القائمة الرئيسية

التقرير العالمي لرصد التعليم 2026: الوصول والإنصاف، العد التنازلي نحو عام 2030 (7/5)

التقرير العالمي لرصد التعليم 2026: الوصول والإنصاف، العد التنازلي نحو عام 2030 (7/5)
ملخص الدراسة

يتناول الفصل الخامس التعليم ما بعد الثانوي، موضحاً أن الالتحاق بالتعليم العالي توسّع عالمياً من 19% عام 2000 إلى 44% عام 2024، بينما ارتفعت نسبة التخرج من 17% إلى 27% فقط، مما يكشف عن فجوة بين الوصول وإتمام الدراسة. ويشير الفصل إلى أن الإعفاء من الرسوم والمنح والمساعدات يمكن أن تعزز الإنصاف، لكنها تحتاج إلى معالجة تكاليف المعيشة والسكن والنقل والكتب، كما أن القروض قد تزيد عدم المساواة إذا لم تُصمم بعناية. ويؤكد أن التعليم الخاص والبرامج القصيرة والتعليم عن بُعد والمسارات المرنة توسّع فرص الوصول، لكنها تتطلب ضمان الجودة والاعتراف بالمؤهلات. كما يوضح محدودية الاعتماد على نسب الالتحاق وحدها بسبب اختلاف مدة البرامج وأعمار الطلاب وأنماط الدراسة، ويدعو إلى التركيز على التحصيل والإتمام وجودة الفرص. وتظهر دراسات الحالة أن التوسع في التعليم العالي يمكن أن يحقق مكاسب كبيرة، لكنه يواجه تحديات في الإنصاف وجودة المؤسسات والتسرب وملاءمة التعليم لسوق العمل، لذلك ينبغي أن يركز الرصد مستقبلاً على الوصول العادل والإتمام الناجح وتنوع مسارات التعليم العالي.

الفصل الخامس: التعليم ما بعد الثانوي

الرسائل الرئيسية

ماذا تُظهر البيانات؟

توسّع الوصول إلى التعليم العالي، لكن معدلات التخرج ارتفعت بوتيرة أبطأ بكثير. فقد تضاعفت نسبة الالتحاق الإجمالية بالتعليم العالي أكثر من مرتين، من 19% في عام 2000 إلى 44% في عام 2024، لكن نسبة التخرج لم ترتفع إلا من 17% إلى 27%.

والتحصيل مقياس للتقدّم أكثر شفافية من المشاركة. فالتحصيل بين من هم في سن 25 إلى 34 لا يمثّل على الدوام سوى نحو 60% من نسبة الالتحاق الإجمالية بالتعليم العالي المسجّلة قبل عشر سنوات.

ماذا نعرف عن السياسات المرتبطة بالتوسّع والإنصاف على المدى الطويل؟

سياسات الإعفاء من الرسوم الدراسية تحسّن الإنصاف، لكن يلزم أيضاً معالجة التكاليف غير المتعلقة بالرسوم. فالجامعات العامة معفاة من الرسوم الدراسية في نحو بلد واحد من كل ثلاثة بلدان، لكن ارتفاع التسرّب بين الطلاب ذوي الدخل المنخفض يُظهر أن الإعفاء من الرسوم وحده لا يكفي. ويمكن للمنح القائمة على الحاجة أن تقلّل التسرّب إذا واكبت تكاليف المعيشة ودعمتها الإعانات. ويدعم نحو نصف البلدان سكن الطلاب، وأقل من أربعة بلدان من كل عشرة النقل، وما يقل قليلاً عن ثلاثة بلدان من كل عشرة الكتب الدراسية.

والمساعدات الطلابية الموجّهة نحو الإنصاف تساعد على الوصول المنصف، لكن التغطية والتصميم مهمان. فلدى نحو أربعة بلدان من كل خمسة مساعدات طلابية تستهدف الفقر أو الإعاقة أو الحرمان الجغرافي؛ ولدى بلد واحد من كل خمسة منح مشروطة تكافئ المؤسسات على إلحاق الفئات الممثّلة تمثيلاً ناقصاً. غير أن نماذج التمويل هذه أكثر شيوعاً بخمس مرات في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى والبلدان مرتفعة الدخل منها في البلدان منخفضة الدخل.

ويمكن للقروض الطلابية أن توسّع المشاركة، لكنها تنطوي على خطر تعميق عدم المساواة إذا صُممت تصميماً سيئاً. فمقابل كل ألف دولار أمريكي من الديون الطلابية، ترتفع معدلات التسرّب بنحو 3%. ويمكن للقروض ذات أسعار الفائدة المرتفعة أو اشتراطات الضامن الصارمة أن تردع الطلاب ذوي الدخل المنخفض أو تضرّ بهم. ويمكن للقروض المرتبطة بالدخل أن تتجاوز بعض المشكلات الرئيسية بجعل السداد مرهوناً بقدرة الخريجين على الدفع، لكنها طُبّقت أساساً في البلدان مرتفعة الدخل لأن الاسترداد يتطلب إدارة قوية لضريبة الدخل أو للضمان الاجتماعي.

والتوفير الخاص يوسّع الأماكن لكنه لا يعزّز الإنصاف تلقائياً. فالمؤسسات الخاصة تستأثر بنحو ثلث الالتحاق بالتعليم العالي على مستوى العالم، وظلت هذه الحصة مستقرة منذ عام 2000. غير أنه في غياب ضمان قوي للجودة ودعم مالي موجّه، قد يعيد التوفير الخاص للتعليم إنتاج التقسيم الطبقي بدلاً من توسيع الفرص.

والتوفير المتنوع يوسّع الوصول المنصف، لكنه يحتاج إلى أن يرتبط بمواصلة الدراسة. فبرامج التعليم العالي قصيرة الدورة تستأثر بنحو 15% من إجمالي الالتحاق بالتعليم العالي على مستوى العالم، مع اتجاه تنازلي ضعيف بمرور الوقت. ويمثّل التحاق الطلاب بأكبر الجامعات المفتوحة في العالم نحو 4% من إجمالي الالتحاق بالتعليم العالي. وتدعم المسارات المرنة الوصول، لكنها تحتاج إلى أن تدعمها أطر وطنية للمؤهلات ونقل الساعات المعتمدة والاعتراف بالتعلّم السابق.

والعمل الإيجابي يساعد على تحسين وصول الفئات المهمشة، لكنه واجه معارضة. فنحو 32% من البلدان تستخدم العمل الإيجابي في القبول، مع آثار إيجابية للفئات المستهدفة في نحو ثلثي البلدان السبعة والعشرين التي تتوافر عنها أدلة تقييمية.

الاتجاهات الرئيسية

توسّع الوصول إلى التعليم العالي توسّعاً كبيراً في أنحاء العالم خلال العقدين الماضيين. فقد ارتفعت المشاركة ارتفاعاً حاداً في جميع المناطق تقريباً، بما يعكس جهوداً سياساتية مستدامة لتوسيع الوصول والاستجابة للطلب المتنامي على المهارات المتقدمة. غير أن ارتفاع المشاركة لم تقابله مكاسب مماثلة في الإتمام. فمؤشرات التخرج والتحصيل تكشف عن فجوة متزايدة بين عدد الطلاب الذين يدخلون التعليم العالي وعدد من يُتمّون شهادة بنجاح.

ويؤكد هذا التباعد والتنوّع الكبير في أنماط الالتحاق بحسب العمر والنمط الحاجةَ إلى إعادة تقييم مدى ملاءمة المؤشرات الشائعة الاستخدام للمشاركة في التعليم العالي وقابليتها للمقارنة بين البلدان. كما تدعو هذه المسائل المجتمع الدولي إلى النظر إلى ما هو أبعد من مستويات المشاركة وحدها، وإلى رصد أدق لمن يحصل على التعليم العالي، وبأي شروط، وبأي احتمال للإتمام الناجح.

الوصول إلى التعليم العالي، لا إتمامه، ازداد بسرعة في أنحاء العالم

نسبة الالتحاق الإجمالية بالتعليم العالي هي المؤشر الرئيسي لرصد المشاركة في التعليم العالي ضمن أهداف التنمية المستدامة. وتُحسب النسبة بقسمة إجمالي عدد الطلاب الملتحقين، بصرف النظر عن العمر أو المستوى، على السكان المستهدفين، وهم الفئة العمرية الخمسية التي تلي المرحلة العليا من التعليم الثانوي مباشرة. وعلى مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، تضاعفت نسبة الالتحاق الإجمالية أكثر من مرتين على المستوى العالمي، من 19% في عام 2000 إلى 44% في عام 2024، وفي جميع المناطق، باستثناء أوروبا وأمريكا الشمالية حيث كانت قد انطلقت من أعلى مستوى. وتحقق أسرع نمو في شرق آسيا وجنوب شرقها، حيث تضاعفت النسبة أربع مرات بين عامَي 2000 و2024، من 16% إلى 63%.

وبينما ارتفع معدل المشاركة بنقطة مئوية واحدة سنوياً منذ عام 2000، لم ترتفع نسبة التخرج إلا بأقل من نصف هذا المعدل، أي بمقدار 0.4 نقطة مئوية سنوياً. فقد ارتفعت نسبة التخرج الإجمالية من برامج الشهادة الأولى، أي البكالوريوس أو الشهادات الأولى الطويلة أو ما يعادلها، من 17% في عام 2000 إلى 27% في عام 2024، مدفوعةً أساساً بالمكاسب في شرق آسيا وجنوب شرقها، حيث ارتفعت من 13% في عام 2004 إلى 41% في عام 2024.

وتفسّر الفجوةَ بين مستويات نسبتي الالتحاق والتخرج عاملان. أولهما أن مؤشر نسبة التخرج لا يشمل البرامج قصيرة الدورة أو برامج الشهادات غير الأولى. ويستأثر الالتحاق بهذه البرامج بنحو 15% من إجمالي الالتحاق بالتعليم العالي، وظل الاتجاه ينخفض قليلاً خلال السنوات العشر الماضية، كما يُشرح في القسم الأخير من هذا الفصل. ولذلك لا يمكن أن يفسّر هذا العامل أكثر من ربع الفجوة. وثانيهما أن كثيراً من الطلاب الذين يلتحقون لا يُتمّون دراستهم. ومع اتساع الفجوة بين نسبتي المشاركة والتخرج، قد يوحي ذلك بأن التسرّب ازداد مع دخول مزيد من الشباب التعليم العالي.

ومن الطرق الأخرى لتحليل العلاقة بين المشاركة في التعليم العالي وإتمامه بيانات التحصيل، أي حصة السكان الحاصلين على شهادة في التعليم العالي. وتتوافر هذه البيانات من المسوح الأسرية، ولا سيما مسوح القوى العاملة، التي تُبلغ عن بيانات التحصيل في فئات عمرية عشرية. وترصد بيانات التحصيل نمو المشاركة في التعليم العالي بتأخر كبير. فمثلاً، يعكس معدل التحصيل لدى من هم في سن 25 إلى 34 في عام 2024 مشاركة الشباب الذين دخلوا التعليم العالي في العقد الثاني من هذا القرن، في حين يعكس معدل التحصيل لدى من هم في سن 45 إلى 54 مشاركة الشباب الذين دخلوا التعليم العالي في التسعينيات. وقد يكون هذا التأخر أطول، لأن كثيراً من الطلاب يستغرقون في الغالب وقتاً أطول لإتمام دراستهم، في حين قد تكون بيانات بعض البلدان أقدم من عام 2024.

وعلى المستوى العالمي، يرتفع التحصيل في التعليم العالي من 15% بين من هم في سن 45 إلى 54 إلى 24% بين من هم في سن 25 إلى 34، أي بتسع نقاط مئوية، وهي زيادة أقل بكثير من الزيادة في نسبة الالتحاق الإجمالية بالتعليم العالي بين عامَي 1994 و2014، التي بلغت عشرين نقطة مئوية، من 16% إلى 36%. ويؤكد ذلك الافتراض بوجود مشكلة تسرّب كبيرة في التعليم العالي. فمثلاً، تبلغ حصة طلاب البكالوريوس الذين يتسرّبون خلال السنة الأولى من الدراسة 15% أو أكثر في بلدان مرتفعة الدخل كأستراليا والدنمارك وآيسلندا وسلوفينيا وبولندا. وفي كثير من بلدان أمريكا اللاتينية، ومنها البرازيل وكولومبيا وبيرو، تتجاوز 20%.

الحاجة إلى مقاييس أكثر قابلية للمقارنة للتعليم العالي

رغم أن نسبة الالتحاق الإجمالية مفيدة في تقييم القدرة الإجمالية للنظام التعليمي، فإن لها قيوداً كبيرة على قابلية المقارنة في جميع المراحل التعليمية، ولا سيما في مرحلة ما بعد الثانوي.

قابلية نسبة الالتحاق الإجمالية بالتعليم العالي للمقارنة محدودة

من التحديات الرئيسية لنسبة الالتحاق الإجمالية أنها لا تراعي الفروق في مدة البرامج، التي تتفاوت تفاوتاً واسعاً بحسب البلد ومستوى التعليم العالي ومجال الدراسة. فبينما قد لا تتجاوز المدة الاسمية لبرنامج البكالوريوس في لوكسمبورغ سنتين، تستغرق بعض البرامج ست سنوات لإتمامها في البرازيل وشيلي وكولومبيا.

فضلاً عن ذلك، قد تتفاوت المدة الفعلية للدراسة في التعليم العالي تفاوتاً كبيراً بحسب انتشار الدراسة بدوام جزئي وفترات عدم النشاط التي يظل الطلاب خلالها مسجّلين. فالبلدان ذات المدد المعتادة الأطول للبرامج، أو التي يستغرق فيها الطلاب وقتاً أطول للتخرج، تسجّل نسب التحاق أعلى، حتى وإن لم تكن توفّر فعلاً وصولاً أوسع إلى التعليم العالي.

وعلى خلاف المراحل السابقة، قد يتابع الطلاب أيضاً أكثر من برنامج واحد في التعليم العالي، مما يضخّم نسبة الالتحاق الإجمالية بطريقتين. أولاهما أن الأفراد الملتحقين في الوقت نفسه ببرامج مختلفة، سواء في المؤسسة نفسها أو في مؤسسات مختلفة، قد يُحتسبون أكثر من مرة. وثانيتهما أن من يعودون إلى التعليم بعد إتمام شهادة أولى في التعليم العالي يُدرجون أيضاً مجدداً في النسبة، رغم أنهم لا يزيدون حصة السكان الحاصلين على مؤهلات التعليم العالي. وهذا وثيق الصلة على نحو خاص بالبلدان مرتفعة الدخل. فبحسب بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تبلغ حصة خريجي البكالوريوس الحاصلين أصلاً على شهادة أخرى في التعليم العالي نحو 25% في شيلي والمجر وآيسلندا ونيوزيلندا والولايات المتحدة، وأكثر من 40% في النمسا وبولندا.

وأصبح الافتراض المضمّن في نسبة الالتحاق الإجمالية، أي أن الفئة العمرية الرئيسية للتعليم العالي هي السنوات الخمس التالية مباشرة للمرحلة العليا من التعليم الثانوي، وعادة من سن 19 إلى 23، غير واقعي على نحو متزايد في بلدان كثيرة. فنظم التعليم العالي أكثر مرونة من ذلك، وتتيح للمتعلمين البالغين فرص الدخول إلى التعليم والخروج منه طوال حياتهم.

وأخيراً، قد يضخّم انتشار الطلاب الدوليين في التعليم العالي نسبَ الالتحاق الإجمالية في البلدان ذات التنقل الوافد المرتفع. ففي أربعين بلداً على الأقل، يمثّل الطلاب الدوليون المتنقلون أكثر من 10% من طلاب التعليم العالي. وتبلغ الحصة 20% في كندا وسويسرا والمملكة المتحدة، و27% في أستراليا، وأكثر من 40% في قطر والإمارات العربية المتحدة.

معدلات الإتمام مقياس أكثر شفافية وقابلية للمقارنة

يُرصد التعليم العالي أيضاً عبر المؤشر المواضيعي 4.4.3 لأهداف التنمية المستدامة، المتعلق بمعدلات التحصيل التعليمي للبالغين. ويُحسب المعدل بوصفه توزيع البالغين من سن 25 فما فوق بحسب المستوى التعليمي المحقق، ويُقاس عبر المسوح الأسرية، وفي معظم الحالات مسوح القوى العاملة. ويتجنّب معدل التحصيل في التعليم العالي كثيراً من التحديات المرتبطة بنسبة الالتحاق الإجمالية. فهو يقلّل أثر عوامل كاختلاف المدد والدراسة بدوام جزئي والتخرج المتأخر. ويحتسب الحاصلين على التعليم العالي مرة واحدة فقط، بصرف النظر عن عدد الشهادات. ولأن المقياس يركّز على فئة عمرية أكبر سناً، فهو أقل تأثراً بالتقلّبات قصيرة الأجل أو بالتباينات في نظم التعليم العالي، ويقدّم صورة أكثر سلاسة لاتجاهات الوصول إلى التعليم العالي.

وفي الوقت نفسه، فإن هذه الميزة الأخيرة هي أيضاً عيب، إذ لا تقدّم الفئة العمرية الكبيرة صورة محدّثة عن تطوّر التعليم العالي. ولكي تكون الفئات العمرية مفيدة، ينبغي أن تكون أصغر سناً، ترصد فترة قصيرة بعد سن التخرج الرسمية، على غرار تقدير معدلات إتمام التعليم الابتدائي والثانوي للفئات العمرية التي تزيد بثلاث إلى خمس سنوات على سن التخرج الرسمية. كما ينبغي أن تكون فئات عمرية أضيق، تمتد على خمس سنوات كحدّ أقصى بدلاً من عشر، لتكون أكثر إفادة بشأن ما إذا كانت التغييرات السياساتية الأخيرة تُحدث أثراً.

ويرصد الاتحاد الأوروبي معدل التحصيل لجميع شهادات التعليم العالي، من المستوى 5 من التصنيف الدولي الموحد للتعليم فما فوق، إذ تتضمن منطقة التعليم الأوروبية غاية ألا تقل حصة من هم في سن 25 إلى 34 الحاصلين على مؤهل في التعليم العالي عن 45% بحلول عام 2030، بعد أن تحققت الغاية السابقة البالغة 40% في العقد الماضي، حين ارتفع المعدل من 32.2% في عام 2010 إلى 40.7% في عام 2020. ويكشف تحليل معدل التحصيل في الدول الأعضاء السبع والعشرين لفئات عمرية مختلفة حقائق متعددة. أولاً، يبلغ معدل التحصيل أعلى مستوياته بين من هم في سن 30 إلى 34، إذ انفتحت فجوة صغيرة بينهم وبين من هم في سن 25 إلى 29 بعد عام 2010، مما يوحي إما بأن البالغين الأكبر سناً قليلاً قد اجتذبهم التعليم العالي، ربما نتيجة للجهود المبذولة لجعل المسارات أكثر مرونة، أو بأن الشباب يؤخرون تخرجهم. ثانياً، تضاعف التحصيل في التعليم العالي بين من هم في سن 20 إلى 24 من 10% في عام 2002 إلى 19% في عام 2024، وهو ما يعكس على الأرجح أثر الإصلاحات التي أدخلت برامج البكالوريوس لثلاث سنوات في إطار ما يُسمّى عملية بولونيا، والتي تتيح لمزيد من الشباب الحصول على الشهادات في وقت أبكر.

وبحسب دليل التصنيف الدولي الموحد للتعليم لعام 2011، تستغرق برامج التعليم العالي قصيرة الدورة عادة سنتين، في حين تمتد برامج البكالوريوس عادة من ثلاث سنوات إلى أربع. وبالنظر إلى أن سن التخرج المعتادة من المرحلة العليا من التعليم الثانوي هي الثامنة عشرة، توفّر الفئة العمرية من 25 إلى 29 إطاراً زمنياً معقولاً لقياس التحصيل في التعليم العالي، إذ تسمح بتأخيرات تصل إلى نحو ضعف المدة النظرية لمعظم البرامج. ويتسق هذا النهج أيضاً مع مقياس معدل الإتمام لدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الذي يسجّل الإتمام حتى ثلاث سنوات بعد المدة النظرية للبرنامج. ويمكن اعتبار الفئة العمرية من 30 إلى 34 نافذة «الإتمام النهائي». وهذا يماثل مؤشر معدل الإتمام «النهائي» للمرحلة العليا من التعليم الثانوي، الذي يحسبه التقرير العالمي لرصد التعليم ومعهد اليونسكو للإحصاء على الشباب حتى ثماني سنوات فوق سن التخرج، لاستكمال مؤشر معدل الإتمام للهدف الرابع، الذي يُحسب على الفئة العمرية التي تزيد بثلاث إلى ثماني سنوات على سن التخرج.

ومن النتائج الأخرى أن معدل التحصيل في التعليم العالي لدى من هم في سن 25 إلى 34 في أي عام لا يمثّل على الدوام سوى نحو 60% من نسبة الالتحاق الإجمالية قبل عشر سنوات، مما يؤكد أن نسبة الالتحاق الإجمالية تعطي تصوّراً مضخّماً لعدد الحاصلين على شهادات التعليم العالي. وتؤكد مقارنة معدل التحصيل في التعليم العالي لدى من هم في سن 25 إلى 34 بنسبة الالتحاق الإجمالية لجميع البلدان التي تتوافر عنها بيانات أن نسبة التحصيل إلى الالتحاق تقارب 60%.

ويتطلب قياس المعدل الدقيق الذي يُتمّ به الطلاب الذين يدخلون التعليم العالي دراستهم، والوقت الذي يستغرقونه لذلك، بيانات على مستوى الأفراد. فنظم المعلومات الوطنية تحتاج إلى أن تكون قادرة على تتبّع الطلاب طوال دراستهم، إما عبر السجلات الفردية للطلاب أو عبر مسوح طولية منتظمة. وتوجد هذه البيانات بالفعل في كثير من البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى والبلدان مرتفعة الدخل. وتُظهر النتائج تفاوتاً كبيراً بين البلدان في حصة الطلاب الذين التحقوا ببرنامج وأتمّوه بحلول وقت محدد. فمثلاً، في غضون ثلاث سنوات من موعد التخرج الرسمي، أنهى أكثر من 80% من الطلاب برامجهم في كندا وسويسرا وتركيا والمملكة المتحدة، لكن أقل من 50% في البرازيل وكولومبيا وبيرو. ومن بين من أنهوا دراستهم، لم يفعل ذلك في الوقت المحدد سوى 22% في شيلي، مقابل 94% في رومانيا. ويتراوح الإتمام في الوقت المحدد بين 13% في شيلي وأكثر من 65% في آيرلندا والمملكة المتحدة.

ويقدّم بلدان شاذان رؤى حول صعوبات المقارنة، لعوامل مختلفة. ففي لوكسمبورغ، تتجاوز معدلات التحصيل معدلات الالتحاق بكثير. ورغم أن ذلك يعكس جزئياً قصر مدة البرامج كما وُصف أعلاه، فإن السبب الرئيسي أن كثيراً من الحاصلين على التعليم العالي ينالون شهاداتهم في الخارج. ففي عام 2023، كان 78% من طلاب التعليم العالي من مواطني لوكسمبورغ ملتحقين في الخارج، ومن ثمّ لا يُحتسبون في نسبة الالتحاق الإجمالية. وفي اليونان، يُلاحظ العكس، لأنه رغم أن كثيراً من الطلاب غير نشطين، فإنهم يظلون مسجّلين، ويُشار إليهم بالطلاب «الدائمين». فجميع الطلاب ملتحقون بمؤسسات عامة، معفاة من الرسوم الدراسية في برامج الشهادة الأولى وغير خاضعة للفصل. وقد وضع قانون صدر في عام 2025 حداً لهذا الوضع، فأزال 280 ألف شخص من سجلات الطلاب ومنح 35 ألفاً آخرين تمديداً نهائياً، بما يمثّل 45% من عدد سابق من الطلاب بلغ 704 آلاف.

وهذا النوع من البيانات التفصيلية يتيح تحليل تقدّم الطلاب بمرور الوقت وتحديد ما إذا كان من لم يتخرجوا لا يزالون مسجّلين أو تسرّبوا مثلاً. وقد يتيح أيضاً فحص مدى انتقال الطلاب الذين يدخلون مستوى معيّناً من التعليم العالي، وهو في هذه الحالة برنامج البكالوريوس أو ما يعادله، وتخرجهم بحسب مجال الدراسة أو مستواها. غير أنه من غير المرجّح أن يكون هذا النوع من البيانات التفصيلية على مستوى الطالب ممكناً على نطاق عالمي.

التوزيع العمري للطلاب يكشف أنماط المشاركة

القيد الرئيسي لاستخدام معدل التحصيل مؤشراً محورياً للرصد في التعليم العالي أنه لا يرصد التطوّر إلا من منظور الإتمام. ويمكن لاستكمال بيانات التحصيل بتحليل بديل للالتحاق، ولا سيما التوزيع العمري للطلاب، أن يقدّم رؤية إضافية لمسارات الطلاب بين الدخول والتخرج.

ويكشف تحليل التوزيع العمري للطلاب الملتحقين عن تنوّع واسع في الأنماط بين البلدان. فحصة 75% من الطلاب تقع بين سن 18 و22 في ماليزيا، لكنها تقع بين 18 و35 في اليونان، للأسباب المذكورة أعلاه. وقد يعكس التوزيع العمري الأوسع نظاماً أكثر مرونة يستوعب الطلاب بدوام جزئي والمتعلمين الأكبر سناً، أو قد يدل على عدم الكفاءة إذا ظل الطلاب مسجّلين أطول بكثير مما هو متوقع. وفي المقابل، يدل التوزيع العمري الأضيق عادة على نظام يركّز على البرامج الأقصر بدوام كامل التي تخدم أساساً خريجي المرحلة العليا من التعليم الثانوي الجدد.

وتساعد مقارنة التوزيع العمري لطلاب التعليم العالي بين البلدان على وضع مقاييس المشاركة الأخرى في سياقها. فمثلاً، لدى البرازيل نسبة التحاق إجمالية أعلى، بنسبة 60%، من المكسيك، بنسبة 46%، لكن التحصيل في التعليم العالي بين من هم في سن 25 إلى 34 أعلى في المكسيك، بنسبة 29%، منه في البرازيل، بنسبة 27%. ويفسَّر هذا التناقض الظاهري إلى حدّ كبير بالفروق في ملامح الطلاب. ففي البرازيل، يتابع 50% من طلاب التعليم العالي برامج التعليم عن بُعد، ويرتاد 28% آخرون فصولاً مسائية، وكلا النمطين موجّه نحو البالغين الأكبر سناً الذين يعملون بالفعل ولديهم مسؤوليات أخرى ويفضّلون الدراسة بمرونة أكبر. ولا يتخرج في غضون المدة الاسمية لبرامجهم سوى 38% من طلاب التعليم العالي في البرازيل. أما في المكسيك، فلا يزال النظام مصمماً في معظمه للطلاب المتفرغين الخارجين من المرحلة العليا من التعليم الثانوي. وقد تضاعفت حصة الطلاب في البرامج «غير المدرسية»، التي تشمل التعليم عن بُعد والتعليم الافتراضي والمفتوح والمدمج، أكثر من مرتين خلال العقد الماضي، لكنها لم تمثّل سوى 20% من طلاب التعليم العالي في عام 2023.

وقد يعكس التوزيع العمري الأوسع أيضاً اختلاف نقاط الدخول إلى التعليم العالي. ففي السويد، ثمة تركيز قوي على التعلّم مدى الحياة. فنحو نصف طلاب التعليم العالي بالغون يعودون إلى الدراسة بدوام جزئي، وهي أعلى حصة بين البلدان مرتفعة الدخل. ولدى المملكة المتحدة توزيع عمري أضيق بكثير، لكن معدلات تحصيل مماثلة جداً في التعليم العالي، نحو 55% بين من هم في سن 25 إلى 34، ونسب التحاق إجمالية مماثلة، نحو 81%.

وتُبرز مقارنة التوزيع العمري لأنواع مختلفة من برامج التعليم العالي أدوارها المختلفة وكيف تخدم فئات مختلفة بين البلدان. فالبرامج المهنية قصيرة الدورة في أستراليا ونيوزيلندا تجتذب البالغين في مختلف مراحل الحياة. ففي أستراليا مثلاً، تُقدَّم المؤهلات المهنية في الغالب خياراتٍ لما بعد المدرسة، بدلاً من أن تكون مدمجة في النظام المدرسي المعتاد. وتقدّم هذه البرامج تدريباً قصيراً وعملياً موجّهاً نحو الصناعة يمكّن البالغين من رفع مهاراتهم أو اكتساب مهارات جديدة أو تغيير مساراتهم المهنية. وفي المقابل، في فرنسا وإسرائيل، للبرامج المهنية قصيرة الدورة توزيع عمري أضيق وأصغر سناً من برامج البكالوريوس. ويوحي ذلك بأن هذه البرامج موجّهة أساساً نحو الطلاب الساعين إلى مؤهلات عملية عند انتقالهم مباشرة من المرحلة العليا من التعليم الثانوي.

الخلاصة

نمت نسب الالتحاق في التعليم العالي بوتيرة أسرع منها في المراحل التعليمية الأخرى. لكن بينما توصّلت البلدان إلى توافق واسع على تحقيق تعميم إتمام التعليم الابتدائي والثانوي، فإن تحديد غاية دولية للتعليم العالي أصعب بكثير. والغايات الوطنية المرتبطة بالأولويات السياساتية مهمة. ففي عام 2024، قدّمت وزارة التعليم في البرازيل إلى الكونغرس خطة وطنية جديدة للتعليم لمدة عشر سنوات، تقترح رفع التحصيل في التعليم العالي بين من هم في سن 25 إلى 34 من 27% في عام 2024 إلى 40% بحلول عام 2034. وفي الهند، حددت السياسة الوطنية للتعليم لعام 2020 غاية رفع نسبة الالتحاق الإجمالية بالتعليم العالي من نحو 24% في عام 2024 إلى 50% بحلول عام 2035. وأكثر من أي مرحلة تعليمية أخرى، سيكون من الضروري أن تُبنى أي غاية عالمية مستقبلية على تجميع الغايات الوطنية.

ويمكن للمجتمع الدولي أن يتفق على ما إذا كان من يرغبون في متابعة التعليم العالي قادرين على ذلك، أي الوصول، وما إذا كانوا قادرين على إتمام دراستهم بنجاح، أي التحصيل. وسيكون ذلك أكثر اتساقاً مع صياغة غايات أهداف التنمية المستدامة، التي تدعو إلى تعميم إتمام التعليم الابتدائي والثانوي في الغاية 4.1، لكنها لا تدعو إلا إلى المساواة في الوصول إلى تعليم عالٍ جيد في الغاية 4.3.

ويمكن اكتساب رؤى تكميلية عبر مؤشرات سياساتية ترصد الحوافز والبنى المؤثرة في الإتمام، كأن يُنظر مثلاً فيما إذا كان تمويل مؤسسات التعليم العالي أو الدعم المالي المقدّم للطلاب، كالقروض أو المنح، مرتبطاً بأي شكل بمعدلات الإتمام أو مدة الدراسة. ويمكن لهذه المقاييس القائمة على السياسات أن تقدّم مؤشراً بديلاً قيّماً لفهم كيفية تشجيع النظم الوطنية الإتمامَ في الوقت المحدد.

وأخيراً، مع تنامي المشاركة في التعليم عن بُعد والتعلّم الإلكتروني وتزايد مرونة مسارات التعليم العالي، كالاعتراف بالتعلّم السابق والشهادات المصغّرة، يجب أن يتطوّر رصد التعليم العالي وفقاً لذلك. فحتى قبل جائحة كوفيد 19، كانت حصص كبيرة من طلاب التعليم العالي ملتحقة بالتعليم المفتوح وعن بُعد، إذ تجاوزت 15% في بعض أكبر النظم في العالم، ومنها أستراليا والبرازيل والصين والهند والاتحاد الروسي وجنوب أفريقيا وتركيا والولايات المتحدة. والأرجح أن هذه الأعداد ارتفعت ارتفاعاً كبيراً بعد الجائحة. ويحجب غياب البيانات القابلة للمقارنة عالمياً عن أنماط الدراسة المختلفة فروقاً مهمة في الوصول والتقدّم والنواتج. ولذلك فإن تطوير أطر رصد تلتقط التنوّع الكامل للمشاركة في التعليم العالي وصقلها أمر جوهري.

دراسات الحالة

بيلاروس: تغيّر التصوّرات يؤثر في مسار التعليم الجامعي

شهدت بيلاروس توسّعاً سريعاً في المشاركة في التعليم العالي في التسعينيات والعقد الأول من هذا القرن، وإن انطلقت من نقطة أعلى بكثير من البلدان الأخرى ذات الدخل المتوسط الأعلى، بمستويات مشاركة في التعليم العالي أقرب إلى مستويات البلدان الأوروبية الأخرى. فقد ارتفعت نسب الالتحاق الإجمالية بالتعليم العالي في بيلاروس من 48% في عام 1991 إلى 96% في عام 2013، مع انكماش طفيف عقب الاستقلال مباشرة في عام 1991. وبالمقارنة، ارتفع متوسط البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى باطّراد من 9% إلى 38% في الفترة نفسها. وتُرجمت فترة التوسّع هذه في الالتحاق بالتعليم العالي إلى ارتفاع في التحصيل في التعليم العالي بين الشباب البالغين من سن 25 إلى 34، من نحو 30% في عام 2009 إلى 41% في عام 2018. وبعد ذلك، تباطأ نمو التحصيل تباطؤاً ملحوظاً، ولم يبلغ سوى 43% بحلول عام 2024. وبينما واصلت البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى والبلدان الأوروبية توسيع المشاركة في التعليم العالي، تشهد بيلاروس انكماشاً ملحوظاً منذ منتصف العقد الثاني من هذا القرن. فقد انخفضت نسبة الالتحاق الحالية بالتعليم العالي في البلد، البالغة 70% في عام 2024، بخمس وعشرين نقطة مئوية خلال العقد الماضي، وهي تقترب من متوسط الاقتصادات الأخرى ذات الدخل المتوسط الأعلى البالغ 65%.

واتّسمت هذه الفترة الأخيرة أيضاً بانخفاض مطلق كبير في عدد طلاب التعليم العالي في البلد. فبحسب بيانات اللجنة الإحصائية الوطنية لجمهورية بيلاروس، انخفض عدد الطلاب في برامج البكالوريوس من 261 ألفاً في عام 2019 إلى 207 آلاف في عام 2024، أي بنسبة 21% في خمس سنوات فقط. ويُفسَّر ذلك جزئياً بتحوّل ديموغرافي. فقد أدى انخفاض معدلات الخصوبة واتجاهات صافي الهجرة إلى الخارج إلى انخفاض عدد الشباب من سن 15 إلى 24 إلى النصف تقريباً خلال أربعين عاماً، من 1.66 مليون في عام 1983 إلى 0.89 مليون في عام 2023.

ومن التطورات الموازية الجديرة بالملاحظة، والمرتبطة على نحو غير مباشر بتوسّع النظام الوطني للتعليم العالي وانكماشه، اتجاهُ عدد طلاب التعليم العالي البيلاروسيين المتنقلين دولياً الدارسين في الخارج. فمن عدد متواضع وثابت بلغ سبعة آلاف طالب في مطلع الألفية، بدأ عددهم يرتفع بأكثر من خمس مرات بين عامَي 2003 و2011، ليبلغ 41 ألفاً. ثم انخفض بنسبة 46% إلى 22 ألفاً بحلول عام 2017، وهو مستوى حافظ عليه تقريباً. غير أنه بالقيم النسبية، ونظراً إلى انخفاض عدد الطلاب المحليين، ظلت نسبة التنقل إلى الخارج ترتفع منذ عام 2017، لتبلغ أعلى مستوى تاريخي لها عند 9% في عام 2023.

وقد تشكّل نظام التعليم العالي في بيلاروس تشكّلاً عميقاً بالإرث السوفيتي للبلد. فبين عامَي 1919 و1991، أنشأت جمهورية بيلاروسيا الاشتراكية السوفيتية 33 مؤسسة للتعليم العالي. وقدّمت هذه المؤسسات أساساً تدريباً مهنياً لتلبية احتياجات الاقتصاد المخطط وإعادة إنتاج النخبة الأيديولوجية. وبتوسيع عدد أماكن الدراسة المجانية وإزالة عوائق المشاركة، نجح النظام السوفيتي في زيادة الالتحاق بالتعليم العالي زيادة كبيرة، بما في ذلك بين الفئات الممثّلة تمثيلاً ناقصاً سابقاً، كالنساء.

ومع الاستقلال، أجاز قانون جديد للتعليم في عام 1991 إنشاء مؤسسات خاصة، وإدخال برامج ومناهج جديدة، وفرض رسوم دراسية في المؤسسات العامة. وبدأ القانون يوجّه بيلاروس نحو نظام أقرب إلى النمط الأوروبي. غير أن هذا التحوّل لم يتحقق كاملاً قط، وحافظ نظام التعليم العالي في بيلاروس على كثير من سماته السوفيتية، ولا سيما نواة صغيرة من الجامعات العامة المرموقة والشديدة الانتقائية، واستقلالية مؤسسية محدودة حتى داخل القطاع الخاص، وتعيين إلزامي في العمل لمدة سنتين للطلاب الذين يدرسون مجاناً في التعليم العالي العام بعد تخرجهم. وقد شكّلت هذه الموروثات البنيوية المشاركة في التعليم العالي في حقبة ما بعد الاتحاد السوفيتي.

وأطلق اعتماد قانون التعليم لعام 1991 توسّعاً غير مسبوق. فبإجازته إنشاء مؤسسات خاصة وبرامج جديدة، زاد القانون عرض فرص التعليم العالي زيادة كبيرة. وارتفع الطلب أيضاً، مدفوعاً بتوقعات أن بيلاروس ستتحول نحو اقتصاد أكثر اعتماداً على السوق وأن مهناً وقطاعات جديدة ستظهر. وتساعد هذه العوامل على تفسير الارتفاع السريع في الالتحاق خلال التسعينيات والعقد الأول من هذا القرن.

وكما في أماكن أخرى من وسط أوروبا وشرقها، توسّع قطاع التعليم العالي الخاص بسرعة بعد تفكّك الاتحاد السوفيتي. فقد افتُتحت أول جامعة خاصة في بيلاروس في عام 1994، وبحلول العام 1996/1997 كان في البلد نحو عشرين مؤسسة خاصة، أي نحو ثلث مؤسسات التعليم العالي آنذاك. وقدّمت هذه المؤسسات برامج في مجالات جديدة عالية الطلب كالإدارة والاقتصاد والقانون والعلوم الإنسانية. وكان القبول عموماً غير انتقائي والرسوم الدراسية منخفضة نسبياً، مما أتاح نمواً قوياً في الالتحاق بالقيم المطلقة والنسبية. غير أنه بعد بلوغها الذروة في عام 2004، انخفضت حصة الطلاب الملتحقين بالمؤسسات الخاصة من 15% إلى 6% في عام 2022. ولوحظت أنماط مماثلة في الاتحاد الروسي وأوكرانيا، في حين يواصل القطاع الخاص في بولندا توسّعه.

ويساعد عاملان على تفسير انكماش قطاع التعليم العالي الخاص في بيلاروس. أولهما أن التوقعات الاقتصادية للتسعينيات لم تتحقق في معظمها. فقد نشأ عدم توافق بين التعليم العالي المقدَّم والطلب في سوق العمل: فقد عمل 33% من خريجي التعليم العالي البيلاروسيين في وظائف تتطلب مؤهلات أدنى، ولم يفضِ التعليم العالي باستمرار إلى دخل أعلى. وقد أدى ذلك إلى تآكل العوائد المتصوّرة للتعليم العالي وإضعاف الطلب على البرامج في المجالات الجديدة.

وثانيهما أن الحكومة أدخلت متطلبات أكثر صرامة لضمان الجودة على المؤسسات الساعية إلى الاعتماد الأولي أو تجديده. وأخفقت مؤسسات خاصة كثيرة، كانت صراحةً الأهداف الرئيسية لهذه الإصلاحات، في استيفاء المعايير الجديدة، فأُغلقت.

وكانت هذه التغييرات جزءاً من جهد أوسع لإعادة تأكيد سيطرة الدولة على مؤسسات التعليم العالي، كالسيطرة على التعيينات الرئيسية. وامتدت سيطرة الدولة بصورة متزايدة إلى الطلاب أيضاً. ومن أوضح الأمثلة على ذلك إعادة العمل بالتعيين الإلزامي في العمل بعد التخرج. فهذه السياسة، التي أُدخلت في عام 2000 للطلاب الذين تموّل الدولة أماكنهم، تُلزم الخريجين بقبول وظائف تحددها الدولة لمدة سنتين، وحتى خمس سنوات في بعض البرامج المهنية في المهارات الحيوية، وكثيراً ما يكون ذلك في أماكن لا يختارونها. كما كثّفت السلطات رقابتها على الخريجين الساعين إلى تجنّب التعيين، وأعلنت خططاً لتوسيع قائمة البرامج الخاضعة للتوظيف الإلزامي. وثمة نقاش حول احتمال توسيع التعيين الإلزامي ليشمل الطلاب الذين يدفعون الرسوم.

وفي تطوّر منفصل، وبعد قبول بيلاروس بشروط في عام 2015، عُلّقت عضويتها في عام 2022 في عملية بولونيا، وهي سلسلة من الاجتماعات والاتفاقات الوزارية بين البلدان الأوروبية لضمان قابلية مقارنة معايير مؤهلات التعليم العالي وجودتها. وكان للتعليق تداعيات كبيرة على القطاع، منها فقدان الاعتراف بالشهادات داخل منطقة التعليم العالي الأوروبية، وتراجع تنقل الطلاب والعاملين، وتقييد الوصول إلى التمويل الخارجي لمشاريع التعليم والبحث. ونتيجة لذلك، رفعت مؤسسات التعليم العالي الرسوم الدراسية. وقد أثّرت هذه التطورات في حوافز البيلاروسيين وفرصهم لمتابعة التعليم العالي، وتفسّر أيضاً لماذا انخفضت نسبة الالتحاق الإجمالية بالتعليم العالي انخفاضاً أشد حدة بعد عام 2020 في بيلاروس.

شيلي: توسّع مدفوع بالسوق وتحدي الإنصاف

كانت أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي في طليعة توسيع التعليم العالي، إذ ارتفع الالتحاق من أربعة ملايين طالب في عام 1970 إلى 31 مليوناً في عام 2024. وتمثّل شيلي إحدى أبرز حالات هذا التحوّل، إذ ارتفعت نسبة الالتحاق الإجمالية من 35% في عام 2000 إلى 110% في عام 2024، إلى جانب الأرجنتين التي تجاوزت هي الأخرى عتبة 100% في عام 2021. وظلت نسبة الالتحاق الإجمالية في شيلي تنمو بمقدار 3.1 نقاط مئوية سنوياً، أي بضعف معدل منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، التي ارتفع متوسطها من 23% في عام 2000 إلى 61% في عام 2023.

غير أن الالتحاق لا يُترجم دائماً إلى تخرج وحصول على مؤهل في التعليم العالي. ففي شيلي، يبلغ معدل التسرّب لطلاب السنة الأولى في المرحلة الجامعية الأولى 14%. ولا يُتمّ شهادته الجامعية الأولى في غضون المدة المتوقعة للبرنامج سوى 13% من الطلاب الجدد. ويتخرج نحو 38% متأخرين سنة واحدة، و60% في غضون ثلاث سنوات من الإطار الزمني المتوقع. ومع ذلك، تنعكس مكاسب الالتحاق بالتعليم العالي في نهاية المطاف في تقدّم التحصيل: ففي عام 2023، كان نحو 34% ممن هم في سن 25 إلى 34 قد أتمّوا شهادة، مقارنة بنسبة 14% ممن هم في سن 55 إلى 64.

وعلى خلاف النموذج الإقليمي الأكثر شيوعاً القائم على جامعات عامة تقودها الدولة ومعفاة من الرسوم، كما في الأرجنتين، كان توسّع شيلي مدفوعاً إلى حدّ كبير بإصلاحات موجّهة نحو السوق، منها القبول الانتقائي والتنويع المؤسسي والقروض الطلابية واسعة النطاق. فبعد الإصلاحات التي أُدخلت في الثمانينيات، تنوّع نظام التعليم العالي الشيلي بسرعة. ففي عام 2015، كانت ثمة 16 جامعة حكومية و9 جامعات خاصة أعضاء في مجلس رؤساء الجامعات الشيلية، و35 جامعة خاصة مستقلة، و43 معهداً مهنياً، و54 مركزاً للتدريب التقني.

وتختلف ممارسات القبول اختلافاً حاداً بين المؤسسات الشيلية. فالمعاهد المهنية ومراكز التدريب التقني تقدّم عموماً قبولاً مفتوحاً أو أقل انتقائية، مما يتيح لأعداد كبيرة من الطلاب الوصول إلى التعليم ما بعد الثانوي. وفي المقابل، تعمل الجامعات الأعضاء في مجلس رؤساء الجامعات وعدد قليل من الجامعات الخاصة بنظام قبول مركزي شديد الانتقائية يستند إلى الاختبار الوطني المعياري للقبول في التعليم العالي وإلى الأداء في المدرسة الثانوية.

وقد أتاحت هذه البنية المزدوجة لشيلي توسيع الوصول بسرعة، إذ التحق نحو 1.4 مليون طالب بمؤسسات التعليم العالي في عام 2024، مع الحفاظ على انتقائية قوية في جامعات النخبة. غير أنها أسهمت أيضاً في التقسيم الطبقي المؤسسي. فالطلاب من الأسر الأكثر يسراً ممثّلون على نحو غير متناسب في الجامعات الانتقائية، في حين يكون الطلاب من الخلفيات منخفضة الدخل ومن الجيل الأول في التعليم العالي أكثر ميلاً إلى الالتحاق بالمؤسسات الأقل انتقائية والمؤسسات غير الجامعية، ومنها البرامج التقنية.

وفي شيلي، أصبحت الرسوم الدراسية عامة، لكن التمويل العام للمؤسسات، ولا سيما تلك المنتمية إلى شبكة مجلس رؤساء الجامعات، ظل كبيراً، متألفاً من مزيج من الإعانات المؤسسية والتمويل القائم على الطلاب. ففي عام 2015، خصّصت الحكومة 363 مليار بيزو شيلي، أي 545 مليون دولار أمريكي، تحويلاتٍ مباشرة إلى المؤسسات، قُدّم 63% منها تمويلاً أساسياً، يكاد يكون كله عبر المساهمة المالية المباشرة، والباقي عبر صناديق تنافسية. ولا تزال المساهمة المالية المباشرة تهيكل النظام، رغم أوجه عدم الإنصاف التاريخية في توزيعها التي أشارت إليها مراجعات المنظمات الدولية. والنتيجة نموذج هجين: إعانات قوية ودائمة للمؤسسات، تكمّلها زيادة كبيرة في المنح والقروض للطلاب.

وأصبح القرض الطلابي المضمون من الدولة، الذي أُطلق في عام 2006، حجر زاوية في جعل التعليم العالي جماهيرياً في شيلي. فقد وفّر للطلاب ذوي الدخل المنخفض والمتوسط قروضاً مصرفية مضمونة من الدولة، مشروطة بحدّ أدنى من الأداء الأكاديمي. وأتاح القرض توسّعاً سريعاً، من 663 ألف طالب في عام 2005 إلى أكثر من 1.2 مليون بحلول عام 2015. غير أن هذا التوسّع جاء على حساب خصخصة عميقة وتزايد الديون الطلابية.

وبحلول عام 2015، استأثرت المنح والقروض بأكثر من 70% من الإنفاق العام على التعليم العالي. وارتفع إجمالي الإنفاق العام من 0.93% إلى 1.38% من الناتج المحلي الإجمالي بين عامَي 2010 و2016، وبلغ الإنفاق العام والخاص معاً 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو من أعلى المستويات في المنطقة. واستخدمت الجامعات الخاصة، التي استوعبت ثلثي المستفيدين من القرض، تدفّق الأموال لتوسيع الالتحاق ورفع الرسوم الدراسية، مع خفض المعايير الأكاديمية لتجنّب التسرّب. واستجابةً لذلك، أُدخل برنامج المجانية في عام 2016، ليغطي الطلاب من أدنى 60% من الأسر الملتحقين بمؤسسات معتمدة. وبحلول عام 2023، كانت 53% من مؤسسات التعليم العالي مشاركة في البرنامج، واستفاد من السياسة 38% من إجمالي الملتحقين.

وفي عام 2025، اقتُرحت في الكونغرس آلية مالية جديدة هي الصندوق العام للتعليم العالي، كانت ستحل محل نظام القرض الطلابي المضمون من الدولة وتتيح للطلاب سداد القروض فقط بعد حصولهم على عمل، وبحسب دخلهم. وإلى جانب برنامج المجانية، كان من شأن هذين البرنامجين إعادة توجيه نظام السوق في شيلي نحو الإنصاف التوزيعي، باستبدال الديون بتمويل عام مباشر للطلاب المستحقين. غير أن الإدارة المنتخبة حديثاً سحبت دعمها لمقترح الصندوق. وبينما لا يزال مشروع القانون قيد النقاش في الكونغرس، ستعطي الحكومة الأولوية بدلاً من ذلك لاسترداد ديون القرض غير المسددة، التي بلغت مستويات كبيرة.

ويثير توسيع التعليم العالي في شيلي أسئلة مهمة لا تتعلق بمن يحصل على الوصول فحسب، بل أيضاً بمن يستفيد من التوسّع ومن يُتمّ دراسته في نهاية المطاف. فقد وسّعت شيلي الوصول إلى التعليم العالي توسيعاً كبيراً للشباب من جميع مستويات الدخل. ففي عام 2000، لم يكن يرتاد التعليم العالي سوى 13% من شباب أفقر 20% من الأسر. وارتفع المعدل بمقدار نقطتين مئويتين سنوياً حتى عام 2011، حين بلغ 36%. لكن التقدّم تسارع بمعدل 3.5 نقاط مئوية سنوياً بين عامَي 2011 و2020، حين ارتاد التعليم العالي 67% من أفقر الشباب، وهو إنجاز لافت.

وينبغي تقييم هذا التقدّم أيضاً في ضوء تطوّرين آخرين. أولهما أنه بينما تقلّصت الفجوة بين الخُمس الأدنى، أي الأفقر، والأخماس الثلاثة الوسطى، اتسعت الفجوة بين الأخماس الأربعة جميعها والخُمس الأعلى، أي الأغنى، الذي ارتفع ارتياده بوتيرة أسرع من جميع الأخماس الأخرى في الفترتين كلتيهما. وثانيهما أن الفجوات، كما وُصف أعلاه، ليست كمية فحسب بل نوعية أيضاً بسبب التقسيم الطبقي لنظام التعليم العالي.

ومع ذلك، من الواضح أن دفعة لجعل التعليم العالي أكثر إنصافاً حدثت في العقد الثاني من هذا القرن. فقد استبدل برنامج المجانية القروض الطلابية بتمويل عام مباشر، مما قلّل الديون وأشار إلى تحوّل نحو اعتبار التعليم العالي حقاً اجتماعياً. وفي الوقت نفسه، شدّدت إصلاحات ضمان الجودة في شيلي التنظيم. فقد وسّعت اللجنة الوطنية للاعتماد رقابتها، وجعلت الاعتماد شرطاً مسبقاً للحصول على المساعدات العامة. وقلّصت هذه العملية، وإن ظلت غير مكتملة، السلوك الاستغلالي لدى المؤسسات الخاصة منخفضة الجودة وحمت الطلاب المستضعفين. وبحلول عام 2016، ارتفع عدد البرامج المعتمدة من 374 إلى 1,352، وحتى عام 2024، كان 97% من الطلاب في برامج معتمدة. فضلاً عن ذلك، أدّى التعليم العالي غير الجامعي، كمراكز التدريب التقني، دوراً حاسماً في نمو الالتحاق الأخير، كزيادة قدرها 31% بين عامَي 2022 و2023، نتيجة للتوسّع المدفوع بالسياسات في التعليم التقني ميسور التكلفة.

وتقدّم الإنصاف أيضاً عبر إعادة انخراط الدولة. ففي عام 2015، أنشأت شيلي جامعتين عامتين جديدتين في منطقتين محرومتين من الخدمات، هما جامعة أيسن وجامعة أوهيغينز. وأطلقت الحكومة أيضاً برنامج المرافقة والوصول الفعلي إلى التعليم العالي، الذي يقدّم دعماً أكاديمياً واجتماعياً ووجدانياً لطلاب المدارس المحرومة لتشجيعهم على مواصلة دراستهم في التعليم العالي. وأخيراً، عزّز قانون التعليم العالي لعام 2018 هذه الجهود. فقد حظر تحقيق الربح، وأنشأ هيئة الرقابة على التعليم العالي، وأدخل الاعتماد الإلزامي ضمن إطار موحّد للجودة.

لقد رفعت الخصخصة والقبول الانتقائي والتمويل القائم على الرسوم الدراسية الالتحاقَ بالتعليم العالي والتحصيل فيه بسرعة. غير أن هذا النمو صاحبه تقسيم طبقي واضح وكفاءة متواضعة للنظام، إذ لا يُتمّ شهادته في الوقت المحدد سوى جزء صغير من الطلاب ويتسرّب كثيرون، رغم وجود نظام شديد التنظيم وموجّه نحو الشهادات. وقد خففت الإصلاحات الأخيرة، التي تركّز على التعليم العالي المجاني والإرشاد وضمان الجودة، العوائق المالية وحمت الطلاب المستضعفين، لكنها لم تحل حلاً كاملاً مسائل عدم المساواة في جودة المؤسسات ونواتجها.

الصين: توسّع لا نظير له

في عام 1974، كانت نسبة الالتحاق الإجمالية بالتعليم العالي في الصين 0.3%. واستغرق بلوغها 7% في عام 1999 خمساً وعشرين سنة، واستغرق بلوغها 77% في عام 2024 خمساً وعشرين سنة أخرى. وتجاوزت الصين متوسط البلدان منخفضة الدخل في عام 1995، ومتوسط البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى في عام 2003، ومتوسط البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى في عام 2015. وبالمعدل الحالي للتوسّع، ستتجاوز متوسط البلدان مرتفعة الدخل في عام 2028. وارتفعت حصة الشباب دون الرابعة والعشرين الحاصلين على مؤهل في التعليم العالي من 6% في عام 2000 إلى 41% في عام 2020. ويُتمّ معظم الطلاب الملتحقين شهاداتهم دون تأخير كبير، وهو أمر لافت بالنظر إلى أن وتيرة التوسّع شملت طلاباً من خلفيات محرومة. ففي عام 2024، بلغت نسبة التخرج الإجمالية 38% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى و45% في البلدان مرتفعة الدخل، في حين بلغت في الصين 53%.

وبدأ التوسّع التعليمي في الصين بخطة العمل لعام 1998 لتنشيط التعليم في القرن الحادي والعشرين، التي أطّرت التعليم العالي أداةً لخدمة الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية، بتوفير الكوادر الماهرة لاستدامة النمو وتعزيز الاستهلاك المحلي في أعقاب الأزمة المالية الآسيوية. وأعلنت وزارة التعليم زيادة أماكن الجامعات بنسبة 47% في عام 1999، تلتها زيادات إضافية بنسبة 38% في عام 2000 و22% في عام 2001. ودعمت زيادةُ برامج التعليم العالي ومؤسساته فتحَ مزيد من الأماكن، مما ساعد على إطلاق النمو في المشاركة.

وتؤكد البيانات الوطنية تسارعاً سريعاً اعتباراً من عام 1998. فقد ارتفعت نسبة خريجي المرحلة العليا من التعليم الثانوي الذين انتقلوا إلى التعليم العالي ارتفاعاً هائلاً. فمعدل الانتقال الرسمي، أي حصة خريجي المدارس الثانوية العليا «العادية» الذين التحقوا بمؤسسات التعليم العالي في العام الدراسي التالي، ارتفع بسرعة من 27% في عام 1990 إلى 50% في عام 1995 و84% بحلول عام 2002. وتوقفت وزارة التعليم عن الإبلاغ عن هذا المعدل في عام 2016، إذ أصبح خريجو المدارس الثانوية المهنية في غضون ذلك قادرين أيضاً على الالتحاق بمؤسسات التعليم العالي. وبتعريفه على خريجي المدارس الثانوية العادية والمهنية معاً، تضاعف معدل الانتقال من 45% في عام 2009 إلى 88% في عام 2022. وجاء توسّع معدل الانتقال في أعقاب الزيادة السريعة في نسبة الشباب الذين يُتمّون المرحلة العليا من التعليم الثانوي بمقدار 2.5 نقطة مئوية سنوياً بين عامَي 2000 و2024.

ونما الالتحاق بالتعليم العالي من 3.9 مليون في عام 1990 إلى 7.4 مليون في عام 2000، و31 مليوناً في عام 2010، و61 مليوناً في عام 2024. وفي السنوات الأخيرة، يأتي نحو 43% من إجمالي الالتحاق من التعليم العالي قصير الدورة، و51% من برامج البكالوريوس، و6% المتبقية من برامج الدراسات العليا. وارتفع إجمالي الالتحاق بمعدلات من خانتين عشريتين في معظم الثمانينيات، وإن كان من قاعدة منخفضة جداً، وفي عامَي 1994 و1995، وبين عامَي 2000 و2006، وفي عام 2014، في حين مال نمو عدد الخريجين إلى الحدوث بعد ذلك ببضع سنوات. ولم يعنِ جعل التعليم العالي جماهيرياً التماثل؛ بل كانت ثمة استراتيجية مقصودة للتوسّع عبر التنويع والتقسيم الطبقي. ففي عام 2023، توزّع الالتحاق بين البرامج الجامعية العادية بنسبة 34%، والمهنية بنسبة 29%، وبرامج الكبار بنسبة 17%، والبرامج الإلكترونية بنسبة 13%، وبرامج الدراسات العليا بنسبة 7%.

وأُدخلت سياسة الرسوم الدراسية في الجامعات العامة الصينية في عام 1989 وطُبّقت على المستوى الوطني في عام 1997. ومنذ ذلك الحين، ميّز تطوّران تمويلَ التعليم العالي. أولهما أن الحكومة المركزية خفّضت حصتها من الإنفاق العام على التعليم العالي من 60% في عام 1998 إلى 34% في عام 2006. وثانيهما أن حصة الحكومة بوصفها مصدراً لتمويل التعليم العالي انخفضت من 70% في عام 1995 إلى 45% في عام 2005، وحلّت محلها الرسوم إلى حدّ كبير. وأبطأت الحدود التنظيمية القصوى لاحقاً زيادات الرسوم، وعادت حصة التمويل الحكومي إلى الارتفاع لتبلغ 68% بحلول عام 2015.

وركّزت الحكومة المركزية إنفاقها على مجموعة صغيرة من الجامعات من الطراز الأول، نما الالتحاق بها في البداية ببطء شديد من 1.4 إلى 1.6 مليون بين عامَي 1997 و2005. ومن مبادراتها الرئيسية للتميّز المشروع 211 في عام 1995، الذي شمل 115 جامعة، والمشروع 985 في عام 1999، الذي شمل 39 جامعة. وفي عام 2015، وُضعت خطة الجامعات «ذات الدرجة الأولى المزدوجة». وقد شملت في البداية 42 جامعة و465 تخصصاً موزّعة على 140 جامعة في 31 مقاطعة، وتوسّعت لتشمل 150 جامعة في عام 2022. وبعد عام 2016، درّبت هذه الجامعات أكثر من 50% من حملة الماجستير في البلد، و80% من حملة الدكتوراه، و90% من حملة الشهادات في المجالات ذات الأولوية في الخطة. وبين عامَي 2012 و2021، جرى دمج عدد الجامعات الخاضعة للإشراف المباشر لوزارة التعليم، لكن تمويل التعليم العالي، الموجّه أساساً إلى هذه الجامعات، تضاعف من 92 إلى 179 مليار دولار أمريكي.

وتحقق التوسّع بنقل المسؤولية إلى الحكومات دون الوطنية. فقد مُنحت سلطات المقاطعات استقلالية إنشاء المؤسسات، وتوسّع الالتحاق من 1.8 مليون إلى نحو 12 مليوناً بين عامَي 1997 و2005. وحتى عام 2020، ومن بين 827 جامعة عامة للمرحلة الجامعية الأولى، كانت 14% تديرها السلطات المركزية و86% تديرها سلطات المقاطعات؛ ومن هذه الأخيرة، كانت 90% تديرها وزارات التعليم في المقاطعات والبقية إدارات أخرى. واستوعب التعليم المهني على مستوى المقاطعات جزءاً كبيراً من النمو. فثمة 1,128 مؤسسة مهنية عامة، تدير 25% منها إدارات التعليم في المقاطعات و28% إدارات حكومية أخرى في المقاطعات. وفي عام 2014، حُوّلت أكثر من ستمائة مؤسسة ذات برامج مدتها أربع سنوات إلى كليات مهنية. ويوجد حالياً 102 كلية مهنية ذات برامج مدتها أربع سنوات.

وتتركّز الجامعات التي تديرها السلطات المركزية، وعموماً المؤسسات ذات التوجّه الأكاديمي التي تمنح شهادات جامعية أولى، في بكين وشنغهاي، وهي أكثر شيوعاً نسبياً في المقاطعات الشرقية. وفي المقابل، توسّعت المقاطعات الغربية نسبياً أكثر عبر المؤسسات المهنية. وكما أن الحكومة المركزية تعيد توجيه الموارد عبر برامج موجّهة، منها خطة تنشيط التعليم العالي في الوسط والغرب، من المقاطعات الشرقية إلى المقاطعات الوسطى والغربية، إذ ذهب نحو نصف التمويل المركزي لجامعات المقاطعات إلى هذه المقاطعات في عام 2024، فقد تركّز النمو الأخير أساساً في المؤسسات المهنية. فمثلاً، وافقت وزارة التعليم على 47 جامعة وكلية جديدة في عام 2025، تقع 29 منها، أي 62%، في المناطق الوسطى والغربية، ومعظمها كليات مهنية.

وتوسّع التوفير غير الحكومي أيضاً بسرعة، بما في ذلك المؤسسات «المينبان» أي التي يديرها الشعب، ومقدّمو الخدمات العابرون للحدود، والكليات المستقلة التابعة للجامعات العامة. وأجاز قانون تعزيز التعليم المينبان الصادر في عام 2003 لمقدّمي الخدمة تحقيق الربح من إدارة المدارس. وارتفعت حصة مؤسسات التعليم العالي غير الحكومية من 4% في عام 2007 إلى 32% في عام 2021. ويخضع تطوير التعليم العالي الخاص للإشراف وفق القواعد والقوانين. وفي السنوات الأخيرة، أُلزمت الكليات المستقلة إما بأن تصبح خاصة بالكامل أو بأن تندمج مع المؤسسات المهنية. ونتيجة لذلك، انخفض عددها من 292 في عام 2013 إلى 164 بحلول عام 2022.

وأظهرت مقارنة نتائج تعدادَي السكان لعامَي 2000 و2010 أن حصة البالغين الحاصلين على شهادة ما بعد الثانوي ارتفعت من أقل من 1% إلى 4% في المناطق الريفية، ومن 15% إلى 30% في المناطق الحضرية. غير أن الفجوة بين الحضر والريف ظلت مرتفعة، ولا سيما إذا أُخذت الفروق في جودة الجامعات في الاعتبار. فتحليل باستخدام المسح الاجتماعي العام الصيني لعام 2015 يُظهر أنه بين الطلاب الذين التحقوا بعد التوسّع، المولودين بين عامَي 1981 و1997، كان احتمال التحاق الطلاب من المناطق الحضرية بجامعة أفضل أعلى بـ2.3 مرة من أقرانهم في المناطق الريفية.

ووضعت سلطات التعليم والمالية وغيرها سياسات لدعم الطلاب الذين يواجهون صعوبات مالية منذ عام 1987. ويتألف نظام المساعدات الطلابية حالياً من 28 برنامجاً وطنياً، ثبت أنها تزيد وقت الدراسة لدى الطلاب وأداءهم. ووصلت المنح إلى 7.8 مليون طالب في عام 2018، مع تضاعف حجم التمويل السنوي في العقد الثاني من هذا القرن. وبحلول عام 2023، وزّعت برامج المساعدة الطلابية 185 مليار يوان صيني، أي 27 مليار دولار أمريكي، قدّمت الحكومتان المركزية والإقليمية نصفها، أي 93 مليار يوان، وقدّمت البقية المصارف والجامعات والمنظمات الاجتماعية. غير أن متوسط قيم المنح انخفض. ووجد تحليل لبيانات مسح أسري أجراه معهد الصين لبحوث تمويل التعليم في عام 2019 أن الأسر التي لديها أفراد في التعليم العالي أنفقت عليه 32% من إجمالي دخلها المتاح. وفي عام 2024، ضاعفت الحكومة عدد المستفيدين من منح التعليم العالي. وتُلزم حكومات مقاطعات كثيرة، كمقاطعة هوبي، الكليات والجامعات بخفض الرسوم الدراسية أو إلغائها للطلاب الذين يواجهون صعوبات مالية.

وكان امتحان القبول الجامعي الوطني، المعروف بـ«الغاوكاو»، محورياً في الوصول إلى التعليم العالي. لكن بينما ارتفعت معدلات النجاح ارتفاعاً هائلاً من 22% في عام 1990 إلى أكثر من 90% في عام 2020، يظل الوصول إلى جامعات الطراز الأول غير منصف. فقد أظهرت بيانات الفترة 2006 إلى 2013 أن احتمال التحاق طلاب بكين بجامعة تسينغهوا المرموقة كان أعلى بثلاثين مرة من أقرانهم في مقاطعة خنان المجاورة. وأدخلت الإصلاحات الأخيرة نظم قبول تفضيلية للطلاب الريفيين والفقراء. وبحلول عام 2023، كان نحو 1.1 مليون طالب قد دخلوا التعليم العالي عبر هذه القنوات، وإن ظل أثرها في الوصول إلى النخبة محدوداً.

ومن المرجّح أن تزيد مؤسسات التعليم العالي تركيزها على الجودة وقابلية التوظيف الآن وقد اقترب النظام من التعميم. وفي الوقت نفسه، سيتعيّن على مؤسسات كثيرة التعامل مع ضغوط الإغلاق أو الدمج في ضوء الانخفاض الديموغرافي الوشيك.

شهادة طالبة من الريف الصيني عن الفرص الجديدة الممنوحة لفتيات مثلها لدخول الجامعة في المدينة

نشأت في الجزء الجنوبي من مقاطعة شنشي، في منطقة مصنّفة وطنياً منطقةً فقيرة. كانت بلدتي محاطة بالجبال وتبدو نائية جغرافياً، ولسنوات طويلة بدا التعليم العالي بعيداً ويكاد يكون بعيد المنال. ولوقت طويل، كنت أعتقد أنه مهما اجتهدت في الدراسة، فسيظل لطلاب المدن الكبرى الأفضلية دائماً.

وكغيري من الطلاب من المناطق الأقل موارد في الصين، أتممت تعليمي الابتدائي والثانوي كله في المدارس المحلية. كان معلمونا متفانين، لكن الموارد كانت محدودة. لم تكن لدينا مرافق صفية جيدة، ولا دروس خصوصية إضافية، ولا ذلك النوع من التوجيه الأكاديمي الذي كثيراً ما يحصل عليه طلاب المدن الكبرى. ومع ذلك، كان التعليم الطريق الوحيد الذي رأيته لتغيير مستقبلي.

وما غيّر مساري حقاً هو البرنامج الوطني للقبول الخاص في الصين، وهو سياسة مصممة لتوسيع الوصول إلى التعليم العالي للطلاب من المناطق المصنّفة وطنياً مناطق فقيرة. وفي إطار الاستراتيجية الأوسع للصين للتخفيف من حدة الفقر، يستهدف هذا البرنامج الطلاب من مناطق تواجه أوجه حرمان هيكلية طويلة الأمد، تشمل القرى الريفية والبلدات الصغيرة على السواء. وغرضه بسيط لكنه قوي: ضمان ألا يُستبعد الطلاب الموهوبون من هذه المناطق من الجامعات الكبرى بسبب أوجه الحرمان.

وبموجب هذه السياسة، تُلزم الجامعات الوطنية الرئيسية بحجز عدد معيّن من أماكن القبول كل عام للطلاب المستحقين من المناطق المصنّفة وطنياً مناطق فقيرة. وتُقدَّم الطلبات عبر عملية قبول مبكر منفصلة، تتيح تقييم هؤلاء الطلاب ضمن مجموعة منفصلة، بدلاً من التنافس المباشر مع طلاب المدن الكبرى الذين كثيراً ما يستفيدون من مدارس أفضل ودروس خصوصية. ولا يزال القبول قائماً على نتائج امتحان الغاوكاو، لكن عملية التقييم المعدّلة هذه تحسّن فرصنا تحسيناً كبيراً في دخول جامعات جيدة وتخصصات تنافسية.

وبالنسبة إليّ، لم يقتصر ما فعله البرنامج على زيادة احتمال قبولي وإتاحة متابعة تخصصات أفضل. بل منحني الثقة. فمعرفتي بوجود مسار مصمم خصيصاً لي جعلتني أضع أهدافاً أعلى وأؤمن بأنها قابلة للتحقيق. وكما أقول دائماً، تمنح هذه السياسة الطلاب من تلك المناطق الفقيرة أملاً، والأهم هدفاً واضحاً وممكن التحقيق.

وتُظهر تجربتي الخاصة أن السياسات العامة الموجّهة يمكن أن تُحدث فرقاً حقيقياً. فقد فتح البرنامج الوطني للقبول الخاص أبواباً كانت تبدو مغلقة أمام الطلاب من المناطق الأقل موارد. وهو يبرهن على أنه بتصميم مؤسسي مدروس، يمكن للمواهب من المناطق الفقيرة أن تبلغ أرقى جامعات الصين، وأن تبدأ في إعادة تشكيل ليس حياة الأفراد فحسب، بل الأنماط الأوسع لعدم المساواة التعليمية أيضاً.

يانجينغ، طالبة

فيجي: رائدة إقليمية في المشاركة في التعليم العالي تواجه ضغوطاً جديدة

شهد الالتحاق بالتعليم العالي في فيجي تقدّماً لافتاً منذ مطلع الألفية. فقد ارتفعت نسبة الالتحاق الإجمالية من 14% فقط في عام 2005 إلى 69% بحلول عام 2014. واستمر النمو باطّراد، ليبلغ ذروته عند نحو 84% في عام 2020 قبل أن ينخفض في عام 2021 نتيجة لجائحة كوفيد 19. وحتى عام 2024، وهو آخر عام تتوافر عنه بيانات، بلغت نسبة الالتحاق الإجمالية 75%. وتفوّقت مشاركة الإناث في التعليم العالي باستمرار على مشاركة الذكور، وفي ذروتها في عام 2020 بلغت الفجوة 21 نقطة مئوية، أي 94% مقابل 73%. ومن بين بلدان جزر المحيط الهادئ، تتميز فيجي بأعلى نسبة التحاق إجمالية بالتعليم العالي. وتليها بالاو بنسبة 72%، وتونغا بنسبة 43%، وجزر مارشال بنسبة 38%. ومعدل المشاركة في فيجي حالياً مماثل تقريباً لمعدل نيوزيلندا البالغ 77%. وتؤكد بيانات مسح القوى العاملة هذا التوسّع الكبير في التعليم العالي في فيجي. فقد ارتفعت حصة الشباب البالغين من سن 25 إلى 34 الحاصلين على مؤهلات التعليم العالي من 3.5% فقط في عام 2005 إلى 30% في عام 2024.

والتعليم العالي بوصفه خدمة عامة عالية التكلفة يصعب الحفاظ عليه على نحو خاص في الدول الجزرية الصغيرة المتناثرة جغرافياً، التي كثيراً ما تفتقر إلى الاستقرار المالي والحجم اللازمين لدعم مؤسسات شاملة وقادرة على المنافسة دولياً. ولمعالجة هذه القيود، اتخذت حكومات المحيط الهادئ في عام 1968 خطوة جريئة بتأسيس جامعة جنوب المحيط الهادئ، وهي جامعة إقليمية مشتركة تخدم اثني عشر بلداً من بلدان جزر المحيط الهادئ ويقع حرمها الرئيسي في فيجي. وصُمّم هذا النموذج التعاوني لتجميع الموارد وتوفير فرص للتعليم العالي لا يستطيع أي بلد تحمّل تكلفتها منفرداً.

غير أن الطموحات الوطنية بدأت تنمو بمرور الوقت. فمع نضج النظم التعليمية في أنحاء المنطقة، تنامى الاهتمام ببناء مؤسسات محلية للتعليم العالي. وتجلّى هذا التحوّل في بلدان مثل ساموا وجزر سليمان، اللتين أنشأتا جامعتيهما الوطنيتين.

وحدثت تطورات مماثلة في فيجي. ففي عام 2004، دفع الإنشاء غير المتوقع لجامعة فيجي على يد منظمة خاصة دينية الحكومةَ إلى وضع إطار تنظيمي رسمي بإنشاء لجنة التعليم العالي في فيجي في عام 2008. وبعد عام، أطلقت جامعة فيجي الوطنية، التي تشكّلت بدمج عدة مؤسسات عامة، منها كلية فيجي للطب، أقدم مؤسسة للتعليم العالي في المحيط الهادئ، ومعهد فيجي للتكنولوجيا، الذي كان آنذاك أكبر مقدّم للتعليم والتدريب التقني والمهني في المنطقة. وإلى جانب جامعة جنوب المحيط الهادئ وجامعة فيجي وجامعة فيجي الوطنية، يقدّم عدد من المقدّمين المحليين والدوليين برامج بنظام الامتياز. وقد أوجد ذلك مشهداً مزدحماً على نحو فريد للتعليم العالي في بلد يقل عدد سكانه عن مليون نسمة.

وقد دفعت الالتزامات السياساتية الوطنية القوية توسيعَ الوصول إلى التعليم العالي في فيجي. فعلى مر السنين، أدخلت الحكومة حزمة شاملة من تدابير الدعم المالي للمساعدة على تحقيق هذا الهدف. فالتعليم العالي مجاني فعلياً عند نقطة الاستخدام للمواطنين الفيجيين، مع تغطية التكاليف عبر مزيج من المنح والقروض المرتبطة بالدخل. وتغطي منحة المتفوقين الوطنية، وهي برنامج قائم على الجدارة، الرسوم الدراسية وتكاليف المعيشة كاملة، محلياً وفي الخارج، للطلاب المتفوقين في المجالات ذات الأولوية كالهندسة وتكنولوجيا المعلومات. ويمكن لجميع الطلاب الآخرين الاستفادة من برنامج قروض التعليم العالي، الذي يقدّم قروضاً بفائدة للرسوم الدراسية ونفقات المعيشة، مع تحديد السداد بنسبة 20% من إجمالي الدخل بمجرد أن يبدأ الخريجون العمل. وتزامن إنشاء دائرة منح وقروض التعليم العالي في عام 2014 لإدارة هذه البرامج مع ذروة الالتحاق بالتعليم العالي.

وتُدعم جميع مؤسسات التعليم العالي مباشرة، إذ تغطي الحكومة الفجوة بين الرسوم الدراسية والتكلفة الكاملة للتوفير. ونتيجة لذلك، ينتقل نحو 70% من الطلاب الذين يُتمّون السنة الثالثة عشرة إلى التعليم العالي عبر منح المتفوقين أو قروض التعليم العالي. أما من لا ينتقلون إلى السنة الثالثة عشرة، فتقدّم لهم الكلية التقنية في فيجي مساراً بديلاً، يخدم نحو 30% من خريجي السنة الثانية عشرة.

وبينما وسّع الدعم المالي الوصول إلى التعليم العالي لحصة كبيرة من سكان فيجي، فقد عرّض مؤسسات التعليم العالي أيضاً لمواطن ضعف. فخلال جائحة كوفيد 19، عانى اقتصاد فيجي، الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على السياحة، ركوداً حاداً، مما أجبر الحكومة على خفض تمويل دائرة المنح والقروض وتقليص المنح الرأسمالية للجامعات.

وأتاحت التطورات في التعلّم عن بُعد أيضاً توسيع الالتحاق، إذ ساعدت على معالجة التحديات الجغرافية وتحديات البنية التحتية في البلد. فقد تبنّى جميع المقدّمين الرئيسيين في فيجي التقديم الرقمي لتحسين الوصول والاستمرارية. وبين عامَي 2016 و2020، ركّزت جامعة فيجي الوطنية على تحسين إمكانية الوصول عبر توفير النطاق العريض، وشبكات الإنترنت اللاسلكية في جميع أرجاء الحرم الجامعي، والوحدات الدراسية الإلكترونية عبر بيئة التعلّم الافتراضية، والموارد المكتبية المرقمنة. وتحوّلت جامعة فيجي تحوّلاً كاملاً إلى التقديم الإلكتروني، إذ تقدّم جميع مقرراتها رقمياً.

وجامعة جنوب المحيط الهادئ هي بوضوح الرائدة الإقليمية. فلربط حرمها الجامعي في اثني عشر بلداً من بلدان جزر المحيط الهادئ، أنشأت شبكة اتصالات فضائية خاصة بها. ومنذ عام 2006، تقدّم التعلّم الإلكتروني والمدمج، وقد ازدادت شعبية هذين النمطين باطّراد. فبين عامَي 2017 و2023، انخفضت نسبة الطلاب الذين يتعلّمون حضورياً من 70% إلى 50%. وحقق نموذج التعلّم عن بُعد في الجامعة فوائد واضحة، ولا سيما في أوقات الأزمات. فخلال جائحة كوفيد 19، تكيّفت الجامعة بسرعة بحزم مطبوعة للاستخدام دون اتصال لضمان استمرارية التعلّم، بل عملت مركزاً للاتصالات بعد إعصار بام في فانواتو.

ومع ذلك، يواجه توسّع التعلّم عن بُعد في أنحاء المنطقة عقبات مستمرة. فبُعد كثير من الجزر، إلى جانب التكلفة المرتفعة لبنية الإنترنت والهاتف، لا يزالان يحدّان من نطاق الوصول. وقد دفعت هذه التحديات جزئياً جهود الجامعة لنقل بعض كلياتها ووحداتها البحثية إلى جزر أخرى.

وإلى جانب إلهامها التطورات الوطنية، أكسب موقعُ فيجي في الترتيب الإقليمي مزايا متميزة. فبوصفها مقر الحرم الرئيسي والمقر الرئيسي لجامعة جنوب المحيط الهادئ، فهي أكبر مساهم حكومي، إذ تقدّم 73% من إجمالي التمويل. لكنها تجني أيضاً أكبر الفوائد. فالجهات المانحة فضّلت عموماً توجيه دعمها عبر جامعة إقليمية واحدة بدلاً من مؤسسات وطنية منفصلة. ويمثّل المواطنون الفيجيون 58% من الالتحاق المكافئ للدوام الكامل. كما أن استضافة المركز الإقليمي تجلب مزايا اقتصادية أوسع، من رسوم الطلاب إلى وجود مؤسسة كبيرة ذات صلات دولية ترسّخ المعرفة والبنية التحتية والفرص في البلد.

ورغم أن البيانات منقوصة جداً، تُبرز الأدلة المتاحة عن الطلاب المتنقلين دولياً وضع فيجي مقارنة بدول المحيط الهادئ الأخرى. فبينما لم يكن سوى 3.5% من الطلاب الفيجيين متنقلين إلى الخارج في عام 2019، بلغت المعدلات المقابلة 23% في جزر مارشال في عام 2022، و27% في تونغا، و39% في ساموا في عام 2023. وفي جزر كوك، يوجد سبعة عشر طالباً يدرسون في الخارج مقابل كل طالب يدرس داخل البلد.

وتمثّل فيجي حالة فريدة بين الدول الجزرية الصغيرة النامية. فقد أتاح وجود مركز إقليمي، إلى جانب الالتزامات الوطنية القوية بالتعليم العالي والتعلّم عن بُعد لتجاوز القيود الجغرافية، توسّعاً كبيراً في التعليم العالي. لكن هذا النمو السريع جلب أيضاً تحديات جديدة. فتزايد عدد مقدّمي التعليم العالي الذين يخدمون عدداً صغيراً ومتناقصاً نسبياً من السكان أثار مخاوف بشأن ضمان الجودة والرقابة التنظيمية والتنسيق، وعلى نحو أعم بشأن بنية القطاع وحجمه واستدامته. وفي الوقت نفسه، لم ينمُ الاقتصاد بالسرعة الكافية لتوليد فرص عمل كافية للعدد المتزايد من الخريجين، مما أدى إلى تشبّع بعض قطاعات سوق العمل. وكما في كثير من الدول الجزرية الصغيرة، تظل هجرة العقول مصدر قلق. فأستراليا ونيوزيلندا تجتذبان كثيراً من أمهر الخريجين. وفي الوقت ذاته، لا تفضل الأجور وآفاق العمل في فيجي كثيراً نظيرتها في بلدان المحيط الهادئ الأخرى، مما لا يوفّر سوى حوافز محدودة للطلاب الإقليميين للبقاء في فيجي بعد التخرج.

المملكة العربية السعودية: على طريق تعميم التعليم العالي

في العقد الذي بدأ في عام 1999، ركدت نسبة الالتحاق الإجمالية بالتعليم العالي في المملكة العربية السعودية، فانخفضت من 28% إلى 25% في عام 2009، بعد أن كانت قد هبطت دون المتوسط العالمي قبل ذلك بثلاث سنوات. لكن في العقد التالي، قفزت النسبة إلى 78%، مرتفعةً بأكثر من خمس نقاط مئوية سنوياً، ومساويةً متوسط البلدان مرتفعة الدخل. وهذا إنجاز لافت موّلته الثروة الطبيعية للبلد. فالنظام التعليمي الحديث لم يُنشأ رسمياً إلا في خمسينيات القرن الماضي، إذ تأسست جامعة الملك سعود في عام 1957. وفي عام 1971، لم يكن هناك سوى ثمانية آلاف طالب جامعي، وكانت نسبة الالتحاق الإجمالية دون متوسط البلدان منخفضة الدخل. وبحلول عام 2025، كان 46% ممن هم في سن 25 إلى 34 قد أتمّوا التعليم العالي، وهو ما يقابل 65% من المواطنين السعوديين و35% من غير السعوديين.

والواقع أن النمو أقوى بكثير إذا أُخذت في الاعتبار الخصائص الديموغرافية الخاصة للبلد بوصفه وجهة رئيسية للمهاجرين، والصعوبات التي واجهتها المملكة العربية السعودية ونظيراتها من الدول الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية تاريخياً في تقدير هؤلاء السكان تقديراً دقيقاً. فتغيّر سياسات الهجرة الحكومية ومسارات الهجرة الفردية للشباب البالغين داخل بلدان المجلس وخارجها يصعّبان تفسير أعداد السكان الفعلية في سن التعليم العالي. غير أنه حتى مع تنحية التضخم السكاني المبلَّغ عنه بين عامَي 2000 و2020 جانباً، فإن عدد السكان في سن التعليم العالي البالغ 2.38 مليون الذي أبلغ عنه معهد اليونسكو للإحصاء لعام 2023، والذي يقابل تقريباً الفئة العمرية من 18 إلى 22 عاماً ويستند إلى تعداد السكان الوطني لعام 2022، مضخّم بالتأكيد. ويُظهر تصنيف السكان بحسب الجنسية أن عدد المواطنين السعوديين من سن 20 إلى 24 يبلغ 1.73 مليون. ومن بين سكان المملكة من سن 20 إلى 24، 20% من النساء و50% من الرجال من الرعايا الأجانب.

ولأن مقام السكان في نسبة الالتحاق الإجمالية أصغر إذن بنسبة 25% على الأقل، فإن المشاركة في التعليم العالي ستكون شبه شاملة، إذ بلغ الالتحاق بالتعليم العالي 1.57 مليون في عام 2022. وبلغ عدد الطلاب الأجانب بحسب قاعدة بيانات معهد اليونسكو للإحصاء ذروته عند ثمانين ألفاً في عام 2016، وبلغ 65 ألفاً في عام 2022، 57% منهم من دول عربية أخرى. وهذا لا يمثّل سوى 4% من إجمالي الالتحاق بالتعليم العالي، ومن ثمّ لا يؤثر تأثيراً كبيراً في نسبة الالتحاق الإجمالية بالتعليم العالي.

وفي المقابل، كان عدد الطلاب السعوديين الدارسين في الخارج، الذين يدرس أكثر من نصفهم في الولايات المتحدة، يفوق عدد الطلاب الأجانب في المملكة معظم السنوات العشرين الماضية، ويعود ذلك جزئياً إلى تشجيع برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي الذي أُطلق في عام 2005، والذي أسهم في بلوغ الفجوة ذروتها في عام 2010. وتغيّرت أنماط التنقل تغيّراً ملحوظاً بعد عام 2016، بفعل مزيج من تشديد معايير الأهلية في البرنامج والديناميات الجيوسياسية وتوسيع القدرة الاستيعابية للتعليم العالي المحلي. وسُجّلت أشد الانخفاضات في تخصصات إدارة الأعمال وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والصحة، إذ انخفض الالتحاق في الخارج بنسبة 44% في برامج البكالوريوس و42% في برامج الماجستير. وانعكست هذه الفجوة في عام 2019.

وفي عام 2005، أعلنت حكومة المملكة العربية السعودية استراتيجيتها للتوسّع، التي سعت إلى توسيع الوصول إلى التعليم ومعالجة الفوارق الإقليمية. ومن بين تدابير مختلفة، أُنشئت سبع جامعات جديدة في مناطق محرومة من الخدمات، وأُدخلت مجموعة من خيارات التعليم العالي المجانية أو منخفضة التكلفة، منها كليات المجتمع وكليات البنات ومؤسسات التدريب التقني والمهني. ونما الالتحاق بالتعليم العالي بنحو مليون طالب في عشر سنوات، من 640 ألفاً في عام 2006 إلى 1.62 مليون في عام 2016. وتضع رؤية 2030، التي أُطلقت في ذلك العام، قطاع التعليم العالي صراحةً محرّكاً رئيسياً للتحوّل من اقتصاد قائم على النفط إلى اقتصاد قائم على المعرفة عبر التنويع والابتكار.

وشكّل نظام الجامعات لعام 2019 نقطة تحوّل في الحوكمة، إذ منح الجامعات العامة مزيداً من الاستقلالية المالية والإدارية للتوافق على نحو أفضل مع رؤية 2030. ويهدف إلى تمكين المؤسسات من تصميم مناهج معتمدة، ووضع سياساتها الخاصة، وتنويع مصادر التمويل، وإنشاء برامج متخصصة مكيّفة مع احتياجات القطاعات كالعلوم الصحية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والهندسة والضيافة.

وبين عامَي 2009 و2020، لم يتغيّر توزيع الخريجين بحسب المجال تغيّراً كبيراً بين المجالات العلمية وغيرها. غير أنه حدثت تحولات داخل هاتين الفئتين العامتين. فقد ارتفعت حصة الخريجين في الهندسة من 4% إلى 11%، وفي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من 6% إلى 10%، على حساب العلوم والرياضيات. وارتفعت حصة الخريجين في إدارة الأعمال من 7% إلى 34% على حساب الآداب والعلوم الإنسانية. وزادت هذه التحولات التخصص بحسب الجنس: فلا تتخرج في الهندسة سوى 2% من النساء مقارنة بنسبة 19% من الرجال؛ وفي المقابل، تتخرج 30% من النساء في التربية والآداب والعلوم الإنسانية، مقارنة بنسبة 13% من الرجال. ومقارنة ببلدان أخرى في شمال أفريقيا وغرب آسيا، لدى المملكة العربية السعودية ضعف عدد خريجي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مصر، وأقل من نصف عدد خريجي الهندسة في جمهورية إيران الإسلامية، ونحو ضعف عدد خريجي إدارة الأعمال في تركيا.

وتأتي الفجوة بين الجنسين في اختيار المجالات في سياق إحدى أكبر الفجوات بين الجنسين في الالتحاق بالتعليم العالي في العالم، وهي نتيجة مصطنعة للبنية السكانية الخاصة. ففي ذروتها في عام 2006، كانت ثمة فجوة قدرها عشرون نقطة مئوية: إذ كانت 37% من النساء و17% من الرجال ملتحقين بالتعليم العالي. وبدأت الفجوة تضيق في عام 2016، لتبلغ خمس نقاط مئوية في عام 2022، وتوحي بعض الأدلة بأنها ربما أُزيلت في عام 2024. ومع ذلك، تواجه النساء عقبات أمام المشاركة في التعليم العالي ساعدت التطورات الأخيرة في التعلّم المدمج والإلكتروني على إزالتها. فقد تضاعف تقريباً التحاق الإناث بالجامعة السعودية الإلكترونية، وهي أول جامعة تقدّم التعليم العالي عبر نموذج للتعلّم المدمج، بين العامين 2018/2019 و2023/2024.

وفي عام 2023، خصّصت المملكة العربية السعودية 189 مليار ريال سعودي للتعليم، أي 50 مليار دولار أمريكي، أو 17% من إجمالي إنفاقها العام، يُخصَّص 42% منها للتعليم العالي والتعليم والتدريب التقني والمهني. وظلت حصة المؤسسات الخاصة من إجمالي الالتحاق بالتعليم العالي أدنى باستمرار منها لدى نظيراتها في مجلس التعاون. ففي عام 2020، استأثرت بنسبة 5% من إجمالي الالتحاق، مقارنة بنسبة 24% في قطر، و29% في البحرين، و30% في الكويت، و46% في عُمان، وإن كانت حصة المؤسسات الخاصة قد انخفضت في السنوات الأخيرة في ثلاثة من هذه البلدان التي تتوافر عنها بيانات اتجاهات.

ومع ذلك، وفي سياق التوسّع السريع لنظام التعليم العالي، تضاعف عدد الطلاب في المؤسسات الخاصة خمس مرات من عشرين ألفاً في عام 2007 إلى 104 آلاف في عام 2022. وافتُتحت أول جامعة خاصة في عام 1998، وارتفع عدد الجامعات الخاصة إلى 57 بحلول عام 2024. ويُعزى جزء من هذا التوسّع إلى طلب سوق العمل على خريجين مدرّبين عملياً، وهو طلب رُئي أن الجامعات العامة لا تلبيه على النحو الكافي.

شهادة طالبة من المملكة العربية السعودية عن تنامي الإقبال على الالتحاق بالجامعة بين النساء

أدرس حالياً هندسة البرمجيات في جامعة الأمير سلطان. ومتابعة التعليم العالي أمر مشجَّع بقوة هنا في المملكة العربية السعودية، ولا سيما مع الطريقة التي تمهّد بها الحكومة الطريق بفاعلية لخريجي المدارس الثانوية لدخول الجامعة.

وعلى المستوى الشخصي، جاء دافعي من رؤية الأثر طويل الأمد للتعليم الجامعي في الناس من حولي. فقد رأيت كيف فتح لهم أبواباً مهنية، ووفّر لهم الاستقرار، وأتاح لهم الإسهام إسهاماً ذا معنى في مجالاتهم. وقد جعلني ذلك أشعر بأن الجامعة استثمار واضح وجدير في مستقبلي.

وقد تابعت جميع النساء تقريباً في أسرتي التعليم العالي، بما في ذلك درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه. أما أمي فالتحقت بالجامعة متأخرة، أظن أنها بدأت في نحو الثامنة والعشرين.

لكن مواصلة النساء تعليمهن كانت مشجَّعة فعلاً آنذاك، حتى وإن توقفن بعد المدرسة الثانوية. وجميع خالاتي وعماتي ما زلن يتابعن دراساتهن.

وأرادت كثيرات منهن الدراسة في الخارج، لكن تلك الفرص كانت أصعب على النساء قبل عشر سنوات. أما الآن فالقيود أقل، ويمكن للنساء الدراسة في الخارج دون ولي أمر.

وتُفتتح جامعات كثيرة الآن. فالجامعات الدولية تفتتح فروعاً لها في المملكة العربية السعودية. كما تفتتح الجامعات تخصصات جديدة للنساء. فقبل عشر سنوات، لم تكن هناك أي برامج للهندسة في المملكة العربية السعودية. أما الآن، فلدى جامعة الأميرة نورة، أكبر جامعة للنساء في العالم، على ما أظن خمسة أو ستة تخصصات هندسية.

لذا فإن المملكة العربية السعودية تتطور بالتأكيد مع الزمن. وترى كيف تتطور النساء، كل جيل أكثر من الذي سبقه. فكثير من النساء متحفزات جداً ويرين في التعليم طريقاً إلى استقلالهن، وإلى الإسهام في وطنهن، وإلى أمنهن على المدى الطويل. وثمة أيضاً دعم أسري ومؤسسي قوي الآن، وربما يكون ذلك سبباً كبيراً لارتفاع الالتحاق إلى هذا الحد.

ولا تزال بعض التحديات قائمة، كالعوائق المالية أو التوقعات الاجتماعية، لكنها أقل تقييداً بكثير مما كانت عليه، وهي تواصل التحسّن. وفي المستقبل، أودّ أن أرى مزيداً من الروابط بين الجامعات والصناعة، واستمرار تشجيع النساء على دخول المجالات التقنية، وبخاصة المجالات القيادية.

وبعد التخرج، أهتم بأدوار تقع عند تقاطع التكنولوجيا والبيانات وحل المشكلات بطريقة منهجية. وإلى جانب الأهداف المهنية، آمل أن أحافظ على التوازن، وأن أنمو شخصياً ومهنياً. وأريد أن أسهم في وطني، سواء عبر عملي أو الإرشاد أو الانخراط في مجتمعي.

ولا أعدّ الوصول إلى التعليم أمراً مسلّماً به. فأنا ممتنة للفرص التي أُتيحت لي، وأشعر بمسؤولية استثمارها استثماراً ذا معنى، وأنا متأكدة أن هذا ما تشعر به جميع النساء في المملكة العربية السعودية.

غلا السالم، طالبة

تايلاند: صدمة ديموغرافية تؤثر في التعليم العالي

في عام 2024، تقاربت البلدان الخمسة الأكثر سكاناً في جنوب شرق آسيا عند متوسط نسبة التحاق إجمالية بالتعليم العالي يزيد قليلاً على 40%، بعد أن سلكت مسارات توسّع مختلفة جداً خلال السنوات الخمسين السابقة. ففي عام 1970، حين كانت نسبة الالتحاق في أربعة من البلدان الخمسة أقل من 3%، كانت نسبة الفلبين أعلى بأكثر من خمس مرات. وفي عام 1998، تجاوزت تايلاند الفلبين؛ وعلى مدى السنوات الخمس والعشرين التالية، ارتفعت نسبة الالتحاق الإجمالية فيها بمقدار 1.6 نقطة مئوية سنوياً، لتبلغ ذروة توسّع تعليمها العالي في عام 2011 عند 53%. وكانت تلك فترة أُتيحت فيها للطلاب فرص دخول التعليم العالي بعيداً عن مؤسسات النخبة التقليدية.

لكن منذ عام 2011، ظلت نسبة الالتحاق الإجمالية تنخفض، لتبلغ 43% في عام 2020؛ وبلغت 45% في عام 2024. ويعكس التحصيل في التعليم العالي هذا التطوّر. فقد ارتفعت حصة من هم في سن 25 إلى 34 الحاصلين على مؤهل في التعليم العالي ارتفاعاً حاداً من 9% في عام 2000 إلى 25% في عام 2014، لكنها ظلت عند هذا المستوى بعد عقد، في عام 2024.

وبالأعداد المطلقة للالتحاق، انخفض عدد الطلاب من 2.5 مليون في عام 2011 إلى مليونين في عام 2024، أي بنسبة 20%. ويبدو أن السبب الجذري لهذا المسار التنازلي، بالقيم المطلقة والنسبية على السواء، ديموغرافي. فمنذ عام 1970، انخفض عدد المواليد في تايلاند بنسبة 54%. وفي المقابل، اتبعت البلدان الأخرى في المنطقة المتوسط العالمي، ولم تشهد انخفاضاً إلا مؤخراً بعد جائحة كوفيد 19. وبدأت عواقب هذه المسارات الديموغرافية المتباينة تظهر في الفئة العمرية للتعليم العالي بعد عشرين عاماً، في عام 1990. ومنذ ذلك الحين، انخفض حجم هذا الفوج بنسبة 22% في تايلاند، لكنه ارتفع بنحو 20% في إندونيسيا وفيتنام، وبأكثر من 70% في ماليزيا والفلبين. وسيستمر هذا الاتجاه في تايلاند، إذ يُتوقع أن ينكمش عدد السكان في سن التعليم العالي مقارنة بعام 2023 بنسبة 25% في عام 2040 و54% في عام 2060.

ويفسّر حجم التكيّف الديموغرافي كيف تؤثر التغيّرات المطلقة، أي الانكماش الحاد في القبول الجامعي، في التغيّرات النسبية أيضاً، أي نسبة الالتحاق الإجمالية. ويعمل هذا الأثر عبر قنوات مباشرة وغير مباشرة.

فمن حيث الأثر المباشر، وجدت جميع الجامعات نفسها تدريجياً في وضع تزيد فيه المقاعد على المتقدمين، وهو عامل يرفع التكاليف ويؤثر سلباً في الكفاءة. وكانت الجامعات الخاصة الأكثر تضرراً. فقد ارتبط توسيع التعليم العالي في التسعينيات بتوسّع التوفير الخاص، الذي بلغت حصته من إجمالي الالتحاق 21% في عام 2001. وتوقف هذا النمو في العقد الأول من هذا القرن. وعُزي ذلك جزئياً إلى تمتع الجامعات العامة ببعض الامتيازات في الفروع الجامعية وإجراءات القبول، في حين جعل إصلاح منح بعض الجامعات العامة الاستقلالية في عام 2003 هذه الجامعات أكثر مرونة. ومع ذلك، ورغم هذه الظروف غير المواتية، واصل عدد مؤسسات التعليم العالي الخاصة الارتفاع بسرعة، من 73 مؤسسة في عام 2010 إلى 455 في عام 2017، في الوقت الذي كانت فيه المؤسسات العامة تندمج من 98 إلى 66. وهذه الأرقام خادعة. فقد ظلت حصة المؤسسات الخاصة من إجمالي الالتحاق ثابتة، عند 19% في عام 2024، مما يعني أن الجامعات الخاصة أُضعفت بالتنافس على سوق تتقلص باستمرار بسبب التغيّر الديموغرافي. ولم تكن محاولات تدويل التعليم العالي لسدّ الفجوة فعّالة كثيراً، إذ لم يرتفع معدل التنقل الوافد إلا من 0.8% في عام 2011 إلى 2.3% في عام 2025.

ومن الآثار غير المباشرة للتغيّر الديموغرافي ندرة العمالة، التي كانت من الأسباب الرئيسية للركود النسبي في معدلات النمو الاقتصادي، وهي ظاهرة تُعرف بفخ الدخل المتوسط الذي صارت تايلاند مثالاً نموذجياً عليه. فمقارنة بعام 2010، نما دخل الفرد في تايلاند، بنسبة 30%، بوتيرة أبطأ منه في بلدان جنوب شرق آسيا الأخرى، التي تراوحت بين 50% في ماليزيا و100% في فيتنام. وفي هذا السياق، كان انكماش التعليم العالي نتيجةً للتباطؤ الاقتصادي وسبباً له في آن معاً. فمن جهة، قلّل تدهور الأوضاع الاقتصادية الحوافز الفردية لمتابعة التعليم العالي. ويُظهر تحليل بيانات مسح القوى العاملة الفصلي أن علاوة الأجر لحملة الشهادات الجامعية على حملة الشهادات الثانوية انخفضت باستمرار بين عامَي 2010 و2024. ومن جهة أخرى، أُثيرت تساؤلات أعمق حول ملاءمة نظام التعليم العالي وجودته وقدرته على التكيّف وقدرته على جلب الابتكار إلى الاقتصاد التايلاندي. فقد كشف مسح لألف وتسعة وعشرين صاحب عمل تايلاندي عن عدم الرضا عن مستوى مهارات الخريجين وجودتها.

وقد عُبّر عن هذه المخاوف منذ بعض الوقت. فقد أظهر تحليل للروابط بين المؤسسات والجامعات في مطلع الألفية أنها محدودة، مع قلة الحوافز للجامعات للانخراط في البحوث التعاقدية، وضعف قدرة الإدارة على تيسير الروابط القوية القليلة بين الجامعات والصناعة والبناء عليها. وفي عام 2017، أطلقت الحكومة استراتيجيتها التنموية الكبرى «تايلاند 4.0»، التي تهدف إلى تحويل الاقتصاد عبر التركيز على التكنولوجيا. وللتعليم العالي دور حاسم في تعزيز المستويات المطلوبة من الإبداع والابتكار. لكن ثمة حاجة إلى تغييرات اجتماعية وثقافية كبرى على جميع المستويات لتحسين عمليات التدريس، وتطوير شبكات التعلّم، وتعزيز الروابط مع الصناعة. وقد وجد المراجع العام أن أكثر من 20% من مقررات التعليم العالي في الجامعات العامة والخاصة على السواء لا تستوفي معايير الجودة.

واستجابةً لهذه التحديات المتعددة التي قلّلت جاذبية التعليم العالي وفعاليته، تتخذ الحكومة تدابير مختلفة. أولاً، حاولت تعزيز المسار المؤدي إلى التعليم العالي. فقد أُدخل نظام القبول الجامعي المركزي التايلاندي في عام 2018 لإزالة الاختناقات في الانتقال من التعليم الثانوي إلى التعليم العالي. غير أن بنيته لا تزال معقّدة، بجولات متعددة وتغييرات متكررة في القواعد ومتطلبات اختبار متنوعة تؤثر على نحو غير متناسب في الطلاب المحرومين. ففي عام 2022، لم يحصل على عروض جامعية عبر النظام سوى 13.5% من نحو 150 ألف طالب محروم كانوا قد تلقّوا دعماً تعليمياً موجّهاً في المرحلة الإعدادية في عام 2018. وينبغي النظر إلى هذا التحدي أيضاً في سياق تراجع حصة الطلاب الذين يبلغون الحدّ الأدنى من الكفاءة في التعليم الثانوي، كما تدل نتائج مشاركة تايلاند في البرنامج الدولي لتقييم الطلبة: ففي القراءة، انخفضت الحصة من 63% في عام 2000 إلى 41% في عام 2018؛ وفي الرياضيات، انخفضت من 54% إلى 47%. وتنعكس هذه النتائج الدولية أيضاً في الاختبار التعليمي الوطني العادي. فبين عامَي 2017 و2024، انخفضت درجات طلاب الصف الثاني عشر بنسبة 14% في القراءة و11% في الرياضيات.

ثانياً، حاولت الحكومة زيادة الطلب على التعليم العالي بتخفيف القيود المالية عن الشباب من الأسر منخفضة الدخل. فصندوق القروض الطلابية، الذي أُنشئ قبل ثلاثين عاماً، أقرض نحو 5.7 مليارات دولار أمريكي لنحو 2.6 مليون طالب بين عامَي 1996 و2006. غير أن تقييماً وجد أن مستفيداً واحداً من كل خمسة لم يكن فقيراً، وأن صرف المبالغ واجه تأخيراً بثلاثة أشهر في المتوسط، وأن المقترضين كانوا يسددون ما بين 36% و67% فقط من المبلغ المقترض، وأن معدلات الاسترداد تراوحت بين 22% و51%. وخففت التغييرات التي جاء بها قانون عام 2017 وتعديل في عام 2023 شروط السداد وألغت اشتراط الضامن، مما زاد إضعاف الوضع المالي للصندوق. ولم يُتابَع حكم رئيسي لإدخال نظام للقروض المرتبطة بالدخل. ورغم انخفاض المبالغ المصروفة إلى 1.2 مليار دولار أمريكي لما يزيد قليلاً على 0.6 مليون طالب، لا تزال المشكلات قائمة. فنحو مائة ألف مقترض يواجهون دعاوى قضائية بسبب عدم السداد وعدم الامتثال لإعادة هيكلة الديون، في حين يواجه الصندوق في الوقت نفسه أزمة سيولة ويحتاج إلى أن تعيد الحكومة تمويله. ويأتي ذلك في سياق انخفاض الإنفاق الحكومي على التعليم العالي من أكثر من 1% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2000 إلى 0.58% في عام 2023.

ثالثاً، تحاول الحكومة تعزيز التعليم والتدريب المهني، بدءاً بالخطة الوطنية العاشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في عام 2007، ثم الاستراتيجية الوطنية للتعليم والتدريب المهني في عام 2017، المتسقة مع رؤية «تايلاند 4.0». ونتيجة لذلك، ارتفعت حصة طلاب التعليم ما بعد الثانوي في البرامج المهنية من 14% في عام 2012 إلى 19% في عام 2019.

وأخيراً، تتطلع الحكومة إلى زيادة استجابة منظومة اكتساب المهارات والابتكار. فوزارة التعليم العالي والعلوم والبحث والابتكار، التي أُنشئت في عام 2019، تحاول تعزيز الشراكات بين الجامعات والصناعة في مجالات هندسية مختارة. كما تشجّع التحوّل بعيداً عن الشهادات التقليدية نحو أشكال بديلة من الشهادات تعترف بالتعلّم السابق. وفي هذا السياق، جرّبت أربع جامعات في عام 2023 برنامجاً وطنياً لبنك الساعات المعتمدة يتيح للمتعلمين تجميع ساعات معتمدة من مواد أو مقررات أو خبرات عمل مختلفة، والتقدّم في نهاية المطاف للحصول على شهادة جامعية أو تقرير بنواتج التعلّم التراكمية. غير أن هذا الإصلاح سيتطلب وقتاً طويلاً ليحقق النتائج المتوقعة.

توغو: النمو السريع يثير أسئلة حول الإنصاف والجودة

شهدت توغو ارتفاعاً مطّرداً في الالتحاق بالتعليم العالي، إذ نمت النسبة من 3% في عام 1998 إلى 6% في عام 2007 و15% في عام 2020. وتقدّمت على بقية أفريقيا جنوب الصحراء والبلدان منخفضة الدخل في عام 2008. وبين عامَي 1995 و2020، نمت نسبة الالتحاق الإجمالية بمتوسط نصف نقطة مئوية سنوياً، في حين لم تنمُ إلا بمقدار 0.2 نقطة مئوية سنوياً في أفريقيا جنوب الصحراء. ويحرّك التقدّمَ في نسبة الالتحاق الإجمالية أساساً التحاقُ الرجال، مع فجوة بين الجنسين مستقرة نسبياً عند نحو تسع نقاط مئوية تُظهر علامات على التضيّق في السنوات الأخيرة. ومن بين البلدان منخفضة الدخل الأخرى في أفريقيا جنوب الصحراء، تزيد نسبة الالتحاق الإجمالية في توغو بعشر نقاط مئوية عنها في أوغندا، وبست نقاط عنها في رواندا، وبخمس نقاط عنها في بوركينا فاسو، وبنقطتين عنها في غامبيا.

وتؤكد هذه البيانات الإدارية أيضاً أدلةٌ من المسح المنسّق لظروف المعيشة للفترة 2021 إلى 2022، الذي يُظهر أن 11% ممن هم في سن 20 إلى 29 أتمّوا التعليم العالي، مع فجوة قدرها ثماني نقاط مئوية بين الرجال والنساء، مقارنة بنسبة 7% ممن هم في سن 30 إلى 39، و3% ممن هم في سن 40 إلى 49، و2% ممن هم في سن 50 إلى 59.

وأُنشئت جامعة لومي، أول مؤسسة عامة للتعليم العالي، في عام 1970، في حين كانت جامعة كارا ثاني جامعة عامة، وافتُتحت في عام 2004 في شمال البلد. وحتى العام 2025/2026، ثمة أربع جامعات عامة مرخّصة، منها المدرسة العليا للأساتذة في أتاكباميه، والمركز الدولي للبحوث والدراسات اللغوية المعروف بـ«قرية بنن». لكن ثمة أيضاً 93 مؤسسة خاصة معتمدة، بزيادة قدرها 14 مؤسسة عن عام 2024. ورغم عددها الكبير، لم تستأثر المؤسسات الخاصة سوى بنسبة 19% من إجمالي الالتحاق في عام 2020، بحسب قاعدة بيانات معهد اليونسكو للإحصاء.

وكان هذا التوسّع السريع لمقدّمي الخدمة الخاصين هو ما دفع إلى إصدار قانون توجيه التعليم العالي والبحث لعام 2017، الرامي إلى تنظيم التعليم العالي. ورغم إنشاء وزارة مخصصة للتعليم العالي والبحث في عام 2003 وإصدار مراسيم توضيحية في عام 2012، ظلت حوكمة التعليم العالي مجزّأة، مع تداخل الولايات الوزارية وضعف آليات مواءمة التعليم مع سياسات التوظيف. ويعني غياب التوجيه المهني الفعّال في المرحلة الثانوية أن كثيراً من الطلاب يُوجَّهون إلى مسارات عامة ذات آفاق محدودة، مما يؤكد الحاجة إلى نهج يشمل الحكومة بأكملها يمكنه تنظيم تدفّقات الطلاب وضمان روابط أقوى بين العرض التعليمي والطلب في سوق العمل. وعلى المستوى المؤسسي، تواجه الجامعات العامة قيوداً في الحوكمة والإدارة، مع محدودية الاستقلالية والقدرة على التكيّف مع تزايد الالتحاق وتنامي دور المقدّمين الخاصين.

ويعكس الاتجاه المتصاعد في الالتحاق بالتعليم العالي تحولات أوسع في النظام التعليمي، مع دخول مزيد من الطلاب المدرسة وتقدّمهم بين الصفوف وإتمامهم التعليم الثانوي. وقد جرت هذه التطورات تدريجياً منذ مطلع الألفية، وعززتها تدابير سياساتية رئيسية، ولا سيما إلغاء الرسوم الدراسية في التعليم ما قبل الابتدائي والابتدائي العام في عام 2008. ومنذ ذلك الحين ارتفع الالتحاق في جميع المراحل، مع نمو حاد على نحو خاص في التعليم الثانوي. فبين عامَي 2000 و2023، ارتفع الالتحاق بالتعليم الابتدائي بنحو 80%، وبالمرحلة الدنيا من التعليم الثانوي بنسبة 220%، وبالمرحلة العليا منه بنسبة 390%.

وأدى هذا التوسّع بطبيعة الحال إلى تزايد عدد الطلاب المؤهلين للتعليم العالي. ويُتوقع أن يسرّع إلغاء الرسوم الدراسية في التعليم الثانوي العام في العام 2021/2022 هذا الاتجاه أكثر. وبالفعل، حققت توغو تقدّماً في توسيع التعليم العالي، بالنظر إلى معدل إتمامها للمرحلة العليا من التعليم الثانوي، أكبر مما حققته ملاوي أو رواندا. وكانت نسبة الالتحاق الإجمالية بالتعليم العالي فيها مماثلة تقريباً لنسبة غانا المجاورة، البالغة 19%، التي يبلغ معدل الإتمام النهائي للمرحلة العليا من التعليم الثانوي فيها، بنسبة 48%، ضعف معدل توغو البالغ 24%.

وأكد تقرير سابق أن ارتفاع معدلات الانتقال من التعليم الثانوي إلى التعليم العالي كان المحرّك الرئيسي لزيادة الالتحاق الجامعي، أي أن مزيداً من الطلاب الذين يُتمّون التعليم الثانوي يختارون الآن مواصلة دراستهم. والوصول إلى التعليم العالي مفتوح نسبياً في توغو. فالقبول في مؤسسات التعليم العالي العامة مكفول حقاً للطلاب الحاصلين على البكالوريا، مع تحديد التوزيع على برامج بعينها بحسب السجلات الأكاديمية للمرشحين، بما في ذلك درجاتهم في المواد ذات الصلة وتخصصهم.

فضلاً عن ذلك، تُخفَّض التكلفة المالية للتعليم العالي العام تخفيضاً كبيراً بمنح تُمنح بحدّ أدنى من معايير الأهلية. ففي عام 2014، تلقّى 90% من الطلاب منحاً، ورغم الزيادة الكبيرة في الالتحاق على مر السنين، ظلت نسبة المستفيدين دون تغيير يُذكر آنذاك. ورغم أن هذا الدعم المالي ساعد على خفض عوائق التكلفة، فإنه قد يهدد أيضاً الاستدامة المالية للقطاع على المدى الطويل. ففي عام 2017، مثّلت المنح ثاني أكبر بند إنفاق لوزارة التعليم العالي والبحث، بنسبة 35%، بعد تكاليف الموظفين البالغة 50%. وظلت حصتها مستقرة نسبياً في السنوات التالية، وبلغت 36% في عام 2024.

ولم يستفد جميع شرائح السكان على قدم المساواة من الارتفاع الحاد في الوصول إلى التعليم العالي. فكما أُشير سابقاً، استفاد الفتيان أكثر من الفتيات. ورغم تحسّن معدلات الإتمام النهائي للمرحلة العليا من التعليم الثانوي لكليهما خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، ظلت الفجوة بين الجنسين تتسع، من 8.5 نقاط مئوية في عام 2000 إلى 16 نقطة في عام 2015 و21.5 نقطة في عام 2024. وثمة أيضاً أنماط واضحة في اختيار البرامج بحسب الجنس، إذ يقل تمثيل الفتيات في المجالات العلمية.

والفوارق في الثروة صارخة أيضاً. ففي عام 2014، جاء 81% من طلاب التعليم العالي من أعلى خُمسين في توزيع الثروة، مما يوحي بأن فوائد الإعانات العامة يستأثر بها إلى حدّ كبير طلاب من خلفيات أكثر امتيازاً. وتظل مساهمات الأسر في التعليم العالي في توغو منخفضة، مماثلة لمساهماتها في المرحلة الابتدائية، ويعود ذلك على الأرجح إلى منح المنح بصورة شبه شاملة بصرف النظر عن الدخل. وفي المقابل، تبلغ مساهمات الأسر أعلى مستوياتها في التعليم الثانوي، حيث يرتاد 34% من الطلاب الملتحقين بالمرحلة العليا من التعليم الثانوي مؤسسات خاصة. وقد يثبّط ذلك الطلاب الأفقر عن بلوغ التعليم العالي أصلاً. ولاحتواء التكاليف المتزايدة لتمويل التعليم العالي، رُوجعت معايير منح المنح، لكن المراجعة ركّزت على تثبيط التسجيل غير المحدود للاحتفاظ بالمنحة أكثر من تركيزها على إدخال معايير قائمة على الدخل. فمنح طلاب البكالوريوس تُمنح أساساً على أساس العمر والجدارة. وفي إطار خطة قطاع التعليم للفترة 2020 إلى 2030، يُعتزم رفع رسوم التعليم العالي إلى جانب جهود تنويع مصادر التمويل.

ولا تزال ثمة تحديات هيكلية. فكثير من الطلاب يتسرّبون قبل إتمام برامجهم. وأُفيد بأن متوسط بقاء الطالب في الجامعة لم يتجاوز ستة أشهر. ومن الأسباب التي تجعل الطلاب يتركون دراستهم قبل الحصول على شهادة ضعفُ الإعداد في المراحل السابقة، وغياب التوجيه الأكاديمي، وضعف جودة التدريس، وعدم كفاية الموارد التربوية والبنية التحتية. فمثلاً، في عام 2024، بلغت نسبة الطلاب إلى الأساتذة 127 طالباً للأستاذ في جامعة لومي، مع أن الغاية كانت 102، و80 طالباً للأستاذ في جامعة كارا.

وحتى بالنسبة لمن يتخرجون، تظل آفاق العمل ضيقة: فقد وجد مسح حديث أن ثمانية من كل عشرة خريجين كانوا في وظائف دون مستوى مهاراتهم بعد خمس سنوات من إتمام دراستهم. وكثيراً ما تكون المناهج نظرية بإفراط وضعيفة الاتساق مع احتياجات سوق العمل، في حين تترك المعدات المتقادمة وعدم كفاية التدريب العملي الخريجين غير مستعدين بما يكفي. واستجابةً لذلك، التزمت الحكومة بتعزيز نظم البيانات، بما في ذلك آليات نقل المعلومات من مؤسسات التعليم العالي، وتطوير أدوات لرصد ملاءمة التدريب لاحتياجات سوق العمل، وتحسين جمع البيانات لتوجيه تخصيص المنح.

تحليل السياسات

على مدى السنوات الخمسين الماضية، تحوّل الوصول إلى التعليم ما بعد الثانوي في معظم البلدان من امتياز لقلة إلى مطلب مجتمعي محوري. فقد زادت معدلات إتمام التعليم الثانوي المتصاعدة الضغطَ على مؤسسات التعليم العالي للتوسّع. وأدّت العوامل الاجتماعية والاقتصادية الخارجية عن التعليم دوراً كبيراً أيضاً. وخلصت البحوث المتعلقة بتطوّر التعليم العالي في القرن العشرين إلى أن التوسّع كان أسرع في البلدان اللامركزية، والأكثر انفتاحاً على بقية العالم، والتي تضم حركات مواطنين ترى في التعليم العالي حقاً، والتي يقوى فيها الطلب في سوق العمل على المهارات المتقدمة، من بين عوامل أخرى. وأخيراً وليس آخراً، ساعدت السياسات والبرامج الحكومية، والظروف التي أوجدتها، على دفع توسّع التعليم ما بعد الثانوي أو تيسيره.

ويصف هذا القسم فئتين عامتين من السياسات. أولاهما تدابير تعزيز الطلب، ولا سيما تخفيف القيود المالية عبر سياسات الرسوم والقروض والإعانات والمنح، وهي تدابير وقائية، وتقديم المعلومات، والتعويض عن أوجه الحرمان، وهي تدابير تدخلية. وثانيتهما تدابير توسيع العرض، بما في ذلك القدرة الاستيعابية للمؤسسات العامة والخاصة، وتنويع التوفير، بما في ذلك عبر المقررات قصيرة الدورة أو التعليم العالي ذي التوجّه المهني، والتدخلات المؤسسية، كقواعد القبول ولوائح العمل الإيجابي. ومن ثمّ، كان التوسّع حصيلة عوامل كثيرة، منها تغييرات في القرارات الإدارية، والتمويل الموجّه إلى أجزاء من النظام أو إلى فئات سكانية تحتاج إلى الدعم، والاستثمارات العامة أو الخاصة في البنية التحتية، بما في ذلك عبر الفرص التي تتيحها التكنولوجيا. وقد دعمت هذا التحليلَ مراجعةٌ أُجريت لهذا التقرير.

ورافق هذا التوسّعَ تحوّلٌ عميق في حوكمة التعليم ما بعد الثانوي وتمويله خلال الجيل الماضي. فقد فُصل التمويل عن التنظيم في بلدان كثيرة. وبدأت ترتيبات الحوكمة تتحول نحو عام 1990 في البلدان مرتفعة الدخل من سيطرة الدولة إلى توجيه الدولة، مع مزيد من الاستقلالية تقابلها مساءلة أقوى وضمان للجودة واعتماد متزايد على آليات السوق. كما تزايد تقاسم التكاليف والالتحاق بالمؤسسات الخاصة.

وقد فتح الانتقال العالمي من نظم التعليم ما بعد الثانوي النخبوية إلى نظم جماهيرية الوصولَ أمام الملايين، لكنه لم يحل مسائل الإنصاف. فلا يزال عدم المساواة الرأسي قائماً، أي مدى استمرار الخصائص الفردية كالدخل والجنس والموقع والانتماء العرقي والإعاقة في تحديد احتمال الوصول إلى التعليم. لكن عدم المساواة والتقسيم الطبقي اتخذا أشكالاً جديدة. فعدم المساواة الأفقي، الذي يحرّكه التوزيع على المسارات والتراتبيات المؤسسية، يعني أن الإنصاف ليس مجرد مسألة دخول مؤسسة للتعليم ما بعد الثانوي وإتمام الدراسة فيها، بل مسألة أي المؤسسات يدخلها الطلاب وأي أنواع المقررات يدرسونها، مما يؤثر في نهاية المطاف في الفوائد التي يجنونها في الحياة والعمل.

ويوجد عدم المساواة أيضاً داخل المؤسسات، مما يؤثر في فرص الطلاب الأفراد في التقدّم في المقرر في الوقت المحدد، والتخرج، والاستفادة القصوى من تجربتهم التعليمية بعد التخرج. وترتبط هذه النواتج بالقدرة على الدراسة دون أعباء مالية أو أعباء رعاية أو هموم صحية، وبالقدرة على تجاوز تحديات كون المرء طالباً في التعليم ما بعد الثانوي، والتعامل مع القواعد الإدارية للمؤسسات وأعرافها الثقافية. ويوجد عدم المساواة خارج المؤسسات أيضاً. فقد دعمت التساؤلات حول أي المعارف ينبغي أن تُعدّ قيّمة حركةً وجهوداً للاعتراف بالتعلّم السابق، بما في ذلك التعلّم غير المكتسب في المؤسسات النظامية. ورغم أن هذا الاتجاه لا يزال في مهده، فقد تسرّعه فرص التعليم عن بُعد المتوسّعة التي تتيحها التكنولوجيا.

ووجد تحليل معمّق للتعليم ما بعد الثانوي في خمسة عشر بلداً مرتفع الدخل أن التغيّرات في عدم المساواة، بحسب المقياس المستخدم، تتوقف على توسّع نظام التعليم ما بعد الثانوي وتمايزه وخصخصته. وإجمالاً، من غير المرجّح أن ينخفض عدم المساواة حتى يتوسّع النظام توسّعاً كبيراً. فتمايز مؤسسات التعليم العالي بين مؤسسات للنخبة ومؤسسات جماهيرية يزيد عدم المساواة، لكن هذا الأثر يمكن التخفيف منه كثيراً بتنوّع أكبر في المؤسسات، يؤدي في النهاية إلى إدماج الطلاب من الخلفيات المحرومة بدلاً من تحويلهم، وبمسارات مرنة تيسّر الانتقال من نوع من المؤسسات إلى آخر. وبحسب السياق، قد يكون حتى للخصخصة أثر محايد. فبينما يزداد عدم المساواة بوضوح حين يرتبط الوصول بالقدرة على الدفع، يمكن التخفيف من بعض هذا الأثر بالتوسّع، الذي يمكن أن تحفّزه الخصخصة. فالتوسّع بهذا المعنى مصدر محتمل للإدماج، حتى حين يظل عدم المساواة الرأسي مستقراً. ففي نهاية المطاف، يساعد التعليم العالي الشباب على تنمية كفايات تحسّن حياتهم مباشرة؛ وليس مجرد أداة تساعد على وضعهم أمام غيرهم في طابور الوظائف.

ويركّز هذا القسم على الخيارات السياساتية الوطنية المهمة للمشاركة على مستوى النظام، كالتشريعات والتمويل والاستثمار والتخطيط على مستوى النظام والأطر التنظيمية والقبول. غير أن السياسات المؤسسية قد تكون مهمة جداً أيضاً لنواتج الطلاب الأفراد، كالقبول والبرامج المعروضة وآليات الدعم، ولا سيما حيث تمنح البلدان الاستقلالية وحيث تنتشر الممارسات التي تعتمدها قلة من المؤسسات الكبيرة أو المرموقة في القطاع كله لاحقاً.

السياسات المتعلقة بجانب الطلب

يمكن التمييز بين العوامل التي تحدد الطلب على التعليم العالي بين عوامل لا يمكن للسياسات أن تؤثر فيها، كالقدرة الأكاديمية أو السمات الشخصية أو الاهتمام الذاتي بمجال دراسي، وعوامل يمكنها ذلك. ومن بين الأخيرة، يُعدّ الدخل، أو على نحو أعم القدرة على تحمّل التكاليف، المحدد الأبرز، إذ إن القدرة على تمويل عدة سنوات من الدراسة ليست خياراً متاحاً للشباب من الأسر الفقيرة. وترتبط بالقيود المالية العوائدُ المتوقعة طويلة الأجل للاستثمار في التعليم العالي، وفي المقابل تكاليف الفرصة البديلة المترتبة على عدم دخول سوق العمل عند التخرج من المدرسة الثانوية. وبحسب السياق، تؤثر مجموعة من خصائص الخلفية الاجتماعية ليس في الفوائد المتصوّرة فحسب بل في التكاليف المتصوّرة أيضاً؛ فمثلاً، قد يفتقر شاب من أسرة لم يلتحق أي من أفرادها سابقاً بالتعليم ما بعد الثانوي إلى رأس المال الثقافي الحاسم لجعل تجربة الدراسة سلسة. ولأن التكاليف المدفوعة من الجيب وعدم اليقين بشأن العوائد والعوائق الاجتماعية تبقي الدراسة العالية بعيدة المنال، يناقش هذا القسم مجموعة من السياسات المستخدمة لتجاوز القيود المالية والمعلوماتية والثقافية.

تخفيف القيود المالية

تشمل التكلفة الإجمالية للدراسة الرسوم ومدخلات التعلّم ونفقات المعيشة وتكاليف الفرصة البديلة المتمثلة في الدخل الضائع. وأصبح تقاسم التكاليف بين الطلاب والأسر والدولة مسألة سياساتية رئيسية. وتجمع البلدان، بحسب مزيج المؤسسات العامة والخاصة وسياسة الرسوم الدراسية المطبّقة، بين الإعفاء من الرسوم الدراسية والمنح والإعانات والقروض للحفاظ على القدرة على تحمّل التكاليف بما يوسّع الوصول، مع ضمان الاستدامة المالية. ويتوقف النجاح على التوازن بين حجم الدعم وتغطيته واستهدافه.

وتُظهر مراجعة لقوانين تمويل التعليم العالي وسياساته أُجريت لهذا التقرير، وتُعرض في ملفات التعليم الوطنية لمراجعة السياسات، أن المنح أو الإعانات أو القروض الرامية إلى تعزيز الإنصاف موجودة في 79% من البلدان، بنسب تتراوح بين 50% في أوقيانوسيا و95% في أوروبا وأمريكا الشمالية. وتستهدف آليات التمويل هذه الطلاب أساساً على أساس الفقر بنسبة 83%، والإعاقة أو الاحتياجات التعليمية الخاصة بنسبة 60%، والموقع الجغرافي بنسبة 30%، في حين تُستهدف الفئات الأخرى، كالنساء والنازحين واللاجئين والشعوب الأصلية والأقليات العرقية، بوتيرة أقل كثيراً.

ولا يوجد توافق على أثر السياسات التي تخفف القيود المالية في الالتحاق. فقد جادلت مراجعة بأن الالتحاق يرتفع حين ينخفض صافي سعر الدراسة، لكن مراجعة أخرى قيّدت هذا الاستنتاج، مجادلةً بأن المساعدات الطلابية غير المستردة تنجح في البلدان التي تتجاوز عتبة معيّنة من التحصيل في التعليم العالي.

وتشير مراجعات سابقة أيضاً إلى آثار متباينة للمساعدات المالية في الالتحاق. فقد أُفيد بأن خفض الرسوم الدراسية وتوسيع دعم الطلاب ارتبطا بآثار إجمالية متواضعة في الالتحاق، مع آثار أكثر اتساقاً لفئات بعينها، منها الطلاب من الخلفيات منخفضة الدخل والمتعلمون الأكبر سناً. وتؤثر المساعدات المالية في قرارات المشاركة أقل مما تؤثر في التوقيت واختيار البرامج. وتتفاوت الآثار أيضاً بحسب تصميم برنامج المساعدات المالية ومستويات المشاركة القائمة. والتدخلات المجمّعة تتفوّق على التدخلات المنعزلة.

وجميع التدابير المعروضة في هذا القسم تدعم الطلاب الأفراد وأسرهم مباشرة. ومن النُّهج البديلة التي اتبعتها الحكومات، في البلدان مرتفعة الدخل أساساً، تمويل مؤسسات التعليم العالي بشرط أن تحقق أهدافاً سياساتية، كإلحاق مزيد من الطلاب المحرومين وضمان تخرجهم. ووجدت مراجعة عالمية أُعدّت لهذا التقرير، وتُعرض في ملفات التعليم الوطنية لمراجعة السياسات، أن قوانين 18% من البلدان أو سياساتها تتضمن منحاً مشروطة للمؤسسات، يركّز معظمها على الفقر بنسبة 64%، يليه الحرمان الجغرافي بنسبة 49%، والإعاقة أو الاحتياجات التعليمية الخاصة بنسبة 46%، والنوع الاجتماعي بنسبة 26%. ويستهدف نحو ثلث هذه البلدان أيضاً الشعوب الأصلية والأقليات العرقية. والتمويل المؤسسي الموجّه نحو الإنصاف أكثر شيوعاً في البلدان مرتفعة الدخل، بنسبة 27%، منه في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، بنسبة 15%، والبلدان منخفضة الدخل، بنسبة 4%.

وفي عام 2022، في الولايات المتحدة، صُرفت 12% من أموال التشغيل لمؤسسات التعليم العالي ذات البرامج الممتدة أربع سنوات على أساس نوع من التمويل القائم على الأداء. فمثلاً، ربطت 32 ولاية التمويل بغايات التخرج، وأشارت 22 ولاية تحديداً إلى الأمريكيين من أصل أفريقي. غير أن هذه لم تثبت فعاليتها. فقد وجد تحليل لفجوات الإتمام بحسب العرق في ولايتَي أوهايو وتينيسي أن التمويل القائم على الأداء لم يضيّق الفجوة، بل وسّعها، إذ ركّزت المؤسسات أساساً على الحوافز لرفع معدلات التخرج بصرف النظر عن الأثر في الإنصاف. وكانت الجامعات التي تستوعب طلاباً من الفئات الممثّلة تمثيلاً ناقصاً تعاني في الغالب تاريخياً من نقص الموارد. وكما لوحظ في التمويل القائم على النواتج في المراحل التعليمية الأخرى، تستجيب المؤسسات أحياناً للحوافز بطرق تناقض الأهداف الأصلية، كتقييد الوصول.

الرسوم الدراسية

سياسة الرسوم الدراسية قوية التأثير سياسياً وصعبة اقتصادياً. فمن بين 147 بلداً، لدى أربعين بلداً التزامات قانونية بمجانية التعليم العالي. ففي عام 1992، أعلن حكم المحكمة في قضية موهيني جين ضد ولاية كارناتاكا أن الرسوم غير دستورية في الهند. وفي جنوب أفريقيا، أُدخل التعليم العالي المجاني الموجّه بحسب الدخل في عام 2018 بعد حركة «يجب أن تسقط الرسوم» بين عامَي 2015 و2017. وظهرت نماذج موجّهة مماثلة في شيلي بعد احتجاجات عام 2011، وفي الفلبين بموجب قانون الوصول الشامل إلى التعليم العالي الجيد لعام 2017.

وعلى المستوى العالمي، تفرض معظم الجامعات العامة رسوماً دراسية ضئيلة أو لا تفرض أي رسوم. وتشير مراجعة لنظم تمويل التعليم العالي أُعدّت لهذا التقرير، وتُعرض في ملفات التعليم الوطنية لمراجعة السياسات، إلى أن 31% من البلدان لديها قوانين أو سياسات وطنية تعلن الجامعات العامة معفاة من الرسوم الدراسية، بنسب تتراوح بين 19% في شرق آسيا وجنوب شرقها و21% في أفريقيا جنوب الصحراء، و48% في شمال أفريقيا وغرب آسيا و53% في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، حيث تقوم السياسة على نهج قائم على الحقوق.

لكن بينما يهدف الإعفاء من الرسوم الدراسية إلى تعزيز الإنصاف، فإنه لا يكفي وحده، بل قد يصبح تراجعياً إذا حصل الطلاب الأغنى على المقاعد الجامعية حين يكون الوصول مقيّداً. وفي المقابل، يميل الإعفاء الموجّه من الرسوم، أو الرسوم المقترنة بمنح حسنة التصميم ومساعدات مرتبطة بالدخل، إلى أن يكون أكثر فعالية في خفض العوائق المالية أمام الطلاب المحرومين. ففي الأرجنتين والبرازيل وشيلي والإكوادور، لم يؤدِّ إلغاء الرسوم الدراسية تلقائياً إلى الحدّ من عدم المساواة، لأن الرسوم ليست سوى جزء من التكلفة الإجمالية على الطلاب. وفي كولومبيا، وفي أعقاب مرسوم صادر في عام 2021، أصبح التعليم مجانياً للفئة العمرية من 14 إلى 28 عاماً من ذوي الدخل المنخفض، وهي سياسة «التسجيل صفر» التي يستفيد منها 63% من طلاب المرحلة الجامعية الأولى في الجامعات العامة. غير أن نحو نصف طلاب الجامعات الملتحقين لا يزالون لا يتخرجون.

وتفرض معظم البلدان رسوماً على التعليم العالي العام. فقد أظهرت مراجعة لسياسات الرسوم الدراسية في المؤسسات العامة في الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومعظمها مرتفعة الدخل، أن الرسوم المفروضة على الطلاب الوطنيين تراوحت بين 250 دولاراً أمريكياً في فرنسا، و5,500 دولار في ليتوانيا، و7,500 دولار في بولندا، و9,600 دولار في الولايات المتحدة. وفي ألمانيا، أدى قرار بعض الولايات فرض رسوم بنحو ألف يورو في مطلع الألفية إلى انخفاض تقديري في الالتحاق في تلك الولايات بما يتراوح بين ثلاث وخمس نقاط مئوية.

وفي إنجلترا بالمملكة المتحدة، الجامعات مؤسسات ذات حوكمة خاصة بالمعنى التقني والإحصائي، لكنها كانت تعتمد اعتماداً كاملاً على التمويل العام حتى إصلاح عام 1998، الذي أدخل للمرة الأولى رسوماً دراسية سنوية قدرها ألف جنيه إسترليني. ورُفعت الرسوم إلى ثلاثة آلاف جنيه في عام 2006 وتسعة آلاف جنيه في عام 2012. ووجد تحليل أن الالتحاق واصل الارتفاع دون تفاقم عدم المساواة، ويعود ذلك أساساً إلى أن الطلاب لا يدفعون الرسوم مقدّماً، إذ يحصلون على قروض لتغطيتها، كما يتلقّون منحاً عامة لتغطية نفقات المعيشة. وفي السنوات الأخيرة، أوجد سقف الرسوم تحديات مالية للجامعات، إذ كانت القيمة الحقيقية لإيرادات الرسوم في عام 2024 أدنى بنسبة 31% من مستواها في عام 2015، مما دفع الحكومة إلى رفع الرسوم في العام 2025/2026 للمرة الأولى منذ عام 2017 تماشياً مع التضخم.

وفي غانا، تدفع سياسة «لا ضغط للرسوم» التي أُدخلت في عام 2025 جميع الرسوم الأكاديمية لطلاب السنة الأولى في الجامعات والمعاهد التقنية وكليات التربية ومدارس التمريض. وتكمّل هذه المبادرة برامج المساعدات المالية القائمة، كبرنامج القرض الطلابي الإضافي، والمنح للفئات الممثّلة تمثيلاً ناقصاً، والتعليم المجاني للطلاب ذوي الإعاقة. وقد استفاد منها أكثر من 120 ألف طالب في السنة الأولى. وفي عام 2017، سنّت الفلبين قانون الوصول الشامل إلى التعليم العالي الجيد، الذي ألغى الرسوم الدراسية في الجامعات والكليات العامة. وارتفعت المشاركة في التعليم العالي من 38% في عام 2017 إلى 47% في عام 2024، وكان معدل النمو أسرع بين الطلاب الأفقر. ويستفيد أكثر من 2.3 مليون طالب من التعليم العالي المجاني، ويتلقى 713 ألفاً إعانات. غير أن 40% من طلاب السنة الأولى في الجامعات يتسرّبون.

وكثيراً ما تستخدم البلدان تنظيم الرسوم إلى جانب الأسعار المرجعية للمنح لضمان الوصول العادل مع الحفاظ على قدرة مقدّمي الخدمة على الاستمرار. ففي أذربيجان والهند، ترصد لجان حكومية الرسوم في المؤسسات غير الحكومية لمنع الرسوم المفرطة. وفي كينيا، رفضت الجهة التنظيمية زيادات في رسوم الجامعات لحماية وصول الطلاب ذوي الدخل المنخفض. وتنظّم شيلي وكوت ديفوار الرسوم على نحو غير مباشر بتحديد أسعار مرجعية لتحديد مبالغ المنح للطلاب ذوي الدخل المنخفض في المؤسسات الخاصة. وترصد جنوب أفريقيا الزيادات السنوية في رسوم الجامعات العامة وتضع لها حدوداً. فضلاً عن ذلك، وفي إطار البرنامج الوطني للمساعدة المالية للطلاب، وهي سياسة رسوم موجّهة أُدخلت في عام 2018، يحق لطلاب المرحلة الجامعية الأولى الجدد من الأسر منخفضة الدخل والأسر العاملة الحصول على دعم كامل. ومن التحديات تأخر التمويل ومشكلات الدفع والتغييرات الإدارية وارتفاع الرسوم المصرفية.

وكثيراً ما تقدّم الحكومات في البلدان ذات القطاعات التعليمية غير الحكومية الكبيرة إعانات موجّهة للرسوم للطلاب في المؤسسات الحكومية وغير الحكومية على السواء. ففي البرازيل وشيلي، حيث يرتاد معظم الطلاب مؤسسات غير حكومية، يحصل الطلاب ذوو الدخل المنخفض على إعفاءات في مؤسسات غير حكومية مختارة. وفي البرازيل، يزيد احتمال حصول الطلاب ذوي الدخل المنخفض المقبولين في جامعات معفاة من الرسوم على شهادة بمقدار 8.5 نقاط مئوية، ويشهدون زيادة بنسبة 26% في الدخل بعد عشر سنوات. وليس للسياسة سوى أثر ضئيل في الطلاب ذوي الدخل المرتفع. وفي عام 2016، أدخلت شيلي الإعفاء من الرسوم الدراسية للطلاب في الأعشار الستة الأدنى دخلاً في الجامعات العامة والخاصة غير الربحية المعتمدة التي تنضم إلى نظام القبول الوطني أو تدعم الوصول المنصف. ومن عام 2015 إلى عام 2019، ارتفعت نسبة التحاق الطلاب ذوي الدخل المنخفض بالمؤسسات المعفاة من الرسوم من 40% إلى 60%.

المنح الدراسية

يمكن للمنح الدراسية أن تعزّز الإنصاف والإدماج والحراك الاجتماعي، بمساعدة الشباب من الخلفيات المحرومة على الوصول إلى التعليم العالي وإتمامه. ويمكنها أيضاً دعم التنمية الوطنية باستهداف المجالات الاستراتيجية لاجتذاب المواهب والاحتفاظ بها. فمن بين 146 بلداً، لدى 63% برنامج وطني واحد على الأقل للمنح منشأ بقانون، بنسب تتراوح بين 30% في الدول العربية و83% في وسط أوروبا وشرقها.

وفي عام 2010، أطلقت إندونيسيا منحة «بيديك ميسي»، التي تقدّم دعماً للرسوم الدراسية ومخصصات للطلاب المتفوقين أكاديمياً من الأسر منخفضة الدخل. وفي عام 2020، أدخلت اليابان نظاماً جديداً للدعم المالي يقدّم تخفيضات في الرسوم الدراسية ومنحاً للطلاب المحرومين. وتمنح لاتفيا منحاً تشريفية للطلاب من الخلفيات المحرومة. وفي بنما، غطّت منح المراكز المتميزة، التي يديرها معهد تدريب الموارد البشرية وتنميتها، 13% من طلاب التعليم العالي في عام 2021. وفي سري لانكا، تبلغ منحة «ماهابولا» القائمة على الحاجة للطلاب من الأسر منخفضة الدخل 7,500 روبية سريلانكية، أي 24 دولاراً أمريكياً. وفي العام 2021/2022، مثّل الطلاب المستفيدون البالغ عددهم 16 ألفاً 40% من إجمالي عدد الطلاب المقبولين.

وتُلزم بعض الحكومات الجامعات بتقديم مساعدات مالية للطلاب من الفئات الممثّلة تمثيلاً ناقصاً. ففي دولة بوليفيا المتعددة القوميات وفي الإكوادور، يجب على جميع الجامعات غير الحكومية تقديم منح لنسبة 10% من طلابها. وتُلزم المكسيك الجامعات الخاصة بدعم 5% على الأقل من طلابها بمنح أو إعانات. وتطبّق فيتنام اشتراط 10% على الجامعات العامة. وفي إنجلترا بالمملكة المتحدة، تخصّص مؤسسات التعليم العالي جزءاً محدداً من الرسوم الدراسية للمنح والإعانات عبر خطط الوصول والمشاركة.

وقد وسّعت زيادة الاستثمار العام عبر المنح والمساعدات المالية مشاركة الفئات المحرومة في البرازيل وكمبوديا والهند وباكستان. وفي إندونيسيا، تبيّن أن منحة «بيديك ميسي» كان لها أثر قوي في الأداء، ولا سيما بين أفقر الطلاب، لكن ليس في التخرج في الوقت المحدد. واستُعيض عنها في عام 2020 ببطاقة إندونيسيا الذكية للكلية، التي تدعم الطلاب المحرومين اقتصادياً والمتفوقين أكاديمياً المقبولين في جامعات عامة وخاصة معتمدة، فتغطي الرسوم الدراسية تغطية كاملة، بما يتراوح بين 2.4 مليون و12 مليون روبية إندونيسية لكل فصل دراسي، أي بين 170 و850 دولاراً أمريكياً، وتقدّم مخصصات معيشية تتراوح بين 0.7 مليون و1.4 مليون روبية لكل فصل دراسي، أي بين 57 و100 دولار أمريكي. وفي ولاية فيرجينيا الغربية، ثاني أفقر ولاية في الولايات المتحدة، رفع برنامج يقدّم التعليم المجاني في كليات الولاية للطلاب الذين يستوفون حداً أدنى من معايير التفوق الأكاديمي الالتحاقَ بنحو ست نقاط مئوية.

المنح المالية

تغطي الإعانات المقدّمة للطلاب طائفة واسعة من بنود التكلفة يصعب تلخيصها، بل يصعب حتى تمييزها عن المنح الدراسية في بعض الحالات. وتأتي الأدلة على فعاليتها من البلدان مرتفعة الدخل. وهذه الأدلة غير ممثّلة للسياقات العالمية: فالبلدان متوسطة الدخل قد لا تملك القدرة المالية والإدارية للتحقق من شروط اختبار الدخل بالدقة نفسها. كما أنها غير ممثّلة للإجابة عن السؤال الجوهري المتعلق بما إذا كانت المساعدات المالية للطلاب تدعم توسيع الالتحاق وتقلّل عدم المساواة أو على الأقل لا تفاقمه. لكن المنح في البلدان مرتفعة الدخل يمكن مع ذلك أن تُطلع البلدان متوسطة الدخل على المسائل التي عليها التعامل معها حين تخطط للمنح.

فقد وجد تحليل تجميعي لثلاث وأربعين دراسة، معظمها من الولايات المتحدة، أن المساعدات المالية في شكل منح، بما فيها المنح الدراسية، زادت معدلات استمرار الطلاب وإتمامهم بنقطتين إلى ثلاث نقاط مئوية، أي بنحو 1.5 إلى نقطتين لكل ألف دولار أمريكي ممنوحة. وكان لعناصر البرامج غير المالية، كالدروس التعليمية الإضافية، أثر أكبر من المساعدات القائمة على الجدارة. وفي فرنسا، وصلت منحة قدرها 1,500 يورو في إطار برنامج المنح القائمة على المعايير الاجتماعية إلى نحو ثلث الطلاب الملتحقين في عام 2010، وتبيّن أنها رفعت الالتحاق بما يتراوح في المتوسط بين خمس وسبع نقاط مئوية، وإن كان أثرها في الإتمام أقل وضوحاً. وفي إنجلترا بالمملكة المتحدة، حسّن مبلغ إضافي قدره ألف جنيه إسترليني من المساعدات الطلابية الاستمرار في السنة الأولى بمقدار 1.4 نقطة مئوية، والتخرج من مقررات جيدة النوعية بمقدار 3.4 نقاط مئوية، ولا سيما بين الطلاب ذوي الدخل المنخفض والمستعدين جيداً.

وفي ألمانيا، يقدّم النظام الاتحادي للمساعدة المالية للطلاب، المعروف بـ«بافوغ»، دعماً مالياً على أساس خصائص شخصية كالدخل والعمر والجنسية. وفي عام 2021، تلقّى نحو 333 ألف طالب، أي 11.5% من جميع الطلاب، أموالاً من هذا النظام بمتوسط دعم شهري قدره 579 يورو. وفي عام 2024، بلغ الحدّ الأقصى للطلاب الذين لا يعيشون مع آبائهم 452 يورو بدلاً أساسياً إضافة إلى 360 يورو بدل سكن، مع زيادة قدرها 5% تقررت في عام 2024، في حين شملت التغييرات المطبّقة اعتباراً من العام 2025/2026 دفعة لمرة واحدة قدرها ألف يورو للطلاب الأشد حاجة. غير أن غياب تقييم الأثر تعرّض للانتقاد.

ووجد تقييم لبرنامج منح الطلاب القائم على اختبار الدخل، الذي تديره هيئة الدعم الشامل للطلاب في آيرلندا، أن معظم المستفيدين ما كانوا ليتابعوا دراستهم على الأرجح دون هذه المنحة. لكنه أقرّ أيضاً بأن قيمتها ظلت ثابتة في وقت ارتفعت فيه تكلفة المعيشة بنسبة 25%. وحدد فئات مستضعفة على نحو خاص تحتاج إلى اهتمام إضافي، وأوصى بتيسير ترتيبات مرنة كالدراسة بدوام جزئي، التي التزمت خطة الوصول الوطنية للفترة 2022 إلى 2028 بدراستها. وفي العام نفسه، واستجابةً للقلق المتزايد، أدخلت آيرلندا للمرة الأولى سياسة ممولة من الدولة لزيادة سكن الطلاب، وأنشأت وحدة خاصة لإدارة الخطة التي تشمل إعفاءات ضريبية ودعماً مالياً وحماية إيجارية للطلاب.

وفي إيطاليا، يحق للطلاب من الأسر منخفضة الدخل الراغبين في الالتحاق ببرنامج جامعي الحصول على منح في إطار برنامج الحق في الدراسة الجامعية. ويرتفع معدل التسرّب لدى الطلاب ذوي الدخل المنخفض من 7% إلى 10% حين لا يحصلون على منحة. ووجدت دراسة لخمس جامعات أثراً أكبر لهذه المساعدات المالية في منع التسرّب خلال السنة الأولى، وفي تعزيز معدلات التخرج والتخرج في الوقت المحدد.

وفي البرتغال، دعم برنامج يموّله الحكومة والاتحاد الأوروبي معاً نحو سبعين ألف طالب من ذوي الدخل المنخفض سنوياً، يغطي الرسوم الدراسية ويقدّم مساعدات إضافية للطلاب شديدي الفقر. وحقق المستفيدون من المنح نواتج تعليمية أفضل، كانخفاض التسرّب والتخرج في الوقت المحدد لدى الطلاب الذكور، وسرعة تجميع الساعات المعتمدة لدى الطالبات. وكان الأثر كبيراً للطلاب من المناطق الأفقر وفي الجامعات العامة. وحسّنت المنح متعددة السنوات التخرج في الوقت المحدد والانتقال إلى الدراسات العليا، وأسهمت في تحقيق الحكومة أهدافها لعام 2020.

وإلى جانب البرامج الموجّهة أساساً للطلاب من الأسر الفقيرة، لدى بلدان كثيرة أيضاً برامج للمساعدة المالية لفئات معيّنة من الطلاب. فمنحة الطلاب الكندية للخدمات والمعدات للطلاب ذوي الإعاقة تقدّم ما يصل إلى عشرين ألف دولار كندي. وفي جنوب أفريقيا، وفي إطار البرنامج الوطني للمساعدة المالية للطلاب، تُطبَّق عتبات أعلى لأهلية الدخل على الطلاب ذوي الإعاقة.

وأخيراً، تقدّم بلدان كثيرة دعماً عينياً للطلاب، فتدعم بنوداً مختارة من تكاليف المعيشة والدراسة. ووجدت مراجعة لسياسات تمويل التعليم العالي أُعدّت لهذا التقرير، وتُعرض في ملفات التعليم الوطنية لمراجعة السياسات، أن نحو نصف بلدان العالم يدعم تكاليف سكن الطلاب، وأقل من أربعة بلدان من كل عشرة يدعم تكاليف النقل، وما يقل قليلاً عن ثلاثة بلدان من كل عشرة يدعم تكاليف الكتب الدراسية. وفي أوروبا وأمريكا الشمالية، يدعم ستة بلدان من كل عشرة السكن والنقل، في حين لا يفعل ذلك في أوقيانوسيا سوى بلدين من كل عشرة.

القروض

أصبحت القروض الطلابية أكثر شيوعاً في السنوات الأخيرة بوصفها آلية تتقاسم بها الحكومات تكلفة التعليم ما بعد الثانوي مع أسر الطلاب. ويتعيّن على الطلاب عادة سدادها بعد التخرج، وإن كان يمكن إعفاء بعض القروض أو إلغاؤها في ظروف معيّنة. وثمة ثلاثة نماذج رئيسية للقروض على مستوى العالم. أولها القروض المباشرة التي تموّلها الحكومات، وهي الآلية الأكثر شيوعاً، وإن كانت كثيراً ما تعاني لجمع رأس المال الأولي والحفاظ على الكفاءة، بإبقاء التكاليف الإدارية وإعانات الفائدة ومعدلات التخلّف عن السداد عند مستويات مستدامة. وثانيها القروض الممولة من القطاع الخاص التي تعزّزها الحكومات، والتي تقدّم بدورها إعانات لأسعار الفائدة وضمانات ضد التخلّف عن السداد، وتُعرف بنموذج المخاطر المشتركة، وهي أقل شيوعاً. وثالثها القروض الشاملة المرتبطة بالدخل، التي تهدف إلى الموازنة بين تكلفة الاسترداد على الحكومة ومخاطر الطلاب المقترضين. ويجري الاسترداد عبر إدارة ضريبة الدخل أو الضمان الاجتماعي، مما يعني أن المدفوعات تراعي قدرة الخريجين على الدفع. وقد طُبّقت هذه القروض أساساً في البلدان مرتفعة الدخل.

ففي أستراليا، يُعدّ برنامج قروض التعليم العالي، الذي أُطلق في الأصل باسم نظام المساهمة في التعليم العالي في عام 1989، برنامجاً رائداً للقروض المرتبطة بالدخل. فالطلاب لا يدفعون رسوماً مقدّمة، إذ لا يبدأ السداد إلا حين يتجاوز دخلهم عتبة محددة، ويُحصَّل تلقائياً عبر النظام الضريبي. والديون مربوطة بالتضخم، مما يجنّب الفائدة الحقيقية والإطفاء السلبي المفرط. وتعني المدفوعات القائمة على الدخل والتكامل مع كشوف الرواتب أن حالات التخلّف عن السداد نادرة وأن تكاليف التحصيل منخفضة جداً.

ومن أمثلة البلدان متوسطة الدخل التي لديها نظم للقروض جامايكا، حيث يخضع برنامج القروض الموجّهة لاختبار الدخل. ولدى المقترضين ما بين 15 و20 عاماً لسداد القروض بسعر فائدة بعد التخرج قدره 9.5%. غير أنه حتى وقت قريب كان يُشترط وجود ضامن، مما يعني أن كثيراً من الطلاب ذوي الدخل المنخفض لم يتمكّنوا من الحصول عليها. وفي مواجهة هذه المشكلة، ألغت غانا اشتراط الضامن، واختارت بدلاً منه تحصيل القروض باستخدام نظم الهوية الوطنية والضمان الاجتماعي والتأمين الوطني. وفي ماليزيا، تستهدف مؤسسة صندوق القروض الطلابية الطلاب المتفوقين من أفقر 40% من الأسر. وتُعدَّل جداول السداد بحسب الوضع الوظيفي والدخل. وأدخلت فيتنام نظاماً للقروض في عام 2003، لكن تصميمه انتُقد لأنه لم يغطِّ سوى 84% من التكلفة في المؤسسات العامة و52% في المؤسسات الخاصة. كما أن قصر مدة السداد، ست سنوات كحدّ أقصى، وارتفاع سعر الفائدة، 4% على الأقل، جعلاه غير جذاب للمقترضين المحتملين.

وتُظهر بعض الدراسات أن للقروض آثاراً إيجابية في الالتحاق. فقد أدى تخفيف معايير أهلية الدخل للحصول على قروض منظمة خدمات الطلاب اليابانية إلى زيادة معدل التحاق الشبان بما يتراوح بين 0.5 و0.7 نقطة مئوية. وفي نيوزيلندا، رفع استمرار أهلية الطلاب المتعثرين للقروض معدلات إعادة التسجيل، وضمن تخرج معظم الطلاب في غضون سبع سنوات. ووُجدت نتائج إيجابية لبرامج قروض مماثلة في كولومبيا وجنوب أفريقيا.

وفي البرازيل، تدعم الحكومة الاتحادية التعليم العالي الخاص عبر قروض مدعومة يقدّمها صندوق تمويل طلاب التعليم العالي. وأظهرت دراسة لنحو مليوني متقدم بين عامَي 2015 و2017 أن تمويل الصندوق زاد زيادة كبيرة الالتحاقَ والوصول إلى المقررات المفضّلة والاستمرار في الدراسة، وإن بدرجة أقل في الأخير. وفي كولومبيا، أظهرت تقييمات برنامج قروض الوصول مع الجودة إلى التعليم العالي، الذي هدف إلى زيادة وصول الطلاب ذوي الدخل المنخفض والسجل الأكاديمي الجيد، أنه زاد الالتحاق وقلّل التسرّب. ونُفّذ البرنامج بين عامَي 2003 و2015، واستُعيض عنه منذ ذلك الحين بالتعليم المجاني في الجامعات العامة.

ودُرست تجربة شيلي دراسة مستفيضة. فالنوعان الرئيسيان من القروض الممولة من القطاع العام هما القرض المضمون من الدولة، الذي أُدخل في عام 2006، وصندوق التضامن الجامعي، الذي أُدخل في عام 1994. ووجدت دراسة أن الحصول على القروض زاد الالتحاق بالتعليم ما بعد الثانوي بثماني عشرة نقطة مئوية، مضاعفاً احتمال الالتحاق للفئة السكانية المعنية ومعوّضاً فارق الدخل في الوصول إلى التعليم. ووجدت دراسة متابعة أن الحصول على القروض زاد أيضاً احتمال إتمام المقرر باثنتي عشرة نقطة مئوية، وإن كان ثلثا ذلك أثراً إحلالياً، إذ كان هؤلاء الطلاب سيواصلون الدراسة في كلية مهنية لولا ذلك.

وقارنت دراسة أخرى في شيلي هذه القروض بمنحتين حكوميتين، هما منحة المئوية الثانية ومنحة خوان غوميز ميياس، اللتان تغطيان 75% على الأقل من تكاليف الرسوم الدراسية. وجعلت الأهلية للمنح الالتحاقَ بمجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات أكثر احتمالاً، لأنها وفّرت تأميناً ضد عدم اليقين بشأن إتمام الشهادة المرتبط بالقروض. وعانت شيلي من انخفاض معدلات سداد القروض وارتفاع التكاليف التشغيلية، وتدرس إعادة هيكلة ديون التعليم.

وقد لا تكفي القروض لتغطية تكاليف كبيرة أخرى تتجاوز الرسوم الدراسية، لكنها لازمة لزيادة الموارد المالية للطلاب. وقد يثبّط تراكم الديون الالتحاق في نهاية المطاف، ولا سيما بين الطلاب ذوي الدخل المنخفض والطلاب النافرين من الاقتراض. فمقابل كل ألف دولار أمريكي من الديون، ترتفع معدلات التسرّب بنسبة 3%، في حين ارتبطت الديون التي تتجاوز عشرة آلاف دولار ارتباطاً خاصاً بانخفاض معدلات التخرج. وفي إنجلترا بالمملكة المتحدة، غادر خريجو فوج عام 2017 الجامعة بمتوسط ديون يبلغ نحو 55 ألف جنيه إسترليني، وهو من الأعلى في العالم. وتغطي القروض الطلابية الرسوم الدراسية وبعض تكاليف المعيشة، لكن قروض الإعالة الخاضعة لاختبار الدخل لا تغطي عادة سوى نصف نفقات معيشة الطلاب.

وللسمات المختلفة للقروض، كفترات الإعفاء وعتبات السداد والمعدلات والفائدة، آثار متفاوتة بحسب حجم الدين. فتمديد فترة الإعفاء يقلّل أساساً الدعم المقدّم للديون الكبيرة. أما خفض العتبات أو رفع المعدلات فيقلّل أساساً الدعم لمن يُستبعد أن يسددوا كامل الدين، في حين يسدد أصحاب الدخل المرتفع ببساطة بوتيرة أسرع دون تغيّر في إجمالي السداد.

تقديم المعلومات

في سياقات كثيرة، قد يبالغ الطلاب المحتملون وأسرهم في تقدير التكاليف أو يقلّلون من تقدير عوائد التعليم العالي. وقد يفتقرون أيضاً إلى المعلومات عن إجراءات القبول أو مصادر الدعم المالي وغيره، مما قد يعيق الوصول إلى التعليم العالي والمشاركة فيه والتخرج منه. والشباب من الأسر منخفضة الدخل أكثر عرضة لذلك، ولا سيما حين يكونون أول من يلتحق بالتعليم العالي في أسرهم ويُرجّح أن يكون تقديرهم لذواتهم منخفضاً. وتبيّن في دراسة مقارنة لشيلي وكرواتيا والسويد والولايات المتحدة أن مسارات الإخوة الأكبر سناً في التعليم العالي تؤثر في اختيارات إخوتهم وأخواتهم الأصغر سناً.

ويمكن لتقديم المعلومات أن يساعد على معالجة هذه المسائل، كالمعلومات عن التكاليف والدعم وعوائد التعليم العالي. ويمكن استكمال ذلك بمساعدة فردية، تتراوح بين الرسائل منخفضة التكلفة والإرشاد طويل الأجل مرتفع التكلفة الذي يرافق الشباب قبل القبول وأثناءه وبعده. وقد تغيّر مشاركة المعلومات عن معدلات التخرج أو الدخل المستقبلي بحسب المقرر خيارات المتقدمين، بشرط أن يكونوا قد قرروا متابعة التعليم العالي. وقد أظهرت بعض الأدلة أن إعادة المواءمة بين الطلاب والمقررات قد تكون لها انعكاسات أوسع. ففي شيلي، لم يقتصر أثر نشر بيانات دخل الخريجين على الإنترنت على خفض احتمال اختيار الشباب ذوي الدخل المنخفض لمقررات منخفضة العائد بنسبة 5%، بل بدا أنه زاد قليلاً أيضاً احتمال استمرارهم في دراستهم.

وفي إنجلترا بالمملكة المتحدة، تموّل الحكومة مبادرة «يوني كونكت»، التي تعمل مع المدارس والجامعات لتقديم معلومات مكيّفة بحسب المنطقة عن تكاليف متابعة التعليم ما بعد الثانوي وفوائده. وفي منطقة إيست أنجليا، استهدف برنامج «خذ مكانك» أكثر من مائة مدرسة في مناطق تنخفض فيها المشاركة في التعليم العالي. وركّز المكوّن الأول على متطلبات الانتقال إلى التعليم العالي ووسائله وخياراته. وركّز المكوّن الثاني على مساعدة الطلاب على استكشاف تفضيلاتهم الدراسية والتعبير عنها. ولم تجد دراسة قيّمت أثر مكوّن ثالث قدّم أربع عشرة رسالة نصية عن الخطوات التحضيرية والمسائل العملية المتعلقة بعملية التقديم المركزية أي أثر.

وتنفّذ أستراليا مجموعة من برامج التواصل لمساعدة الجامعات على اجتذاب الشباب المحرومين والاحتفاظ بهم. ومنذ عام 2010، كان أكبرها برنامج المشاركة والشراكات في التعليم العالي، الذي ركّز على رفع طموحات الشباب من خلفية اجتماعية اقتصادية متدنية، قبل أن يوسّع تغطيته في عام 2021 لتشمل أيضاً السكان الأصليين أو سكان جزر مضيق توريس ومن يعيشون في المناطق النائية. ووجدت مراجعة أنه وصل إلى نحو ربع المدارس، لكن الاستهداف لم يكن فعّالاً. فضلاً عن ذلك، قد يكون التركيز على طلاب الصفين الحادي عشر والثاني عشر متأخراً جداً لتغيير تصوّرات الطلاب، في حين أن عدم إشراك المدارس في التصميم عامل آخر يحدّ من الفعالية.

ويكون تقديم المعلومات عموماً أكثر فعالية في زيادة التحاق الفئات المحرومة حين تصاحبه تدابير تكميلية كالإرشاد أو تبسيط إجراءات التقديم. وقد أكدت هذه النتيجة دراسة أخرى في شيلي أظهرت أن المعلومات المصحوبة بالتوجيه الفردي زادت احتمال الالتحاق بثماني نقاط مئوية.

التعويض عن أوجه الحرمان

القيود المالية ليست العقبات الوحيدة التي يواجهها الشباب في متابعة التعليم ما بعد الثانوي، ولا سيما إذا جاؤوا من خلفية محرومة. فرغم أن القدرة الأكاديمية قد تكون أكبر مؤشر تنبؤي بالتخرج، فإنها تتأثر بالدافعية الذاتية والتنظيم الذاتي والكفاءة الذاتية. ويمكن معالجة هذه العوامل بتدابير الدعم، ومنها الإرشاد النفسي والتوجيه الفردي والإرشاد الأكاديمي، لمنع الطلاب من التسرّب.

ويتفاوت استعداد طلاب السنة الأولى بحسب تجاربهم المدرسية، ولذلك يحتاج بعضهم إلى الدعم. فمثلاً، وبإلهام من البرامج التأسيسية في جنوب أفريقيا، صُممت مقررات تمهيدية قبل الالتحاق لمساعدة الطلاب على التكيّف مع الدراسة العالية في الرياضيات والطب والعلوم في بوتسوانا وليسوتو وناميبيا المجاورة. وفي كولومبيا، لدى جامعة «يونيمينوتو»، وهي جامعة كاثوليكية خاصة تضم أكثر من مائة ألف طالب، برنامج لدعم طلاب السنة الأولى المتعثرين، يُعرف بنموذج التركيز المتكامل، يقدّم الإرشاد الأكاديمي والمساعدة المالية والدعم النفسي ومقرراً لمشروع الحياة وحصصاً علاجية. وتدعمه نظم للإنذار المبكر والرصد وتقييم الأثر للطلاب المعرّضين للخطر.

وكثيراً ما تؤثر العوامل الثقافية في الوصول إلى التعليم العالي والتقدّم فيه، مع مسائل متنوعة كاللهجات واللغة واللباس والدين تحدد من يشعر بالقبول والانتماء. ودور شبكات الدعم الاجتماعي حاسم. فنظم الدعم كالتوجيه الفردي وشبكات الأقران وبرامج الانتقال يمكن أن تقلّل معدلات التسرّب بتعزيز رأس المال الاجتماعي. وتعيّن بعض الجامعات مرشدين أو رفاقاً لمساعدة الطلاب الجدد على التكيّف، مما يقلّل الاعتماد على رأس المال الثقافي للأسرة. وساعد برنامج للتوجيه والإرشاد مدته ثلاثة أسابيع في كلية للهندسة في تشيناي بالهند طلاب الجيل الأول الريفيين على تجاوز العوائق الاجتماعية، وإن ظل المشاركون قلقين بشأن آفاقهم الوظيفية. وارتبطت جلسات الدراسة بمساعدة الأقران في البلدان مرتفعة الدخل بارتفاع معدلات التقدّم وقوة الإحساس بالانتماء، ولا سيما لدى طلاب الجيل الأول من الفئات الممثّلة تمثيلاً ناقصاً.

ومن المسائل الأخرى أن استخدام الإنجليزية لغةً للتدريس في التعليم العالي تزايد في أنحاء العالم، عادة في المجالات العلمية أو التجارية لكن على نطاق أوسع أحياناً. ورغم أن ذلك يأتي في الغالب استجابة للطلب، فإنه قد يستبعد كثيرين في الوقت نفسه. ومن التحديات صعوبات فهم المحتوى والتقييم والممارسات اللغوية في الفصل والتنقل بين اللغات والدافعية والقلق من التحدث والتنشئة الاجتماعية في الحرم الجامعي وصورة الذات. ولا تزال السياسات الرسمية للتعامل مع هذه التحديات نادرة. ووجدت مراجعة منهجية أن استخدام الإنجليزية وسيلةً للتدريس في الدول العربية يطرح تحديات لتحصيل الطلاب، مما يميل إلى التأثير في التخرج. لكن في بلدان مثل تايلاند وفيتنام، توقّع الطلاب أن يُدرَّسوا بالإنجليزية واعتقدوا أن مهاراتهم ستتحسّن في بيئة إنجليزية خالصة.

فضلاً عن ذلك، يلزم الوصول إلى المرشدين وبرامج الدعم لمعالجة حالات الضيق النفسي. فقد وجدت مراجعة منهجية أن الإرشاد النفسي لطلاب الجامعات كان فعّالاً في تحسين الأداء النفسي والتعامل مع الاكتئاب والقلق، مما أدى إلى تحسّن الأداء الأكاديمي لكن ليس إلى انخفاض التسرّب. وفي ولاية كيرالا بالهند، أطلقت الحكومة برنامج «جيفاني» للصحة النفسية في العام 2019/2020 لتقديم إرشاد نفسي مجاني داخل الحرم الجامعي في الكليات العامة لمعالجة تزايد مشكلات الصحة النفسية. ويوظّف البرنامج مرشدين مدرّبين لتقديم التحديد المبكر والتدخلات الموجزة والإحالات. وأفاد تقييم بإقبال مرتفع من الطلاب وبإحالات إلى الاختصاصيين في عدد من الحالات.

السياسات المتعلقة بجانب العرض

تفتح تدخلات التمويل والدعم المتعلقة بجانب الطلب الأبوابَ؛ وتحدد تدابير جانب العرض ما يجده الطلاب خلفها. وتواجه الحكومات أسئلة سياساتية مهمة: كيف تزيد القدرة الاستيعابية للتعليم العالي؛ وكيف تنوّع التوفير التعليمي لاجتذاب أنواع مختلفة من المرشحين مع تجنّب التقسيم الطبقي؛ وكيف تدخل مسارات مرنة؛ وكيف تنظّم القبول لتخفيف عوائق الوصول.

توسيع القدرة الاستيعابية

يمثّل إنشاء مؤسسات التعليم العالي وتمويلها تحدياً لمعظم البلدان الساعية إلى توسيع التوفير. وقد سلكت الحكومات مسارات مختلفة بحسب التركيز الذي أولته للتوفير الخاص.

وتصعّب الثغرات في قاعدة بيانات معهد اليونسكو للإحصاء، ولا سيما بالنسبة لبعض البلدان الأكثر سكاناً، تحديدَ اتجاه واضح لحصة المؤسسات الخاصة من إجمالي الالتحاق بالتعليم العالي. فقد ارتفع عدد البلدان التي لديها ملاحظات في سنوات مختلفة من 75 بلداً في عام 2000 إلى 129 في عام 2010، وانخفض إلى 119 في عام 2020. لكن توافر البيانات يختلف كثيراً حين يُعبَّر عنه كحصة من إجمالي الالتحاق بالتعليم العالي: فقد ارتفع من 41% في عام 2000 إلى 49% في عام 2010 وإلى 90% في عام 2020، لأن بيانات بلدان كبيرة، منها الصين والهند والولايات المتحدة، أصبحت متاحة للمرة الأولى. وانخفضت حصة المؤسسات الخاصة من إجمالي الالتحاق في جميع البلدان التي لديها ملاحظات في هذه السنوات من 40% في عام 2000 إلى 35% في عامَي 2010 و2020. ويُظهر التركيز على البلدان الأربعة والخمسين التي لديها ملاحظات في كل من السنوات الثلاث، والتي تمثّل نحو ثلث إجمالي الالتحاق لكنها أقل تمثيلاً للبلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل، أن حصة المؤسسات الخاصة من إجمالي الالتحاق ظلت ثابتة عند 41%.

وتبرز ثلاثة استنتاجات مبدئية. أولها أن التوفير الخاص كبير، إذ يبلغ 35% من إجمالي الالتحاق بالتعليم العالي. وثانيها أنه لم يحدث اتجاه تصاعدي في هذه الحصة؛ فأي نمو يبدو أنه حدث قبل عام 2000. وثالثها أنه لا يوجد نمط واضح لحصة المؤسسات الخاصة بحسب فئة دخل البلد.

وكثيراً ما تتألف الشريحة الأسرع نمواً من التوفير غير الحكومي من مقدّمين صغار هادفين للربح توسّعوا بسرعة استجابة لطلب عام غير ملبّى. ففي البرازيل، حيث كانت مؤسسات مسيحية أو علمانية نخبوية تقدّم تقليدياً التعليم العالي غير الحكومي، ظهرت مؤسسات أصغر في الستينيات لتلبية الطلب، ودعمتها لاحقاً المرونة التنظيمية. ولوحظت اتجاهات مماثلة أيضاً في أماكن أخرى من أمريكا اللاتينية. وفي أفريقيا جنوب الصحراء الناطقة بالإنجليزية، وبعد التأميم الذي أعقب الاستقلال، قادت المؤسسات الأصغر غير النخبوية معظم الزيادة في الالتحاق بالتعليم العالي. وكان نمو القطاع غير الحكومي في وسط أوروبا وشرقها نتيجة لسياسات مواتية للسوق في التسعينيات. وشوهد اتجاه مماثل في الهند بعد التراجع عن استراتيجيات التوسّع العام.

التوفير العام

وسّعت عدة بلدان التعليم العالي توسيعاً كبيراً مع الحفاظ على حصة مرتفعة للتوفير العام. ففي الأرجنتين، تجاوزت نسبة الالتحاق الإجمالية بالتعليم العالي 100% في عام 2022، مع استئثار المؤسسات العامة بنحو 75% من الالتحاق، وتمويل يأتي أساساً من مصادر حكومية. والجامعات العامة معفاة من الرسوم الدراسية، وتتلقى منحاً إجمالية بلغ مجموعها نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي في منتصف العقد الثاني من هذا القرن. وساعد إنشاء جامعات وطنية جديدة قرب بوينس آيرس وفي المناطق المحرومة من الخدمات على خفض العوائق الجغرافية والمالية أمام الطلاب ذوي الدخل المنخفض وطلاب الجيل الأول. وتعتمد استراتيجية الحكومة لتعزيز الإنصاف أساساً على التمويل العام للمؤسسات، وعلى برامج مساعدات طلابية موجّهة للفئات المحرومة، بدلاً من القروض واسعة النطاق أو التمويل السوقي. ورغم أن هذا النهج يتيح وصولاً واسعاً دون خصخصة، فقد تأثر بانخفاض معدلات الإتمام وتزايد الضغط المالي على الجامعات العامة.

ووسّعت الصين التعليم العالي بسرعة مع الإبقاء على نظامها عاماً إلى حدّ كبير. فبعد خطة العمل لتنشيط التعليم لعام 1998، ارتفعت نسبة الالتحاق الإجمالية بالتعليم العالي من 8% في عام 2000 إلى 72% في عام 2022. وانتقلت مسؤولية التوسّع إلى الحكومات المحلية، في حين ركّز التمويل المركزي على جامعات النخبة. وانخفضت حصة الحكومة المركزية من إجمالي الإنفاق العام على التعليم العالي من 60% في عام 1995 إلى 34% في عام 2016، وإن نما إجمالي الاستثمار العام من 92 إلى 179 مليار دولار أمريكي. وبدأ تقاسم التكاليف عبر الرسوم الدراسية المنظّمة في عام 1997، لكن الملكية العامة ظلت سائدة، ونمت المؤسسات الخاصة أساساً في المجالات المهنية. وأُدخل برنامج قوي للمساعدات المالية تقوده الدولة ووُسّع، فدعم نمو الالتحاق دون خصخصة كبيرة.

وفي إثيوبيا، نما عدد الجامعات العامة من ست جامعات في عام 1995 إلى 49 في عام 2018، في حين نما عدد الجامعات الخاصة المعتمدة من صفر إلى 128. وارتفع الالتحاق من 38 ألفاً في عام 1990 إلى 765 ألفاً في العام 2023/2024، 36% منهم في مؤسسات خاصة. ودعم التمويل العام المستدام هذا التوسّع. فرغم أن التعليم العالي لا يستوعب سوى نحو 3% من جميع الطلاب، فقد استأثر بنحو خُمسي إجمالي الإنفاق العام على التعليم خلال فترة التوسّع، بما يعكس استثماراً رأسمالياً كبيراً في جامعات عامة جديدة وإنفاقاً متكرراً مرتفعاً لكل طالب. ويُلزم إعلان التعليم العالي، الذي صودق عليه في عام 2003 وعُدّل في عام 2019، بأن تتلقى المؤسسات العامة تمويلاً اتحادياً أو إقليمياً عبر نظام منح إجمالية قائم على اتفاقيات الخطط الاستراتيجية.

وقد أعلنت الحكومة نيتها وقف إنشاء جامعات عامة جديدة. وللخيارات المتاحة، كتوسيع الجامعات القائمة أو استخدام التعليم عن بُعد أو الاعتماد على المقدّمين الخاصين، حدودها. فالجامعات العامة تعمل بكامل طاقتها، والتعليم الإلكتروني غير متطوّر بما يكفي، والمؤسسات الخاصة تواجه مشكلات في الجودة والتنظيم. ورغم خطط لأن تجمع الجامعات العامة إيراداتها الخاصة بما يعادل 15% من ميزانياتها، انخفضت هذه الحصة إلى 4% في العام 2020/2021.

وتواجه حكومات كثيرة ساعية إلى توسيع التعليم العالي تحديات مالية، ولا سيما أن الإنفاق العام على التعليم العالي كحصة من الناتج المحلي الإجمالي ظل ثابتاً عموماً أو انخفض منذ عام 2015. فقد انخفض بما يتراوح بين 0.3 و0.5 نقطة مئوية في البرازيل والمكسيك وتركيا، وإن ارتفع بالمقدار نفسه في باكستان والفلبين وجنوب أفريقيا.

وكثيراً ما تركّز آليات الحوكمة العامة على التوسّع بطريقة منصفة. فقد وسّعت المملكة العربية السعودية التعليم العالي بسرعة عبر نهج تقوده الدولة وتموّله من المال العام ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأولويات الوطنية. فقد بلغ الإنفاق الحكومي على التعليم 17% من إجمالي الإنفاق بحلول عام 2023، ذهب 42% منه إلى التعليم العالي والتدريب التقني. وتستوعب المؤسسات العامة نحو 93% من الطلاب، وهي من أعلى النسب في العالم. ويعرّف نظام الجامعات لعام 2020 الجامعات بأنها كيانات عامة غير ربحية. ورغم نمو المؤسسات الخاصة والأجنبية منذ أواخر التسعينيات، فإنها تكمّل القطاع العام ولا تحل محله.

غير أن إنشاء آليات ذات نوايا واضحة نادراً ما يكون كافياً. ففي باكستان، أُنشئت لجنة التعليم العالي في عام 2002 لتعزيز التمويل، وزيادة الفرص للفئات المحرومة من الخدمات، وتحسين الحوكمة، ورفع الجودة التعليمية. وبُذلت جهود لتوسيع الوصول وتعزيز التحاق الإناث: فقد تحسّن مؤشر التكافؤ بين الجنسين من 78 شابة لكل مائة شاب ملتحقين بالتعليم العالي في عام 2004 إلى 99 في عام 2020. لكن التقدّم أفاد في معظمه المناطق الحضرية الغنية.

ومن التدخلات العامة المهمة في بلدان منها دولة بوليفيا المتعددة القوميات وكوبا والصين والمكسيك ونيوزيلندا ونيكاراغوا والولايات المتحدة إنشاءُ مؤسسات للتعليم العالي تعزّز بيئات تعلّم متسقة مع التقاليد الثقافية للشعوب الأصلية. ففي دولة بوليفيا المتعددة القوميات، أُنشئت ثلاث جامعات للشعوب الأصلية بمرسوم رئاسي صادر في عام 2008، تمثّل كل منها إحدى المجموعات اللغوية والثقافية الرئيسية للشعوب الأصلية في البلد، وتتيح كل منها أن تعكس أساليب التدريس والمناهج احتياجات هذه المجموعات. وموّلتها الحكومة عبر الضريبة المباشرة على المحروقات. وفي المكسيك، أعطت الحكومة الاتحادية منذ مطلع الألفية الأولوية للتعليم متعدد الثقافات وثنائي اللغة. وشكّلت مؤسسات جديدة للتعليم العالي، أُنشئت في المناطق الرئيسية التي تقطنها الشعوب الأصلية، الرابطة الوطنية للجامعات متعددة الثقافات. وعلى خلاف بلدان أخرى في أمريكا اللاتينية، كالإكوادور ونيكاراغوا، حيث كثيراً ما تنشئ منظمات الشعوب الأصلية جامعاتها الخاصة، أُبرمت في المكسيك اتفاقات بين حكومات الولايات والحكومة الاتحادية عبر التنسيق العام للتعليم متعدد الثقافات وثنائي اللغة. وبوصفها مؤسسات عامة للتعليم العالي، تتبع هذه الجامعات اللوائح والمعايير الأكاديمية والإجراءات الإدارية نفسها التي تتبعها الجامعات العادية، وتشرف عليها أساساً وزارة التعليم العام، وإن وُجدت بعض المشاركة غير الحكومية. وبحلول عام 2016، كان أكثر من مائة ألف طالب قد التحقوا بهذه الجامعات. ويوجد حالياً عشر مؤسسات متعددة الثقافات ومؤسسة واحدة للتعليم العالي انضمت إلى شبكتها.

التوفير الخاص

كان دور المقدّمين الخاصين مهماً في بلدان كثيرة وسّعت التعليم العالي، لكن ليس في جميع البلدان. وحتى حيث نمت المؤسسات الخاصة، كان ارتباطها بنسبة الالتحاق الإجمالية بالتعليم العالي ضعيفاً إجمالاً، وإن كان أقوى في البلدان ذات الالتحاق المرتفع بالتعليم الثانوي ومعدلات التحضّر المرتفعة، وكذلك في بعض المناطق كوسط أوروبا وشرقها. وعلى المستوى العالمي، لم تزد حصة المؤسسات الخاصة زيادة كبيرة بين عامَي 2010 و2020، وتظل، كما ذُكر أعلاه، عند 35%.

ففي شيلي، توسّع التعليم العالي بسرعة بعد إصلاحات عام 1981، التي فتحت القطاع أمام الجامعات الخاصة مع تقليص التوفير العام المباشر. ونمت نسبة الالتحاق الإجمالية من 8% في عام 1980 إلى 53% في عام 2015، مع استئثار المؤسسات الخاصة بنسبة 85% من إجمالي الالتحاق. ودعم الخصخصةَ أيضاً إدخالُ القرض الطلابي المضمون من الدولة في عام 2006. ويغطي برنامج المجانية الموجّه للطلاب ذوي الدخل المنخفض، الذي أُدخل في عام 2016، الأسرَ في أدنى 60% من توزيع الدخل، متحوّلاً من القروض إلى التمويل العام لتعزيز الإنصاف. وبحلول عام 2023، كانت 53% من المؤسسات و38% من الملتحقين جزءاً من البرنامج.

وفي تونس، اعترف قانون التعليم العالي الخاص لعام 2000 بالمؤسسات الخاصة للمرة الأولى، على خلفية نمو سريع في الطلب على التعليم العالي وتأثيرات خارجية، كقرض التكيّف للقدرة التنافسية الاقتصادية من البنك الدولي بقيمة 75 مليون دولار أمريكي، الذي شجّع مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد، بما في ذلك في التعليم العالي. وارتفع الالتحاق بنسبة 70% منذ عام 2000، حين لم يكن هناك أي طلاب في المؤسسات الخاصة. وبحلول عام 2023، ارتفعت تلك الحصة إلى 15%. ويُستبعد طلاب المؤسسات الخاصة من المنح والسكن المدعوم. ويمثّل الطلاب الأجانب، ومعظمهم من أفريقيا جنوب الصحراء، 14% من الالتحاق بالمؤسسات الخاصة، مقارنة بنسبة 1% فقط في المؤسسات العامة.

وتحتاج الحكومات إلى جعل التوفير الخاص خياراً موثوقاً، وإلى حماية الطلاب، ولا سيما من الخلفيات المحرومة، من المؤسسات منخفضة الجودة. فمع إعطاء الجامعات الأولوية لطلب السوق على أهداف التنمية الوطنية، تُثار مخاوف من احتمال تسليع التعليم وتراجع المعايير الأكاديمية. وقد دفع هذا القلق صانعي السياسات إلى وضع معايير للجودة وإنشاء هيئات لضمان الجودة. وبحلول عام 2024، كان 87% من البلدان قد أنشأ هيئة وطنية لضمان الجودة. وقد أفضت نظم ضمان الجودة ذات المعايير الدنيا والإبلاغ العام ودعم التحسين المؤسسي، في سياقات معيّنة، إلى نواتج أفضل.

ففي شيلي، لم يُقدَّم الإعفاء من الرسوم الدراسية إلا في عدد قليل من الجامعات الخاصة المعتمدة، مع ربط أهلية الطلاب بدخل الأسرة. وفي إندونيسيا، حيث يقع نحو نصف الالتحاق بالتعليم العالي في المؤسسات الخاصة، أدى الإجراء التنظيمي لإنفاذ معايير الجودة ومكافحة الاحتيال، كالفصول الوهمية وبيع الشهادات وإساءة استخدام أموال المنح العامة، إلى إلغاء عشرات التراخيص. ولأن إغلاق المؤسسات له تكاليف اجتماعية، أُوصي بتشديد الترخيص ودمج المؤسسات الصغيرة وتجميد الموافقة على جامعات خاصة جديدة. وفي ليبيا، أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في عام 2021 أنه لن يُسمح إلا لعشر مؤسسات من أصل 74 مؤسسة خاصة للتعليم العالي بقبول طلاب جدد. وفي توغو، حيث نما عدد المؤسسات الخاصة من أربع مؤسسات في عام 1996 إلى 93 في عام 2025، أنشأت الحكومة هيئة وطنية للاعتماد وترخيصاً قائماً على الأداء، مما قلّص المؤسسات غير المعتمدة بمقدار الثلث.

ولم يعمل الاعتماد دائماً بسلاسة. ففي بوتسوانا، يقوم نظام ضمان الجودة على أسس متينة لكنه يعاني لمواكبة التحديات الناشئة عن طائفة واسعة من أنماط التقديم، وسيستفيد من عمليات أقوى لضمان الجودة الداخلي. وفي غواتيمالا، تمنح الجامعة العامة الرئيسية التراخيص للمقدّمين غير الحكوميين وتشرف عليهم، مما قد يولّد تضارباً في المصالح. والاعتماد طوعي للمؤسسات غير الحكومية في الهند والمكسيك.

والتمويل معضلة أخرى. فمنذ منتصف التسعينيات، تشجّع كينيا مؤسسات التعليم العالي العامة والخاصة على التنافس فيما بينها. وميّزت الجامعات العامة معايير القبول بين الطلاب الذين تكفلهم الحكومة، بمعايير أعلى، والطلاب ذوي الكفالة الخاصة، بمعايير أدنى. ويدفع الأخيرون رسوماً دراسية كاملة أو رسوماً معتدلة إذا دعمتهم قروض حكومية. وفي الوقت نفسه، تسترد الجامعات تكاليف السكن والإقامة وتوسّع مصادر دخلها. وبحلول عام 2005، تجاوز الالتحاق بالكفالة الخاصة الالتحاق بالكفالة الحكومية. وفي عام 2016، بدأت الحكومة دفع 80% من الرسوم الدراسية في الجامعات الخاصة. وقد أثار هذا التمويل مخاوف بشأن الاستدامة، في الوقت الذي تطالب فيه الجامعات الخاصة بمتأخرات قدرها 362 مليون دولار أمريكي. وفي الوقت ذاته، تظل العوائق المالية قائمة أمام الطلاب ذوي الدخل المنخفض لأن الدعم المالي العام محدود وآلية اختبار الدخل غير فعّالة.

تنويع التوفير

من السياسات الأخرى لتوسيع التعليم العالي تنويع التوفير التعليمي، من حيث أنواع المؤسسات وأنماط التقديم، بما في ذلك التعليم المفتوح وعن بُعد، والمقررات قصيرة الدورة، والبرامج ذات التوجّه المهني، والمسارات المرنة. ويساعد هذا التمايز على تكييف التوفير مع احتياجات كثيرين، ومنهم الفئات المحرومة. وفي الوقت نفسه، ثمة مخاوف من أن يسهم التنويع في التقسيم الطبقي للنظام وترسيخ عدم المساواة.

وتزيد المنظومة المتنوعة، التي تضم الجامعات والمعاهد التقنية وكليات العلوم التطبيقية وغيرها من المؤسسات، المرونةَ والقدرة على التكيّف مع الاحتياجات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية المتغيرة. ففي البرازيل، أتاح توسيع نظام متنوع للتعليم العالي، يشمل الجامعات الاتحادية والمعاهد الاتحادية للتعليم والعلوم والتكنولوجيا والبرامج التقنية قصيرة الدورة والتعليم عن بُعد، نمواً سريعاً في الالتحاق بتوفير نقاط دخول متعددة للبالغين العاملين وطلاب الجيل الأول والمتعلمين في المناطق غير الحضرية الكبرى. وفي الهند، أُنشئت مؤسسات تقنية ومهنية للطبقات المصنّفة والقبائل الريفية، في حين حسّنت أنماط التعليم عن بُعد الوصول إلى التعليم العالي عبر الجامعات المفتوحة والكليات المسائية ومقررات المراسلة والبرامج بدوام جزئي، مما أدى إلى زيادة الالتحاق.

وقد أسهم التعليم المفتوح وعن بُعد إسهاماً كبيراً في الوصول إلى التعليم العالي. فالتحاق الطلاب بأكبر الجامعات المفتوحة في العالم، في الصين بنحو 4.6 مليون، والهند بنحو 3.1 مليون، وإندونيسيا بنحو 0.8 مليون، ونيجيريا بنحو 0.5 مليون، وباكستان بنحو مليون، وتركيا بنحو مليون، يمثّل 4% من إجمالي الالتحاق بالتعليم العالي. وفي منطقة البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، أنماط التعليم عن بُعد حاسمة. فالحرم المفتوح لجامعة جزر الهند الغربية يضم 23 ألف طالب من إجمالي عدد طلاب في بلدانها وأقاليمها السبعة عشر لا يتجاوز 150 ألفاً. وأكثر من نصف الطلاب الثلاثين ألفاً الملتحقين حالياً بجامعة جنوب المحيط الهادئ يدرسون خارج حرمها الرئيسي، وكثير منهم إلكترونياً أو بأنماط تقديم مرنة أخرى. وتبيّن أن التعلّم عن بُعد يزيد المشاركة في التعليم العالي في الولايات المتحدة، وهو أثر ازداد بمقدار الخُمس نتيجة لجائحة كوفيد 19.

وكثيراً ما تكون المؤسسات الخاصة في طليعة التعلّم المفتوح وعن بُعد. ففي البرازيل، ارتفع عدد هذه المقررات من عشرة مقررات في عام 2000 إلى 10,500 في عام 2023. ونصف طلاب التعليم العالي يستخدمون أنماط التعليم عن بُعد، و97% من هؤلاء في مؤسسات خاصة. وفي إثيوبيا وكينيا ونيجيريا، سدّت المؤسسات الخاصة الثغرات بتقديم برامج مسائية أو برامج عن بُعد ومقررات مهنية قصيرة لم تستطع النظم العامة توفيرها.

وقد أتاحت التكنولوجيا الرقمية فرصاً هائلة للتوسّع، لكن من الصعب تجاوز الفوارق في سعة الإنترنت والوصول إلى الأجهزة والإلمام الرقمي. ولضمان الشمول، يجب على الحكومات الاستثمار في البنية التحتية الرقمية ودعم الوصول إلى الإنترنت. ففي الهند، تُقدَّم مقررات إلكترونية مفتوحة واسعة النطاق مجانية، معترف بها لاحتساب الساعات المعتمدة، عبر البوابة الحكومية «سوايام» للتعلّم الإلكتروني وعبر الجامعة الرقمية الوطنية. وهي أمثلة جيدة على كيفية توسيع الموارد الرقمية العامة لنطاق الوصول مع الحفاظ على المعايير.

وتقدّم برامج التعليم العالي قصيرة الدورة، المعروفة بالمستوى 5 من التصنيف الدولي الموحد للتعليم، بديلاً تطبيقياً للمسارات الجامعية الأكاديمية متسقاً مع سوق العمل. وفي البيانات العالمية ثغرات، لكن الأدلة من نحو مائة بلد توحي بأن حصة المستوى 5 من إجمالي الالتحاق بالتعليم العالي ظلت عند نحو 15% مع ميل ضعيف إلى الانخفاض. غير أنها ترتفع في أوروبا الشرقية والقوقاز وآسيا الوسطى منذ عام 2010. فضلاً عن ذلك، تظل حصة مهمة وثابتة من الالتحاق في عدة بلدان منها الصين وكوت ديفوار والولايات المتحدة، ونمت في بلدان مثل كولومبيا وإسبانيا وتركيا.

والبرامج قصيرة الدورة ذات توجّه مهني في الغالب، وإن لم يكن ذلك دائماً. ففي الصين، نما الالتحاق بالتعليم ما بعد الثانوي بوتيرة أسرع في المؤسسات المهنية منه في المؤسسات العامة في المقاطعات الغربية كقانسو وقويتشو ويونان. وينتقل أكثر من نصف خريجي المدارس الثانوية المهنية إلى برامج التعليم العالي قصيرة الدورة الممتدة ثلاث سنوات أو إلى الدراسة الجامعية لمواصلة التعليم. وفي ألمانيا، يمكن لخريجي نظام التعليم والتدريب المهني المزدوج، الذي يجمع بين التدريب في المدرسة والتلمذة المهنية، الالتحاق بمؤسسات مهنية لما بعد الثانوي كالمدارس التقنية أو الأكاديميات المهنية لمتابعة دراسات عليا في العلوم التطبيقية. وقد ساعد هذا المسار بين التعليم المهني والتعليم العالي على تيسير انتقال الشباب المحرومين إلى التعليم العالي.

ويجب تفسير اتجاهات المشاركة في المستوى 5 بحذر. فتطبيق نسخة عام 2011 من التصنيف الدولي الموحد للتعليم أدى إلى إعادة تصنيف كثير من البرامج في أوروبا، مما أسفر عن بعض التحولات المفاجئة في الالتحاق المبلَّغ عنه بعد اعتمادها في عام 2013. ففي ألمانيا، تجاوز الالتحاق بالمستوى 5 ثلاثمائة ألف طالب في عام 2002، وهو آخر عام متاح وفق التصنيف السابق، لكنه انخفض إلى نحو 11 ألفاً في عام 2023. ويعكس هذا الانخفاض الحاد إعادة تصنيف البرامج، إذ أُعيد إسناد بعضها إلى التعليم ما بعد الثانوي غير العالي، أي المستوى 4، ومنها برامج مدارس القطاع الصحي الممتدة سنتين وثلاث سنوات، وأُعيد تصنيف بعضها الآخر، ومنها الأكاديميات المهنية وبعض برامج المدارس التقنية، بوصفها برامج بكالوريوس أو ما يعادلها، أي المستوى 6.

والتعليم المهني ما بعد الثانوي طريق محتمل آخر، وإن كان غير مباشر أحياناً، إلى التعليم العالي. وتتوقف فعاليته في توسيع الالتحاق بالتعليم العالي على جودة التدريب وملاءمته، والمسارات المرنة التي تربط الشقين المهني والأكاديمي، والاعتراف. ويمكن للتعليم المهني ما بعد الثانوي أن يجتذب الطلاب الممثّلين تمثيلاً ناقصاً في المسارات الأكاديمية، كخريجي المدارس المهنية. فقد أدخلت النمسا وسويسرا شهادة التخرج من المدرسة الثانوية المهنية، مما زاد التحاق طلاب المسار المهني بجامعات العلوم التطبيقية. وفي هولندا، كان المسار بين التعليم الثانوي المهني وجامعات العلوم التطبيقية مهماً، بما في ذلك للبالغين ذوي الخبرة العملية السابقة. وتغيّر مرونة القبول ونظام الوحدات الدراسية والمسارات الجديدة تصوّر التعليم والتدريب المهني. ففي الاتحاد الأوروبي، كان 71% من طلاب التعليم والتدريب المهني في برامج تمنح وصولاً مباشراً إلى التعليم العالي في عام 2021، وواصل 40% من خريجيه دراساتهم. ويدعم التوجيه والتحقق من التعلّم غير النظامي مزيداً من التكامل. وفي جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية، الساعات المعتمدة والشهادات قابلة للنقل، مما يتيح لخريجي المدارس الثانوية المهنية متابعة شهادات في العلوم والهندسة.

ويوفّر التعليم المهني ما بعد الثانوي أيضاً بيئة تعلّم تطبيقية تبني الثقة وتقدّم مهارات تقنية للطلاب ذوي هذه الخلفية. ففي الأرجنتين، ربط برنامج «نيكسوس» وخلفه برنامج «سيغيموس إستودياندو» أي «نواصل الدراسة» الجامعاتِ بمعاهد التعليم العالي غير الجامعية، مما يسّر انتقال الطلاب طوعاً وتغيير المقررات والتبادل بين الجامعات، معزّزاً المرونة في إطار النظام الوطني للاعتراف الأكاديمي. وفي أستراليا، حسّنت المسارات المهنية المشاركة بتوفير نقاط دخول إلى التعليم العالي. وفي كندا، شكّلت البرامج ما بعد الثانوية غير العالية في الكليات نقاط انطلاق للبالغين والشباب الذين يمكنهم لاحقاً الانتقال إلى الدراسات الجامعية، ولا سيما في المقاطعات ذات اتفاقيات التوافق القوية بين المؤسسات التي تعترف بهذا التعلّم.

وتدويل التعليم العالي لعبة محصلتها صفر، إذ إن ارتفاع الالتحاق في البلد المستقبل يعني انخفاض الالتحاق في بلد المنشأ، لكنه يساعد على تفسير اختلاف معدلات التوسّع بين البلدان. فعلى المستوى العالمي، يمثّل الطلاب الدوليون المتنقلون نحو 3% من الالتحاق بالتعليم العالي، لكن حصتهم أعلى بكثير في عدة نظم، ولا سيما في أوروبا وأوقيانوسيا وبلدان الخليج. وبين عامَي 2001 و2023، تضاعفت حصة الطلاب الدوليين من 21% إلى 41% في قطر، ومن 11% إلى 23% في المملكة المتحدة. وفي كندا، ارتفعت من 3% إلى 21%. وبينما تخفّض بعض البلدان، ومنها أستراليا والولايات المتحدة، أعداد الطلاب الأجانب، وضعت بلدان أخرى سياسات مقصودة لاجتذابهم. ففي عام 2025، أعلنت نيوزيلندا سياسة لمضاعفة عدد الطلاب الأجانب بحلول عام 2034. وجعلت تركيا التدويل أولوية استراتيجية في استراتيجيتها للتعليم العالي، ساعيةً إلى زيادة عدد الطلاب الدوليين من 350 ألفاً في عام 2024 إلى أكثر من 500 ألف في عام 2028، ومن ثمّ زيادة حصتها من إجمالي الطلاب الدوليين في العالم إلى 6.25%.

وأخيراً، تمثّل الشهادات العليا في التعليم العالي مساراً آخر لتوسيعه، ولا سيما في البلدان مرتفعة الدخل. فإلى جانب البرامج قصيرة الدورة وبرامج البكالوريوس، تقدّم بعض النظم شهادات أولى طويلة على مستوى الماجستير بوصفها نقطة دخول إلى التعليم العالي. وتستغرق هذه البرامج عادة خمس سنوات على الأقل، وتقدّم تدريباً أكاديمياً أو مهنياً متقدماً في مجالات كالطب والقانون والهندسة. وفي فرنسا والسويد، تستأثر هذه البرامج بنحو 18% من إجمالي الالتحاق بالتعليم العالي. وعلى المستوى العالمي، يلتحق معظم طلاب التعليم العالي ببرامج قصيرة الدورة أو ببرامج على مستوى البكالوريوس. غير أنه في كثير من البلدان الأوروبية التي تتوافر عنها بيانات، يلتحق أكثر من 20% من طلاب التعليم العالي ببرامج الماجستير والدكتوراه، وتقترب الحصص من 40% في النمسا وتشيكيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وسلوفاكيا. وتعكس هذه النسب المرتفعة جزئياً الإصلاحات البنيوية في إطار عملية بولونيا، التي وحّدت هياكل الشهادات في أنحاء أوروبا واستبدلت البرامج الأطول ذات الحلقة الواحدة بنظام من ثلاث حلقات، هي البكالوريوس والماجستير والدكتوراه. وحصة طلاب الماجستير من إجمالي الالتحاق مرتفعة أيضاً في الجزائر وتونس، حيث ارتفعت في العقد الثاني من هذا القرن لتبلغ 37% في عام 2021.

جعل المسارات مرنة

كما توحي الأمثلة الموصوفة في هذا الفصل، لا يكفي تنويع التوفير. فمن المهم أيضاً إزالة العقبات أمام الشباب والبالغين من جميع الأعمار للوصول إلى التعليم ما بعد الثانوي. فمثلاً، أوصى الاتفاق الأسترالي للجامعات لعام 2024 برفع حصة من هم في سن 25 إلى 34 الحاصلين على تعليم جامعي إلى 55% بحلول عام 2050، وأن تبلغ بينهم حصة الحاصلين على مؤهلات مهنية أو تقنية 40%. ويقرّ الاتفاق بأن وصول الطلاب من الربع الأدنى من حيث الخلفية الاجتماعية الاقتصادية، الذي يبلغ حالياً 17% من إجمالي الالتحاق بالتعليم العالي، يجب أن يرتفع لتحقيق هذه الأهداف، بما في ذلك عبر نظام موحّد للتعليم العالي يجمع التعليم والتدريب المهني والجامعات، وجواز وطني للمهارات، وتحسين نقل الساعات المعتمدة، والاعتراف بالتعلّم السابق، والخيارات النمطية أو الشهادات المصغّرة.

ومن مفاتيح الانتقال الفعّال أطرُ مؤهلات حسنة التصميم توحّد التعليم عبر أنواع مقدّميه ومستوياتهم وتيسّر نقل الساعات المعتمدة. ففي بوتان، يتيح إطار المؤهلات لعام 2012 نقل الساعات المعتمدة ويعترف بالتعلّم النظامي وغير النظامي والعرضي. ودعت خطة عمل التعليم المهني في الصين للفترة 2020 إلى 2023 إلى إطار وطني للمؤهلات، و«بنك للساعات المعتمدة» في التعليم المهني، و«حسابات ساعات معتمدة» شخصية لتوثيق الإنجازات. وتقترح الخطة أيضاً آليات لتحويل الخبرة السابقة إلى ساعات معتمدة في المقررات، وتدعم نظام الجامعة المفتوحة للتعلّم مدى الحياة، وتشجّع الكليات المهنية على تعزيز قدرتها التدريبية، ولا سيما في البرامج غير المانحة للشهادات والمقررات القصيرة.

ومفهوم الاعتراف بالتعلّم السابق محوري في النقاشات حول كيفية إضفاء الطابع الديمقراطي على الوصول إلى التعليم العالي ومنع التنويع من أن يفضي إلى التقسيم الطبقي. فهو يهدف إلى مساعدة البالغين الذين لا يملكون المؤهلات النظامية المطلوبة على الوصول إلى التعليم العالي، وإلى تقليص الوقت اللازم للحصول على مؤهل ومن ثمّ تكلفته. ففي ماليزيا، يتيح نظام اعتماد التعلّم التجريبي السابق للبالغين الذين لا يملكون مؤهلات تقليدية، ومنهم خريجو التعليم المهني ما بعد الثانوي، القبولَ في برامج الدبلوم والشهادات الجامعية. لكن في بنغلاديش وجنوب أفريقيا، حدّت آليات نقل الساعات المعتمدة الضعيفة والتراتبيات القوية بين الأكاديمي والمهني من الانتقال.

ويمكن استخدام الاعتراف بالتعلّم السابق لمساعدة الطلاب على الوصول إلى التعليم العالي، أو الحصول على ساعات معتمدة، بل حتى الحصول على شهادة كاملة في التعليم العالي. غير أنه لم يصبح بعد عاملاً حاسماً في تحسين المشاركة في التعليم العالي، حتى في أوروبا، حيث اتخذت بلدان كثيرة خطوات لإنشاء نظم يمكن للبالغين عبرها التحقق من المهارات المكتسبة خارج التعليم النظامي. وتبني هذه الجهود على الإطار الأوروبي للمؤهلات لعام 2008، والنظام الأوروبي للساعات المعتمدة للتعليم المهني لعام 2009، وتوصية التحقق من التعلّم غير النظامي والعرضي لعام 2012، ومبادرة مسارات رفع المهارات لعام 2016. وكان نحو 10% من الطلاب في 25 بلداً أوروبياً قد وصلوا إلى التعليم العالي عبر طريق غير معتاد، وإن كان ذلك في الغالب طريقاً متأخراً لا طريقاً بديلاً حقاً. وكان لدى واحد من كل اثنين ممن وصلوا إلى التعليم العالي عبر طريق غير معتاد خبرة عمل سابقة منتظمة، مقارنة بواحد فقط من كل خمسة ممن استخدموا الطريق المعتاد. ويوحي ذلك بالإمكانات الكبيرة للاعتراف بالتعلّم السابق، لكن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب تجاوز عقبة العمليات المكلفة والكثيفة العمالة.

ونظام بنك الساعات المعتمدة الأكاديمية في جمهورية كوريا، العامل تحت إشراف وزارة التعليم، نظامٌ لتجميع الساعات المعتمدة والاعتراف بها، يتيح للمتعلمين الجمع بين ساعات معتمدة من مصادر متنوعة، كالجامعات ومؤسسات التدريب المعتمدة والتعلّم السابق المعترف به، للحصول على شهادات معتمدة رسمياً. وبإضفاء الطابع المؤسسي على الاعتراف بالتعلّم السابق ومسارات الساعات المعتمدة المرنة، يدعم النظام مشاركة البالغين في التعليم العالي ويحسّن الروابط بين المسارين المهني والأكاديمي.

ويمكن تعريف الشهادات المصغّرة بأنها سجل لإنجاز تعليمي في مقررات مستقلة قصيرة المدة يكون «إضافياً أو بديلاً أو مكمّلاً للمؤهلات النظامية أو مكوّناً منها»، و«يتضمن تقييماً قائماً على معايير محددة بوضوح ويمنحه مقدّم موثوق». ولأن مقدّميها قد يكونون أو لا يكونون مسجّلين بوصفهم مؤسسات للتعليم العالي، لا تُحتسب الشهادات المصغّرة في الإحصاءات الدولية للتعليم العالي. وأثرها المحتمل في المشاركة في التعليم العالي ملتبس. فقد يكون معدوماً إذا لم يُنظر إليها بوصفها خطوات نحو مؤهل في التعليم العالي، حتى وإن لبّت طلب المتعلمين على المرونة. لكنه قد يكون إيجابياً إذا دُمجت في الأطر الوطنية للمؤهلات، كما فعلت أستراليا وماليزيا، وإذا نُظر إليها بوصفها مكمّلة للشهادات النظامية.

تعديل معايير الاختيار

تشكّل اللوائح من يدخل مؤسسات التعليم العالي، ويمكن أن يكون لها أثر كبير في سرعة توسّع نظام التعليم العالي وفي ما إذا كان يفعل ذلك بإنصاف، بما يقلّل العوائق أمام الفئات السكانية المحرومة.

إجراءات القبول

تؤثر خصائص الامتحانات الوطنية لإتمام المدرسة وامتحانات القبول الجامعي، وكذلك الآلية التي يختار بها المرشحون المقررات ويُوزَّعون عليها، في وتيرة توسّع التعليم العالي ومدى إنصافه. ويميل التركيز على الامتحانات التنافسية بدلاً من المعايير الأوسع إلى الإضرار بالفئات المهمشة. فحين انخفض الالتحاق بالتعليم والتدريب المهني في فيتنام، استجابت الحكومة باستراتيجية تطوير التعليم والتدريب المهني للفترة 2021 إلى 2030 وتدابير لتيسير الانتقال بين المراحل التعليمية، منها إلغاء اشتراط امتحان المدرسة الثانوية الوطني لدخول الكليات. وخلال جائحة كوفيد 19، شهدت الجامعات التي خففت متطلبات التقديم أو علّقت اختبارات القبول تقدّم مزيد من الطلاب الريفيين وطلاب الجيل الأول.

وإجراءات القبول أداة رئيسية لتوسيع التعليم العالي، ولا سيما عبر تغييرات في معايير الأهلية غير الاختيار التنافسي. وقد حدث تحوّل نحو نماذج قبول قائمة على الأهلية أو مختلطة، يمنح فيها إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي حق التقديم، وتكون قواعد القبول موحّدة وشفافة. ومع ذلك، يظل دخول التعليم العالي متأثراً بقوة بالسجلات الأكاديمية والخلفية الاجتماعية والجنس. فالمتفوقون يلتحقون بالبرامج الأكثر انتقائية، ويحدث الفصل في الغالب بين أنواع المؤسسات لا عبر الاختيار. ففي فرنسا، غيّرت منصة القبول في التعليم العالي «باركورسوب» التي أُدخلت في عام 2018 ممارسات الترتيب، لكنها لم تغيّر تغييراً كبيراً الفصل الأكاديمي أو الاجتماعي أو القائم على الجنس إجمالاً، الذي نتج إلى حدّ كبير عن تفضيلات المتقدمين. وفي الدول الإسكندنافية، تقترن الأهلية الواسعة عبر مؤهلات المرحلة العليا من التعليم الثانوي بمطابقة مركزية للبرامج التي يفوق الطلب عليها المقاعد المتاحة، إذ تحاول الحكومات تحقيق أهداف متنافسة.

وفي عام 2010، أطلقت البرازيل نظام الاختيار الموحّد، وهو نظام قبول مركزي إلكتروني يستخدم درجات الامتحان الوطني للمؤسسات الاتحادية ومؤسسات الولايات، بهدف جعل الوصول إلى التعليم العالي أكثر ديمقراطية. غير أنه رغم رفعه متوسط عدد الطلبات، كان من نواتجه غير المقصودة أنه زاد أيضاً معدل قبول طلاب المدارس الخاصة من ولايات أخرى بخمس نقاط مئوية.

وفي البرتغال، خفّض مرسوم بقانون صادر في عام 2006 سن دخول الطلاب البالغين إلى 23 عاماً، وأتاح لمؤسسات التعليم العالي وضع امتحانات القبول وتوسيع نطاق التعلّم السابق المعترف به. وأدى الإصلاح في البداية إلى ارتفاع قبول الطلاب البالغين عشرين ضعفاً، ومعظمه في المعاهد متعددة التقنيات الخاصة الحريصة على توسيع التحاقها، لا في الجامعات العامة الأكثر انتقائية. وفي نهاية المطاف، انخفضت حصة الطلاب البالغين من 15% في العام 2006/2007 إلى 8% في العام 2012/2013، لكن عددهم المطلق ظل أعلى بكثير مما كان عليه قبل الإصلاح.

العمل الإيجابي

يمكن للعمل الإيجابي والحصص أن يساعدا على تصحيح التمييز القائم منذ زمن طويل والمتأصل في نظم امتحانات التعليم العالي التقليدية، وأن يوسّعا التحاق الطلاب المستهدفين. فمثلاً، تحجز سياسة القبول الجامعي الخاص في الصين مقاعد في الكليات الرئيسية للطلاب من المناطق الريفية الفقيرة. وتُظهر بيانات دراسة لوحة الأسرة الصينية أن هذه السياسة رفعت التحصيل التعليمي: فالأفراد المستحقون يحصلون في المتوسط على 0.55 سنة إضافية من التعليم، مع ارتفاع ارتياد الكليات ذات البرامج الممتدة أربع سنوات بمقدار 8.4 نقاط مئوية.

وكان قد قُدّر سابقاً أن بلداً واحداً من كل أربعة بلدان لديه شكل من أشكال العمل الإيجابي في القبول، على الأقل في المؤسسات العامة والممولة من المال العام، كالحصص الموجّهة المقترنة بآليات قانونية وتمويلية. ويُظهر تحديث أُعدّ لهذا التقرير، ويُعرض في ملفات التعليم الوطنية لمراجعة السياسات، أن 32% من البلدان تتضمن قوانينها وسياساتها معايير قبول محددة للفئات المحرومة، بنسب تتراوح بين 6% في أوقيانوسيا و21% في أفريقيا جنوب الصحراء، و35% في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي و46% في آسيا الوسطى والجنوبية.

ففي الإكوادور، حددت خطة القضاء على التمييز العنصري والإقصاء العرقي لعام 2009 حصة قدرها 10% للقبول في التعليم الثانوي والعالي للإكوادوريين المنحدرين من أصل أفريقي والشعوب الأصلية وشعب المونتوبيو، وهم فئة من المستيزو. وتمنح الجامعات في أوغندا والبر الرئيسي لتنزانيا نقاطاً إضافية في القبول للمتقدمات من الإناث. وفي النمسا، هدفت الاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي لعام 2017 إلى رفع مشاركة الطلاب من الجيل الثاني من المهاجرين من 22% إلى 30%، ورفع معدلات القبول في التعليم العالي إلى 42%. وتقدّم جورجيا قبولاً مكيّفاً للطلاب من المدارس الثانوية الناطقة بالأرمينية والأذربيجانية لغةً أماً. وفي باكستان، حددت اللوائح الحكومية وقانون الإعاقة لعام 2014، المعدّل في عام 2021، حصص قبول للطلاب ذوي الإعاقة. وفي إندونيسيا، ألزم قانون التعليم العالي لعام 2012 الجامعات العامة بحجز 20% من المقاعد للطلاب المتميزين من المناطق المحرومة أو النائية، وأُطلق برنامج التأكيد في التعليم العالي، الذي خفّض معايير القبول للطلاب من المقاطعات الست في غرب غينيا الجديدة ومن المناطق الأقل نمواً والحدودية والأبعد.

ووجدت مراجعة منهجية شملت سياسات العمل الإيجابي في أنحاء العالم وعبر القطاعات، ومنها التعليم، أن ثلثي نحو مائتي دراسة في 27 بلداً خلصت إلى أن النتيجة كانت إيجابية للفئات المستهدفة. وأشارت المراجعة أيضاً إلى بضع دراسات نظرت في أثر هذه التدابير في الفئات غير المستهدفة وغير المهمشة، وهو أثر يميل إلى أن يكون سلبياً، وإن لم يكن واضحاً ما إذا كان ذلك بالقيم النسبية، كما هو متوقع، أم بالقيم المطلقة أيضاً، أي بتقليص وصولها إلى التعليم.

وفي البرازيل، يُلزم قانون صادر في عام 2012 بشأن الحصص مؤسسات التعليم العالي العامة الاتحادية، التي تستأثر بنحو 14% من إجمالي الالتحاق بالتعليم العالي، مع العلم بأن عدة مؤسسات عامة على مستوى الولايات تستأثر بنسبة 11% أخرى اعتمدت سياسات مماثلة، بحجز نصف مقاعدها للمتقدمين من خريجي المدارس الثانوية العامة. وضمن هذه الحصة المحجوزة، تُطبَّق حصص محددة للطلاب السود والطلاب من الشعوب الأصلية والطلاب ذوي الدخل المنخفض. وارتفع التحاق هؤلاء الطلاب، وكذلك التحاق طلاب من خلفيات محرومة لم يستهدفهم القانون صراحة. وبحسب أحد التقديرات، ارتفعت حصة طلاب المدارس العامة بعشر نقاط مئوية. ويُظهر الطلاب المقبولون عبر نظام الحصص مستوى الأداء نفسه الذي يُظهره الطلاب الآخرون. وفي عام 2023، أتمّ 51% من طلاب الحصص شهاداتهم بنجاح، مقارنة بنسبة 41% من طلاب غير الحصص.

وفي الهند، تعود سياسات الحجز إلى القرن التاسع عشر. ويُلزم قانون لجنة المنح الجامعية لعام 1956 الجامعات المركزية، باستثناء مؤسسات الأقليات، بالتطبيق الصارم لسياسات الحجز، في حين تتبع جامعات الولايات نسب الحجز التي تحددها حكومات ولاياتها. وارتفعت نسبة الطلاب من الطبقات المصنّفة والقبائل المصنّفة والطبقات المتخلفة الأخرى من 43% في عام 2010 إلى 61% في العام 2022/2023. وتمدّد بعض الولايات، كبيهار، الحصص إلى المؤسسات الخاصة. وأوصت لجنة برلمانية مؤخراً بسنّ تشريع لإقرار حصص في مؤسسات التعليم العالي الخاصة، بنسبة 15% للطبقات المصنّفة و7.5% للقبائل المصنّفة و27% للطبقات المتخلفة الأخرى.

وفي مطلع الألفية، طبّقت إسرائيل سياسة للعمل الإيجابي تمنح المرشحين درجة أهلية بناءً على عوامل كحرمان الحي والمدرسة، وتعليم الوالدين، والظروف الأسرية، والصعوبات الشخصية، باستخدام خوارزمية سرية. وحصل المتقدمون المستحقون على دفعة كبيرة في القبول. وأظهر تحليل لبيانات اثنتي عشرة سنة عن طلاب ارتادوا جامعة واحدة أن معدلات التسرّب لم تختلف بين الطلاب الذين استفادوا من العمل الإيجابي، البالغة نسبتهم 5%، والطلاب الذين لم يستفيدوا منه.

وفي سري لانكا، تتبع الجامعات الخاضعة للجنة المنح الجامعية نظام حصص يعود إلى السبعينيات وعُدّل في عام 1991. فمن بين جميع الأماكن، يذهب 40% إلى أصحاب أعلى الدرجات في قائمة الجدارة على مستوى الجزيرة. وتُوزَّع الأماكن المتبقية البالغة 60% بحسب درجات الجدارة بنسبة 40%، وحصص الأقضية بنسبة 55%، ولمن ينتمون إلى 16 قضاءً محروماً بنسبة 5%. وأظهر تحليل لستة وخمسين ألف متقدم أن التحوّل إلى نظام قائم على الجدارة الخالصة سيكون له أثر سلبي لكنه صغير في الإنصاف. ففي عام 2017، قُبل 29,700 طالب؛ وكانت سياسة الجدارة الخالصة سترفع العدد إلى 30,100، مع فقدان بعض الطلاب أماكنهم بسبب إلغاء حصص الأقضية.

وفي الولايات المتحدة، نُسب إلى العمل الإيجابي الفضل في جعل الجسم الطلابي أكثر تمثيلاً للسكان. فباستثناء الطلاب غير المقيمين، ارتفعت حصة طلاب الجامعات بين عامَي 1976 و2021 من 9.6% إلى 13.1% بين السود، وإن انخفضت من 15% في عام 2010، ومن 3.6% إلى 20.6% بين ذوي الأصول الإسبانية واللاتينية، ومن 1.8% إلى 7.9% بين الآسيويين. غير أن المحكمة العليا حظرت في عام 2023 العمل الإيجابي في القبول في التعليم العالي، مستندةً إلى انتهاكه بند الحماية المتساوية. ولم تُبلَّغ أي بيانات على المستوى الوطني بعد الحكم، وإن أفادت بيانات على مستوى المؤسسات من بعض الجامعات المرموقة بانخفاض حصة الطلاب السود.

الخلاصة

شهد التعليم ما بعد الثانوي تحوّلاً عميقاً على المستوى العالمي خلال العقود الماضية. فقد نمت المشاركة بسرعة، وإن لم يُترجم هذا التوسّع ترجمة متناسبة إلى مكاسب في الإتمام. فضلاً عن ذلك، وعلى خلاف التعليم ما قبل الابتدائي والابتدائي والثانوي، لا يمكن تأطير التعليم ما بعد الثانوي بمنطق المشاركة الشاملة. وليس من قبيل المصادفة أن الغاية 4.3 من أهداف التنمية المستدامة تؤكد بدلاً من ذلك الإنصافَ والقدرة على تحمّل التكاليف والجودة. فالأهداف الوطنية مرتبطة بعوامل كبنية سوق العمل والقدرة المالية واستراتيجيات التنمية. وباختصار، فإن غايات التوسّع والفجوات بين الالتحاق والتخرج والفوارق الكبيرة في المشاركة والتخرج تحديات سياساتية رئيسية لجميع الحكومات.

ولا تزال التقييمات السببية المتينة لآثار السياسات والبرامج في التوسّع محدودة. فمعظم الدراسات توثّق اتجاهات المشاركة وملامح الطلاب وأنماط الانتقال بدلاً من تقدير الأثر طويل الأجل لسياسات بعينها، سواء في جانب الطلب، كالقروض، أو في جانب العرض، كآليات القبول. والمفاضلات السياساتية بين التوسّع وتقاسم التكاليف والمساعدات الموجّهة والمساءلة المؤسسية لا مفر منها. وتوحي الأدلة التي استعرضها هذا الفصل بأن الدعم المالي الموجّه، سواء عبر المنح أو القروض المرتبطة بالدخل، يميل إلى أن يكون أكثر إنصافاً واستدامة مالياً من الإعانات الشاملة غير الموجّهة.

ومن التدخلات السياساتية التي يمكن أن يكون لها أثر إيجابي في التوسّع المنصف لفرص التعليم العالي الاستثمار في الجودة والاعتراف بالساعات المعتمدة والمسارات المرنة. فالتنويع، عبر البرامج قصيرة الدورة والتعلّم المفتوح وعن بُعد مثلاً، يتيح فرصاً جديدة، لكنه قد يوجد أيضاً تراتبيات إذا لم يُيسَّر التنقل بين الأنواع المختلفة من مؤسسات التعليم العالي. ويمكن لأطر المؤهلات العاملة ونظم نقل الساعات المعتمدة أن تؤدي دوراً بنّاءً في هذا الصدد.

دراسة ذات صلة