الفصل الثالث: التعليم ما قبل الابتدائي
الرسائل الرئيسية
ماذا تُظهر البيانات؟
توقفت المشاركة في تعليم الطفولة المبكرة عن النمو بعد عام 2015 وتأثرت بجائحة كوفيد 19. فعلى المستوى العالمي، ارتفع صافي معدل الالتحاق للأطفال الأصغر بسنة واحدة من سن الالتحاق بالتعليم الابتدائي من 64% في عام 2003 إلى 74% في عام 2015، لكنه لم يبلغ سوى 75% في عام 2024. كما ارتفع صافي معدل الالتحاق لجميع الأطفال في سن التعليم ما قبل الابتدائي من 41% في عام 2003 إلى 51% في عام 2015 ثم إلى 54% في عام 2020، لكنه ركد حتى عام 2024، إذ لم تتعافَ معدلات المشاركة منذ الجائحة.
ولا يخبرنا المؤشر العالمي بعدد الأطفال الذين تلقّوا سنة واحدة على الأقل من التعليم ما قبل المدرسي. فصافي معدل الالتحاق للأطفال قبل سنة من دخول التعليم الابتدائي لا يميّز بين وجودهم في مرحلة ما قبل المدرسة أو في المدرسة. ومع ذلك، يبدأ 27% من الأطفال التعليم الابتدائي قبل موعده بسنة. وبمراعاة ذلك، تشير التقديرات إلى أن 59% فقط من الأطفال التحقوا بسنة واحدة على الأقل من التعليم ما قبل الابتدائي، و36% فقط في البلدان منخفضة الدخل.
ماذا نعرف عن السياسات المرتبطة بالتوسّع والإنصاف على المدى الطويل؟
جعل التعليم ما قبل الابتدائي مجانياً أو إلزامياً أو كليهما يرفع الالتحاق، لكنه لا يكفي وحده. فبين عامَي 1998 و2023، ارتفع عدد البلدان التي تفرض سنة واحدة على الأقل من التعليم ما قبل الابتدائي الإلزامي من 20 إلى 44 بلداً، وارتفع عدد البلدان التي توفّر سنة واحدة على الأقل منه مجاناً من 46 إلى 69 بلداً. وارتفع الالتحاق في البلدان التي جعلت هذا التعليم إلزامياً بنسبة 30%، مقارنة بنسبة 23% في البلدان التي لم تفعل، لكن المكاسب كانت الأكبر حيث اقترنت التغييرات القانونية بتدابير تنفيذ ملموسة.
ولا ينبغي توزيع تعليم الطفولة المبكرة بين الوزارات، لكن بلداناً كثيرة تفعل ذلك. فمن بين 181 بلداً شملها المسح، لا يُسند سوى 76% منها المسؤولية عن تعليم الطفولة المبكرة حصراً إلى وزارة التعليم. وقد عانت البلدان الآسيوية وبلدان أفريقيا جنوب الصحراء التي تُقسّم الولايات وبنود الميزانية من صعوبات في اتساق المناهج وضمان الجودة ورصد الإنصاف.
والاستثمار العام في تعليم الطفولة المبكرة يؤتي ثماراً قوية، لكنه لا يزال منخفضاً. فمن بين 119 بلداً رُصدت منذ عام 2020، لم ينفق سوى عشرة بلدان 1% على الأقل من الناتج المحلي الإجمالي على التعليم ما قبل الابتدائي. ويرتبط مضاعفة الإنفاق العام بزيادة معدل المشاركة في مؤسسات ما قبل المدرسة العامة بين الأطفال قبل سنة من الابتدائي بنحو ثلاثة أضعاف. ومن بين 61 بلداً تتوافر عنها بيانات قابلة للمقارنة، ارتفع الإنفاق الوسيط من 0.29% إلى 0.43% فقط من الناتج المحلي الإجمالي خلال عشرين عاماً.
وإضافة فصول ما قبل الابتدائي إلى المدارس الابتدائية تجعل التوسّع فعّالاً، لكنها تحتاج إلى أن تكون ملائمة تربوياً. فاستخدام المدارس الابتدائية وسيلة لتوسيع التعليم ما قبل الابتدائي يساعد على خفض تكاليف البنية التحتية، ويستفيد من النظم الإدارية القائمة، ويوفّر للأسر الراحة والاستمرارية. لكن ذلك يحتاج إلى أن يقترن بتوظيف معلمين متخصصين.
الاتجاهات الرئيسية
ضعف التوسّع العالمي في خدمات الطفولة المبكرة خلال العقد الماضي. فبعد تقدّم مطّرد طوال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ومطلع العقد الثاني، تباطأ نمو المشاركة تباطؤاً ملحوظاً منذ عام 2015. ويمكن عزو جانب من هذا التباطؤ أيضاً إلى تراجع المشاركة خلال جائحة كوفيد 19، التي كان لها أثر قوي على نحو خاص في تعليم الطفولة المبكرة.
غير أن تقييم التقدّم في تعليم الطفولة المبكرة أبعد ما يكون عن البساطة. فالرصد الدولي يعتمد على مجموعة من المؤشرات الحساسة للتباين الكبير بين البلدان في النطاقات العمرية وتعريفات البرامج وممارسات الالتحاق، بما فيها الالتحاق المبكر بالتعليم الابتدائي. ونتيجة لذلك، قد تحجب معدلات المشاركة الحالية فروقاً مهمة في التوسّع الفعلي لفرص التعلّم المبكر للأطفال. ويلزم صقل أطر الرصد وتوسيعها لتقديم صورة أكثر تفصيلاً ودقة للتقدّم.
تباطأت الزيادة في المشاركة في تعليم الطفولة المبكرة بعد عام 2015
تُرصد المشاركة في تعليم الطفولة المبكرة عبر مؤشرين من مؤشرات الهدف الرابع. أولهما المؤشر العالمي 4.2.2 الذي يقيس معدل المشاركة في التعلّم المنظّم قبل سنة من السن الرسمية للالتحاق بالتعليم الابتدائي. ويقيس هذا المؤشر عادة مشاركة الأطفال في سن الخامسة، وإن كان هؤلاء الأطفال قد يكونون في الرابعة أو الخامسة أو السادسة بحسب سن الالتحاق بالتعليم الابتدائي في كل بلد. لكن لأن المؤشر يغطي المشاركة في أي مرحلة تعليمية، أي برامج التنمية التربوية للطفولة المبكرة والتعليم ما قبل الابتدائي والتعليم الابتدائي، فليس من السهل استخدامه لإجراء المقارنات.
وثانيهما المؤشر المواضيعي 4.2.4 الذي يقيس صافي معدل الالتحاق ببرامج التنمية التربوية للطفولة المبكرة وبالتعليم ما قبل الابتدائي. ويركّز هذا المؤشر على المشاركة بين الأطفال دون سن التعليم الابتدائي، لكن ثمة تبايناً بين البلدان. فالفئات العمرية تقابل عموماً الأطفال دون الثالثة في برامج التنمية التربوية للطفولة المبكرة، والأطفال في الثالثة فما فوق في التعليم ما قبل الابتدائي. غير أن سن الالتحاق بالتعليم ما قبل الابتدائي يتراوح بين عامين، كما في جورجيا ومنغوليا، وست سنوات، كما في أفغانستان وجمهورية تنزانيا المتحدة، مما يصعّب المقارنات.
ويتيح تحليل معدلات الالتحاق بحسب كل سنة من العمر فهماً أكثر تفصيلاً ودقة للمشاركة في تعليم الطفولة المبكرة. فبالجمع بين بيانات الالتحاق بحسب العمر المفرد من معهد اليونسكو للإحصاء، والبيانات الوطنية التي تنشرها وزارة التعليم الصينية، وتقديرات السكان بحسب العمر المفرد من شعبة السكان في الأمم المتحدة، تشير التقديرات إلى أن نحو 42% من الأطفال في سن الثالثة، و59% في سن الرابعة، و80% في سن الخامسة ملتحقون بالتعليم على مستوى العالم. وتُلاحظ هذه الزيادات الكبيرة في الالتحاق بحسب العمر عموماً في جميع فئات دخل البلدان، لكن أكبر زيادة في الالتحاق في البلدان منخفضة الدخل تُلاحظ بين سن الخامسة والسادسة.
وعلى مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، ازدادت المشاركة في تعليم الطفولة المبكرة في أنحاء العالم. فقد ارتفع صافي معدل الالتحاق قبل سنة من السن الرسمية للالتحاق بالتعليم الابتدائي من 64% في عام 2003 إلى 75% في عام 2024، لكن معظم الزيادة تحقق حتى عام 2015، حين بلغ 73%، وظل الاتجاه راكداً في جوهره منذ ذلك الحين. وتحقق أسرع تقدّم في المناطق والمناطق الفرعية الثلاث التي كانت مستويات انطلاقها الأدنى، وهي شمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء وغرب آسيا، إذ نما كل منها بمعدل 1.1 نقطة مئوية سنوياً في المتوسط ولم يشهد تباطؤاً كبيراً بعد عام 2015. ومن المناطق الفرعية الأخرى التي شهدت فترات نمو لافتة آسيا الوسطى، بمعدل 3.7 نقاط مئوية سنوياً بين عامَي 2016 و2020، وجنوب شرق آسيا، بمعدل نقطتين مئويتين سنوياً بين عامَي 2006 و2015.
ورغم عدم الإبلاغ عن متوسط إقليمي لشرق آسيا بسبب غياب بيانات قابلة للمقارنة دولياً عن الصين، فمن المرجّح أن تكون هذه المنطقة الفرعية أيضاً من بين الأعلى أداءً في هذا المؤشر. إذ تُبلغ اليابان وجمهورية كوريا ومنغوليا وهونغ كونغ في الصين عن قيم تتجاوز 95%. كما تشير الأرقام الوطنية التي تنشرها وزارة التعليم الصينية إلى مشاركة مرتفعة؛ فقد بلغ التحاق الأطفال في سن الخامسة بالتعليم ما قبل الابتدائي نحو 94% في عام 2020، وبلغت نسبة الالتحاق الإجمالية بالتعليم ما قبل الابتدائي ككل نحو 90% في عام 2023.
واتبعت صافي معدلات الالتحاق بالتعليم ما قبل الابتدائي نمطاً مماثلاً وارتفعت بوتيرة أسرع، من 41% في عام 2003 إلى 54% في عام 2024، لكن معظم الزيادة تحقق مرة أخرى حتى عام 2015، حين بلغ 51%، وتباطأ النمو منذ ذلك الحين بنحو الثلثين. وتبرز مرة أخرى آسيا الوسطى وشمال أفريقيا وغرب آسيا وجنوب شرق آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء بنموها السريع، إذ تضاعفت معدلات المشاركة فيها أكثر من مرتين منذ عام 2000. ويتسع تفاوت معدلات الالتحاق في هذه الفئة العمرية أكثر منه في الفئة العمرية للمؤشر العالمي. فأوروبا تسجّل معدلات التحاق أعلى بكثير من المناطق الأخرى، وقد ارتفعت هي الأخرى من 73% إلى 90% بين عامَي 2000 و2024. وفي المقابل، لا يلتحق في أفريقيا جنوب الصحراء سوى أقل من طفل واحد من كل أربعة أطفال في سن التعليم ما قبل الابتدائي.
والبيانات المتعلقة بالمشاركة في برامج التنمية التربوية للطفولة المبكرة أقل، مما يصعّب تحديد اتجاهات عالمية واضحة، والبيانات المتاحة غير كافية لحساب متوسط عالمي. وتُظهر المناطق التي تتوافر عنها بيانات اتجاهات أنماطاً متباينة. فبعضها حقق تقدّماً كبيراً، ولا سيما أفريقيا جنوب الصحراء التي تضاعفت فيها المشاركة ثلاث مرات تقريباً، من 6% في عام 2012 إلى 17% في عام 2024. وفي المقابل، لم يشهد شمال أفريقيا وغرب آسيا تحسناً يُذكر، ولا يزالان يُبلغان عن مستويات مشاركة منخفضة في عام 2024، بلغت 2% و5% على التوالي.
ويمكن عزو جانب كبير من تباطؤ النمو منذ عام 2015 إلى تراجع المشاركة نتيجة لجائحة كوفيد 19. فقد انخفضت مشاركة الأطفال قبل سنة من السن الرسمية للالتحاق بالتعليم الابتدائي، وهم عادة في سن الخامسة، بنسبة 2% على المستوى العالمي في عام 2021، لكن بأكثر من 5% في عدة مناطق. وكان الأثر أوضح في الأطفال الأصغر سناً، كما يرصده صافي معدل الالتحاق للأطفال في سن التعليم ما قبل الابتدائي، وهم عادة من سن الثالثة إلى الخامسة، الذي انخفض بنسبة 5% في عام 2021، لكن بأكثر من 10% في أمريكا الشمالية وغرب آسيا وجنوب آسيا.
ومن أسباب الأثر الأكبر لجائحة كوفيد 19 في التعليم ما قبل الابتدائي مقارنة بالمراحل التعليمية الأخرى عدم ملاءمة أنماط التعليم عن بُعد، والقلق من محدودية قدرة الأطفال على الالتزام بالبروتوكولات الصحية، والأثر المالي للجائحة على الأسر، الذي عنى أن بعض الأسر لم تستطع تحمّل تكلفة التعليم ما قبل المدرسي الخاص ولو مؤقتاً، وربما لم يكن لديها بديل.
الالتحاق المبكر بالتعليم الابتدائي يصعّب تفسير التقدّم في التعليم ما قبل الابتدائي
المؤشر العالمي لأهداف التنمية المستدامة، أي معدل المشاركة في التعلّم المنظّم قبل سنة من السن الرسمية للالتحاق بالتعليم الابتدائي، مؤشر خاص بسن بعينها. ويُقصد به إبراز أهمية مشاركة الأطفال في التعلّم المنظّم لتعزيز جاهزيتهم للتعليم الابتدائي. غير أن التقييم يتعثّر بسبب أن المؤشر لا يميّز بين الأطفال الملتحقين بالتعليم ما قبل الابتدائي والأطفال الذين التحقوا بالتعليم الابتدائي قبل موعده بسنة. والالتحاق المبكر بالتعليم الابتدائي ظاهرة شائعة في أنحاء العالم. ففي 75 بلداً من أصل 153 بلداً تتوافر عنها بيانات، كان 97% على الأقل من الأطفال ملتحقين بالتعليم ما قبل الابتدائي. لكن في 53 بلداً على الأقل، كان أكثر من 10% من الأطفال الملتحقين بالتعليم ممن هم قبل سنة من الابتدائي مسجّلين في المرحلة الابتدائية بدلاً من مرحلة ما قبل الابتدائي، وفي ثلاثة عشر بلداً كان أكثر من نصفهم ملتحقين بالابتدائي.
وفي المتوسط، يرتاد 27% من الطلاب قبل سنة من سن الابتدائي المدرسة الابتدائية بالفعل. وتحرّك هذا الرقم العالمي الهند إلى حدّ كبير، إذ يلتحق 51% من الأطفال في سن الخامسة فيها بالتعليم الابتدائي بدلاً من التعليم ما قبل الابتدائي، وهي حصة يُرجَّح أنها ارتفعت خلال جائحة كوفيد 19 حين تعطّلت خدمات تعليم الطفولة المبكرة تعطّلاً شديداً. وتشير الأدلة من النظام الموحّد لمعلومات التعليم على مستوى المقاطعات في الهند، وهو نظام المعلومات الوطني لإدارة التعليم الذي يستثني مراكز «أنغنوادي»، أي مراكز رعاية الأطفال الريفية، ورياض الأطفال الخاصة، إلى أن حصة الأطفال دون السادسة الملتحقين بالتعليم الابتدائي بدلاً من التعليم ما قبل الابتدائي ارتفعت من نحو 35% في عامَي 2019 و2020 إلى 41% في عام 2021 و60% في عام 2022. وفي الوقت ذاته، تُظهر تقارير هذا النظام ارتفاعاً حاداً في نسبة الطلاب الملتحقين بالصف الأول الذين لديهم خبرة سابقة في التعليم ما قبل المدرسي، من 41% في عام 2019 إلى 80% في عام 2025، مما يشير إلى أن الأطفال ربما يرتادون أيضاً قدراً من التعليم ما قبل المدرسي قبل الالتحاق المبكر بالتعليم الابتدائي.
ويُعدّ تحليل حصة الالتحاق المبكر بالتعليم الابتدائي أمراً مهماً لتفسير المؤشر العالمي 4.2.2 تفسيراً صحيحاً. ففي بلدان كثيرة، تعود الزيادات في المشاركة إلى حدّ كبير إلى زيادة الالتحاق المبكر بالتعليم الابتدائي، لا إلى تحسّن خدمات التعليم ما قبل الابتدائي، وتعليم الطفولة المبكرة عموماً، كما يُفسَّر عادة. ففي رواندا مثلاً، ارتفعت المشاركة التعليمية للأطفال في سن الخامسة من 47% في عام 2017 إلى 80% في عام 2024، لكن جزءاً من الزيادة يعود إلى زيادة الالتحاق المبكر بالتعليم الابتدائي؛ فمن بين الملتحقين، كان 8% في المرحلة الابتدائية في عام 2017، مقارنة بنسبة 18% في عام 2024. وفي المقابل، قد يخفي الركود أو حتى الانخفاض في المشاركة في بعض البلدان تحسّناً في المشاركة في تعليم الطفولة المبكرة. ففي الكاميرون، ورغم انخفاض المشاركة من 46% إلى 41% بين عامَي 2017 و2024، ارتفعت حصة الملتحقين الذين يرتادون التعليم ما قبل الابتدائي من 52% إلى 68%، مما يعني، على خلاف ما قد يوحي به الظاهر، أن تعليم الطفولة المبكرة توسّع إجمالاً.
تقدير عدد الأطفال الذين التحقوا بالتعليم ما قبل المدرسي يتطلب نهجاً مختلفاً
ليس المؤشر العالمي مقياساً موثوقاً بما يكفي لتحديد حصة الأطفال الذين شاركوا في سنة واحدة على الأقل من التعليم قبل الالتحاق بالمدرسة الابتدائية، بل إنه يميل إلى المبالغة في تقدير هذه الحصة. فمثلاً، لا ينبغي تفسير بلوغ قيمة المؤشر 4.2.2 نسبة 75% في عام 2024 بأن ثلاثة أرباع الأطفال التحقوا بالتعليم ما قبل الابتدائي. ومن التقديرات البديلة التقريبية القول إن استبعاد الأطفال الملتحقين بالتعليم الابتدائي سيؤدي إلى انخفاض المؤشر العالمي بنحو 27%، ما يعني أن 55% فقط من أطفال العالم يتمّون سنة واحدة على الأقل من التعليم ما قبل المدرسي. لكن ذلك قد يقلّل من تقدير الالتحاق بالتعليم ما قبل المدرسي، لأن الأطفال الذين يرتادون المدرسة الابتدائية مبكراً ربما التحقوا بالتعليم ما قبل المدرسي من قبل.
وللحصول على تقدير أدق، يمكن استخدام بيانات الالتحاق بحسب العمر المفرد والمرحلة التعليمية من المصادر الإدارية. ويتبع هذا النهج خطوتين. أولاهما تحديد أعلى معدل مشاركة في التعليم ما قبل الابتدائي بحسب العمر المفرد في الفئة العمرية ذات الصلة. ففي بعض البلدان، تقع هذه الذروة بين الأطفال الأصغر بسنة واحدة من السن الرسمية للالتحاق بالابتدائي، وفي بلدان أخرى بين الأصغر بسنتين، لأن كثيراً من الأطفال في السنة السابقة مباشرة لدخول الابتدائي ربما انتقلوا بالفعل إلى التعليم الابتدائي. وثانيتهما قسمة رقم الالتحاق هذا على إجمالي عدد الأطفال في سن الالتحاق بالابتدائي الملتحقين، سواء بالابتدائي أو بما قبل الابتدائي. ويعطي ذلك حصة طلاب سن الالتحاق بالابتدائي الذين يُرجَّح أنهم التحقوا بالتعليم ما قبل الابتدائي. وبالجمع بين ذلك ومعدل الالتحاق الإجمالي للأطفال في سن الالتحاق بالابتدائي، يُحصل على توزيع تقريبي للأطفال بين ثلاث فئات: من التحقوا بالمدرسة الابتدائية بعد أن ارتادوا التعليم ما قبل الابتدائي، ومن التحقوا بها دون أن يرتادوه، ومن لم يلتحقوا بعد.
ويقدّر هذا النهج أن نحو 60% من الأطفال قبل سنة من بدء المدرسة الابتدائية ارتادوا سنة واحدة على الأقل من التعليم ما قبل الابتدائي، بنسب تتراوح بين 36% في البلدان منخفضة الدخل و86% في البلدان مرتفعة الدخل. ويوجد 30% آخرون في المدرسة الابتدائية دون أن يكونوا قد ارتادوا التعليم ما قبل المدرسي من قبل. وأخيراً، لا يكون 11% ملتحقين في تلك السن، وإن كانت الغالبية العظمى منهم ستلتحق لاحقاً.
ويستند هذا النهج إلى افتراضين. أولهما أن أحجام الأفواج تظل مستقرة نسبياً عبر الأعمار المتجاورة، أي ألا تختلف أعداد الأطفال في سن الرابعة والسادسة مثلاً اختلافاً كبيراً. فمن بين 165 بلداً لديها فوج عمري مفرد لا يقل عن عشرة آلاف طفل، ثمة عشرة بلدان منخفضة الدخل وذات دخل متوسط أدنى كان فوج الأطفال في سن الرابعة فيها أكبر بما لا يقل عن 3% من فوج الأطفال في سن الخامسة، مما يعني أن التقدير مبالغ فيه على الأرجح في هذه البلدان. وفي المقابل، كان فوج الأطفال في سن الرابعة أصغر بما لا يقل عن 3% في 26 بلداً ذا دخل متوسط أعلى أو مرتفع الدخل، مما يعني أن التقدير أقل من الواقع على الأرجح في هذه البلدان.
وثانيهما أن الأطفال يظلون في التعليم بمجرد التحاقهم به، أي أن الطفل الملتحق بالتعليم ما قبل الابتدائي سيستمر على الأقل حتى الصف الأول من التعليم الابتدائي. ولأن هذا النهج يستخدم أنماط التحاق الأطفال الأصغر سناً للاستدلال على المشاركة السابقة للأطفال في سن التعليم الابتدائي، فإنه سيبالغ في تقدير المشاركة في التعليم ما قبل الابتدائي في البلدان التي يتوسّع فيها تعليم الطفولة المبكرة بسرعة.
رصد مشاركة الأطفال دون سن الثالثة بالغ الصعوبة
يطرح رصد مشاركة الأطفال دون سن الثالثة، ولا سيما على المستوى الدولي، تحديات كبيرة. فمن الصعب التحقق مما إذا كانت البرامج تستوفي المعايير المحددة لتصنيفها ضمن المستوى صفر من التصنيف الدولي الموحد للتعليم، التي تشمل وجود مكوّن تعليمي مقصود لمدة ساعتين يومياً على الأقل أو مائة يوم سنوياً على الأقل أو كليهما، وخضوعها لتنظيم سلطة ذات توجّه تعليمي. وكثيراً ما قد توجد مكوّنات تعليمية في الممارسة دون أن تُوثّق رسمياً. وتتباين تفسيرات ما يُعدّ «تعليمياً» بين البلدان؛ فتغيير الحفاضات مثلاً قد يُعدّ تعليمياً في بلد ما بسبب التفاعل الذي يجري خلاله، لكن لا يُعدّ كذلك في بلدان أخرى. ونتيجة لذلك، قد تُصنَّف ترتيبات رعاية أطفال متشابهة تصنيفاً مختلفاً بين البلدان، مما يعيق قابلية المقارنة.
وفي بعض البلدان، تقع معظم خدمات الرعاية والتعليم في الطفولة المبكرة للأطفال دون الثالثة أو جميعها خارج التصنيف الدولي الموحد للتعليم. ففي فرنسا وإيطاليا مثلاً، تخضع رعاية الأطفال دون الثالثة لوزارات الشؤون الاجتماعية وتُستبعد من هذا التصنيف، ولذلك لا يُعدّ ملتحقاً بالتعليم النظامي سوى أقل من 5% من الأطفال. وفي المقابل، يُعدّ أكثر من 50% من الأطفال ملتحقين في الدنمارك والنرويج. وفي الدول الأعضاء السبع والعشرين في الاتحاد الأوروبي، وباستخدام البيانات الإدارية، ارتفع معدل المشاركة قليلاً من 17% في عام 2015 إلى 20% في عام 2023.
ويتضاعف معدل المشاركة في التعليم والرعاية معاً بين الأطفال دون الثالثة في الدول الأعضاء السبع والعشرين في الاتحاد الأوروبي ليبلغ 39% عند استخدام بيانات المسوح الأسرية واعتماد تعريف واسع يشمل المشاركة ولو لساعة واحدة أسبوعياً. وبينما تتطابق معدلات المشاركة في الدنمارك والنرويج مع تلك المبلَّغ عنها للتعليم وحده، ترتفع في فرنسا وإيطاليا إلى 59% و39% على التوالي.
وفضلاً عن ذلك، ترتبط المشاركة قبل سن الثالثة ارتباطاً قوياً بالسياسات الاجتماعية الأوسع، ومنها إجازة الوالدين ودعم الدخل وإعانات رعاية الأطفال، مما يصعّب تحديد معنى التقدّم. فالمشاركة الأعلى ليست دائماً النتيجة المفضّلة، ولا توجد عادة غاية واضحة، باستثناء الاتحاد الأوروبي الذي حدد غاية بلوغ معدل مشاركة قدره 45% بحلول عام 2030. فاحتياجات الأسر تتفاوت، ويستطيع كثير منها توفير رعاية وتعليم بجودة أفضل في المنزل.
الخلاصة
يحتاج الرصد العالمي للوصول إلى تعليم الطفولة المبكرة إلى إعادة معايرة. فلرصد المقصد الحقيقي للغاية 4.2 من أهداف التنمية المستدامة، أي ضمان حصول الأطفال على فرص التعلّم المبكر قبل الالتحاق بالمدرسة الابتدائية، ينبغي أن يراعي الرصد الالتحاق المبكر بالتعليم الابتدائي، وأن يتتبّع ما إذا كان الأطفال قد ارتادوا التعليم ما قبل الابتدائي فعلاً. وبالنسبة لجميع الأطفال، ولا سيما من هم دون الثالثة حيث تندر بيانات المشاركة القابلة للمقارنة دولياً، ينبغي أن يركّز الرصد على الإنصاف في الوصول، بما يضمن أن يستفيد من فرص التعلّم المبكر كل من يرغب فيها.
ومن ثمّ لا يتطلب تحسين الرصد أدوات بيانات أفضل وأكثر اتساقاً فحسب، بل يتطلب أيضاً منظوراً أوسع للسياسات. فاستكمال مؤشرات المشاركة بمعلومات عن الاستحقاق القانوني والتمويل العام سيقدّم صورة أشمل لالتزام الحكومات بتعليم الطفولة المبكرة، ويرصد على نحو أفضل التقدّم نحو الوصول المنصف في السياقات الوطنية المتنوعة.
دراسات الحالة
أذربيجان: الزيادة السريعة في الالتحاق ممكنة
زادت أذربيجان، وهي بلد ذو دخل متوسط أعلى، الوصول إلى التعليم ما قبل الابتدائي للأطفال في سن الخامسة زيادة هائلة في الآونة الأخيرة. ففي عام 2016، كانت من البلدان ذات أدنى القيم في المؤشر العالمي 4.2.2، أي صافي معدل الالتحاق قبل سنة من السن الرسمية للالتحاق بالابتدائي، بين نظيراتها في فئة الدخل والمنطقة، إذ بلغ 25%. وفي غضون خمس سنوات فقط، تقدّمت إلى التحاق شبه شامل بلغ 92% في عام 2021. كما سُجّلت زيادات لافتة في مؤشرين آخرين للمشاركة يشملان أطفالاً أصغر سناً، هما الأطفال من سن الثالثة إلى الخامسة ومن سن الأولى إلى الخامسة، وإن بمعدلات أقل.
وبالنظر إلى أرقام الالتحاق المطلقة في مؤسسات تعليم الطفولة المبكرة، استأثرت مجموعات «الجاهزية المدرسية» الموجّهة للأطفال في سن الخامسة بالزيادة كلها تقريباً؛ إذ ارتفع عدد الأطفال الملتحقين بهذه المجموعات من 12 ألفاً في عام 2016 إلى 107 آلاف في عام 2021. ويُقدَّر أن عدد الأطفال في سن الخامسة ارتفع بنسبة 13% ليبلغ 137,200 طفل بين عامَي 2011 و2024.
وفي الفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991، عانى قطاع تعليم الطفولة المبكرة من عدم الاستقرار المؤسسي، إذ انتقلت المسؤولية عدة مرات بين جهات حكومية مختلفة، ومن تجزؤ السياسات، وعدم كفاية الموارد البشرية والمالية والمادية، وغياب الإرادة السياسية، وانعدام التشريعات. وفي عام 2011، لم يكن سوى 36% من أطفال الصف الرابع قد ارتادوا التعليم ما قبل المدرسي من قبل، وهو من أدنى المستويات بين البلدان الخمسة والأربعين المشاركة في الدراسة الدولية لقياس تقدّم القراءة. وإدراكاً لانخفاض معدلات الالتحاق، وافتقار ثلاثة أرباع التجمعات السكنية إلى المرافق، وأهمية التعليم ما قبل الابتدائي للجاهزية المدرسية والإنصاف، جعلت الحكومة تحسين التحاق هذه الفئة أولوية سياساتية وطنية، وحددت غاية لبلوغ معدل التحاق قدره 90% بحلول عام 2020، وعدّت التعليم ما قبل الابتدائي أحد مسرّعات تحقيق الهدف الرابع.
ويقدّم برنامج الجاهزية المدرسية فصولاً يومية مجانية عامة لما قبل المدرسة للأطفال في سن الخامسة، يديرها معلمو المرحلة الابتدائية في المدارس العامة القائمة لضمان انتقالهم السلس إلى التعليم الابتدائي. وبعد مرحلة تجريبية بين عامَي 2008 و2012 ومرحلة تحضير للتعميم بين عامَي 2012 و2015، بدعم من اليونيسف والبنك الدولي، اعتمدت الحكومة في عام 2016 قراراً يكلّف وزارة التعليم بتوسيع برنامج الجاهزية المدرسية على المستوى الوطني. ورغم أن مجموعات الجاهزية المدرسية كانت تُموَّل في الأصل من رسوم أولياء الأمور، خصّصت الحكومة أيضاً أموالاً لجعل التعليم ما قبل الابتدائي مجانياً للأطفال في سن الخامسة والسادسة، تغطي 98% من التكاليف بما فيها الرسوم الدراسية والمواد التعليمية. ولم يصبح التعليم ما قبل الابتدائي إلزامياً بعد، لأن ليس كل المدارس تملك القدرة والمساحة لإدخال فصول الجاهزية المدرسية، وتعتزم وزارة التعليم جعله إلزامياً وتعديل القانون بمجرد حل هذه المسألة.
ونمت الأموال المخصصة لتعليم الطفولة المبكرة من 94 مليون مانات أذربيجاني في عام 2012 إلى 171 مليون مانات في عام 2015، أي من 6.5% إلى 10% من الإنفاق العام على التعليم، وهو مستوى حافظت عليه منذ ذلك الحين، بما يتسق مع التوصيات الدولية. وبينما كان التعليم ما قبل الابتدائي يُدرج في الميزانية مع التعليم الابتدائي، أصبح بنداً مستقلاً في الميزانية في عام 2015. وارتفع تمويل مجموعات الجاهزية المدرسية تحديداً من ستة ملايين مانات في عام 2016 إلى 35 مليون مانات في عام 2019، ذهب معظمها إلى رواتب المعلمين التي ارتفعت حصتها من الميزانية من 45% إلى 80% خلال هذه الفترة.
واستفاد البرنامج من الكوادر والبنية التحتية القائمة، مما أتاح توسّعاً سريعاً. فقد ارتفع عدد المدارس التي تضم مجموعات الجاهزية المدرسية من مائة مدرسة في عام 2012 إلى أكثر من خمسة آلاف في عام 2023. ورغم تشجيع مرافق التعليم الخاصة على المساعدة في رفع مستويات تغطية التعليم ما قبل الابتدائي، تمثّل المؤسسات العامة على الدوام أكثر من 90% من مؤسسات تعليم الطفولة المبكرة والملتحقين بها. وخُصّص لفصول الجاهزية المدرسية معلمون عاملون بالفعل في المدارس الابتدائية العامة؛ فلم يُوظَّف معلمون جدد، بل دُرّب أكثر من عشرة آلاف معلم عامل بين عامَي 2010 و2017 على تدريس الجاهزية المدرسية إلى جانب فصولهم المعتادة. وحتى عام 2017، كان 89% من المعلمين العاملين في مجموعات الجاهزية المدرسية قد تلقّوا الحدّ الأدنى المطلوب من التدريب. كما وُضع محتوى ومواد تعليمية جديدة وأُدخلت.
ولضمان استدامة القطاع، طوّرت الحكومة حوكمته، فأقرّت قانون التعليم ما قبل المدرسي في عام 2017، وإجراءات القبول في مؤسسات التعليم ما قبل المدرسي في عام 2018، والمعايير الحكومية لتعليم الأطفال ذوي الإعاقة في سن ما قبل المدرسة في عام 2018، وإجراءات تنظيم التعليم ما قبل المدرسي في عام 2018. وشملت خيارات التقديم الإضافية المنظّمة بالقانون التعليم المجتمعي للأطفال في سن الثالثة والرابعة، الذي أُطلق في عام 2017 للأطفال في القرى والمناطق النائية، وتعليم الطفولة المبكرة القائم على الأسرة للأطفال من سن الأولى إلى السادسة. وتُدرج المجموعات المجتمعية في ميزانية الدولة لكنها لم تُوسَّع بعد على المستوى الوطني، لأنها تتطلب استثمارات أكبر بالنظر إلى ارتفاع تكلفة الوحدة فيها.
ومن الخطوات الأخرى لتحسين الإدارة والمساءلة والشفافية والجودة نقل المسؤولية عن تعليم الطفولة المبكرة من السلطات الحكومية المحلية إلى وزارة التعليم، ومركزة الإشراف على الخدمات. فقد أنشأت وزارة التعليم الوكالة الحكومية للتعليم ما قبل المدرسي والتعليم العام، ونظاماً لمعلومات مؤسسات التعليم ما قبل المدرسي لجمع البيانات، وبوابة إلكترونية للقبول في التعليم ما قبل المدرسي.
وأفاد تقييم نوعي لأثر البرنامج بتحسّن كبير في النمو اللغوي والاجتماعي الوجداني والمعرفي والحركي للأطفال الملتحقين ببرنامج الجاهزية المدرسية. غير أنه بالنظر إلى الزيادة السريعة في الالتحاق بالتعليم ما قبل الابتدائي، واجه التعميم حتماً تحديات في التنفيذ، كعدم ملاءمة البنية التحتية المدرسية، إذ لم تُكيَّف الفصول القائمة، واكتظاظ المنهج، وعدم كفاية مواد التعليم والتعلّم، وارتفاع نسب الأطفال إلى المعلمين. وأفادت دراسة أخرى بأن قدرات المعلمين كانت غير كافية رغم الحماسة والتفاني العاليين لدى الكوادر.
ومن حيث الموقع الجغرافي، ثمة تفاوت كبير في الوصول للأطفال الأصغر سناً، لكن تكافؤاً شبه تام بين الأطفال في سن ما قبل المدرسة. فقد ارتفعت حصة الأطفال من سن الأولى إلى السادسة المقيمين في المناطق الحضرية من بين الملتحقين بتعليم الطفولة المبكرة من 71% في عام 2014 إلى 78% في عام 2024، في حين ارتفعت حصة سكان الحضر خلال هذه الفترة من 53.2% إلى 54.5%. لكن حصة الأطفال في سن الخامسة والسادسة المقيمين في المناطق الحضرية من بين الملتحقين بفصول الجاهزية المدرسية قفزت إلى 56% في عام 2017، بعد أن كانت في الأصل نحو 25% لأن المرحلة التجريبية نُفّذت في المناطق الريفية، ثم ارتفعت قليلاً إلى 58% بحلول عام 2024 بعد التعميم الوطني، مما يشير إلى أن أطفال المناطق الحضرية ممثّلون بزيادة طفيفة جداً فقط.
غير أن البرنامج وُصف بمحدودية قابليته للتكيّف مع الأطفال ذوي الإعاقة. فرغم أن القانون يلزم مؤسسات ما قبل المدرسة بإعطاء الأولوية للفئات المهمشة، ومنها الأطفال ذوو الإعاقة، لا يزال النظام التعليمي متأثراً بالنموذج الطبي الذي ساد في الحقبة السوفيتية، الذي يُعلَّم بموجبه الأطفال ذوو الإعاقة في بيئات منفصلة. ورغم اعتماد الحكومة في عام 2017 البرنامج الحكومي لتطوير التعليم الشامل، الذي يركّز على تعليم الأطفال ذوي الإعاقة في المدارس ومؤسسات ما قبل المدرسة العادية، لا يزال تنفيذه محدوداً.
وخلاصة القول إن وزارة التعليم في أذربيجان رفعت التحاق الأطفال في سن الخامسة بسرعة عبر إدخال فصول الجاهزية المدرسية المجانية والممولة بالكامل من الدولة. وقد أمكن هذا التغيير بفضل التزام حكومي قوي بتولّي برنامج جُرّب سابقاً بدعم قوي من شركاء التنمية وامتلاكه. وقد وضعت إطاراً قانونياً شاملاً وقنوات تمويل حكومية متسقة ومستدامة، واعتمد البرنامج على البنية التحتية والمعلمين القائمين لرفع الالتحاق بسرعة.
ورغم التوسّع السريع، تحقق تقدّم في الحدّ من التفاوت في الوصول. ففي جولة عام 2000 من المسح العنقودي متعدد المؤشرات، كانت نسبة الأطفال في سن الثالثة والرابعة الملتحقين بشكل من أشكال برامج التعلّم المنظّم 21% بين الأغنى و5% بين الأفقر في توزيع ثروة الأسر. وفي جولة عام 2023 من المسح ذاته، بلغت النسب المقابلة 30% للفئتين الخُمسيتين الأعليين و18% للفئتين الأدنيين. وبلغت نسبة الأطفال في سن الخامسة الملتحقين ببرامج تعليم الطفولة المبكرة 70% في الفئة الخُمسية الأغنى و55% في الأفقر.
الكاميرون: عوائق الوصول تشمل النزاع والفقر
في الكاميرون، يلتحق 41% من الأطفال في سن الخامسة بالتعليم، وهي نسبة تفوق بكثير المتوسط دون الإقليمي لوسط أفريقيا، لكنها أدنى من متوسطات البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى وبلدان أفريقيا جنوب الصحراء. ويمكن التمييز بين اتجاهين مختلفين خلال السنوات الخمس عشرة الماضية: فترة توسّع من 41% في عام 2008 إلى 52% في عام 2015، أعقبها انخفاض لا يقل حدة عاد بالنسبة إلى 41% بحلول عام 2018، ثم ركود منذ ذلك الحين.
غير أنه رغم أن هذا المؤشر يُفهم عادة مقياساً للتقدّم في التعليم ما قبل الابتدائي، فليس الأمر كذلك بالضرورة. فالمؤشر العالمي 4.2.2 لأهداف التنمية المستدامة يقيس المشاركة التعليمية للأطفال في سن الخامسة بصرف النظر عن المرحلة التعليمية التي يرتادونها، ولذلك قد يكون مضللاً في البلدان التي يلتحق فيها الأطفال بالمدرسة الابتدائية قبل السن الرسمية للالتحاق.
ففي الكاميرون، ورغم ركود عدد الأطفال في سن الخامسة الملتحقين بالتعليم منذ عام 2017، يكشف تفكيك البيانات صورة مختلفة. فحصة الأطفال في سن الخامسة الملتحقين بالتعليم والمسجّلين فعلاً في التعليم ما قبل الابتدائي، بدلاً من بدء المدرسة الابتدائية مبكراً، ارتفعت من 52% في عام 2017 إلى 68% في عام 2024. ومن ثمّ ازداد عدد الأطفال في سن الخامسة الملتحقين بالتعليم ما قبل المدرسي بنسبة 39% خلال هذه الفترة، أي بأكثر من ضعف سرعة نمو عدد الأطفال في هذه السن الذي بلغ 18%. غير أن البيانات تشير أيضاً إلى أن نسبة جميع الأطفال في سن الخامسة الملتحقين بالتعليم ما قبل الابتدائي تقل عن 30%.
وازداد عدد الطلاب الملتحقين بالتعليم ما قبل الابتدائي بحسب وزارة التعليم الأساسي ازدياداً سريعاً، إذ تضاعف أكثر من ثلاث مرات بين عامَي 2005 و2016، ثم انقطع هذا الاتجاه بانخفاض دام عامين، ثم استؤنف النمو وإن بوتيرة أبطأ. ويبدو النمو في السنوات الأخيرة أبطأ من ذلك بمقياس نسبة الالتحاق الإجمالية.
وقد واجهت الكاميرون أزمات أمنية متواصلة خلال السنوات العشر الماضية، ترجع أساساً إلى تصاعد عنف جماعة بوكو حرام في أقصى الشمال منذ عام 2014، والنزاع الانفصالي في منطقتَي الشمال الغربي والجنوب الغربي الناطقتين بالإنجليزية منذ عام 2016. فضلاً عن ذلك، أثّر تدفّق اللاجئين من جمهورية أفريقيا الوسطى في منطقتَي الشرق وأداماوا. ويسهم النزوح الداخلي المزمن، وحظر الجماعات المسلحة غير الحكومية للتعليم، والهجمات على المباني المدرسية والعاملين فيها، ونهب المباني المدرسية واحتلالها، في تعطّل واسع النطاق للتعليم. وفي السنوات الأخيرة، أُفيد بأن أكثر من ثلاثة ملايين شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، وبلغ العدد ذروته عند 4.7 مليون في عام 2023، حين قُدّر أن 1.4 مليون طفل في سن الدراسة يحتاجون إلى مساعدة تعليمية.
وبينما كانت منطقة أقصى الشمال تسجّل أصلاً مستويات التحاق متدنية جداً بالتعليم ما قبل الابتدائي، شهدت منطقتا الشمال الغربي والجنوب الغربي انخفاضاً حاداً في الالتحاق في أعقاب النزاع، من نحو 50% في العام الدراسي 2015/2016 إلى 6% في الشمال الغربي و19% في الجنوب الغربي في العام الدراسي 2019/2020، حين أُغلقت 90% من المدارس الابتدائية العامة في المنطقتين في بداية ذلك العام الدراسي، مما أثّر في أكثر من 850 ألف طفل. ورغم أن مستويات الالتحاق في المنطقتين تتجه نحو الارتفاع مجدداً، فإنها لم تتعافَ بعد إلى مستويات ما قبل النزاع. وخلصت دراسة حديثة عن أثر هذا النزاع في التعليم إلى أنه أدى مباشرة إلى انخفاض كبير في درجات اختبارات القراءة والرياضيات، وارتفاع تغيّب المعلمين، وتراجع وصول المدارس إلى الكهرباء.
وانخفض الاستثمار العام في التعليم ما قبل الابتدائي في الكاميرون من نحو 0.10% من الناتج المحلي الإجمالي بين عامَي 2008 و2013 إلى 0.06% في عام 2014، وبقي عند هذا المستوى منذ ذلك الحين، بل تراجع أكثر كحصة من ميزانية وزارة التعليم الأساسي، من 6.8% في عام 2019 إلى 6.3% في عام 2022. ولم يكد عدد مدارس ما قبل الابتدائي العامة يتغيّر منذ عام 2014، في حين لم يكن نحو 20% منها عاملاً في عام 2022. وفي المقابل، بين عامَي 2017 و2023، ازداد عدد مؤسسات ما قبل المدرسة الخاصة بنسبة 47%، وارتفعت حصة الطلاب الملتحقين بها من 62% إلى 73%. ولا تكاد توجد مؤسسة عامة لما قبل المدرسة فيها مقصف، ولا يملك سوى 13% منها ملاعب مجهّزة، و16% كهرباء، و63% دورات مياه، بمتوسط ثلاث دورات لكل مائة طالب. وبينما تفرض المدارس العامة رسوماً سنوية قدرها 7,500 فرنك أفريقي، أي 13.40 دولاراً أمريكياً، وهي في حدّ ذاتها عائق أمام كثيرين، قد تكون الرسوم في المدارس الخاصة أعلى بخمس عشرة إلى عشرين مرة. وكثيراً ما تُتكبّد تكاليف إضافية طارئة لتمويل المعلمين المؤقتين أو المواد أو أعمال البناء. وفي عام 2021، بلغت تكلفة التعليم ما قبل الابتدائي في المتوسط 19,600 فرنك أفريقي في المدارس العامة، و47,000 فرنك في المدارس الخاصة الدينية، و74,500 فرنك في المدارس الخاصة غير الدينية، مما يجعل الوصول صعباً على نحو خاص، إذ يعيش نحو 40% من السكان تحت خط الفقر.
ويتركّز مقدّمو الخدمة من القطاع الخاص في معظمهم في المناطق الحضرية، التي تستأثر بنسبة 70% من طلاب ما قبل الابتدائي في حين لا يقطنها سوى 58% من السكان، مما يفاقم فجوة الوصول. والواقع أن عدد مؤسسات ما قبل المدرسة العاملة كان أعلى بنحو 10% في المناطق الحضرية منه في المناطق الريفية في عام 2015، لكنه صار أعلى بأكثر من 40% في عام 2022.
وعلى مدى العقدين الماضيين، وضعت حكومة الكاميرون عدة أطر لتحسين الوصول إلى التعليم ما قبل الابتدائي. فقد أدمج القانون رقم 98/004 رسمياً التعليم ما قبل الابتدائي في البنية التعليمية النظامية للأطفال في سن الرابعة والخامسة. وتسعى حالياً استراتيجية قطاع التعليم والتدريب للفترة 2024 إلى 2030 إلى توسيع توفير التعليم ما قبل المدرسي العام، وضمان حصول 70% من الأطفال في سن الخامسة على سنة واحدة على الأقل من التعليم ما قبل الابتدائي بحلول عام 2030. وتهدف الحكومة إلى إلحاق 715 ألف طفل بالتعليم ما قبل الابتدائي بحلول عام 2027، لكنها بالمعدلات الحالية ستقصر عن ذلك بنحو ستين ألف طفل.
وكان من الاستراتيجيات المحورية لتوسيع الوصول في المناطق الريفية المحرومة من الخدمات تطوير مؤسسات ما قبل المدرسة المجتمعية، التي تديرها السلطات المحلية والمجتمعات بدعم مالي من البلديات، في إطار سياسة اللامركزية. غير أن هذه الاستراتيجية واجهت تحديات كبيرة في التنفيذ. ففي عام 2022، لم يكن ملتحقاً بمؤسسات ما قبل المدرسة المجتمعية سوى 4% من الأطفال، وهو ما يقل كثيراً عن الغاية الحكومية البالغة نحو 64% بحلول العام الدراسي 2025/2026.
وظل الإنفاق العام على التعليم دون المعيارين الدوليين كليهما، إذ يتذبذب منذ عام 2017 دون 3% من الناتج المحلي الإجمالي بقليل ونحو 14% من إجمالي الإنفاق العام. وقد التزمت الحكومة مؤخراً بزيادة حصة التعليم من الإنفاق العام الجاري، باستثناء خدمة الدين، بمقدار 2.4 نقطة مئوية عن مستواها في عام 2022، وبرفع حصة التعليم ما قبل الابتدائي والابتدائي من 29.5% فقط في عام 2024 إلى 42% بحلول عام 2030.
شهادة معلمة من الكاميرون عن معاناة الأطفال في سن الرابعة أو الخامسة الذين يبدؤون المدرسة الابتدائية مبكراً
أعمل معلمة في القطاع العام في الكاميرون منذ تسعة عشر عاماً، في مدرسة ابتدائية تضم 317 طالباً في ستة فصول فقط. ونواجه في مدرستي واقعاً صعباً: تدفّقاً هائلاً لأطفال في الرابعة أو الخامسة من العمر مباشرة إلى الصف الأول. لماذا لا يمر هؤلاء الصغار بمرحلة ما قبل المدرسة؟ الجواب بسيط. ففي الكاميرون عالمان: خاص وعام. في القطاع الخاص، تُحدَّد التكاليف بحسب رغبة المؤسس. أما المدرسة الابتدائية فيُفترض أنها مجانية في القطاع العام، مع أننا نطلب نحو سبعة آلاف فرنك أفريقي رسوماً لجمعية أولياء الأمور والمعلمين لشراء أشياء مثل الطباشير وورق الحمام، لأن الحكومة لا توفّر لنا شيئاً. وفي دائرة نصف قطرها ستة كيلومترات حول مدرستي، توجد ثماني مؤسسات خاصة لما قبل المدرسة، ولا توجد أي مؤسسة عامة. وبالنسبة للآباء العاملين في القطاع غير الرسمي، يستحيل الدفع. وحين يبلغ الطفل الرابعة، يريد الآباء إلحاقه بالمدرسة ليتمكّنوا من الذهاب إلى العمل.
وإن رفضنا استقبال هؤلاء الأطفال دون السادسة، فإنهم يتعرّضون لمخاطر جسيمة. ففي المناطق الريفية، رأيت أطفالاً يجلسون أمام أبواب مغلقة منذ السادسة صباحاً، جائعين، لأن آباءهم ذهبوا إلى الحقول. ونحن في المدرسة نمارس العمل الاجتماعي إلى جانب التعليم. نقبل هؤلاء الأطفال حتى لا يُتركوا وحدهم في الشوارع، لكنه صراع دائم.
وهذا الوضع كارثي على التعلّم. فمعلمونا غاضبون لأن وجود طفل في الرابعة في فصل مع أطفال أكبر سناً يعني تنشئة اجتماعية غير ناضجة. إننا نُجهد ذاكرتهم قبل أوانها. فإن أجبرتني على المشي قبل أن أبلغ السن المناسبة، ستتقوّس ساقاي. وإن طلبت من ذاكرتي أن تفعل ما لا تقدر عليه، فستتوقف عن العمل.
ويستنزف الطفل مخزونه المعرفي محاولاً مجاراة الأطفال الأكبر سناً، مما يؤدي إلى إرهاق مفرط وإحباط. وكثيراً ما أجعلهم عن قصد يعيدون الصف نفسه سنتين أو ثلاثاً ليبلغوا النضج اللازم، لكن الطفل ينتهي به الأمر إلى الاعتقاد بأنه فاشل.
يجب أن يزداد عدد مؤسسات ما قبل المدرسة العامة. فالحكومة تهمل أطفالنا؛ وثمة مدارس لا وجود لها إلا على الورق أو في مجسّمات افتُتحت رغم أنه لم يُشيَّد أي مبنى. وبصفتي ممثلة نقابية، أحمل هذه الرسالة رغم المخاطر: يجب أن يكون للتعليم والصحة الأولوية القصوى.
ناهادزو ماريلز، معلمة
جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية: ارتفعت معدلات الالتحاق على مدى عقد بمقدار خمس نقاط مئوية سنوياً
حتى نحو عام 2005، لم يكن ملتحقاً بالتعليم في جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية سوى طفل واحد من كل عشرة أطفال في سن الخامسة. لكن تحولاً كبيراً حدث خلال العقد التالي، انطلق في البداية من الطموح الذي عبّرت عنه الرؤية الاستراتيجية للتعليم للفترة 2001 إلى 2020 وخطة العمل الوطنية للتعليم للجميع للفترة 2003 إلى 2015. فقد أعطت الحكومة الأولوية لبناء مدارس تعليم الطفولة المبكرة في المدن، في حين ينتشر تعليم الطفولة المبكرة في المناطق الريفية عبر مشاريع مجتمعية يدعمها شركاء التنمية.
وبين عامَي 2007 و2016، ارتفعت معدلات التحاق الأطفال في سن الخامسة من 14% إلى 62%، أي بمعدل 4.8 نقاط مئوية سنوياً طوال العقد، لتقترب من متوسط البلدان الأخرى ذات الدخل المتوسط الأدنى، وتماثل التقدّم الذي أحرزته بلدان أخرى في المنطقة مثل كمبوديا والفلبين. والأهم أن النمو قام على توسيع التوفير العام، الذي يستأثر منذ عام 2000 بنحو 80% من إجمالي الالتحاق. وضمنت مراجعة قانون التعليم الوطني في عام 2015 توفير تعليم عام مجاني في الطفولة المبكرة، ومهّدت الطريق لإنشاء إدارة تعليم الطفولة المبكرة وخطة العمل الوطنية لرعاية الطفولة المبكرة وتنميتها. ومع ذلك، يبدو أن النمو قد توقف منذ عام 2016.
وثمة ثلاثة أشكال رئيسية لتوفير تعليم الطفولة المبكرة في جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية: مجموعات اللعب للأطفال في سن الثالثة والرابعة، التي يقدّمها عادة مقدّمو رعاية يُوظَّفون ويُدرَّبون محلياً على مستوى المجتمع؛ ورياض الأطفال للأطفال من سن الثالثة إلى الخامسة؛ والتعليم ما قبل الابتدائي للأطفال في سن الخامسة الملحق بالمدارس الابتدائية والمعروف بالبرامج التحضيرية. وفي عام 2025، وبحسب وزارة التعليم والرياضة، استأثرت رياض الأطفال بنسبة 81% من إجمالي الالتحاق بتعليم الطفولة المبكرة، ارتفاعاً من 72% في عام 2015، تلتها الفصول التحضيرية لما قبل الابتدائي بنسبة 16%، انخفاضاً من 26% في عام 2015، ثم مجموعات اللعب بنسبة 2%. وبجمع عدد الأطفال الملتحقين بالسنة الثالثة من رياض الأطفال وبالفصول التحضيرية، وهما نوعا التعليم اللذان ينبغي أن يرتادهما الأطفال في سن الخامسة، تكون حصة من يرتادون فصلاً تحضيرياً من إجمالي التحاق الأطفال في سن الخامسة قد انخفضت من النصف إلى الثلث خلال عشر سنوات. وتشير الأدلة أيضاً إلى أن 70% من الأطفال في سن الخامسة كانوا في تعليم الطفولة المبكرة، مقارنة بنسبة 38% من الأطفال في سن الثالثة والرابعة في مجموعات اللعب وفي السنتين الأولى والثانية من رياض الأطفال.
وتتوافق هذه الأرقام عموماً مع نتائج مسح المؤشرات الاجتماعية في لاو لعام 2023. إذ يُظهر المسح أن 27% من الأطفال في سن الثالثة والرابعة كانوا يرتادون برنامجاً للتعلّم المنظّم، وأن 67% من الأطفال في سن الخامسة كانوا ملتحقين بالتعليم، وإن كان هؤلاء منقسمين بالتساوي بين من يرتادون شكلاً من أشكال تعليم الطفولة المبكرة ومن هم في المدرسة الابتدائية أصلاً، وهي نسبة مرتفعة من الالتحاق المبكر بالصف الأول. غير أن سؤالاً إضافياً أكّد أن 61% من طلاب الصف الأول سبق أن ارتادوا شكلاً من أشكال تعليم الطفولة المبكرة.
ومن السمات الرئيسية لسياسة التنمية في جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية، ولا سيما في المناطق الريفية، اللامركزية في إطار توجيه «سام سانغ» أو «البناءات الثلاثة». ففي مجال التعليم، بما في ذلك مرحلة الطفولة المبكرة، تضع وزارة التعليم والرياضة السياسات والخطط الوطنية، وتتولّى دوائر التعليم والرياضة في المقاطعات توطينها، فضلاً عن إعداد الميزانيات المحلية وإدارة أموال القطاع الخاص وشركاء التنمية، وتتولّى مكاتب التعليم والرياضة في الأقضية تنفيذها، فضلاً عن حشد الموارد المحلية والتفتيش والرصد والتقييم. وقد أتاحت اللامركزية للمقاطعات والأقضية تكييف العام الدراسي بما يتوافق مع الدورة الزراعية المحلية وتحسين حضور الطلاب. وزادت خطة تنمية قطاع التعليم والرياضة للفترة 2021 إلى 2025 من مواءمة مسؤوليات الإدارة لدى المقاطعات والأقضية وتوضيحها.
ودعم شركاء التنمية الحكومة في جهودها لتوسيع تعليم الطفولة المبكرة، وإن كان ذلك أساساً عبر تأثيرهم المبكر في السياسة الوطنية الذي ساعد الحكومة على توسيع نطاق بعض النماذج، ومنها المشروعان التجريبيان لتنمية الطفولة المبكرة وتنمية الطفولة المبكرة القائمة على المجتمع والمدرسة، مع اليونيسف ومنظمة إنقاذ الطفولة في النرويج. أما المشاريع اللاحقة الأكثر طموحاً، كمشروع تعليم الطفولة المبكرة الممتد خمس سنوات بتمويل من البنك الدولي بقيمة 28 مليون دولار أمريكي الذي انطلق في عام 2014، فقد جاءت بعد أن نجحت الحكومة في توسيع الوصول. ولم يعمل برنامج الجاهزية المدرسية المجتمعي الذي تموّله اليونيسف، والذي أُطلق في عام 2013، إلا في ستة أقضية من أصل 148 قضاءً، وركّز على تحسين الجودة، عبر التعليم باللعب واستخدام لغات الأقليات لتيسير الانتقال إلى التعليم باللغة اللاوية، وإن كانت عدة مراكز من التي أُنشئت قد حُوّلت إلى مدارس عامة لما قبل الابتدائي، بما يبرهن على تبنّي الحكومة لها. وحتى عام 2025، ثمة 3,389 مدرسة لتعليم الطفولة المبكرة، دعم شركاء التنمية 241 منها، بحسب نظام معلومات الإدارة في الوزارة، ومعظمها في مناطق يصعب الوصول إليها.
وللجغرافيا والانتماء العرقي والوضع الاجتماعي الاقتصادي أثر كبير في احتمال ارتياد الطفل تعليم الطفولة المبكرة. وتميل هذه المسائل إلى التشابك، إذ تعيش جماعة لاو تاي، وهي الجماعة العرقية الغالبة، في المناطق المنخفضة الميسّرة الوصول والأكثر ثراءً، ولغتها هي لغة التدريس. ولم يؤدِّ توسيع الوصول إلى تعليم الطفولة المبكرة إلى الحدّ من التفاوت بين الأطفال في سن الثالثة والرابعة، لكنه قلّص الفجوات إلى حدّ ما بين الأطفال في سن الخامسة.
ففي عام 2006، كانت ثمة فجوة قدرها 43 نقطة مئوية بين المناطق الحضرية والريفية في نسبة طلاب الصف الأول الذين ارتادوا تعليم الطفولة المبكرة في العام السابق، وتقلّصت هذه الفجوة إلى 31 نقطة في عام 2017 و26 نقطة في عام 2023، أي 81% مقابل 55%. وفي عام 2006، كانت ثمة فجوة قدرها 61 نقطة مئوية في هذا المؤشر بين أطفال أغنى 20% وأفقر 20% من الأسر، وتقلّصت إلى 51 نقطة في عام 2017 و34 نقطة في عام 2023. وكان التفاوت بين الجماعات العرقية أقل إلى حدّ ما؛ فقد بلغت نسبة الارتياد مثلاً 65% لدى جماعة لاو تاي الغالبة مقابل 51% لدى أقلية مون خمير.
ونحو عام 2005، أعطت وزارة التعليم والرياضة الأولوية للمجتمعات التي ترتفع فيها نسبة الأقليات العرقية والواقعة في أفقر الأقضية، وهو جهد لا يزال مستمراً حتى اليوم. وقد أُنشئت تجمعات مدرسية في الأقضية الأربعين الأشد حرماناً لإعطائها الأولوية في الدعم، بما في ذلك توجيه شركاء التنمية الدوليين إليها.
وقد ساعد جهودَ الحكومة لتحسين تعليم الطفولة المبكرة التحسّنُ السريع في الظروف المعيشية خلال هذه الفترة، على الأقل حتى عام 2019. فبحسب ست جولات من مسح الإنفاق والاستهلاك في لاو، انخفض معدل الفقر من 46% في العام 1992/1993 إلى 18.6% في العام 2018/2019، أي بنسبة 60%، بمعدل شبه ثابت قدره 1.05 نقطة مئوية سنوياً.
لبنان: صمود يتآكل في مواجهة ظروف بالغة القسوة
كان لبنان تاريخياً يتمتع بمستوى من التنمية التعليمية أعلى من بلدان المنطقة الأخرى، بما في ذلك على مستوى التعليم ما قبل الابتدائي. ففي عام 2000، كان 74% من الأطفال في سن الخامسة و54% من الأطفال من سن الثالثة إلى الخامسة ملتحقين بالتعليم، أي بما يزيد على أربعين نقطة مئوية عن المتوسط دون الإقليمي لغرب آسيا. والتعليم ما قبل الابتدائي في لبنان حلقة من ثلاث سنوات، من الروضة الأولى إلى الروضة الثالثة، مما يعني أن معدلات الالتحاق بالتعليم ما قبل الابتدائي في لبنان أعلى حتى من بقية غرب آسيا حيث تتبع معظم النظم حلقة من سنتين. ورغم تعهّد الحكومة في عام 2016 بإلحاق جميع الأطفال من سن الثالثة إلى الخامسة بتعليم الطفولة المبكرة، لا يوجد حتى الآن إطار قانوني يجعل التعليم ما قبل الابتدائي إلزامياً.
غير أن العقدين التاليين لعام 2000 اتّسما بالركود. فبحلول عام 2008، كان معدل التحاق الأطفال في سن الخامسة في لبنان قد انخفض إلى 70%، قبل أن يرتفع إلى 79% بحلول عام 2013، ثم ينخفض مجدداً إلى 68% بحلول عام 2020، في ارتباط بأزمة اللاجئين السوريين. وخلال هذه الفترة، ارتفع معدل التحاق الأطفال في سن الخامسة في غرب آسيا بنحو عشرين نقطة مئوية. ويُلاحظ نمط مماثل في صافي معدل التحاق الأطفال من سن الثالثة إلى الخامسة في لبنان، حيث توقف التقدّم في العقدين الأول والثاني من هذا القرن، في حين شهد غرب آسيا زيادة متواضعة.
ولا تعكس الزيادة الحادة الظاهرة في معدلات الالتحاق بعد عام 2020، وهي فترة اتّسمت بأزمة مالية حادة وحالة الطوارئ الناجمة عن جائحة كوفيد 19 وانفجار مرفأ بيروت والنزاع الأخير مع إسرائيل، زيادة فعلية في الالتحاق. فبحسب البيانات الحكومية، ظل هذا الالتحاق ثابتاً على مستوى الروضة الثالثة، وانخفض قليلاً في الروضة الثانية، وانخفض على نحو أكبر في الروضة الأولى، بنسبة 22% بين عامَي 2020 و2024. ويعكس الانخفاض في التحاق الروضة الأولى على نحو أدق الأزمة الحادة التي عاشتها الأسر اللبنانية في السنوات الأخيرة، إذ ارتفع معدل الفقر بأكثر من ثلاثة أضعاف، من 12% في عام 2012 إلى 44% في عام 2022. وقد حالت الحاجة إلى تلبية الاحتياجات الأساسية دون إرسال أسر كثيرة أطفالها إلى مرحلة ما قبل المدرسة.
والأرجح أن الزيادة في التقديرات الرسمية لمعدل الالتحاق زائفة، وتتصل بافتراضات شعبة السكان في الأمم المتحدة التي كانت تتوقع عودة اللاجئين السوريين، وإن بوتيرة أسرع على الأرجح مما حدث فعلاً. وفي غياب تعداد سكاني وطني منذ عام 1932، يصعب تقدير عدد السكان في سن الدراسة، ولا سيما في ظل تدفّقات اللاجئين غير المسبوقة.
ولعل المقياس الأكثر موثوقية لنسبة الأطفال في سن الخامسة الذين ارتادوا سنة واحدة على الأقل من التعليم ما قبل الابتدائي هو نسبة طلاب الروضة الثالثة إلى طلاب الصف الأول، على افتراض أن الالتحاق بالتعليم الابتدائي شامل، على الأقل بالنسبة للمواطنين اللبنانيين. واستناداً إلى هذا الحساب، كان 87% من طلاب الصف الأول في الروضة الثالثة في العام السابق، وهي نسبة ظلت ثابتة طوال السنوات العشر الماضية. وقد يقلّل هذا الافتراض من تقدير معدل ارتياد الروضة الثالثة لدى المواطنين اللبنانيين إذا كان غير اللبنانيين أكثر ميلاً إلى الالتحاق بالصف الأول الابتدائي منهم إلى ارتياد مرحلة ما قبل المدرسة. وقد يتسق هذا التفسير مع أدلة المسح الأسري لعام 2009، أي قبل اندلاع أزمة اللاجئين السوريين، التي أظهرت أن 94% ارتادوا الروضة قبل الالتحاق بالصف الأول الابتدائي.
وتطبع الانقساماتُ الطائفية وعدمُ الاستقرار السياسي، اللذان بلغا ذروتهما في الحرب الأهلية الطويلة بين عامَي 1975 و1990، السياسةَ والمجتمع في لبنان، المنقسم على أسس دينية بثماني عشرة طائفة معترف بها رسمياً. وبينما يُعدّ غياب التعداد السكاني نتيجة بارزة لانعدام الثقة الذي تولّده هذه الانقسامات، فإن نتيجة أخرى هي نظام تعليمي شديد التجزؤ، بما في ذلك في مرحلة الطفولة المبكرة، تمثّل فيه المدارس العامة أقلية. وتفضّل مجتمعات كثيرة تعليم أطفالها على نحو منفصل حين تقدر على ذلك.
ولا يرتاد مؤسسة عامة لما قبل المدرسة والصف الأول الابتدائي في مدرسة عامة سوى نحو طفل واحد من كل خمسة أطفال، وهي حصة بدأت بالانخفاض بعد عام 2020. فمثلاً، انخفضت حصة مؤسسات ما قبل المدرسة العامة من الالتحاق بالروضة الثالثة من 25% في العام 2021/2022 إلى 20% في العام 2023/2024، بعد أن بلغت ذروة قدرها 31% خلال الأزمة المالية وحالة الطوارئ الناجمة عن كوفيد 19 اللتين رفعتا تكلفة المعيشة. ويوجد حالياً نحو ألفي مؤسسة تقدّم التعليم ما قبل الابتدائي، منها 795 مؤسسة عامة، أي 40%. ومن بين هذه، لا يوجد سوى 45 مركزاً عاماً مخصصاً لتعليم الطفولة المبكرة، والبقية تقع ضمن مدارس ابتدائية عامة قائمة. فضلاً عن ذلك، وُزّعت المسؤولية عن تعليم الطفولة المبكرة بين وزارات مختلفة، مما أدى إلى إشراف غير واضح والتزام غير متّسق بالتشريعات. ويعني غياب معايير تنظيمية موحّدة وتفاوت ممارسات تدريب المعلمين أن الجودة تتباين تبايناً كبيراً بين البيئات المختلفة.
وقد حضر تعليم الطفولة المبكرة في خطة تطوير قطاع التعليم في لبنان (التعليم العام) للفترة 2010 إلى 2015، وفي الخطة الخمسية للتعليم العام للفترة 2021 إلى 2025. غير أن غلبة التوفير الخاص للتعليم وارتفاع مستويات إنفاق الأسر من أموالها الخاصة يعنيان أن الإنفاق الحكومي على التعليم من بين الأدنى في العالم، إذ قلّ عن 2% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020. وفي المقابل، قُدّر أن الأسر استأثرت بنسبة 47% من إجمالي الإنفاق على التعليم بين عامَي 2011 و2022، وهي من أكبر الحصص في العالم. وخلال هذه الفترة، بلغ الدعم الدولي للتعليم 4.7 مليار دولار أمريكي، أي 11% من إجمالي الإنفاق على التعليم، وهي أكبر حصة في العالم بفارق كبير بالنسبة لبلد متوسط الدخل.
وفي أعقاب الأزمة المالية، التي حوّلت لبنان من اقتصاد ذي دخل متوسط أعلى إلى اقتصاد ذي دخل متوسط أدنى، عانت الحكومة للوفاء بالتزامات الرواتب، مما تسبب في إضرابات متكررة طوال السنوات الدراسية الست الماضية. وقد حاولت معالجة المشكلات عبر إنشاء صندوق التعليم الانتقالي للصمود في عام 2022، الذي يهدف إلى ضمان صرف المستحقات في مواعيدها لـ12,500 معلم وجميع المدارس العامة البالغ عددها 1,237 مدرسة، مع تحسين الحوكمة والشفافية والكفاءة، عبر تعاون بين وزارة التربية والتعليم العالي وجهات مانحة متعددة، وتتولّى اليونيسف تنفيذه.
وقد خضعت قدرة الدولة على توفير التعليم ما قبل الابتدائي لجميع الأطفال على أراضيها لاختبار قاسٍ خلال أزمة اللاجئين السوريين. فلبنان يضم أعلى عدد من اللاجئين نسبةً إلى عدد السكان وإلى الكيلومتر المربع في العالم. إذ استقبل بلدٌ قُدّر عدد سكانه بخمسة ملايين نسمة في عام 2011 نحو 1.17 مليون لاجئ بحلول عام 2014 في ذروة الأزمة، أي 19% من السكان، ولا يزال نحو 818 ألفاً منهم في البلد وفق تقديرات عام 2024.
ولتلبية الطلب على التعليم ما قبل الابتدائي، شجّعت الحكومة التحاق اللاجئين بالمدارس العامة. فبحسب مسح الأحوال المعيشية للعام 2018/2019، كان 62% من اللاجئين الملتحقين في مدارس عامة، مقارنة بنسبة 31% من المواطنين اللبنانيين. وأدخلت الوزارة فصولاً مسائية لما قبل الابتدائي مدتها سنة واحدة للأطفال اللاجئين في سن الخامسة والسادسة، إلى جانب برامج مجتمعية للأطفال من سن الثالثة إلى السادسة تديرها منظمات غير حكومية في إطار سياسة الوصول إلى جميع الأطفال بالتعليم.
ومع ذلك، ظل معظم الأطفال اللاجئين خارج التعليم النظامي ما قبل الابتدائي بحسب تقييم مواطن الضعف لدى اللاجئين السوريين في لبنان، إذ لم يكن يرتاده سوى 18% من الأطفال من سن الثالثة إلى الخامسة في عام 2023. ولم يكن يرتاد التعليم ما قبل الابتدائي سوى 6% ممن يعيشون في مستوطنات اللاجئين المخصصة، بحسب المسح العنقودي متعدد المؤشرات لعام 2023. وفي المقابل، كان 45% من اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في المخيمات ملتحقين بالتعليم ما قبل الابتدائي.
لقد مرّ لبنان بمجموعة بالغة الصعوبة من التحديات المتصلة بالنزاع والنزوح وسوء الإدارة المالية، فوق بيئة اجتماعية متصدّعة ودولة ضعيفة. وقد أبدى شعبه صموداً لافتاً في مواجهة هذه الشدائد، لكن ثمة مؤشرات على أن قدرة الأسر المستضعفة على التكيّف ربما بدأت تنعكس سلباً على الالتحاق بالتعليم، مع دلائل واضحة في حالة تعليم الطفولة المبكرة.
ليتوانيا: توسيع مشاركة الأطفال الأصغر سناً
في ليتوانيا، كما في كثير من نظيراتها الأوروبية، ظلت مشاركة الأطفال قبل سنة من السن الرسمية للالتحاق بالابتدائي شبه شاملة طوال العقدين الماضيين. غير أن تقدّمها الكبير في زيادة مشاركة الأطفال الأصغر سناً جدير بالملاحظة. فبين عامَي 2013 و2023، ارتفع التحاق الأطفال من سن الثالثة إلى الخامسة من 79% إلى 96%، مع تفاوتات طفيفة بحسب مصدر البيانات والفئة العمرية. ويمثّل ذلك إحدى أسرع الزيادات مقارنة بالبلدان الأخرى ذات القيمة الأساسية المماثلة. ويلتحق أطفال هذه الفئة العمرية 39 ساعة أسبوعياً في المتوسط، وهو من أعلى المستويات في أوروبا.
وينقسم تعليم الطفولة المبكرة ورعايتها في ليتوانيا إلى مستويين. الأول هو التعليم ما قبل المدرسي للأطفال منذ الولادة حتى نحو السادسة، ومعظمهم من سن الثانية إلى الخامسة. والثاني سنة إلزامية من التعليم ما قبل الابتدائي للأطفال في سن السادسة، مصممة لإعدادهم للالتحاق بالتعليم الابتدائي في سن السابعة. ومن حيث التصنيف الدولي الموحد للتعليم المستخدم في المقارنات بين البلدان، يُصنَّف التحاق الأطفال دون الثالثة ضمن المستوى 01، والتحاق الأطفال في الثالثة فما فوق ضمن المستوى 02، بصرف النظر عن البرنامج الذي يرتادونه.
وشهدت الزيادة الكبيرة في مشاركة الأطفال الأصغر سناً ارتفاع التحاق الأطفال دون الثالثة في ليتوانيا بمعدل نمو سنوي متوسط قدره 1.6 نقطة مئوية، من 21% إلى 35%، بين عامَي 2013 و2022. وكان النمو أشد انحداراً بين الأطفال في سن الثانية، إذ ارتفع الالتحاق من 55% إلى 83% خلال الفترة، بمتوسط 3.1 نقاط مئوية سنوياً، وهو ثاني أعلى معدل بين 38 بلداً ذا دخل متوسط أعلى أو مرتفع الدخل تتوافر عنها بيانات بحسب العمر المفرد.
وقد تطوّرت تشريعات تعليم الطفولة المبكرة تطوراً كبيراً منذ استعادة ليتوانيا استقلالها في عام 1991. فقد شجّع أول قانون للتعليم في البداية تعليم الأطفال دون السادسة في المنزل، مع تقديم الدولة إعانات تعويضية لدعم الأسر. وحدث تحوّل كبير في عام 2003، حين أدخل القانون رسمياً التعليم ما قبل المدرسي للأطفال من سن الأولى إلى الخامسة، إضافة إلى التعليم ما قبل الابتدائي في سن السادسة. وفي عام 2011، وُسّع التوفير ما قبل المدرسي ليشمل الأطفال منذ الولادة. وفي عام 2016، جعلت ليتوانيا التعليم ما قبل الابتدائي في سن السادسة إلزامياً لجميع الأطفال.
وفي الآونة الأخيرة، حددت المادة السابعة من قانون التعليم الصادر في عام 2020 التطبيق التدريجي للتعليم ما قبل المدرسي المضمون: من سن الرابعة بحلول عام 2023، ومن سن الثالثة بحلول عام 2024، ومن سن الثانية بحلول عام 2025. ويعني ذلك أنه إذا اختار الآباء إلحاق أطفالهم بمؤسسات ما قبل المدرسة، فإن الحكومتين الوطنية والمحلية ملزمتان بتوفير الأماكن اللازمة.
وقد اقترنت أولوية تعليم الطفولة المبكرة وتوسيعه في وثائق السياسات بزيادة التمويل. فقد نما الإنفاق على تعليم الطفولة المبكرة في ليتوانيا من 0.74% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2013 إلى 1.17% في عام 2021، متجاوزاً متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وانعكس ذلك أيضاً في قفزة في الإنفاق لكل طالب، تجاوزت جميع بلدان وسط أوروبا وشرقها الأخرى التي انطلقت من مستوى مماثل. وبين عامَي 2015 و2020، ارتفع الإنفاق السنوي لكل طفل في التعليم ما قبل الابتدائي بمتوسط 9.4% في ليتوانيا، وهو الأعلى بفارق كبير بين جميع بلدان المنظمة. ويأتي ذلك رغم ازدياد عدد الأطفال في هذه الفئة العمرية، على عكس الاتجاه في معظم بلدان المنظمة الأخرى.
وركّز تخصيص هذه الأموال على زيادة الوصول. فمنذ عام 2011، تستخدم ليتوانيا نموذج تمويل لكل طفل، أي أنها تخصّص الأموال على أساس عدد المجموعات وحجمها، مع أحكام خاصة. فالأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة مثلاً يُحتسبون بطفلين، ويُزاد التمويل بنسبة 6.25% للطلاب الذين يتعلّمون بلغة أقلية قومية. وتموّل الحكومة عشرين ساعة أسبوعياً من التعليم ما قبل المدرسي وما قبل الابتدائي لكل طفل، بصرف النظر عن المؤسسة التي يرتادها. وإذا قُدّم التعليم لساعات أطول، يموّل مالك المدرسة، سواء كان الدولة أو البلدية أو جهة غير حكومية، الجزء المتبقي. فضلاً عن ذلك، تقدّم الحكومة منذ عام 2020 وجبة غداء مجانية لجميع الأطفال الملتحقين بالتعليم ما قبل الابتدائي، بصرف النظر عن الدخل.
وساعد نموذج التمويل لكل طفل على تنويع العرض عبر جهات غير حكومية. فقد ارتفع عدد مؤسسات ما قبل المدرسة غير الحكومية من أربع مؤسسات في عام 2011 إلى 179 في عام 2023. ورغم أن حصة الأطفال من سن الثالثة إلى السادسة الملتحقين بمؤسسات غير حكومية لا تزال صغيرة، فقد نمت من 2% في عام 2013 إلى 7% في عام 2022. كما سعت الحكومة إلى تنويع العرض بتخفيف «المعايير الصحية» الموروثة من الحقبة السوفيتية، مما أتاح التوفير في طائفة أوسع من البيئات، منها المنازل الخاصة والمباني متعددة الطوابق والمرافق المختلطة التي تقدّم تعليم الطفولة المبكرة ورعايتها وخدمات أخرى، والمعروفة بالمراكز متعددة الوظائف.
وأجرت ليتوانيا إصلاحات جوهرية نحو التعليم الشامل للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة منذ استقلالها. ففي عام 1993، نصّ قانون توفير التعليم الخاص للأطفال ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة في المؤسسات التعليمية العادية على إمكانية تعليم الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة في المؤسسات العادية، مع منح الآباء حق الاختيار. وشدّدت الاستراتيجية الوطنية للتعليم للفترة 2013 إلى 2022 على هدف إدماج المتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة في التعليم العادي إلى أقصى حدّ ممكن، وهو ما أعاد تأكيده الاتفاق على السياسة الوطنية للتعليم للفترة 2021 إلى 2030. واعتباراً من العام الدراسي 2024/2025، أصبح الإدماج إلزامياً، ويجب أن تُتاح لكل طفل فرصة الدراسة في أقرب مؤسسة تعليمية إليه. ولتنفيذ هذا التغيير، تستثمر الحكومة ثلاثين مليون يورو في تحديث البنية التحتية المدرسية وتدريب الكوادر وتوسيع خدمات الدعم.
ولا تزال ثمة تحديات، منها نقص المرافق المكيّفة تكييفاً كاملاً، وقلة الاختصاصيين، وضعف التأييد العام. فبحسب مسح أُجري في عام 2022، لم يؤيد الفصول الدراسية الشاملة سوى 43% من البالغين. ومع ذلك، تعكس بيانات المشاركة تنامي الإدماج. ففي عام 2022، سجّلت ليتوانيا أعلى معدل لتحديد الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة بين جميع البلدان والكيانات دون الوطنية الأوروبية التي تتوافر عنها بيانات، إذ تجاوز 20%. وكان جميعهم تقريباً ملتحقين بمؤسسات ما قبل المدرسة العادية. ومن بين الطلاب ذوي الإعاقة من مرحلة ما قبل الابتدائي إلى المرحلة الثانوية، كان 50% في فصول عامة عادية و14% في فصول خاصة داخل المدارس العامة.
وبذلت الحكومة أيضاً جهوداً لزيادة مشاركة الأطفال من الخلفيات المحرومة اجتماعياً واقتصادياً. فهي تسعى إلى تخفيف العبء المالي بتقديم وجبات مجانية ومساعدة في شراء اللوازم المدرسية للتلاميذ الذين يقل دخل أسرهم عن حدّ معيّن. فضلاً عن ذلك، كثيراً ما تحدد البلديات رسوماً أدنى أو إعفاءات للأسر المحرومة والأسر التي لديها ثلاثة أطفال أو أكثر وغيرها، استناداً إلى اللوائح المحلية. وبموجب القانون، يجب نقل الأطفال الذين يعيشون في المناطق الريفية والبلدات الصغيرة على مسافة تزيد على ثلاثة كيلومترات من أقرب برنامج للتعليم ما قبل الابتدائي من المدرسة وإليها.
ومنذ عام 2011، يحق للحكومة فرض الحضور على الأطفال دون السادسة الذين يُعدّون معرّضين للخطر. وتشمل معايير تحديد الأطفال المعرّضين للخطر المشكلات الأسرية والإعاقة والصعوبات المالية. وفي هذه الحالات، يكون الحضور والوجبات مجانيين للأسرة. ويرصد مسح الاتحاد الأوروبي للدخل وظروف المعيشة مشاركة الأطفال الذين يعيشون في خطر الفقر، أو يواجهون حرماناً مادياً واجتماعياً حاداً، أو يعيشون في أسر ذات كثافة عمل منخفضة جداً. ويمثّل هؤلاء في ليتوانيا نحو 20% من الأطفال دون السادسة. وقد ارتفعت مشاركة الأطفال المعرّضين للخطر من سن الثالثة إلى السادسة في تعليم الطفولة المبكرة من 53% في عام 2015 إلى 94% في عام 2024.
ومع ذلك، لا تزال ثمة فوارق كبيرة بحسب الدخل والموقع. ففي عام 2023، كان معدل مشاركة الأطفال من سن الثالثة إلى الخامسة في تعليم الطفولة المبكرة لمدة لا تقل عن 25 ساعة أسبوعياً أعلى بعشرين نقطة مئوية بين أطفال الثلث الأعلى دخلاً مقارنة بأطفال الثلث الأدنى، وهي من أوسع الفجوات في أوروبا. كما ظل التقدّم في تضييق الفجوة بين الحضر والريف محدوداً، رغم أن الاتفاق على السياسة الوطنية للتعليم للفترة 2021 إلى 2030 حدد غاية بإلحاق 70% من الأطفال الريفيين من سن الثانية إلى الخامسة بالتعليم ما قبل المدرسي بحلول عام 2027. فبين عامَي 2016 و2024، لم يرتفع الالتحاق في المناطق الريفية إلا ارتفاعاً متواضعاً من 43% إلى 49%، أي ما يزال دون الهدف الوطني بكثير.
شهادة من الوزارة في ليتوانيا عن عزم بلد على تحسين المشاركة في تعليم الطفولة المبكرة
أمضيت أربعة عشر عاماً في العمل في مجال تعليم الطفولة المبكرة ورعايتها، أولاً في إحدى البلديات، ثم طوال السنوات السبع الماضية في وزارة التعليم والعلوم والرياضة في ليتوانيا. وقبل ذلك كله، كنت معلمة. وتشكّل خلفيتي طريقة حديثي عن إصلاحاتنا: فأنا أفكّر دائماً في أثرها على الأطفال الحقيقيين والأسر والإداريين المحليين.
جاءت نقطة التحوّل في عام 2012، حين قررت الوزارة أن الأطفال من الأسر المعرّضة لمخاطر اجتماعية يجب أن تُتاح لهم فرصة ارتياد تعليم الطفولة المبكرة ورعايتها بوصفه شكلاً من أشكال التعليم الإلزامي. كان تحوّلاً هادئاً لكنه مهم، إقراراً بأن بعض الأطفال يحتاجون إلى أن يأتي النظام إليهم، لا العكس. ومُنحت البلديات صلاحية إلحاق الأطفال ببيئات تعليم الطفولة المبكرة ورعايتها إذا كانت أسرهم تواجه ضائقة اقتصادية أو صعوبات اجتماعية أو غير ذلك من أوجه الضعف. ثم في عام 2016، أصبح التعليم ما قبل الابتدائي إلزامياً في السنة السابقة للمدرسة. وفي عام 2020، عدّلنا قانون التعليم لإدخال ضمان المكان، أي التزام بأن يحصل كل طفل على مكان في تعليم الطفولة المبكرة ورعايتها، يُطبَّق تدريجياً من سن الرابعة نزولاً إلى سن الثانية، بمواءمة دقيقة مع تشريعاتنا الخاصة بإجازة الوالدين. وكانت الفكرة بسيطة: حين ينتهي وقتك في المنزل مع طفلك، يبدأ مكانه في تعليم الطفولة المبكرة ورعايتها.
وتبع التمويلُ الطموحَ. فقد تضاعفت سلة التمويل لكل طفل أكثر من مرتين بين عامَي 2020 و2025، من نحو 1,700 يورو إلى 3,400 يورو سنوياً. وهي تغطي رواتب المعلمين والتطوير المهني والأدوات الرقمية ودعم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
ومن أكثر ما أفخر به طريقة استخدامنا للبيانات. ففي ليتوانيا لدينا سجل للتلاميذ يتتبّع كل طفل منذ لحظة دخوله مؤسسة لتعليم الطفولة المبكرة ورعايتها وحتى نهاية التعليم الثانوي. فإذا تأخرت بلدية ما في الالتحاق، نعرف ذلك ونعمل معها مباشرة. وبالنسبة للأطفال الأشد ضعفاً، أحدث ضمان الطفل الأوروبي تحولاً. فبالجمع بين سجلين منفصلين، حددنا نحو 4,800 طفل يعيشون في ظروف مخاطر اجتماعية. ويصل مشروع ضمان الطفل الآن إلى أكثر من 4,200 منهم، ويغطي النقل والغذاء والأنشطة الثقافية وغير النظامية ودعم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة والدعم التعليمي الفردي.
وما أدركته خلال أربعة عشر عاماً أنه قد يكون لديك أفضل أب أو أم في العالم، لكن حتى أكثر الآباء تفانياً لا يستطيع أن يكرّر ما تقدّمه بيئة جيدة لتعليم الطفولة المبكرة ورعايتها. فتحفيز التعلّم إلى جانب أطفال آخرين، والمربّون المؤهلون، والبيئة المنظّمة المرحة في آن، أمور لا يمكن تقديمها إلا عبر التعليم. وقد قفزت نسبة الأطفال في سن الثانية الملتحقين من 72% في عام 2020 إلى نحو 87% في عام 2024. ليس القانون من فعل ذلك، بل الثقة.
وأرى دوري في المستقبل في مساعدة ليتوانيا على البناء على هذا التقدّم مع معالجة أوجه عدم المساواة المستمرة. ويُظهر مشروع التوأمة الحالي بيننا وبين رواندا كيف يمكن تكييف الدروس المستفادة من ليتوانيا في سياقات مختلفة تماماً. والاتجاه واضح: ضمان الوصول منذ سن مبكرة، ودعم الأسر المستضعفة، والحفاظ على الجودة مع تنامي المشاركة.
ساندرا فالافيتشيوتي، مستشارة وزير التعليم والعلوم والرياضة
مدغشقر: أحد أفقر البلدان يوسّع الوصول إلى التعليم ما قبل المدرسي بسرعة
في مدغشقر، ارتفع صافي معدل الالتحاق المعدّل قبل سنة من السن الرسمية للالتحاق بالابتدائي، وهي السادسة، من 10% في عام 2000 إلى 66% في عام 2024، وتحقق أسرع نمو بين عامَي 2014 و2018، حين ارتفع من 33% إلى 57%. وخلال هذه الفترة، تجاوز المعدل متوسط أفريقيا جنوب الصحراء. وتُظهر بيانات جولتين من المسح الديموغرافي والصحي تغطيان هذه الفترة أن صافي معدل الارتياد المعدّل ارتفع من 30% في عام 2009 إلى 66% في عام 2021، بما يتطابق إلى حدّ كبير مع أدلة البيانات الإدارية.
وفي عام 2004، كانت الخطوة الأولى المهمة لتطوير القطاع القانون رقم 2004 004 الذي أدمج التعليم ما قبل الابتدائي في النظام التعليمي الوطني، وساعد على إطلاق جهود توسيع الوصول. وفي عام 2007، طُرحت خطط لإنشاء مراكز لما قبل الابتدائي في المدارس العامة والمجتمعات المحلية بهدف رفع الالتحاق. وأعطى المرسوم رقم 2008 532، في مادتيه السابعة والثانية عشرة، الأولوية لتعليم الطفولة المبكرة للأطفال في المناطق الريفية وللأطفال من الخلفيات المحرومة وللأطفال ذوي الإعاقة. وفي عام 2009، انتقلت المسؤولية عن التعليم ما قبل الابتدائي، التي كانت حتى ذلك الحين موزّعة بين وزارة السكان ووزارة التربية الوطنية، بالكامل إلى وزارة التربية الوطنية لتحسين التنسيق وتخصيص الموارد. وفي عام 2012، وُضع منهج للتعليم ما قبل الابتدائي بدعم من اليونيسف.
وأولت الخطة التعليمية المؤقتة للفترة 2013 إلى 2015 اهتماماً إضافياً بالمراكز المجتمعية في المناطق الريفية لخفض التكاليف على الأسر. والواقع أنه حتى العام الدراسي 2013/2014، كانت المؤسسات الخاصة التي تقدّم التعليم ما قبل الابتدائي أكثر عدداً من المدارس العامة والمجتمعية. لكن بين العامين الدراسيين 2013/2014 و2016/2017، تضاعف عدد المدارس العامة والمجتمعية الملحق بها فصل لما قبل الابتدائي ست مرات، من 2,300 إلى 13,900. وبحلول العام الدراسي 2023/2024، كانت ثمة 16,440 مدرسة عامة ومجتمعية، 8% منها في المناطق الحضرية، و5,140 مدرسة خاصة، 8% منها في المناطق الحضرية، تقدّم التعليم ما قبل الابتدائي.
وبناءً على ذلك، ارتفعت حصة الالتحاق بالتعليم ما قبل الابتدائي في المؤسسات التعليمية العامة والمجتمعية ارتفاعاً سريعاً من 6% في العام 2006/2007 و25% في العام 2012/2013 إلى 72% بحلول العام 2016/2017، وهو مستوى حافظت عليه تقريباً منذ ذلك الحين. وفي العام 2023/2024، استأثرت المؤسسات العامة لما قبل الابتدائي بنسبة 68% من الطلاب و70% من المربّين. غير أنه تجدر الإشارة إلى أنه لا أحد من هؤلاء المربّين في المؤسسات العامة لما قبل الابتدائي موظف حكومي دائم: فنسبة 17% منهم يعملون بعقود خدمة في القطاع العام، و8% في مدارس مجتمعية مدعومة، ومعظم البقية في مدارس مجتمعية تدعمها جمعيات أولياء الأمور غير مدعومة حكومياً.
وحدثت تغيّرات طفيفة في أنماط الالتحاق منذ ذروة توسّع التوفير العام في العام 2016/2017. فالتعليم ما قبل الابتدائي يشمل ثلاثة مستويات أو أقسام: القسم الصغير للأطفال في سن الثالثة، والقسم المتوسط للأطفال في سن الرابعة، والقسم الكبير للأطفال في سن الخامسة، ويستأثر القسم الكبير بنحو نصف إجمالي الالتحاق. وبين العامين 2016/2017 و2023/2024، انخفضت حصة المؤسسات العامة والمجتمعية من إجمالي الالتحاق بعض الشيء، من 68% إلى 55% في القسم الصغير، ومن 75% إلى 68% في القسم المتوسط، في حين ظلت ثابتة عند 72% في القسم الكبير. وباختصار، تشير البيانات الإدارية إلى أن نحو سبعة أطفال من كل عشرة يرتادون مؤسسة عامة، وإن كان المسح الأسري الدائم للفترة 2021 إلى 2022 قد وجد أن 53% فقط من الأطفال كانوا في مؤسسات عامة، مما يوحي بأن المصادر الإدارية ربما تقلّل من تقدير الارتياد في المؤسسات الخاصة، ومن ثمّ من تقدير مستويات الارتياد الإجمالية أيضاً. وتفيد المصادر الإدارية بأن نسبة الأطفال في سن الخامسة الملتحقين بالقسم الكبير ارتفعت من 47% إلى 59% بين العامين 2016/2017 و2023/2024. وفي عام 2022، فرض القانون رقم 2022 018 سنة واحدة من التعليم ما قبل الابتدائي لجميع الأطفال في سن الخامسة.
وكانت دراسات سابقة للتوسّع قد أظهرت أن الأسر تدرك أهمية التعليم ما قبل الابتدائي لكنها تواجه عوائق اقتصادية وثقافية وشخصية. فقد وجدت دراسة أُجريت في عام 2010 أنه بينما أيّد كثير من الآباء التعلّم المنظّم المبكر، فضّل بعضهم الأساليب التقليدية أو كانوا ببساطة مقيّدين مالياً، حتى وإن أقرّوا بفوائد تعليم الطفولة المبكرة، كتحسّن البقاء في المدرسة والأداء المدرسي. وخلصت دراسة أُجريت في عام 2012 إلى أن الآباء يرون في تعليم الطفولة المبكرة مفتاحاً للخروج من الفقر، لكنهم يعانون لتحمّل تكاليفه ويسعون إلى دمج أفضل للتقاليد المحلية في البرامج.
وتُظهر بيانات جولتَي المسح الديموغرافي والصحي المذكورتين آنفاً أنه خلال التوسّع الهائل للنظام، ارتفع الارتياد بين أطفال الخُمس الأفقر من الأسر بدرجة أقل، من 20% إلى 39%، منه بين أطفال الخُمس الأغنى، من 56% إلى 96%، بين عامَي 2009 و2021. وبالمثل، ارتفع الارتياد في المناطق الريفية، من 29% إلى 63%، بدرجة أقل منه في المناطق الحضرية، من 44% إلى 90%. غير أن المكاسب التي حققتها الفئات المحرومة كانت كبيرة جداً في الحالتين، وتحسّن مؤشر التكافؤ، وهو المؤشر العالمي 4.5.1 لأهداف التنمية المستدامة المتعلق بالإنصاف، تحسّناً طفيفاً من 0.37 إلى 0.41 في حالة الثروة، أي نسبة معدل ارتياد الأفقر إلى معدل ارتياد الأغنى، ومن 0.65 إلى 0.70 في حالة الموقع، أي نسبة معدل الارتياد في المناطق الريفية إلى معدله في المناطق الحضرية.
ولأن أربعة أطفال من كل عشرة في سن الخامسة لا يزالون لا يرتادون التعليم ما قبل المدرسي، تظل مسألة جعل التعليم ما قبل الابتدائي ميسور التكلفة وأيسر وصولاً مسألة حاسمة. فبحسب المسح الأسري الدائم للفترة 2021 إلى 2022، لم يكن سوى نحو 24% من طلاب ما قبل الابتدائي معفيين من رسوم التسجيل أو الرسوم الدراسية. وأنفقت الأسر في المتوسط 108 آلاف أرياري ملغاشي سنوياً، أي 27 دولاراً أمريكياً، على تكاليف مثل الوجبات والنقل والزي المدرسي واللوازم. وكانت الأسباب الرئيسية لعدم ارتياد الأطفال في سن الخامسة هي المسافة بنسبة 11%، والأسباب المالية بنسبة 27%، والأسباب المتعلقة بالمواقف، إذ رأى 48% أن طفلهم «صغير جداً».
ومستويات الفقر في مدغشقر من بين الأعلى في العالم، إذ كان 75% من السكان تحت خط الفقر الوطني في عام 2021. وفي عام 2018، عُدّ 52% من الأطفال من سن الثانية إلى الرابعة مصابين بالتقزّم، أي أقصر مما ينبغي لأعمارهم. وقُدّر أن ربع الأطفال يعيشون في فقر مدقع متعدد الأبعاد. ويُقدَّر أن دخل الفرد انخفض منذ عام 1960 بنحو النصف، مما يجعل مدغشقر البلد الذي عانى أسوأ تراجع اقتصادي دون أن يمرّ بحرب أهلية. وفي هذا السياق، يُعدّ التوسّع السريع في التعليم ما قبل الابتدائي في منتصف العقد الثاني من هذا القرن، والنمو المستمر للقطاع، أساساً عبر المؤسسات العامة، إنجازاً كبيراً.
أوزبكستان: استكمال التحوّل في تعليم الطفولة المبكرة
خلال العقد الماضي، رفعت أوزبكستان الالتحاق بالتعليم ما قبل المدرسي وحدّثت مؤسساته. فقد ارتفع معدل المشاركة قبل سنة من التعليم الابتدائي من 28% فقط في عام 2016 إلى 84% في عام 2024، متجاوزاً ليس فقط متوسط فئتها من البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى البالغ 77%، بل أيضاً متوسط البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى البالغ 82%، ولاحقاً بجارتيها كازاخستان وقيرغيزستان. وعلى امتداد الفئة العمرية لما قبل المدرسة بكاملها، من الثالثة إلى السادسة، ارتفع صافي معدل الالتحاق من 20% في عام 2016 إلى 69% في عام 2025.
وبعد الاستقلال في عام 1991، تراجع نظام رياض الأطفال الموروث من الحقبة السوفيتية، مما أدى إلى انخفاض تقديري في الالتحاق من أكثر من 70% إلى أقل من 40%. ويُقدَّر أن عدد رياض الأطفال انخفض بنسبة 45% بين عامَي 1999 و2019. فضلاً عن ذلك، لم يكن المعلمون يُعاد تأهيلهم، وأثّر عدم كفاية التمويل الحكومي في الوصول والجودة معاً، ولا سيما في المناطق الريفية. وفي عام 2012، لم يكن يرتاد التعليم ما قبل المدرسي سوى 23% من الأطفال من سن الثالثة إلى السادسة، وكانت ثمة خطط متواضعة لرفع هذه الحصة إلى 32% بحلول العام 2016/2017.
لكن في أواخر عام 2016، دعا مرسوم رئاسي بعنوان «تدابير تهدف إلى زيادة تحسين نظام التعليم ما قبل المدرسي في الفترة 2017 إلى 2021» إلى مزيد من التحسينات، منها إدخال مجموعات ما قبل المدرسة لنصف يوم للأطفال في سن الخامسة والسادسة، وإنشاء مؤسسات جديدة لما قبل المدرسة في المناطق الريفية. وفي عام 2017، طُرحت إحدى عشرة سياسة للتعليم ما قبل المدرسي، أبرزها إنشاء وزارة التعليم ما قبل المدرسي لمركزة الإدارة. وضمن قانون التعليم ما قبل المدرسي لعام 2019 لكل طفل سنة واحدة من التعليم ما قبل المدرسي قبل دخول المدرسة. وحددت اللوائح معايير للمرافق وتدريب المعلمين والميزانيات، وأسندت أدواراً واضحة للسلطات المركزية والإقليمية لتعزيز الوصول والجودة.
وفي عام 2018، جرّبت الحكومة مجموعات تحضيرية مجانية للمدرسة مدتها سنة واحدة في مناطق مختارة، التحق بها أكثر من 11 ألف طفل. وبحلول عام 2020، عُمّمت هذه المجموعات بالكامل، بهدف أن تصبح الوسيلة الرئيسية لتعميم تعليم الطفولة المبكرة. وفي إطار استراتيجية التنمية لأوزبكستان الجديدة للفترة 2022 إلى 2026، التي تركّز على إنشاء نظام تعليمي منصف وشامل وعالي الجودة، يسعى الهدف الثامن والثلاثون إلى رفع تغطية التعليم ما قبل الابتدائي للأطفال من سن الثالثة إلى السادسة من 67% إلى 80% على الأقل، على أن يبلغ الوصول إلى التعليم ما قبل المدرسي للأطفال في سن السادسة 90% في العام 2022/2023 و100% بحلول العام 2024/2025. وفي فبراير 2026، جعل قرار وزاري سنة واحدة من التعليم ما قبل المدرسي إلزامية.
وكان من الأجزاء الرئيسية لجهود زيادة الالتحاق بالتعليم ما قبل المدرسي حشد روح المبادرة في القطاع الخاص. ففي عام 2018، أدخل القرار رقم 3651 مفهوم الشراكات بين القطاعين العام والخاص. ويقدّم هذا النموذج حوافز كالأراضي والمباني المجانية والإعانات لتشجيع الجهات الخاصة على إنشاء مؤسسات لما قبل المدرسة، ولا سيما في المناطق الحضرية. فضلاً عن ذلك، تخدم مؤسسات ما قبل المدرسة غير الحكومية القائمة على الأسرة الأطفالَ المحرومين. وتقدّم هذه المراكز مساهمات مخفّضة من أولياء الأمور لمدة ثلاث سنوات على الأقل.
ومن عام 2018 إلى عام 2022، مُنحت إعانات قدرها أربعة تريليونات سوم أوزبكي، أي 400 مليون دولار أمريكي، لمؤسسات ما قبل المدرسة غير الحكومية عبر هذه الشراكات. وتفاوت مقدار الإعانات بحسب المنطقة، من 30% في العاصمة طشقند، إلى 40% في نوكوس وعواصم المناطق الأخرى، و50% في المناطق الأخرى، و75% في المناطق النائية والمهمشة. وفي عام 2022، أوجد أكثر من 1,600 اتفاق 172 ألف مكان، دُعم 118 ألفاً منها بقروض تفضيلية بلغ مجموعها 2.1 تريليون سوم، أي 190 مليون دولار أمريكي، في حين استثمر رواد الأعمال 1.3 تريليون سوم، أي 103 ملايين دولار أمريكي. ومدة هذه القروض التجارية خمس عشرة سنة مع فترة سماح مدتها ثلاث سنوات وبسعر فائدة سنوي قدره 1%.
ولتحسين الشفافية في تخصيص الإعانات، أُدخل نظام معلومات إدارة مؤسسات التعليم ما قبل المدرسي غير الحكومية. ففي عام 2022، أنشأ القرار الرئاسي رقم 128 وقرارا مجلس الوزراء رقم 322 و426 نظاماً آلياً لحساب الإعانات والتعويضات من أموال ميزانية الدولة في جميع مؤسسات ما قبل المدرسة غير الحكومية. ويستخدم النظام تقنية التعرّف البيومتري لتسجيل وصول الموظفين ومغادرتهم وحضور الطلاب إلكترونياً. وقد قلّصت أتمتة حساب الإعانات وإعداد التقارير والاستقطاعات الضريبية والحكومية البيروقراطية على رواد الأعمال الأفراد، وأزالت الحاجة إلى الاستعانة بالمحاسبين. وأُنشئت قائمة إلكترونية بالمؤسسات التعليمية غير الحكومية تتضمن موقع كل مؤسسة وطاقتها الاستيعابية وبياناتها المصرفية وبيانات تعريف طلابها وموظفيها وغيرها من قواعد البيانات اللازمة، مما يعني إمكانية رصد الحضور في أي وقت عبر النظام.
وفي عام 2024، كان ثمة 27,162 مقدّماً غير حكومي للخدمة، منهم 847 مقدّماً خاصاً، و24,927 مؤسسة قائمة على الأسرة، و1,388 شراكة بين القطاعين العام والخاص. وإلى جانب مؤسسات ما قبل المدرسة غير الحكومية، كانت ثمة 6,780 مؤسسة حكومية لما قبل المدرسة. وتخدم هذه المؤسسات مجتمعةً 2.4 مليون طفل. ومن بين الأطفال الملتحقين في سن السادسة، كان 69% في مجموعات تحضيرية بدوام كامل، و26% في مجموعات تحضيرية مجانية للتعليم الابتدائي مدتها سنة واحدة، والبقية في مجموعات تحضيرية قصيرة الأجل. وبحسب قاعدة بيانات معهد اليونسكو للإحصاء، ارتفعت نسبة طلاب ما قبل الابتدائي الملتحقين بمؤسسات خاصة من 2% في عام 2016 إلى 9% في عام 2022 و41% في عام 2024. وكان الإنفاق العام على مؤسسات ما قبل المدرسة العامة كبيراً. ففي عام 2024، خصّصت الميزانية ثلاثة تريليونات سوم، أي 270 مليون دولار أمريكي، لمؤسسات ما قبل المدرسة العامة، مقارنة بـ10.4 تريليونات سوم، أي 936 مليون دولار أمريكي، للمدارس، و1.6 تريليون سوم، أي 144 مليون دولار أمريكي، للجامعات.
وبذلت أوزبكستان جهوداً للحدّ من التفاوت بحسب الجنس والمنطقة والموقع والدخل. فقد أُزيلت الفجوة بين مدينة طشقند والمناطق الأخرى، وإن ظلت ثمة فجوة قدرها عشرون نقطة بين المناطق ذات أعلى معدلات المشاركة وأدناها. وفي العام 2021/2022، كانت ثمة فجوة قدرها تسع نقاط مئوية في معدلات مشاركة الأطفال في سن الثالثة والرابعة بين المناطق الحضرية والريفية، وفجوة أصغر لا تتجاوز أربع نقاط مئوية بين الأطفال في سن السادسة. ويعود ذلك إلى جهود توسيع خيارات ما قبل المدرسة البديلة، ومنها مراكز الطفولة المبكرة، ومدارس يوم الأحد، ومجموعات الإقامة القصيرة، والبرامج المجتمعية في الأسواق المعروفة بـ«محلة غوزار». كما تخدم رياض الأطفال المتنقلة، كحافلات «عقلوي» أي «الحكيم»، ومجموعات اللعب آلاف الأطفال في المناطق النائية والمجتمعات المحرومة من الخدمات.
وتحدّ التكاليف المرتفعة للتعليم ما قبل المدرسي من وصول الأسر منخفضة الدخل. ففي العام 2021/2022، بلغت الفجوة في المشاركة بين أطفال الخُمس الأغنى والخُمس الأفقر 28 نقطة مئوية بين الأطفال في سن الثالثة والرابعة، و20 نقطة مئوية بين الأطفال في سن السادسة. ولمعالجة هذا التحدي، تخصّص مؤسسات ما قبل المدرسة العامة والخاصة مقاعد مدعومة للأسر التي يقل دخلها عن 1.5 ضعف الحدّ الأدنى للأجور، وتتحقق من ذلك لجان محلية. وتخصّص مؤسسات ما قبل المدرسة العامة ما يصل إلى 15% من الالتحاق لهؤلاء الأطفال، مع إعطاء أولوية خاصة لأبناء الآباء ذوي الإعاقات الشديدة. ويحصل أكثر من 171 ألف طفل من الأسر منخفضة الدخل على أماكن مجانية، ويحصل 178 ألفاً على تخفيضات للإخوة تصل إلى 30%. واستجابة لتوصيات التقرير الدوري الخامس المقدَّم إلى لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل بتوسيع الوصول إلى التعليم ما قبل المدرسي، اعتُمدت خطة عمل وطنية للفترة 2024 إلى 2027. وسيتطلب بلوغ غاية التحاق 80% من الأطفال من سن الثالثة إلى السادسة بالتعليم ما قبل المدرسي مزيداً من الدعم لمؤسسات ما قبل المدرسة الأسرية ونماذج التوفير البديلة في المناطق النائية.
وحصل الأطفال ذوو الإعاقة على وصول أكبر إلى مؤسسات ما قبل المدرسة المتخصصة ومراكز إعادة التأهيل المعروفة بـ«إمكان» أي الفرصة و«أميد» أي الأمل. وتقدّم هذه المراكز علاجاً ودعماً متقدمين للأطفال من سن الثانية إلى السابعة. ومن بين نحو ستة آلاف طالب، 52% منهم من ذوي الإعاقة، موزّعين على 576 مجموعة، يرتاد 91% دون أي تكلفة. وتعمل هذه المرافق الشاملة دون طاقتها الاستيعابية، ويمكن أن تكون نموذجاً لتوسيع خدمات التعليم المبكر وإعادة التأهيل.
وكانت أوزبكستان في طليعة التطورات الدولية في تعليم الطفولة المبكرة، بما في ذلك باستضافتها المؤتمر العالمي لليونسكو بشأن رعاية الطفولة المبكرة والتربية في عام 2022. ويحشد الاتفاق الوطني للشراكة للفترة 2023 إلى 2026 الموارد الدولية لدعم توسيع التعليم ما قبل الابتدائي وتحسين جودته. فضلاً عن ذلك، يحاول البلد الابتكار. فبين عامَي 2026 و2028، ستُنشئ كل منطقة روضة أطفال «يانغي أفلود» أي «الجيل الجديد» تتسع لمائة وعشرين طفلاً ومركزاً مبتكراً لتنمية الطفل. وستُضاف وظيفتا المدير والمربّي المرشد الجديدتان، وسيتلقى العاملون مكافأة شهرية قدرها 20% من أجرهم المعتاد.
شهادة من الوزارة في أوزبكستان عن إدخال حافلات رياض الأطفال لإيصال التعليم ما قبل المدرسي إلى المناطق التي يصعب الوصول إليها
في أواخر تسعينيات القرن الماضي، لم تكن هناك سوى دور حضانة ترعى الأطفال دون أن تعلّمهم ودون أي منهج. وبعد نيلنا الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي، كان البلد يتطور بسرعة كبيرة، لكن التعليم ما قبل المدرسي شهد انخفاضاً كبيراً في معدلات الالتحاق. وبحلول عام 2016، لم يكن يحصل على التعليم ما قبل المدرسي سوى 27% من الأطفال، ولم يكن بوسع الآخرين الالتحاق به إطلاقاً.
وبعد عام 2017، بدأ رئيسنا الجديد إصلاحات انطلقت من تعليم الطفولة المبكرة، فقسّم الوزارة إلى وزارتين: وزارة للتعليم ما قبل المدرسي ووزارة للتعليم العام. وأصبحت التغطية أولوية الحكومة، بهدف إتاحة الوصول لجميع الأطفال.
لكن بناء مؤسسات تقليدية لما قبل المدرسة في المناطق الريفية لم يكن مجدياً اقتصادياً. فلدينا قرى في الجبال لا يمكنك أن تبني فيها شيئاً. ولا يوجد في القرية سوى ثلاثة أو خمسة أو عشرة أطفال. ولذلك قررنا تطوير نماذج بديلة للوصول إليهم، منها رياض الأطفال على عجلات. ولم تكن تكاليف صيانة رياض الأطفال المتنقلة هذه مرتفعة من حيث التمويل. وكان من الأسهل بكثير إتاحة الوصول لعدة قرى في آن واحد لأن الحافلات تعمل بنظام الفترات.
ولدينا الآن أكثر من 142 حافلة متنقلة تعمل على فترتين. ويُغطّى حالياً أكثر من 11 ألف طفل في أكثر من 640 موقعاً تزورها الحافلات يومياً. ولكل القرى ملاعبها الخاصة حيث يمكن للحافلات أن تتوقف ليتلقى الأطفال التعليم داخل الحافلة وعبر أنشطة خارجية أيضاً.
وتشمل التجهيزات داخل الحافلة جميع المواد التعليمية اللازمة: الوسائل التعليمية والألعاب وكل ما يلزم لتعليم الأطفال وفق المنهج. وفيها دورات مياه وأفران ميكروويف وجميع المعدات الضرورية. كما تحتوي على شاشات لتزويد الأطفال بمواد إلكترونية ومقاطع مرئية.
وقد بدأ هذا المشروع في عام 2019، وكانت هناك في البداية تجربة ببضع حافلات لاختبار النتائج. وكانت الآراء إيجابية جداً. فقد كان الأطفال راضين عن الحافلات التي أتاحت لهم تلقّي التعليم ما قبل المدرسي مجاناً تماماً. فبدلاً من السفر بعيداً إلى مراكز المدن للحصول على التعليم، تأتي المجموعات المتنقلة مباشرة إلى قراهم. وعلى مدى ست سنوات، زادت الحكومة عدد الحافلات باطّراد.
إن تعليم الطفولة المبكرة بالغ الأهمية في حياة أي إنسان. فللمرة الأولى في تاريخ أوزبكستان، شاركنا مؤخراً في البرنامج الدولي لتقييم الطلبة، وأظهرت النتائج أن الأطفال الذين تلقّوا تعليماً ما قبل مدرسي أدّوا أداءً أفضل بكثير من الأطفال الذين لم يرتادوه. كما أجرينا بحثاً مع البنك الدولي أثبت أن الأطفال الذين تلقّوا تعليماً ما قبل مدرسي حققوا نتائج أفضل في الرياضيات والعلوم.
عظيمجون عبد الخاييف، رئيس إدارة العلاقات الدولية، وزارة التعليم
تحليل السياسات
مرحلة الطفولة المبكرة فترة حيوية للنمو المعرفي والاجتماعي والبدني. ولذلك فإن رعاية الطفولة المبكرة وتعليمها بجودة عالية أمر جوهري، ولا سيما للأطفال المحرومين، ويمكن أن يفضيا إلى نواتج إيجابية دائمة للأفراد والمجتمع. وقد أظهرت الدراسات الطولية أن التعلّم المبكر المنظّم يحسّن المهارات المعرفية والاجتماعية والوجدانية، مما ييسّر الانتقال إلى المدرسة الابتدائية. وتشير التحليلات التجميعية أيضاً إلى مكاسب كبيرة ومستدامة في هذه المهارات خلال التعليم ما قبل الابتدائي. وفي الولايات المتحدة، حيث أُجريت دراسات كثيرة عالية الجودة، تبيّن أن تعليم الطفولة المبكرة يقلّل الإحالة إلى التعليم الخاص وإعادة الصفوف، ويرفع معدلات إتمام التعليم الابتدائي والثانوي.
ورغم هذه الفوائد، لا تزال بلدان كثيرة تعاني لتوفير سنة واحدة من التعليم ما قبل الابتدائي. ويعود ذلك جزئياً إلى أن التعليم ما قبل الابتدائي لم يكن جزءاً راسخاً من كثير من النظم التعليمية. فكثيراً ما تتعارض فكرة إرسال الطفل إلى بنية تعليمية نظامية مع تصوّرات اجتماعية، منحازة أحياناً، مفادها أن المنزل هو أفضل مكان لرعاية الطفل الصغير. وحتى حين تكون الحكومات مستعدة لتوسيع مؤسسات ما قبل المدرسة ويكون الآباء مستعدين لتسجيل أطفالهم فيها، فإن التكاليف كبيرة، ولا تقتصر على تكاليف البنية التحتية بل تشمل أيضاً الموارد البشرية المتخصصة المطلوبة. وفي نهاية المطاف، يجب أن يكون التعليم ما قبل الابتدائي بجودة كافية، وإلا فلن تتحقق فوائده المحتملة.
وكما أظهرت دراسات الحالة، تمكّنت عدة بلدان من إيجاد حلول حشدت السياسة العامة والطلب الخاص. وكثير من قصص النجاح في التوسّع تعود جذورها في نهاية المطاف إلى قادة سياسيين اقتنعوا بضرورة الاستثمار في التعليم ما قبل الابتدائي، وفي تنمية الطفولة المبكرة عموماً. ففي أذربيجان، كانت القيادة السياسية جوهرية لتوسيع الالتحاق بالتعليم ما قبل الابتدائي. وفي المغرب، أسهمت القيادة السياسية القوية عبر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والدعم المالي المستدام في نمو مؤسسات ما قبل المدرسة خلال السنوات الخمس الماضية. وفي إقليم البنجاب في باكستان، تحوّل تعليم الطفولة المبكرة من تعليم غير نظامي إلى نظامي، وبمساعدة توسيع الاستحقاق الدستوري للحق في التعليم ليشمل سن الثالثة في عام 2014، كانت 97% من المدارس العامة تقدّم تعليم الطفولة المبكرة بحلول عام 2019، وتخدم 5.7 مليون طفل. وداخل البلدان، كانت الأيديولوجيا السياسية محرّكاً أهم لتغيير السياسات المراعية للنوع الاجتماعي، ومنها ما يتعلق بالتعليم ما قبل الابتدائي، من جنس صانعي القرار، كما وجدت دراسة أُجريت في إسبانيا.
ويدمج هذا القسم الدروس المستفادة من دراسات الحالة مع نتائج البحوث بشأن العوامل التي قادت البلدان في مسارات مختلفة لبناء نظم ما قبل المدرسة. وكما يؤكد هذا التقرير، لا يفسّر العمل السياساتي المقصود التقدّم دائماً. فالظروف الاجتماعية والاقتصادية، ولا سيما ديناميات سوق العمل والتوقعات بشأن دور المرأة، أجبرت حكومات كثيرة على الاستجابة للطلب الملحّ على رعاية الطفولة المبكرة وتعليمها.
ومع ذلك، يركّز هذا القسم على السياسات والبرامج التي اتخذتها الحكومات لتشجيع توسيع التعليم ما قبل الابتدائي. ويُميَّز بين ثلاث فئات عامة. أولاها التدابير المؤسسية، كالأطر التشريعية وأطر الحوكمة، التي أدّت دوراً وكثيراً ما رمزت إلى الاهتمام العام بتعليم الطفولة المبكرة. وثانيتها تدابير تعزيز الطلب، وأبرزها تلك المرتبطة بتخفيف القيود المالية، وهي أكثر جوهرية في قطاع اعتمد أكثر من المراحل التعليمية الأخرى على التوفير غير الحكومي. وأخيراً، تُتناول أيضاً تدابير توسيع العرض، أي الاستثمار في البنية التحتية وتهيئة بيئات شاملة. وقد دعمت هذا التحليلَ مراجعةٌ للأدبيات أُجريت لهذا التقرير.
طلب المرأة على العمل من محرّكات توسيع التعليم ما قبل الابتدائي
لم تتشكّل مسيرة توسيع التعليم ما قبل الابتدائي بالخيارات السياساتية المقصودة وحدها، بل أيضاً بتحولات اجتماعية واقتصادية واسعة. فقد زادت زيادةُ عمل المرأة المأجور على وجه الخصوص الطلبَ على خدمات الطفولة المبكرة المنظّمة، بوصفها استراتيجية لضمان فرص التعلّم المبكر للأطفال ووسيلة للتوفيق بين العمل ومسؤوليات الرعاية، في ظل التوزيع غير المتكافئ بين الجنسين لعبء الرعاية غير المأجورة. وتعمل هذه العلاقة في الاتجاهين: فتوسيع التعليم ما قبل الابتدائي كان استجابة لتغيّر سوق العمل المرتبط بالنوع الاجتماعي وشرطاً له في آن معاً.
فمن جهة، يعزّز عمل الأمهات الطلب على التعليم المبكر، مما يدفع إلى تغييرات في السياسات. ففي البلدان مرتفعة الدخل، ارتفعت معدلات توظيف النساء البالغات من 47% في عام 1995 إلى 54% في عام 2024. وقد ضغط هذا التحوّل على الحكومات لتوسيع التوفير، وتشديد تنظيم أسواق الرعاية والتعليم الخاصة، وإدخال إعانات عامة لزيادة القدرة على تحمّل التكاليف وضمان الحدّ الأدنى من معايير الجودة. أما في بقية العالم، فقد انخفضت معدلات توظيف النساء في الواقع، من 64% إلى 55% في البلدان منخفضة الدخل ومن 58% إلى 54% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، أو ركدت عند نحو 40% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى. ويزيد التحضّر وإضفاء الطابع الرسمي على العمل الطلبَ على خدمات الطفولة المبكرة بين الأمهات الراغبات في العمل، لكن محدودية توافر رعاية الطفولة المبكرة وتعليمها بدوام كامل، وارتفاع تكاليف النقل، وضعف الرقابة التنظيمية، تقلّل من إمكانية الجمع بين العمل ومشاركة الأطفال في التعليم ما قبل المدرسي في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
ومن جهة أخرى، يتيح توسيع الالتحاق لمزيد من الأمهات العمل. فتاريخ سياسات رعاية الطفولة المبكرة في أوروبا يُظهر أن تحولات سوق العمل، لا الأجندات التربوية وحدها، هي التي دفعت التوسّع الأولي في توفير خدمات الطفولة المبكرة وإضفاء الطابع الرسمي عليها. ففي بلدان الشمال الأوروبي، شكّل تنامي الأسر ذات المعيلَين وتبنّي المساواة بين الجنسين سياسياً الخلفيةَ لإقرار استحقاق شامل أو شبه شامل لتعليم الطفولة المبكرة لدعم استمرار مشاركة المرأة في سوق العمل والحدّ من العبء غير المتوازن للرعاية بين الجنسين. وفي كيبيك بكندا، أدت رعاية الأطفال الشاملة منخفضة التكلفة إلى ارتفاع تقديري قدره ثماني نقاط مئوية في مشاركة الأمهات في القوى العاملة. وفي بولندا، خفّض إصلاح التعليم لعام 2009 سن بدء المدرسة الابتدائية إلى السادسة وضمن التعليم ما قبل المدرسي للأطفال في سن الخامسة، مما حرّر مزيداً من أماكن ما قبل المدرسة للأطفال الأصغر سناً. وأدت زيادة توافر الأماكن بنسبة 10% إلى زيادة توظيف الأمهات بنسبة 4.2%، ولا سيما بين الأمهات ذوات التعليم العالي والأسر التي لديها أطفال في سن الثالثة. وفي إسبانيا، رفع توفير التعليم ما قبل المدرسي العام للأطفال في سن الثالثة احتمال توظيف الأمهات بما يتراوح بين ثلاث وسبع نقاط مئوية. وفي الأرجنتين، زاد توسيع مؤسسات ما قبل المدرسة العامة زيادة كبيرة من احتمال عمل النساء بأجر.
ويؤثر توافر خدمات رعاية الطفولة المبكرة وتعليمها الميسورة التكلفة والعالية الجودة تأثيراً كبيراً في فرص الأفراد والأسر، ولا سيما النساء، اللاتي يتشكّل عملهن بحسب عدد أطفالهن وأعمارهم. ورغم تباين مفهوم العمل بين المناطق الجغرافية الكبرى ذات البنى المختلفة لأسواق العمل، ثمة ارتباط إيجابي بين معدلات توظيف النساء ومعدلات الالتحاق بالتعليم ما قبل الابتدائي. ففي عيّنة من ثمانين بلداً، ترتبط زيادة معدل توظيف النساء من 40% إلى 50% بزيادة معدل الالتحاق بالتعليم ما قبل الابتدائي من 60% إلى 90%.
وعلى المستوى العالمي، يبلغ معدل مشاركة النساء في القوى العاملة 52%، لكنه يتراوح بين 82% للنساء اللاتي يعشن وحدهن دون أطفال، و64% للنساء اللاتي يعشن مع شريك دون أطفال، و49% للنساء اللاتي يعشن مع شريك ولديهن طفل دون السادسة. وتنخفض معدلات توظيف الأمهات كلما صغرت أعمار أطفالهن. ففي عام 2021، وفي كثير من بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ارتفعت نسبة الأمهات العاملات من 61.5% حين يكون لديهن طفل دون الثانية، إلى 70.2% حين يكون لديهن طفل بين الثالثة والخامسة، و76.3% حين يكون لديهن طفل بين السادسة والرابعة عشرة. وفي عيّنة من 36 بلداً معظمها من البلدان متوسطة الدخل، بلغ معدل مشاركة النساء في القوى العاملة في المتوسط 68% حين لا يكون لديهن أطفال، و63% حين يكون لديهن طفل واحد دون السادسة، و53% حين يكون لديهن طفلان دون السادسة، و44% حين يكون لديهن ثلاثة أطفال أو أكثر دون السادسة. وتتوقف أنماط الارتباط بالقوى العاملة والتوظيف هذه على ازدياد حصة أنشطة الرعاية التي يتعيّن على أحد الوالدين القيام بها عند الولادة أو بعدها. ولأن النساء هن عادة مقدّمات الرعاية الرئيسيات، فإنهن يُضطررن إلى الاختيار بين المنزل والمسيرة المهنية.
وتتوقف الآثار على التوظيف توقفاً حاسماً على جودة الخدمات وموثوقيتها وساعات عملها. فحين تتألف خدمات ما قبل الابتدائي من جلسات يومية قصيرة أو تتبع التقويم المدرسي، تميل الآثار على التوظيف إلى أن تكون صغيرة، لأن الوقت الذي يقضيه الأطفال في مرحلة ما قبل الابتدائي لا يكفي لدعم عمل الأمهات بدوام كامل.
السياسات على مستوى النظام
يتسم الالتحاق بالتعليم ما قبل الابتدائي بعدم مساواة كبير بحسب الثروة والموقع والانتماء العرقي. ويتطلب تحديد السياسات التي تحدّ من عدم المساواة هذا وتدفع نحو تغيير دائم على مستوى النظام تحسين التشريعات والحوكمة والتمويل.
التشريعات
يُحوّل فرضُ التعليم ما قبل الابتدائي المجاني والإلزامي فكرةَ التوفير العام من فكرة تقديرية إلى استحقاق شامل، أو استحقاق موجّه في بعض الحالات. فإلغاء الرسوم يحسّن الوصول بسرعة بإزالة العوائق المالية أمام الأسر منخفضة الدخل، في حين يزيد الحضور الإلزامي المساءلة ويشجّع على توسيع العرض التعليمي.
والتعليم المبكر معترف به دولياً حقاً أساسياً بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل لعام 1989، إذ أكّد التعليق العام رقم 7 الصادر في عام 2005 الوصول منذ الولادة، وشدّد على جودة التوفير على أيدي كوادر مدرّبة. وفي عام 2015، دعت الغاية 4.2 من أهداف التنمية المستدامة إلى تعميم الوصول إلى تعليم ما قبل ابتدائي جيد بحلول عام 2030، في حين دعا إعلان طشقند الصادر عن المؤتمر العالمي لرعاية الطفولة المبكرة والتربية في عام 2022 البلدان إلى توفير سنة واحدة على الأقل من التعليم ما قبل الابتدائي المجاني والإلزامي، وتخصيص 10% على الأقل من ميزانيات التعليم لتعليم الطفولة المبكرة. وفي عام 2024، بدأ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة النظر في بروتوكول لاتفاقية حقوق الطفل يجعل التعليم ما قبل الابتدائي المجاني حقاً دولياً ملزماً. وإذا اعتُمد، فسيرسي أول حق دولي ملزم في التعليم ما قبل الابتدائي.
ومن بين 182 بلداً تتوافر عنها بيانات في عامَي 1998 و2023، ارتفع عدد البلدان التي تفرض سنة واحدة على الأقل من التعليم ما قبل الابتدائي الإلزامي من 20 إلى 44 بلداً. وتضاعف متوسط مدة التعليم ما قبل الابتدائي الإلزامي ثلاث مرات من 0.14 إلى 0.42 سنة. وإجمالاً، فرض 47 بلداً من أصل 195 سنة واحدة على الأقل من التعليم ما قبل الابتدائي الإلزامي في عام 2023، مع فروق إقليمية. فلا يوجد بين الدول العربية بلد يفرض التعليم ما قبل الابتدائي. ويبدأ التعليم في معظم بلدان جزر المحيط الهادئ في سن الثالثة، لكن ستة بلدان فقط من أصل خمسة عشر تجعل التعليم ما قبل الابتدائي إلزامياً، هي جزر مارشال وناورو وبابوا غينيا الجديدة وساموا وتوكيلاو وتونغا. والتعليم ما قبل المدرسي إلزامي في سن الخامسة في جميع بلدان أمريكا اللاتينية، وإن لم يرتفع الالتحاق إلا حيث اقترن التشريع باستثمار عام، ولا سيما في البرازيل وكوستاريكا وغواتيمالا.
وفي السنوات الأخيرة، دأبت بلدان كثيرة ذات دخل متوسط أعلى ومرتفعة الدخل على خفض سن بدء التعليم الإلزامي، ومنها بلغاريا في عام 2023 إلى سن الرابعة، وكوستاريكا في عام 2018 إلى سن الرابعة، وقبرص في عام 2024 تدريجياً على مدى ثماني سنوات إلى سن الرابعة، واليونان في عام 2018 إلى سن الرابعة، والمجر في عام 2015 إلى سن الثالثة، ورومانيا في عام 2020، في البداية إلى سن الخامسة، ثم إلى الرابعة بحلول عام 2023، وإلى الثالثة بحلول عام 2030. وفي البلدان التي ترتفع فيها معدلات الالتحاق، يمكن أن يدعم خفض سن التعليم الإلزامي وصول الفئات المحرومة. فقد أضافت بلجيكا سنة من التعليم ما قبل الابتدائي لتعزيز ارتياد الأطفال المهاجرين، في حين جعلت فرنسا التعليم إلزامياً من سن الثالثة في عام 2019 لتحسين التعلّم التأسيسي والحدّ من أوجه عدم المساواة، ولا سيما في مدارس المناطق ذات الأولوية. وتفرض ليتوانيا التعليم ما قبل المدرسي على الأطفال دون الخامسة المعرّضين للخطر لأسباب اجتماعية واقتصادية.
ومن بين 119 بلداً تتوافر عنها بيانات في عامَي 1998 و2023، ارتفع عدد البلدان التي توفّر سنة واحدة على الأقل من التعليم ما قبل الابتدائي المجاني من 46 إلى 69 بلداً، زادت ستة منها المدة إلى سنتين وثلاثة عشر إلى ثلاث سنوات. وارتفع متوسط مدة التعليم ما قبل الابتدائي المجاني بمقدار نصف سنة، من 0.85 إلى 1.34 سنة. ووجد تحليل في أمريكا اللاتينية أن البلدان التي ضمنت سنتين أو أكثر من التعليم ما قبل الابتدائي المجاني حققت على الدوام مشاركة أعلى بين الأسر منخفضة الدخل مقارنة بالبلدان التي لم توفّر سوى سنة واحدة أو لم توفّر شيئاً.
وإجمالاً، يضمن 91 بلداً من أصل 195، أي 47%، سنة واحدة على الأقل من التعليم ما قبل الابتدائي المجاني، منها 42 بلداً تضمن ثلاث سنوات على الأقل، بحسب قاعدة بيانات معهد اليونسكو للإحصاء. غير أن تحليلاً عالمياً أُعدّ لهذا التقرير ويُعرض على موقع ملفات التعليم الوطنية لمراجعة السياسات يشير إلى أن هذا الرقم ربما يكون أقل من الواقع، إذ وجد أن التعليم ما قبل الابتدائي العام معفى من الرسوم الدراسية في 128 بلداً من أصل 191، أي 67%، بنسب تتراوح بين 48% في أفريقيا جنوب الصحراء و81% في أوروبا وأمريكا الشمالية.
وقد يؤدي جعل التعليم ما قبل الابتدائي مجانياً أو إلزامياً أو كليهما إلى نقل المشاركة في التعليم ما قبل المدرسي من الخدمات الخاصة إلى العامة بدلاً من زيادة الاستخدام الإجمالي. لكن تحليلاً لثلاثة وسبعين بلداً أُعدّ لهذا التقرير وجد أن البلدان شهدت في المتوسط زيادة أكبر في صافي معدل الالتحاق بالتعليم ما قبل الابتدائي بين عامَي 2003 و2023 حين جعلته مجانياً، بنسبة 28%، أو إلزامياً، بنسبة 30%، مقارنة بحالها حين لم تفعل، بنسبة 23%.
وقد أدخلت بلدان مختلفة في آسيا التعليم ما قبل الابتدائي المجاني، منها جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية للأطفال في سن الخامسة منذ قانون التعليم لعام 2015، وأوزبكستان، حيث أدخل مرسوم رئاسي في عام 2016 مجموعات ما قبل المدرسة لنصف يوم للأطفال في سن الخامسة والسادسة ومؤسسات جديدة لما قبل المدرسة في المناطق الريفية، في حين ضمن قانون التعليم ما قبل المدرسي لعام 2019 سنة واحدة من التعليم ما قبل المدرسي الإلزامي، مما أدى إلى ارتفاع صافي معدل الالتحاق من أقل من 20% في عام 2008 إلى 46% في عام 2022. وشهدت بلدان جزر المحيط الهادئ التي ألغت الرسوم لسنة واحدة على الأقل نمواً في الالتحاق أيضاً.
وثمة أيضاً أمثلة مختلفة من أفريقيا جنوب الصحراء. فمدغشقر توفّر سنة واحدة من التعليم ما قبل الابتدائي المجاني والإلزامي منذ عام 2022. وفي رواندا، ألغت الحكومة الرسوم في مدارس ما قبل الابتدائي المدعومة حكومياً في سبتمبر 2022، استجابةً جزئياً على الأقل للمخاوف من أن الآباء كانوا يدفعون في المتوسط 66,600 فرنك رواندي، أي 58 دولاراً أمريكياً، سنوياً عن كل طفل. وفي عام 2023، اعتمدت سيراليون تشريعاً يكفل ثلاث عشرة سنة من التعليم المجاني، منها سنة واحدة من التعليم ما قبل الابتدائي. وعدّلت جنوب أفريقيا قانون التعليم الأساسي في عام 2024 لفرض سنة واحدة من التعليم ما قبل الابتدائي.
وأدى إلغاء الرسوم في بلغاريا إلى زيادة الالتحاق بنسبة 19% والحضور اليومي بنسبة 20%، مما أفاد أسر الروما والأسر منخفضة الدخل. واعتباراً من أبريل 2022، أصبح بوسع جميع الأطفال في بلغاريا ارتياد دور الحضانة ورياض الأطفال مجاناً. وفي آيرلندا، وسّعت مبادرتا نموذج الوصول والإدماج والبداية المتكافئة نطاق الوصول، ولا سيما للأطفال ذوي الإعاقة والأطفال من الخلفيات المحرومة. وفي ولايتَي جورجيا وأوكلاهوما الأمريكيتين، أدت إزالة عوائق التكلفة والأهلية إلى زيادة مشاركة أطفال الأمهات الحاصلات على التعليم الثانوي فقط بنحو عشرين نقطة مئوية. ورغم أن الآباء زادوا ساعات عملهم وقضوا وقتاً مباشراً أقل مع أطفالهم حين بدأ الأطفال ارتياد مرحلة ما قبل المدرسة، فإن جودة تفاعلهم تحسّنت عبر أنشطة مشتركة كالقراءة والتعلّم معاً.
وينبغي أن يساعد إلغاء الرسوم على توسيع النظام العام للتعليم ما قبل الابتدائي والحدّ من دور المؤسسات الخاصة، لكن ذلك لا يحدث دائماً. فالأردن، الذي أدخل سنة واحدة من التعليم ما قبل الابتدائي المجاني في عام 2016، خفّض حصة المؤسسات الخاصة لما قبل الابتدائي من 100% في عام 2000 إلى 58% في عام 2024. وبين مطلع العقد الأول ومطلع العقد الثالث من هذا القرن، انخفضت هذه الحصة أيضاً في جزر البهاما، من 79% إلى 49%، وبليز، من 100% إلى 77%، ومالطا، من 38% إلى 28%، وهي ثلاثة بلدان توفّر سنتين من التعليم ما قبل الابتدائي المجاني. وفي إثيوبيا، جاء التوسّع الكبير في الالتحاق بالتعليم ما قبل الابتدائي، من 16% في عام 2012 إلى 41% في عام 2024، في أعقاب سياسة الطفولة المبكرة لعام 2010، متزامناً مع انخفاض حصة التوفير الخاص من 100% في عام 2003 إلى 23% في عام 2020. لكن حجم التوفير الخاص انخفض أيضاً في بلدان مثل كوت ديفوار ومصر وتوغو بنحو عشرين نقطة مئوية أو أكثر، دون تشريع ذي صلة.
وفي المقابل، شهدت شيلي، التي أدخلت سنتين من التعليم ما قبل الابتدائي المجاني في عام 2009، ارتفاع حصة المؤسسات الخاصة من 47% في عام 2002 إلى 64% في عام 2022. كما ارتفعت حصة التوفير الخاص بين مطلع العقد الأول ومطلع العقد الثالث من هذا القرن في كازاخستان، من 6% إلى 30%، وتركيا، من 3% إلى 18%، والمملكة المتحدة، من 6% إلى 59%، رغم أنها كانت توفّر سنتين على الأقل من التعليم ما قبل الابتدائي المجاني.
الحوكمة
تؤثر حوكمة تعليم الطفولة المبكرة في تنفيذ السياسات وتمويلها وتدريب القوى العاملة ومراقبة الجودة. وتختلف البلدان في تنظيمها رعاية الطفولة المبكرة وتعليمها بطريقة متكاملة أو غير متكاملة. وتمتد فوائد الحوكمة المتكاملة إلى ما هو أبعد من الالتحاق. فحين تكون الطفولة المبكرة جزءاً من النظام التعليمي، يميل الانتقال بين التعليم ما قبل الابتدائي والسنوات الأولى من الابتدائي إلى أن يكون أكثر سلاسة، إذ تصبح المناهج وطرائق التدريس أكثر اتساقاً، ويصبح استمرار مكاسب تعلّم الأطفال خلال إصلاحات المدرسة الابتدائية أكثر ترجيحاً. أما الحوكمة المجزّأة أو المنقسمة فكثيراً ما ترتبط بتفاوت الجودة وعدم الإنصاف في الوصول.
وتقسّم بلدان كثيرة نظمها، فتفصل حوكمة الخدمات المقدّمة للأطفال الأصغر سناً، أي دون الثالثة، عن حوكمة الخدمات المقدّمة للأطفال الأكبر سناً، أي من الثالثة فما فوق. فمن بين بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مثلاً، يستخدم 24 بلداً نموذجاً منقسماً و16 بلداً نموذجاً متكاملاً، وتجمع ألمانيا واليابان بين سمات النموذجين. لكن مراجعة عالمية أُعدّت لهذا التقرير وتُعرض على موقع ملفات التعليم الوطنية لمراجعة السياسات تُظهر أن الحوكمة المنقسمة توجد أيضاً في خدمات التعليم المقدّمة للأطفال من سن الثالثة فما فوق وحدها. فمن بين 186 بلداً، بينما يُسند 76% المسؤولية عن تعليم الطفولة المبكرة إلى وزارة التعليم، يوزّعها 21% بين وزارة التعليم ووزارات أخرى، ويُسندها 3% إلى وزارة أخرى.
وفي آسيا، ثمة بلدان اتبعت نهجاً مركزياً، كالصين وجمهورية كوريا، وكذلك سنغافورة، وإن كانت وكالة تنمية الطفولة المبكرة فيها تتبع وزارة الأسرة والتنمية الاجتماعية. ونسّقت منغوليا في عام 2005 بين ثلاث وزارات في إطار السياسة الوطنية لتنمية الطفولة المبكرة المتكاملة، هي وزارات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وخصّصت أموالاً عامة لجميع رياض الأطفال في عام 2008، مما ساعد على توسيع الوصول. وبسّطت وزارة التعليم ما قبل المدرسي في أوزبكستان، التي أُنشئت في عام 2017، الإشراف وأتاحت نمواً سريعاً في المشاركة. وفي جنوب آسيا، النظم في بنغلاديش والهند وباكستان مجزّأة. ففي الهند، يُقدَّم تعليم الطفولة المبكرة عبر مزيج من مراكز «أنغنوادي» التابعة لوزارة تنمية المرأة والطفل، وفصول ما قبل الابتدائي الناشئة التابعة لإدارات التعليم في الولايات. ويقلّل التجزؤ الهيكلي قدرة ضمان الجودة، ويقيّد اتساق المناهج، ويبطئ التقدّم في الالتحاق، ولا سيما بين الفئات المحرومة.
وفي غرب آسيا، يحظى تنسيق خدمات تعليم الطفولة المبكرة بقدر من الاهتمام السياساتي، كما في هيئة أبوظبي للطفولة المبكرة في الإمارات العربية المتحدة. وأنشأت إسرائيل مجلساً للطفولة المبكرة يرأسه وزير التعليم لتنسيق الخدمات ومعالجة الثغرات فيها، بمشاركة قطاعات حكومية متعددة. وبالاقتران مع توسيع التعليم ما قبل المدرسي الإلزامي والمجاني ليشمل الأطفال في سن الثالثة والرابعة في المناطق المحرومة، ارتفع الالتحاق من 16% إلى 80% بين الأطفال في سن الثالثة، ومن 23% إلى 90% بين الأطفال في سن الرابعة. لكن التكامل يظل محدوداً إجمالاً. ففي لبنان، تقع المسؤولية عن الأطفال دون الخامسة على عاتق وزارة الصحة، وعن الأطفال في سن الخامسة على عاتق وزارة التربية. وعلى نحو أعم، تتوزع المسؤوليات بين السلطات التعليمية والبلديات والجهات غير الحكومية المقدّمة للخدمات، مما يترك دوراً كبيراً للمنظمات غير الحكومية، ولا سيما للوصول إلى المجتمعات المهمشة.
ومع وجود 13 بلداً من أصل 47 توزّع المسؤولية عن تعليم الطفولة المبكرة بين الوزارات، تسجّل أفريقيا جنوب الصحراء انتشاراً للتجزؤ أعلى من المتوسط. ففي البر الرئيسي لتنزانيا، تتشارك وزارة التعليم والعلوم والتكنولوجيا ومكتب الرئيس للإدارة الإقليمية والحكم المحلي إدارة ميزانية التعليم، وتوجّه وزارة المالية معظم الأموال إلى 184 سلطة حكم محلي. وميزانية التعليم ما قبل الابتدائي للأطفال في سن الخامسة والسادسة بند ضمن ميزانية التعليم الابتدائي، وهي جزء من التعليم الأساسي الإلزامي والمجاني. وتتولّى وزارة التنمية المجتمعية والنوع الاجتماعي والأطفال تنسيق تعليم الطفولة المبكرة للأطفال دون الخامسة، وتشرف إدارة الرعاية الاجتماعية على تنمية الطفولة المبكرة المتكاملة. كما فوّضت كينيا تعليم الطفولة المبكرة إلى المقاطعات بعد دستور عام 2010، في إطار سياسة وطنية للتعليم ما قبل الابتدائي ومبادئ توجيهية معيارية، وهو ما له بعض المزايا لكنه أوجد أيضاً ثغرات في التنسيق في مسائل كالمناهج والمعلمين. فضلاً عن ذلك، أنفقت المقاطعات معظم تمويلها على البنية التحتية بدلاً من تحسين التعليم والتعلّم. وفي جنوب أفريقيا، أصبحت سنتا التعليم ما قبل الابتدائي الإلزامي من مسؤولية إدارة التعليم الأساسي في خطوة نحو التكامل.
وفي أمريكا اللاتينية، حسّن الإطار القانوني للتنسيق بين القطاعات لسياسات الطفولة المبكرة في البرازيل الكفاءةَ والرعايةَ المقدّمة للأطفال منذ الولادة حتى السادسة، وإن ظلت إدارة البيانات وتكامل التمويل تحديين قائمين. كما أن برنامج «من الصفر إلى الأبد» في كولومبيا نهج شمولي ومتكامل. إذ ينسّق قانون صدر في عام 2016 الدعم الأسري والمجتمعي والمؤسسي للأطفال دون الخامسة، ويُعتقد أنه ساعد على ارتفاع الالتحاق من أقل من 0.6 مليون في عام 2010 إلى 1.4 مليون في عام 2019. واستراتيجية الطفولة المبكرة في شيلي «شيلي تكبر معك» شمولية، لكن الإطار المؤسسي لتعليم الطفولة المبكرة مجزّأ. فبينما يحاول جميع مقدّمي الخدمة الرئيسيين استهداف أطفال الأسر الأشد حرماناً التي تمثّل 60%، تؤدي تعدّد الجهات الإدارية واتفاقيات الخدمة إلى فوارق تعسّفية في التمويل للفرد.
ومن الأبعاد المهمة لنظام متكامل لتعليم الطفولة المبكرة وجود نظم بيانات موحّدة. فالبيانات الإدارية في النظم المجزّأة كثيراً ما تغفل برامج تعليم الطفولة المبكرة الخاصة والمجتمعية، مما يؤدي إلى نقص في العدّ مقارنة بالمسوح الأسرية.
التمويل العام
لا يزال التعليم ما قبل الابتدائي يتلقى مبالغ منخفضة من التمويل العام، نتيجة لإسناد حكومات كثيرة جزءاً كبيراً من توفير الخدمات إلى جهات غير حكومية. فمن بين 119 بلداً لديها ملاحظة واحدة على الأقل منذ عام 2020، كانت ثمة عشرة بلدان أنفقت 1% على الأقل من ناتجها المحلي الإجمالي في أي سنة: بلدان في شمال أوروبا، هما آيسلندا والسويد، وثلاثة في شرق أوروبا، هي بيلاروس وبلغاريا وجمهورية مولدوفا، وثلاثة في آسيا الوسطى والشرقية، هي قيرغيزستان ومنغوليا وأوزبكستان، وبلد في المحيط الهادئ، هو توفالو، وبلد في أمريكا اللاتينية، هو الإكوادور.
ويُظهر تحليل قاعدة بيانات معهد اليونسكو للإحصاء لواحد وستين بلداً لديها ملاحظات في الفترات 2000 إلى 2003، و2010 إلى 2013، و2020 إلى 2023 أن القيمة الوسيطة لمتوسط إنفاقها في كل فترة من هذه الفترات ارتفعت باطّراد من 0.29% إلى 0.37% ثم 0.43% من الناتج المحلي الإجمالي. وأظهر تحليل آخر لنحو ثمانين بلداً لديها بيانات في الفترة 2018 إلى 2020 أن حجم الإنفاق العام لا يرتبط بالالتحاق الإجمالي. لكن بالنظر إلى ارتفاع حصة الالتحاق بالمؤسسات الخاصة في بلدان كثيرة، إذا انصبّ التركيز على المؤسسات العامة وحدها، تظهر علاقة إيجابية واضحة بين الإنفاق والالتحاق. فمضاعفة الإنفاق من 0.25% إلى 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي ترتبط بزيادة معدل المشاركة في المؤسسات العامة ثلاثة أضعاف في المتوسط، من 20% إلى 60%.
وفي ليتوانيا، أدت أولوية تعليم الطفولة المبكرة وتوسيعه في السياسات إلى زيادة التمويل. فلم يرتفع الإنفاق العام على التعليم ما قبل الابتدائي من 0.52% في عام 2013 إلى 0.83% في عام 2020 كحصة من الناتج المحلي الإجمالي فحسب، بل ارتفع الإنفاق على تعليم الطفولة المبكرة من 0.63% في عام 2013 إلى 1.02% في عام 2020. وبين عامَي 2015 و2020، وهي فترة نمو سريع، بلغت الزيادة السنوية المتوسطة في الإنفاق لكل طالب بدوام كامل مكافئ في التعليم ما قبل الابتدائي 13%، رغم ازدياد عدد الأطفال.
ويؤثر من يقدّم التمويل وكيف تُوزَّع الموارد في مدى استفادة الأطفال المحرومين. فقد حاولت الدنمارك الموازنة بين نظام لامركزي وتوفير خاص وتمويل عام لمنع تزايد عدم المساواة. فجميع الأطفال من سن 26 أسبوعاً إلى السادسة يحق لهم الحصول على رعاية الطفولة المبكرة وتعليمها بدعم حكومي. وبعد اتفاق أُبرم في عام 2018، تخصّص الحكومة 330 مليون كرونة دنماركية، أي 52 مليون دولار أمريكي، سنوياً للمراكز المحرومة. وتموّل البلديات 75% على الأقل من التكاليف، بحيث لا تتجاوز رسوم أولياء الأمور 25%، مع تطبيق أسعار موحّدة للأطفال من الولادة حتى الثانية ومن الثالثة إلى الخامسة في جميع المراكز البلدية.
السياسات المتعلقة بجانب الطلب
في سياقات كثيرة، يعني نقص الاستثمار الحكومي التاريخي في التعليم ما قبل الابتدائي أن الأسر الراغبة في إرسال أطفالها إلى مرحلة ما قبل المدرسة مضطرة إلى دفع تكلفة الخدمات الخاصة. ومن ثمّ تصبح القدرة على تحمّل التكاليف عائقاً رئيسياً أمام توسيع تعليم الطفولة المبكرة، وتؤثر على نحو غير متناسب في الأسر منخفضة الدخل. وسواء كان ذلك بديلاً عن الاستثمار في تطوير نظام عام للتعليم ما قبل الابتدائي أو مكمّلاً لهذه الجهود، قد تحاول الحكومات خفض تكلفة التعليم ما قبل الابتدائي عبر مزيج من النُّهج الشاملة والموجّهة لتحسين القدرة على تحمّل التكاليف.
ففي 25 بلداً في أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ لديها ملاحظات تفصل بينها نحو خمس عشرة سنة بين عامَي 2005 و2020، ارتفعت معدلات مشاركة الأطفال قبل سنة من السن الرسمية للالتحاق بالابتدائي ارتفاعاً سريعاً بنحو ثلاثين نقطة مئوية، مع تقدّم لافت في أذربيجان وقيرغيزستان والفلبين. لكن متوسط الفجوة بين الأفقر والأغنى لم يكد يتغيّر، إذ ظلت ثلاثون نقطة مئوية تفصل بينهما في المتوسط. وفي ثمانية بلدان في أمريكا اللاتينية، تمكّن أطفال الخُمس الأفقر، الذين كان معدل مشاركتهم في عام 2005 ضعف معدل الأطفال في بلدان أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ المشمولة بالمراجعة، أي 60% مقابل 30%، من سدّ الفجوة مع أقرانهم الأغنى بين عامَي 2000 و2024.
وكما نوقش في القسم السابق، تؤطّر النُّهج الشاملة التعليم ما قبل الابتدائي استحقاقاً عاماً، فتجعله إلزامياً ومجانياً وتحدّ من الوصم والعوائق الإدارية. وتثبت هذه النُّهج عموماً أنها أكثر استقراراً سياسياً من البرامج التي لا تخدم إلا الفئات منخفضة الدخل. وتشمل أيضاً تدابير حماية الطفل الرامية إلى خفض تكاليف التعليم، كتلك المتخذة في أوروبا في أعقاب اعتماد ضمان الطفل الأوروبي. ففي عام 2024، حددت فنلندا سقفاً للرسوم الشهرية قدره 311 يورو، مع إعفاء أكثر من نصف الأسر. وفي السويد، تموّل البلديات التعليم المبكر للأطفال من سن الأولى إلى السادسة، في حين يدفع الآباء رسوماً مسقوفة مرتبطة بالدخل.
أما البرامج الموجّهة فتخصّص الموارد حيث يُرجّح أن تحقق أعلى العوائد. ووجد تحليل أُعدّ لهذا التقرير ويُعرض على موقع ملفات التعليم الوطنية لمراجعة السياسات أن البلدان، إلى جانب جعل التعليم ما قبل الابتدائي مجانياً، تستخدم ثلاث آليات أخرى لجعله ميسور التكلفة: التحويلات إلى المؤسسات التي تخدم الأطفال المحرومين، بنسبة 54%، والتحويلات إلى الأسر إما عبر وزارة التعليم، بنسبة 26%، أو عبر وزارة أخرى، عادة وزارة الحماية الاجتماعية، بنسبة 55%. وبينما تهدف التحويلات إلى المؤسسات أساساً إلى مساعدة الأطفال ذوي الإعاقة، بنسبة 59%، تركّز التحويلات إلى الطلاب والأسر أساساً على الفقر، بنسبة 92%. ومن الآليات الأخرى التي يمكن أن تعزّز المشاركة التغذية المدرسية، التي تتراوح تغطيتها في مرحلة ما قبل المدرسة بين 2% في البلدان منخفضة الدخل و13% في البلدان مرتفعة الدخل.
ومن أمثلة الجهود القطرية لدعم مؤسسات ما قبل المدرسة بما يدعم الوصول المنصف بوركينا فاسو، التي تستهدف خطتها التعليمية للفترة 2017 إلى 2030 المناطق المحرومة من الخدمات بتوسيع فصول ما قبل الابتدائي في مجمّعات التعليم الأساسي المتكاملة لخدمة المناطق الفقيرة والنائية، والمغرب، حيث تدعم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية توسيع التعليم الأولي في المناطق الريفية المحرومة. وتُطوَّر مؤسسات التعليم الأولي عبر تحالف بين وزارة التربية والمنظمات المحلية لبناء وحدات التعليم الأولي وتأهيلها. وقد ارتفع الالتحاق في المناطق الريفية من 33% في عام 2018 إلى 91% في عام 2024.
التحويلات النقدية
ساعد التمويل العام الذي يوجّه الموارد إلى الفئات المحرومة على جعل الخدمات ميسورة التكلفة لمن لديهم قدرة محدودة على الدفع. ففي المناطق الريفية من ولاية كارناتاكا في الهند، رفعت المنح التي تغطي رسوم التعليم ما قبل المدرسي المشاركة بعشرين نقطة مئوية، وتأكدت أيضاً مكاسب معرفية استمرت حتى الصف الأول. وتقدّم سنغافورة، إلى جانب إعانة أساسية لجميع المواطنين الملتحقين بمراكز مرخّصة لتعليم الطفولة المبكرة، إعانات وبرامج مالية لمساعدة الأسر منخفضة الدخل على تحمّل تكلفة تعليم مبكر جيد. ويتفاوت المبلغ بحسب عمر الطفل والوضع الوظيفي لمقدّم الطلب. ونتيجة لذلك، لا تدفع الأسر ذات الدخل المنخفض جداً سوى رسوم ضئيلة. ويقدّم دمج التحويلات النقدية مع التدخلات الصحية والتغذوية فوائد شاملة.
ورغم أن برامج التحويلات النقدية المشروطة مصممة أساساً لدعم التعليم الابتدائي والثانوي، فقد جُعلت في حالات قليلة مشروطة أيضاً بارتياد التعليم ما قبل الابتدائي. ففي السلفادور، أدى التعرّض لتحويل نقدي مشروط منذ الولادة حتى سن الخامسة والسادسة إلى زيادة الالتحاق بالتعليم ما قبل المدرسي باثنتي عشرة نقطة مئوية، وإتمام سنة واحدة على الأقل منه بتسع نقاط مئوية. وفي الفلبين، يقدّم برنامج «بانتاويد باميليانغ بيليبينو» تحويلات نقدية للأسر الفقيرة مشروطة بارتياد الأطفال المدرسة ومرحلة ما قبل المدرسة. ووجد تقييم أُجري في عام 2011 أنه زاد التحاق الأطفال من سن الثالثة إلى الخامسة بمرحلة ما قبل المدرسة ودور الرعاية النهارية في الأقضية الفقيرة بعشر نقاط مئوية مقارنة بخط الأساس في الأقضية التي لم يشملها البرنامج. لكن تقييماً لاحقاً لم يجد أثراً كبيراً في التحاق الأطفال من سن الثالثة إلى الخامسة، الذي كان منخفضاً عند نحو 55%، إذ أفادت الأمهات بأن أطفالهن أصغر من أن يرتادوا مرحلة ما قبل المدرسة أو غير مهيّئين لها.
وفي إقليم الفلاندرز في بلجيكا، يجمع البدل المدرسي بين مبلغ أساسي لكل طفل ودعم موجّه للأسر منخفضة الدخل، مشروطاً بالحضور المدرسي. ويؤدي عدم الامتثال إلى عقوبات. وفي المجر، تلقّى الآباء ذوو الدخل المنخفض الذين لم يُتمّوا التعليم الثانوي إعانة مقطوعة قدرها 20 ألف فورنت مجري، أي 92 دولاراً أمريكياً، مقابل إلحاق طفلهم بروضة الأطفال قبل سن الخامسة، إضافة إلى عشرة آلاف فورنت عن كل فصل دراسي إضافي يرتاده. ووجد تقييم البرنامج أن البدل أدى إلى زيادة قدرها نقطة مئوية واحدة في الالتحاق برياض الأطفال، ونجح في إلحاق طفل واحد من كل خمسة أطفال استهدفهم البدل بمرحلة ما قبل المدرسة.
وإلى جانب التحويلات، ساعدت برامج الحوافز، كالرسوم المرتبطة بالدخل والإعفاءات الضريبية والمكافآت النقدية، على رفع الالتحاق بين الأسر منخفضة الدخل والأسر المهاجرة في البلدان مرتفعة الدخل، ومنها فرنسا وألمانيا والنرويج. ويمكن للنُّهج القائمة على اختبار الدخل أن تحسّن وصول الأطفال الذين يفتقرون إلى فرص التعلّم المنظّم، وإن كانت التغطية قد تتقيّد بتقلّبات الدخل والبيروقراطية والوصم. وأظهرت دراسة عشوائية لبرنامج «هيد ستارت» في الولايات المتحدة أن كثيراً من الأطفال انتقلوا من الرعاية المنزلية إلى التعليم ما قبل المدرسي في المراكز. ووجدت بحوث لاحقة أن الآثار طويلة الأجل للبرنامج قُدّرت في البداية بأقل من حقيقتها لأنها لم تأخذ في الحسبان ترتيبات الرعاية البديلة للأطفال.
ويمكن لبرامج القسائم أن تحسّن الوصول، بحسب تصميمها. ففي جزر البهاما، تقدّم مبادرة التعليم ما قبل الابتدائي الشامل قسائم بقيمة ألفي دولار أمريكي للأطفال الذين لا يحصلون على أماكن في مؤسسات ما قبل المدرسة العامة، بما يتيح لهم الالتحاق بمراكز خاصة معتمدة. وفي هونغ كونغ بالصين، قدّم برنامج قسائم التعليم ما قبل الابتدائي، بين عامَي 2007 و2017، مبلغ عشرين ألف دولار هونغ كونغي، أي 2,500 دولار أمريكي، للآباء، لكنه استُبدل في عام 2017 ببرنامج تعليم رياض الأطفال الذي يدعم رياض الأطفال مباشرة. وقد ساعد كلاهما على توسيع الوصول وتحسين الجودة. وفي جمهورية كوريا، يتلقى مقدّمو الخدمة الخاصون 110 آلاف وون كوري إضافية عن كل طفل، أي 77 دولاراً أمريكياً، لسدّ الفجوة بين الرسوم الشهرية التي تحددها الحكومة، البالغة 557 ألف وون، والإعانات الحالية البالغة 448 ألف وون. وأدخلت المملكة العربية السعودية قسائم مرتبطة بالدخل لزيادة التحاق أطفال الأسر منخفضة الدخل بالمراكز الخاصة المسجّلة.
البرامج المنزلية
تؤدي البرامج المنزلية ومبادرات الزيارات المنزلية دوراً جوهرياً في تهيئة الظروف التي يمكن في ظلها أن ينمو الالتحاق بالتعليم ما قبل الابتدائي. فالبرامج المنزلية تفضي إلى تحسّنات ملموسة في النواتج المعرفية واللغوية والاجتماعية الوجدانية، وتساعد على سدّ الفجوات النمائية المبكرة بالوصول إلى الأسر التي تعيش في مناطق نائية أو تفتقر إلى الموارد. ويذكّر تحليل بيانات المسح العنقودي متعدد المؤشرات في 63 بلداً منخفض الدخل ومتوسط الدخل بأن الأنشطة التي تحفّز الأطفال في سن الثالثة والرابعة، كالقراءة ورواية القصص واللعب، أكثر شيوعاً بمرتين، بنسبة 72%، من الالتحاق ببرامج التعلّم المنظّم، بنسبة 34%.
ويربط العاملون الصحيون أو الاجتماعيون المجتمعيون الأسرَ بالتعلّم المبكر بتقديم المشورة بشأن كيفية تحفيز أطفالهم ومشاركة المعلومات عن الخيارات المحلية لرعاية الطفولة المبكرة وتعليمها، مما يغيّر تصوّرات مقدّمي الرعاية. وقد وُسّع برنامج «الطفل السعيد» في البرازيل، الذي أُطلق في عام 2016، ليشمل جميع الأسر الفقيرة المسجّلة في السجل الموحّد، وأفضى إلى أكثر من 57 مليون زيارة منزلية بحلول عام 2021، مما يجعله من أكبر برامج تنمية الطفولة المبكرة في العالم.
وقليلة هي الدراسات التي بحثت أثر هذه البرامج في قرار الالتحاق بالتعليم ما قبل الابتدائي. ففي إندونيسيا، عزّز مشروع تعليم الطفولة المبكرة وتنميتها الوصول إلى مجموعات اللعب للأطفال دون السادسة برفع الوعي المجتمعي وتقديم منح إجمالية قدرها 18 ألف دولار أمريكي للقرى على مدى ثلاث سنوات. وارتفع الالتحاق بالتعليم ما قبل المدرسي بما يتراوح بين سبع وخمس عشرة نقطة مئوية.
السياسات المتعلقة بجانب العرض
كما أظهرت معظم دراسات الحالة، من غير المرجّح أن يحدث التوسّع ما لم تستثمر الحكومة في توسيع البنية التحتية العامة لما قبل المدرسة وتحسين الجودة لإقناع الآباء بأن ذلك استخدام ملائم لوقت أطفالهم.
البنية التحتية العامة
نفّذت عدة بلدان برامج طموحة للبنية التحتية لزيادة توافر الأماكن في مؤسسات ما قبل المدرسة العامة والحدّ من اعتماد الآباء على مقدّمي الخدمة الخاصين الذين يتقاضون رسوماً. ففي إطار برنامج «من الصفر إلى الأبد»، أضافت كولومبيا 780 ألف مكان في المراكز المتكاملة للأطفال المحرومين دون الخامسة، لتبلغ 900 ألف بحلول عام 2013 وما يزيد قليلاً على مليون بحلول عام 2016. وكان لكل طفل مستحق في المناطق المستهدفة 0.47 مكان مقارنة بـ0.14 مكان في المناطق الأخرى، مما يبرز حجم الحاجة غير الملبّاة.
وفي موزمبيق، أدخل برنامج تنمية الطفولة المبكرة خدمات تعليم الطفولة المبكرة في المجتمعات الريفية في عشرة أقضية، بما في ذلك بناء 350 مؤسسة لما قبل المدرسة بتكلفة منخفضة. وبينما خُطّط في الأصل لأن تكون الفصول ذات أرضيات إسمنتية وجدران من القش وأسقف من الصفيح، كُيّف التصميم لاحقاً وفق أساليب بناء أكثر تقليدية واستدامة. ورفع البرنامج الالتحاق بالتعليم ما قبل المدرسي من 2% إلى 75%، والالتحاق بالمدرسة الابتدائية بست نقاط مئوية، مع خفض إعادة الصفوف بثلاث نقاط مئوية.
وعزّزت فيتنام تمويل رياض الأطفال العامة بعد عام 2002، مستهدفةً مجتمعات الأقليات العرقية والمجتمعات النائية، فرفعت التحاق الأطفال في سن الخامسة من 72% في عام 2001 إلى 98% في عام 2015، مع خفض حصة الالتحاق الخاص من 60% إلى 12% خلال هذه الفترة. وفي عام 2025، أقرّت الجمعية الوطنية قراراً يدعو إلى تعميم تعليم الطفولة المبكرة للأطفال من سن الثالثة إلى الخامسة. ويُقدَّر أنه بين عامَي 2025 و2028، سيلزم بناء 3,771 فصلاً دون المستوى المطلوب أو استبدالها لتلبية احتياجات البنية التحتية لتعميم التعليم ما قبل المدرسي.
وفي كثير من البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل، تُضاف فصول ما قبل الابتدائي إلى المدارس الابتدائية لخفض تكاليف البنية التحتية، واستخدام النظم الإدارية القائمة، وتوفير الراحة والاستمرارية للأسر. فقد قررت إثيوبيا توسيع التعليم ما قبل الابتدائي في عام 2010، ونظرت في خيارات تشمل مؤسسات ما قبل المدرسة المجتمعية والخاصة والدينية والملحقة بالمدارس الابتدائية، وقد أسهم الخيار الأخير، المعروف بالفصل صفر، بنحو 80% من إجمالي الزيادة في الالتحاق البالغة 2.6 مليون بين عامَي 2010 و2015. وارتفع معدل الالتحاق من 5% في عام 2012 إلى 44% في عام 2022 على المستوى الوطني. وفي إقليم أوروميا، ارتفع الالتحاق من 11% في عام 2018 إلى 48% في عام 2022. وفي عام 2021 وحده، بُنيت 3,700 مؤسسة لما قبل المدرسة. وتدمج غامبيا وليبيريا فصول ما قبل الابتدائي في مدارس التعليم الأساسي، وتتقاسم أحياناً المعلمين. ووضعت جنوب أفريقيا معظم فصولها التمهيدية، المعروفة بالصف R، في المدارس الابتدائية. وتضاعف الالتحاق في المدارس العامة ثلاث مرات من 242 ألفاً في عام 2001 إلى 768 ألفاً في عام 2012، مما يعني أنه بحلول عام 2014 كان 95% من طلاب الصف الأول قد ارتادوا الصف R.
وتوظّف بنغلاديش معلمين مخصصين لما قبل الابتدائي في كل مدرسة ابتدائية حكومية. وفي غواتيمالا، ارتفع عدد مدارس ما قبل الابتدائي العامة من نحو 5,300 في عام 1998 إلى 11,500 في عام 2005، أساساً بوصفها امتدادات للمدارس الابتدائية. وفي المغرب، قررت الحكومة في عام 2018 إدخال فصول التعليم الأولي في جميع المدارس العامة خطوةً نحو تعميم التعليم الأولي بحلول العام 2027/2028.
وفي أذربيجان، وسّعت فصول الجاهزية الشاملة الممولة من الدولة للأطفال في سن الخامسة المشاركةَ قبل سنة من المدرسة الابتدائية من 25% في عام 2016 إلى 96% في عام 2023، وأفادت المناطق الريفية على وجه الخصوص. وفي رومانيا، حيث أُضفي الطابع المؤسسي على الصف التحضيري في عام 2012، توجد مجموعات التعليم المبكر أيضاً في المدارس الابتدائية أو الثانوية، وتُعرف عادة بمكتبات الألعاب أو مجموعات اللعب أو رياض الأطفال المجتمعية. وفرضت أوزبكستان مجموعات إلزامية للجاهزية المدرسية للأطفال في سن السادسة، ووسّعت خيارات التعليم ما قبل المدرسي الممولة من الدولة، فارتفع الالتحاق الإجمالي بالتعليم ما قبل الابتدائي من أقل من 20% إلى نحو 46% خلال عقد. وكانت الفصول التحضيرية ركيزة لتوسيع التعليم الابتدائي، وإن كانت لا تُحتسب دائماً إضافةً إلى توسيع التعليم ما قبل الابتدائي.
وفي كمبوديا، يستخدم برنامج للجاهزية المدرسية مدته ثمانية أسابيع الموارد القائمة، كمعلمي المرحلة الابتدائية والفضاءات المجتمعية، لإعداد الأطفال للمدرسة الابتدائية. وتقدّم جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية برامج تحضيرية للأطفال غير القادرين على ارتياد رياض الأطفال. ومنذ عام 2021، يعمل برنامج صيفي للتحضير لما قبل الابتدائي في المجتمعات المحرومة، مما رفع معدلات البقاء في المدرسة والجاهزية المدرسية.
ويمكن أيضاً توسيع الأماكن عبر السياسات والتمويل. فقد بدأت الصين في عام 2025 الإدخال التدريجي للتعليم ما قبل المدرسي المجاني. وإلى جانب تحسين البنية التحتية وزيادة أجور المعلمين، حددت غاية قدرها 4.5 أماكن لكل ألف نسمة، وسعت إلى إيجاد 660 ألف مكان مدعوم جديد بحلول عام 2025. وحتى عام 2024، كانت 253 ألف روضة أطفال تخدم 35.8 مليون طفل. وبحسب خطط العمل الوطنية وتقارير التقدّم الخاصة بضمان الطفل الأوروبي، تستثمر فرنسا ستة مليارات يورو بحلول عام 2027 لإصلاح التعليم المبكر وزيادة الأماكن بحلول عام 2030، وحسّنت ألمانيا الوصول والجودة بقانون الرعاية النهارية، وتموّل إيطاليا تحديث مرافق رعاية الأطفال العامة وتجديدها عبر أجندة الجنوب وخطة عمل للفترة 2021 إلى 2025، وموّلت إسبانيا أكثر من 65 ألف مكان جديد للتعليم المبكر.
التوفير غير الحكومي
يستأثر مقدّمو الخدمة الخاصون بحصة كبيرة من توفير التعليم ما قبل الابتدائي. ففي 49 بلداً من أصل 153 لديها ملاحظات منذ عام 2020، تجاوزت حصة المؤسسات الخاصة 50%. غير أنه على مدى العقدين الماضيين، يبدو أن حصة هؤلاء المقدّمين ظلت ثابتة، لأن مشاركة القطاع الخاص تتحرك في اتجاهات متعاكسة في بلدان مختلفة، ويبدو أن الاتجاهات يوازن بعضها بعضاً. ومع ذلك، يُرجّح أن يكون حجم التوفير الخاص أقل من الواقع في الإحصاءات الإدارية الرسمية في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل، لأن بعض المقدّمين غير مسجّلين.
وكان لمقدّمي الخدمة المجتمعيين والمنظمات غير الحكومية دور محوري في الوصول إلى الفئات المحرومة، ولا سيما حين تكون الموارد العامة محدودة. ففي جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية، بُنيت مدارس ما قبل الابتدائي أساساً في المناطق الحضرية بدعم من القطاع الخاص، في حين اعتمد التوسّع الريفي على مشاريع يقودها المجتمع، ييسّر فيها مقدّمو رعاية مدرّبون مجموعات لعب غير نظامية. وفي مدغشقر، انخفضت حصة التوفير الخاص خلال العقد الثاني من هذا القرن من نحو 90% إلى نحو 30% بحسب السجلات الإدارية، وإن وجد مسح أسري أُجري في العام 2021/2022 أن التوزيع متساوٍ بين المقدّمين العامين والخاصين. لكن معظم المقدّمين العامين مجتمعيون في الواقع. وفي ترينيداد وتوباغو، كانت منظمة «سيرفول» غير الربحية تدير ثلثي مراكز تعليم الطفولة المبكرة، بدعم من وزارة التعليم في ضمان الجودة ومساعدة في المناهج للحفاظ على المعايير.
ووجد تحليل لملفات التعليم الوطنية لمراجعة السياسات بشأن تنظيم الجهات غير الحكومية في التعليم ما قبل الابتدائي، أُجري في إطار التقرير العالمي لرصد التعليم 2021/2022، أن معظم البلدان تشترط التسجيل والترخيص لمراكز رعاية الطفولة المبكرة وتعليمها غير الحكومية. وقدّم نحو 81% من البلدان حوافز لتشجيع مقدّمي الخدمة غير الحكوميين على العمل، بنسب تتراوح بين 65% في البلدان منخفضة الدخل و89% في البلدان مرتفعة الدخل.
والتعاقد الحكومي أسلوب شائع لتمويل التعليم ما قبل الابتدائي. ففي البرازيل، ارتاد 8% من الأطفال في دور الرعاية النهارية والتعليم ما قبل الابتدائي مقدّمي خدمة خاصين متعاقدين مع الحكومة، يمثّلون 29% من إجمالي التوفير الخاص. وفي الفلبين، وقّعت مدينة باسيغ اتفاقيات مع 95 مركزاً خاصاً لتنمية الطفل معتمداً من سلطات المدينة. وقد كُرّس هذا النهج القائم على تقديم الخدمات بقيادة الحكومة المحلية وتكامل النظام والشراكات بين القطاعين العام والخاص في قانون نظام رعاية الطفولة المبكرة وتنميتها لعام 2025، الذي يتوخّى إنشاء صندوق لبرنامج تعاقدي. وفي ساموا، يوجّه برنامج المنحة الحكومية الموحّدة موارد الدولة إلى مراكز الطفولة المبكرة التي تديرها البعثات الدينية والجهات الخاصة، ويقدّم دعماً في المناهج والمعلمين يعزّز الاتساق بين مقدّمي الخدمة. وفي جنوب أفريقيا، كانت إدارة التنمية الاجتماعية تدعم برامج تنمية الطفولة المبكرة المسجّلة في المجتمعات المستضعفة، مع ضمان الامتثال لشروط التسجيل. وقد نُقلت المسؤولية عن عمليات التسجيل والاعتماد والتمويل والتدريب إلى إدارة التعليم الأساسي، التي خففت اشتراطات التسجيل في عام 2023.
لكن عدداً أقل من البلدان يعالج مشكلات الإنصاف والجودة التي قد تنشأ حين يهيمن التوفير الخاص ويصعب رصده. فالأسر الأفقر أكثر ميلاً إلى ارتياد مراكز غير مسجّلة. ففي لبنان، يقدّم القطاع الخاص أكثر من 80% من التعليم ما قبل الابتدائي، ويؤدي غياب التنظيم وعدم اتساق ضمان الجودة إلى فوارق كبيرة. وفي رواندا، يرجّح كثيراً أن يرتاد الأطفال الريفيون والفقراء بيئات منزلية ومجتمعية أدنى جودة من البيئات القائمة في المراكز التي يرتادها أطفال الحضر والأغنياء. وعلى المستوى العالمي، لا ينظّم الرسومَ سوى 45% من البلدان، ولا ينظّم تحقيقَ الربح سوى 15% منها. ويكمن التحدي في وضع لوائح تعزّز الإنصاف والجودة، بمعايير واضحة تدعم تعلّم الأطفال وسلامتهم، مع ضمان الامتثال في الوقت نفسه.
الجودة والإدماج
لا تضمن زيادة الوصول إلى التعليم ما قبل الابتدائي وحدها استمرار المشاركة. فالأسر أكثر ميلاً إلى إلحاق أطفالها حين تعود البرامج عليهم بفائدة ظاهرة. وقد أدت طفرات الالتحاق، في المكسيك وجمهورية تنزانيا المتحدة مثلاً، إلى إجهاد الجودة والتأثير في تصوّرات الآباء. ولذلك تلزم الاستثمارات في الجودة والإدماج لاستدامة المشاركة وتحسين المهارات المعرفية والاجتماعية والوجدانية للأطفال.
وتؤدي جودة المربّين دوراً حاسماً. فالعوامل الملحوظة كالتفاعل بين المعلم والطفل تشكّل أيضاً قرارات الأسر. ويمكن لتدابير تعزيز النظام، ومنها التطوير المهني للمعلمين والتوجيه، أن تحسّن ممارسات المربّين ونواتج التعلّم، مما يدفع الطلب إلى مزيد من الارتفاع. ففي شيلي، أسهم برنامج «بداية جيدة»، وهو برنامج للتطوير المهني للمعلمين مدته سنتان، في خفض تغيّب الطلاب من 54% إلى 35%. وفي غانا، سجّلت مؤسسات ما قبل المدرسة التي تلقّى معلموها تطويراً مهنياً معدلات حضور أعلى ومشاركة أقوى من الآباء. وتهم طريقة هيكلة الأدوار ودعمها. ففي كولومبيا، لم يكن لمساعدي التدريس وحدهم أي أثر، لأن جهود المعلمين تراجعت، ولم يكونوا فعّالين إلا حين قُدّم التطوير المهني. وفي الهند، أدت إضافة موظفين بدوام جزئي إلى مؤسسات ما قبل المدرسة إلى زيادة وقت التدريس وتحسين الجودة. وأظهرت أدلة تجريبية من باكستان أن التطوير المهني أثناء الخدمة حسّن ممارسات التدريس.
والبيئات المرحة والإيجابية مكوّن رئيسي من مكوّنات الجودة. فاللعب يتطلب حداً أدنى من الموارد لكنه يعزّز الجاهزية المدرسية ويقوّي الروابط بين الوالدين والطفل. وكان حيوياً أيضاً في السياقات الإنسانية. وتُظهر دراسات مختلفة أن المزج بين اللعب والتدريس يفيد نمو الأطفال، ولا سيما في المناطق المحرومة. وخلص تحليل تجميعي إلى أن اللعب الموجّه يحسّن مهارات الأطفال في الرياضيات أكثر من التدريس المباشر. وإجمالاً، تشير تحسينات الجودة للآباء إلى عوائد أكبر، مما يجعل التعليم المبكر أكثر جاذبية ويدعم استمرار المشاركة.
ولزيادة المشاركة، تلزم أيضاً تدخلات محددة تجعل بيئات ما قبل المدرسة أكثر شمولاً باستهداف الفئات المحرومة. فالأطفال ذوو الإعاقة لا يزالون من أكثر الفئات استبعاداً من التعليم ما قبل الابتدائي على مستوى العالم. وتحول عوائق كالبنية التحتية غير الميسّرة والرسوم المرتفعة ونقص الاختصاصيين دون وصولهم، وقد أُبرز هذا النقص في الدعم في أنحاء العالم كافة، ومنها على سبيل المثال إثيوبيا والهند وكينيا. وتوجّه معايير تصميم مرافق الطفولة المبكرة في ولاية جنوب أستراليا تخطيط مرافق الطفولة وإعادة تصميمها بحيث تعزّز السلامة والأمن والدعم والانتماء. وفي ولاية بارانا في البرازيل، تدعم غرف الموارد متعددة الوظائف الأطفال ذوي الإعاقة منذ سن الرابعة في المدارس العامة العادية. ووظّفت بلدان أوروبية، منها كرواتيا وفنلندا وإيطاليا، مساعدي تدريس واختصاصيي إعادة تأهيل لإدماج الأطفال ذوي الإعاقة في التعليم ما قبل الابتدائي. وفي آيرلندا، يساعد نموذج الوصول والإدماج المدارس العادية على استيعاب احتياجات التعلّم المتنوعة، دون الحاجة إلى تشخيصات رسمية.
وكثيراً ما يواجه الأطفال من الأقليات العرقية واللغوية عوائق تتصل بعدم التوافق الثقافي والتمييز والعزلة الجغرافية. فأطفال الروما في أوروبا يواجهون عوائق كبيرة أمام التعليم ما قبل المدرسي، منها التمييز وتكاليف النقل ومحدودية جهود التواصل. وتستخدم مؤسسات ما قبل المدرسة المجتمعية في كمبوديا مناهج متعددة اللغات، تبدأ بالتدريس باللغة الأم ثم تنتقل إلى اللغة الخميرية. وفي الإكوادور، دعم برنامج التعليم ثنائي اللغة ومتعدد الثقافات في منطقة الأمازون تعليم الطفولة المبكرة والتعليم المجتمعي. وفي نيوزيلندا، يستخدم منهج الطفولة المبكرة «تي فاريكي» إطاراً ثنائي الثقافة لدعم متعلّمي الشعوب الأصلية والمهاجرين في بيئات شاملة. وفي بابوا غينيا الجديدة، تستخدم مدارس «توك بليس» أكثر من أربعمائة لغة من لغات الشعوب الأصلية في التعليم المبكر، مبرهنةً على إدماج لغوي فعّال.
ويحتاج الأطفال في المناطق الريفية والنائية إلى نُهج مرنة. فقد أدخلت كولومبيا استراتيجية التعليم المبكر الريفي المتنقل للوصول إلى المناطق النائية. وأدخلت منغوليا رياض أطفال متنقلة، تُعرف بخيام «غير»، لمجتمعات الرعاة، والتحق بها 10% من الأطفال من سن الثانية إلى الخامسة. ولدى أوزبكستان أيضاً رياض أطفال ومجموعات لعب متنقلة، تخدم الآن آلاف الأطفال في المناطق النائية والمجتمعات المحرومة من الخدمات، مما يحسّن الإنصاف.
وفرص تعليم الطفولة المبكرة حيوية للأطفال النازحين. غير أن معظم برامج ما قبل المدرسة الموجّهة للاجئين صغيرة وتموّلها الجهات المانحة، مما يبرز الحاجة الملحّة إلى حلول منهجية. فبين عامَي 2021 و2024، ارتفعت معدلات التحاق الأطفال اللاجئين بالتعليم ما قبل الابتدائي في إثيوبيا، من 44% إلى 57%، ولبنان، من 22% إلى 33%، وتركيا، من 34% إلى 42%، لكنها انخفضت في تشاد، من 23% إلى 12%، وكينيا، من 70% إلى 49%، وجنوب السودان، من 47% إلى 28%، ويعود ذلك إلى حدّ كبير إلى مشكلات التمويل وعجز الخدمات عن استيعاب الأعداد.
الخلاصة
مع تحسّن فهم فوائد تعليم الطفولة المبكرة، استثمرت حكومات كثيرة في توسيع الوصول، ولا سيما للأطفال المحرومين. وقد أثبتت فعاليتها حزمةٌ شاملة من السياسات تجمع مثلاً بين التشريع والتمويل العام والحوكمة المنسّقة والتوفير المختلط مع جهات خاصة ومجتمعية منظّمة وتدابير شاملة للأطفال المهمشين. وحيث تتسق هذه العناصر وتفضي إلى أطر مؤسسية متماسكة بدلاً من برامج منعزلة، يصبح التعليم ما قبل الابتدائي الشامل العالي الجودة قابلاً للتحقيق وتدوم فوائده.
