بالمدرسة والحضور والتحصيل الدراسي، لكنها تُظهر أيضاً ما يبعث على التفاؤل: فالجمع بين الالتزام السياساتي والموارد الكافية والاستهداف الواضح والمنخفض التكلفة يمكنه الوصول إلى الفئات المحرومة وإحداث فرق في فرصها التعليمية. ويمكن للمؤشر، الذي يقدّم سبيلاً لرصد المؤشر 4.5.3 من مؤشرات أهداف التنمية المستدامة، الرامي إلى رصد وجود نظم لتوجيه الموارد نحو الفئات المحرومة، أن يشجّع البلدان على تبادل استراتيجياتها ووضع سياسات تساعد على نحو أفضل من هم في أمسّ الحاجة إلى المساعدة.
