القائمة الرئيسية

التقرير العالمي لرصد التعليم 2026: الوصول والإنصاف، العد التنازلي نحو عام 2030 (7/1)

التقرير العالمي لرصد التعليم 2026: الوصول والإنصاف، العد التنازلي نحو عام 2030 (7/1)
ملخص الدراسة

يتناول الفصل الأول من تقرير الرصد العالمي للتعليم 2026 أهمية ضمان الوصول المنصف إلى التعليم بوصفه حقاً أساسياً لتحقيق التنمية المستدامة، ويقدّم سلسلة «العد التنازلي نحو عام 2030» التي تركز على ثلاثة محاور مترابطة: الوصول والإنصاف، والجودة والتعلّم، وملاءمة التعليم للمستقبل. ويركز التقرير الأول على الوصول والإنصاف، من خلال تحليل خمسة مؤشرات عالمية ودراسة 35 حالة قطرية لفهم أسباب تفاوت التقدم بين البلدان. ورغم تحقيق توسع كبير في التعليم منذ عام 2000، لا يزال 273 مليون طفل ومراهق وشاب خارج المدرسة عام 2024، كما لم يتحقق تعميم إتمام التعليم الثانوي. ويؤكد التقرير ضرورة وضع أهداف وطنية واقعية تراعي ظروف كل بلد، وتحسين استخدام البيانات والمؤشرات لرصد المشاركة والإنصاف والسياسات. كما يخلص إلى أن التقدم المستدام لا يتحقق بسياسة واحدة أو حلول جاهزة، بل من خلال مزيج متكامل من السياسات الملائمة للسياق المحلي، والموجهة نحو الإنصاف، والمدعومة بتمويل كافٍ ومؤسسات قوية والتزام سياسي طويل الأمد، مع الاستفادة من تجارب البلدان الأخرى دون نسخها حرفياً، وتحقيق توازن بين الأهداف العالمية والاحتياجات الوطنية.

الفصل الأول: مقدمة

ظل الوصول إلى التعليم في صميم رؤية البشرية للسلام والكرامة والمساواة. فالالتزام بتعميم التعليم «الأولي»، المكرّس في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، شكّل الأساس لكل هدف تعليمي عالمي تلاه. وقد عكس ذلك قناعة مشتركة بأن التعليم منفعة اجتماعية تمثّل ركيزة لا غنى عنها للنظام العالمي والاستقرار الدولي والبنيان الأوسع لحقوق الإنسان. وفي لحظة تُختبر فيها روح التعاون متعدد الأطراف وقيمته، يظل هذا الالتزام الراسخ بالوصول المنصف إلى التعليم بوصفه حقاً إنسانياً عالمياً تذكيراً قوياً بما يمكن أن يوحّدنا: الإيمان المشترك بأن كل طفل، في كل مكان، يستحق فرصة التعلّم والازدهار.

وينعكس هذا التطلع إلى العالمية أيضاً في خطة التنمية المستدامة لعام 2030، التي جمعت لأول مرة بين الإنسان والكوكب، وبين البلدان الفقيرة والغنية، في إطار متكامل وُضع عبر عملية شاملة وتشاركية. وضمن هذه الخطة الشاملة، يجعل الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالتعليم، المعترف بمحوريته لتحقيق سائر الأهداف، من الوصول الشامل إلى التعليم شرطاً مسبقاً لتحقيق الرؤية الكاملة لهذا الهدف.

وتعزّز خطة عام 2030 التوسّع التعليمي في اتجاهين. فرأسياً، دُعيت البلدان إلى ضمان أن يتمّ الجميع سنة واحدة على الأقل من التعليم ما قبل الابتدائي واثنتي عشرة سنة من التعليم الابتدائي والثانوي. ويمثّل ذلك امتداداً كبيراً بالنظر إلى أن الأجندات العالمية السابقة للتعليم بين عامَي 1990 و2015 ركّزت على تعميم الالتحاق بالتعليم الابتدائي وإتمامه. وكان هذا الامتداد أكثر طموحاً بكثير مما تستطيع البلدان تحقيقه بين عامَي 2015 و2030 في ضوء السجل التاريخي للتوسّع التعليمي، لكنه عكس إدراكاً بأن التخرج من المدرسة الثانوية بات شرطاً مسبقاً لإعداد الشباب لمواجهة حالة عدم اليقين في عالم سريع التغيّر. وكان التوسّع المقترح أفقياً أيضاً. فبينما لم تُشر الأجندات العالمية السابقة صراحة إلا إلى التكافؤ بين الجنسين، وسّع التعهد بعدم ترك أحد خلف الركب، وهو أحد أسس خطة عام 2030، نطاق الإنصاف والإدماج ليشمل كل من قد يكون في وضع غير مؤات بسبب خلفيته أو هويته أو قدراته.

ومع الاقتراب السريع للموعد النهائي في عام 2030، ثمة حاجة واضحة إلى تقييم ما حققته هذه الأجندة. ويؤكد هذا التقرير الحاجة إلى التأمل في أسباب الحاجة إلى أجندة عالمية للتعليم، ويرى أن هذه الأجندة تساعد على تحديد الأهداف، وجمع البيانات والإبلاغ عنها، وتوفير إطار يمكن من خلاله فهم سياقات البلدان وتجاربها ومساراتها المتنوعة نحو الأهداف فهماً أفضل.

سلسلة «العد التنازلي نحو عام 2030»

هذا الإصدار من التقرير العالمي لرصد التعليم هو الأول ضمن سلسلة من ثلاثة أجزاء بعنوان «العد التنازلي نحو عام 2030»، تهدف إلى تقييم التقدّم والمساعدة على تأطير نقاش المجتمع الدولي حول أجندة التعليم لما بعد عام 2030.

وقد تألفت الإصدارات السابقة من جزأين متمايزين متساويين تقريباً في الحجم. فالجزء الموضوعي استكشف بعمق إحدى الاستراتيجيات، وما يرتبط بها من سياسات، لتحقيق الهدف الرابع، وحدد النبرة العامة للتقرير، في حين قدّم جزء الرصد أحدث عرض للتقدّم المحرز نحو كل غاية من غايات هذا الهدف. أما نهج الإصدارات الثلاثة في سلسلة «العد التنازلي نحو عام 2030» فيمزج بين مناقشة البيانات والسياسات عبر خطوتين. أولاهما تحليل بيانات الرصد لتحديد البلدان التي تحسّنت بوتيرة أسرع من نظيراتها على مدى فترة طويلة وفقاً لمقياس ما من مقاييس التنمية التعليمية. وثانيتهما وصف محرّكات الأداء القُطري القوي، بما يشمل طيفاً واسعاً من العوامل التفسيرية كما تبرز من دراسات الحالة القُطرية، وطيفاً أضيق من السياسات التي نسبت إليها الأبحاث إحداث فرق.

وتقسّم الإصدارات الثلاثة المخطط لها من التقرير ضمن هذه السلسلة الأجندة الدولية للتعليم إلى ثلاثة موضوعات عريضة. فهذا التقرير الأول لعام 2026 يركّز على الوصول والإنصاف، ويركّز التقرير الثاني لعام 2027 على الجودة والتعلّم، في حين يركّز التقرير الثالث لعام 2028/2029 على ملاءمة التعليم، ولا سيما مدى إعداد النظم التعليمية للطلاب ليكونوا فاعلين في مواجهة التحديات العالمية.

وقد صُمّمت سلسلة «العد التنازلي نحو عام 2030» بوصفها ثلاثية متكاملة، تقرّ بأن الوصول والتعلّم والملاءمة ركائز لرؤية تعليمية واحدة. ويأتي عرضها في ثلاثة تقارير متمايزة استجابة للطبيعة المتنوعة للبيانات التعليمية العالمية التي يقوم عليها كل من هذه الموضوعات، إذ يتطلب كل موضوع مقاربة مختلفة في الرصد. فالوصول إلى التعليم، والإنصاف بدرجة أقل قليلاً، هما الأيسر قياساً كمياً لوفرة البيانات، بما يفضي إلى استنتاجات موضوعية إلى حدّ معقول حول البلدان التي أدّت أداءً أفضل من غيرها. وقد ازداد توافر البيانات المتعلقة بالتعلّم زيادة كبيرة، بما يتيح مقارنات مختارة داخل المناطق أو فئات الدخل، وإن ظلت متقطعة وغير كافية للخروج باستنتاجات واضحة حول التقدّم العالمي. كما يقلّ التوافق حول محددات الجودة والمؤشرات الأقدر على رصدها. وأخيراً، يبلغ التوافق أدناه حول تعريفات الملاءمة، ويقلّ أكثر حول مقاييسها، في حين تندر البيانات؛ فهي الجزء من الأجندة الذي يقلّ فيه أكثر من غيره توافر البيانات الصلبة لدعم تقييم ما إذا كانت البلدان قد تقدّمت.

ورغم أن كل تقرير سيتناول موضوعاً واحداً في كل مرة، فإنها ستؤكد مجتمعة التقاطع بين الموضوعات الثلاثة. ولا يعني بدء الثلاثية بالتركيز على الوصول والإنصاف أنهما أهم من الجودة والملاءمة.

فالإنصاف هو النسيج الرابط عبر الثلاثية: كيف نضمن لا أن يحظى الجميع بفرصة تعليمية فحسب، بل أيضاً أن تُوزَّع القدرات التي ينمّونها والفرص المتاحة لهم لتنميتها توزيعاً عادلاً، كي يكون التعليم قوة لتكافؤ الفرص لا لإعادة إنتاج أوجه عدم المساواة.

والجودة تضمن أن يساعد الوقت الذي يقضيه المتعلمون في مؤسسات ما قبل المدرسة والمدارس والجامعات على تحقيق الأهداف المقصودة من التعليم. وتُفهم الجودة وتُعرَّف بطرق مختلفة في أنحاء العالم. ويرى التقرير العالمي لرصد التعليم أن أي تعريف ينبغي أن يشمل المتعلمين والتنظيم والمدخلات وعمليات التعليم والتعلّم والقيادة، التي تفضي مجتمعة إلى نواتج تعلّم تدعم تنمية الفرد والمجتمع. فالموارد الكافية والمستخدمة بكفاءة، وبيئات التعلّم الآمنة والشاملة، والمعلمون المتحفزون والأكفاء، كلها علامات على جودة التعليم. ومن ثمّ ينبغي دائماً تحليل الوصول إلى التعليم وجودته كلاً منهما في ضوء الآخر.

والملاءمة من أسس الجودة؛ فالنظام التعليمي الذي لا يُعدّ المتعلمين إعداداً كافياً لا يمكن وصفه بأنه نظام جيد. غير أنه بينما ثمة توافق حول بعض النواتج، تدور نقاشات لا تنتهي حول محتوى التعليم والقيم التي ينبغي أن يغرسها. وتزداد هذه النقاشات إلحاحاً مع تراكم التحديات العالمية بوتيرة غير متوقعة، وهي تتصل بأثر التقنية الرقمية، وزحف السلطوية، والكوارث المرتبطة بالمناخ، والتلوث والتدهور البيئي، والتغيرات في التركيبة السكانية وبنية الأسرة والعلاقات الاجتماعية. وتضع هذه النقاشات في مواجهة بعضها التوحّدَ والتنوّع، والمعاييرَ والحريات، والأفرادَ والجماعات، والحقوقَ والحريات المدنية، والوطنيَّ والعالمي، والمدى القصير والمدى الطويل، والتقاليدَ والابتكار، وغير ذلك.

وخلاصة القول إن التقارير الثلاثة ضمن سلسلة «العد التنازلي نحو عام 2030» ستوفّر مجتمعة أساساً للحوار الدولي حول موقع البلدان، ومدى سرعة تقدّمها، والمحرّكات الرئيسية للفروق بينها، وما يوحي به هذا السجل بشأن الأولويات التي تحتاج النظم التعليمية إلى معالجتها مستقبلاً. والفصل بين محاور التركيز أداة لتنظيم هذا النقاش، وستُبنى الروابط بين القضايا الثلاث داخل كل إصدار.

لا يزال تقرير حول الوصول المنصف إلى التعليم وثيق الصلة كما كان دائماً

للتركيز الصريح على الوصول المنصف إلى التعليم في هذا المجلد الأول ما يبرّره. فبوصفه الأول في السلسلة، يسعى التقرير العالمي لرصد التعليم 2026 إلى الإجابة عن ثلاثة أسئلة. أولها: في كل مقياس من مقاييس الوصول إلى التعليم والإنصاف فيه، أيّ البلدان التي انطلقت من مستويات متشابهة تحسّنت بوتيرة أسرع بكثير من غيرها؟ وثانيها: في مجموعة مختارة من البلدان التي تميّزت بتحسّنها أو بركودها، ما الأسباب الرئيسية التي تساعد على تفسير الاتجاهات الملاحظة؟ وكيف تُقارن هذه التفسيرات بتلك التي حددتها الأبحاث بوصفها أدّت دوراً رئيسياً في تحسين المشاركة في التعليم والحدّ من التفاوت على المدى الطويل؟ وثالثها: ما انعكاسات التحليلات الإحصائية ودراسات الحالة القُطرية وتحليلات السياسات على أي أجندة دولية مستقبلية للتعليم في قضايا الوصول والإنصاف؟

وقد لا تكون البيانات والأساليب المستخدمة لقياس الوصول والإنصاف مثالية، لكنها لم تكن يوماً أدق مما هي عليه الآن، بما يتيح تحليلاً نقدياً للاتجاهات. ففي الماضي القريب، أدى استخدام مقاييس غير مثالية إلى تفسيرات خاطئة واستنتاجات معيبة مفادها أن العالم كان قريباً من تعميم إتمام التعليم الابتدائي أو قد حققه، بل وتعميم إتمام التعليم الثانوي. ويمكن أيضاً توظيف التحليلات الجديدة في التعليم ما قبل الابتدائي والتعليم ما بعد الثانوي للفت الانتباه إلى مقاييس أخرى غير مثالية مستخدمة حالياً في هاتين المرحلتين، والخطوات اللازمة لإصلاحها.

وثمة إنجازات تستحق التقدير. فنحو 330 مليون طفل ومراهق وشاب إضافي يرتادون المدرسة اليوم مقارنة بعام 2000، أي بزيادة 30%. كما ارتفع الالتحاق بنسبة 45% في التعليم ما قبل الابتدائي، وبأكثر من 160% في التعليم ما بعد الثانوي. وقد زالت الفجوات بين الجنسين في المتوسط في التعليم الابتدائي والثانوي، وإن ظلت قائمة في كثير من البلدان منفردة، ولا سيما في التعليم الثانوي. وتضاعف عدد البلدان التي جعلت التعليم إلزامياً لاثنتي عشرة سنة ثلاث مرات خلال خمس وعشرين سنة. وتبذل حكومات كثيرة جهوداً كبيرة للوصول إلى المناطق والمدارس والطلاب المحرومين ودعم تعليمهم، سعياً إلى مساندة من تُركوا في أبعد نقطة خلف الركب. وخلال التحدي الاستثنائي الذي فرضته جائحة كوفيد 19، استخدمت البلدان التقدّم التقني للاستجابة ومنع أسوأ العواقب المحتملة لانقطاع التعليم. كما دعمت التحسينات في البنية التحتية للنقل والطاقة والصحة الوصول إلى التعليم.

غير أن التحليل ذاته يمكن أن يلفت الانتباه إلى المواضع التي لا يزال فيها الوصول إلى التعليم محجوباً، وإلى العوائق الكثيرة والمتنوعة. ففي عام 2024، كان 273 مليون طفل ومراهق وشاب خارج المدرسة، وهذا الرقم لا يشمل ما يقدّر بثلاثة عشر مليوناً آخرين في عشرة من البلدان الأشد تضرراً من النزاعات. ويفوّت هؤلاء الأطفال فرصة كان يمكن أن تغيّر حياتهم. ومن بينهم فتيات يُثبَّطن عن ارتياد المدرسة، بل يُمنعن منه، بفعل قوانين أو ممارسات مجتمعية تمييزية. ومن بينهم أطفال أسر فقيرة تعيش في بلدان يُفترض أن التعليم فيها مجاني، لكن تكاليفه الفعلية تفوق قدرتها. ويتزايد بينهم من يعيشون في مناطق متأثرة بالنزاعات، فيُهجَّرون ويرون المباني المدرسية تُدمَّر ويشعرون بانعدام الأمن، بعد أن بلغت النزاعات الأهلية والعابرة للحدود مستويات غير مسبوقة. ومن بينهم أيضاً من تحدّوا الصعاب ليتقدّموا في التعليم، ليكتشفوا أن البيئة المدرسية غير مرحّبة وغير مستجيبة وغير مجهّزة وغير ملائمة.

وتستدعي الحاجة نظرة أدق إلى الوتيرة التاريخية لارتفاع المشاركة، والإتمام كذلك، في كل مرحلة تعليمية، من التعليم ما قبل الابتدائي إلى التعليم ما بعد الثانوي، ومن نقاط انطلاق مختلفة. ويمكن، بل ينبغي، الاستفادة من تجميع هذه المعلومات وتوثيق معدلات التقدّم التي ثبتت إمكانية تحقيقها حتى الآن لوضع أهداف واقعية وطموحة في المستقبل. فشاب واحد من كل ثلاثة شباب لا يتمّ التعليم الثانوي، ولم يحقق أي بلد تقريباً حتى اليوم تعميم إتمام التعليم الثانوي لشبابه، رغم أنه هدف معلن لجميع البلدان في إطار الهدف الرابع. أما الأهداف المتعلقة بالتعليم ما بعد الثانوي فأعقد بكثير. فرغم أن النقاش حول الحق في التعليم يشمل قضايا المحتوى، ومن ثمّ الملاءمة، فإن الأهداف لا تزال تُرى أساساً من زاوية الوصول. ولا يوجد توافق حول مستوى الوصول إلى التعليم العالي الذي ينبغي عدّه حقاً.

وأخيراً، رغم أن الوصول إلى التعليم تعرّض بانتظام، وبقدر من المسوّغ، للانتقاد بوصفه مقياساً غير مُرضٍ للتقدّم مقارنة بمقاييس التعلّم، فإن التقرير يتفق مع الرأي القائل بأن تحسين الوصول إلى التعليم يظل على المدى القصير أنجع السبل لتحسين نواتج التعلّم لدى سكان البلد. ورغم أن المقاييس الموثوقة للتقدّم في بلوغ الحدّ الأدنى من الإتقان لا تزال بعيدة المنال إلى حدّ ما، فإن أفضل التقديرات التي نشرها هذا التقرير في الماضي تشير إلى أن التقدّم في مقاييس النواتج هذه أبطأ بكثير من التقدّم في مقاييس الوصول.

وقد وجدت بلدان كثيرة حلولاً خاصة بسياقاتها للتحديات التي تواجهها، مكّنتها من التقدّم على بلدان أخرى وتوسيع الوصول إلى التعليم بوتيرة غير مسبوقة. وأي تقدّم يتجاوز المعدلات السابقة ينبغي إبرازه ودراسته، لا الحكم عليه بمعيار مرتفع إلى حدّ مفرط، وغير عادل في نهاية المطاف، هو معيار تعميم الوصول. ولا ينبغي تجاهل الجهود الكبيرة التي أثمرت مكاسب قابلة للقياس في أنحاء العالم. ويدعو هذا التقرير إلى الالتفات إلى واقع كل بلد على حدة، وإلى الإصغاء إلى التجارب التي أثبتت فاعليتها في سياقات مختلفة، حتى وإن لم يكن متوقعاً أن تُعتمد هذه المقاربات بحذافيرها في أماكن أخرى وتحقق النتائج ذاتها. وتعيد التوصيات تأكيد هذه النقطة، مشددة على أن النهج القائم على الحوار عنصر أساسي في التقدّم التعليمي.

قياس التقدّم في الوصول والإنصاف باستخدام خمسة مؤشرات

يستخدم هذا التقرير خمسة مؤشرات عالمية ومواضيعية من مؤشرات أهداف التنمية المستدامة. أولها المؤشر العالمي 4.2.2، وهو معدل المشاركة في التعلّم المنظّم قبل سنة واحدة من السن الرسمية للالتحاق بالتعليم الابتدائي، وهو ما يعني في معظم البلدان معدل مشاركة الأطفال في سن الخامسة في التعليم. ولا يميّز هذا المؤشر بين الالتحاق بالتعليم ما قبل الابتدائي والتعليم الابتدائي، ومن ثمّ يتعيّن تفكيك بياناته أكثر. وفضلاً عن ذلك، يقلّ شأن هذا المؤشر في البلدان الأغنى، التي حققت تعميم الالتحاق في هذه الفئة العمرية، ومن ثمّ تركّز على التقدّم في الفئات العمرية الأصغر.

وثانيها المؤشر المواضيعي 4.1.4، وهو معدل عدم الالتحاق بالمدارس. وقد كان المؤشر الرئيسي في إطار الأهداف الإنمائية للألفية، لكن للأطفال في سن التعليم الابتدائي فقط، في حين يُدرس التقدّم في هذا التقرير أيضاً للمراهقين في سن المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي والشباب في سن المرحلة العليا منه. ويركّز التحليل على البيانات الإدارية المبلَّغ عنها إلى معهد اليونسكو للإحصاء، التي تظل الطريقة الرسمية للإبلاغ، لكنه ينظر أيضاً في المجاميع الإقليمية والعالمية المقدّرة استناداً إلى نموذج معدل عدم الالتحاق الذي وضعه المعهد والتقرير العالمي لرصد التعليم، وفي البيانات الوطنية كالالتحاق وإعادة الصفوف وعدد السكان، للتحقق من بعض الاتجاهات بمقارنة مصادر متعددة. ويُلقى نظرة أدق على معدل تجاوز السن، لأن التغيرات في معدلات الالتحاق المتأخر وإعادة الصفوف أثّرت في تطوّر معدلات عدم الالتحاق.

وثالثها المؤشر العالمي 4.1.2، وهو معدل الإتمام في التعليم الابتدائي والمرحلتين الدنيا والعليا من التعليم الثانوي. وقد أُضيف هذا المؤشر إلى القائمة العالمية خلال أول مراجعة شاملة لإطار رصد أهداف التنمية المستدامة في عام 2020. وقبل عام 2015، كان الإتمام يُقاس باستخدام البيانات الإدارية بوصفه نسبة القبول الإجمالية في الصف الأخير من التعليم الابتدائي والمرحلة الدنيا من التعليم الثانوي. وكان لاستبداله سببان؛ أولهما أن نسبة القبول تعتمد على المقام، أي عدد الأطفال في سن التخرج كالأطفال في سن الحادية عشرة في التعليم الابتدائي، وهو ما يصعب تقديره بدقة، وثانيهما عدم توافر مقياس للقبول الإجمالي في المرحلة العليا من التعليم الثانوي. والمؤشر الجديد أفضل؛ فمعدل الإتمام يستند إلى بيانات المسوح، ويُعرَّف على أساس السكان الذين تزيد أعمارهم بثلاث إلى خمس سنوات على سن التخرج، لرصد من يتمّون التعليم متأخرين عن الموعد المقصود بسبب الالتحاق المتأخر وإعادة الصفوف. ويُحسب على جميع أفراد الفئة العمرية لا على من بدؤوا تلك المرحلة التعليمية فقط.

ورابعها المؤشر المواضيعي 4.3.2، وهو نسبة الالتحاق الإجمالية بالتعليم العالي. وهي تستند إلى البيانات الإدارية، وتُحسب بقسمة عدد الطلاب الملتحقين بالتعليم العالي على عدد السكان في فئة عمرية مدتها خمس سنوات بعد التخرج من المدرسة الثانوية، أي عادة الفئة من 19 إلى 23 عاماً، وهي الفئة العمرية النظرية. ومن بين هؤلاء الطلاب ملتحقون بالبرامج قصيرة الدورة وبرامج البكالوريوس والدراسات العليا. وتشير هذه الخصائص إلى أن قيمة معينة للمؤشر قد تنطوي على بنى مختلفة جداً بين البلدان من حيث توزيع البرامج والأعمار، ناهيك عن خصائص أخرى لا ترصدها حالياً الإحصاءات القابلة للمقارنة دولياً، كالدراسة بدوام جزئي مقابل الدوام الكامل، أو التعلّم الحضوري مقابل التعلّم عن بُعد وعبر الإنترنت. والأهم، كما سبقت الإشارة، أن مقاييس المشاركة كثيراً ما تعطي انطباعاً مضللاً عن التقدّم، ولا سيما أن هذه المرحلة التعليمية تسجّل أعلى معدلات التسرب، مما يستدعي أيضاً النظر في معدلات الحصول على المؤهل.

وخامسها المؤشر العالمي 4.5.1، أي مؤشر التكافؤ، وهو المقياس العام المستخدم لتتبّع الإنصاف. ويُحسب بقسمة قيمة مؤشر تعليمي لدى فئة محرومة على قيمة المؤشر ذاته لدى فئة ميسورة. وقد استُخدم على نطاق واسع لتقييم التفاوت بين الجنسين، أي الإناث مقارنة بالذكور، وكان مفيداً لوفرة البيانات الإدارية نسبياً. غير أنه أثبت أنه أقل إفادة في خصائص أخرى كالموقع والثروة، ويعود ذلك جزئياً إلى محدودية توافر البيانات، وجزئياً إلى أن قابلية التعريفات للمقارنة بين البلدان وعبر الزمن ليست مثالية، وإن كانت أكثر قابلية للمقارنة منها في خصائص كالانتماء الإثني أو اللغة. وقد اتُّخذت خطوات لتوحيد تعريف الإعاقة، لكن البيانات لا تزال محدودة جداً ولا تستطيع إظهار التغيرات في الوضع التعليمي للمتعلمين ذوي الإعاقة عبر الزمن.

ولا يُستخدم مؤشر التكافؤ إلا للمؤشرات التي تتراوح قيمها بين 0 و100. وتميل قيمته إلى الارتفاع عند المستويات المنخفضة للمؤشر المفصّل، حين تحظى الفئة الميسورة بزيادة أسرع في الوصول إلى التعليم من الفئة المحرومة، وإلى الانخفاض عند المستويات الأعلى، حين تلحق الفئة المحرومة بالركب. وتميل قيمة مؤشر التكافؤ إلى تتبّع قيمة المؤشر الأساسي، أي أن التغيرات في قيمته تكاد تكون آلية، ونادراً ما يوجد ما يميّز سجلات البلدان في الإنصاف. فالخصائص الديموغرافية أو الجغرافية تميل إلى تفسير سبب ارتفاع التفاوت في بعض البلدان عند مستوى معين من المؤشر الأساسي، أكثر مما يفسّره مدى جهود البلدان في الحدّ من التفاوت. وفي ضوء كل هذه التحديات، اتخذ هذا التقرير خطوات إضافية لتحديد البلدان التي حققت تقدّماً منصفاً في الوصول إلى التعليم.

وباستخدام هذه المؤشرات، يقدّم التقرير تحليلاً متيناً للاتجاهات، يُظهر أن بعض البلدان أدّت أداءً أفضل من بلدان أخرى كانت معها في موقع انطلاق مماثل أو متشابه قبل عشرين إلى خمس وعشرين سنة. ويقدّم الفصل الثاني شرحاً معمّقاً لكيفية اختيار البلدان لدراسات الحالة.

تحديد الأهداف واستخلاص الدروس وتوجيه السياسات

يسعى التقرير إلى فتح النقاش حول ما حققته البلدان، وبأي السبل، وكيف يمكن توظيف هذه المعرفة لإعادة التفكير في التعهدات العالمية بشأن التعليم. ويتناول نهجه مدى ملاءمة الأهداف العالمية للبلدان، وملاءمة نهج قائم على دراسات الحالة لتفسير التقدّم، وملاءمة تقديم توصيات السياسات للبلدان.

يتعيّن على البلدان تكييف أهداف التعليم العالمية لتصبح ذات صلة بواقعها

خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، نما استخدام البيانات والمؤشرات أدواتٍ للحوكمة في التعليم نمواً سريعاً على المستويين الوطني والدولي. وقد ساعدت هذه الممارسة على إلزام الحكومات بتخصيص الميزانيات وتنفيذ الخطط متوسطة الأجل لتحقيق أهداف تعليمية محددة. وبحسب طريقة تنظيم النظام السياسي، يمكن أن تساعد القوى السياسية على التوافق حول طريق للمضي قدماً، بما قد يحمي التعليم من التجاذبات السياسية.

ورغم أن ممارسة تحديد الأهداف أصبحت سمة معيارية في إدارة النظم التعليمية، فإنها لا تخلو من الانتقادات. فأولاً، تُقبل المؤشرات أحياناً دون تمحيص بوصفها تمثيلاً دقيقاً لأداء المدارس والنظم التعليمية. وبينما يُقبل عموماً أن مؤشرات الوصول والإنصاف الأساسية، كتلك الموصوفة في القسم السابق، تعكس على نحو منصف حالة التنمية التعليمية الوطنية، فإن مقاييس نواتج التعلّم المستمدة من التقييمات المعيارية تتعرّض لانتقادات أكثر. وفضلاً عن ذلك، ثمة خطر ألا يُدرس إلا ما هو قابل للقياس والتكميم والمقارنة، بما لا يتيح التكيّف. كما أن بيانات الوصول والإنصاف قد تخفي بقدر ما تكشف. ويسعى هذا التقرير إلى توضيح التحديات المتعلقة بجودة البيانات وتعريفات المؤشرات.

ويتعلق الشاغل الثاني باستخدام البيانات والمؤشرات في توصيات السياسات. فرغم أن اتخاذ القرار يجب أن يستند إلى الأدلة، كثيراً ما تكون الأدلة محدودة للغاية أو غير ملائمة للإجابة عن أسئلة السياسات الرئيسية. وتميل البيانات إلى أن تُعرض بطريقة تبسيطية، وكثيراً ما تُستخدم لإعداد التصنيفات، إما على المستوى الوطني لمقارنة المدارس، بما يولّد ضغوطاً وحوافز شبيهة بآليات السوق في النظم التي تشجّع حرية اختيار المدرسة، وإما على المستوى الدولي لمقارنة البلدان، بما يضغط على الحكومات للتحرك قبل أن تعرف الحلول الصحيحة. وكما يُقال أحياناً، تلاحق الحلول المشكلات بدلاً من العكس. وفي أسوأ الأحوال، تُوجَّه الجهود إلى تحسين نتائج المؤشر بدلاً من معالجة الأسباب أو التحديات الكامنة التي تحرّكه. ويسعى هذا التقرير إلى تجنّب الاستنتاجات التبسيطية بالاستناد إلى رصيد أوسع من البيانات في تحليل الاتجاهات ودراسات الحالة القُطرية على حدّ سواء.

أما الشاغل الثالث فيتعلق بكيفية اختيار المؤشرات والأهداف. وهو تحدٍّ انخرط فيه التقرير العالمي لرصد التعليم انخراطاً قوياً، إذ كثيراً ما وُجّه إلى المنظمات الدولية وتجاوزها لصلاحياتها انتقادٌ مفاده أن المعايير والمقاييس تُحدَّد في الغالب دون تشاور كافٍ مع البلدان. فرغم أن الوثيقة التأسيسية لخطة التنمية المستدامة لعام 2030 أقرّت بأن «الغايات تُعرَّف بوصفها طموحة وعالمية، على أن تحدد كل حكومة غاياتها الوطنية مسترشدة بمستوى الطموح العالمي مع مراعاة الظروف الوطنية»، لم يُتخذ في الواقع إلا القليل جداً من الإجراءات المنسّقة بشأن تحديد الأهداف الوطنية. غير أن الهدف الرابع كان استثناءً كبيراً. فمنذ عام 2017، أفضت عملية قادها معهد اليونسكو للإحصاء والتقرير العالمي لرصد التعليم، بمشاركة قُطرية قوية، إلى أن تقدّم 80% من البلدان بعض الأهداف الوطنية على الأقل، وقد سُمّيت معايير مرجعية لتمييزها عن الغايات العالمية للهدف الرابع، لعامَي 2025 و2030، بشأن ثمانية مؤشرات من مؤشرات هذا الهدف، منها أربعة مؤشرات يستعرضها هذا التقرير.

ويتمثّل الغرض الرئيسي من عملية تحديد المعايير المرجعية للهدف الرابع في وضع دعوة خطة عام 2030 موضع التطبيق، بضمان أن تحدد البلدان أهدافاً وطنية ضمن إطار رصد لأجندة دولية، ولكن ليس بمعزل عن العملية المعتادة لتحديد الأهداف الحكومية. ويمكن تحديث الأهداف حين تتغيّر الحكومات أو البرامج السياسية أو الميزانيات. فالحكومات مسؤولة أولاً وقبل كل شيء أمام مواطنيها، ومسؤولية الهيئات الدولية تشجيع البلدان على ضمان أن يُنفَّذ تحديد الأهداف، بوصفه جزءاً أساسياً من الحوكمة الرشيدة، وأن يُعلن للعموم ويتسم بالشفافية.

وإلى جانب الرصد والتقييم، رأى معهد اليونسكو للإحصاء والتقرير العالمي لرصد التعليم في هذه العملية غرضاً لا يقلّ أهمية، هو مساعدة البلدان على تحديد أهداف واقعية ترتبط بالميزانيات. فكثير من الحكومات لها سجل ضعيف في تحديد الأهداف ورصدها، ومن شأن تبادل المعلومات حول الأهداف التي تحددها البلدان أن يساعد بلداناً أخرى على تحديد أهداف أفضل مستقبلاً. ولا يختار هذا التقرير البلدان وفقاً لنجاحها في بلوغ أهدافها الوطنية، وهو محور بطاقة الأداء السنوية للهدف الرابع، بل ينظر في البلدان التي انطلقت من نقاط مماثلة لغيرها لكنها تحرّكت بوتيرة أسرع وقطعت شوطاً أبعد. ومع ذلك، يستلهم النهج العام لسلسلة «العد التنازلي نحو عام 2030» منطق عملية تحديد المعايير المرجعية، ومن أهدافه الرئيسية نشر هذه العملية والدعوة إلى استخدامها، لا في التعليم فحسب، بل في جميع مجالات أي أجندة إنمائية مستقبلية.

عملية تحديد المعايير المرجعية للهدف الرابع تدعو البلدان إلى مشاركة أهدافها الوطنية

حين كانت أهداف التنمية المستدامة قيد الصياغة، قاومت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الرصد والتقييم، أي الخضوع للمساءلة. وهذا مفهوم إلى حدّ ما؛ فالحكومات ينبغي أن تكون مسؤولة أولاً وقبل كل شيء أمام مواطنيها عن التقدّم الاجتماعي والاقتصادي، لا أمام مستوى آخر من مستويات الحوكمة. لكن في الوقت ذاته، تُعدّ الأجندة الخالية من المساءلة إشكالية. ورغم أن المساءلة لا ينبغي أن تكون بالضرورة أمام آلية دولية، فإن الهيئات الدولية تستطيع العمل على ضمان مساءلة الحكومات أمام مواطنيها.

ويُحسب للمجتمع التعليمي الدولي أنه دعا إلى المساءلة وشجّع البلدان على وضع معايير مرجعية، أي أهداف وطنية، في إطار العمل للتعليم حتى عام 2030، وهو خريطة الطريق لتحقيق الهدف الرابع المتفق عليها في عام 2015، إذ نص على أنه «يُتوقع من الحكومات أن تترجم الغايات العالمية إلى غايات وطنية قابلة للتحقيق استناداً إلى أولوياتها التعليمية واستراتيجياتها وخططها الإنمائية الوطنية، وطريقة تنظيم نظمها التعليمية، وقدرتها المؤسسية، ومدى توافر الموارد. ويتطلب ذلك وضع معايير مرجعية مرحلية مناسبة عبر عملية شاملة تتسم بالشفافية والمساءلة الكاملتين وتشرك جميع الشركاء، بما يحقق الملكية الوطنية والفهم المشترك. وينبغي أن تستند هذه المعايير إلى آليات الإبلاغ القائمة حسب الاقتضاء. والمعايير المرجعية المرحلية لا غنى عنها لمعالجة قصور المساءلة المرتبط بالغايات طويلة الأجل».

وقد ساعد معهد اليونسكو للإحصاء والتقرير العالمي لرصد التعليم، المكلّفان بموجب إطار العمل للتعليم حتى عام 2030 برصد التقدّم نحو الهدف الرابع بصورة مشتركة، البلدان على الوفاء بهذا الالتزام. وبدأت عملية تحديد المعايير المرجعية بُعيد اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة إطار رصد أهداف التنمية المستدامة في عام 2017. وفي أغسطس 2019، أقرّ فريق التعاون التقني المعني بمؤشرات الهدف الرابع، وهو الهيئة الحكومية الدولية المكلّفة بتطوير إطار رصد هذا الهدف، والمعروف الآن باسم لجنة بيانات التعليم وإحصاءاته، ستة مؤشرات هي: معدل المشاركة قبل سنة من الالتحاق بالتعليم الابتدائي، ومعدل عدم الالتحاق بالمدارس، ومعدل الإتمام، والحدّ الأدنى من إتقان التعلّم، والمعلمون المدرّبون، والإنفاق العام على التعليم. وأُضيفت الفجوة بين الجنسين في إتمام التعليم الثانوي مقياساً للإنصاف في عام 2020.

وعُدّت هذه المؤشرات ملائمة لتحديد المعايير المرجعية لأنها مدعومة ببيانات لمعظم البلدان، وتتبع اتجاهاً تاريخياً واضحاً من 0 إلى 100% أو ترتبط بغاية واضحة كالتكافؤ بين الجنسين أو الحدود الدنيا للإنفاق، كما أنها ذات صلة بالسياسات في البلدان ذات السياقات المختلفة. وبين أغسطس 2021 ومايو 2022، دُعيت البلدان إلى تقديم قيم معاييرها المرجعية. ولمّا جاءت الاستجابة إيجابية، وُضعت خطط لرصد التقدّم. وفي فبراير 2023، نُشرت أول بطاقة أداء للهدف الرابع، ترصد احتمال بلوغ البلدان معاييرها المرجعية لعامَي 2025 و2030. وحتى عام 2025، حددت 80% من البلدان أهدافاً وطنية لبعض مؤشرات المعايير المرجعية على الأقل.

وفي غضون ذلك، دعا الأمين العام للأمم المتحدة في سبتمبر 2022، في بيان رؤيته خلال قمة تحويل التعليم، إلى «سبل لتعزيز المساءلة السياسية، بالارتقاء بالترتيبات الحالية لرصد تنفيذ الهدف الرابع، بما فيها العملية الوطنية لتحديد المعايير المرجعية لهذا الهدف، إلى مستوى أعلى». وفي ديسمبر 2022، أقرّت اللجنة التوجيهية الرفيعة المستوى للهدف الرابع بأن مؤشرات المعايير المرجعية القائمة يمكن أن تساعد على رصد أربع من المبادرات العالمية السبع المقترحة خلال القمة، وأن مؤشرات جديدة ستلزم لرصد المبادرات الثلاث الأخرى.

فأولاً، غُطّي التحوّل الرقمي بمؤشر قائم سلفاً هو ربط المدارس بالإنترنت. وثانياً، غُطّي تخضير التعليم بمؤشر جديد أُطلق في عام 2025، يقيس مدى تكرار ظهور كلمات مفتاحية مختارة في الأطر المنهجية الوطنية ومناهج الصفوف الثالث والسادس والتاسع. وثالثاً، سيُغطّى إشراك الشباب والطلاب بمؤشر جديد آخر أُطلق في عام 2026، يرصد ما إذا كان لدى الحكومات آلية مكرّسة في القانون أو اللوائح لإشراك الشباب والطلاب في التشريعات وصنع السياسات التعليمية. وفيما يتعلق بهذه المبادرات الثلاث، لم تُدعَ البلدان حتى الآن إلا إلى تحديد أهداف وطنية بشأن ربط المدارس بالإنترنت.

دروس من قصص البلدان المختلفة تفسّر ما يحرّك التقدّم

إلى جانب تحليل اتجاهات المؤشرات الخمسة الخاصة بالوصول المنصف منذ عام 2000، يتضمّن هذا التقرير أيضاً خمساً وثلاثين دراسة حالة قُطرية تعرض قصصاً تساعد على تفسير العوامل التي دفعت التقدّم في بعض البلدان بمعدلات أسرع من غيرها ذات الظروف الأولية المتشابهة، وما قد يكون أعاق بلداناً أخرى. وتستند دراسات الحالة إلى بيانات كمية وصفية، ومراجعات للوثائق، ومقابلات مع خبراء لديهم تجربة مباشرة أو غير مباشرة بالأحداث الموصوفة. وتمثّل الحالات المختارة عيّنة كبيرة وممثِّلة من البلدان التي تقدّمت بسرعة. ورغم اختلاف كل بلد عن غيره، فإنها تمثّل تنوّعاً من السياقات ينبغي أن يساعد على تقديم دروس أعمّ. كما أُدرجت بضعة بلدان ركد فيها التقدّم أو انتكس، لكنها تروي سرديات لا تقلّ أهمية حول الكيفية التي قد تقف بها السياقات القُطرية حائلاً دون التقدّم، وحول حدوده.

ودراسات الحالة لا تصلح لاختبار بعض نظريات التوسّع التعليمي. فإحدى النظريات مثلاً ترى أن النظم التعليمية تتوسّع لأن التنمية الاقتصادية تولّد الحاجة إلى قوى عاملة ماهرة وإلى مؤسسات تعليمية تُعدّها. وترى نظرية أخرى أن النظم التعليمية تتوسّع بصرف النظر عن الظروف الاقتصادية، كأنما بالمحاكاة. ولأن أسباب التوسّع كثيرة والسياقات الوطنية ليست بالضرورة قابلة للمقارنة، لا يمكن استخدام دراسات الحالة لتحديد النظرية الأقدر على تفسير ما جرى. وبدلاً من ذلك، تُعدّ التحليلات الإحصائية أنسب لاختبار النظريات البديلة للتوسّع التعليمي. وقد ازدادت هذه التحليلات تطوراً مع تحسّن توافر البيانات، مما ساعد على إطالة الفترة الزمنية المدروسة، وهو أمر مهم لأن التوسّع يحدث على مدى قرون، وعلى صقل أسئلة البحث والتوصل إلى استدلالات سببية.

ومع ذلك، تنظر التحليلات الإحصائية إلى القضايا من مستوى عالٍ من التجريد. ويكشف الابتعاد عن اختبار فرضية بعينها حدود التحليل الإحصائي أيضاً. فحين يكون عدد وحدات التحليل صغيراً كعدد بلدان العالم، وحين تكون العوامل المحتملة المفسّرة لظاهرة كالتوسّع التعليمي كثيرة جداً وصعبة القياس ومتفاوتة الأثر عبر المكان والزمان، تتقيّد قدرة التحليلات الإحصائية على الخروج بنتائج مفيدة. كما أن النهج السردي القائم على دراسات الحالة الذي يتناول طبقات متعددة أنسب لفهم السياق الذي تُتخذ فيه قرارات السياسات المؤثرة في وتيرة التوسّع التعليمي، ويستطيع إبراز الدقائق في الأسباب الكامنة وراء تحسّن مؤشر ما. فارتفاع معدل الإتمام مثلاً قد يكون نتيجة لتخفيف المتطلبات لتسهيل تخرج الطلاب.

ويتناول هذا التقرير ثلاثة أنواع من الروافع التي تفسّر التوسّع التعليمي. أولها العوامل الداخلية في التعليم، وأبرزها التصميم والتنفيذ الفعّالان للسياسات الرامية إلى زيادة الوصول إلى التعليم المدرسي. ويركّز هذا التقرير على السياسات، لكنه يحرص على عدم المبالغة في دورها في تفسير التغيير، بالنظر إلى كثرة العوامل القوية المؤثرة.

وثانيها عوامل، اقتصادية أساساً، يمكن عدّها داخلية وخارجية بالنسبة للتعليم في آن واحد، لأنها تؤثر في التوسّع التعليمي وتتأثر به. فالنمو الاقتصادي، الذي قد يتسارع حين يكون السكان أكثر تعليماً ومهارة، يمكن أن يتيح للحكومات فرصاً لزيادة الاستثمار في التعليم. وفي المقابل، حين تأثرت البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل بأزمة الديون في ثمانينيات القرن العشرين، وهي أزمة خارجة عن التعليم، قيّد إدخال سياسات التكيّف الهيكلي، التي حدّت بشدة من الإنفاق الاجتماعي، الحيّز المالي للاستثمار في التعليم.

ويمكن لخصائص الطلب على العمالة أن تزيد حوافز الالتحاق بالتعليم والبقاء فيه. ففي بعض البلدان مثلاً، اجتذب الوعد بوظيفة في القطاع العام كثيرين إلى التعليم في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته. ويتيح تراجع الفقر وتنامي الدخل فرصاً للأسر للادخار وتخصيص حصة متزايدة من استهلاكها لسلع التعليم وخدماته. وينتقل الناس إلى المناطق الحضرية طلباً لفرص عمل أفضل، وكذلك للتعليم، لأن جودة الخدمات تميل إلى أن تكون أفضل في المدن. وأحياناً أبقت آفاق الهجرة على مستويات مرتفعة من الطلب على التعليم في المناطق الريفية. كما تعتمد قدرة الإدارات العامة على تقديم التعليم بكفاءة وفاعلية أكبر على مهارات السكان المتعلمين، لكنها تستطيع بدورها دعم بنى تعليمية أفضل قادرة على استيعاب التوسّع التعليمي.

وثالثها عوامل خارجية بالنسبة للتعليم أكثر، وإن كانت مترابطة معه أيضاً. فالتاريخ والجغرافيا والثقافة والدين والديموغرافيا والسياسة تشكّل المسارات التعليمية للبلدان. وتحدد هذه العوامل بناء الدولة وتوجّهها الاستراتيجي، مما يؤثر بدوره في ما إذا كان البلد ينظر إلى الاستثمار في التعليم بوصفه أداة للتنافس مع البلدان الأخرى. فثمة مثلاً ميل إلى استنساخ البنى المؤسسية للتعليم المدرسي الملاحظة في أماكن أخرى، وقد يحدث ذلك لأن البلدان يراقب بعضها بعضاً، أو لأن أصحاب مصلحة آخرين، هم في الغالب منظمات دولية، يشجّعون البلدان على الاستثمار في التعليم المدرسي.

والسياسة محرّك محوري للتنمية التعليمية. فالتعليم المدرسي يتوسّع حين يدرج القادة السياسيون والأحزاب والنقابات والحركات الاجتماعية التعليم ضمن رؤيتهم للبلد. غير أن الترتيبات السياسية قد تنهار، وكثيراً ما يحدث ذلك حين يكون التعليم قد تطوّر سابقاً على نحو غير كافٍ أو غير منصف، فتنشأ الأزمات والتوترات والنزاعات. وقد أخّرت هذه التنمية التعليمية في بلدان كثيرة جيلاً كاملاً، وفي المقابل كثيراً ما أفضت العودة إلى السلم إلى بعض أسرع موجات التوسّع في المشاركة التعليمية.

ومن الانتقادات المهمة في مجال التربية المقارنة والدولية أن معظم الدراسات تركّز على بلد واحد، وأن المقارنات التاريخية الشاملة تتضاءل. ولا ينجح هذا التقرير في تجنّب هذا الانتقاد، إذ تركّز دراسات الحالة فيه أيضاً على بلدان منفردة. لكنه، بوضعها جنباً إلى جنب ومناقشتها، يدعو إلى المقارنة وينخرط فيها، ويطلب من القرّاء التأمل في القصص الحقيقية وراء كل دراسة حالة، بما يُظهر ما يحدث حين تلتقي السياسات بالواقع، وعدم التسرّع في إصدار الأحكام.

التوجيه في السياسات ينجح أكثر بالمبادئ لا بالوصفات الجاهزة

يُتوقع من المنظمات الدولية، وقد تسلّحت بالأدلة، أن تقدّم توصيات في السياسات، ومن دونها يُعدّ التقرير ناقصاً، حتى لو كان تقرير رصد كهذا. غير أن الجهات الدولية تُتهم أحياناً بالتوصية بسياسات تخدم أجنداتها وبتطويع الأدلة لتلائم التوصية. ففي حالة قصوى قبل نحو عشرين عاماً، كان على البلدان الساعية إلى الحصول على تمويل من الجهة السابقة للشراكة العالمية من أجل التعليم أن تمتثل لإطار استرشادي لأهداف السياسات.

ومن الاتجاهات المرتبطة بذلك في السنوات الأخيرة تقديم توصيات حول «ما ينجح» دون مراعاة السياق. فقد شهدت الدراسات التي تقيّم التدخلات في بيئات مضبوطة باستخدام منهجيات بحث تجريبية أو شبه تجريبية، بما فيها التجارب العشوائية المضبوطة، طفرة هائلة. وقد أثرت هذه الدراسات كثيراً فهمنا للدوافع البشرية والاستجابة للحوافز، وأرشدت في حالات قليلة إلى سياسات قابلة للتوسّع يمكن أن تفيد التعليم، ولا سيما السياسات المتعلقة بالصحة والتغذية. لكن قيمتها في صنع السياسات ربما بولغ فيها. فكثيراً ما لا تكون الحلول التي تقترحها قابلة للنقل بسهولة، وهي تتجاهل البنى اللازمة لإحداث التغيير على المستوى الوطني، وتغفل السلاسل السببية، ولا تراعي الفاعلية من حيث التكلفة. وفي نهاية المطاف، لا يمكن تكرار ظروفها المضبوطة، ومن ثمّ تفتقر إلى الصدق الخارجي. فما ينجح في بيئة مضبوطة ليس بالضرورة ما يهم لضمان تقدّم الأطفال والمراهقين والشباب عبر كل مرحلة تعليمية.

وتقيّم معظم الدراسات التجريبية النتائج خلال إطار زمني قصير بعد التدخل. أما عند تحليل إحصاءات المشاركة التعليمية والإنصاف على مدى عشرين إلى خمس وعشرين سنة، فإن أنواع السياسات التي أحدثت فرقاً لا تكون عادة تلك الواردة في القوائم المختصرة لـ«ما ينجح». ويحثّ التقرير قرّاءه على التفكير فيما لو كانت النتيجة المنشودة ليست أثر تدخل ما والدلالة الإحصائية المرتبطة به، بل زيادة المشاركة التعليمية على المستوى الوطني. فما الذي يمكن تعلّمه إذن من تجميع معلومات رصد واسعة، ودراسات حالة قُطرية متعددة، ومراجعات لرصيد كبير من الأبحاث في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل ومرتفعة الدخل؟

أولاً، يتطلب التقدّم على نطاق واسع النظر إلى ما وراء التدخلات المنعزلة، نحو النظم والبنى والاقتصاد السياسي الأوسع التي تمكّن المشاركة التعليمية أو تقيّدها. فالأدلة المجمّعة في هذا التقرير تشير إلى أن النمو المستدام في الوصول نادراً ما نتج عن تطبيق سياسة واحدة، بل عن عمل منسّق عبر قطاعات متعددة، والتزام سياسي مستدام، وتكيّف مع الواقع المحلي. ويشير إلى هذا الاتجاه مؤشرٌ للتوجّه نحو الإنصاف في آليات التمويل الأساسية وُضع لهذا التقرير. ولا يعني ذلك التخلي عن البحث عن سياسات فعّالة، بل إدراك أن فاعليتها تتوقف جوهرياً على السياق والقدرة على التنفيذ والتوافق مع الأولويات الوطنية.

وثانياً، رغم الأهمية البالغة للسياق، لا ينبغي أن يفضي ذلك إلى نسبية مطلقة. فثمة مبادئ أساسية برزت على نحو متسق. إذ يجب أن يكون عدم ترك أحد خلف الركب محورياً في تصميم السياسات، لا أمراً يُلتفت إليه لاحقاً. ويتطلب التقدّم فهم من هم المستبعدون ولماذا، وهو ما يستلزم بيانات أفضل وتفصيلاً أدق لها. ولا يمكن فصل الوصول إلى التعليم عن قضايا الأطر القانونية والتمويل والبنية التحتية والصحة والحماية الاجتماعية. ومن ثمّ يتمثّل التحدي أمام أي أجندة دولية في الموازنة بين المبادئ العالمية والملكية الوطنية، وصياغة التزامات جوهرية تنطبق في كل مكان مع إتاحة مرونة كافية للبلدان لرسم مساراتها الخاصة نحو تلك الأهداف. وتحاول التوصيات التالية، التي تشمل قضايا الرصد وقضايا السياسات معاً، تحقيق هذا التوازن، مقترحة حزمة أساسية من المبادئ الجوهرية والآليات التي تستطيع البلدان من خلالها تكييفها وتطبيقها وفق ظروفها.

دليل التقرير

يتبع هذا التقرير بنية مختلفة عن سابقيه. فبعد هذه المقدمة الموجزة في الفصل الأول، يعرض فصل منهجي قصير النهج المتبع في اختيار دراسات الحالة القُطرية. وهو أكثر تطلباً من الناحية التقنية، وكان يُفترض عادة أن يُحال إلى ملحق، لكن بالنظر إلى الأهمية الحاسمة لعملية الاختيار في منطق التقرير، تقرّر إطلاع القرّاء على الخطوات المتخذة لاستخلاص المعنى من آلاف نقاط البيانات، وذلك في الفصل الثاني.

وتتبع الفصول الأربعة التالية بنية مشتركة. فأولاً، تُستعرض اتجاهات المؤشرات موضع التركيز، إلى جانب تحديد القضايا الجوهرية التي تستحق مزيداً من الاهتمام وينبغي مراعاتها عند رصد أي أجندة تعليمية مستقبلية. وثانياً، تُعرض سبع دراسات حالة قُطرية مرتبة أبجدياً لكل مؤشر من المؤشرات الخمسة موضع التركيز، مع جمع الفصل المتعلق بالتعليم الابتدائي والثانوي دراساتِ الحالة المستندة إلى مؤشري معدل عدم الالتحاق ومعدل الإتمام. وثالثاً، يلي ذلك تحليل للسياسات التعليمية. وفي الفصول الثلاثة الأولى حول التعليم ما قبل الابتدائي في الفصل الثالث، والتعليم الابتدائي والثانوي في الفصل الرابع، والتعليم ما بعد الثانوي في الفصل الخامس، يجمع العرض بين مدخلات ثلاث مراجعات كُلّفت بها جهات خارجية، وتحليل إضافي للأدبيات أجراه فريق التقرير، والدروس المستخلصة من دراسات الحالة.

أما الفصل الرابع من هذه المجموعة، وهو الفصل السادس المتعلق بالإنصاف، فيتبع نهجاً مختلفاً في تحليل السياسات. فمع الإقرار بتنوّع أنواع السياسات المؤثرة في عدم المساواة التعليمية، اختار هذا التقرير مجموعة واحدة من السياسات، هي تلك المتعلقة باستخدام التمويل العام، سواء من وزارات التعليم أو من الوزارات الاجتماعية الأخرى، لتوجيه الموارد إلى الحكومات دون الوطنية والمدارس والطلاب أو أسرهم المحرومين بهدف تحقيق تكافؤ الفرص التعليمية. وقد أُعدّت ملفات قُطرية لجميع النظم التعليمية الوطنية على منصة PEER، ووُضع مؤشر يقيّم مدى إعادة البلدان توزيع الموارد عمداً لتحسين النواتج التعليمية. ويعرض التحليل أيضاً كيف تغيّرت سياسات البلدان في هذا المجال خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية. ويشكّل ذلك جزءاً من إعادة تشكيل منصة PEER، التي ستستكشف كيف تطوّرت مؤشرات مختارة للقوانين والسياسات منذ عام 2000، بدءاً بالإدماج، وهو موضوع التقرير العالمي لرصد التعليم لعام 2020 الذي يتناوله الفصل الرابع.

ويستعرض الفصل الأخير التقدّم في جميع غايات الهدف الرابع ومؤشراتها العالمية والمواضيعية. والعرض أوجز منه في التقارير السابقة، إذ يقدّم لمحة عن التطورات الرئيسية في الفصل السابع، ويستند التحليل إلى الجداول الإحصائية المعروضة في الملحق.

ثلاثة إصدارات إقليمية ضمن دورة التقرير العالمي لرصد التعليم 2026 ستتناول قضايا مختارة من الوصول والإنصاف

يتعذّر إيفاء هذا الطيف الواسع من الموضوعات حقه في إصدار واحد، ولذلك ستستكشف ثلاثة إصدارات إقليمية بمزيد من التفصيل قضايا مختارة لها صدى في أجزاء مختلفة من العالم. فسيركّز إصدار إقليمي عن الدول العربية على المنطقة الأكثر تأخراً من حيث الوصول إلى تعليم الطفولة المبكرة. وسيركّز الإصدار الرابع من سلسلة «سبوتلايت» حول تعميم إتمام التعليم الأساسي والتعلّم التأسيسي في أفريقيا على الالتحاق المتأخر وإعادة الصفوف، اللذين يعيقان القارة من حيث التوسّع التعليمي. وسيحلّل إصدار إقليمي عن منطقة البحر الكاريبي الجهود التي تبذلها البلدان لسدّ الفجوة بين الجنسين في إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي.

التوصيات

صُمّمت خطة التنمية المستدامة لعام 2030 وأهدافها لتكون عالمية ومترابطة ومركّزة على عدم ترك أحد خلف الركب. وقد ساعد هذا النهج على إيجاد عدسة مشتركة يُنظر من خلالها إلى التحديات التعليمية في العالم، وأبرز دور التعليم في التأثير في النواتج الإنمائية الأخرى، ووضع الإنصاف في صميم نقاشات السياسات.

ومع اقتراب العالم من الموعد النهائي في عام 2030، وفي ظل الاختبار العسير الذي يتعرّض له النهج متعدد الأطراف في حلّ التحديات العالمية الذي يقع في صميم أهداف التنمية المستدامة، يطرح التقرير العالمي لرصد التعليم سلسلة «العد التنازلي نحو عام 2030» لتقييم نجاح الهدف الرابع المتعلق بالتعليم والدروس المستخلصة منه. وقد قسّم نطاق هذا الهدف إلى ثلاثة أجزاء: الوصول والإنصاف، والجودة والتعلّم، والملاءمة في التعليم. ويطرح ثلاثة أسئلة: أولها، من بين البلدان التي انطلقت من مستويات متشابهة، أيها تحسّن بوتيرة أسرع بكثير من غيره في هذه المجالات العريضة؟ وثانيها، في مجموعة مختارة من البلدان التي تميّزت بتحسّنها أو ركودها، ما الأسباب الرئيسية التي تساعد على تفسير الاتجاهات الملاحظة، وكيف تُقارن هذه التفسيرات بتلك التي حددتها الأبحاث بوصفها أدّت دوراً رئيسياً؟ وثالثها، ما انعكاسات التحليلات الإحصائية ودراسات الحالة القُطرية وتحليلات السياسات على أي أجندة دولية مستقبلية للتعليم؟

ويتناول هذا التقرير الأول في السلسلة هذه الأسئلة من حيث صلتها بالوصول والإنصاف في التعليم. ففيما يخص الوصول، من الواضح أن هدف تعميم إتمام التعليم الثانوي كان غير واقعي إلى حدّ بعيد، بالنظر إلى أنه لن يتحقق حتى تعميم إتمام التعليم الابتدائي بحلول عام 2030. وفيما يخص الإنصاف، كانت غايتا القضاء على التفاوت بين الجنسين وضمان المساواة في الوصول إلى جميع مراحل التعليم طموحتين أكثر من اللازم بالمثل. غير أن هذا التقرير يرى أنه سيكون من الخطأ الحكم على نجاح الأجندة استناداً فقط إلى مدى اقتراب العالم من تحقيق هذه الأهداف الرمزية. فالسؤال بدلاً من ذلك هو ما إذا كانت البلدان قد حاولت معالجة الاختناقات باستخدام أدوات ملائمة لمستوى تنميتها التعليمية وسياقها: تحديد الأهداف، ورصدها، واستخدام المعلومات لاعتماد المزيج الصحيح من السياسات وتعديله. وثمة أدلة على أن ذلك يحدث بالفعل.

وتركّز التوصيات التالية على مجموعة مختارة من القضايا المتعلقة برصد التقدّم وتصميم السياسات لتحسين الوصول والإنصاف في التعليم، قد لا تحظى بالاهتمام الكافي في عمليات حوار السياسات العالمية والوطنية.

كيف ينبغي تحسين الرصد؟

أولاً: يتعيّن على البلدان تحديد أهداف وطنية ضمن إطار رصد عالمي

تميل الأجندات العالمية إلى أن تُحدَّد بفاعليتها في حشد المجتمع الدولي، باستخدام لغة مشتركة لبلوغ أهداف مشتركة، كالقضاء على الفقر المدقع أو إبقاء ارتفاع درجة الحرارة العالمية دون 1.5 درجة. لكن التقدّم الفعلي يحدث على المستوى القُطري؛ فالمهم هو ما يعلنه صانعو القرار الوطنيون أهدافاً لهم، والموارد التي يخصصونها لتحقيقها، وكيف يتحققون مما إذا كانت هذه الأهداف تتحقق. غير أنه رغم أن الوثائق التأسيسية لخطة عام 2030 نصت بوضوح على توقّع «أن تحدد كل حكومة غاياتها الوطنية»، يبدو أن هذا التوقّع قد ضاع.

وثمة دور واضح للجهات الدولية؛ فهي تستطيع، بل ينبغي لها، المساعدة على وضع إطار رصد مشترك وعملية تتيح للبلدان إعلان هذه الأهداف. وهذا ما حدث في التعليم؛ فبدعم من معهد اليونسكو للإحصاء والتقرير العالمي لرصد التعليم، أتاحت العملية الوطنية لتحديد المعايير المرجعية للهدف الرابع للبلدان فرصة إعلان أهدافها.

وللمضي قدماً، يلزم أمران. أولهما أن تتبنّى البلدان عملية تحديد المعايير المرجعية بفاعلية أكبر. فرغم أن 80% من البلدان قدّمت أهدافاً وطنية لعام 2030 لبعض المؤشرات الثمانية على الأقل، وحُددت 56% من قيم الأهداف الممكنة، فإن مزيداً من هذه القيم يمكن تحديده. ويمكن ترسيخ عمليات تحديد الأهداف في عمليات التخطيط والموازنة الوطنية على نحو أمتن، مسترشدة بمعدلات التقدّم السابقة وتجارب البلدان الأخرى، كما يمكن إيصال هذه الأهداف محلياً على نحو أفضل. وثانيهما أن تتبنّى البلدان هذه العملية بفاعلية على المستوى الدولي أيضاً، وفي ما يتجاوز التعليم، بوصفها أساساً لأي أجندة إنمائية أوسع بعد عام 2030. فالبلدان هي من ينبغي أن يقرر إلى أي مدى هي مستعدة للمضي، بما يعكس نقاط انطلاقها وظروفها الفريدة، وينبغي أن تكون الغاية العالمية حصيلة هذه الالتزامات الوطنية.

ثانياً: يلزم استخدام البيانات بكفاءة أكبر لرصد المشاركة التعليمية والإنصاف

من التحسينات التي جلبتها خطة عام 2030 في مختلف القطاعات الإنمائية اعتماد مصادر بيانات متعددة لفهم التقدّم. وهو اتجاه بدأ في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وسهّله تزايد إنتاج المعلومات وتطوّر أساليب الربط بين مصادرها. كما اتُّخذت خطوات مهمة في السنوات الأخيرة على المستوى الدولي في التعليم. فقد وضع معهد اليونسكو للإحصاء والتقرير العالمي لرصد التعليم نموذجاً لتقدير معدلات عدم الالتحاق كسر الفصل المصطنع بين المصادر الإدارية ومصادر المسوح، بما ساعد على الاستفادة القصوى من كل مصدر مع معالجة نقاط ضعف كل منهما. وكان التقرير قد وضع من قبل نموذجاً لتقدير معدلات الإتمام، ساعد على استخدام البيانات المتاحة في المسوح والتعدادات استخداماً أكثر فاعلية بكثير. وتتيح هذه التقديرات تتبّع الاتجاهات في هذين المؤشرين الرئيسيين على نحو متسق، في حين كان الاعتماد على تقديرات السنوات المنفردة وحدها سيحدّ من حداثة النتائج وقابليتها للمقارنة.

غير أن وزارات تعليم كثيرة لم تتبنَّ بعدُ مصادر البيانات المتعددة لرصد التقدّم، وتواصل اختيار المصادر الإدارية التي اعتمدت عليها تقليدياً، حتى لو كانت تعرض في الغالب صورة ناقصة. واستخدام مصادر البيانات المتعددة أمر حاسم لرصد الإنصاف في التعليم، لكن ثمة قصوراً في الوعي بتنوّع مصادر البيانات التي يمكن أن تساعد على تفصيل مؤشرات المشاركة التعليمية والتحصيل بحسب الخصائص الفردية الخاصة بسياقات البلدان. ويلزم تطوير التعاون بين وزارات التعليم والمكاتب الإحصائية الوطنية أكثر.

ثالثاً: يلزم صقل إطار رصد التعليم لإنتاج إحصاءات أدق عن المشاركة التعليمية والتحصيل

أسهمت كل أجندة دولية في تحسين رصد التقدّم التعليمي، بإدماج التغييرات التي أتاحها تحسّن جمع البيانات. فمثلاً، استُعيض تدريجياً عن نسبة الالتحاق الإجمالية ونسبة القبول الإجمالية في الصف الأخير بمعدل عدم الالتحاق ومعدل الإتمام، اللذين أسهما في تقييمات أكثر واقعية للتقدّم. لكن يلزم مزيد من هذا الصقل لتقديم المعلومات الصحيحة لصانعي السياسات.

ويعرض هذا التقرير أمثلة على ذلك. ففي التعليم ما قبل الابتدائي، يبالغ المؤشر العالمي في تقدير نسبة الأطفال الذين التحقوا يوماً بمرحلة ما قبل المدرسة لأنه يشمل تلاميذ قد يكونون التحقوا مبكراً جداً بالمدرسة الابتدائية. وفي التعليم الابتدائي والثانوي، ثمة حاجة إلى آلية لرصد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس في البلدان المتأثرة بالنزاعات. وفي التعليم ما بعد الثانوي، حان الوقت أيضاً لتجاوز نسبة الالتحاق الإجمالية، التي تبالغ في تقدير التقدّم بالنظر إلى ارتفاع مستويات التسرب واختلاف أنماط المشاركة بحسب العمر اختلافاً كبيراً بين البلدان، واعتماد مقياس للحصول على المؤهل بدلاً منها. ولدى المجتمع التعليمي الآن آلية حوكمة عبر مؤتمر بيانات التعليم وإحصاءاته، الذي عُقد لأول مرة في عام 2024 ومن المقرر عقده مجدداً في عام 2027، وهي آلية ينبغي للبلدان أن تجعلها محور جهودها لتطوير إطار الرصد لأي أجندة تعليمية دولية مستقبلية على نحو شامل.

رابعاً: يلزم رصد السياسات أيضاً، لا المخرجات والنواتج فحسب

منذ عام 2020، يستعرض التقرير العالمي لرصد التعليم، عبر منصة PEER، على نحو منهجي القوانين والسياسات التي اعتمدتها البلدان لتحسين النواتج التعليمية. وثمة امتدادان هذا العام. أولهما إضافة مجموعة شاملة من الملفات القُطرية حول سياسات تحسين الإنصاف عبر خمس آليات تمويل، لُخّصت في مؤشر للتوجّه نحو الإنصاف في النوايا السياساتية. وثانيهما تحديث بعض مؤشرات السياسات التي عُرضت أول مرة في إصدار عام 2020 حول الإدماج، مع الإبلاغ عن تطوّرها منذ عام 2000 وتقديم رؤى حول التغيير طويل الأمد. وقد صُمّمت الملفات القُطرية لمنصة PEER في الأصل لتوثيق الوضع في مجال سياساتي معين في لحظة زمنية بعينها، وولّد الاهتمام بهذا النهج طلباً على أن يتابع فريق التقرير التقدّم في سياسات معينة عبر الزمن.

ويحتاج حوار السياسات الدولي إلى معلومات أكثر تنظيماً عن خيارات السياسات الوطنية. وكما يوضّح هذا التقرير بجلاء، لا يعني ذلك تصنيف السياسات أو فرضها، فثمة مسارات متعددة لتحقيق النتيجة ذاتها. وفضلاً عن ذلك، من الموثّق على نطاق واسع أن السياسات كثيراً ما لا تُنفَّذ. غير أن التوثيق والرسم الأفضل للنوايا السياساتية يمكن أن يوفّرا أساساً متيناً لفهم كيفية تقدّم البلدان في نهاية المطاف، وإثراء جهود المناصرة، وتوجيه الدعم الفني. ومن ثمّ يُوصى بإيلاء مزيد من التركيز لرصد كيفية تطوّر السياسات الرئيسية واستجابة الحكومات للتحديات المشتركة.

كيف ينبغي أن يستجيب صنع السياسات لأدلة الرصد؟

حاول هذا التقرير تحديد أسباب تحرّك بعض البلدان بوتيرة أسرع بكثير من نظيراتها في توسيع الوصول وتحسين الإنصاف. والقصص التي تبرز حافلة بالرؤى ذات الصلة. فبعضها واضح ومباشر، ولا سيما حين كان التغيير نتيجة قرار سياسي واضح نُفّذ بفاعلية. وبعضها الآخر أقل وضوحاً، ولا سيما حين كان التغيير نتيجة عوامل متعددة، بعضها من خارج التعليم.

ومن الرسائل الرئيسية لهذا التقرير أن ثمة تركيزاً مفرطاً على قدرة حلول بعينها على تحقيق تحسينات جذرية. فهذه الحلول لم تُطبَّق عادة بوصفها سياسات وطنية، بل كانت تدخلات محكمة الإعداد أعقبتها تقييمات عالية الجودة. وتشير تجارب السياسات هذه إلى مواضع الحاجة إلى التغيير، لكنها لم تُطبَّق عادة على مستوى النظام بأكمله، إذ قُيّمت خلال عام من التنفيذ وعلى نطاق صغير. في المقابل، كان للتغيير الموثّق في هذا التقرير أفق أطول، يمتد في الغالب عقداً أو أكثر، وحدث على مستوى النظام. وربما كانت محرّكات التغيير أكثر اعتيادية، مرتبطة بتطوير القدرات المؤسسية وقدرات النظام. ومع ذلك، قد يُغرى صانعو السياسات باتباع وصفات بسيطة ومشهورة ذات نتائج «مثبتة». وتشير التوصيات الأربع التالية، التي تشمل جميع مراحل التعليم، إلى مبادئ جوهرية وتنصح بتوخّي الحذر.

أولاً: اتخاذ خيارات سياساتية ملائمة لسياق البلد

التعلّم من الأقران فرصة لا تقدّر بثمن وفي المتناول في عصر التبادلات المتكررة والاتصالات منخفضة التكلفة. فتجارب البلدان الأخرى مصدر غني للأفكار، لكن هذه الأفكار لا ينبغي أن تُرى حلولاً تُنسخ وتُطبَّق في أماكن أخرى، بل ينبغي دراستها بعناية لفهم البنى المؤسسية وتوليفات السياسات التي كانت فعّالة، أو لم تكن، ولماذا. وهي تستدعي التأمل في العناصر القابلة للتطبيق من خيارات البلدان الأخرى، والمشكلات التي حاولت حلها. ورغم أن ذلك قد يبدو بديهياً، ثمة ميل لدى البلدان إلى التركيز على نقل «ما ينجح» في أماكن أخرى إلى نظمها، بل إن الجهات الدولية تديم أحياناً فكرة وجود حلول جاهزة. غير أنه لا يمكن استيراد أي سياسة بحذافيرها ما لم تخضع لتمحيص مدى ملاءمتها. فالسياسات يجب أن تستجيب للتوليفة الفريدة من المقومات والعوائق في كل بلد.

ثانياً: تصميم السياسات التعليمية بتوجّه نحو الإنصاف وتقييم نتائجها

يتطلب الإنصاف في التعليم طيفاً من أدوات السياسات التي تتنبأ بالحرمان وتحدده وتعوّض عنه. ويحتاج إلى مؤسسات عادلة وشاملة تيسّر الالتحاق والتقدّم والإتمام، ويستدعي الدعم بدلاً من العقوبات للطلاب المتعثرين، ويفضّل الحلول الشاملة التي تفتح الفرص على الحلول الانتقائية التي تركّز الحرمان، وينتصر للمرونة على الجمود. ويحتاج بعض هذه المقاربات إلى تمويل يُوجَّه إلى الحكومات دون الوطنية والمدارس والطلاب وأسرهم، نقداً أو عيناً، ويعيد توزيع الموارد على الأشد حاجة إليها. لكن حتى البلدان الفقيرة التي لا تستطيع تحمّل إعادة التوزيع تستطيع تحقيق نتائج بالالتزام بالإدماج. ولا تزال وزارات تعليم كثيرة تفتقر إلى عناصر مهمة؛ فهي بحاجة إلى إدراك أهمية آليات الحماية الاجتماعية التي يمكن أن تكمّل جهودها، والتنسيق مع القطاعات الأخرى، وتحسين جودة آليات الاستهداف لديها، وتقييم ما إذا كانت السياسات المصمّمة بتوجّه نحو الإنصاف تحقق هذا الهدف فعلاً. وستكون شبكة للتعلّم بين الأقران حول تنفيذ الإنصاف في السياسات التعليمية ذات صلة خاصة، وستساعد البلدان على تقييم خياراتها السياساتية.

ثالثاً: التفكير على المدى الطويل، فالتغيير يستغرق وقتاً

من تحديات صنع السياسات التعليمية بطء ترجمة الإجراءات إلى نتائج. فالطفل الذي يبلغ اليوم سن ما قبل المدرسة سيكون قد عاصر في المتوسط ستة وزراء تعليم مختلفين قبل أن يحالفه الحظ ببلوغ السنة الأخيرة من المدرسة الثانوية. ومع ذلك، وفي زمن يبدو فيه كل شيء متسارعاً ومدى الانتباه متقلّصاً، يبدو أن الرغبة في الحلول السريعة تتزايد. فتوسيع الوصول وتحسين الإنصاف ينتجان عادة عن تدخلات مستدامة، لا عن مشاريع قصيرة الأجل تتسع لها دورة سياسية واحدة، ويتطلبان مؤسسات تُطوَّر قدراتها بصبر على مدى سنوات كثيرة كي تتحوّل. والبلدان التي حققت أسرع المكاسب جمعت بين الاستثمار المطّرد، والإبقاء على السياسات الجوهرية، وتعديلها تدريجياً في ضوء الأدلة والتجارب الناشئة، مدركة أن المؤسسات والسلوكيات والتوقعات المحيطة بالتعليم المدرسي تتغيّر ببطء. وهذه الرسالة وثيقة الصلة أيضاً في سياق تراجع التمويل الخارجي للتعليم؛ فبدلاً من السعي إلى نتائج أسرع، حان الوقت لتصحيح أخطاء الماضي والكفّ عن قياس الفاعلية بعدد الأطفال المُرسلين إلى المدرسة بتكلفة لم تكن لتكون مستدامة أصلاً.

رابعاً: اختيار مزيج سياسات متوازن ومتسق، فلا يوجد إصلاح منفرد يزيد الوصول ويحسّن الإنصاف على نحو مستدام

تذكّر مراجعات السياسات الأربع الواردة في هذا التقرير، على مستوى التعليم ما قبل الابتدائي، والتعليم الابتدائي والثانوي، والتعليم ما بعد الثانوي، والإنصاف عبر التمويل، بأن تحقيق النواتج طويلة الأمد يتطلب مزيجاً من أدوات السياسات. فالتدابير على مستوى النظام، المتعلقة بالتشريع والحوكمة والتمويل العام، تحتاج إلى أن تدعمها سياسات جانب الطلب، أي التمويل الموجّه لخفض التكاليف على الفئات الأكثر حرماناً، وسياسات جانب العرض، كالبنية التحتية والتنظيم وبيئات التعلّم. والحزمة الفعّالة، التي تتسق عناصرها جيداً، تعامل التعليم بوصفه نظاماً متكاملاً، وتعالج الوصول إلى جانب الإنصاف والجودة، بحيث يحظى المتعلمون بالدعم للتقدّم والتخرج بمجرد دخولهم النظام المدرسي.

دراسة ذات صلة