الفصل الرابع: التعليم الابتدائي والثانوي
الرسائل الرئيسية
ماذا تُظهر البيانات؟
انخفض معدل عدم الالتحاق بالمدارس انخفاضاً حاداً بعد عام 2000، لكنه توقف منذ عام 2015. فعلى المستوى العالمي، انخفض معدل عدم الالتحاق بين الأطفال والمراهقين والشباب من 27% في عام 2000 إلى 17% في عام 2015، لكنه ركد منذ ذلك الحين. وبينما التحق بالمدارس 327 مليون طالب إضافي منذ عام 2000، ظل عدد غير الملتحقين يرتفع طوال السنوات السبع الماضية حتى بلغ 273 مليوناً. والأرجح أن هذا الرقم أقل من الواقع، إذ يوجد 13 مليوناً آخرون خارج المدرسة في البلدان العشرة الأشد تضرراً من النزاعات.
وترتفع معدلات الإتمام في جميع المراحل، لكن ببطء شديد لا يتيح بلوغ الغايات العالمية السابقة والحالية. فالزيادات في إتمام التعليم الابتدائي، من 77% إلى 88%، وإتمام المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، من 60% إلى 78%، وإتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي، من 37% إلى 61%، بين عامَي 2000 و2024، أبطأ من أن تبلغ الغايات العالمية. فقد تحسّن إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي بمقدار 0.8 نقطة مئوية سنوياً، وبهذا المعدل لن يبلغ 95% على المستوى العالمي إلا في عام 2105.
وقد يبدو ركود معدلات عدم الالتحاق وارتفاع معدلات الإتمام متناقضين، لكنهما ليسا كذلك. فمع توسّع الالتحاق في العقد الأول من هذا القرن، انخفضت معدلات عدم الالتحاق، لكن ذلك أفضى إلى اختناقات، إذ عانى طلاب كثيرون للتقدّم في دراستهم. ومنذ ذلك الحين، انخفضت إعادة الصفوف، وهو ما يفسّر كيف يمكن أن تركد معدلات عدم الالتحاق في الوقت الذي يُتمّ فيه عدد أكبر من الطلاب تعليمهم. ورغم أن النظم التعليمية أصبحت أكثر كفاءة، لا يزال عدد كبير جداً من الطلاب يلتحقون متأخرين ويعيدون الصفوف، ولا سيما في البلدان منخفضة الدخل، حيث تبلغ الفجوة بين الإتمام في الوقت المحدد والإتمام النهائي إحدى عشرة نقطة مئوية في التعليم الابتدائي.
ماذا نعرف عن السياسات المرتبطة بالتوسّع والإنصاف على المدى الطويل؟
تبتعد البلدان عن السياسات غير المواتية للطلاب المحرومين. ففي بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يزيد احتمال إعادة الصف لدى الطلاب من الخلفيات الاجتماعية الاقتصادية المتدنية بنسبة 50% عن أقرانهم الأكثر امتيازاً ذوي الأداء الأكاديمي نفسه. ومع اعتماد البلدان الترفيع التلقائي، انخفضت معدلات إعادة الصفوف بنحو الثلثين في التعليم الابتدائي وبأكثر من الثلث في المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي. وقد تبيّن أن التوزيع الأكاديمي المبكر للطلاب في مسارات يقلّل الإتمام.
والمدارس الميسّرة الوصول مادياً والآمنة والمجهزة جيداً عنصر أساسي للتوسّع التعليمي. فلا يزال بناء المدارس من أقوى المؤشرات التنبؤية بالالتحاق، ولا سيما للفتيات، ومع ذلك ركد بناء المدارس الجديدة أو تراجع في معظم أفريقيا جنوب الصحراء بين عامَي 2010 و2020. ومن التدابير التي رفعت الالتحاق المدارس الداخلية والتعلّم عن بُعد ودورات المياه وإيصال الكهرباء.
وتوسّع البلدان تشريعات التعليم الشامل وسياساته. فقد ارتفعت حصة البلدان التي لديها تعريف للتعليم الشامل من 68% في عام 2020 إلى 84% في عام 2025، ومن بينها ارتفعت حصة تلك التي لا يقتصر تعريفها على المتعلمين ذوي الإعاقة من 51% إلى 69%. وحتى عام 2025، كان لدى 37% من البلدان سياسات للتعليم الشامل لجميع المتعلمين. وانخفضت حصة البلدان التي تجيز تشريعاتها فصل الطلاب ذوي الإعاقة من 25% في عام 2020 إلى 9% اليوم.
الاتجاهات الرئيسية
رفعت الأجندات العالمية الكبرى الثلاث للتعليم مستوى طموح العالم على نحو لا يتناسب مع سرعة توسّع النظم التعليمية: ففي عام 1990، دعا الإعلان العالمي بشأن التعليم للجميع إلى تعميم الوصول إلى التعليم الابتدائي، وفي عام 2000 دعا الهدف الثاني من الأهداف الإنمائية للألفية إلى تعميم إتمام التعليم الابتدائي، وفي عام 2015 دعا الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة إلى تعميم إتمام التعليم الثانوي بمرحلته العليا.
ويمكن القول إن المعلومات كانت في البداية غير كافية لوضع غايات قائمة على الأدلة. فلم تُجمع البيانات العالمية بطريقة منهجية وقابلة للمقارنة دولياً للمرة الأولى إلا في عام 2000. واعتمدت هذه الجهود الأولى لقياس الوصول إلى التعليم على نسبة الالتحاق الإجمالية، التي أدّت دوراً مهماً في حشد الالتزام السياسي على مستوى العالم، وساعدت على تحديد خط أساس، وإن كان متفائلاً.
وبحلول الوقت الذي كانت فيه غايات الهدف الرابع على وشك أن تُحدَّد في مطلع العقد الثاني من هذا القرن، كان من الواضح أن الهدف العالمي بحاجة إلى أن يكون أقل طموحاً. فقد أشار التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع 2013/2014، بالبيانات المتاحة آنذاك، إلى أن تعميم إتمام التعليم الابتدائي في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى سيتحقق بحلول عام 2036، وتعميم إتمام المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي بحلول عام 2053، وأن البلدان منخفضة الدخل ستحتاج إلى عقدين إضافيين لتحقيق هاتين الغايتين. ولفت التقرير الانتباه أيضاً إلى التفاوت داخل البلدان. ففي 44 بلداً من أصل 74 بلداً منخفض الدخل ومتوسط الدخل حُلّلت آنذاك، كانت ثمة فجوة لا تقل عن خمسين عاماً بين إتمام جميع الفتيان الأغنى للمرحلة الدنيا من التعليم الثانوي وإتمام جميع الفتيات الأفقر لها.
ومع ذلك، مضى المجتمع الدولي قدماً في غاية تعميم إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي. والأرجح أن التفاؤل نجم عن التقدّم السريع الذي حققته البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل بين عامَي 2000 و2015. غير أن التوسّع السريع في الالتحاق تسبب أيضاً في اختناقات. فأصبح الحضور غير المنتظم وإعادة الصفوف وترك المدرسة المبكر، ولا سيما خلال الانتقال بين المراحل التعليمية، مصدر قلق. وكانت هذه نتيجة للضغوط على جودة التعليم المقدَّم، مما أبطأ التقدّم بعد عام 2015.
وبالاستفادة من الرؤية اللاحقة ومن بيانات أفضل، وإن ظلت بعيدة عن أن تكون مرضية، يستعرض هذا القسم التقدّم في الوصول إلى التعليم خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، من حيث مؤشرات الالتحاق وتجاوز السن المناسبة للصف وإعادة الصفوف وعدم الالتحاق والانتقال والإتمام، ممهّداً الطريق لدراسات الحالة القطرية وتحليل السياسات اللذين يليانه.
لم تتحقق غاية خفض معدلات عدم الالتحاق بالمدارس إلى الصفر
بينما ظل عدد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس، ومنذ عام 2015 عدد المراهقين والشباب كذلك، المؤشرَ الذي تصدّر العناوين طوال السنوات الخمس والعشرين الماضية، من السهل أن يُنسى أن عدد الملتحقين بالمدارس ظل ينمو بسرعة. فبين عامَي 2000 و2024، نما الالتحاق بنسبة 19% في التعليم الابتدائي، من 656 إلى 781 مليوناً، وبنسبة 28% في المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، من 283 إلى 363 مليوناً، وبنسبة 73% في المرحلة العليا من التعليم الثانوي، من 167 إلى 288 مليوناً. وإجمالاً، يوجد 327 مليون طالب إضافي في التعليم الابتدائي والثانوي، منهم 125 مليوناً في التعليم الابتدائي و202 مليون في التعليم الثانوي.
وتسجّل بيانات الالتحاق طويلة الأجل في قاعدة بيانات معهد اليونسكو للإحصاء أيضاً التباطؤ الذي حدث في ثمانينيات القرن الماضي، حين اضطرت البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل إلى خفض إنفاقها الاجتماعي للحصول على قروض التكيّف الهيكلي. فقد نما الالتحاق بالتعليم الابتدائي بمقدار 12 مليوناً سنوياً في السبعينيات، لكن بمقدار خمسة ملايين فقط سنوياً في الثمانينيات، قبل أن يعاود الارتفاع بمقدار سبعة ملايين سنوياً في التسعينيات، حتى تطابق الالتحاق قرب نهايتها مع عدد السكان في سن التعليم الابتدائي.
وتفاوتت معدلات نمو الالتحاق منذ عام 2000 تفاوتاً كبيراً بحسب المنطقة وفئة دخل البلد. فبينما انخفضت مستويات الالتحاق في أوروبا وأمريكا الشمالية في التعليم الابتدائي والثانوي بين عامَي 2000 و2024، تضاعفت أكثر من مرتين في التعليم الابتدائي وأكثر من ثلاث مرات في التعليم الثانوي في أفريقيا جنوب الصحراء. وفي البلدان منخفضة الدخل، تضاعف الالتحاق بالتعليم الثانوي أربع مرات تقريباً. وتركّز نمو الالتحاق في المرحلة العليا من التعليم الثانوي في آسيا الوسطى والجنوبية، وفي شرق آسيا وجنوب شرقها، وفي أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وفي البلدان متوسطة الدخل عموماً. وفي الربع الأول من هذا القرن، انخفض عدد السكان في سن الدراسة بنسبة 9% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى والبلدان مرتفعة الدخل، وارتفع بنسبة 25% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، وتضاعف في البلدان منخفضة الدخل.
وستستمر هذه المسارات الديموغرافية المتباينة، مفضية إلى تحديات مختلفة في الوصول إلى التعليم في السنوات المقبلة. فبحسب التوقعات السكانية العالمية للأمم المتحدة لعام 2024، يُتوقع أن ينخفض عدد السكان في سن الدراسة على مستوى العالم بنسبة 4% بين عامَي 2025 و2050. ولن يرتفع إلا في أوقيانوسيا بنسبة 5%، وفي شمال أفريقيا وغرب آسيا بنسبة 7%، وبخاصة في أفريقيا جنوب الصحراء بنسبة 37%. وسينخفض في آسيا الوسطى والجنوبية بنسبة 7%، وفي أوروبا وأمريكا الشمالية بنسبة 14%، وفي أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بنسبة 19%، وبخاصة في شرق آسيا وجنوب شرقها بنسبة 37%.
ارتفع عدد غير الملتحقين بالمدارس منذ عام 2015
بينما كان 1,433 مليون طالب يرتادون المدارس الابتدائية والثانوية على مستوى العالم في عام 2024، يُقدَّر أيضاً أن 273 مليوناً كانوا خارج المدرسة. ومن هؤلاء، 79 مليون طفل في سن التعليم الابتدائي، و64 مليون مراهق في سن المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، و130 مليون شاب في سن المرحلة العليا من التعليم الثانوي. وانخفض عدد غير الملتحقين بمقدار 127 مليوناً بين عامَي 2000 و2015، أي بنسبة 33%، ليبلغ 264 مليوناً، لكنه ارتفع بمقدار تسعة ملايين، أي بنسبة 3%، بحلول عام 2024. وفي البلدان منخفضة الدخل، ارتفع عدد غير الملتحقين بنسبة 29% منذ عام 2015، وبنسبة 41% منذ عام 2009، في حين ظل ثابتاً في بقية العالم.
ومنذ عام 2000، تحقق آسيا الوسطى والجنوبية تقدّماً سريعاً في وصول الأطفال الأصغر سناً إلى التعليم، وبحلول عام 2019 انخفضت حصتها من إجمالي غير الملتحقين من 43% إلى 25% بين الأطفال في سن التعليم الابتدائي، ومن 42% إلى 28% بين المراهقين في سن المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، وإن تباطأ هذا الانخفاض منذ ذلك الحين. وخلال هذه الفترة، ارتفعت حصة أفريقيا جنوب الصحراء من غير الملتحقين في العالم في هاتين الفئتين العمريتين من 32% إلى 50% ومن 25% إلى 47% على التوالي. لكن المنطقتين معاً تستأثران الآن، عبر جميع الفئات العمرية، بثلاثة أرباع غير الملتحقين في العالم. وارتفعت حصتهما من الشباب غير الملتحقين في سن المرحلة العليا من التعليم الثانوي من 59% في عام 2000 إلى 74% في عام 2024.
وتستند هذه التقديرات إلى نموذج وضعه فريق التقرير العالمي لرصد التعليم ومعهد اليونسكو للإحصاء، يجمع بين البيانات الإدارية وبيانات المسوح، ويُعرض على موقع «تصوّر مؤشرات التعليم في العالم». غير أن بلداناً كثيرة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل، متأثرة بالنزاعات التي لا تتوافر عنها في أحسن الأحوال سوى بيانات متقطعة، في حين أن تقديرات النموذج تقلّل حتماً من أعداد غير الملتحقين.
تقدير عدد غير الملتحقين بالمدارس أقل من الواقع بسبب النزاعات
يعتمد نموذج تقدير عدد غير الملتحقين على استقرار التقدّم طويل الأجل للسكان في سن الدراسة عبر النظام التعليمي لضمان اتساق الاتجاهات بمرور الوقت. غير أن هذه القوة المنهجية تتحول إلى نقطة ضعف حين يتغيّر الالتحاق فجأة بسبب الأزمات. فعادة لا تتوافر معلومات كافية لفهم آثار الأزمات، لأن النزاعات تعيق جمع البيانات عن المشاركة المدرسية. ولذلك تحتاج تقديرات النموذج إلى أن تُستكمل بمعلومات تنتجها في معظمها الجهات الفاعلة الإنسانية.
وفي أعقاب المحاولة الأولى لتعديل بيانات عدم الالتحاق لعام 2023 في بطاقة أداء الهدف الرابع لعام 2024، تُستخدم مجدداً قائمة المراقبة لعام 2025 الصادرة عن لجنة الإنقاذ الدولية أساساً لاختيار البلدان العشرة التي تمر بحالات طوارئ وأزمات والتي ربما قُدّر عدد غير الملتحقين فيها بأقل من الواقع في عام 2024. ومقارنة بالقائمة السابقة، حلّت هايتي ولبنان والجمهورية العربية السورية محل جمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا والنيجر.
وجُمعت المعلومات الواردة من مصادر إنسانية أو غيرها بشأن الحجم المحتمل لغير الملتحقين في هذه البلدان العشرة، وروجعت من حيث السكان الموصوفين، إذ قد يغطي تقرير ما سكاناً أكبر من السكان في سن الدراسة، ومن حيث مقياس المشاركة التعليمية، إذ قد يصف تقرير ما سكاناً تعليمهم «معرّض للخطر»، وهو أمر يختلف عن عدم الالتحاق بالمدرسة، ومن حيث التغطية الجغرافية. ثم قورنت هذه المعلومات بتقديرات النموذج، التي قد تكون متقادمة في حالات كثيرة وإن لم يكن في جميعها.
ففي بوركينا فاسو، ترصد الحكومة بعناية الهجمات على المدارس، وتصدر تقارير شهرية عن التعليم في حالات الطوارئ. وفي فبراير 2024، قدّرت وزارة التعليم أن 5,365 مدرسة أُغلقت بسبب انعدام الأمن، مما أثّر في 834 ألف طالب. ويقدّر النموذج عدد غير الملتحقين بنحو 3.6 مليون، لكن تقدير الحكومة نفسها يبلغ أربعة ملايين، مما يستدعي تعديلاً بالزيادة قدره 0.4 مليون.
وفي هايتي، التي تضررت بشدة من عدم الاستقرار السياسي وعنف الجماعات المسلحة، نزح داخلياً أكثر من نصف مليون طفل، أي نحو طفل من كل ثمانية، في أواخر عام 2024. وأُغلقت نحو 8% من المدارس أو عُلّق عملها بسبب الهجمات أو انعدام الأمن أو استخدامها ملاجئ. ويُقدَّر معدل عدم الالتحاق بنسبة 22% بين الأطفال والمراهقين في سن التعليم الابتدائي والمرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، و50% على الأقل بين الشباب في سن المرحلة العليا من التعليم الثانوي. ويشير ذلك إلى أن عدد غير الملتحقين يبلغ 0.95 مليون، مما يستلزم تعديل تقدير النموذج بالزيادة بمقدار 0.6 مليون.
وكان لبنان، الذي يعاني أزمات سياسية ومالية وأمنية متعددة ومتداخلة، يستضيف 0.8 مليون لاجئ سوري في عام 2024. ويتفق النموذج مع تقدير الحكومة لعدد غير الملتحقين البالغ 0.45 مليون. وفي عام 2023، أجرى لبنان مسحاً عنقودياً متعدد المؤشرات شمل أيضاً مستوطنات اللاجئين السوريين، ومثّل نحو 70% من السكان. ويشير تحليل النتائج إلى معدل عدم التحاق قدره 46%، يقابله عدد من غير الملتحقين يبلغ 0.57 مليون، مما يستدعي تعديلاً بالزيادة قدره 0.1 مليون.
وفي مالي، كانت 1,984 مدرسة معطّلة بسبب الأزمة الأمنية حتى ديسمبر 2024. وقدّر تقييم متعدد القطاعات للاحتياجات أن 45% من الأطفال والشباب من سن الثالثة إلى الثامنة عشرة لم يكونوا في التعليم النظامي في العام 2023/2024. وبالنظر إلى أن 5% فقط من الأطفال من سن الثالثة إلى الخامسة ملتحقون بالمدرسة، وأن 12% فقط يُتمّون التعليم الثانوي في سن الثامنة عشرة، فإن معدل عدم الالتحاق للفئات في سن التعليم الابتدائي والثانوي سيكون 27%، أي ما يزيد قليلاً على مليونين، وهو تقدير أقل من الواقع. وأفادت اليونيسف في تقريرها السنوي بأن عدد غير الملتحقين يبلغ 3.3 مليون. ولا يحتاج تقدير النموذج البالغ 3.6 مليون إلى تعديل.
وفي ميانمار، نُشرت تقديرات متعددة وغير متسقة في السنوات الأخيرة. فقد قدّرت دراسة للبنك الدولي، استناداً إلى مسح هاتفي، معدل عدم الالتحاق بنسبة 6% للسكان في سن التعليم الابتدائي، و16% في سن المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، و45% في سن المرحلة العليا من التعليم الثانوي، أي 17% أو 1.9 مليون خارج المدرسة في عام 2024. وقدّر صندوق «التعليم لا يمكن أن ينتظر» أن 3.6 مليون من الأطفال والشباب من سن الثالثة إلى الثامنة عشرة كانوا خارج المدرسة في عام 2023، وهو ما يتسق مع تقدير 1.9 مليون للفئة من سن السادسة إلى السابعة عشرة. لكن دراسة ثانية للبنك الدولي كانت قد قدّرت معدل عدم الالتحاق بنسبة 28%، وأفاد مركز أبحاث ببيانات رسمية تشير إلى التحاق 6.1 مليون في العام 2025/2026. وإذا كان عدد السكان في سن الدراسة 9.7 مليون، بحسب قاعدة بيانات معهد اليونسكو للإحصاء، فإن عدداً من غير الملتحقين قدره 3.6 مليون يقابل معدل عدم التحاق قدره 37%. ويتسق ذلك مع إعلانات وزارة التعليم في منتصف عام 2024 بأن 28% من المدارس العامة مغلقة. وإذا كان عدد غير الملتحقين 3.6 مليون فعلاً، فإن تقدير النموذج يحتاج إلى تعديل بالزيادة قدره 2.4 مليون.
وفي دولة فلسطين، كان جميع الأطفال في غزة من سن السادسة إلى السابعة عشرة، المقدّر عددهم بنحو 0.55 مليون، خارج المدرسة طوال عام 2024، ويلزم إضافتهم إلى التقدير. وبحلول عام 2025، كانت 92% من جميع المباني المدرسية بحاجة إلى إعادة بناء كاملة أو إعادة تأهيل كبرى.
والصومال أكبر بلد من بين بضعة بلدان لا يولّد النموذج تقديرات لعدم الالتحاق فيها بسبب نقص البيانات التاريخية. ويشير المسح المتكامل لميزانية الأسرة في الصومال لعام 2022 إلى أن معدل عدم الالتحاق بلغ 74% بين الأطفال في سن التعليم الابتدائي و54% بين المراهقين والشباب في سن التعليم الثانوي. ومع تقدير عدد السكان في سن التعليم الابتدائي بنحو 3.49 مليون وفي سن التعليم الثانوي بنحو 2.79 مليون، يُقدَّر عدد غير الملتحقين بأربعة ملايين في عام 2024. وهذا أعلى من تقدير صندوق «التعليم لا يمكن أن ينتظر» البالغ 3.4 مليون المستند إلى تقييم متعدد القطاعات للاحتياجات، لكنه أدنى من تقدير مجموعة التعليم البالغ 4.5 مليون.
ولم تُبلَّغ أي تقديرات للالتحاق في السنوات الأخيرة من جنوب السودان. وقد توقّع النموذج أن يبلغ عدد غير الملتحقين 2.2 مليون طفل. وقدّر تقييم مشترك بين القطاعات للاحتياجات في عام 2024 معدل عدم الالتحاق بنسبة 42%، يقابله عدد من غير الملتحقين يبلغ 1.6 مليون. لكن تقديراً صدر في ديسمبر 2023 رفع هذا العدد إلى 2.8 مليون، وتوقّع التقرير السنوي لليونيسف لعام 2024 أن يرتفع إلى 3.5 مليون في عام 2024. ولعدم توافر معلومات إضافية، يُفترض أن عدد غير الملتحقين في جنوب السودان بلغ 2.8 مليون في عام 2024، مما يستدعي تعديلاً بالزيادة قدره 0.6 مليون.
وفي السودان، وباستخدام معلومات خط الأساس من مسح لوحة سوق العمل لعام 2022، الذي قدّر معدل عدم الالتحاق بنسبة 41%، ومعلومات خارجية عن المناطق الثلاث الأشد تضرراً من النزاع، وهي دارفور والخرطوم وكردفان، التي تمثّل 60% من السكان، قُدّر عدد غير الملتحقين بنحو 11.4 مليون، أي بزيادة 4.8 مليون على تنبؤ النموذج. ويقدّر صندوق «التعليم لا يمكن أن ينتظر» عدد غير الملتحقين من الأطفال والمراهقين والشباب في سن الدراسة بنحو 9.7 مليون. ويتجاوز تقديران آخران عدد السكان في سن الدراسة البالغ 14.6 مليون، مما يعني أنهما يشملان أطفالاً دون السادسة ولا يمكن مقارنتهما: يفيد أحدهما بوجود 15.9 مليون خارج المدرسة، والآخر بوجود 17 مليوناً. ولعدم توافر أدلة أفضل، يُبقى على افتراض عام 2023.
وفي الجمهورية العربية السورية، أفادت نظرة عامة على الاحتياجات الإنسانية لعام 2024 بوجود «أكثر من» 2.45 مليون خارج المدرسة. وأبلغت الحكومة عن 2.75 مليون في عام 2024، وهو ما يتسق مع النموذج، ولذلك لا يلزم أي تعديل إضافي.
وخلاصة القول إن المعلومات الإضافية التي جُمعت والافتراضات التي وُضعت بشأن أثر الأزمات العشر الأبرز في المشاركة المدرسية للأطفال والشباب من سن السادسة إلى السابعة عشرة تشير إلى أن عدد غير الملتحقين هؤلاء أقل من الواقع بنحو 13 مليوناً، مما يرفع العدد العالمي لغير الملتحقين إلى 286 مليوناً.
ويعكس تزايد عدد غير الملتحقين النمو الديموغرافي في البلدان منخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى. فقد انخفض معدل عدم الالتحاق عبر مجموع السكان في سن التعليم الابتدائي والثانوي من 27.2% في عام 2000 إلى 17.4% في عام 2015، لكنه ظل ثابتاً منذ ذلك الحين، وقُدّر بنسبة 16.8% في عام 2024. وبين الأطفال والمراهقين والشباب في سن الدراسة، يبلغ 36% في البلدان منخفضة الدخل، و20% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، و8% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، و3% في البلدان مرتفعة الدخل. وعلى المستوى العالمي، يوجد خارج المدرسة نحو 10% من الأطفال في سن التعليم الابتدائي، انخفاضاً من 19% في عام 2000، و15% من المراهقين في سن المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، انخفاضاً من 23%، و31% من الشباب في سن المرحلة العليا من التعليم الثانوي، انخفاضاً من 46%.
وفي البلدان منخفضة الدخل، يبلغ معدل عدم الالتحاق 24% بين الأطفال في سن التعليم الابتدائي، و42% بين المراهقين في سن المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، و56% بين الشباب في سن المرحلة العليا منه. وفي البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، تبلغ المعدلات المقابلة 11% و16% و38%. ويقل معدل عدم التحاق الشباب في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى عن نصف ذلك، إذ يبلغ 17%، ولا يتجاوز 5% في البلدان مرتفعة الدخل.
وبينما انخفض معدل عدم الالتحاق لدى مجموع السكان في سن الدراسة كل عام بمقدار نقطة مئوية واحدة في أفريقيا جنوب الصحراء وبمقدار 1.2 نقطة مئوية في آسيا الوسطى والجنوبية بين عامَي 2000 و2015، توقف التقدّم في المنطقتين كلتيهما. بل إنه لم يتحقق أي تقدّم على الإطلاق في خمس من مناطق أهداف التنمية المستدامة، وربما في ست من المناطق السبع، وإن كانت البيانات المتعلقة بأوقيانوسيا غير كافية لاستخلاص استنتاج قاطع.
وبينما تباطأ التقدّم في خفض معدلات عدم الالتحاق في المتوسط، لا يعني ذلك أن جميع البلدان توقفت عن التقدّم. فتقديرات النموذج المعروضة في هذا القسم تعالج بعض التحديات المهمة، كعدم اليقين بشأن التقديرات السكانية واستكمال البيانات الإدارية المتقطعة بالمسوح الأسرية والتعدادات. غير أن البيانات الإدارية هي مصدر التقديرات الوطنية الرسمية المبلَّغة إلى قاعدة بيانات أهداف التنمية المستدامة، وتقدّم رؤى عن تباين مسارات البلدان.
حُلّلت قاعدة بيانات معهد اليونسكو للإحصاء بشأن معدلات عدم الالتحاق على المستوى القطري بالنظر إلى ثلاث نقاط زمنية: الفترة 2000 إلى 2002، والفترة 2014 إلى 2016، والفترة 2022 إلى 2024. فبالتركيز أولاً على معدلات عدم الالتحاق للأطفال في سن التعليم الابتدائي في البلدان منخفضة الدخل، ومن بين 25 بلداً، لم يكن لدى سوى تسعة بلدان ملاحظات في النقاط الثلاث جميعها، في حين كانت لدى بلد واحد ملاحظات في بداية الفترة ونهايتها، أي 40% من جميع البلدان. والبلدان الأربعة التي كانت الأبعد عن الركب في عام 2000، إذ كان 60% على الأقل من أطفالها خارج المدرسة، هي بوركينا فاسو وتشاد وإثيوبيا والنيجر. وقد حققت تقدّماً سريعاً بخفض معدلات عدم الالتحاق فيها إلى النصف بحلول عام 2015، لكنها شهدت جميعها تراجعاً طفيفاً منذ ذلك الحين.
وفيما يتعلق بمعدلات عدم الالتحاق للمراهقين في سن المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، ومن بين 54 بلداً، لم يكن لدى سوى ثلاثة عشر بلداً ملاحظات في النقاط الثلاث جميعها، في حين كانت لدى بلدين آخرين ملاحظات في البداية والنهاية، أي 28% من جميع البلدان. والبلدان الثلاثة التي كانت الأبعد عن الركب في عام 2000، إذ كان 40% على الأقل من مراهقيها خارج المدرسة، هي بوتان وكمبوديا والمغرب. وقد حققت تقدّماً أسرع بحلول عام 2015، إذ خفّضت كمبوديا مثلاً معدل عدم الالتحاق فيها بنسبة 85%، بل واصل المغرب تقدّمه حتى عام 2024. ويبدو أن ثاني وثالث أكثر البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى سكاناً يسلكان مسارين مختلفين، إذ أفادت نيجيريا بأنها خفّضت معدل عدم التحاق المراهقين إلى النصف، من 33% في عام 2000 إلى 17% في عام 2023، في حين أفادت باكستان بغياب التقدّم طويل الأجل، إذ بلغ المعدل 21% في عام 2000 و20% في عام 2023، بعد أن كانت قد خفّضته إلى النصف بحلول عام 2015 ليبلغ 9%. غير أن كلا البلدين واجه صعوبات في تعداده السكاني في السنوات الأخيرة.
وأخيراً، فيما يتعلق بمعدلات عدم الالتحاق للشباب في سن المرحلة العليا من التعليم الثانوي في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى والبلدان مرتفعة الدخل، ومن بين 129 بلداً، كانت لدى 61 بلداً ملاحظات في النقاط الثلاث جميعها، في حين كانت لدى ثلاثة بلدان أخرى ملاحظات في البداية والنهاية، أي 50% من جميع البلدان. ولم يكن لدى سوى 5% من البلدان أي ملاحظات على الإطلاق في النقاط الزمنية الثلاث، مقارنة بنسبة 9% من البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى و24% من البلدان منخفضة الدخل. ومن بين أكثر ثلاثة بلدان سكاناً ضمن البلدان العشرة الأبعد عن الركب في عام 2000، التي كان 50% على الأقل من شبابها خارج المدرسة، حققت جميعها تقدّماً سريعاً بحلول عام 2015. وقد ركدت إندونيسيا والمكسيك منذ عام 2015، لكن تركيا واصلت تقدّمها، فخفّضت معدل عدم الالتحاق فيها بنسبة 88% بحلول عام 2024، وهو إنجاز لم تتجاوزه سوى البحرين وكازاخستان والبرتغال.
التقدّم في الإتمام لا يواكب دائماً التقدّم في الالتحاق
لا تحتفظ جميع النظم التعليمية بطلابها حتى الإتمام، ولذلك لم يقترن التقدّم في الالتحاق دائماً بمكاسب مماثلة في الإتمام. وأهم تطوّر في رصد المشاركة التعليمية منذ عام 2015 هو إدخال معدل الإتمام مؤشراً عالمياً ثانياً للغاية 4.1 من أهداف التنمية المستدامة.
فخلال المناقشات بشأن إطار رصد الهدف الرابع في عامَي 2014 و2015، كان ثمة توافق عام على أن المؤشر العالمي ينبغي أن يعكس صياغة الغاية 4.1 القائلة بأن «يُتمّ جميع الفتيات والفتيان تعليماً ابتدائياً وثانوياً مجانياً ومنصفاً وجيداً يفضي إلى نواتج تعلّم ملائمة وفعّالة». وللتعبير عن تحوّل الاهتمام من المشاركة إلى التعلّم، اقتُرح في الأصل مؤشر يتألف من مكوّنين: نسبة الأطفال الذين يُتمّون كل حلقة تعليمية، ونسبة من بلغ من هؤلاء الطلاب الحدّ الأدنى من الكفاءة في القراءة والرياضيات. وجادلت بعض المنظمات الدولية، بقيادة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بأنه لصعوبة تحديد مستوى أدنى للكفاءة والاتفاق عليه، ثمة خطر أن تتخلى البلدان عن مكوّن التعلّم فيضيع. وخلافاً لما قد يُتوقع، اقتُرح بناءً على ذلك التخلي عن مكوّن الإتمام، مما ترك ثغرة كبيرة في إطار الرصد.
وعمل معهد اليونسكو للإحصاء والتقرير العالمي لرصد التعليم على سدّ هذه الثغرة، مستغلّين فرصة المراجعة الشاملة الأولى لإطار رصد أهداف التنمية المستدامة تحت رعاية فريق الخبراء المشترك بين الوكالات والحكومات المعني بمؤشرات أهداف التنمية المستدامة في عام 2019. وكان مؤشر معدل الإتمام الذي اعتُمد مؤشراً عالمياً 4.1.2 في عام 2020 مختلفاً منهجياً عن المؤشر الذي كان يمثّل الإتمام حتى ذلك الحين، أي نسبة الدخول الإجمالية إلى الصف الأخير من التعليم الابتدائي والمرحلة الدنيا من التعليم الثانوي. فنسبة الدخول، كغيرها من مؤشرات معدلات الالتحاق، تعتمد اعتماداً كبيراً على مقام السكان، الذي يأتي من مصدر مختلف عن مصدر مقياس الالتحاق، مما يولّد كثيراً من أوجه عدم الاتساق. فمثلاً، تتجاوز 15% من ملاحظات الالتحاق بحسب العمر في قاعدة بيانات معهد اليونسكو للإحصاء عدد السكان في العمر المفرد المقابل. وفي حالة مقياس سكاني لعمر مفرد، كالمقياس الذي تتطلبه نسبة الدخول، تتفاقم أوجه ضعف المقياس السكاني.
ونتيجة لذلك، اقتُرح أن يُستقى معدل الإتمام من المسوح وأن يُعرَّف على الفئة العمرية التي تزيد بثلاث إلى خمس سنوات على سن التخرج، لمعالجة تحديات الالتحاق المتأخر وإعادة الصفوف. كما ساعد تطوير التقرير العالمي لرصد التعليم نموذجاً على معالجة التحديات المحتملة المتعلقة بتحيّزات المسوح ودوريتها.
ويُبرز المنظور طويل الأجل الذي يتيحه نموذج معدل الإتمام، الذي يمتد إلى عام 1990، قابليةَ التوسّع التعليمي للتنبؤ، ويُبرز في الوقت نفسه أن بعض البلدان والمناطق تخالف الاتجاه العام. فمثلاً، في حالة إتمام التعليم الابتدائي، كانت ثمة فجوة قدرها إحدى عشرة نقطة مئوية بين آسيا الوسطى والجنوبية وأفريقيا جنوب الصحراء في عام 1990، اتسعت بحلول عام 2010 إلى خمس وعشرين نقطة مئوية. وبحلول عام 2024، كانت آسيا الوسطى والجنوبية قد سدّت الفجوة البالغة ثماني عشرة نقطة مئوية التي كانت تفصلها عن شمال أفريقيا وغرب آسيا في عام 1990.
وفيما يتعلق بإتمام المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، حققت آسيا الوسطى والجنوبية وشرق آسيا وجنوب شرقها بين عامَي 1990 و2024 معدلات نمو أسرع، بلغت 1.2 نقطة مئوية سنوياً، من أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي وشمال أفريقيا وغرب آسيا، التي بلغت 0.9 نقطة مئوية. وأخيراً، ربما يكون نمو معدل إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي في شرق آسيا وجنوب شرقها، الناتج أساساً عن التقدّم في الصين، أروع قصص التوسّع التعليمي في هذا الجيل، إذ توسّع بمقدار 1.7 نقطة مئوية سنوياً خلال هذه الفترة، أي بضعف سرعة أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي وشمال أفريقيا وغرب آسيا. وارتفعت معدلات إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي بعشر نقاط مئوية في أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث يُتمّها 89% من الشباب، وبثلاث عشرة نقطة مئوية في أفريقيا جنوب الصحراء، حيث يُتمّها 28% من الشباب.
وتُظهر المسارات القطرية الفردية أيضاً تنوعاً واسعاً في التجارب. ولتبسيط العرض، وكما في حالة معدل عدم الالتحاق، ينصبّ التركيز على إتمام التعليم الابتدائي في البلدان منخفضة الدخل، وإتمام المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، وإتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى والبلدان مرتفعة الدخل. وتوافر البيانات أعلى في حالة معدل الإتمام، لأن النموذج يتيح استخداماً أكفأ للبيانات المتاحة، وإن ظلت ثمة ثغرات في الدول الجزرية الصغيرة النامية. وتبلغ التغطية 68% على الأقل في البلدان منخفضة الدخل، و65% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، و58% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى والبلدان مرتفعة الدخل.
وقد اتبعت البلدان منخفضة الدخل مسارات متنوعة، إذ تباطأ بعضها بعد عام 2015، كمالي، وواصل بعضها الآخر بالوتيرة نفسها، كرواندا. وإجمالاً، الأدلة على تباطؤ الإتمام أقل منها في حالة معدلات عدم الالتحاق. ويتناول القسم التالي هذه المسألة، إلى جانب أبرز الملاحظات في هذا الصدد، وهي كيف أن معدل الإتمام، المعرَّف على من تزيد أعمارهم بثلاث إلى خمس سنوات على سن التخرج الرسمية، فإذا كان ينبغي أن يكون الأطفال في الصف الأخير في سن الحادية عشرة مثلاً، فإن معدل الإتمام يُعرَّف على الفئة العمرية من 14 إلى 16 عاماً، يتخلّف عن نسبة الأطفال الذين يُتمّون المدرسة الابتدائية في نهاية المطاف بتأخر يبلغ سنوات أكثر. ففي غينيا بيساو وليبيريا، لا يُتمّ المدرسة الابتدائية «في الوقت المحدد» سوى 30% من الأطفال، وهو تعبير مجازي لأن المؤشر يتضمن أصلاً تأخراً كبيراً في تعريفه، لكن 59% و62% على التوالي يُتمّونها بتأخر أكبر. وهذه الظاهرة عامة إلى حدّ كبير، لكنها لا تُلاحظ مثلاً في بوركينا فاسو ومالي والنيجر.
وتُلاحظ فروق كبيرة في التقدّم نحو تعميم إتمام المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي بين البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى التي انطلقت من المستوى نفسه في عام 2000. فمثلاً، بين عامَي 2000 و2024، ارتفع معدل إتمام المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي من 24% إلى 42% في أنغولا، لكنه ارتفع إلى 63% في جزر القمر. وارتفع من نحو 27% إلى 36% في بابوا غينيا الجديدة، وإلى 81% في نيبال. ومن البلدان الأخرى ذات الدخل المتوسط الأدنى، إلى جانب جزر القمر ونيبال، التي توسّعت بمعدلات لا تقل عن 1.5 نقطة مئوية سنوياً، بنغلاديش وكمبوديا والهند ومنغوليا وسان تومي وبرينسيبي. والإتمام بعد تجاوز السن المناسبة مشكلة أقل في هذه المرحلة، لكنه يبدو مرتفعاً جداً في كينيا، حيث يُتمّ 60% المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي في الوقت المحدد، و24% آخرون بتأخر يبلغ عدة سنوات.
ومن بين البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، وإلى جانب الصين التي توسّعت بوتيرة 2.5 نقطة مئوية سنوياً منذ عام 2000، توسّعت ألبانيا والإكوادور وفيجي والعراق وتركيا بمقدار 1.5 نقطة مئوية على الأقل سنوياً. والبرتغال هي البلد الوحيد مرتفع الدخل الذي حقق معدلاً مماثلاً. وتثير إنجازات هذه البلدان تساؤلات مثيرة للاهتمام بشأن الآفاق الوطنية والعالمية لتعميم إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي.
متى سيتحقق تعميم إتمام التعليم الثانوي؟
لم يحقق تعميم إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي سوى عدد قليل من البلدان. فمن بين 164 بلداً قدّر التقرير العالمي لرصد التعليم معدلات الإتمام فيها، تتجاوز معدلات الإتمام النهائي 97% في سبعة بلدان، و95% في ثلاثة عشر بلداً، و90% في 37 بلداً. ويطرح ذلك سؤالاً عن المدة التي ستحتاجها البلدان للتقدّم نحو تعميم إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي، وهو غاية معلنة في إطار الهدف الرابع.
وتقدّم الأدلة التي جُمعت لهذا التقرير سجلاً تاريخياً مفصّلاً لمعدلات التوسّع التعليمي في جميع البلدان من نقاط انطلاق مختلفة. وللإجابة عن الأسئلة المطروحة، نُفّذت الخطوات التالية. أولاً، حُسب النمو السنوي في معدلات إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي لجميع البلدان وجميع السنوات بين عامَي 2000 و2025. وقُسّمت هذه المعدلات إلى عشر مجموعات بحسب القيمة الابتدائية التي تحققت انطلاقاً منها، بعرض عشر نقاط مئوية لكل مجموعة. ثم حُسب المتوسط، والربع الأعلى، والمتوسط داخل الربع الأعلى لكل مجموعة. فمثلاً، بالنسبة للبلدان التي انطلقت في أي وقت خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية من معدل إتمام للمرحلة العليا من التعليم الثانوي يتراوح بين 40% و50%، توسّع البلد المتوسط بمقدار 1.3 نقطة مئوية سنوياً، وتوسّع البلد الواقع عند المئين الخامس والسبعين، أي البلد الواقع في أسفل الربع الأعلى لو رُتّبت البلدان جميعاً بحسب سرعة توسّعها من الأبطأ إلى الأسرع، بمقدار 1.8 نقطة مئوية سنوياً، وتوسّع البلد المتوسط بين جميع بلدان الربع الأعلى بمقدار 2.3 نقطة مئوية سنوياً. ثم طُبّقت هذه المعدلات بحسب معدلات إتمام البلدان للمرحلة العليا من التعليم الثانوي في عام 2025. وحين تنتقل القيمة المتوقعة إلى مجموعة مختلفة، يُستخدم معدل نمو المجموعة الجديدة.
ويُظهر تحليل لمائة واثنين وثلاثين بلداً من جميع مستويات الدخل أُجري لهذا التقرير أنه إذا واصلت هذه البلدان التوسّع بالمعدل المتوسط، فإن 32 بلداً ستبلغ معدلاً لا يقل عن 95% بحلول عام 2050، و84 بلداً بحلول عام 2100. وإذا توسّعت بمعدل البلد الواقع عند حدّ الربع الأعلى، فإن 50 بلداً ستبلغ معدلاً لا يقل عن 95% بحلول عام 2050، و113 بلداً بحلول عام 2100. وأخيراً، إذا توسّعت بسرعة أكبر، بمعدل البلد المتوسط بين بلدان الربع الأعلى، فإن 70 بلداً ستبلغ معدلاً لا يقل عن 95% بحلول عام 2050، وجميع البلدان بحلول عام 2100، وآخرها النيجر التي ستبلغ معدلاً لا يقل عن 95% بحلول عام 2093، في حين أنها بالمعدل المتوسط لن تبلغه إلا بحلول عام 2169.
وسيبلغ العالم معدل إتمام قدره 95% للمرحلة العليا من التعليم الثانوي بحلول عام 2105 في السيناريو المتوسط، وبحلول عام 2081 في سيناريو التوسّع السريع، وبحلول عام 2062 في سيناريو التوسّع الأسرع. وتستند هذه التوقعات إلى تقدير معدل الإتمام في الوقت المحدد. وإذا استُخدم تقدير معدل الإتمام النهائي أساساً بدلاً منه، فإن موعد تعميم الإتمام سيتقدّم خمس سنوات في السيناريو المتوسط وثلاث سنوات في السيناريوهين المتسارعين.
والاستنتاجات حساسة للتوقعات الديموغرافية. وتعطي التوقعات فكرة عن المدة التي سيستغرقها تحقيق غاية عام 2030، مع ملاحظة أن الحالة الراهنة للتنمية التعليمية في بلد ما لا تحدد بالضرورة كيف يمكن أن يتقدّم، إذ تمكّنت بلدان كثيرة في الماضي من التغلّب على الظروف غير المواتية.
الالتحاق والإتمام بعد تجاوز السن المناسبة يستدعيان الاهتمام
كما وُصف أعلاه، كشف تحليل بيانات المسوح لتقدير معدلات الإتمام، وهي بيانات تجمع معلومات أكثر موثوقية عن العمر، عن مسألة سياساتية بعيدة عن الأضواء. فكثير من الأطفال يبدؤون المدرسة متأخرين ويعيدون الصفوف. والنتيجة أن كثيرين يتركون المدرسة مبكراً، لأنهم لم يتقدّموا بالسرعة الكافية عبر النظام التعليمي ويُسحبون إلى العمل والزواج والإنجاب.
وقد يكون الالتحاق المتأخر إرثاً تاريخياً، أو سمة ثقافية، كالاعتقاد بأن الطفل أصغر من أن يذهب إلى المدرسة، أو نتيجة لتقدير المخاطر، كأن يكون الطريق إلى المدرسة غير آمن. فضلاً عن ذلك، وجزئياً على الأقل بسبب التوسّع السريع في التعليم الابتدائي والمرحلة الدنيا من التعليم الثانوي منذ أواخر التسعينيات، جعل الاكتظاظ وغيره من التحديات في بيئة التعلّم التقدّمَ أبطأ، مما أدى إلى ارتفاع معدلات إعادة الصفوف في العقد الأول من هذا القرن. وقد تكون إعادة الصفوف أيضاً سمة متجذّرة في نظام تعليمي ما.
والنتيجة الملحوظة أن نسبة الأطفال والمراهقين والبالغين الذين يبلغون نهاية المدرسة الابتدائية والمرحلتين الدنيا والعليا من التعليم الثانوي في الوقت المحدد في بلدان كثيرة أدنى بكثير من نسبة من يتخرجون في نهاية المطاف. وهذا أكثر شيوعاً في البلدان منخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، وفي التعليم الابتدائي والمرحلة الدنيا من التعليم الثانوي أكثر منه في المرحلة العليا من التعليم الثانوي. ولا يتجاوز الفرق الوسيط بين معدل الإتمام الرسمي ومعدل الإتمام «النهائي» نقطتين مئويتين، لكن الفرق المتوسط أكبر بكثير لأن توزيع الإتمام المتأخر منحرف نحو عدد قليل من البلدان. وعلى المستوى العالمي، يبلغ في المتوسط ما بين ثلاث وأربع نقاط مئوية: ففي التعليم الابتدائي يبلغ الإتمام النهائي 92.1%، مقارنة بمعدل رسمي قدره 88%، وفي المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي يبلغ 82%، مقارنة بمعدل رسمي قدره 77.7%، وفي المرحلة العليا من التعليم الثانوي يبلغ 64.5%، مقارنة بمعدل رسمي قدره 61.1%.
غير أن الفجوة أعلى بكثير في البلدان منخفضة الدخل، حيث يقل معدل الإتمام عن معدل الإتمام النهائي بإحدى عشرة نقطة مئوية في التعليم الابتدائي وبتسع نقاط مئوية في المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي. والفجوة نصف ذلك في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، وتكاد تكون مهملة في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى والبلدان مرتفعة الدخل. ويُظهر تحليل الاتجاه طويل الأجل لهذه الظاهرة أنها كانت مرتفعة أصلاً في عام 1990 في البلدان منخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى على السواء. لكنها صارت أكثر وضوحاً في البلدان منخفضة الدخل بعد عام 2000 في التعليم الابتدائي، وبعد عام 2005 في المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، وبعد عام 2010 في المرحلة العليا من التعليم الثانوي، حيث لا تزال في ارتفاع. وفي المقابل، تتراجع مشكلة تجاوز السن المناسبة في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى في التعليم الابتدائي خلال السنوات الخمس والثلاثين الماضية، لكن ليس بعد في التعليم الثانوي.
وكما أُشير سابقاً، ثمة تنوع واسع في التجارب، حتى داخل المناطق نفسها. ففي التعليم الابتدائي مثلاً، تبلغ الفجوة بين الإتمام في الوقت المحدد والإتمام النهائي 21 نقطة مئوية في ملاوي، و12 إلى 13 نقطة في إسواتيني وليسوتو، و5 إلى 6 نقاط في جمهورية تنزانيا المتحدة وزيمبابوي. وفي المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، تبلغ الفجوة 12 نقطة مئوية في باكستان، و7 نقاط في نيبال، وصفراً في الهند. وتبلغ 10 نقاط في سورينام، و7 نقاط في هندوراس، و5 نقاط في كولومبيا وباراغواي، ونقطة واحدة في بوليفيا والمكسيك. وفي المرحلة العليا من التعليم الثانوي، تبلغ الفجوة 9 إلى 10 نقاط مئوية في ألمانيا وهولندا، حيث أعاد صفاً واحداً على الأقل طالب من كل خمسة طلاب، و3 نقاط في فرنسا وإسبانيا، لكنها تقترب من الصفر في اليونان وإيطاليا.
ترك المدرسة المبكر حصيلة لاختناقات متعددة
التسرّب عملية لا حدث منفصل. فالأطفال يمرّون عادة بمراحل من الحضور غير المنتظم والانفصال الجزئي عن المدرسة قبل أن يغادروا النظام نهائياً، إذ تتفاعل قيود الأسرة وتحديات المجتمع والممارسات المدرسية بمرور الوقت. ولذلك يلزم الاهتمام بمعالجة العوائق الهيكلية المتعلقة بالحضور والانتقال والبقاء في المدرسة.
التغيّب
في إحصاءات التعليم، يُستخدم مصطلحا الالتحاق والارتياد لوصف ما إذا كان الطفل في المدرسة بحسب البيانات الإدارية، أي الالتحاق، أو بيانات المسوح، أي الارتياد. غير أن مصطلح «الارتياد» مضلل بعض الشيء، لأنه لا يشير إلى المعنى الأكثر شيوعاً الذي يفهمه معظم الناس، أي ما إذا كان الطلاب يحضرون المدرسة فعلاً يوماً بيوم. ولا توجد إحصاءات عالمية قابلة للمقارنة ترصد التغيّب، رغم أنه مقدّمة حاسمة لترك المدرسة المبكر لاحقاً. فالحضور المنتظم يعزّز الانخراط ويرفع احتمال التقدّم في التعليم وإتمامه. وفي المقابل، يُضعف التغيّب الروابط بالمدرسة، وكثيراً ما يمثّل الخطوة الأولى في مسار يؤدي إلى التسرّب. ومعدلات التغيّب المرتفعة خطر يهدد بالتسرّب حتى في البلدان ذات نسب الالتحاق المرتفعة.
وعلى مستوى النظام، يُقاس التغيّب عادة باستخدام سجلات الحضور المدرسية، وإن كانت هذه المعلومات نادراً ما تُجمَّع على المستوى الوطني وتُستخدم في الغالب لأغراض إدارة المدارس. وتُستقى المعلومات عن التغيّب من مجموعة من المنهجيات، عادة لأغراض بحثية، منها الزيارات المدرسية غير المعلنة والحضور المبلَّغ عنه ذاتياً من الطلاب أو مقدّمي الرعاية. وحددت مراجعة لسبع وعشرين دراسة في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل سبعة نُهج متمايزة لقياس التغيّب اختلفت في مصادر البيانات وفترات الاستذكار وتعريفات الحضور. ويمكن للسجلات المدرسية في بعض البيئات أن تقارب تقديرات الفحص المفاجئ، لكن التباينات متكررة وتتوقف على السياق. ويميل الحضور المبلَّغ عنه ذاتياً، ولا سيما من مقدّمي الرعاية، إلى التقليل المنهجي من التغيّب. ونتيجة لذلك، لا تكون مستويات التغيّب المبلَّغ عنها في الدراسات المختلفة قابلة للمقارنة المباشرة ما لم تكن المنهجيات والعيّنات متسقة إلى حدّ كبير.
وقليلة هي تقييمات الأثر التي تُبلغ عن المستويات المطلقة للتغيّب، حتى حين تُستخدم الزيارات غير المعلنة. وحيث تفعل ذلك، تتفاوت المعدلات المبلَّغ عنها تفاوتاً كبيراً. ففي البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل، تُبلغ الدراسات عن مستويات تغيّب تتراوح بين أقل من 10% و30%، بحسب الفئة العمرية والموقع وتعريف الحضور. فمثلاً، تُبلغ دراسات قائمة على الفحص المفاجئ في إثيوبيا والهند وباكستان عن مستويات تغيّب مختلفة اختلافاً ملحوظاً رغم تشابه أساليب جمع البيانات.
وفي البلدان الأغنى، توفّر المسوح المعيارية لتحصيل التعلّم معلومات ذات صلة، إذ تسأل الطلاب في الاستبيان الخلفي عما إذا كانوا قد تغيّبوا عن المدرسة أو تغيّبوا عن حصص أو وصلوا متأخرين. ورغم صعوبة تحويل هذه الإجابات إلى مقياس للتغيّب سهل التفسير، كنسبة أيام الدراسة الضائعة في السنة، فإنها تشير مع ذلك إلى أن التغيّب مسألة مهمة وأن ثمة فروقاً كبيرة بين البلدان. فالبرنامج الدولي لتقييم الطلبة مثلاً يسأل عما إذا كان الطلاب قد تغيّبوا يوماً دراسياً كاملاً على الأقل في الأسبوعين السابقين لمشاركتهم في التقييم. وفي إيطاليا ورومانيا والمملكة العربية السعودية، أفاد سبعة طلاب من كل عشرة بأنهم تغيّبوا يوماً دراسياً واحداً على الأقل، وتغيّب ما بين 13% و16% ثلاثة أيام على الأقل في الأسبوعين السابقين.
الانتقال
من اللحظات الرئيسية التي يُفقد فيها الطلاب من النظام نقاطُ الانتقال بين الحلقات التعليمية. وقد توقفت قاعدة بيانات معهد اليونسكو للإحصاء عن الإبلاغ عن بيانات معدلات الانتقال في عام 2017، لكن البيانات حتى ذلك الحين تعطي مؤشراً على الاتجاه طويل الأجل الذي يُرجّح أنه استمر منذ ذلك الحين. فعلى المستوى العالمي، تحسّن معدل الانتقال بين عامَي 1985 و2000 من 78% إلى 88%. وتباطأ التقدّم تباطؤاً كبيراً خلال السنوات الخمس عشرة التالية، إذ لم يبلغ معدل الانتقال سوى 91% بحلول عام 2015. وفي البلدان منخفضة الدخل، تحسّن معدل الانتقال باطّراد على مدى خمس وعشرين سنة من 56% في عام 1982 إلى 80% في عام 2007، لكنه استقر بعد ذلك طوال السنوات العشر التالية.
ويتضح ذلك أيضاً في تجارب بلدان منخفضة الدخل بعينها. فبين عامَي 2000 و2017، ركد معدل الانتقال من التعليم الابتدائي إلى المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي في تشاد ومالي وتوغو. ومن البلدان التي شهدت تغييراً كبيراً في السياسات جمهورية تنزانيا المتحدة، التي خففت القيود الصارمة تاريخياً على الوصول إلى التعليم الثانوي، فارتفع معدل الانتقال من 20% فقط في عام 2000 إلى 71% في عام 2017. وبحلول ذلك العام، كان معدل الانتقال لا يزال دون 60% في بلدين: النيجر وأوغندا.
إعادة الصفوف
تؤخر إعادة الصفوف مسارات الطلاب وتزيد خطر أن يكونوا أكبر سناً مما يناسب الصف الذي يرتادونه، وأن ينتقلوا متأخرين بين الحلقات التعليمية، وأن يتركوا المدرسة مبكراً في نهاية المطاف. والبيانات العالمية عن إعادة الصفوف غير كافية ليقدّم معهد اليونسكو للإحصاء مجاميع عالمية وإقليمية، لكنها كافية للدلالة على حجم المسألة والاتجاهات الأخيرة.
ففي التعليم الابتدائي، ثمة 118 بلداً لديها ملاحظات في الفترتين 2000 إلى 2004 و2020 إلى 2024. وبلغت القيمة الوسيطة 3.2% في الفترة الأولى و0.7% في الفترة الثانية. وانخفضت معدلات إعادة الصفوف في كل بلد تقريباً، بنحو الثلثين في المتوسط. ومن بين البلدان التي تجاوزت فيها إعادة الصفوف 10% في الفترة 2000 إلى 2004، انخفضت بنسبة 85% على الأقل في إثيوبيا، من 15% إلى 2%، وغواتيمالا، من 15% إلى 1%، وجمهورية لاو الديمقراطية الشعبية، من 20% إلى 3%، وملاوي، من 17% إلى 2%. غير أن إعادة الصفوف ظلت مرتفعة في الكاميرون بنسبة 13%، وتشاد بنسبة 14%، ورواندا بنسبة 23%، ومدغشقر بنسبة 27%.
وفي المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، وعلى مدى عشرين عاماً، ثمة 113 بلداً لديها ملاحظات في الفترتين 2000 إلى 2004 و2020 إلى 2024. وبلغت القيمة الوسيطة 3.2% في الفترة الأولى و1% في الفترة الثانية. وانخفضت معدلات إعادة الصفوف في معظم البلدان، بنحو 40% في المتوسط، وإن ارتفعت في بضعة بلدان، ولا سيما في إثيوبيا وملاوي، وهما بلدان كانا قد قضيا تقريباً على إعادة الصفوف في التعليم الابتدائي. ومن بين البلدان التي تجاوزت فيها إعادة الصفوف 10% في الفترة 2000 إلى 2004، انخفضت بنسبة 85% على الأقل في كوستاريكا، من 10% إلى 1%، وعُمان، من 11% إلى 1%، وفنزويلا، من 12% إلى 1%. غير أن إعادة الصفوف لا تزال مرتفعة في كابو فيردي بنسبة 16%، وسانت فنسنت وجزر غرينادين بنسبة 16%، وبنن بنسبة 19%، وتشاد بنسبة 19%، وإثيوبيا بنسبة 25%، والنيجر بنسبة 26%.
والأرجح أن الانخفاض الكبير في معدلات إعادة الصفوف هو السبب الرئيسي للتناقض الظاهري بين ركود معدلات عدم الالتحاق وارتفاع معدلات الإتمام. فمع توسّع النظم في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل وإجهاد قدرتها على استيعاب مزيد من الطلاب، تراجعت الجودة في بلدان كثيرة، مما دفع معدلات إعادة الصفوف إلى الارتفاع وأوقف تقدّم الطلاب. ومع تكيّف النظم في السنوات الأخيرة، ربما لم تعد أعداد الطلاب تبدو كأنها تزداد بالسرعة نفسها، ويعود ذلك جزئياً إلى قلة المعيدين، وهو ما يعني أيضاً أن الطلاب أكثر ميلاً إلى التقدّم وبلوغ نهاية كل حلقة.
ورغم أن الأدلة على انخفاض معدلات إعادة الصفوف تبدو قوية، فمن المسلّم به أيضاً أن إعادة الصفوف يصعب قياسها بدقة، ولا سيما في الصفوف الأولى، حيث توحي نسب الدخول الإجمالية المرتفعة باستمرار في الصفين الأول والثاني بأن إعادة الصفوف قد تكون أقل من الواقع في الإبلاغ في بعض البلدان الأفقر. وتوثّق بعض الدراسات تناقضات بين معدلات إعادة الصفوف المستقاة من الإحصاءات الإدارية ومن المسوح. ففي أوغندا مثلاً، أشارت السجلات الإدارية إلى أن 11% من طلاب الصف الأول كانوا معيدين في عام 2017، في حين أشارت مسوح المعلمين، بنسبة 41%، ومسوح الآباء، بنسبة 52%، إلى أن إعادة الصفوف أعلى بكثير.
ومن الطرق غير المباشرة لتقييم دقة بيانات إعادة الصفوف فحص أعمار الطلاب مع انتقالهم بين الصفوف. فمن حيث المبدأ، ينبغي أن يكون طلاب الصف الثاني في المتوسط أكبر بسنة واحدة من طلاب الصف الأول. وتدل فروق الأعمار التي تزيد على سنة واحدة على وجود معيدين. ووجد تحليل أُجري لهذا التقرير أن ثمة عموماً علاقة إيجابية بين الزيادة في متوسط العمر بين الصفين الأول والثاني ومعدل إعادة الصف الأول المبلَّغ عنه رسمياً. ومعظم البلدان ذات معدلات إعادة الصفوف المنخفضة تتسق إلى حدّ كبير مع النمط المتوقع لتقدّم العمر سنة واحدة، في حين تُظهر بلدان مثل بوروندي ومدغشقر ورواندا تقدّماً كبيراً في العمر ومعدلات إعادة مبلَّغ عنها مرتفعة في آن. غير أن بعض البلدان تُبلغ عن إعادة صفوف تقارب الصفر رغم تقدّم كبير في العمر عبر الصفوف، ومنها بنغلاديش وبنن وترينيداد وتوباغو، مما يوحي باحتمال نقص الإبلاغ عن إعادة الصفوف في البيانات الإدارية.
وقد يقل الإبلاغ عن إعادة الصفوف في البلدان التي تطبّق سياسات الترفيع التلقائي، لأن إداريي المدارس قد يترددون في الإبلاغ عنها. وفي سياقات أخرى، قد تعكس إعادة الصف الأول المرتفعة الالتحاقَ المبكر بالمدرسة الابتدائية دون تصنيف رسمي للطلاب معيدين. فقد يُلحق الآباء أطفالهم دون السن المطلوبة مباشرة بالمدرسة الابتدائية المجانية بدلاً من برامج ما قبل الابتدائي ذات الرسوم أو الأصعب وصولاً، مما يزيد احتمال إعادة الصف.
وتقدّم الكاميرون مثالاً توضيحياً. فالسن الرسمية للالتحاق بالتعليم الابتدائي هي السادسة. وفي عام 2022، تشير بيانات الالتحاق والسكان إلى أن نحو ثلاثين ألف طفل في سن السادسة كانوا إما خارج المدرسة أو ملتحقين بالتعليم ما قبل الابتدائي، وهم يمثّلون الحدّ الأقصى من الملتحقين المتأخرين المحتملين بالصف الأول في العام التالي. ومع ذلك، التحق بالصف الأول في عام 2023 أكثر من 260 ألف طفل في سن السابعة. وحتى بافتراض أن جميع الملتحقين المتأخرين المحتملين التحقوا في سن السابعة، فإن ذلك يعني وجود 230 ألف معيد على الأقل. غير أنه لم يُبلَّغ رسمياً سوى عن أقل من 160 ألف معيد، مما يوحي بنقص محتمل في الإبلاغ عن أكثر من سبعين ألف طالب. ومن ثمّ فإن فهم ديناميات إعادة الصفوف أمر جوهري لتفسير مؤشرات الإتمام والتقدّم ولتقييم كفاءة النظم التعليمية وإنصافها.
هل أثّرت جائحة كوفيد 19 في المشاركة في التعليم الابتدائي والثانوي؟
أحدثت جائحة كوفيد 19 أكبر اضطراب في النظم التعليمية في التاريخ الحديث، مما أثار مخاوف واسعة من أن يُترجم إغلاق المدارس والانقطاع المطوّل عن التعليم الحضوري إلى انتكاسات دائمة في الوصول إلى التعليم. وحذّرت التوقعات الأولى من زيادات حادة في التسرّب المدرسي، ولا سيما بين الأطفال المحرومين الذين كانوا أكثر عرضة لخطر الانفصال عن المدرسة، ولا سيما مع معاناة أسرهم مالياً.
غير أن تقييم هذا الأثر ينطوي على تحديات كبيرة. أولاً، يُرجّح أن تكون عواقب إغلاق المدارس تراكمية، كأن يتأخر الأطفال في تعلّمهم ثم يعانون لاحقاً في المدرسة، ومن ثمّ قد لا تتجلى إلا على المدى المتوسط. وقد يكون أفضل ما يرصد ترك المدرسة المبكر مؤشرات مثل معدل الإتمام، التي لا يظهر فيها التغيّر إلا بعد عدة سنوات. ونتيجة لذلك، ربما لا يزال الوقت مبكراً لرصد آثار الجائحة على نواتج الوصول رصداً كاملاً. ثانياً، تراجع توافر البيانات في مرحلة ما بعد الجائحة، إذ تعطّلت نظم الإبلاغ الإداري في بلدان كثيرة وتباطأ تنفيذ المسوح الأسرية. وتعني هذه القيود أن أي تقييم لأثر كوفيد 19 في الوصول يظل مبدئياً ومقتصراً على مجموعة فرعية من البلدان ذات البيانات الكاملة والقابلة للمقارنة بما يكفي.
ولأغراض هذا التقرير، فُحصت اتجاهات الوصول إلى المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي قبل جائحة كوفيد 19 وخلالها وبعدها، بتتبّع نسب الالتحاق الإجمالية والالتحاق بعد تجاوز السن المناسبة معاً، قبل الجائحة في الفترة 2015 إلى 2019، وخلالها في الفترة 2020 إلى 2021، وبعدها في الفترة 2022 إلى 2024، في 29 بلداً. وظلت نسب الالتحاق الإجمالية مرتفعة ومستقرة إلى حدّ كبير، مما يدل على أن مستويات المشاركة حوفظ عليها رغم الاضطراب الناجم عن إغلاق المدارس. ويُلاحظ في بلدان كثيرة انخفاض في معدلات تجاوز السن المناسبة. وفي المقابل، تُظهر مجموعة أصغر من البلدان استمرار الالتحاق بعد تجاوز السن المناسبة أو ارتفاعه خلال الجائحة أو بعدها، مما يوحي بأن مستويات الالتحاق ربما تحجب تأخرات كامنة في التقدّم الدراسي. وإجمالاً، لا يرصد الالتحاق وحده أثر كوفيد 19 في الوصول رصداً جيداً: فبينما صمدت المشاركة إلى حدّ كبير على المدى القصير، يوحي تزايد الالتحاق بعد تجاوز السن المناسبة في بعض البلدان بأن بعض التعديلات قد حدثت، وقد تكون لها آثار أطول أجلاً في الإتمام والتسرّب تتجاوز الفترة التالية للجائحة مباشرة.
الخلاصة
شهدت السنوات الخمس والعشرون الماضية تطورات كبيرة في توسّع النظم التعليمية. فمع انتهاء فرض سياسات التكيّف الهيكلي في أواخر التسعينيات، وسّعت بلدان كثيرة منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل نظمها التعليمية، وهو ما انعكس في زيادات كبيرة في الالتحاق. غير أن الوتيرة السريعة لانخفاض معدلات عدم الالتحاق كانت قد بدأت بحلول عام 2010 تتباطأ تباطؤاً كبيراً في معظم هذه البلدان. ومع ذلك، ظلت معدلات الإتمام ترتفع طوال هذه الفترة بالمعدل نفسه تقريباً، وهذه مفارقة. ويكمن التفسير في التوزيع العمري للالتحاق. فقد تُرجمت الاختناقات الأولى إلى معدلات مرتفعة لإعادة الصفوف والالتحاق بعد تجاوز السن المناسبة والإتمام المتأخر جداً، ولا سيما في البلدان منخفضة الدخل. ولم تبدأ هذه الضغوط في الانحسار إلا للتو. وقد أسهمت التطورات المنهجية الأخيرة في تقدير معدلات عدم الالتحاق والإتمام، باستخدام مصادر بيانات متعددة، في تحسين فهم هذه العوامل، وينبغي أن تُستكمل مستقبلاً بتحسينات في قياس الظواهر المرتبطة بها، كالتغيّب والانتقال وإعادة الصفوف.
دراسات الحالة
ألبانيا: مضاعفة معدلات إتمام التعليم الثانوي في عشرين عاماً
شهدت ألبانيا انخفاض معدلات إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي من 49% في عام 1992 إلى 42.5% في عام 2000. وكان ذلك خلال السنوات المضطربة التي أعقبت نهاية النظام الشيوعي، والتي شهدت انخفاضاً حاداً في الدخل الوطني وفي الموارد المتاحة للتعليم. وكانت ألبانيا آنذاك بلداً ذا دخل متوسط أدنى. لكن مع عودة الاستقرار، ارتفعت معدلات إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي وبلغت سريعاً 82% في عام 2018. وهذا أعلى بكثير من متوسط البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى التي انضمت ألبانيا إلى صفوفها خلال هذه الفترة. وقد تقدّمت بوتيرة أسرع من جيرانها في غرب البلقان.
وقبل تحوّل ألبانيا إلى اقتصاد السوق في عام 1991، كانت مستويات المشاركة في المرحلة العليا من التعليم الثانوي مرتفعة نسبياً. لكن تلك الفترة اتّسمت بانخفاض عدد المعلمين والفصول والمدارس، وبتراجع كبير في الالتحاق والإتمام في جميع المراحل التعليمية، نتيجة أيضاً للهجرة الجماعية، أساساً إلى اليونان وإيطاليا. وبينما بدأت آنذاك جهود إعادة تأهيل المدارس، عُزي الانخفاض الكبير في الالتحاق أيضاً إلى إغلاق عدد كبير من المدارس المهنية في مطلع التسعينيات، كان معظمها مدارس زراعية في المناطق الريفية عُدّت أقل صلة بالاقتصاد الجديد. فقد استأثرت المدارس المهنية بنسبة 72% من الطلاب الملتحقين في عام 1990 و19% في عام 2002، وبنسبة 62% من خريجي المرحلة العليا من التعليم الثانوي في عام 1992 قبل أن تنخفض إلى 13% في عام 2001.
ومنذ مطلع الألفية، تضاعف الإنفاق العام على التعليم من 7% من إجمالي الإنفاق العام في عام 1990 إلى 14% في عام 2016، في حين تضاعفت حصة المرحلة العليا من التعليم الثانوي في ميزانية التعليم ثلاث مرات من 6.5% في عام 2002 إلى 20% في عام 2020. وساعد هذا التوسّع على تمويل إصلاحات مختلفة تهدف إلى تحسين الجودة وخفض معدلات التسرّب وتنمية قوى عاملة أكثر مهارة. فقد رُوجع منهج المرحلة العليا من التعليم الثانوي ليكون أكثر جاذبية للطلاب. وأُطلق في عام 2004 برنامج للفرصة الثانية أتاح للطلاب فرصاً إضافية لإنهاء دراستهم، ومنحاً للأطفال المستضعفين المعرّضين لخطر عدم التخرج، كطلاب الروما والمصريين والطلاب من الخلفيات منخفضة الدخل، ونقلاً مجانياً لمن يعيشون على بعد يزيد على كيلومترين من مدارسهم، ووحدة نفسية اجتماعية لمتابعة الطلاب الذين تسرّبوا أو المعرّضين لخطر التسرّب. ومُدّد التعليم الإلزامي من ثماني سنوات إلى تسع في عام 2012، في حين وُفّر التعليم بدوام جزئي أو عن بُعد للطلاب الذين تجاوزوا الحادية والعشرين لإتمام دراستهم في المرحلة العليا من التعليم الثانوي. ودعم الاتحاد الأوروبي كثيراً من الإصلاحات في إطار مسعى ألبانيا للانضمام إليه، وهو ما يتيح فرصاً مالية للدول الأعضاء لكنه يتطلب أيضاً استيفاء شروط محددة.
وفي أعقاب انخفاض إضافي في نسبة خريجي التعليم المهني، بلغت في النهاية 7% في عام 2012، أُزيلت في عام 2009 عوائق الالتحاق بالتعليم والتدريب المهني، كامتحان القبول والمعدل الدراسي ومدينة الطالب أو قريته الأصلية. كما تُقدَّم البرامج المهنية بدوام جزئي منذ عام 2011، ودُعمت تكاليف نقل الطلاب والمعلمين في المناطق الريفية، في حين قُدّمت منح ودعم للرسوم وإعانات اجتماعية متزايدة للطلاب من الخلفيات المستضعفة بشرط التحاقهم، وقد عُرضت منح على نحو 15% من طلاب التعليم المهني في عام 2025. وفي أعقاب هذه التدخلات، عادت حصة خريجي التعليم المهني إلى الارتفاع لتبلغ 12% بحلول عام 2016. ومنذ عام 2017، لدى البلد قانون للتعليم والتدريب المهني واستراتيجية وطنية للتوظيف والمهارات حتى عام 2030 لتطوير نظام موحّد.
ورغم إجراء إصلاحات مختلفة أيضاً في نظم التقييم في التعليم ما قبل الجامعي، لم تكن الامتحانات الوطنية عائقاً أمام الالتحاق بالمرحلة العليا من التعليم الثانوي وإتمامها. فنتائج الامتحان الوطني للتعليم الأساسي لا تُستخدم لتوزيع الطلاب على مدارس التعليم الثانوي العام في مرحلته العليا، إذ يقوم التوزيع على النطاق الجغرافي للمدرسة، وتنجح الغالبية العظمى من الطلاب في امتحان التخرج من المرحلة العليا من التعليم الثانوي، بنسبة 95% في عام 2017.
وقد تفسّر آفاقُ التعليم العالي، مقترنةً بإمكانية الدراسة في الخارج، وهو عامل يرتبط أيضاً بالهجرة الجماعية، جزءاً كبيراً من الزيادة الملحوظة في المرحلة العليا من التعليم الثانوي. فقد طبعت الهجرةُ ألبانيا خلال سنوات التحوّل. غير أن اتجاهات الهجرة تحوّلت إلى حدّ كبير من هجرة يغلب عليها الشبان غير المهرة بدافع الفقر في التسعينيات، إلى انتقال عمال أكثر تعليماً وتأهيلاً إلى الخارج بحثاً عن آفاق تعليمية ومهنية أفضل، مما زاد كثيراً الطلب على المرحلة العليا من التعليم الثانوي والتعليم العالي. ويُقدَّر أن نحو 50% من سكان ألبانيا لديهم تجربة هجرة منذ عام 1991، وأغلبهم من حملة التعليم العالي. ومع ذلك، لا يبدو أن الحجم الكبير لتحويلات المهاجرين قد أثّر في إنفاق الأسر على التعليم.
وتحوّل نظام التعليم العالي تحوّلاً كبيراً على وجه الخصوص حين انضمت ألبانيا إلى عملية بولونيا في عام 2003، مما أدى إلى جعل التعليم العالي جماهيرياً، وزيادة هائلة في عدد مقدّميه والملتحقين به، وتنقّل الطلاب والكوادر. فبين عامَي 2003 و2013، ازداد عدد الطلاب الملتحقين بالتعليم العالي بنسبة 13% سنوياً في المتوسط، وارتفعت نسبة الالتحاق الإجمالية من 16% إلى 64% خلال الفترة نفسها، لتبلغ 82% في عام 2024. غير أن الأرقام الدقيقة ينبغي التعامل معها بحذر بسبب تقلّب التقديرات السكانية في ظل مستويات الهجرة المرتفعة. وقد عُزيت الزيادة السريعة في إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي في ألبانيا مباشرة إلى إصلاحات بولونيا. ولدى ألبانيا نسبة مرتفعة جداً من الطلاب المتنقلين دولياً إلى الخارج. وقد ارتفع عدد الطلاب الألبان الدارسين في الخارج بوتيرة أسرع مما في بقية بلدان غرب البلقان.
وكان لمعدل الهجرة المرتفع آثار كبيرة على التركيبة السكانية للنظام التعليمي، الذي يواجه تقلّص عدد السكان في سن الدراسة منذ مطلع التسعينيات. وقد عكس عدد الطلاب المتنقلين دولياً إلى الخارج انخفاض عدد خريجي المرحلة العليا من التعليم الثانوي، الذي بلغ ذروته نحو الفترة 2010 إلى 2012 وظل ينخفض بسرعة منذ ذلك الحين.
وبينما استمر إغلاق المدارس الريفية، عوّضت الهجرة الداخلية من المناطق الريفية النائية إلى البلدات والمدن أي أثر سلبي محتمل في احتمال ارتياد المرحلة العليا من التعليم الثانوي. كما تعزّز التغيّرات في الملامح التعليمية للسكان في سن العمل في ألبانيا زيادةَ مشاركة أبنائهم في المرحلة العليا من التعليم الثانوي. فالشباب الألبان ينتقلون من الدراسة إلى العمل في سن متأخرة مقارنة بما كان عليه الحال قبل عقد، مع ارتفاع حصة السكان في سن العمل الحاصلين على شهادة عليا من 13% في عام 2014 إلى 19% في عام 2021.
ورغم ارتفاع معدلات الإتمام في التعليم ما بعد الإلزامي، لا تزال ثمة فوارق قائمة بالنسبة للأقليات، ولا سيما الروما والمصريين. إذ تواجه هذه المجتمعات عوائق منها التمييز الاجتماعي والاقتصادي وارتفاع مستويات الفقر وتدنّي مستويات تعليم الآباء والزواج المبكر. وفي عام 2017، قُدّر أن 1% فقط من الروما و5% من المصريين أتمّوا المرحلة العليا من التعليم الثانوي.
لقد كان لتحوّل ألبانيا إلى اقتصاد السوق أثر كبير في اتجاهات معدلات إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي، مع تعافٍ مطّرد في أعقاب تحسّن مستويات المعيشة والإصلاحات الحكومية الموجّهة وتحوّل أنماط الهجرة وسوق العمل وتوسيع التعليم العالي. وفي السنوات الأخيرة، خُفّفت آثار بُعد المسافة عن المدرسة وتدنّي تعليم الآباء والفقر، وهي عوامل تزيد زيادة كبيرة احتمال التسرّب من المرحلة العليا من التعليم الثانوي.
بنغلاديش: تغيّر ظروف المرأة خفّض معدلات عدم الالتحاق بالمدارس
حققت بنغلاديش تقدّماً هائلاً في توسيع نظامها التعليمي. فقد ارتفع معدل إتمام التعليم الابتدائي من 34% في عام 1990 إلى 90% في عام 2024، بنمو سنوي قدره 2.2 نقطة مئوية في التسعينيات، و1.5 نقطة بين عامَي 2000 و2015، و1.3 نقطة منذ عام 2015. وارتفع معدل إتمام المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي من 23% في عام 1990 إلى 74% في عام 2024، بنمو سنوي قدره 1.3 نقطة مئوية في التسعينيات، و1.6 نقطة بين عامَي 2000 و2015، و1.7 نقطة منذ عام 2015.
أما التقدّم في المرحلة العليا من التعليم الثانوي فأحدث عهداً. فمن حيث معدل الإتمام، كانت بنغلاديش تنمو بنسبة 40% من متوسط وتيرة جنوب آسيا في التسعينيات، و60% من تلك الوتيرة بين عامَي 2000 و2015. لكنها منذ عام 2015 تتقدّم بوتيرة أسرع من جنوب آسيا. وفي عام 2024، يُقدَّر أن 38% أتمّوا المرحلة العليا من التعليم الثانوي، وهي نسبة لا تزال متأخرة عن جنوب آسيا البالغة 57%. ومن حيث معدل عدم الالتحاق، كان 72% من الشباب في سن المرحلة العليا من التعليم الثانوي خارج المدرسة في بنغلاديش في عام 2005، مقارنة بنسبة 53% في جنوب آسيا. لكن بحلول عام 2023، انخفض المعدل بمقدار الثلثين في بنغلاديش إلى ما دون متوسط جنوب آسيا. وتُظهر بيانات إضافية من مكتب بنغلاديش للمعلومات والإحصاءات التعليمية أنه بينما تسرّب 42% من الفتيان والفتيات الذين التحقوا بالمرحلة الثانوية العليا، أي الصفين الحادي عشر والثاني عشر، في عام 2009، انخفضت النسبة إلى النصف لتبلغ 21% بحلول عام 2023.
وكان التقدّم قوياً على نحو خاص بين الفتيات. فمعدل عدم التحاق المراهقين الذكور في سن المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي يتجاوز معدل أقرانهم من المراهقات بنحو عشر نقاط مئوية في المتوسط منذ عام 2000 على الأقل. وفي عام 2024، كان 15% من المراهقين الذكور خارج المدرسة مقارنة بنسبة 4% من المراهقات. وكانت معدلات عدم التحاق الشبان والشابات في سن المرحلة العليا من التعليم الثانوي متساوية حتى مطلع العقد الثاني من هذا القرن، لكن الفجوة اتسعت اتساعاً كبيراً في الآونة الأخيرة. ففي عام 2024، كانت نسبة الشبان خارج المدرسة أعلى من نسبة الشابات بثماني نقاط مئوية بحسب البيانات الإدارية، وبعشر نقاط مئوية بحسب التقديرات النموذجية التي تعتمد أيضاً على بيانات المسوح الأسرية.
وقد حدثت تغيّرات كبيرة في ظروف المرأة في السنوات الأخيرة. أولاً، رغم أن بنغلاديش لا تزال لديها أحد أعلى معدلات الزواج في سن المراهقة في العالم، فقد لوحظ تقدّم خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية. فبحسب المسح الديموغرافي والصحي لعام 2022، ظلت حصة النساء اللاتي تزوجن قبل سن الثامنة عشرة ثابتة عند أكثر من 60% بين النساء من سن 40 إلى 44 والنساء من سن 60 إلى 64. لكن هذه الحصة ظلت تنخفض منذ ذلك الحين بنقطة مئوية واحدة سنوياً، لتبلغ 39% لدى النساء من سن 18 إلى 24. ويُظهر المسح نفسه أن الزواج يميل إلى إيقاف التعليم: فبينما استمر ربع الفتيات من سن 15 إلى 17 في الدراسة بعد الزواج، لم تستمر معظمهن أكثر من عام. وحدد قانون حظر زواج الأطفال لعام 2017 الحدّ الأدنى لسن الزواج عند 18 عاماً للنساء و21 عاماً للرجال. غير أن حكماً خاصاً يُجيز زواج الأطفال بموافقة الوالدين وإذن قضائي، وهو استثناء مقارنة بالبلدان المجاورة بوتان والهند ونيبال وباكستان. ومع ذلك، تسعى برامج التوعية المنفّذة على مستوى القرى إلى منع الزواج المبكر.
ثانياً، بدأ معدل الخصوبة الإجمالي بالانخفاض قبل وقت طويل من بدء انخفاض زواج المراهقات. فقد بدأ الانخفاض منذ عام 1975، من 6.7 مواليد لكل امرأة إلى 3.6 مواليد بحلول عام 1995، حين لحقت بالهند، واستمر في الانخفاض ليبلغ 2.2 مولود بحلول عام 2015.
ثالثاً، ظلت مشاركة النساء في القوى العاملة، رغم أنها لا تزال منخفضة بالمعايير الدولية، ترتفع بمقدار 0.6 نقطة مئوية سنوياً منذ عام 1990، لتبلغ 44% في عام 2023، متجاوزةً الهند التي ركدت عند نحو 30%، وباكستان التي ترتفع بمقدار 0.4 نقطة مئوية سنوياً ومن نقطة انطلاق أدنى بكثير. وقد اعتُمدت سياسات نمو موجّهة نحو التصدير، مع تركيز خاص على صناعة الملابس، التي تُعدّ أكبر قطاع للتوظيف بعد الزراعة وتضم أكبر عدد من العاملات في بنغلاديش. وأخّرت الفتيات اللاتي تعرّضن لقطاع الملابس الزواج والإنجاب. وأدى وجود مصنع للملابس بالقرب منهن إلى زيادة التحصيل التعليمي للفتيات، ارتباطاً بالطلب على المهارات في المصانع التي أتاحت فرص عمل للنساء. واختارت الشابات وظائف مصانع الملابس في سن 17 إلى 23 بدلاً من الزواج. وفي الوقت نفسه، قُدّر أن العمل في المصانع كان له أيضاً أثر سلبي صغير في التحاق من هم في السابعة عشرة والثامنة عشرة بالمدارس. وإجمالاً، أسهمت هذه التغيّرات الكبيرة في وضع الفتيات والنساء خلال العقود القليلة الماضية في توسيع التعليم وتشكّلت به في آن معاً.
ومن البرامج التعليمية التي استهدفت الفتيات وسرّعت تطورات عرض العمل برنامج مساعدة الفتيات في المدارس الثانوية، وهو تحويل نقدي مشروط أُدخل في عام 1994. وكان هدفه زيادة التحاق الفتيات وإتمامهن التعليم الثانوي، وتأخير سن زواجهن. ويُظهر تحليل طولي لبيانات الأفراد والأسر على مدى 26 عاماً أن البرنامج حسّن النواتج التعليمية، للفتيات وإخوتهن، وأخّر الزواج وخفّض الخصوبة، مع زيادة احتمال العمل.
واستهدفت برامج تعليمية أخرى الفقراء. فبرنامج الوصول إلى الأطفال غير الملتحقين بالمدارس كان برنامجاً تعليمياً للفرصة الثانية أُدخل في عام 2005 بتمويل من البنك الدولي. وقد ساعد الأطفال والمراهقين في سن التعليم الابتدائي والمرحلة الدنيا من التعليم الثانوي الذين تركوا المدرسة مبكراً على العودة إلى التعليم الثانوي النظامي عبر مراكز مجتمعية. ووجد تقييم أنه ساعد على إلحاق نحو 500 ألف طفل غير ملتحق. ومقارنة بالبدائل المتمثلة في المدارس الدينية والمدارس غير الحكومية التي تديرها في معظمها منظمة «براك»، كان وجود مراكز البرنامج أكبر في الأقضية الفرعية الفقيرة. وبدأت مرحلة ثانية في عام 2013، بُنيت على تجارب الابتكارات الحكومية وغير الحكومية التي مزجت بين نُهج التعليم النظامي وغير النظامي. وموّل المشروع مراكز تعلّم في المجتمعات المستهدفة، وقدّم بدلات للطلاب. وارتفع عدد الأطفال الملتحقين بمراكزه من 260 ألفاً إلى نحو 700 ألف بحلول عام 2021، وكانوا من أسر شديدة الفقر. كما تلقّى نحو خمسين ألف طفل يعيشون في الأحياء الحضرية الفقيرة التعليم الابتدائي عبر نموذج للتعلّم المسرّع.
ومن التدخلات الأخرى تعزيز التركيز على التوظيف عبر التعليم المهني، الذي يمكن أن يُبقي في المدرسة من لم يكونوا ليواصلوا دراستهم بعد المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي. فقد تضاعف عدد مؤسسات التعليم والتدريب التقني والمهني من 1,600 مؤسسة في عام 2002 إلى 3,300 في عام 2012، ثم تضاعف أكثر من مرتين ليبلغ نحو ثمانية آلاف بحلول عام 2022. وخلال هذه الفترة، ازداد الالتحاق عشرة أضعاف، من 130 ألفاً إلى 1.3 مليون، ثلاثة أرباعهم من الفتيان. وارتاد نحو 20% من الفتيان في الصفين الحادي عشر والثاني عشر مدرسة مهنية في عام 2023.
وأخيراً، بُذل جهد لتبسيط امتحان شهادة المدرسة الثانوية عالي المخاطر بهدف رفع معدلات النجاح والحدّ من التسرّب، الذي كان يتصاعد بين الصفين السادس والعاشر. فقد تبيّن أن الطلاب يعانون من متطلبات دراستهم ومن رسوم الامتحانات. وارتفع معدل النجاح في شهادة المدرسة الثانوية في بنغلاديش من 48% في عام 2004 إلى 86% في عام 2012 و93% في عام 2014. وخلال جائحة كوفيد 19، قُلّص امتحان المدرسة الثانوية إلى ثلاث مواد اختيارية ومنهج مختصر، مع منح الطلاب وقتاً أطول للاستعداد. ونتيجة لذلك، نجح 95% من المتقدمين في امتحانات الثانوية العليا أو ما يعادلها في عام 2021. وقد انتُقد تسهيل الامتحانات بوصفه علامة على تقديم الوصول على الجودة. وأبرزت التقارير الإعلامية المخاوف من أن أكثر من 90% من الطلاب الحاصلين على معدل خمس نقاط، وهو أعلى درجة يمكن تحقيقها في المرحلة العليا من التعليم الثانوي، يرسبون في امتحان القبول الجامعي.
كمبوديا: إعادة بناء نظام تعليمي من الصفر
في عام 1980، خرجت كمبوديا من حكم الخمير الحمر، وما رافقه من اضطهاد منهجي للملايين من مواطنيها وقتلهم، بنظام تعليمي مدمّر: قلة من المعلمين المدرّبين، ومبانٍ متداعية، وموارد شحيحة. ولم يكن يُتمّ المدرسة الابتدائية في عام 1995 سوى طفل واحد بالكاد من كل ثلاثة أطفال، ولم يتحقق أي تقدّم في السنوات الخمس عشرة الأولى الصعبة من المرحلة الانتقالية. وعند ذلك بدأ الوضع يتغيّر. فعلى مدى السنوات الثلاثين التالية، ظل معدل إتمام التعليم الابتدائي يرتفع بمعدل شبه ثابت قدره 1.5 نقطة مئوية سنوياً، باستثناء تباطؤ قصير نحو عام 2010. وقد بلغ 82% في عام 2024، أو 85% إذا احتُسب من يُتمّون متأخرين جداً، مقترباً من المتوسط العالمي.
وفي وقت مبكر من هذه الفترة، خفّضت كمبوديا أيضاً نسبة الطلاب الذين يلتحقون متأخرين أو يعيدون الصفوف. فبحسب قاعدة بيانات معهد اليونسكو للإحصاء، انخفض معدل إعادة الصفوف في التعليم الابتدائي من 32% في عام 1994 إلى 11% في عام 2001 و6% في عام 2011، وهو مستوى بقي عليه حتى الآن. ومع ذلك، يعني هذا المستوى أيضاً أن ما يُقدَّر بنحو 29% من الطلاب أعادوا صفاً واحداً على الأقل، وفي الغالب في السنتين الأوليين. وفي عام 2018، كان 40% من الطلاب في سن الخامسة عشرة متأخرين بالفعل سنة عن صفهم المتوقع.
ومصادر بيانات المسوح في كمبوديا وفيرة ومتسقة فيما بينها. فإلى جانب ثلاث جولات من التعداد السكاني وخمس جولات من المسح الديموغرافي والصحي، تؤكد ثلاث عشرة جولة من المسح الاجتماعي الاقتصادي الكمبودي بين عامَي 2004 و2023 التقدّمَ في إتمام التعليم الابتدائي، الذي بلغ 84% في الفئة العمرية من 15 إلى 24 عاماً في عام 2023، وتُظهر التباين مع الناجين من الإبادة الجماعية، إذ لم يُتمّ المدرسة الابتدائية سوى واحد من كل خمسة ممن تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر.
وبحلول منتصف التسعينيات، نشأ توافق سياسي على دعم التعليم بوصفه محرّكاً أساسياً للتعافي الوطني والتنمية طويلة الأجل. وكان دستور عام 1993 قد كرّس التعليم حقاً وضمن التعليم الابتدائي والثانوي المجاني. وفي عام 1996، أعادت الحكومة هيكلة النظام من 4+3+3 سنوات إلى 6+3+3 سنوات، وألغت امتحان التخرج من التعليم الابتدائي.
وفي مطلع الألفية، أصبح التعليم مشروعاً وطنياً، يدعمه تحالف من الأجهزة الحكومية والمنظمات غير الحكومية، فضلاً عن الشركاء الدوليين الذين انخرطوا في برنامج على مستوى القطاع بأكمله. واحتل التعليم موقعاً محورياً في المراحل الأربع للاستراتيجية المستطيلة من أجل «النمو والتوظيف والإنصاف والكفاءة» وفي خطط التنمية الاستراتيجية الوطنية المتعاقبة. وبدورها، ترجمت وزارة التعليم والشباب والرياضة هذه الأطر إلى خطط استراتيجية متعاقبة للتعليم منذ خطة الفترة 2004 إلى 2008 وإلى خارطة طريق التعليم في كمبوديا لعام 2030.
وقد عالجت السياسات طائفة من التحديات. وأول هذه التحديات ضعف جودة التعليم، الذي حاولت مبادرات مختلفة تحسينه، وإن لم يُقيَّم أثرها في التقدّم الدراسي والإتمام. ومن المبادرات الرائدة برنامج المدارس الصديقة للطفل، الذي أُطلق في عام 2007 واستند إلى مبادئ روّجت لها اليونيسف، ويهدف إلى جعل الفصول الدراسية آمنة وشاملة وجاذبة، وكلها أمور حاسمة في بلد يتعافى من العنف. غير أن تساؤلات أُثيرت حول كيفية استيعاب النظام لهذه المفاهيم ومدى تأثيرها في ممارسات التدريس، رغم أن إصلاح المناهج شجّع على أساليب تدريس أكثر تشاركية. وعزّزت سياسة المعلمين لعام 2013 وخطة العمل الخاصة بسياسة المعلمين لعام 2015 التدريب قبل الخدمة وأثناءها، ووسّعتا القدرات في التعليم متعدد اللغات والتعليم الشامل.
والعائق الرئيسي الثاني أمام التقدّم التعليمي هو الفقر، ولا سيما أن المستويات المتدنية جداً للإنفاق العام عنت أن على الآباء الحفاظ على تشغيل المدارس عبر مجموعة من الرسوم الرسمية والتبرعات غير الرسمية، كتلك التي تُجمع في مهرجانات الزهور التي ترعاها المدارس. وفي عام 2001، ألغت الحكومة الرسوم الرسمية، بهدف خفض تكاليف التعليم على الأسر بنسبة 60%.
وفي أعقاب تجربة أطلقها البنك الدولي في أواخر التسعينيات، أُدخلت ميزانيات تشغيل المدارس، التي عُرفت لاحقاً بالميزانيات القائمة على البرامج، لتعويض المدارس عن فقدان مساهمات الآباء. وقد أُضفي الطابع الرسمي على هذه المنح في قانون التعليم لعام 2007، الذي ضمن التعليم الابتدائي المجاني. وتتألف المنح من مكوّن ثابت ومكوّن لكل طالب، يتفاوتان قليلاً بحسب المنطقة، محرومة أو غير محرومة، وعدد الفصول، ودعمتها جهات مانحة دولية، وهو ما كان مصدر قوة لكنه كان أيضاً نقطة ضعف بسبب التجزؤ وانعدام الاستمرارية. وقدّمت مبادرة أخرى للمانحين بقيادة السويد منحاً لتحسين المدارس لجميع المدارس بين عامَي 2013 و2021، ثم توقفت منذ ذلك الحين. وكانت المنح المدرسية مهمة لكنها غير كافية، ولا تزال المدارس تجمع الأموال من الآباء. وقد أعربت الحكومة عن التزامها بزيادة حجم صندوق تشغيل المدارس.
وإلى جانب الرسوم والتبرعات، كان الدروس الخصوصية بنداً رئيسياً آخر من بنود إنفاق الأسر، حتى في التعليم الابتدائي. ويُظهر تحليل بيانات المسح الاجتماعي الاقتصادي الكمبودي أن نسبة طلاب الصفين الخامس والسادس الذين يتلقّون دروساً خصوصية بعد المدرسة ارتفعت من 20% إلى 28% بين عامَي 2004 و2015. والسمة المميزة لهذه الدروس أن معلمي المدارس العامة هم من يقدّمونها إلى حدّ كبير، وهي ممارسة يُتسامح معها بسبب تدنّي رواتب المعلمين. ومع ذلك، يبدو أن حصة الأسر من إجمالي الإنفاق على التعليم ربما تتراجع ببطء. فبيانات المسح تُظهر أن حصة التعليم من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي للأسر ظلت ثابتة عند 2% بين عامَي 2009 و2023. لكن مع انخفاض حصة الإنفاق الاستهلاكي للأسر من الناتج المحلي الإجمالي من 80% إلى 60%، نتيجة لتحسّن الظروف المعيشية، انخفض إنفاق الأسر على التعليم من 1.7% إلى 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع زيادة طفيفة في الإنفاق الحكومي من 1.5% إلى 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي، انخفضت حصة الأسر من إجمالي الإنفاق على التعليم من مستوى مرتفع جداً بلغ 55% إلى 36%.
والمنح والتغذية المدرسية من التدابير الأخرى لدعم الطلاب الفقراء. فقد وجد تقييمان أن المنح فعّالة في زيادة التحصيل، أحدهما قيّم البرنامج الوطني والآخر برنامجاً تجريبياً رفع إتمام التعليم الابتدائي بعشرين نقطة مئوية، مع مكاسب أكبر للأفقر. وفيما يتعلق بالتغذية المدرسية، كان نحو 14% من طلاب المدارس الابتدائية يستفيدون من مشروعين يدعمهما برنامج الأغذية العالمي في العام 2017/2018، بميزانية قدرها 10.3 مليون دولار أمريكي، لم تقدّم الحكومة منها سوى 12%. ووجد تقييم لثلاث نسخ سابقة من هذه البرامج في مطلع الألفية، هي الإفطار قبل المدرسة، ثم إضافة حصة غذائية منزلية للأسر الفقيرة التي لديها فتيات في الصفوف من الرابع إلى السادس، ثم إضافة أدوية طاردة للديدان، أنها زادت الالتحاق بنسبة 6% و5% و19% على التوالي، وحسّنت إتمام التعليم الابتدائي.
والتحدي الرئيسي الثالث هو البنية التحتية. فقد تضاعف عدد مؤسسات ما قبل الابتدائي خمس مرات بين العامين 1996/1997 و2016/2017، في حين ارتفع عدد المدارس الابتدائية بنسبة 60% من 4,500 مدرسة في العام 1992/1993 إلى 7,200 في العام 2017/2018. وارتفع متوسط عدد الفصول لكل مدرسة ابتدائية في التسعينيات، مما يوحي بالاستثمار في مدارس حضرية أكبر، لكن الاتجاه انعكس بعد عام 2000، مما يوحي بإعادة توجيه جهود البناء نحو المناطق الريفية. وجُهّزت المدارس بمرافق إمدادات المياه والصرف الصحي، وقد ارتبط وجود دورات المياه المحسّنة بارتفاع الالتحاق.
وحققت كمبوديا تحسينات، منها انخفاض كبير في التفاوت الإقليمي. ففي عام 2000، بلغ معدل إتمام التعليم الابتدائي 71% في العاصمة بنوم بنه و40% في مقاطعة بريه سيهانوك، صاحبة ثاني أعلى معدل. وفي مقاطعة ستونغ ترينغ في الشمال الشرقي، لم يكن يُتمّ المدرسة الابتدائية سوى 8% من الأطفال. لكن الفجوات بدأت تضيق منذ عام 2005. فمثلاً، انخفضت الفجوة بين بنوم بنه ومقاطعة أودار مينتشي الشمالية من 54 نقطة مئوية في عام 2000 إلى 29 نقطة في عام 2010 و4 نقاط في عام 2021. وفي ذلك العام، كان معدل الإتمام في خمس مقاطعات من أصل 24 أعلى منه في بنوم بنه، وإن ظل معدل الإتمام 52% فقط في مقاطعة راتاناكيري.
وانخفضت فجوة الثروة في إتمام التعليم الابتدائي بين الخُمس الأفقر والخُمس الأغنى من 50 نقطة مئوية في عام 2005 إلى 29 نقطة في عام 2021، أي 64% مقابل 93%. غير أن البيانات تشير أيضاً إلى انعكاس كبير في الفجوة بين الجنسين. فبينما كانت أفقر الفتيات متأخرات عن أفقر الفتيان بست نقاط مئوية في عام 2005، أصبحت أفقر الفتيات متقدّمات على أفقر الفتيان بست عشرة نقطة في عام 2021، أي 73% مقابل 57%. وقد انعكس الحرمان الذي كانت تعانيه الفتيات في إتمام التعليم الابتدائي، والبالغ 22 نقطة مئوية في عام 1981، أو 28 نقطة إذا احتُسب من يُتمّون متأخرين جداً، في عام 2006، أو في عام 2009 إذا احتُسب من يُتمّون متأخرين جداً، واتسع لصالح الفتيات ليبلغ 11 نقطة مئوية بحلول عام 2024. كما تنتقل الفتيات إلى المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي بمعدلات أسرع منذ عام 2009.
ولم تنتهِ تحديات الوصول في كمبوديا، ويتعيّن مواجهة مسألة الإنفاق العام، ولا سيما أن التمويل الدولي يُتوقع أن يتراجع في السنوات المقبلة. ففي عام 2000، بلغ الإنفاق العام على التعليم 11.1% من إجمالي الإنفاق العام، أو 1.7% من الناتج المحلي الإجمالي. وبلغ أدنى مستوياته عند 7.2% فقط من إجمالي الإنفاق العام، أو 1.2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، في عام 2012 بسبب ضعف معدلات التنفيذ. ورغم تعافيه إلى 12% و2.2% على التوالي في عام 2023، فإن كمبوديا من أقل بلدان العالم إنفاقاً على التعليم.
كوستاريكا: معدلات عدم التحاق الشباب بالمدارس تراجعت تراجعاً حاداً منذ عام 2015
وسّعت كوستاريكا، كغيرها من بلدان أمريكا اللاتينية، المشاركة في المرحلة العليا من التعليم الثانوي توسيعاً كبيراً خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية. فبيانات المسوح الأسرية تُظهر أن حصة المراهقين غير الملتحقين في سن المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي انخفضت من 11% في عام 2002 إلى 1.5% في عام 2023، ومن 28% إلى 4% بين الشباب في سن المرحلة العليا من التعليم الثانوي. وتسارع التقدّم منذ عام 2015، حين كان مستوى عدم التحاق الشباب في كوستاريكا مماثلاً لمستواه في كولومبيا وبيرو. ولتحقيق ذلك، تقدّمت كوستاريكا بسرعة في إبقاء الشباب من الخُمس الأفقر من الأسر ومن المناطق الريفية في المدرسة. فحتى عام 2016، كان 23% من أفقر الشباب خارج المدرسة، وفي غضون خمس سنوات خُفّضت هذه الحصة بنسبة 80% لتبلغ 5%. وأُزيلت في عام 2021 فجوة قدرها 24 نقطة مئوية كانت قائمة في عام 2002 بين الأغنى والأفقر.
والتغيّر حديث جداً إلى حدّ أن معدل الإتمام، الذي ارتفع بمقدار 1.1 نقطة مئوية سنوياً بين عامَي 2000 و2018 بحسب بيانات المسح الأسري الوطني، أو بمقدار 0.8 نقطة بحسب التقديرات النموذجية منذ عام 1990، ارتفع بمقدار أربع نقاط مئوية بين عامَي 2018 و2024، حتى في خضم جائحة كوفيد 19، ليبلغ 84% في عام 2024. وانخفضت الفجوة الكبيرة بين الجنسين، التي بلغت في المتوسط اثنتي عشرة نقطة مئوية لصالح الفتيات بين عامَي 2011 و2017، إلى سبع نقاط مئوية في المتوسط بين عامَي 2018 و2024. وبين الخُمس الأفقر، تضاعف إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي نحو ست مرات، من 12% في عام 2000 إلى 68% في عام 2024، في حين حقق الخُمس الأغنى إتماماً شبه شامل بنسبة 97%.
ومن العوامل المحفّزة على التعليم في كوستاريكا أن التحصيل التعليمي الأعلى كان يجلب دائماً عوائد مرتفعة في البلد. فمتوسط فجوة الأجور بين الحاصلين على شهادة المرحلة العليا من التعليم الثانوي وغير الحاصلين عليها، البالغ 19%، أوسع منه في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأخرى، البالغ 17%. وتوحي بعض الأدلة بأن الشباب في كوستاريكا لديهم مكاسب أقل مما كان في الماضي من دخول سوق العمل دون شهادة المرحلة العليا من التعليم الثانوي، مع توسّع العمل الرسمي. ولذلك أصبح إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي الحدّ الأدنى من متطلبات الدخول إلى وظائف كثيرة في كوستاريكا: ففي قطاع الخدمات، تشترط 75% من الوظائف الشاغرة في القطاع الخاص التعليم الثانوي الكامل على الأقل.
كما أزالت كوستاريكا العوائق الإدارية التي كانت تدفع الشباب تاريخياً إلى خارج المدرسة، واستعاضت عنها بتدابير تعزّز الاستمرار في الحضور. وكانت الخطوة الكبرى قرار عام 2011 بجعل المرحلة العليا من التعليم الثانوي إلزامية، مما جعل كوستاريكا تتماشى مع اتجاه إقليمي أوسع سبق أن اعتمدته الأرجنتين في عام 2006 والبرازيل في عام 2009 والمكسيك في عام 2012.
وفي العام 2008/2009، أدخلت وزارة التعليم العام لوائح أكثر صرامة بشأن إعادة الصفوف، سبيلاً لمعالجة ممارسة عُدّت سبباً مصطنعاً للتسرّب المدرسي. ونصّ نظام الترفيع الجديد على أن الطلاب لن يحتاجوا إلا إلى إعادة المواد التي رسبوا فيها. وفي المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، بلغ معدل إعادة الصفوف في المتوسط 11% بين عامَي 2000 و2015، بل وصل إلى 16% في عامَي 2010 و2011. لكنه انخفض من 12% في عام 2015 إلى 2% في عام 2018. ولأن الطلاب المحرومين يتأثرون على نحو غير متناسب بإعادة الصفوف، فإن التغييرات في سياسات الترفيع والتقييم تميل إلى أن تفيدهم أكثر من غيرهم. وخلال جائحة كوفيد 19، كان ثمة خطر أن ترتفع إعادة الصفوف مجدداً، لكن تدابير معيّنة ساعدت على إبقائها منخفضة نسبياً: فقد أُجّلت التقييمات الوطنية أو أُلغيت، وأُعطي العمل المدرسي وزناً أكبر، ومُنح المعلمون استقلالية أكبر في تقييم الطلاب، وعُدّلت متطلبات التخرج.
وتقدّم كوستاريكا حوافز لتخفيف تكاليف الدراسة على الطلاب المحرومين، سواء تكاليف الفرصة البديلة أو التكاليف المباشرة، ومساعدتهم على البقاء في التعليم. فإلى جانب الوجبات المدرسية والنقل المجانيين، يعمل منذ عام 2006 برنامج «أفانثيموس» أي «لنمضِ قدماً»، وهو برنامج للتحويلات النقدية المشروطة. ويقدّم 30 ألف كولون كوستاريكي، أي 45 دولاراً أمريكياً، شهرياً للطلاب من الأسر الفقيرة ما داموا مستمرين في المرحلتين الدنيا والعليا من التعليم الثانوي. ووجد تحليل لبيانات المسح الأسري الوطني بين عامَي 2006 و2014 أن البرنامج زاد الحضور المدرسي بنسبة 27% والتحصيل بمقدار 0.7 سنة، مع خفض احتمال العمل بنسبة 6%. وفي منتصف العقد الثاني من هذا القرن، كان يغطي 45% من طلاب المدارس الثانوية. ويُحدَّد السكان المستهدفون بالبرنامج عبر سجلات المعلومات الاجتماعية، التي تتضمن معلومات اجتماعية اقتصادية قابلة للتحقق عن الأسر من خلال 65 متغيراً تُستخدم لإعداد مؤشر نظام معلومات السكان المستهدفين. ومع ذلك، فإن سوء الاستهداف على مستوى السياسات، ومحدودية الوعي على المستوى الفردي، يعنيان أن أكثر من نصف طلاب المرحلة الثانوية المحرومين لا يتلقون تحويلات البرنامج.
ورغم أن ضمان بقاء الطلاب في المدرسة كان أولوية حكومية منذ زمن طويل، ظلت الجهود لسنوات عديدة محدودة النطاق، وكثيراً ما ركّزت على أنشطة موجّهة لمعالجة مشكلات محددة، كالانتماء إلى المدرسة. ومع إدراك السلطات الحكومية أن الإقصاء المدرسي ينبع من عوامل متعددة ومترابطة، تحوّلت نحو استراتيجيات أكثر شمولية على مستوى النظام تُشرك طائفة أوسع من الجهات الفاعلة. ومن الأمثلة الرئيسية على هذا التحوّل إطلاق استراتيجية «يو مي أبونتو» أي «أنا مشارك» في عام 2015، التي مثّلت النهج الحكومي الأشمل لمنع التسرّب. فبدلاً من إنشاء برامج جديدة، نسّقت الاستراتيجية سياسات الوزارة القائمة ومواردها وشراكاتها وفعّلتها، وجمعتها في إطار واحد. وعملت الاستراتيجية على المستويات الوطنية والمحلية والمدرسية والفردية، كتقديم دعم إضافي للمناطق التعليمية ذات الأولوية. وساعدت على جعل الإقصاء أولوية مؤسسية مشتركة بدلاً من أن يكون مجرد مشكلة طالب فرد. وانخفض الإقصاء بمقدار 0.9 نقطة مئوية في السنوات الأولى من التنفيذ.
واقترنت هذه السياسة بإدخال نظام الإنذار المبكر في كوستاريكا في عام 2016. ويجمع النظام بين منصة رقمية تسجّل المعلومات المتعلقة بالمخاطر ومجموعة من البروتوكولات التي توجّه استجابات المدارس. ويسجّل قادة المدارس بانتظام بيانات رئيسية في المنصة، كالحضور والسلوك وحالات الإقصاء السابقة والمعلومات الاجتماعية الاقتصادية، ويحللها النظام لتوليد تنبيهات بشأن الطلاب الذين قد يكونون معرّضين للخطر. واستناداً إلى هذه التنبيهات ووفقاً للبروتوكولات الوطنية، تراجع الفرق المدرسية كل حالة، وتحدد الأسباب الكامنة، وتصمم خطة دعم، مع توثيق جميع إجراءات المتابعة ورصدها عبر النظام نفسه. وكان التواصل والتعاون القويان بين المدارس والمؤسسات على المستويات المحلية والإقليمية والوطنية محوريين لفعالية النظام، إذ ساعد حتى الآن على إعادة إشراك نحو عشرين ألف شاب.
وفي كوستاريكا، يمكن لطلاب المرحلة العليا من التعليم الثانوي الاختيار بين ثلاثة مسارات رئيسية: أكاديمي أو مهني أو فني. وداخل هذه المسارات، يمكنهم اختيار تخصصات مختلفة. ومدة البرامج الأكاديمية والفنية سنتان، في حين تبلغ مدة المسار المهني ثلاث سنوات. ويتقدّم طلاب المسار الأكاديمي لامتحان التخرج من المرحلة العليا من التعليم الثانوي المعروف بـ«البكالوريا»، ويُمنح الناجحون شهادة المرحلة العليا من التعليم الثانوي. أما طلاب المسار المهني فيتبعون برنامج دراسة أكثر تطلّباً يشمل البكالوريا ومؤهلاً تقنياً إضافياً. وعلى خلاف معظم البلدان، باستثناء بضعة بلدان أخرى في أمريكا اللاتينية، يتفوّق طلاب المسارات المهنية على أقرانهم في المسارات الأكاديمية. ففي البرنامج الدولي لتقييم الطلبة لعام 2018، حقق الطلاب في البرامج ما قبل المهنية أو المهنية 17 نقطة أعلى في القراءة من الطلاب في البرامج العامة أو النمطية قبل احتساب الخلفية الاجتماعية الاقتصادية، و23 نقطة أعلى بعد احتسابها.
ووسّعت كوستاريكا أيضاً نطاق المسارات المتاحة للمراهقين والشباب، مما ساعد على إبقاء مزيد من الطلاب منخرطين في المرحلة العليا من التعليم الثانوي. فإلى جانب نمو برامج الفرصة الثانية والبرامج المرنة لمن تركوا المدرسة، عزّز البلد التوفير المهني لجعل المرحلة العليا من التعليم الثانوي أكثر جاذبية وملاءمة. وأسهمت هذه الجهود، ولا سيما زيادة عدد المدارس التقنية وافتتاح الدورات المهنية المسائية، في زيادة المشاركة في البرامج المهنية من 15% في عام 2010 إلى 24% في عام 2015. ورغم أن الالتحاق بالمسارات المهنية لا يزال محدوداً بالمعايير الدولية، فإن توسّعه في كوستاريكا أدّى دوراً مهماً في إبقاء الطلاب في المدرسة.
شهادة باحثة من كوستاريكا عن الطريق الطويل نحو تحسين المرحلة العليا من التعليم الثانوي
عملت دائماً، عبر تقرير حالة التعليم، على الإجابة عن سؤال واحد: إلى أي مدى تتقدّم كوستاريكا حقاً نحو تطلعاتها التعليمية، ولمن يكون هذا التقدّم حقيقياً؟
إن إنجازات كوستاريكا في المرحلة العليا من التعليم الثانوي لافتة. وينبع هذا النجاح من سياسات عامة فعّالة، واستثمار مستدام، وفهم وطني بأن التعليم حق مشترك لا التزام فردي. غير أن التقدّم لم يكن خطياً قط. فقد استغرق الأمر سنوات من رسم خرائط الإقصاء، وتحديد المناطق المستضعفة، وإثبات مرة تلو الأخرى أن برامج الإنصاف الموجّهة كالمنح والوجبات المدرسية والنقل تُحدث فرقاً لا يمكن إنكاره في بقاء الطالب في المدرسة.
وتعلّمنا أيضاً أن تغيير اللغة يغيّر السياسة. فحين توقفنا عن الحديث عن «الهجر» وبدأنا تحليل «الإقصاء التعليمي»، تحوّل الاهتمام من لوم الأسر إلى مساءلة المؤسسات والعمل العام. وفتح هذا التحوّل المفاهيمي الباب أمام سياسات تُعلي قيمة البقاء والتخرج على إعادة الصفوف، مما ساعد آلاف الشباب على إتمام دراستهم.
وأصبحت نظم المعلومات ثورة هادئة. فتطوير أدوات الإنذار المبكر وتنقية السجلات الإدارية أتاحا للمدارس تحديد الطلاب المعرّضين للخطر في الوقت الفعلي والتدخل قبل أن يختفوا من الإحصاءات. وبهذه البيانات، انتقل البلد من رد الفعل على الإقصاء إلى الوقاية منه.
لكن تحديات جديدة ظهرت. فقد ولّدت الجائحة فئة جديدة من الإقصاء هي فئة «المنقطعين»، أي الطلاب الذين كانوا غير مرئيين للنظام التقليدي لافتقارهم إلى الأجهزة أو الاتصال بالإنترنت. وفي الوقت نفسه، أبقت المرونة في الترفيع كثيرين داخل النظام، وإن لم يكن ذلك دائماً مقترناً بتعلّم متين. والآن تغيّرت جغرافيا المخاطر: فلم يعد الإقصاء حضرياً بل ريفياً، ولم يعد يتعلق بالفقر أساساً بل يتعلق بصورة متزايدة بانعدام الأمن.
ومن أقسى الحقائق أن المنح لا تستطيع منافسة الأموال التي يعرضها الاتجار بالمخدرات في المجتمعات المستضعفة. فحين لا يرى الشباب مسارات عمل مجدية أو تقديراً اجتماعياً لجهودهم، تفقد المدارس قبضتها عليهم. ولا يمكن حل مشكلات هيكلية كهذه بميزانيات متقلّصة أو حلول قصيرة الأجل.
ورغم كل شيء، ما زلت مقتنعة بأن الإرادة السياسية المستدامة والاستثمار الحقيقي ونظم البيانات القوية قادرة على تحويل الفرص. وما زلت مقتنعة بأن الاستثمار المتزايد والمستدام في التعليم، المستخدم بكفاءة لتحقيق أهداف استراتيجية، أمر جوهري لبلدان مثل كوستاريكا الملتزمة بالتنمية البشرية والتي تُعدّ ثروتها الكبرى شعبها.
إيزابيل رومان فيغا، مديرة برنامج حالة الأمة ومنسّقة تقرير حالة التعليم
كوت ديفوار: الالتزام السياسي ساعد على تجاوز إرث الحرب الأهلية
شهدت كوت ديفوار عدم استقرار سياسي في التسعينيات أفضى إلى حربين أهليتين، الأولى من عام 2002 إلى عام 2007، والثانية من عام 2010 إلى عام 2011. والبيانات الإدارية عن الارتياد التعليمي متقطعة في هذه الفترة، ولذلك تُستخدم بيانات المسوح مصدراً مكمّلاً للمساعدة على إعادة بناء مسار معدل عدم الالتحاق في البلد. فمثلاً، أظهرت أدلة مسح مستويات معيشة الأسر لعام 2008 أن الحرب الأهلية الأولى كان لها أثر سلبي في التحصيل التعليمي. وفي أبيدجان، حيث وقع أكثر من نصف الهجمات على المدارس البالغ عددها 224 هجوماً، أُغلقت المدارس لأشهر.
ومما يبعث على التفاؤل أن معدلات عدم الالتحاق في كوت ديفوار يبدو أنها انخفضت بسرعة في الفئات العمرية الثلاث جميعها، أي الأطفال في سن التعليم الابتدائي والمراهقين في سن المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي والشباب في سن المرحلة العليا منه، بعد الحرب الأهلية الثانية. ففي حالة الشباب في سن المرحلة العليا من التعليم الثانوي مثلاً، كان 87% منهم خارج المدرسة في كوت ديفوار في عام 2000، مقارنة بنسبة 60% في أفريقيا جنوب الصحراء. وتباطأ انخفاض معدلات عدم الالتحاق مرتين خلال فترتي الحربين الأهليتين. لكنه منذ عام 2015 يبدو أنه ينخفض بنحو ثلاث نقاط مئوية سنوياً، ليقترب من متوسط أفريقيا جنوب الصحراء الذي ركد خلال السنوات الخمس عشرة الماضية عند نحو 47%.
واتبعت معدلات عدم الالتحاق مسارات مختلفة في كل فئة من الفئات العمرية الثلاث، لكنها إجمالاً يُقدَّر أنها انخفضت إلى النصف خلال ربع قرن، وإن انطلقت من مستويات أعلى مما يُتوقع لبلد أفريقي نَعِم بالرخاء الذي عرفته كوت ديفوار حتى التسعينيات. غير أنه بسبب معدل نمو سكاني سنوي قدره 2.3%، لم ينخفض عدد غير الملتحقين من الأطفال والمراهقين والشباب إلا بنسبة 20%، من أربعة ملايين في عام 2000 إلى 3.2 مليون في عام 2023. وبين الشباب في سن المرحلة العليا من التعليم الثانوي، تبرز سمتان. أولاهما تحقيق التكافؤ بين الجنسين، وهو إنجاز لافت بالنظر إلى أن كوت ديفوار كانت حتى وقت قريب من بين البلدان العشرين الأقل إنصافاً في العالم من حيث فرص تعليم الفتيات. وثانيتهما أن هذه النتيجة كانت إلى حدّ ما حصيلة للحرب الأهلية الثانية، التي يبدو أن أثرها السلبي في ارتياد الفتيان المدرسة كان أكبر من أثرها في ارتياد الفتيات. غير أنه، كما يتبيّن أدناه، لا يزال ثمة تفاوت كبير جداً بين الجنسين على حساب الفتيات في معدلات الإتمام.
ويشير فحص أدق للبيانات الإدارية التي تنتجها مديرية الاستراتيجيات والتخطيط والإحصاء إلى عوامل مختلفة يمكن أن تساعد على تفسير اتجاه معدلات عدم التحاق المراهقين والشباب. أولاً، تؤكد البيانات زيادة كبيرة في معدل دخول الطلاب الجدد إلى الصف الأول من المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، أي الصف السادس في النظام المحلي، من 28% في العام 2008/2009 إلى 61% في العام 2016/2017 و71% في العام 2024/2025. وكانت الزيادة في معدل دخول الطلاب الجدد إلى الصف الأول من المرحلة العليا من التعليم الثانوي متواضعة بالمقارنة، من 17% إلى 26% ثم 29% في الفترة نفسها. ثانياً، ظل معدل إعادة الصفوف، المرتفع بالمعايير الدولية، ثابتاً عند 13% في المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، وعند 25% في الصف الأخير منها، حين يتقدّم الطلاب لامتحان الشهادة. ويعني ذلك أن كثيراً من الشباب في سن المرحلة العليا من التعليم الثانوي قد يكونون في المدرسة لكنهم في الواقع يرتادون المرحلة الدنيا منه.
ثالثاً، اتبع التحاق الطلاب الجدد بحسب الصف في العامين الدراسيين 2008/2009 و2016/2017 اتجاهاً منطقياً، يكون فيه عدد الملتحقين في صف ما أعلى منه في الصف التالي. غير أن التحاق الطلاب الجدد في العام الدراسي 2024/2025 كان غير منتظم: ففي المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، كان عدد الطلاب الجدد في الصف الرابع أكبر منه في الصف الثالث، وفي الصف الثالث أكبر منه في الصف الثاني، وبالمثل في المرحلة العليا من التعليم الثانوي، كان عدد الطلاب الجدد في الصف الثالث أكبر منه في الصف الثاني، وفي الصف الثاني أكبر منه في الصف الأول. والأرجح أن جائحة كوفيد 19 عطّلت تدفّق الطلاب.
وتُظهر أيضاً تقديرات معدلات إتمام التعليم الثانوي المستندة إلى المسوح الأسرية، وإن كان آخر مسح حُلّل قد أُجري في عام 2022، أن المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي توسّعت في السنوات الأخيرة بوتيرة أسرع من المرحلة العليا. فمعدل إتمام المرحلة الدنيا «في الوقت المحدد»، المحسوب على الشباب من سن 18 إلى 20، وهو التعريف الرسمي للمؤشر العالمي 4.1.2، تضاعف من 20% في عام 2007 إلى 40% في عام 2023، أو إلى 46% إذا احتُسب من يُتمّون متأخرين جداً، وهي زيادة سريعة قدرها نقطتان مئويتان سنوياً لم تتباطأ إلا لفترة وجيزة بعد الحرب الأهلية الثانية. وارتفع معدل إتمام المرحلة العليا في الوقت المحدد من 9% إلى 16% خلال هذه الفترة، أو إلى 18% إذا احتُسب من يُتمّون متأخرين جداً، أي بزيادة قدرها 0.7 نقطة مئوية سنوياً.
والفجوة بين الجنسين في الإتمام النهائي للمرحلة العليا من التعليم الثانوي مرتفعة للغاية، إذ تُتمّ الشابات، بنسبة 13%، بنصف معدل الشبان البالغ 26%، وهي من أكبر الفجوات في العالم. وقد يبدو ذلك متعارضاً مع ما سبق من تحقيق التكافؤ بين الجنسين في الارتياد بين الشباب في سن المرحلة العليا من التعليم الثانوي. غير أنه يمكن تفسيره بالالتحاق المتأخر وإعادة الصفوف. فكثير من الفتيات في سن المرحلة العليا من التعليم الثانوي لا يزلن يرتدن المرحلة الدنيا، ولا يستطعن مواصلة دراستهن حتى إتمام المرحلة العليا بسبب الأعراف الاجتماعية.
واتخذت الحكومة عدة خطوات لمنع ترك المدرسة المبكر، في التعليم الابتدائي والثانوي على السواء، أهمها قانون التعليم لعام 2015، الذي جعل التعليم مجانياً وإلزامياً للأطفال من سن السادسة إلى السادسة عشرة، أي من التعليم الابتدائي إلى المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي. وأنشأ القانون فصولاً جسرية للأطفال من سن التاسعة إلى الثالثة عشرة الذين تسرّبوا من المدرسة لتيسير عودتهم إلى النظام. وفي أعقاب تجربة إيجابية في البقاء المدرسي في 22 مجتمعاً محلياً شاركت بين عامَي 2019 و2022، خدم 277 فصلاً 5,900 طفل في العام 2021/2022، وخدم 166 فصلاً 4,900 طفل في العام 2022/2023. ويجري توسيع نموذج التعلّم المسرّع وأساليب التدريس المكيّفة ليساعد أيضاً الطلاب على استئناف التعليم الثانوي النظامي في مرحلته العليا أو الانتقال إلى التدريب المهني.
ومن الأحكام الأخرى في قانون عام 2015 آلية عقوبات على الآباء الذين لا يلتحق أطفالهم بالمدرسة، تشمل الغرامات والسجن، وإن لم تكن هذه العقوبات لتُطبَّق حتى عام 2025 إذا لم تتوافر مدرسة عامة في مكان قريب. وقد تضاعف عدد المدارس الثانوية العامة فعلاً ثلاث مرات من 270 مدرسة في العام 2008/2009 إلى 899 في العام 2024/2025. لكن عدد المدارس الثانوية الخاصة تضاعف أكثر من أربع مرات من 716 مدرسة في العام 2008/2009 إلى 3,002 في العام 2024/2025. وبينما كان معظم الطلاب في كل صف من صفوف التعليم الثانوي يرتادون مدرسة عامة في العام 2008/2009، انعكس الوضع بحلول العام 2024/2025. فقد ارتفعت حصة المؤسسات الخاصة من إجمالي الالتحاق من 36% إلى 62% في المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، ومن 33% إلى 69% في المرحلة العليا. وتنعكس زيادة الالتحاق الخاص في ارتفاع إنفاق الأسر من أموالها الخاصة وتزايده. فجولتان حديثتان من المسح المنسّق لظروف معيشة الأسر تُظهران أن حصة التعليم من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي للأسر ارتفعت من 2.9% في عام 2018 إلى 3.2% في العام 2021/2022، بنسب تتراوح بين 1.1% في منطقة فولون في أقصى الشمال و4.5% في أبيدجان.
وفي عام 2022، اعتمدت الجمعية العامة للتربية الوطنية ومحو الأمية، وهي عملية تشاور وطني بشأن حالة التعليم، خارطة طريق عشرية لتحويل النظام. وتنفيذاً لالتزام في المحور الثالث المتعلق بجودة التعليم بتطوير نظام للدعم التربوي والنفسي الاجتماعي، يشمل تدابير علاجية، للحدّ من معدلات التسرّب، أُنشئت خلايا منع التسرّب المدرسي لتحديد الطلاب المعرّضين للخطر، والتعاون مع المعلمين والآباء والقادة المحليين والعاملين الصحيين، وتقديم الدعم الفردي، وتتبّع التقدّم، والمتابعة حسب الحاجة. وفي العام الدراسي 2022/2023، أُبقي 87% من 3,250 طالباً حُددوا بوصفهم معرّضين للخطر في المدرسة. وبحلول أغسطس 2023، كانت 192 خلية تعمل في المدارس الثانوية، مع خطط للتوسّع إلى 268 خلية، وهي غاية تجاوزها البلد بحلول عام 2025 ليبلغ 370 خلية.
ومن التدابير ذات الصلة في عام 2024 الإطلاق التجريبي لمنصة «دوب كونكت» في إطار مشروع تعزيز فعالية الحكومة لتحسين الخدمات العامة الذي يموّله البنك الدولي. وتهدف هذه المنصة الرقمية إلى تعزيز الرقابة المدرسية، وتتضمن أيضاً اختبارات نفسية للمساعدة على تحديد الطلاب المعرّضين للخطر ومنع التسرّب. وموّل المشروع نفسه أيضاً توفير الكتب المدرسية لجميع تلاميذ المدارس الابتدائية. وفي الوقت ذاته، من المبادرات الداعمة لتوفير الكتب المدرسية في المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي البورصة الوطنية للكتاب المدرسي. فالطلاب الذين تدفع أسرهم رسماً مقطوعاً قدره عشرة آلاف فرنك أفريقي، أي 11 دولاراً أمريكياً، يحق لهم الحصول على مجموعة من ثمانية كتب مدرسية، تبلغ تكلفتها ستة أضعاف ذلك، في بداية العام الدراسي، على أن يعيدوها في نهاية العام أو يدفعوا ألفي فرنك عن كل كتاب. وبعد مرحلة تجريبية في 33 مدرسة، أصبح جميع طلاب الصف الأول من المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي مستفيدين، ومن المقرر توسيع المبادرة لتشمل الصفوف الأربعة جميعها.
وأخيراً، من البرامج القائمة منذ زمن طويل والتي يُنسب إليها الفضل في الحدّ من تسرّب الفتيات في التعليم الابتدائي نوادي أمهات التلميذات. والنوادي جمعيات رسمية ملتزمة بتعزيز تعليم الفتيات، يوجّهها ويدعمها مستشارون من مفتشيات التعليم المحلية والمديريات الإقليمية تعيّنهم الحكومة. وفي عام 2022، كان لدى 11% من المدارس الريفية و17% من المدارس الحضرية نادٍ من هذه النوادي. وكانت الفتيات في المدارس التي تضم نادياً كهذا أكثر احتمالاً بمقدار 1.2 نقطة مئوية للانتقال إلى الصف التالي.
شهادة مديرة مدرسة من كوت ديفوار عن تكاتف الأمهات في مواجهة تسرّب الفتيات
وُلد نادي أمهات التلميذات من الرغبة في محاربة الظلم الواقع على الفتيات في مجتمعنا. وبعبارة بسيطة، هو جمعية هدفها حشد أعضائها لتعزيز المساواة في وصول الفتيات إلى التعليم، وضمان بقائهن ونجاحهن في النظام المدرسي، وحمايتهن من أي تمييز قائم على النوع الاجتماعي. نحن مدرسة إسلامية، ورأينا أن هذه المشكلات تمسّ مجتمعنا على نحو خاص: فكثير من الفتيات يُسحبن من المدرسة ليُزوَّجن أو ليعملن في السوق وفي المنزل. وحين اطّلعت على المرسوم الذي أنشأ نوادي الأمهات، أدركت فوراً أنه أداة مهمة لتغيير العقليات وحماية تعليم الفتيات.
أنشأنا نادينا في عام 2022، بلجنة تنفيذية من عشر أمهات، لكن في الواقع تشعر جميع النساء اللاتي لديهن بنات في المدرسة بأن الأمر يعنيهن. وفي بداية كل فصل دراسي، نضع خطة عمل بمحاور محددة: الزواج المبكر، والتسرّب، وجنسانية الأطفال، والتواصل بين الآباء والبنات. وننظّم عروضاً لأفلام تُظهر مثلاً فتيات صغيرات أُخرجن من المدرسة للمساعدة في السوق، وورش قراءة تدور حول قصص فتيات أُجبرن على العمل بدلاً من الدراسة، ومحاضرات مع أخصائيين نفسيين لمساعدة الأمهات على تعلّم الإصغاء إلى أطفالهن والتحدث معهم. وندعو الآباء أحياناً أيضاً، ونرى أنهم باتوا أكثر إدراكاً لهذه القضايا.
ومن التطورات الإيجابية جداً انخراط القادة الدينيين. ففي المدارس الإسلامية، كثير من المؤسسين أئمة أو معلمو قرآن، وقد وافقوا على البحث عن آيات وأحاديث تُبيّن أن الإسلام يشجّع تعليم الفتيات ويرفض الزواج المبكر. وحين يجمع إمامٌ الأمهاتِ ليقول إنه لا يجوز إخراج الفتيات من المدرسة وإن الزواج المبكر يجب رفضه، تلقى الرسالة صدى أقوى بكثير لدى الأسر التي لم يرتد أفرادها المدرسة.
ولدينا أمثلة ملموسة: فإحدى التلميذات، التي فقدت أمها للتو، كان يُفترض أن تُسحب في منتصف العام الدراسي وتُرسل إلى القرية، فكانت أمهات النادي هن من تحدثن مع الأسرة حتى حصلن على تأكيد بأن الفتاة ستعود إلى المدرسة، وعادت فعلاً لمواصلة تعليمها. وهذا بالنسبة إليّ دليل على أن الأمهات حين يكنّ منظَّمات ومطّلعات ومدعومات، يصبحن سداً منيعاً أمام تسرّب بناتهن من المدرسة. فنوادي الأمهات تمنح النساء الثقة والأدوات والإطار الجماعي للدفاع عن حق بناتهن في البقاء في المدرسة في كوت ديفوار.
باراجي مايمونة، مديرة مدرسة
دومينيكا: إضفاء الطابع الديمقراطي على الوصول إلى التعليم الثانوي
تمثّل الدول الجزرية الصغيرة النامية تحدياً للرصد العالمي للتقدّم التعليمي بسبب صغر عدد سكانها وعدم اتساق بياناتها الإحصائية في الغالب. ومع ذلك، ورغم الفروق في الحجم، فإنها تواجه عموماً النوع نفسه من التحديات التعليمية التي يواجهها نظراؤها في منطقتها وفئة دخلها في توسيع الوصول إلى التعليم الابتدائي والثانوي.
وعلى غرار الدول الجزرية الكاريبية الأخرى الناطقة بالإنجليزية، أدخلت دومينيكا تعميم التعليم الثانوي في عام 2005 لتعزيز التنمية البشرية والنمو الاقتصادي. ويتألف التعليم الثانوي من ثلاث سنوات في المرحلة الدنيا وسنتين في المرحلة العليا. وتتيح سنتان إضافيتان من الإعداد، لا تشملهما إحصاءات الالتحاق الواردة هنا، للطلاب التقدّم لامتحان الكفاءة المتقدمة الكاريبي سبيلاً للالتحاق بالجامعة.
وتُظهر البيانات تحسّناً بعد عام 2010 بوقت قصير، ولا سيما للفتيان. ففي العقد الأول من هذا القرن، تجاوز عدد الطلاب الملتحقين بالمرحلة الدنيا من التعليم الثانوي كثيراً عدد المراهقين في سن هذه المرحلة، وهو علامة على ارتفاع مستويات إعادة الصفوف. وفي المقابل، كان عدد الطلاب الملتحقين بالمرحلة العليا من التعليم الثانوي أقل من عدد الشباب في سن هذه المرحلة، ولا سيما بين الفتيان. ومنذ عام 2010، أصبح عدد السكان ومستوى الالتحاق متطابقين في جوهرهما بالنسبة للفتيات. أما الفتيان، فقد تقاربت الأرقام لديهم، لكن لا تزال ثمة علامات على تجاوز الالتحاق عدد السكان في المرحلة الدنيا وانخفاضه قليلاً عنه في المرحلة العليا من التعليم الثانوي.
ولا تتوافر معلومات عن المعيدين إلا في المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، وليس لجميع السنوات. وهي تُظهر بوضوح أن مستويات إعادة الصفوف كانت ولا تزال أعلى بكثير لدى الفتيان. فبين عامَي 2003 و2009، بلغ متوسط معدل إعادة الصفوف 10% للفتيات و17% للفتيان. وبين عامَي 2010 و2015، كان أقل بنسبة 40% للفتيات ليبلغ متوسطه 6%، وأقل بنسبة 30% للفتيان ليبلغ متوسطه 12%. وفي عام 2022، وهو العام الآخر الوحيد الأحدث الذي تتوافر عنه بيانات إعادة الصفوف، بدا أن المعدل عاد إلى المستويات التي لوحظت سابقاً في العقد الأول من هذا القرن، عند 12% و16% على التوالي. ولذلك فإن احتمال أن يكون الفتيان أكبر من السن المناسبة لصفوفهم يقارب ضعف احتماله لدى الفتيات، وهم كذلك منذ المدرسة الابتدائية.
وكان توسيع التعليم استجابة لمرحلة سياسية جديدة في دومينيكا. فمع الاستقلال التام في عام 1978، تولّى البلد السيطرة على المدارس التي أنشأتها الهيئات الدينية وأدارتها تقليدياً، بقصد توسيع الوصول وضمان نظام تعليمي أكثر شمولاً. ونصّ قانون التعليم لعام 1997، المعدّل في عام 2008، على التعليم الابتدائي والثانوي المجاني للأطفال من سن الخامسة إلى السادسة عشرة، لكن الرسوم المدرسية لم تُلغَ إلا في عام 2004. ومن السمات اللافتة لقانون عام 1997 أنه سمح للفتيات بالعودة إلى المدرسة بعد الإنجاب، وإن ظل القرار في يد مدير المدرسة وقد تختار الفتيات التوقف عن الدراسة في مواجهة الوصم. وحدد البلد غاية بلوغ تعميم التعليم الثانوي بحلول عام 2007.
وقد أتاح إضفاء الطابع الديمقراطي على التعليم الثانوي للشباب الذين ربما لم يكونوا مستعدين تماماً لدخول المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي أن يدخلوها. فامتحان القبول العام، الموروث من النظام التعليمي الاستعماري السابق، الذي كان يوزّع الطلاب في نهاية المرحلة الابتدائية على الأماكن المحدودة المتاحة في المدارس الثانوية، أُلغي تدريجياً في مطلع الألفية، واستُعيض عنه بالتقييم الوطني للصف السادس، الذي لا يزال يقيّم الطلاب لكن نتائجه لا تحول دون إلحاقهم بالتعليم الثانوي.
غير أن كثيراً من الطلاب بدؤوا يعانون أكاديمياً. واستُخدمت إعادة الصفوف استراتيجية علاجية، لكنها أحبطت المعلمين والآباء والطلاب، لأنها تؤثر سلباً في مسارات الطلاب وتزيد في نهاية المطاف خطر التسرّب. وكان التسرّب مرتفعاً على نحو خاص في الصف الرابع، أي السنة الأولى من المرحلة العليا من التعليم الثانوي، مع تمثيل غير متناسب للفتيان بين تاركي المدرسة المبكرين. ففي عام 2022، كان عدد الفتيان المتسرّبين أعلى بمقدار مرتين ونصف من عدد الفتيات. وقد يرتبط ذلك أيضاً بتجارب سلبية في المدرسة. ففي عام 2019، كان الفتيان من سن 13 إلى 15 أكثر عرضة من الفتيات للتنمّر وللانخراط في شجارات جسدية.
وأثارت سياسة تعميم التعليم الثانوي أيضاً تساؤلات حول جاهزية النظام التعليمي لاستيعاب طلاب ذوي قدرات مختلفة. فالطلاب ذوو صعوبات التعلّم مثلاً يُلحقون بفصول التعليم العام، لكن أُفيد بأن ضعف إعداد المعلمين ونقص المرشدين ومحدودية القدرة على وضع خطط تعليمية فردية تسهم في التسرّب المدرسي.
وأفاد المعلمون بأنهم يعملون تحت ضغط، وتعرّضت المدارس الثانوية للتشكيك في جودة الخدمات التي تقدّمها. وأثار الأداء المتدني لطلاب دومينيكا في امتحانات مجلس الامتحانات الكاريبي على مستوى المنطقة، التي تُجرى في نهاية المرحلة العليا من التعليم الثانوي للحصول على شهادة التعليم الثانوي الكاريبية، وفي التعليم ما بعد الثانوي للحصول على شهادة الكفاءة المتقدمة الكاريبية، نقاشاً عاماً حول أوجه القصور وعدم المساواة في النظام المدرسي. وبينما عُدّ توسيع التعليم الثانوي فرصة لتكوين طبقة وسطى متعلمة، شُكّك في ملاءمة المحتوى، ولا سيما مع ارتفاع مستويات بطالة الشباب. وفي عام 2020، كان من المنتظر أن تناقش فرقة عمل وطنية إصلاح التعليم الأساسي مع التركيز على التعليم والتعلّم.
وقد يكون ارتفاع معدل التسرّب بين الفتيان في المدارس الثانوية ناجماً أيضاً عن عوامل أخرى غير ضعف جودة التعليم. فالأسر الفقيرة تجد صعوبة في تغطية تكاليف النقل والكتب المدرسية وغيرها من تكاليف التعليم والزي المدرسي. والحافز لدى الفتيان من الأسر المحرومة لترك المدرسة بحثاً عن عمل يعيلون به أنفسهم وأسرهم قوي. وتُذكر الهجرة أيضاً سبباً للتسرّب. فقد حدد تحليل أجرته وحدة التخطيط التعليمي الهجرةَ إلى الخارج بوصفها أحد الأسباب الرئيسية للتسرّب. ففي العام 2007/2008، كان دافع 57% من الطلاب الذين غادروا التعليم دون إتمام المرحلة الثانوية قرارَ الهجرة. كما أن انخفاض عدد السكان، بنسبة 37% في الفئة العمرية للتعليم الثانوي بين عامَي 2000 و2023، ناجم جزئياً عن الهجرة، إذ إن لدى دومينيكا أحد أعلى معدلات صافي الهجرة إلى الخارج في العالم، وعدد مواطنيها في الخارج يزيد على ضعف عددهم داخل البلد.
وأدخلت دومينيكا عدة مبادرات لمعالجة تحديات الوصول. ففيما يتعلق بالانضباط، أطلقت حملة المدارس الآمنة ومبادرة المدارس الصديقة للطفل في العام 2008/2009 بدعم من اليونيسف في المدارس الثانوية، وقد أُفيد بأنها كانت نموذجاً لبلدان جزرية أخرى أيضاً. وفي العام 2012/2013، اعتُمدت سياسة وطنية لإدارة السلوك والانضباط في المدارس الابتدائية والثانوية لضمان مبادئ توجيهية مشتركة بين المدارس.
واستُخدمت بعض التدابير الموجّهة لدعم الأسر المحرومة مالياً، كالكتب المدرسية المجانية لطلاب الصف الأول الثانوي، والنقل المجاني للأطفال والشباب في المناطق الريفية، وبرنامج للتغذية المدرسية للطلاب المستضعفين والمعرّضين للخطر. وأُدخلت برامج علاجية لمساعدة الطلاب الذين يواجهون صعوبات في اجتياز المواد الخمس لامتحانات شهادة التعليم الثانوي الكاريبية في نهاية المرحلة العليا من التعليم الثانوي.
ومع اعتماد المؤهل المهني الكاريبي في عام 2007، وهو شهادة إقليمية تستند إلى معايير المهارات الخاصة بالجماعة الكاريبية، وإدخال تعميم التعليم الثانوي، أعادت دومينيكا إطلاق التعليم والتدريب التقني والمهني. وتاريخياً، كان برنامج المرحلة الثانوية الدنيا الممتد ثلاث سنوات يهدف إلى إعداد الطلاب لدخول سوق العمل أو تزويدهم بجسر إلى التعليم الثانوي. وبدعم من بنك التنمية الكاريبي، عزّزت دومينيكا توفير الدورات المهنية في المدارس الثانوية عبر مشروع تعزيز التعليم في دومينيكا بين عامَي 2010 و2015، وهو مشروع درّب المعلمين في مدارس مختارة ووفّر معدات ومواد تعليمية جديدة.
ولدى دومينيكا خمس عشرة مدرسة ثانوية، منها سبع عامة، وست مدعومة حكومياً، واثنتان خاصتان. وتعاني المدارس الحضرية من الاكتظاظ. والمباني المدرسية معرّضة بشدة للمخاطر الطبيعية. فبسبب موقعها الجغرافي، تتعرّض دومينيكا لعواصف مدارية شديدة ألحقت أضراراً متكررة بالمدارس. فقد تسبّبت العاصفة المدارية إيريكا في عام 2015 والإعصار ماريا من الفئة الخامسة في عام 2017 في أضرار لحقت بنسبة 83% من المدارس، شملت المواد التعليمية والأثاث والموارد التربوية. ويتداخل موسم الأعاصير مع مدة تصل إلى أربعة أشهر من العام الدراسي، مما يهدد استمرارية التعليم. فضلاً عن ذلك، تعمل معظم المدارس ملاجئ عامة في حالات الطوارئ، وكثيراً ما يُطلب منها أداء أغراض متعددة خلال الطوارئ.
وتظل دومينيكا ملتزمة بمعالجة التحديات المستمرة في الوصول إلى التعليم. وتطلّعاً إلى المستقبل، أُدخل برنامج المواطنة بالاستثمار لتعبئة الموارد من أجل تحسين البنية التحتية المدرسية وإنشاء مراكز للتدريب المهني.
ألمانيا: زيادة المرونة لم تحقق بعد تعميم إتمام التعليم الثانوي
في ألمانيا، كان نحو ثلاثة أرباع الشباب من سن 20 إلى 24، أي 74.7%، حاصلين على تعليم لا يقل عن المرحلة العليا من التعليم الثانوي في عام 2000. وبحلول عام 2024، لم ترتفع هذه النسبة إلا بنقطة مئوية واحدة لتبلغ 76%. وتعني التغييرات في تعريف ما يُعدّ إتماماً للمرحلة العليا من التعليم الثانوي في عام 2014، وفي منهجية التعداد المصغّر في عام 2021، أن السلسلة ليست قابلة للمقارنة تماماً عبر الزمن. ومع ذلك، اتسعت المسافة عن متوسط الاتحاد الأوروبي من أربع نقاط مئوية في عام 2002 إلى ست نقاط في عام 2018 وتسع نقاط في عام 2024. ومن بين الدول الأعضاء الخمس الأكثر سكاناً في الاتحاد الأوروبي، باتت ألمانيا صاحبة أدنى نسبة من الشباب الحاصلين على تعليم لا يقل عن المرحلة العليا من التعليم الثانوي.
ومن العوامل المهمة في تفسير بيانات إتمام التعليم الثانوي في ألمانيا أن كثيراً من الشباب، على خلاف البلدان الأوروبية الأخرى، لا يزالون في الدراسة حتى وقت متقدّم من العشرينيات من أعمارهم. ولذلك، ورغم أن الاتجاه ثابت، فإن المستوى مقدَّر بأقل من حقيقته. فحصة الحاصلين على تعليم لا يقل عن المرحلة العليا من التعليم الثانوي لا تتجاوز 62% بين من هم في العشرين، لكنها تبلغ 77% بين من هم في الثانية والعشرين و83% بين من هم في الخامسة والعشرين، أي دون المتوسط الأوروبي بقليل. وترتبط أنماط الإتمام المتأخر هذه ارتباطاً وثيقاً ببنية النظام الثانوي الألماني، الذي خضع لإصلاحات كبيرة لزيادة النفاذية بين مساراته وإتاحة التقدّم التعليمي في وقت لاحق.
ولأن ألمانيا بلد اتحادي، تتمتع الولايات باستقلالية كبيرة في تشكيل النظم التعليمية بحسب سياقاتها التاريخية والديموغرافية والاجتماعية الاقتصادية الخاصة، وهو ما ينعكس في تفاوت مدة التعليم الثانوي وبنيته. ونتيجة لذلك، فإن نظام التعليم الثانوي في ألمانيا معقّد، فضلاً عن كونه طبقياً.
ومن خصائصه المهمة أن الطلاب يُوزَّعون على مسارات مختلفة في سن العاشرة، وهو سن أبكر منه في معظم البلدان. فبعد المدرسة الابتدائية، تختار الأسر في معظم الولايات نوع المدرسة التي تُلحق بها أطفالها استناداً إلى توصيات المعلمين وأداء الطفل. وحين يحدث اختيار المدرسة في هذه السن المبكرة، يقل الوقت المتاح للتعليم لتعويض الظروف غير المتكافئة عند الانطلاق، ولذلك انعكاسات على الطموحات التعليمية للأطفال ومساراتهم المستقبلية.
وفي التعليم الثانوي مساران، عام ومهني، وداخل المسار العام أربعة أنواع رئيسية من المدارس الثانوية، لا يفضي جميعها مباشرة إلى مؤهل المرحلة العليا من التعليم الثانوي. وظل الانتقال بين المسارات محدوداً عموماً.
فالطلاب الذين يلتحقون بالمدارس الثانوية العامة الأساسية والمدارس المتوسطة، التي تستغرق عادة ما بين خمس سنوات وست، أي يتخرجون في سن الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، يحصلون على مؤهل المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي. وينتقلون عموماً إلى المسار المهني لسنتين أو ثلاث أخرى، قد تكون بدوام كامل في المدرسة أو بالنظام المزدوج، أي الجمع بين التعلّم في المدرسة والتلمذة المهنية. ويمكن أن يوفّر كلا البرنامجين مؤهلاً للمرحلة العليا من التعليم الثانوي وفرصة التقدّم إلى جامعات العلوم التطبيقية.
أما الطلاب الذين يلتحقون بالمدارس الشاملة والمدارس الثانوية الأكاديمية، التي تستغرق عادة ما بين ثماني سنوات وتسع، أي يتخرجون في سن الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة، فيحصلون على مؤهل المرحلة العليا من التعليم الثانوي الذي يؤهلهم لدخول الجامعة. وتجمع المدارس الشاملة نوعين أو ثلاثة أنواع من المدارس تحت سقف واحد، وهي جزء من جهد للإلغاء التدريجي للمدارس الثانوية العامة الأساسية والمدارس المتوسطة، التي انخفضت حصتها من تاركي المدارس في المسار العام من 50% في عام 2000 إلى 20% في عام 2024. وتهدف هذه الإصلاحات إلى تيسير الانتقال بين المسارات وتشجيع مسارات مرنة نحو التعليم العالي. وقد تأثرت بما سُمّي «الصدمة» التي أعقبت صدور نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلبة في مطلع الألفية، والتي أظهرت أن أداء ألمانيا في القراءة والرياضيات والعلوم أسوأ من أداء نظرائها. فبدأت الولايات تبسيط مسارات المدارس الثانوية وتوفير مسارات بديلة إلى التعليم العالي.
وثمة أيضاً نظام موازٍ ومستقل للطلاب ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة. ويُحال إليه الطلاب وفق إجراءات مدرسية محددة، وكثيراً ما يكون ذلك لأنهم واجهوا صعوبات في المسارات التعليمية الأخرى، وقد قُدّم الدعم الخاص إلى 7.5% من الطلاب في عام 2022، نصفهم في مؤسسات منفصلة هي المدارس الخاصة، وهي حصة ظلت مستقرة خلال السنوات العشر الماضية. وتقدّم هذه المدارس عادة التعليم حتى المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، مما يضع طلابها في موقف غير مواتٍ إذا أرادوا الانتقال إلى مستويات أعلى، إذ يُستبعدون عملياً من الحصول على مؤهل المرحلة العليا من التعليم الثانوي. وفي عام 2022، كان ثلاثة أرباع الطلاب الذين غادروا المدارس الخاصة بلا مؤهلات. والانتقال من المدارس الخاصة أقل شيوعاً من الإحالة إليها.
ويتأثر وصول الأطفال إلى أنواع المدارس الثانوية المختلفة تأثراً قوياً بالوضع الاجتماعي الاقتصادي لآبائهم. فنحو أربعة أطفال من كل خمسة من الأسر الميسورة يتلقون توصية بالالتحاق بالمدرسة الثانوية الأكاديمية التي تفضي مباشرة إلى مؤهل دخول الجامعة، مقارنة بأقل من طفل واحد من كل ثلاثة من الخلفيات المحرومة اجتماعياً واقتصادياً. وحتى حين يحصلون على توصية إيجابية، يقرر 17% من أطفال الأسر المحرومة عدم الالتحاق بالمسار الأكاديمي. وفي عام 2022، اختار أكثر من ثلث الطلاب من الخلفيات الاجتماعية الاقتصادية المتدنية المدارس الثانوية العامة الأساسية والمدارس المتوسطة. وفي المقابل، التحق 68% من طلاب الأسر الأغنى بالمدارس الثانوية الأكاديمية. وبين الطلاب المتساوين في الأداء، يكون طلاب الأسر الميسورة أيضاً أكثر ميلاً إلى الانتقال من المسار غير الأكاديمي إلى الأكاديمي خلال دراستهم. ويميل الآباء ذوو المؤهلات الأدنى إلى مواجهة مخاطر اقتصادية واجتماعية أعلى تؤثر سلباً في احتمال انتقال أطفالهم إلى المستويات التعليمية الأعلى.
وتنعكس أوجه عدم المساواة في إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي وفي الوصول إليها على السواء. فالأسر تؤدي دوراً رئيسياً في التوقعات التعليمية لأطفالها وإنجازاتهم. وبحسب الدراسة الطولية للوحة التعليم الوطنية، فإن احتمال إتمام الطلاب الذين يتدنّى مستوى تعليم آبائهم للمرحلة العليا من التعليم الثانوي يقارب نصف احتماله لدى أقرانهم الذين يحمل آباؤهم مؤهلات رسمية أعلى.
وفي عام 2024، غادر نحو 62 ألف طالب المدارس العامة دون الحصول على شهادة التخرج الأولى، أي ما يمثّل 7.8% من الإجمالي، ارتفاعاً من 7% في عام 2008. وعلى الطرف المقابل، ارتفعت حصة من غادروا المدارس العامة بمؤهل يتيح لهم دخول الجامعة أو جامعة العلوم التطبيقية من 30% في عام 2008 إلى 32% في عام 2024. وفي السنوات الأخيرة، ازداد عدد الطلاب الذين يلتحقون بالجامعة دون المؤهلات الأكاديمية التقليدية. ومن الاتجاهات ذات الصلة تراجع نسبي في الاهتمام بالمسار المهني. فبينما ظل الطلب على التلمذة المهنية تاريخياً يفوق العرض، تجاوز عرض فرص التلمذة المهنية الطلب عليها للمرة الأولى في عام 2022.
وترتبط عوامل أسرية ومدرسية بترك المدرسة دون مؤهل. ففي ألمانيا، وبحسب البرنامج الدولي لتقييم الطلبة لعام 2022، أفاد الطلاب في سن الخامسة عشرة بمستوى من الدعم الأسري، كالوقت والانتظام والجهد المخصص للتفاعل، أدنى منه في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأخرى. ويؤثر ضعف الدعم الأسري في التجربة التعليمية، ويرتبط بانفصال الطلاب عن المدرسة وبالتغيّب، الذي ازداد منذ عام 2012 بحسب بيانات البرنامج. ويسهم التقسيم الطبقي في المدارس أيضاً في ترك المدرسة المبكر. فقد يخفّض المعلمون توقعاتهم ويكيّفون أنشطتهم التدريسية وفقاً لذلك، مما يؤثر في طموحات الطلاب التعليمية وإنجازاتهم، ولا سيما من بدؤوا الدراسة في وضع غير مواتٍ.
ومن الفئات المتأثرة على نحو خاص ذوو الخلفية المهاجرة، الذين يمثّلون نحو ربع السكان، وُلد نحو ربعهم في ألمانيا. وبحلول أواخر العقد الثاني من هذا القرن، بلغت الهجرة أعلى مستوياتها منذ عقود، نتيجة لقرار الحكومة استقبال غالبية اللاجئين السوريين الذين وصلوا إلى أوروبا. وتتشكّل المسارات التعليمية للمهاجرين تشكّلاً قوياً بحسب السن التي وصلوا فيها إلى ألمانيا. فمن بين من هاجروا قبل سن السادسة، يحصل ما يزيد قليلاً على ثلاثة أرباعهم على تعليم لا يقل عن المرحلة العليا من التعليم الثانوي، في حين لا يبلغ هذا المستوى سوى نحو نصف من وصلوا بين سن الرابعة عشرة والثامنة عشرة. ولذلك يُرجّح أن يكون وصول عدد كبير من الشباب اللاجئين قد انعكس في إحصاءات إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي.
شهادة طالبة من ألمانيا عن سبب اختيارها مساراً مختلفاً عن المرحلة العليا من التعليم الثانوي
اسمي ماري سيتر، عمري سبعة عشر عاماً، من ألمانيا، وأُكمل حالياً تلمذة مهنية مدتها ثلاث سنوات لأصبح مزارعة. لقد اتخذت قراراً واعياً بعدم متابعة المرحلة العليا من التعليم الثانوي، وغادرت المدرسة الشاملة بعد الصف العاشر.
ويتألف برنامجي في التعليم والتدريب التقني والمهني من حصص في كلية مهنية في أقرب مدينة كبيرة، وتدريب عملي في مزرعة قريبة. وأعمل في مزرعة مختلطة، أي أننا نعمل مع الحيوانات والمحاصيل معاً. ونتيجة لذلك، فإن مهامي في المزرعة متنوعة جداً.
وفي المدرسة المهنية، إلى جانب المواد المعتادة كالرياضيات واللغة الألمانية، لدينا مواد كثيرة تتعلق بمهنتنا. ونتعلّم الكثير عن الحيوانات والمحاصيل. لكن لدينا أيضاً إدارة الأعمال، حيث ندرس حالياً عوامل الإنتاج والتسعير.
قررت مبكراً ألا أحصل على شهادة الثانوية العامة، وأن ألتحق بتلمذة مهنية بعد إنهاء المدرسة المتوسطة. كانت لديّ المؤهلات اللازمة للمرحلة العليا من التعليم الثانوي، وكان كثير من أصدقائي وبعض معلميّ يودّون لو واصلت في المدرسة الشاملة. لكن لأنني عرفت مبكراً ما أريد أن أفعله، رأيت أن من الأفضل أن أتخصص مباشرة فيما أحتاجه لمهنتي. ولديّ أيضاً صلة عائلية بالزراعة. فعمّي يدير مزرعة للبطاطس والدجاج. وبدأت مساعدته في سن مبكرة، وهناك أدركت أن الخروج إلى الحقول وتلويث يديّ بالعمل أو رعاية الحيوانات هو حقاً ما أريد أن أفعله.
ورغم أنني أفتقد قضاء الوقت مع أصدقائي في المدرسة وانتهاء اليوم الدراسي مبكراً، فإنني الآن أكثر حماسة للدراسة لامتحانات ذات صلة بما أريد أن أفعله لاحقاً.
وأوصي بشدة بالتدريب المهني لكل من يهتم به. وبالطبع يتوقف الأمر على المجال؛ فبعض المهن تحتاج إلى شهادة الثانوية العامة وشهادة جامعية. لكنك لا تحتاج إليهما بالضرورة لتكون مزارعاً.
وربما ألتحق لاحقاً بكلية زراعية. فهناك يمكنك الحصول على شهادة التدريب وإتمام شهادة البكالوريا المهنية أيضاً. وبعد هذه الشهادة، يمكنك مواصلة الدراسة في التعليم العالي. إنني أُبقي جميع خياراتي مفتوحة، لكنني الآن أستمتع بتعلّم كثير من المهارات العملية.
ماري سيتر، طالبة
وتعتزم ألمانيا تعزيز دعمها للطلاب المحرومين. فبرنامج «فرص البداية» الممتد عشر سنوات، الذي أُطلق في العام 2024/2025، هو أكبر مبادرة تعليمية تستهدف المدارس المحرومة من الخدمات، بميزانية اتحادية وولائية تتجاوز 23 مليار دولار أمريكي. وسيستفيد نحو أربعة آلاف مدرسة ومليون طالب محروم من بيئة تعلّم محدّثة، وكوادر متعددة التخصصات موسّعة، وتدابير لتطوير المدرسة والمنهج تُقرَّر على مستوى المدرسة.
وبُذلت جهود أيضاً في إصلاحات موجّهة لنظام التعليم والتدريب التقني والمهني لتحسين الإنصاف والاستجابة. فمنذ أغسطس 2024، يدعم ضمان التلمذة المهنية الشباب المحرومين غير القادرين على الحصول على أماكن، في حين يعزّز التحالف المتجدد للتدريب الأولي والمستمر للفترة 2023 إلى 2026 الانتقال الشامل من المدرسة إلى العمل.
العراق: جيلان من الطلاب ضاعا بسبب الحرب والنزاع
في سبعينيات القرن الماضي، كان النظام التعليمي في العراق يُعدّ من أفضل النظم في المنطقة. فقد جُعل التعليم الابتدائي إلزامياً وجميع المراحل مجانية، مما فتح الباب أمام الالتحاق الجماهيري الذي موّله تأميم صناعة النفط. وتوقف هذا التقدّم في الثمانينيات نتيجة للحرب مع إيران. وتلا ذلك حرب الخليج الأولى بغزو العراق للكويت في عام 1990 وما تبعه من عقوبات دولية خانقة. ثم جاءت حرب الخليج الثانية والاحتلال الأمريكي في عام 2003 بحملة عسكرية وعنف طائفي.
ومنذ عام 1980، دمّرت الحربُ والصراعُ الأهلي والأزمةُ الاقتصادية وتفكّكُ المؤسسات النظامَ التعليمي في العراق، مضحّيةً بجيلين من الأطفال ومقوّضةً الإمكانات المستقبلية للبلد. ويُقدَّر أنه بحلول عام 2010 كانت 80% من المدارس قد تضررت أو دُمّرت. وتأثر جمع البيانات أيضاً. فمنذ عام 2000، لم يقدّم العراق بيانات عن معدل عدم الالتحاق إلا لأربع سنوات من أصل خمس وعشرين، آخرها في عام 2007. وكان تقييم الوضع سيكون مستحيلاً لولا المسح الأسري متعدد الأغراض لليونيسف، أي المسح العنقودي متعدد المؤشرات، الذي أُجري أربع مرات، في الأعوام 2000 و2006 و2011 و2018، مقدّماً رؤى قيّمة.
وأكّدت الجولات الثلاث الأولى من المسح أن معدلات إتمام التعليم الابتدائي والمرحلة العليا من التعليم الثانوي انخفضت بين عامَي 1980 و1995، ثم ركدت حتى عام 2010، وهي فترة طويلة على نحو استثنائي خلت من أي تنمية تعليمية. غير أن جولة عام 2018 أشارت إلى تغيّر كبير محتمل نحو عام 2010. فبحسب نموذج معدل الإتمام الذي قدّره التقرير العالمي لرصد التعليم، ارتفع معدل إتمام التعليم الابتدائي من 68% في عام 2010 إلى 83% في عام 2020. ويُقدَّر أن معدل إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي تضاعف من 22% إلى 48% خلال هذه الفترة، وربما بلغ 52% إذا احتُسب من يُتمّون متأخرين جداً.
وهذه النتائج مخالفة لما قد يُتوقع بالنظر إلى أن الصراع الأهلي تجدد بين عامَي 2013 و2017، حين نظّم تنظيم الدولة الإسلامية تمرداً أدى إلى احتلال نحو ثلث الأراضي الوطنية، وكان له أثر جسيم في السكان المتضررين قبل أن يُهزم المتمردون في نهاية المطاف. وبحلول ديسمبر 2017، كان ثمة 2.6 مليون نازح داخلياً. وألحق العنف والمعارك، المتركزة إلى حدّ كبير في شمال غرب البلد، أضراراً بنسبة 50% من المدارس في الأراضي المحتلة أو دمّرتها.
ولم تشمل عيّنة جولة عام 2018 من المسح السكانَ النازحين داخلياً المقيمين في المخيمات والوحدات غير السكنية، وستة أقضية في محافظتين. غير أن ذلك ظل منطقة صغيرة نسبياً. وتُظهر المقارنات بين جولتي عامَي 2011 و2018 أن الزيادة في صافي معدل الارتياد كانت أعلى في المناطق التي لم تتأثر مباشرة بالحرب.
ويُدار التعليم في العراق عبر نظامين منفصلين في إقليم كردستان وفي بقية البلد. ولكل منهما وزارة تربية خاصة به ومناهج ولغات تدريس متمايزة. ولا تغطي البيانات التي تنتجها وزارة التربية المحافظاتِ المكوّنة لإقليم كردستان. وتوثّق بيانات المحافظات الأخرى زيادة كبيرة في إجمالي الالتحاق بالمدارس الثانوية بنسبة 47% بين العامين 2011/2012 و2019/2020، من 2.2 إلى 3.3 مليون، وهو ما يقابل زيادة كبيرة قدرها إحدى عشرة نقطة مئوية في نسبة الالتحاق، من 50% إلى 61%. غير أن الزيادة المقابلة في المرحلة العليا من التعليم الثانوي أكثر تواضعاً، من 33.5% إلى 37% بين العامين 2015/2016 و2019/2020، وأقل اتساقاً مع بيانات المسوح.
ومن الأدلة الأخيرة التي توحي أيضاً باستئناف التوسّع التعليمي الباروميتر العربي، وهو استطلاع رأي لعيّنة عشوائية من السكان أُجري آخره في عامَي 2019 و2022. ويوحي تحليل الخلفية التعليمية للمستجيبين، أُجري لهذا التقرير، بتوسّع في المشاركة في التعليم الثانوي، وإن لم يكن بالسرعة التي رصدها المسح العنقودي طوال العقد الثاني من هذا القرن. وستتمكّن الجولة المقبلة من المسح، المقرر إجراؤها في عام 2026، من تأكيد ما إذا كان هذا الاتجاه قد استمر، وهو ما يمكن، إن تأكد، أن يُعزى على الأرجح إلى التعافي الاقتصادي الجزئي بعد رفع العقوبات في عام 2003، والتحسّن الأمني في أجزاء كبيرة من البلد.
وساعد النمو الاقتصادي القائم على النفط بعد رفع العقوبات على زيادة الإنفاق العام على التعليم بالقيم المطلقة، من 8.2 تريليونات دينار عراقي في عام 2009 إلى 10.8 تريليونات دينار في عام 2019، لكن ليس بالقيم النسبية، إذ انخفض كحصة من إجمالي الإنفاق الحكومي ومن الناتج المحلي الإجمالي. وانخفضت ميزانية التعليم بنسبة 30% في إقليم كردستان بين عامَي 2013 و2016 نتيجة للنزاع. وتقيّدت جهود إعادة بناء المدارس بصغر الحصة المخصصة للنفقات الرأسمالية من ميزانية التعليم، البالغة 2%. كما ظل تنفيذ ميزانيات الاستثمار منخفضاً على الدوام. ففي العام 2015/2016، لم يُنفق ثلث ميزانية الاستثمار.
ومع ذلك، ومع انحسار مستوى النزاع العنيف في أجزاء كبيرة من العراق، استثمرت الحكومة في إعادة بناء المدارس. ويُقدَّر أن عدد مباني المدارس الثانوية في العراق، باستثناء إقليم كردستان، ارتفع بنسبة 60% من 2,306 مبانٍ في عام 2014 إلى 3,693 في عام 2019.
وطبّق النظامان كلاهما الدوام المزدوج بل الثلاثي في المدارس؛ فمثلاً، كانت 36% من مدارس المرحلة العليا من التعليم الثانوي العامة في إقليم كردستان و31% في بقية العراق تعمل بدوامات متعددة في العام 2015/2016. وقد أثّر ذلك سلباً في الجودة بتقليص ساعات التدريس وزيادة الضغط على المعلمين، لكنه أتاح أيضاً للمدارس استيعاب عدد أكبر من الطلاب الذين كانوا سيُتركون بلا خيار لمواصلة تعليمهم. وفي الوقت نفسه، تتشارك المدارس المباني. ففي العام 2019/2020، لم يكن يستضيف مدرسة واحدة فقط سوى 46% من المباني المدرسية، وما لا يتجاوز نحو 25% في محافظات بابل والقادسية وذي قار، في حين تتشارك البقية المباني مع مدارس أخرى. وتُبلغ وزارة التربية عن نقص يتجاوز عشرة آلاف مبنى مدرسي، فضلاً عن نقص مرافق المياه والصرف الصحي والنظافة.
وبينما لم يرتفع الإنفاق العام، تحسّنت الظروف المعيشية للأسر. فبحسب تقرير التنمية البشرية لعام 2025، انخفضت حصة دخل الأسرة المنفقة على الغذاء إلى النصف، من 63% في عام 1993 إلى 32% في عام 2024، مما حرّر دخل الأسر لتغطية احتياجات أخرى، منها التعليم. وتُظهر بيانات المسوح أيضاً أن النازحين داخلياً واجهوا ضغطاً اقتصادياً إضافياً بفقدان مصادر رزقهم ودفع إيجارات مساكنهم الجديدة. ومع انخفاض عدد النازحين داخلياً مجدداً إلى 1.2 مليون بحلول عام 2019، حرّرت عودتهم إلى مناطقهم الأصلية ومصادر رزقهم ومنازلهم أموالاً أسرية أتاحت للطلاب العودة إلى المدرسة.
وعملت الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان معاً على توفير الوصول إلى التعليم للنازحين داخلياً، الذين فرّ ثلثهم إلى إقليم كردستان. فقد دعمت حكومة الإقليم تشغيل مدارس تدرّس باللغة العربية في مبانيها، وأنشأت الحكومة الاتحادية مكاتب إقليمية في إقليم كردستان لدعم توفير التعليم باللغة العربية حتى عام 2024.
وتسعى السياسة الوطنية إلى توسيع التعليم الثانوي المهني. فقد تضاعف الالتحاق من نحو خمسين ألف طالب في عام 2017 إلى 109 آلاف في عام 2021، في أعقاب قرار إداري يسمح لطلاب التعليم المهني بالتأهل للتعليم ما بعد الثانوي. غير أنه بالنظر إلى أن إجمالي الالتحاق بالمرحلة العليا من التعليم الثانوي بلغ 955 ألفاً في عام 2020، لم يمثّل الالتحاق بالتعليم المهني سوى نحو 11%.
وأُطلقت برامج مختلفة لتيسير عودة الأطفال غير الملتحقين، لكنها صغيرة النطاق. فقد نفّذت الحكومة برنامجاً للتعلّم المسرّع يقدّم منهجاً مكثّفاً للتعليم الابتدائي للفئة العمرية من 12 إلى 18 عاماً. وعند الإتمام، يُمنح الطلاب شهادة التعليم الابتدائي لمساعدتهم على الانتقال إلى المدرسة الثانوية. وفي العام 2017/2018، التحق بالبرنامج 33 ألف طالب، لكن البيانات عن القادرين منهم على الانتقال إلى المدرسة الثانوية لم تكن متاحة. وحاولت حملات متعددة للعودة إلى المدرسة الوصول إلى الأطفال والمراهقين غير الملتحقين عبر الإشراك المجتمعي. وساعدت حملة «العودة إلى التعلّم» التي نظّمتها اليونيسف 25 ألف طفل على الالتحاق في عام 2023. غير أن العوائق البيروقراطية أمام الالتحاق كانت كبيرة، ولا سيما إذا فات الطفل أكثر من عامين من الدراسة أو افتقر إلى الوثائق. ويتفاوت الوصول إلى خدمات إعادة الإدماج بحسب المنطقة، ولا يوفّر سوى مسارات ملموسة محدودة إلى المدرسة الثانوية.
وثمة تحديات كبيرة تنتظر البلد لتجاوز إرث النزاع. فالمدارس لا تزال ساحة للصراع الطائفي، إذ تمارس الجماعات المسلحة نفوذاً على المناهج والميزانيات وممارسات التوظيف. ويمثّل الأخير تحدياً خاصاً. فكثير من المعلمين تركوا المهنة بسبب النزاع وتدنّي الأجور، وكان من الصعب تعويضهم، ولا سيما مع اضطراب نظام إعداد المعلمين. وبسبب قيود الميزانية، عُيّن كثير من المعلمين بعقود مؤقتة أو على أساس تطوعي. وقد انتُقدت هذه الممارسة، إذ يشغل معلمون غير مؤهلين هذه الوظائف، في حين يُنظر إلى التعيينات في وظائف التدريس الدائمة على أنها قائمة على المحسوبية السياسية لا على المؤهلات. ووصف البنك الدولي احتمال وجود مخالفات في كشوف الرواتب تتعلق بمعلمين وهميين، مستشهداً بأن عدد معلمي المدارس الثانوية الذين يتقاضون رواتب يزيد على ضعف عدد الفصول التي تُدرَّس.
إن العراق تذكير بالآثار الخطيرة طويلة الأجل للنزاعات على التعليم. فالعقوبات الدولية المفروضة خلال التسعينيات، التي قلّصت بشدة الإنفاق العام والخاص على التعليم، والدوامة التي لا تنتهي من الحرب والعنف الطائفي والإرهابي، أثّرت في قدرة الأسر على إرسال أطفالها إلى المدرسة. وقد عادت مستويات الارتياد المدرسي إلى الارتفاع، وهو ما يشهد على صمود المجتمع وعلى الفوائد التي تتحقق حتى من أدنى عودة إلى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
المغرب: تقدّم مستدام في تحسين الوصول إلى المدارس
في نهاية القرن العشرين، كانت مستويات الارتياد المدرسي في المغرب دون متوسط البلدان الأخرى ذات الدخل المتوسط الأدنى. وإدراكاً لذلك، غيّرت الحكومة مسارها وجعلت التعليم أولوية سياساتية في عام 1999. وبين عامَي 2000 و2023، انخفض معدل عدم الالتحاق بنسبة 85% بين المراهقين في سن المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، من 42% إلى 6%، وبنسبة 63% بين الشباب في سن المرحلة العليا منه، من 63% إلى 23%، ليبلغ متوسط البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، حيث كان 7% من المراهقين و19% من الشباب خارج المدرسة في عام 2023. وانخفض معدل عدم الالتحاق في المغرب بوتيرة 1.6 نقطة مئوية سنوياً، وهي وتيرة سريعة حوفظ عليها أكثر من ربع قرن. وانخفض عدد المراهقين والشباب غير الملتحقين من ما يزيد قليلاً على مليونين في عام 2000 إلى 570 ألفاً في عام 2023، أي بنسبة 72%. ودعم هذا التقدّمَ برنامجٌ كبير لبناء المدارس العامة: فبين العامين 1999/2000 و2023/2024، تضاعف عدد الإعداديات العامة أكثر من مرتين، من 941 إلى 2,024، وتضاعف عدد الثانويات التأهيلية العامة ثلاث مرات تقريباً، من 537 إلى 1,505.
غير أن الوجود في المدرسة لا يعني بالضرورة التقدّم في كل صف في الوقت المحدد. فقد كانت معدلات إعادة الصفوف في المغرب مرتفعة في عام 2000: 13% في التعليم الابتدائي و18% في التعليم الثانوي. لكن بينما انخفضت إعادة الصفوف تدريجياً في التعليم الابتدائي لتبلغ 7% في عام 2024، ظلت ثابتة في التعليم الثانوي خلال العقد الأول من هذا القرن، قبل أن تتخذ مساراً مختلفاً بعد عام 2015: إذ ارتفعت في المرحلة الإعدادية لتبلغ 23% بحلول عام 2019، وانخفضت في المرحلة الثانوية التأهيلية لتبلغ 11% في عام 2024.
ولأن كثيراً من الطلاب يعيدون الصفوف، قد يكون عدد الطلاب الجدد الملتحقين بكل صف مقياساً أكثر شفافية للتقدّم التعليمي. فبينما عُمّم التعليم الابتدائي بحلول أواخر العقد الثاني من هذا القرن، ارتفعت نسبة الفئة المستهدفة الملتحقة بالصف الأول من المرحلة الإعدادية من 50% في عام 2000 إلى 90% في عام 2024، أي من 330 ألفاً إلى 610 آلاف، بمعدل 2.5% سنوياً. وفي المرحلة الثانوية التأهيلية، ارتفعت نسبة الفئة المستهدفة الملتحقة بالصف الأول من 20% في عام 2000 إلى 50% في عام 2020، أي من 145 ألفاً إلى 315 ألفاً، بمعدل 3.8% سنوياً. وتعكس الزيادة الأسرع في الالتحاق ارتفاعَ معدلات الانتقال من المرحلة الإعدادية إلى الثانوية التأهيلية، من 57% في العام 2009/2010 إلى 67% في العام 2019/2020. ويصعب بعض الشيء تقييم مستويات الالتحاق في المرحلة الثانوية التأهيلية في أعقاب جائحة كوفيد 19، التي عطّلت تدفّقات الطلاب.
وكان الميثاق الوطني للتربية والتكوين محورياً في وضع سياسات توسيع التعليم. وتبعته مجموعة من الوثائق الرامية إلى الحدّ من الهدر المدرسي وإعادة الصفوف، منها البرنامج الحكومي لعام 2012 الذي ركّز على تأهيل المدارس وتدريب الكوادر، والرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015 إلى 2030 التي اتبعت نهجاً أوسع لمعالجة الأسباب الجذرية. وفي عام 2019، شدّد القانون الإطار رقم 51.17 على التدابير الوقائية، كحملات التوعية والدعم النفسي، مع إشراك الأسر في معالجة ترك المدرسة المبكر. ثم هدفت خارطة الطريق للفترة 2022 إلى 2026 إلى خفض الهدر المدرسي بمقدار الثلث، مع التركيز على الطلاب المعرّضين للخطر وتحسين الدعم الاجتماعي والنقل والمطاعم المدرسية والمدارس الجماعاتية.
وكان من التحديات تزايد تكلفة التعليم. فقد ارتفعت حصة التعليم من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي للأسر ارتفاعاً سريعاً من 1.6% في عام 2001 إلى 2.7% في عام 2007 و3.7% في عام 2014. وينعكس ذلك جزئياً على الأقل في تزايد حصة المؤسسات الخاصة من إجمالي الالتحاق، التي ارتفعت بين العامين 2003/2004 و2023/2024 من 2% إلى 11% في المرحلة الإعدادية، ومن 4% إلى 12% في المرحلة الثانوية التأهيلية. والتكلفة السنوية للتعليم الثانوي كبيرة، إذ قُدّرت بنحو 3,412 درهماً مغربياً، أي 370 دولاراً أمريكياً، في العام 2019/2020، وإن انخفض الفقر بسرعة من 15.5% في عام 2001 إلى 4.8% في عام 2013، مما ساعد على رفع العوائق المالية عن بعض الأسر.
وتحاول الحكومة معالجة تحدي القدرة على تحمّل التكاليف بطرق مختلفة. ففي عام 2018، أقرّت مجانية التعليم العام في جميع المراحل عبر القانون الإطار رقم 51.17. وجُرّب برنامج «تيسير» للتحويلات النقدية المشروطة لأول مرة في عام 2008، إذ وزّع منحاً شهرية تتراوح بين ثمانية دولارات وثلاثة عشر دولاراً أمريكياً على تلاميذ المدارس الابتدائية. وفي عام 2010، وفي أعقاب تقييم وجد أثراً إيجابياً في الاحتفاظ بالتلاميذ، عُمّم على 434 جماعة قروية، أي ربع المجموع، يتجاوز فيها الفقر 30%. وبحلول عام 2013، امتد البرنامج إلى تلاميذ المرحلة الإعدادية، وفي العام 2018/2019 امتد إلى جماعات أخرى باستخدام الاستهداف القائم على مؤشرات تقريبية للدخل. ومن شروطه ألا يعيد الطفل الصف أكثر من مرة واحدة في التعليم الابتدائي أو في المرحلة الإعدادية. وفي عام 2025، تلقّى 3.1 مليون تلميذ منحة.
وفي عام 2023، ألزم القانون رقم 58.23 الأسر بالتسجيل في السجل الاجتماعي الموحّد للحصول على أي دعم موجّه، بما في ذلك دفعة لمرة واحدة قدرها مائتا درهم، أي نحو عشرين دولاراً أمريكياً، لتلاميذ التعليم الابتدائي والمرحلة الإعدادية، وثلاثمائة درهم، أي نحو ثلاثين دولاراً أمريكياً، لتلاميذ المرحلة الثانوية التأهيلية لتغطية تكاليف الدخول المدرسي، وهو دعم نقدي حلّ محل المبادرة العينية السابقة «مليون محفظة» التي كانت قائمة منذ عام 2013.
كما تحسّن دعم النقل المدرسي تحسّناً كبيراً لتلاميذ المرحلة الثانوية التأهيلية. فمن العام 2010/2011 إلى العام 2023/2024، ارتفع عدد المستفيدين إلى 111 ألفاً، يعيش 75% منهم في المناطق القروية. وخلال هذه الفترة، ظلت حصة تلاميذ المرحلة الثانوية التأهيلية المقيمين في الداخليات ثابتة عند 6% على المستوى الوطني و10% في المناطق القروية، مقارنة بنسبة 3% على المستوى الوطني و6% في المناطق القروية في المرحلة الإعدادية. وتضاعف عدد الثانويات التأهيلية العامة ذات الداخليات والمطاعم بين العامين 2010/2011 و2023/2024، من 246 إلى 477، وتضاعف نحو أربع مرات في المناطق القروية، من 60 إلى 226. ويُدعم التلاميذ الداخليون أيضاً بالمنح، التي تُمنح على أساس عوامل كالمسافة والإعاقة والخلفية الاجتماعية الاقتصادية.
وتطلّعاً إلى المستقبل، تسعى الحكومة إلى إنشاء نظام للإنذار المبكر قائم على وحدات للتتبّع النفسي والتربوي تستخدم بيانات منظومة «مسار» لتدبير المعلومات التربوية لتحديد التلاميذ المعرّضين لخطر الهدر المدرسي، ووضع خطط دعم لهم، وإلحاقهم ببرامج خارج المنهج. وتوجّه هذه الوحدات بالفعل التلاميذ نحو برنامج مدرسة الفرصة الثانية، الذي يهدف إلى إعادة إدماج الشباب، ويقدّم تعليماً أساسياً وتكويناً مهنياً مكيّفاً مع احتياجات سوق الشغل. وفي العام 2011/2012، أعاد البرنامج إدماج أربعين ألف طفل وشاب في المدرسة. وتدير شبكة مدارس الفرصة الثانية بالمغرب، التي أُطلقت في عام 2020، 238 مركزاً في أنحاء البلد تخدم الشباب من سن 16 إلى 20. وفي العام 2024/2025، التحق بها نحو 18 ألفاً، أُعيد إدماج 72% منهم: 16% في التعليم النظامي، و21% في التكوين المهني، و35% في سوق الشغل. وفي عام 2024، وُقّعت اتفاقية شراكة بين الوزارة ومنظمات المجتمع المدني لتدبير مدارس الفرصة الثانية.
والتحديد المبكر للتلاميذ المعرّضين للخطر والدعم الفردي من السمات الرئيسية أيضاً لإصلاح كبير حديث هو برنامج مدارس الريادة، الذي من أهدافه الحدّ من الهدر المدرسي. وقد أُطلق في العام 2023/2024 ويغطي حالياً نصف المدارس الابتدائية، ووُسّع ليشمل 232 إعدادية في العام 2024/2025، أي نحو 10% من إجمالي الالتحاق، وتوسّع إلى 500 مؤسسة، أي نحو 30% من إجمالي الالتحاق، في العام 2025/2026. ويتألف العام الدراسي من ست فترات مدة كل منها ستة أسابيع. وتبدأ الفترة الأولى باختبار لتوزيع التلاميذ على مجموعات للدعم، بحسب المحتوى، وبأساليب تدريس لا تتبع المنهج المعتاد. ويُخصَّص الأسبوع السادس لاختبار بعدي، يليه يوم مفتوح لأولياء الأمور تُعرض فيه النتائج. ويتلقى من لا يبلغون المستوى المطلوب دعماً أكاديمياً شاملاً وفردياً ومستمراً طوال بقية العام الدراسي. وتتناوب الفترات المتبقية بين التعلّم الجديد والدعم المدمج لمدة خمسة أسابيع، يليها أسبوع واحد للتقييم. وقد حسّن هذا النهج القائم على البيانات التعلّمَ، ولذلك ينبغي أن يؤثر أيضاً في الهدر المدرسي، وإن لم تُقيَّم هذه الصلة بعد.
وخلاصة القول إن التحسينات القوية والمستدامة في خفض معدلات عدم الالتحاق في المغرب تحققت بفضل تدخلات موجّهة مختلفة لتيسير الاحتفاظ بالتلاميذ، حتى وإن كانت الزيادة السريعة في الالتحاق ربما رفعت إعادة الصفوف وأحجام الفصول في المرحلة الإعدادية. غير أن ثمة مخاوف من أنه رغم التقدّم الكبير، لا تزال الفوارق الجهوية في معدلات الهدر المدرسي كبيرة.
موزمبيق: توسّع سريع توقف
على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، توسّعت المشاركة في التعليم الابتدائي توسّعاً كبيراً في موزمبيق، وهي من أفقر بلدان العالم. غير أن مدى رصد هذا التوسّع يتفاوت تفاوتاً كبيراً بين مصادر البيانات المختلفة. فبحسب السجلات الإدارية لوزارة التعليم والتنمية البشرية، انخفض معدل عدم التحاق الأطفال في سن التعليم الابتدائي انخفاضاً حاداً من نحو 45% في عام 2000 إلى ما يقارب الصفر في عام 2022. ويعكس ذلك زيادة هائلة في عدد الطلاب الملتحقين بالتعليم الابتدائي، الذي تضاعف أكثر من ثلاث مرات منذ عام 2000، من 2.5 مليون إلى 7.6 مليون.
وتؤكد المسوح الأسرية الاتجاه التنازلي، ولا سيما في مطلع الألفية، لكنها تشير إلى معدلات عدم التحاق مختلفة جداً للأطفال في سن التعليم الابتدائي. فأحدث المسوح المتاحة، أي المسح الديموغرافي والصحي ومسح ميزانية الأسرة، تقدّر المعدل بنحو 25% في عام 2022. ويبدو أن جميع مصادر المسوح والتعدادات تتفق على وجود ركود منذ أواخر العقد الأول من هذا القرن.
ويمكن لعدة أسباب تتعلق بخصائص البيانات الإدارية أن تفسّر هذه التباينات. أولاً، قد تكون السجلات الإدارية متحيزة لعدم دقة الإبلاغ عن العمر بحسب الصف؛ فمثلاً لم يُسجَّل سوى ثلث الأطفال عند الولادة في عام 2023. ثانياً، قد تكون التوقعات السكانية، التي تعتمد عليها التقديرات الإدارية، غير دقيقة. ثالثاً، تشمل السجلات الإدارية جميع الطلاب الذين التحقوا، بصرف النظر عما إذا كانوا قد توقفوا عن الحضور.
وهذا السبب الأخير جدير بالاهتمام. فتغيّب الطلاب مشكلة منهجية في موزمبيق قد تفسّر لماذا تقل معدلات الارتياد في المسوح الأسرية عنها في البيانات الإدارية. فقد وجدت دراسة أُجريت في عام 2019 أن تلاميذ المرحلة الابتدائية حضروا المدرسة في المتوسط نحو 49% فقط من الوقت، في حين أفاد المعلمون بأن نحو 10% من الطلاب لا يحضرون المدرسة إلا نادراً أو لا يكادون يحضرون أبداً، وكثيراً ما يفوتهم ربع دراسي أو أكثر. ورصدت دراسة أخرى في شمال موزمبيق معدلات تغيّب للطلاب تقارب 60%.
ويؤكد تحليل معدل إتمام التعليم الابتدائي تحسّناً عاماً في المشاركة في التعليم الابتدائي. فحصة الفئة العمرية من 15 إلى 17 عاماً الذين أتمّوا التعليم الابتدائي، أي من تزيد أعمارهم بثلاث إلى خمس سنوات على سن التخرج وفق التعريف الرسمي للمؤشر الموصوف بالإتمام «في الوقت المحدد»، ارتفعت من 15% في عام 2000 إلى 52% في عام 2024. وبسبب الالتحاق المتأخر وإعادة الصفوف، يُتمّ كثير من الشباب التعليم الابتدائي في وقت أكثر تأخراً، ولذلك يُقدَّر أن معدل الإتمام «النهائي» أعلى. غير أن المسح الديموغرافي والصحي لعام 2022 يوحي بأن الركود الذي يدل عليه تباطؤ مسار معدل عدم الالتحاق قد أثّر في التقدّم في الإتمام، الذي يبدو أيضاً أنه تباطأ تباطؤاً شديداً بعد عام 2010، مما يوحي بأن استنتاجات النموذج ربما تكون متفائلة، وأن معدل إتمام نهائي لا يتجاوز 60% ربما يكون أدق.
وأجرت موزمبيق أول انتخابات ديمقراطية في عام 1994 بعد ستة عشر عاماً من الحرب الأهلية التي أعقبت الاستقلال. ومع تعافي البلد، أصبح التعليم محورياً في جهود التنمية، وحددت الخطة الاستراتيجية للفترة 1999 إلى 2003 تعميم التعليم الابتدائي هدفاً رئيسياً للبلد.
وكُرّس معظم الجهود السياساتية آنذاك لإعادة تأهيل المدارس الابتدائية، إذ تضرر كثير منها أو دُمّر خلال الحرب، ولبنائها. فبين عامَي 2000 و2010، ارتفع عدد المدارس الابتدائية الدنيا، من الصف الأول إلى الخامس، من ستة آلاف إلى 10,500، في حين بُنيت فصول جديدة داخل المدارس القائمة لاستيعاب مزيد من الطلاب. لكن وتيرة بناء المدارس تخلّفت عن وتيرة نمو الالتحاق. ويُقدَّر أن نحو عشرة آلاف فصل دراسي تُعقد في الهواء الطلق تحت الأشجار. وفي مقاطعة نامبولا وحدها، كان أكثر من مليون تلميذ في المرحلة الابتدائية يحضرون الدروس جالسين على الأرض لنقص المقاعد. وفي عام 2018، كان نحو 40% من الفصول الدراسية مبنية بمواد هشة، مما أسهم في دمار واسع خلال أعاصير عام 2019.
وفي المقابل، وبعد بداية بطيئة في العقد الأول من هذا القرن، واكب عدد معلمي المرحلة الابتدائية نمو الالتحاق. لكن تغيّب المعلمين ومديري المدارس يؤثر بحسب التقارير في سير العمل المدرسي ويسهم في إغلاق المدارس، مما يطال أكثر من 10% من أيام الدراسة المقررة.
ومن المرجّح أن يكون قد أسهم أيضاً في هذا الركود تصاعد التوترات، ولا سيما في مقاطعة كابو ديلغادو الشمالية، حيث نزح أكثر من مليون شخص وتضررت المدارس تضرراً واسعاً منذ عام 2017، والكوارث الطبيعية، كإعصاري إيداي وكينيث في عام 2019، والإغلاق المطوّل للمدارس خلال جائحة كوفيد 19 في عامَي 2020 و2021.
وفي هذه الفترة المبكرة، ارتفعت حصة التعليم من إجمالي الإنفاق العام من 12% في عام 1998 إلى 23% في عام 2005. وتذبذبت منذ ذلك الحين بين 18% و20% حتى عام 2021، وهو آخر عام تتوافر عنه بيانات. وقدّمت المساعدة الإنمائية الدولية إسهاماً مهماً في هذه الإصلاحات، إذ استأثرت بأكثر من نصف ميزانية التعليم في مطلع الألفية. وظلت المعونة تتناقص، ولا سيما بعد أزمة الديون في عام 2016، لكن موزمبيق لا تزال تلقّت 161 مليون دولار أمريكي للتعليم في عام 2023.
وجاءت دفعة كبيرة نحو التعميم مع سلسلة من الإصلاحات التعليمية في عام 2004، حين ألغت الحكومة الرسوم الدراسية وغيرها من الرسوم المدرسية في التعليم الابتدائي، وبدأت توفير الكتب المدرسية للمدارس مجاناً. وتحقق ذلك عبر منح مدرسية تُعرف بالدعم المباشر للمدارس، تخصّص التمويل على أساس عدد التلاميذ. ورغم أنه لا تزال ثمة تكاليف مرتبطة بإرسال الطفل إلى المدرسة، منها رسوم جمعيات أولياء الأمور والمعلمين ورسوم أخرى «طوعية»، فقد نجحت السياسة في خفض التكلفة المباشرة للتعليم، مع مكاسب أكبر للأطفال الفقراء والريفيين.
وفي سياق يعيش فيه 70% من الأطفال في أسر فقيرة ويعاني 15% منهم من سوء التغذية، كان للوجبات المدرسية أثر إيجابي في منع التسرّب. فبحسب تقييم طولي أُجري في عام 2021، كانت الوجبات المدرسية الأقوى ارتباطاً بالحدّ من التسرّب، بل أقوى من المسافة إلى المدرسة وتوافر الكتب المدرسية والكفاءة في القراءة وحضور مدير المدرسة. وحسّنت المدارس التي أدخلت الوجبات في الموقع الالتحاقَ والحضور، الذي بلغ 92% في عام 2024. ومع ذلك، يظل توفير الوجبات المدرسية محدوداً. فقد أطلقت الحكومة البرنامج الوطني للتغذية المدرسية في عام 2013. وفي عام 2025، وفّر وجبات لنحو 650 ألف تلميذ، أي نحو 9% من تلاميذ المرحلة الابتدائية.
وللفقر، الذي كثيراً ما يتفاقم بعد الكوارث الطبيعية، أثر كبير في عمل الأطفال، الذي يتجاوز 10% بين الأطفال من سن الخامسة إلى العاشرة، ويرتفع إلى 30% بين من هم في سن 11 إلى 13، ويبلغ 50% بين المراهقين من سن 14 إلى 17، وكثير منهم لا يزالون في المرحلة الابتدائية. كما تعطّل متطلبات العمل الموسمي والمنزلي الدراسة في كثير من الأحيان. وتتضاعف معدلات التسرّب أكثر من مرتين بين الأطفال العاملين بأجر، وترتفع بنحو 70% بين الأطفال العاملين دون أجر.
وتواجه موزمبيق تحديات كبيرة تتعلق بالالتحاق بعد تجاوز السن المناسبة وإعادة الصفوف في التعليم الابتدائي، وهي مسألة تسهم في اكتظاظ الفصول والتسرّب. فقد انخفضت نسبة الطلاب الذين تجاوزوا السن المناسبة من 70% في عام 2000 إلى 37% في عام 2020، لكنها لا تزال أعلى من متوسط أفريقيا جنوب الصحراء البالغ 26%. وكانت معدلات إعادة الصفوف مرتفعة تاريخياً في موزمبيق، إذ يستغرق الأطفال في المتوسط ما يقارب ضعف الوقت المتوقع لإتمام التعليم الابتدائي. وأدخلت الحكومة سياسة الترفيع شبه التلقائي في عام 2004، مدعومة ببرامج علاجية وتقييم مستمر لدعم تقدّم الطلاب. ومع ذلك، ظلت إعادة الصفوف مرتفعة في الصفوف الثاني والخامس والسابع، التي تمثّل نهايات حلقات التعلّم داخل التعليم الابتدائي.
وفي عام 2018، أُعيدت هيكلة نظام التعليم الأساسي، فأصبح مجانياً وإلزامياً لتسع سنوات بدلاً من سبع. ودُمجت الحلقتان الأوليان من التعليم الابتدائي، من الصف الأول إلى الخامس ومن السادس إلى السابع، في حلقة واحدة تمتد من الصف الأول إلى السادس، مع إعادة تصنيف الصف السابع جزءاً من المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي. وأُلغي امتحان الانتقال في الصف الخامس، الذي كان اختناقاً رئيسياً. وقبل الإصلاح، كان نحو ثلث المدارس العامة لا يقدّم سوى الصفوف حتى الخامس، مما اضطر كثيراً من الطلاب إلى الانتقال إلى مدارس أبعد لمواصلة تعليمهم. وبموجب الإصلاح، الذي نُفّذ تدريجياً حتى عام 2023، يتعيّن على جميع المدارس الابتدائية تقديم ستة صفوف على الأقل. ومنذ ذلك الحين، أصبحت معدلات إعادة الصفوف أدنى وأكثر تساوياً بين الصفوف، مما يدل على تحسّن الانتقال حتى الصف السادس.
وموزمبيق بلد متعدد اللغات. فأقل من 17% من السكان، و5% فقط في المناطق الريفية، يتحدثون البرتغالية لغةً أماً. وبدأت الحكومة تنفيذ التعليم ثنائي اللغة في عام 2003، واعترفت به رسمياً في عام 2018، وتحدد استراتيجية توسيع التعليم ثنائي اللغة للفترة 2020 إلى 2029 إطاراً لتوسيع نطاقه. وارتفعت حصة تلاميذ المرحلة الابتدائية الملتحقين ببرامج التعليم ثنائي اللغة ارتفاعاً حاداً من نحو 1% في عام 2015 إلى 19% في عام 2024، وحصة المعلمين في هذه المدارس من أقل من 2% إلى 21%. ويُعتقد أن البرنامج حسّن انخراط الطلاب وتقدّمهم.
وكانت الفتيات في موزمبيق معرّضات بشدة لخطر التسرّب: فنسبة 53% من الفتيات يتزوجن قبل سن الثامنة عشرة و17% قبل سن الخامسة عشرة، وكثيراً ما يكون ذلك في زيجات غير رسمية، وهي من أعلى المعدلات في العالم. وأنجبت فتاة واحدة على الأقل من كل عشر فتيات طفلاً قبل سن الخامسة عشرة. ووجدت دراسة أُجريت في عام 2019 أن 70% من الفتيات الحوامل، وكثير منهن لا يزلن في المرحلة الابتدائية بسبب الالتحاق المتأخر، تركن المدرسة. وفي عام 2019، جرّمت الحكومة زواج الأطفال وألغت أمراً وزارياً صادراً في عام 2003 كان يُلزم الفتيات الحوامل بالانتقال إلى المدارس الليلية. كما أصبح الإنصاف بين الجنسين أولوية سياساتية في إصلاح التعليم لعام 2018 وفي الخطة الاستراتيجية للتعليم للفترة 2020 إلى 2029. وكان تنفيذ هذه السياسات متفاوتاً، لكن الإنصاف بين الجنسين في المشاركة يتحسّن باطّراد. فبين عامَي 2004 و2024، ارتفعت حصة الفتيات من الملتحقين بالتعليم الابتدائي من 45% إلى 49%.
رومانيا: الوصول إلى الشباب الأكثر تخلّفاً عن الركب
كانت معدلات ترك المدرسة المبكر المرتفعة مصدر قلق سياساتي كبير في عدد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في مطلع القرن. ففي عام 2002، كانت ثمة ست دول من الدول الأعضاء السبع والعشرين الحالية يتجاوز معدل ترك المدرسة المبكر فيها متوسط الاتحاد البالغ 17%: مالطا بنسبة 53%، والبرتغال بنسبة 45%، وإسبانيا بنسبة 31%، وإيطاليا بنسبة 23%، ورومانيا بنسبة 22%، وبلغاريا بنسبة 21%، ولوكسمبورغ بنسبة 17%. وبحلول عام 2024، كانت مالطا والبرتغال قد خفّضتا معدل ترك المدرسة المبكر فيهما بأكثر من 80%، في حين خفّضته بلغاريا وإيطاليا ولوكسمبورغ وإسبانيا بأكثر من 50%. وخفّضت رومانيا معدلها بنسبة 23% بين عامَي 2002 و2008، لكنه ركد منذ ذلك الحين. وفي عام 2024، كان لديها أعلى معدل لترك المدرسة المبكر في الاتحاد الأوروبي، بنسبة 16%، وهو أعلى بكثير من متوسط الاتحاد البالغ 9%.
وفي قاعدة بيانات معهد اليونسكو للإحصاء، ارتفع في الواقع معدل عدم التحاق الشباب في سن المرحلة العليا من التعليم الثانوي في رومانيا من 18% في عام 2014 إلى 27% في عام 2023. لكن هذا التقدير يحتاج إلى تفسير حذر، لأن مقام السكان قد يتأثر بالهجرة المرتفعة إلى الخارج التي لا تُرصد في البيانات. وقد يزداد تفسير الاتجاهات باستخدام مؤشر معدل عدم الالتحاق تعقيداً أيضاً بفعل عدة إصلاحات، منها إدخال الصف التحضيري في سن السادسة، الذي اكتمل تطبيقه بحلول عام 2014، وتمديد التعليم الإلزامي، وإعادة تنظيم التعليم المهني في عام 2014 ومجدداً في عام 2023.
ويصعب تفسير البيانات الإدارية فيما يتعلق بمعدل التسرّب. فلا تتوافر بيانات وطنية قابلة للمقارنة تفصّل ترك المدرسة المبكر بحسب نوع مدرسة المرحلة العليا من التعليم الثانوي. وبينما يُحدَّد الطلاب في المسارات المهنية والتقنية باستمرار بوصفهم الأكثر عرضة لخطر التسرّب، يصعب عزو ترك المدرسة المبكر بدقة إلى أنواع محددة من المدارس.
ومع ذلك، فالصورة العامة واضحة: لم تحقق رومانيا سوى تقدّم محدود في الحدّ من إقصاء الشباب من التعليم، رغم التفاوت الواسع بين المناطق. ففي مطلع الألفية، كان ثمة تكافؤ إقليمي شبه تام. فقد تجمّعت سبع من مناطق البلد الثماني حول المتوسط الوطني، بمعدل لترك المدرسة المبكر يزيد على ضعف معدل منطقة العاصمة بوخارست إلفوف. لكن بحلول عام 2024، ركدت منطقتان، هما الجنوب الشرقي والوسط؛ بل ارتفع معدل ترك المدرسة المبكر في منطقة الجنوب الشرقي من 24% في عام 2002 إلى 26% في عام 2024. وتحسّنت أربع مناطق قليلاً، وتحسّنت منطقة واحدة، هي الغرب، بسرعة كافية لتلحق بمنطقة العاصمة، إذ انخفض معدلها من 24% في عام 2002 إلى 9% في عام 2024.
وفي ظل الحكم الشيوعي، كان النظام التعليمي في رومانيا شديد المركزية. فقد مدّد القانون رقم 28 لعام 1978 التعليم الإلزامي إلى عشر سنوات، بما يعكس التركيز على التعليم الجماهيري. ورغم السيطرة الأيديولوجية القوية، استثمرت الدولة استثماراً واسعاً في رياض الأطفال والمدارس، فوسّعت البنية التحتية التعليمية والوصول. وفي سنوات التحوّل الصعبة التي أعقبت انهيار الشيوعية في عام 1990، خُفّض التعليم الإلزامي إلى ثماني سنوات، قبل أن يعود إلى عشر سنوات في عام 2003. وبموجب قانون التعليم ما قبل الجامعي لعام 2023، زادت مدة التعليم الإلزامي إلى أربع عشرة سنة، تشمل الآن سنتين من التعليم ما قبل الابتدائي واثنتي عشرة سنة من التعليم الابتدائي والثانوي.
وعند الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2007، التزمت بلغاريا ورومانيا بالإسهام في المعيار المرجعي لإطار التعليم والتدريب 2020 على مستوى الاتحاد، القاضي بخفض ترك المدرسة المبكر إلى أقل من 10%. وحُددت المعايير الوطنية عند 11% لبلغاريا و11.3% لرومانيا. وبينما أخفق كلاهما في بلوغ غاية عام 2020، تمكّنت بلغاريا في نهاية المطاف من خفض معدل ترك المدرسة المبكر فيها من 15% في عام 2007 إلى 8% في عام 2024، في حين ركدت رومانيا عند 17%، أي ما يقارب ضعف متوسط الاتحاد. وتبرز ثلاث مسائل: متانة الأطر المؤسسية والمالية، ونظام التعليم والتدريب المهني، والجهود الموجّهة لدعم أقلية الروما.
أولاً، وضعت رومانيا في عام 2015 استراتيجية وطنية لمعالجة ترك المدرسة المبكر، متسقة مع إطار التعليم والتدريب 2020، وأنفقت أكثر من ملياري ليو روماني، أي 500 مليون دولار أمريكي، على التدابير ذات الصلة بحلول عام 2021. ورغم التصميم الشامل الذي غطّى تدابير الوقاية والتدخل والتعويض، ظل التنفيذ مجزّأً. وتشير التقييمات إلى مشكلات في التنسيق والتواصل بين الوزارات، وضعف القدرة الإدارية المحلية، ومحدودية الرصد، وعدم كفاية خدمات الدعم في المدارس. ويرتبط بعض هذه القيود بنقص الاستثمار، إذ ظل الإنفاق العام على التعليم باستمرار دون المعيارين الدوليين كليهما، أي 4% من الناتج المحلي الإجمالي و15% من إجمالي الإنفاق العام، باستثناء فترة قصيرة بين عامَي 2006 و2009 بلغ فيها بالكاد معيار 4% من الناتج المحلي الإجمالي.
ثانياً، شهد نظام التعليم والتدريب المهني في رومانيا اضطراباً كبيراً في عام 2009 حين ألغت الحكومة مدارس الفنون والحرف، التي كانت تقع غالباً في المجتمعات الريفية وتقدّم تدريباً قصيراً موجّهاً نحو الممارسة بعد الصف الثامن. وأدى إلغاؤها إلى تحويل الطلاب إلى مدارس ثانوية تقنية مدتها أربع سنوات، تقع عادة في المناطق الحضرية وتجمع بين المناهج العامة والمهنية. وبالنسبة لكثير من الأسر الريفية منخفضة الدخل، ثبتت صعوبة هذا المسار بسبب ارتفاع التكاليف غير المباشرة وطول مدة الدراسة وغياب مؤهل قصير الأجل يتيح الدخول السريع إلى سوق العمل. ونتيجة لذلك، ارتفع التسرّب ارتفاعاً حاداً في الصفين التاسع والعاشر، وكان أكثر من 55 ألف مراهق خارج المدرسة بحلول منتصف العقد الثاني من هذا القرن.
ومنذ ذلك الحين، تسعى رومانيا إلى إعادة بناء قطاع التعليم والتدريب المهني. فقد هدفت إصلاحات منتصف العقد الثاني من هذا القرن، كما تعكسها استراتيجية الفترة 2016 إلى 2020، إلى تحسين الوصول والبقاء والصلة بسوق العمل لتعزيز الانتقال من المدرسة إلى العمل، مدعومة بآليات لاستشراف احتياجات المهارات ورصد نواتج الخريجين. ومن بين الطلاب في التعليم متوسط المستوى، أي برامج المرحلة العليا من التعليم الثانوي وما بعد الثانوي غير العالي، كان 61% ملتحقين ببرامج التعليم والتدريب المهني في عام 2023، مقارنة بمتوسط الاتحاد الأوروبي البالغ 52%.
ويضم التعليم والتدريب المهني في المرحلة العليا من التعليم الثانوي مسارات متعددة ذات بنى وتوجهات مختلفة نحو سوق العمل، مما يعكس تحديات قائمة منذ زمن طويل في مواءمة التوفير مع احتياجات سوق العمل وتكييف آليات التخطيط مع المتطلبات الاقتصادية المتغيرة. وفي العام 2017/2018، أدخل المركز الوطني لتطوير التعليم والتدريب التقني والمهني مساراً مزدوجاً يجمع بين التعليم في المدرسة والتعلّم في مواقع العمل في الشركات، في المرحلة العليا من التعليم الثانوي، عادة ضمن برامج مهنية مدتها ثلاث سنوات. غير أن المشاركة في هذا النظام ظلت محدودة، إذ تمثّل نحو 1.5% من الالتحاق بالتعليم المهني في هذه المرحلة، مع تغطية جغرافية متفاوتة. ورغم حوافز كالمنحة التقنية البالغة ثلاثمائة ليو، أي 68 دولاراً أمريكياً، شهرياً في العام 2023/2024، التي وصلت إلى أكثر من 82,500 طالب، لا يزال التسرّب مصدر قلق، ولا سيما في المناطق المحرومة والريفية، بما يعكس تحديات أوسع تتعلق بعدم تكافؤ الوصول ومحدودية القدرة المؤسسية.
ثالثاً، يمثّل الروما 3.3% من سكان رومانيا بحسب تعداد عام 2011، وإن أشار تقدير آخر إلى أنهم قد يمثّلون ما يصل إلى 8%. وقد تحسّن تحصيلهم التعليمي في رومانيا بوتيرة أسرع مما في البلدان الأوروبية الأخرى التي تضم أعداداً أصغر من الروما. فقد أتمّ نحو 60% من الروما المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي في عام 2024، أي ضعف ما حققه الجيل الأكبر سناً، وأتمّ 34% على الأقل المرحلة العليا من التعليم الثانوي، مقارنة بنسبة 20% في عام 2016.
لكن أطفال الروما لا يزالون يواجهون عوائق كبيرة أمام التعليم. فهم معزولون، كما في أماكن أخرى من أوروبا، وبصورة متزايدة: إذ ارتفعت نسبة الأطفال من سن السادسة إلى الخامسة عشرة الذين يرتادون مدرسة معظم تلاميذها أو جميعهم من الروما في رومانيا من 28% في عام 2016 إلى 43% في عام 2024. والروما ممثّلون على نحو غير متناسب في المدارس الريفية أو ضعيفة الموارد، حيث يقلّل ضعف البنية التحتية ومحدودية تدريب المعلمين والحواجز اللغوية من فرص التعلّم. ويقيّد الحرمان الاجتماعي الاقتصادي المشاركة في التعليم أكثر، في حين يستمر التمييز وتدنّي مستويات الثقة بالمؤسسات في تثبيط الانخراط المدرسي في مجتمعات الروما.
وتحاول رومانيا معالجة هذه التحديات على مستوى السياسات. فاستراتيجية إدماج الروما الوطنية للفترة 2021 إلى 2027 تضع التعليم في صميم جهود الإدماج، مع التزامات منها منهجية وطنية لإلغاء العزل المدرسي وتوسيع تعليم الطفولة المبكرة. ومن التدابير الإضافية تخصيص أماكن لطلاب الروما في المرحلة العليا من التعليم الثانوي وبرامج جديدة للحدّ من التسرّب المدرسي. وبينما أسهمت بعض الابتكارات التي قادتها منظمات غير حكومية في توجيه سياسات على مستوى النظام، كبرامج الفرصة الثانية، يظل معظمها مجزّأً ومعتمداً على تمويل المانحين، مما يحدّ من قابليتها للتوسّع والاستدامة. وكثيراً ما عملت المشاريع آليات دعم موازية بدلاً من أن تكون مكوّنات مدمجة في السياسة الوطنية. ويمكن استخدام التمويل الحديث من مرفق التعافي والصمود التابع للاتحاد الأوروبي، ولا سيما لدعم البرنامج الوطني للحدّ من التسرّب المدرسي للفترة 2021 إلى 2026، لتعزيز الاستجابات المنهجية وإفادة طلاب الروما في رومانيا.
رواندا: معالجة أثر التوسّع الكبير في الالتحاق
عاشت رواندا إحدى أسوأ الفظائع في القرن العشرين. فقد أسفرت الإبادة الجماعية ضد التوتسي في عام 1994 عن مقتل نحو 800 ألف شخص وتسببت في نزوح جماعي. كما ألحقت أضراراً جسيمة بالنظام التعليمي الوطني: فدمّرت البنية التحتية المدرسية، وقتلت المعلمين وشرّدتهم، وخلّفت ندوباً نفسية في المجتمع التعليمي. وكان لها أثر مباشر في التحصيل التعليمي لمن عاشوها، قُدّر في البداية بفقدان نصف سنة من التعليم، ثم عُدّل لاحقاً بالزيادة إلى 1.2 سنة. بل وثّقت دراسات الأثر التعليمي على الأطفال الذين كانوا في أرحام أمهاتهم آنذاك.
ويُظهر تحليل التعدادات والمسوح الأسرية منذ عام 2000 حجم الأثر في التنمية التعليمية. فطوال الثمانينيات وحتى الإبادة الجماعية، كان معدل إتمام التعليم الابتدائي ينمو بمعدل نقطة مئوية واحدة سنوياً، وكان قد بلغ 49% بحلول عام 1994 إذا احتُسب من يُتمّون متأخرين جداً. ويُقدَّر أن معدل إتمام التعليم الابتدائي انخفض بمقدار الثلث، ليبلغ أدنى مستوياته عند 33% بحلول عام 2000. ومنذ ذلك الحين، وضعت الجهود الحكومية المستدامة، التي جعلت التعليم في صميم أجندة التنمية، بدعم خارجي قوي، رواندا على مسار متسارع. فقد نما معدل إتمام التعليم الابتدائي بمقدار نقطتين مئويتين سنوياً، أي ضعف المعدل قبل الإبادة الجماعية. وبحلول عام 2024، يُقدَّر أن نحو 69% من الفئة العمرية من 14 إلى 16 عاماً، أي من تزيد أعمارهم بثلاث إلى خمس سنوات على سن التخرج الرسمية، كانوا يُتمّون المدرسة الابتدائية، وإن كان يُقدَّر أن نحو 81% يُتمّونها في نهاية المطاف إذا احتُسب من يُتمّون متأخرين جداً. غير أن هذا التقدير قد يحتاج إلى تعديل في ضوء التطورات التي حدثت بعد عام 2020.
وقد تذبذبت هذه الفجوة بين معدلي إتمام التعليم الابتدائي «في الوقت المحدد» و«النهائي» حول خمس عشرة نقطة مئوية خلال السنوات الأربعين الماضية. وهي فجوة كبيرة تدل على أن إعادة الصفوف تحدٍّ كبير ومستمر. فلم يُتمّ المدرسة الابتدائية في ست سنوات سوى 38% من الطلاب. وانخفض معدل إعادة الصفوف من 18% في عام 2007 إلى 12.5% في عام 2012. وبعد ارتفاع قصير الأجل بين عامَي 2012 و2016، انخفض أكثر ليبلغ 10% في عام 2018. لكن معدل إعادة الصفوف قفز إلى 30% في عام 2021. وبحسب الصف، تبلغ إعادة الصفوف أعلى مستوياتها في الصفين الأول والخامس. وكان أثر هذا الاختناق انخفاض عدد الطلاب الذين تقدّموا للامتحان النهائي في الصف السادس بنسبة 28% بين عامَي 2019 و2023.
وقد نُظر إلى التعليم في رواندا بوصفه حيوياً لتعافي الأمة. وأُعطي الأولوية بوصفه محرّكاً للمصالحة وإعادة الإعمار والتقدّم الاجتماعي الاقتصادي. وكانت تحسين البنية التحتية وإعادة تدريب المعلمين ومراجعة المناهج لتعزيز الوحدة والسلام من الأولويات المبكرة. وعكست إطارا رؤية 2020 ورؤية 2050 والسياسات اللاحقة التزاماً بـ«عدم ترك أي طفل خلف الركب» شكّل السياسات والتدخلات التعليمية. ومن المعالم الرئيسية إدخال التعليم الابتدائي المجاني لست سنوات في عام 2003، وتمديده إلى تسع سنوات في عام 2007 ليشمل المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي. ويفسّر هذا التغيير في السياسات الارتفاع الحاد في معدل النجاح في امتحان المرحلة الابتدائية من 22% في عام 2007 إلى 74% في عام 2008. وتعاقبت خطط استراتيجية خمسية لقطاع التعليم بدءاً من عام 2004، غطّت أحدث خطتين منها الفترتين 2018/2019 إلى 2023/2024، و2024 إلى 2029.
ووضعت الحكومة الحكم الرشيد والمساءلة والتنمية في صميم سعيها إلى الشرعية السياسية في جميع القطاعات، بما فيها التعليم. وفي إطار إصلاح اللامركزية الذي بدأ في عام 2000، نقلت الحكومة المركزية، مع احتفاظها بالإشراف على التخطيط ووضع السياسات والمعايير والرصد، مسؤوليات إلى الأقضية عبر عملية حوكمة موجّهة نحو النتائج قائمة على عقود أداء تُعرف بـ«إيميهيغو»، يُنسب إليها الفضل في التقدّم المبكر في تقديم الخدمات. ومع ذلك، حدث انخفاض ملحوظ في التمويل، إذ انخفضت حصة التعليم من إجمالي الإنفاق العام تدريجياً من 18.8% في عام 2000 إلى 15.6% في عام 2008، و13.7% في عام 2014، و10.8% في عام 2018. وأوجد ذلك تحديات دفعت الحكومة إلى رفع حصة التعليم من إجمالي الإنفاق العام إلى متوسط قدره 14% بين عامَي 2021 و2025 لمعالجة ثلاثة مجالات رئيسية: البنية التحتية والمعلمين والتغذية المدرسية.
وكان التقدّم في بناء مدارس ابتدائية جديدة بطيئاً حتى أواخر العقد الثاني من هذا القرن. فقد بُنيت في المتوسط أربعون مدرسة ابتدائية سنوياً خلال العقد الأول، ولم يرتفع العدد إلا قليلاً إلى خمسين مدرسة سنوياً في العقد الثاني. وأصبح اكتظاظ الفصول، حتى مع انتشار نظام الدوامين، مشكلة خطيرة. فقد ارتفعت نسبة الطلاب إلى الفصول في المدارس الابتدائية الحكومية والمدعومة حكومياً من 60 طالباً للفصل في عام 2005 إلى 83 في عام 2020، بين 107 في المدارس الحكومية و72 في المدارس المدعومة حكومياً. وفي إطار الخطة الاستراتيجية لقطاع التعليم للفترة 2018/2019 إلى 2023/2024، وبدعم من قرض ميسّر من البنك الدولي، بُنيت نحو 1,100 مدرسة جديدة رغم اضطراب جائحة كوفيد 19. وهذا يزيد بمائتي مدرسة في خمس سنوات على ما بُني في السنوات العشرين السابقة. وتضاعف إجمالي عدد المدارس الابتدائية العامة تقريباً، من 726 مدرسة في عام 2017 إلى 1,327 في العام 2022/2023، وارتفعت حصتها من 25% إلى 35%، إذ ظل عدد المدارس الدينية دون تغيير يُذكر. وتوسّع عدد الفصول، الذي نما بمقدار 15 ألف فصل بين عامَي 2007 و2018، بمقدار 22,500 فصل في هذه الفترة، مما ساعد على عودة نسبة الطلاب إلى الفصول إلى 60 طالباً للفصل في عام 2024. فضلاً عن ذلك، شهدت الفترة بين عام 2017 والعام 2022/2023 تحسّنات سريعة في مؤشرات جودة البنية التحتية المدرسية الأخرى: الكهرباء من الشبكة، من 56% إلى 78%، والوصول إلى مياه الشرب الآمنة، من 46% إلى 69%، والوصول إلى مياه الصنابير، من 53% إلى 80%، ودورات المياه المنفصلة لكل جنس، من 71% إلى 96%. وانخفضت نسبة الطلاب إلى المقاعد من خمسة طلاب للمقعد إلى طالبين.
وقد يسّر التوسّع السريعَ ابتكارٌ محلي. ففي عام 2009، أدخلت الحكومة نهج البناء المدرسي المحلي، وهو حل متميز يعتمد بقوة على التعبئة المجتمعية الواسعة، مقترناً بدعم فعّال من الحكومة المركزية والمحلية في التخطيط والتمويل والرصد. وبُنيت جميع الفصول والمدارس الجديدة بهذا النهج. ومن السمات الرئيسية للبرنامج البناء خارج الموقع، إذ بُنيت الفصول وفق تصاميم عالية الجودة ونمطية وموحّدة وجُهّزت مسبقاً في مصانع مخصصة، مما أتاح إعداد المواقع في الوقت نفسه واختصر الجدول الزمني الإجمالي للمشروع بنسبة تتراوح بين 30% و50%: فقد سُلّمت جميع المباني في ستة أشهر. وبلغت تكلفة بناء الفصل نحو مائة دولار أمريكي للمتر المربع، مقارنة بـ2,700 دولار للمتر المربع في المشاريع التقليدية الممولة خارجياً. واستُعين بمقاولين محليين صغار ومتوسطين، مما عزّز الاقتصادات المحلية. وتمتع مسؤولو التعليم المحليون والمجتمعات المحلية باستقلالية المبادرة لمعالجة مشكلات التنفيذ عند ظهورها.
واتُّخذ منذ عام 2019 إجراء حاسم مماثل بشأن توظيف المعلمين. فبين عامَي 2000 و2019، ارتفع الالتحاق بالمدارس الابتدائية بنسبة 75%، من 1.4 مليون إلى 2.5 مليون طالب، لكن عدد المعلمين لم يرتفع إلا بنسبة 66%، من 26,500 إلى 43,900. وقد لوحظت تحديات في جذب المعلمين والاحتفاظ بهم في المناطق الريفية. ويُقدَّر أن 20% من المعلمين كانوا يتركون وظائفهم كل عام. وفي عام 2019، حددت الحكومة غاية توظيف 29 ألف معلم. وبين عامَي 2019 و2021، ازداد عدد المعلمين بمقدار 17 ألفاً، أي أنه وُظّف في عامين عدد من المعلمين يعادل ما وُظّف في السنوات العشرين السابقة. ووُظّف ثمانية آلاف آخرون بحلول عام 2023، في حين كان من المتوقع توظيف خمسة آلاف معلم إضافي في العام 2024/2025. ولم تكن حملة التوظيف الضخمة هذه يسيرة. ففي جولتين متتاليتين في ديسمبر 2019 ويوليو 2020، لم ينجح في امتحان التوظيف سوى 2% و15% من المتقدمين على التوالي. واضطرت الحكومة إلى تغيير معايير التوظيف: فصار المتقدمون يُوظَّفون على أساس سجلهم الأكاديمي وحده، لكن يُعيَّنون بعقود تجريبية مدتها سنة واحدة.
والسياسة الثالثة واسعة النطاق التي نفّذتها الحكومة في السنوات الأخيرة هي التغذية المدرسية، التي ثبت أن لها أثراً إيجابياً في تحصيل الطلاب. فقد وُسّع البرنامج الوطني في العام 2020/2021، وبحلول العام 2022/2023 كان 93% من تلاميذ المدارس الابتدائية يستفيدون من الوجبات المدرسية. والأهم أن الحكومة كانت تغطي 93% من التكلفة من أموالها الخاصة، بعد أن ضاعفت حجم مساهمتها ثلاث مرات. وفي سبتمبر 2022، حدّد توجيه جديد سقفاً لمساهمات الآباء في التغذية المدرسية عند 975 فرنكاً رواندياً للفصل الدراسي، أي 0.60 دولار أمريكي، للحدّ من الفوارق ودعم الأسر المستضعفة.
وفي ضوء هذه التطورات المهمة، قد يبدو الارتفاع الأخير في إعادة الصفوف وما يقابله من تراجع في المشاركة في امتحان التخرج، اللذان يبطئان التقدّم السريع المحقق بين عامَي 2000 و2019، أمراً مخالفاً للتوقعات. ومن الممكن أن تكون جائحة كوفيد 19 قد أدّت دوراً في الاختناقات الملحوظة. غير أن السبب الرئيسي يبدو تغيّراً في سياسة لغة التدريس.
فرواندا بلد غير مألوف بين البلدان الأفريقية لوجود لغة وطنية واحدة يتحدثها الجميع، هي الكينيارواندية. ومع ذلك، أُعلنت لغةً للتدريس في الصفوف من الأول إلى الثالث فقط عند الاستقلال في عام 1962، تليها الفرنسية في الصفوف الأعلى. وبين عامَي 1978 و1991، سُمّيت الكينيارواندية لغة التدريس طوال سنوات التعليم النظامي الثماني. وفي أعقاب الإبادة الجماعية في عام 1994، أُضيفت الإنجليزية إلى الفرنسية لغةً للتدريس في عام 1996، وسُمّيت لغة رسمية في دستور عام 2003. وفي عام 2008، فُرضت الإنجليزية لغة للتدريس في جميع مستويات المؤسسات التعليمية. ولأن هذه الخطوة لم تكن مستدامة تربوياً، أُعيدت الكينيارواندية لغةً للتدريس في الصفوف الابتدائية الأولى في عام 2011. غير أنه في عام 2019، فرضت السياسة الوطنية للغة التدريس مرة أخرى استخدام الإنجليزية وسيلةً للتدريس اعتباراً من الصف الأول. وقد حظيت الصلة بين اللغة وإعادة الصفوف باهتمام سياسي، وكان التعليم العلاجي واسع النطاق أحد التدابير المتخذة لمعالجة هذا التحدي.
ترينيداد وتوباغو: السعي إلى تعميم إتمام التعليم الثانوي منذ التسعينيات
في التسعينيات، كانت معدلات المشاركة في التعليم الثانوي في ترينيداد وتوباغو متأخرة عن معدلات بلدان كاريبية أخرى ناطقة بالإنجليزية أقل ثراءً. فمثلاً، لم يتجاوز معدل الانتقال إلى التعليم الثانوي في توباغو 40%. واستجابة لذلك، عبّر الكتاب الأبيض الحكومي بشأن السياسة التعليمية للفترة 1993 إلى 2003 عن التزام الحكومة بسياسة تعميم التعليم الثانوي، مصحوبة بمجموعة من الإصلاحات. وبين عامَي 2000 و2010، ارتفع معدل إتمام المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي بعشر نقاط مئوية، فتقلّصت الفجوة التي كانت تفصله عن بربادوس من 16 إلى 5 نقاط مئوية، وعن جامايكا من 9 إلى نقطتين مئويتين. وحدثت زيادة مماثلة في إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي، وإن استقرت بعد عام 2010 حتى السنوات الأخيرة.
وعلى خلاف البلدان الكاريبية الأخرى الناطقة بالإنجليزية، التي حافظت على نظام التعليم الثانوي ذي الحلقة الواحدة الموروث من الحقبة الاستعمارية، كانت ترينيداد وتوباغو أحد بلدين، إلى جانب جزر البهاما، أدخلا نظاماً للتعليم الثانوي بحلقتين، دنيا وعليا، مكمّلاً للحلقة الثانوية الواحدة القائمة من قبل لا بديلاً عنها. وكان الهدف من إدخال نظام الحلقتين تيسير الانتقال من المرحلة الدنيا إلى المرحلة العليا من التعليم الثانوي، والمساعدة على توجيه اختيار المواد في المرحلة العليا.
ويسّر توسيعَ التعليم الثانوي مشروعان كبيران لبنك التنمية للبلدان الأمريكية: برنامج تحديث التعليم الثانوي للفترة 1999 إلى 2009، وهو قرض بقيمة 150 مليون دولار أمريكي مع تمويل حكومي مقابل قدره 45 مليون دولار، ومشروع التعليم المتصل للفترة 2009 إلى 2019، وهو قرض بقيمة 62 مليون دولار مع تمويل حكومي مقابل قدره 14 مليون دولار؛ وقد غطّى الأخير النظام التعليمي بأكمله، وشمل تدريب المعلمين ومديري المدارس، ومسائل الحوكمة المؤسسية، ومحتوى المناهج. وهدفت التدخلات إلى تيسير الوصول إلى التعليم العالي.
وبين عامَي 2002 و2007، بُنيت 23 مدرسة ثانوية جديدة، أساساً في المناطق الريفية والمحرومة من الخدمات. وأُضيفت هذه المدارس، التي أُنشئت في إطار برنامج تحديث التعليم الثانوي، إلى رصيد المدارس الثانوية الأكاديمية، أي المدارس الثانوية التقليدية التي أُنشئت خلال الحقبة الاستعمارية البريطانية، والمدارس الثانوية الحديثة التي أُنشئت في عام 1959، والمدارس الشاملة التي أُنشئت في عام 1972. وساعدت زيادة الطاقة الاستيعابية للمدارس على إلغاء نظام الدوامين وإدخال يوم دراسي أطول. وفي العام 2019/2020، كانت ثمة 90 مدرسة ثانوية حكومية، و44 مدرسة مدعومة حكومياً، و55 مدرسة خاصة؛ وتستوعب الأخيرة نحو 12% من الطلاب.
وفي الوقت نفسه، أدى تكاثر أنواع المدارس المختلفة إلى تجزئة التعليم الثانوي بحسب السمعة والأداء، مع أثر سلبي في الإنصاف. فالمدارس الأصغر، الواقعة عادة في المناطق الريفية، تميل إلى الاعتماد على عدد أقل من المعلمين المتفرغين والمعتمدين، وتضم تركّزاً أعلى من الطلاب منخفضي الأداء. والانقسام الرئيسي قائم بين المدارس الحكومية والمدارس المدعومة حكومياً، التي تديرها هيئات خاصة، دينية في العادة، وتدرّس المنهج الوطني نفسه لكنها ممولة من القطاع الخاص، باستثناء رواتب المعلمين. وتتمتع المدارس المدعومة، وكلها تقريباً غير مختلطة، بسمعة أعلى، وتعتمد على معلمين ذوي مؤهلات أعلى، وتجتذب الطلاب الحاصلين على أعلى الدرجات.
ورغم الجهود المبذولة لتجاوز إرث نظام نخبوي، لا يزال تقييم الدخول إلى المرحلة الثانوية في نهاية الحلقة الابتدائية الممتدة سبع سنوات، من سن الخامسة إلى الحادية عشرة، يحدد المسار التعليمي للطلاب مبكراً، مما يديم الارتباط بين الوضع الاجتماعي الاقتصادي والفرص التعليمية. ويُوزَّع الطلاب على المدارس الثانوية بحسب درجاتهم في الاختبار، وأفضلياتهم الأربع الأولى من المدارس، والطاقة الاستيعابية للمدارس. وتوزّع خوارزمية حاسوبية الطلاب تدريجياً على المدارس حتى تُملأ جميع الأماكن ويُسنَد كل طالب إلى مدرسة. وتتمتع المدارس الثانوية المدعومة حكومياً بامتياز اختيار ما يصل إلى خُمس طلابها، مما يثير مخاوف من المحاباة، في حين تُوزَّع الأماكن المتبقية وفق الخوارزمية الحاسوبية.
ويعبّر الطلاب عن أفضلياتهم المدرسية بحسب الانتماء الديني والقرب الجغرافي والسمعة، مع تفضيل المدارس التقليدية عادة على المؤسسات الأحدث. ويقدّر الطلاب هذه المدارس، رغم أنها لا يبدو أنها تضيف إلى تعلّم الطلاب أكثر من غيرها بعد ضبط خصائص خلفياتهم. لكنهم يحاولون تجنّب المدارس الأقل مكانة لأنهم يربطونها ببيئة مدرسية سلبية، تشمل التنمّر والعنف. وقد أعاد تصنيف المدارس بحسب السمعة وأداء الطلاب تشكيل الفصل بين الطلاب والتفاوت بينهم في إطار تعميم التعليم الثانوي.
ويُحدث تقييم الدخول إلى المرحلة الثانوية اختناقاً في النظام، إذ يُطلب من نحو 5% من الطلاب إعادة الامتحان إذا قلّت درجاتهم عن حدّ أدنى معيّن. ويعتبر النظام أن هؤلاء الطلاب لم يتقنوا بعد الكفايات الأساسية ويحتاجون إلى الدعم للاستعداد للتعليم الثانوي. وينعكس ذلك في الإحصاءات الوطنية التي تُظهر قفزة في الالتحاق في سن الحادية عشرة.
وفي نهاية الحلقة الدنيا من التعليم الثانوي الممتدة ثلاث سنوات، من سن الثانية عشرة إلى الرابعة عشرة، كان الطلاب يتقدّمون لامتحان الشهادة الوطنية للتعليم الثانوي منخفض المخاطر، الذي ساعد بعض الطلاب الراغبين في ترك المدرسة قبل إنهاء الحلقة كاملة على الحصول على شهادة. وقد أُلغي تدريجياً منذ عام 2023، واستُعيض عنه بامتحان قائم على العيّنات يتماشى مع التقييمات الدولية للطلاب. وفي نهاية الحلقة العليا من التعليم الثانوي الممتدة سنتين، في سن الخامسة عشرة والسادسة عشرة، يتقدّم الطلاب لامتحان شهادة التعليم الثانوي الكاريبية للحصول على شهادة إتمام المدرسة الثانوية، التي تتيح لهم الوصول إلى التعليم العالي. وتقدّم بعض المدارس الثانوية سنتين إضافيتين، في سن السابعة عشرة والثامنة عشرة، يمكن للطلاب في نهايتهما التقدّم لامتحان الكفاءة المتقدمة الكاريبي.
وفي نظام يقوم على التوزيع المبكر على المسارات والامتحانات التنافسية، يعاني الطلاب الأكثر حرماناً لتحقيق نتائج جيدة. فيبدو أن إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي ركد عند نحو 85% منذ عام 2010، لكن ثمة فجوة قدرها اثنتا عشرة نقطة مئوية بين الفتيان والفتيات، وست وعشرون نقطة مئوية بين الطلاب من أفقر الأسر وأغناها. ولا تزال الخلفية الاجتماعية الاقتصادية المحدد الرئيسي للحصول على شهادة التعليم الثانوي الكاريبية، ولا يزال الفتيان من أفقر الأسر في وضع غير مواتٍ إلى حدّ كبير. فهم أكثر ميلاً إلى التغيّب وإعادة الصفوف والأداء الضعيف بسبب الأعراف الاجتماعية، بما في ذلك داخل النظام التعليمي. وبحسب قاعدة البيانات العالمية لأوجه عدم المساواة في التعليم، لا يُتمّ المرحلة العليا من التعليم الثانوي سوى 57% من أفقر الفتيان.
وأدخلت ترينيداد وتوباغو عدداً من المبادرات الاجتماعية لتحسين الإنصاف. فمنذ عام 2011، يستفيد بعض الطلاب من النقل العام المجاني، في حين يضمن برنامج لتأجير الكتب المدرسية حصول طلاب المرحلة الثانوية على مواد تعليمية ميسورة التكلفة على قدم المساواة. فضلاً عن ذلك، يقدّم برنامج للتغذية المدرسية وجبتين مجانيتين يومياً للأطفال الذين تتلقى أسرهم مساعدات اجتماعية ولجميع الطلاب الريفيين تقريباً. وفي العام 2022/2023، مثّل هؤلاء 21% من طلاب المرحلة الثانوية.
وتولي ترينيداد وتوباغو أيضاً اهتماماً بالتعليم والتدريب التقني والمهني، الذي أُهمل بسبب مزيج من نقص المعلمين وقيود التمويل. فالتعليم المهني جزء من منهج المرحلة الثانوية منذ زمن طويل، وهو متاح أيضاً على مستوى ما بعد الثانوي. غير أنه يقيّد الوصول أمام الطلاب غير الحاصلين على شهادة ثانوية، مما ينعكس سلباً على سمعته. وتحدد السياسة الوطنية للتعليم للفترة 2023 إلى 2027 إصلاحاً للمناهج التقنية والمهنية يعكس التقنيات الحديثة، ويعيد إطلاق صورة القطاع بوصفه جزءاً من المرحلة العليا من التعليم الثانوي، ويوسّع الوصول والإدماج.
أوغندا: طموح عمره ثلاثون عاماً لا يزال بعيداً عن التحقق
واجهت أوغندا تحديات متعددة فيما يتعلق بالتعليم. ففي حقبة ما بعد الاستقلال، أعاق عقدان من الحرب الأهلية التقدّم. وبينما دخلت فترة من الاستقرار السياسي النسبي في عام 1986، استمر النزاع العنيف عشرين عاماً أخرى، ولا سيما في شمال البلد، حيث أدى النزاع مع جيش الرب للمقاومة إلى نزوح جماعي إلى المخيمات وتجنيد قسري للأطفال. وقد عاد معظم النازحين داخلياً إلى ديارهم بعد انتهاء الأعمال العدائية في عام 2006.
وكانت أوغندا من أوائل المدافعين عن حركة التعليم للجميع في أفريقيا. فقد اقترن إدخال تعميم التعليم الابتدائي في عام 1997 بإلغاء الرسوم المدرسية. وارتفع الالتحاق من 3.1 مليون في عام 1996 إلى 5.3 مليون في عام 1997 و7.6 مليون في عام 2003. غير أن بيانات المسوح الأسرية توحي بأنه لم تتحقق مكاسب كبيرة مقابلة في الإتمام كما كان متوقعاً من طفرة الالتحاق غير المسبوقة هذه. والواقع أن معدل إتمام التعليم الابتدائي كان قد بدأ يرتفع قبل سياسة التعميم. فبين عامَي 1990 و2000، ارتفع معدل الإتمام النهائي للتعليم الابتدائي، الذي يشمل من يُتمّون متأخرين جداً، بمقدار 1.2 نقطة مئوية سنوياً، من 39% إلى 51%، لكن التقدّم تباطأ في العقد الأول من هذا القرن إلى 0.9 نقطة مئوية سنوياً، ليبلغ 60% في عام 2010. ويوحي تحليل المسوح بعد عام 2010 بأن أوغندا دخلت عندئذ فترة من الركود. وبينما اقتربت في عام 2004 إلى حدود ثلاث نقاط مئوية من متوسط أفريقيا جنوب الصحراء، ظلت تبتعد عنه منذ ذلك الحين.
ومن السمات المميزة لنمط الالتحاق في أوغندا الالتحاق بعد تجاوز السن المناسبة. فيُفترض أن يبلغ الطلاب الصف السابع في سن الثانية عشرة. ولأن الالتحاق المتأخر وإعادة الصفوف منتشران في البلدان منخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، يُعرَّف معدل الإتمام رسمياً على من تزيد أعمارهم بثلاث إلى خمس سنوات على سن التخرج، أي الفئة العمرية من 15 إلى 17 عاماً، حتى لا يُقدَّر التقدّم بأقل من حقيقته. لكن كما تُظهر تقديرات التحصيل بحسب العمر في كل مسح أسري، لا يُتمّ التعليم الابتدائي بحلول سن 15 إلى 17 سوى جزء من الأطفال. بل إن هذه الظاهرة تزداد سوءاً، إذ تطول «ذيول» تقديرات معدلات التحصيل هذه بمرور الوقت. وبلغ متوسط معدل إعادة الصفوف في أوغندا 11% بين عامَي 2000 و2017، رغم سياسة الترفيع التلقائي التي ألغتها الحكومة في مارس 2026.
ويعود آخر بيانات الالتحاق الخاصة بأوغندا في قاعدة بيانات معهد اليونسكو للإحصاء وآخر خلاصة تعليمية نشرتها وزارة التعليم والرياضة إلى عام 2017، مما يحول دون التحقق من هذه التقديرات بمقارنتها بالبيانات الإدارية. غير أن مسوحاً أخرى، لم يتمكّن فريق التقرير العالمي لرصد التعليم من تحليل بياناتها الجزئية لكنها نشرت تقديرات لمؤشرات ذات صلة في تقاريرها، يبدو أنها تؤكد ركود التنمية التعليمية في أوغندا في السنوات القليلة الماضية.
أولاً، توحي مقارنة معدلات ارتياد المراهقين، من سن 13 إلى 18، والشباب، من سن 19 إلى 24، بين جولتي المسح الأسري الوطني للعامين 2016/2017 و2019/2020 بعدم تحقق أي تقدّم في ثلاث سنوات. ثانياً، يُظهر تقرير المسح الديموغرافي والصحي لعام 2022، الذي يتضمن تقديرات التحصيل لأفواج خمسية، أي من هم في سن 20 إلى 24 ومن هم في سن 30 إلى 34، أن نسبة من أتمّوا التعليم الابتدائي على الأقل ارتفعت بين النساء من 53% إلى 59%، وانخفضت بين الرجال من 61% إلى 58% خلال عشر سنوات.
ثالثاً، أفاد المسح الوطني لتقديم الخدمات لعام 2021 بانخفاض صافي معدل الالتحاق بالتعليم الابتدائي من 78% في عام 2015 إلى 73% في عام 2021، وارتفاع نسبة الأطفال من سن السادسة إلى الثانية عشرة الذين لم يرتادوا المدرسة قط من 8% إلى 15%. رابعاً، أظهر تقرير تقييم يقوده المواطنون أن نسبة الأطفال في سن الرابعة عشرة الذين بلغوا الصف السابع انخفضت من 13% في عام 2020 إلى 10% في عام 2024. وبينما ربما أدّى الإغلاق الطويل للمدارس على نحو استثنائي بسبب جائحة كوفيد 19، وهو الأطول في أفريقيا، دوراً في ذلك، توحي تقديرات المسح الأسري الوطني والمسح الديموغرافي والصحي بأن الركود بدأ قبل ذلك بكثير.
وكان لمكتب أوغندا للإحصاء دور أساسي في إجراء عدة مسوح أسرية ومسوح للمرافق جيدة النوعية خلال السنوات الثلاثين الماضية وإتاحة بياناتها للجمهور، مما أتاح تقييم سياسة تعميم التعليم الابتدائي. ونظرت معظم الدراسات الأولى في الآثار قصيرة الأجل. فمثلاً، أبرزت التضييق الكبير في فجوات ارتياد المدارس الابتدائية بحسب الجنس والمنطقة والدخل في أواخر التسعينيات، وزيادة قدرها 3% في احتمال أن يبدأ الأطفال المدرسة الابتدائية بحلول سن التاسعة، وزيادة في تحصيل الفتيات بنحو 1.4 سنة. لكن التقييمات الأحدث كانت متشككة في الأثر طويل الأجل للسياسة.
وقُيّم تنفيذ سياسة تعميم التعليم الابتدائي تقييماً شاملاً على المستوى المحلي في ستة تقارير مواضيعية أعدّتها الهيئة الوطنية للتخطيط، تناولت ستة محاور هي المؤسسات والمناهج والمعلمون والمفتشون والتمويل والنمذجة. والحوكمة مسألة رئيسية. فنحو وقت إطلاق سياسة التعميم في عام 1998، نفّذت أوغندا برنامجاً واسعاً للامركزية، نقل إدارة التعليم الابتدائي لتقديم الخدمات إلى مجالس الأقضية، في حين تولّت وزارة التعليم والرياضة السياسات والمعايير وإعداد المعلمين والمناهج والامتحانات. غير أن نهج نقل الصلاحيات هذا، مع استقلالية محدودة نسبياً في الإدارة المالية، عُدّ غير فعّال بمعنى أنه حال دون تنفيذ متّسق للإصلاحات.
ويمكن القول إن من أكبر العوائق أمام تحسين التعليم في أوغندا ما يتعلق بالتمويل. فقد ارتفع الإنفاق العام على التعليم كحصة من إجمالي الإنفاق العام من 14% في عام 1990 إلى 25% في عام 1998 لدعم تنفيذ سياسة التعميم. غير أن مستويات الإنفاق انخفضت لاحقاً انخفاضاً كبيراً، إلى ما دون المعيارين الدوليين الأدنيين كليهما، أي 4% على الأقل من الناتج المحلي الإجمالي و15% على الأقل من إجمالي الإنفاق العام. فبين عامَي 2011 و2022، ارتفع الإنفاق العام على التعليم كحصة من الناتج المحلي الإجمالي ارتفاعاً طفيفاً من 2.3% إلى 2.6%، لكنه انخفض كحصة من إجمالي الإنفاق العام من 13.6% إلى 8.5%، وكلاهما من أدنى مستويات الإنفاق في أفريقيا جنوب الصحراء وفي العالم. ويوحي أحدث تقدير بأن الإنفاق انخفض أكثر ليبلغ 6.6% من إجمالي الإنفاق العام في العام 2024/2025. كما انخفضت حصة التعليم ما قبل الابتدائي والابتدائي من إجمالي الإنفاق انخفاضاً حاداً في الآونة الأخيرة، من 51% في العام 2017/2018 إلى 29% في العام 2024/2025.
وتُخصَّص المنح الفردية للحكومات المحلية لتغطية النفقات المدرسية المتكررة غير المتعلقة بالأجور. وقد صعّب صغر حجمها وضعف تركيزها على تحقيق المساواة على الأقضية الأفقر الحفاظ على الجودة، مما أدى إلى استمرار التفاوت في الوصول. وفي عام 2018، قُدّر أن تحقيق تعميم تعليم ابتدائي جيد يتطلب رفع الإنفاق لكل تلميذ من عشرة آلاف شلن أوغندي، أي ثلاثة دولارات أمريكية، إلى ما لا يقل عن 59 ألفاً إلى 63 ألف شلن للمدارس الريفية والحضرية، أي نحو ستة دولارات أمريكية. وكانت مخصصات المدارس الابتدائية للعام 2025/2026 لا تزال 18 ألف شلن لكل تلميذ، أي 4.75 دولار أمريكي، مما يعني أن المدارس تعتمد على مساهمات جمعيات أولياء الأمور والمعلمين لتغطية النفقات الأساسية. ولا تزال الرسوم تُفرض، حتى في المدارس الابتدائية العامة. ووجد تقرير للمراجع العام أن أكثر من نصف المدارس لا تزال تفرض رسوماً. وذكرت 60% من الأسر أن تكلفة الدراسة هي السبب الرئيسي للتسرّب.
ويُفسَّر جزء على الأقل من هذا التراجع في الإنفاق العام بأن حصة المؤسسات الخاصة من إجمالي الالتحاق بالتعليم الابتدائي ارتفعت بسرعة، من 6% في عام 1997 إلى 10% في عام 2007 و20% في عام 2017 بحسب قاعدة بيانات معهد اليونسكو للإحصاء. وأفاد المسح الوطني لتقديم الخدمات لعام 2021 بأن 33% من تلاميذ المدارس الابتدائية كانوا يرتادون مؤسسات خاصة. وفي المناطق الحضرية، كالعاصمة كمبالا، 84% من جميع مدارس ما قبل الابتدائي والابتدائي والثانوي خاصة. وبناءً على ذلك، فإن أوغندا من البلدان ذات أعلى حصة للتعليم من الإنفاق الاستهلاكي للأسر. فبحسب المسح الأسري الوطني في البلد، ارتفعت حصة التعليم من الإنفاق الاستهلاكي للأسر من 5% في العام 2012/2013 إلى 7.8% في العام 2016/2017، و8.5% في العامين 2019/2020 و2023/2024، في حين يبلغ المتوسط العالمي 2.1% ومتوسط البلدان منخفضة الدخل 0.9%.
وقد وُثّق جيداً أن الإنفاق المنخفض يؤدي إلى تدنّي جودة التعليم بما يعجّل بالتسرّب. فمن حيث البنية التحتية، تجاوزت بعض المناطق بكثير الغاية المحددة لنسبة التلاميذ إلى الفصول البالغة 53 تلميذاً للفصل، ومنها المنطقة الوسطى بنسبة 65، والمنطقة الشرقية بنسبة 76، والمنطقة الشمالية وغرب النيل بنسبة 107. وبين عامَي 1997 و2003، ارتفع عدد المعلمين بنحو 80%، لكن عدد التلاميذ ارتفع بنحو 150%، وهي مشكلة لم تُحلّ قط. وفي عام 2024، بلغت نسبة التلاميذ إلى المعلمين في المدارس الابتدائية العامة ستين تلميذاً للمعلم، وكان لدى 37 سلطة حكم محلي من أصل 177 متوسط نسبة لا يقل عن ثمانين تلميذاً للمعلم. وباستثناء كمبالا، يبلغ متوسط نسبة التلاميذ إلى المعلمين في الأقضية الاثني عشر التي تستضيف مليوني لاجئ من بلدان وسط أفريقيا وشرقها المجاورة 81 تلميذاً للمعلم. وثلاثة من هذه الأقضية، هي كوبوكو ومادي أوكولو وتيريغو، من بين ثمانية أقضية تتجاوز فيها النسبة مائة تلميذ للمعلم، وهو ما يذكّر بسخاء أوغندا وبتحديات توفير الوصول إلى التعليم للجميع في آن معاً.
تحليل السياسات
أجبر عقدان من برامج التكيّف الهيكلي البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل على خفض الإنفاق العام وإيقاف تنميتها التعليمية. ومع الرفع التدريجي لقيود الإنفاق هذه في أواخر التسعينيات، تسارع الوصول إلى التعليم الابتدائي والثانوي في مطلع الألفية. ومع تراجع أعداد الأطفال والمراهقين والشباب غير الملتحقين بالمدارس، صدر تقييمان متفائلان نحو عام 2010. أولهما أن هذا الاتجاه سيستمر؛ ومن ثمّ اتُّخذ قرار إدراج الغاية الطموحة المتمثلة في تعميم المرحلة العليا من التعليم الثانوي، أي اثنتي عشرة سنة من التعليم، في خطة التنمية المستدامة لعام 2030. وثانيهما أن هذا التوسّع غير المسبوق سيكون خالياً من الآثار الجانبية؛ غير أن ارتفاع إعادة الصفوف والالتحاق بعد تجاوز السن المناسبة ومعدلات التسرّب أعقب ذلك، إضافة إلى المخاوف الواسعة من تراجع الجودة. ومنذ ذلك الحين حلّ قدر من التشكك محل التفاؤل.
ومع ذلك، وكما أظهرت دراسات الحالة، تحدّت عدة بلدان الاختناقات وحافظت على معدلات توسّع تعليمي سريعة طوال السنوات الخمس والعشرين الماضية. وتقدّم دراسات الحالة روايات مختلفة تفسّر كيف تحقق التقدّم. ويدمج هذا القسم هذه الدروس مع استنتاجات مجموعة ضخمة من البحوث لتقديم صورة بانورامية للمسارات المختلفة التي سلكتها البلدان لتوسيع التعليم، وحيثما أمكن، لفعل ذلك دون أن يكون على حساب الإنصاف.
وكما يؤكد هذا التقرير، لا تفسّر الإجراءات السياساتية التعليمية المقصودة جميع المسارات الملحوظة ولا حتى معظمها. فالديناميات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتاريخية والديموغرافية الخارجية عن التعليم، وإن لم تكن منفصلة عنه، تقطع شوطاً طويلاً في تفسير سبب توسّع التعليم. وبحسب روايات كثيرة، كان التوسّع التعليمي «عملية ذاتية الدفع ومعتمدة على المسار» لها ديناميتها الخاصة، إذ تبني البلدان على التقدّم المحقق بالفعل ويقلّد بعضها بعضاً.
ومع ذلك، يركّز هذا القسم على السياسات والبرامج التي اتخذتها الحكومات لتشجيع توسيع التعليم الابتدائي والثانوي. ويُميَّز تقريباً بين ثلاث فئات عامة، وإن كان التصنيف مرناً وينطوي على تداخلات كبيرة. أولاها التدابير المؤسسية، كالأطر التشريعية وأطر الحوكمة، وقواعد القبول والتقدّم، والمسارات البديلة، وقد أدّى كل منها دوراً. وثانيتها تدابير تعزيز الطلب، وأبرزها تلك المرتبطة بتخفيف القيود المالية، التي تُتناول في نهاية التقرير في الفصل السادس. ويُولى الاهتمام في هذا القسم للتوفير العيني للوازم المدرسية، والتدخلات الصحية في المدارس، وتعزيز العلاقات الداعمة. وأخيراً، تُتناول أيضاً تدابير توسيع العرض، أي الاستثمار في البنية التحتية وتهيئة بيئات تعلّم شاملة وآمنة. وقد دعمت هذا التحليلَ مراجعةٌ للأدبيات أُجريت لهذا التقرير.
وقد دُرس مجال التوسّع التعليمي دراسة مستفيضة. ففي البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل، حاولت المراجعات المنهجية قياس حجم إسهام أنواع البرامج المختلفة في زيادة الوصول إلى التعليم. فقد قيّمت مراجعة لثلاث وسبعين دراسة تناولت 36 تدخلاً في 27 بلداً الإسهامات النسبية للعوامل الاقتصادية والتعليمية والصحية وعوامل البنية التحتية والتدريب في أربعة مقاييس للمشاركة التعليمية. وكان لتدخلات البنية التحتية والصحة أثر أقوى، في حين تلاشى الأثر مع انتقال مقياس التحليل من الالتحاق إلى الحضور إلى التقدّم الدراسي إلى التسرّب. ونظرت مراجعة أخرى لمائتين وثمانٍ وثلاثين دراسة تناولت 216 تدخلاً في 52 بلداً، شملت التعلّم لا المشاركة وحدها، في القنوات التي تعمل عبرها التدخلات، أي الطفل والأسرة والنظام والمدرسة والمعلم. وكثير من الدراسات التي حللتها هذه المراجعات، إن لم يكن معظمها، تجارب عشوائية محكومة، باتت تُعدّ نوعاً من المعيار الذهبي.
وثمة نقاش عالمي حيوي حول ما إذا كان ينبغي أن يكون الأمر كذلك. فقد حوّل الاتجاه نحو التجريب الانتباه عن النواتج النهائية، التي تُعرَّف في هذا التقرير بأنها الاتجاهات طويلة الأجل في المشاركة والتقدّم الدراسي والإتمام، والتي كثيراً ما تحيد عنها الدراسات التجريبية. وبناءً على ذلك، فإن اختيار المسائل والأمثلة الواردة في هذا القسم، كما في التقرير كله، لم يتحدد بقدرتها المحتملة على توسيع التعليم بقدر ما تحدد بالأثر الفعلي الذي ربما أحدثته في توسيع التعليم على المدى الطويل. وحيثما أمكن، أُعطيت الأولوية للسياسات الوطنية على المشاريع الممولة من المانحين، التي نادراً ما بلغت الحجم اللازم لإحداث أثر مستدام على مستوى السكان، وإن كان تركيزها على البحث والتقييم قد أثمر دروساً سياساتية مهمة.
ولم تُبذل أي محاولة لقياس الإسهام النسبي لكل عامل، إقراراً باستحالة فصل القوى المترابطة الفاعلة. والدراسات التي حاولت هذا النهج استندت عموماً إلى بيانات تاريخية غنية من أوروبا. غير أنه قُدّمت، قدر الإمكان، معلومات عن سياق التدخلات وخصائصها وعن حجم أثرها في مقاييس المشاركة والتحصيل. وأخيراً، تُدرج أيضاً البلدان مرتفعة الدخل وجهودها لتحقيق تعميم إتمام التعليم الثانوي. وهذا أيضاً مجال دُرس دراسة مستفيضة.
السياسات على مستوى النظام
تضع السياسات على مستوى النظام الإطار الذي يمكّن الأطفال من الوصول إلى التعليم الابتدائي والثانوي والبقاء فيه وإتمامه. وهي تعيد تشكيل البنية القانونية والمالية والمؤسسية، مؤثرةً في المشاركة التعليمية عبر القوانين والحوكمة والتمويل والمساءلة وقواعد التقدّم الدراسي.
التشريعات
دعمت الحركةَ العالمية نحو تعميم التعليم ثلاثُ ركائز مترابطة للإصلاح المؤسسي: الاعتراف القانوني بالتعليم حقاً، وتشريعات التعليم الإلزامي، وإلغاء الرسوم.
فثلاثة صكوك تعرّف التعليم الابتدائي بوصفه استحقاقاً شاملاً وتدعو البلدان إلى اتخاذ خطوات تدريجية نحو تعليم ثانوي مجاني وإلزامي: اتفاقية مكافحة التمييز في مجال التعليم لعام 1960، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، واتفاقية حقوق الطفل لعام 1989. ويشكّل تأطير التعليم حقاً في المرحلة الابتدائية، وبصورة متزايدة في المرحلة الثانوية، الأساسَ الذي تقوم عليه القوانين الوطنية. وقد أنشأ قرار لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة فريقاً عاملاً حكومياً دولياً مفتوح العضوية مكلّفاً باستكشاف بروتوكول اختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن الحق في التعليم الثانوي المجاني، وكذلك التعليم ما قبل الابتدائي.
ومن بين 158 بلداً تتوافر عنها بيانات في العامين كليهما، ارتفع متوسط مدة التعليم الإلزامي من 8.6 سنوات في عام 1998 إلى 9.8 سنوات في عام 2023. وكانت أكبر زيادة، بنحو 1.6 سنة، في البلدان متوسطة الدخل. وفي الفترة نفسها، ومن بين 130 بلداً تتوافر عنها بيانات في العامين كليهما، ارتفع متوسط مدة التعليم المجاني من عشر سنوات إلى 10.8 سنوات.
ويتطلب رصد أثر تشريعات التعليم الإلزامي عموماً بيانات تاريخية طويلة الأجل لدراسة التباين بين الأفواج. وقد وجد تحليلان لبلدان أوروبية أن التغييرات في الحدّ الأدنى لسن ترك المدرسة زادت التحصيل التعليمي بما يتراوح بين 0.3 و0.4 سنة، وبقدر أكبر للفئات الأكثر حرماناً. وأُفيد بنتائج مماثلة في بلدان بعينها، كالمملكة المتحدة.
وتأتي الأدلة بصورة متزايدة أيضاً من البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل. فقد وجد تحليل لتسعة وأربعين بلداً أن تمديد التعليم الإلزامي إلى ما بعد المدرسة الابتدائية رفع معدل الانتقال إلى التعليم الثانوي بمقدار 7.3 نقاط مئوية. وفي الصين، زاد قانون التعليم الإلزامي لتسع سنوات الصادر في عام 1986 وتعديلاته اللاحقة التحصيلَ ورفع سن دخول سوق العمل، ولا سيما لسكان المناطق الريفية وأبناء الأسر منخفضة الدخل. وفي الهند، يُقدَّر أن قانون الحق في التعليم لعام 2009 زاد التحصيل بمقدار 0.6 سنة. وفي كينيا، أدت زيادة مدة التعليم الإلزامي من سبع سنوات إلى ثماني في عام 1985 إلى زيادة التحصيل بمقدار 0.7 سنة. وفي تايلاند، يُقدَّر أن زيادة مدة التعليم الإلزامي من ست سنوات إلى تسع في عام 2002 رفعت نسبة الفتيات اللاتي يُتممن المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي بثماني إلى تسع نقاط مئوية.
ويُنسب إلى القوانين والسياسات المتعلقة بمجانية التعليم أيضاً تأثيرها في المشاركة. فبادئ ذي بدء، أدى فرض الرسوم في إطار تدابير التكيّف الهيكلي في الثمانينيات إلى خفض الالتحاق بالتعليم الابتدائي بنسبة 17% في المتوسط في سبعة بلدان من أفريقيا جنوب الصحراء. وركّزت دراسات كثيرة على الأثر الإيجابي في الالتحاق حين بدأ إلغاء الرسوم اعتباراً من التسعينيات. فقد زاد إلغاء رسوم المدارس الابتدائية تحصيل الفتيات بمقدار نصف سنة في ملاوي، و0.6 سنة في إثيوبيا، و1.1 سنة في أوغندا. غير أنه من المهم اتخاذ منظور طويل الأجل وعدم الاقتصار على الآثار الفورية لإلغاء الرسوم. ففي أوغندا، يُظهر تحليل بيانات المسوح على مدى عشر سنوات أن إلغاء رسوم المدارس الابتدائية في عام 1997 لم يكن له أثر في إتمام التعليم الابتدائي.
وفي أفريقيا جنوب الصحراء، يبدو أن إلغاء الرسوم الدراسية في التعليم الثانوي زاد الالتحاق بسبع نقاط مئوية. وفي غانا، وجد تقييم لإدخال التعليم الثانوي المجاني في العام 2017/2018 أن إتمام الفتيات ارتفع بأربع عشرة نقطة مئوية في الأقضية ذات الإقبال المرتفع. لكن الدراسات تشير أيضاً إلى أن سياسات إلغاء الرسوم في هذه المرحلة التعليمية لها أثر سلبي في التفاوت.
ويكون أثر تشريعات التعليم الإلزامي والمجاني أقوى حين يكمّل بعضها بعضاً. فقد وجدت دراسة لأربعة عشر بلداً أفريقياً أن جعل المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي إلزامية ومجانية زاد التحصيل بمقدار 1.6 سنة للفتيات و1.4 سنة للفتيان مقارنة بجعل التعليم مجانياً فحسب، في حين ارتفع معدل الانتقال إلى المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي بأربع عشرة نقطة مئوية.
وتنجح إصلاحات التعليم الإلزامي والمجاني أيضاً على أفضل وجه حين تصاحبها تدخلات تكميلية، كما يناقش بقية الفصل. أولاً، تلزم البنية التحتية وتوفير المعلمين والمواد التعليمية للحفاظ على الجودة؛ وإلا فإن الاكتظاظ وخيبة الأمل يلغيان أي فوائد. فسياسة تعميم التعليم الابتدائي في جمهورية تنزانيا المتحدة لم يكن لها أثر إيجابي في الفتيات إلا حين عولج نقص المعلمين. ثانياً، تدابير الدعم المالي أساسية. ففي المناطق الريفية من الصين، زاد برنامج الرسوم الدراسية المجانية والكتب المدرسية المجانية وإعانات نفقات المعيشة في العقد الأول من هذا القرن، الرامي إلى دعم قانون التعليم الإلزامي، التحاق الفتيات الفقيرات بسبع نقاط مئوية. ثالثاً، يعزّز التعليم الإلزامي وقوانين الحدّ الأدنى لسن العمل أحدهما الآخر. ففي تركيا، زاد قانون صادر في عام 1997، مدّد التعليم الإلزامي من خمس سنوات إلى ثماني، التحصيلَ، وخفّض عمل الأطفال بنسبة 81% بين من هم في سن السابعة إلى الحادية عشرة. رابعاً، تلزم آليات تحدد التغيّب مبكراً وتنسّق الاستجابات بين المدارس والخدمات الاجتماعية. وأخيراً، تهم أيضاً سياسات البقاء في المدرسة والتقييم والتوزيع على المسارات ومنح الشهادات. ففي رواندا، زادت إصلاحات الامتحانات الوطنية، التي أُدخلت إلى جانب تمديد التعليم الإلزامي، المشاركةَ في المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي.
نظم الإنذار المبكر وتحليل البيانات تُستخدم للحدّ من التسرّب
إذا كان التسرّب قابلاً للتنبؤ، فإن التنبؤ يتيح الوقاية. وتمكّن نظم الإنذار المبكر من التحديد المبكر للطلاب المعرّضين لخطر التسرّب بتتبّع الحضور والأداء الأكاديمي والمؤشرات السلوكية.
وفي إطار مبادرة منطقة التعليم الأوروبية، حدد الاتحاد الأوروبي غايتين لألّا يتجاوز ترك المدرسة المبكر 10% بحلول عام 2020 و9% بحلول عام 2030. وأوصت توصية لمجلس الاتحاد الأوروبي صادرة في عام 2011 الدول الأعضاء برصد المؤشرات لتحديد الطلاب المعرّضين لخطر ترك المدرسة مبكراً والتدخل سريعاً بدعم فردي. وبحلول عام 2020، كانت معظم بلدان الاتحاد قد اعتمدت سياسات للرصد المبكر، تستخدم مؤشرات كالحضور والسلوك والتحصيل لإطلاق إجراءات علاجية.
وتدمج بعض البلدان نظم الإنذار المبكر في برامج الرعاية الاجتماعية. ففي مقاطعة نوردلاند في النرويج، يُنسب إلى الجمع بين الكشف المبكر وتدريب المعلمين والروابط مع الخدمات الاجتماعية الفضلُ في رفع معدل إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي من 62% إلى 66% بين عامَي 2011 و2015. وفي برادفورد بالمملكة المتحدة، أظهرت البيانات المترابطة للصحة والرعاية الاجتماعية والتعليم أن الغياب غير المأذون به تراوح بين 0.2% و5.1%، مع استئثار 12% من التلاميذ بنسبة 80% من الأيام الضائعة. واستندت أدوات التحليلات التنبؤية إلى مئات المتغيرات لتحديد أنماط المخاطر وتشكيل التدخلات. لكن العمل المنسّق بين المدارس والأسر والخدمات الاجتماعية ضروري في نهاية المطاف لمعالجة هذه المخاطر. فالنظم الفعّالة تعترف بالدور الحمائي للمدارس في رعاية الأطفال. وفي إطار استراتيجية مالطا للحدّ من ترك التعليم والتدريب المبكر للفترة 2023 إلى 2030، وضعت مالطا بروتوكولاً للروابط بين الأسرة والمجتمع والمدرسة.
وفي أنحاء العالم، تتحول النظم التعليمية إلى نُهج وقائية، لكن نجاحها يعتمد على كفاية الكوادر ومسارات الإحالة. ففي غواتيمالا، حسّن برنامج تجريبي طُبّق في 17% من المدارس الابتدائية الانتقالَ إلى المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي بمقدار 1.3 نقطة مئوية بعد عام واحد، وبمقدار 3.1 نقاط مئوية في المدارس التي التزمت بالعملية التزاماً كاملاً. وفي صربيا، خفّض نظام للإنذار المبكر والتدخل بدعم من اليونيسف التسرّبَ بمقدار الثلثين في دورته الأولى من التنفيذ.
الحوكمة والتمويل
يمكن لترتيبات الحوكمة والتمويل الملائمة أن توفّر الحوافز الصحيحة لعمل المدارس بفعالية. فآليات المساءلة، الرامية مثلاً إلى ضمان الإنصاف والاستجابة والسلامة، تبني الثقة في المدارس وتعزّز الرقابة المجتمعية النشطة، مما يحسّن الحضور.
وعلى مستوى النظام، يمكن لإصلاحات اللامركزية أن تعزّز المشاركة حين تحسّن الاستجابة. فقد وجدت مراجعة شملت 65 بلداً أن اللامركزية يمكن أن تحسّن الحضور والتقدّم الدراسي بمنح الجهات المحلية سلطة الاستجابة للقيود على مستوى المدرسة، كاحتياجات المعلمين والتدابير الانضباطية. وزادت اللامركزية في إندونيسيا، المصحوبة ببرنامج تمويل لكل طالب، الموارد المالية للمدارس وحسّنت توافر الكتب المدرسية. كما أفادت المدارس بارتفاع التحاق الطلاب المحرومين وانخفاض التسرّب، وإن تفاوتت الفعالية بحسب القدرة الإدارية المحلية. وبالمثل، لا تنجح إصلاحات المساءلة، كبطاقات تقارير المدارس والرقابة المجتمعية، إلا حيث تكون القدرة الإدارية كافية. وفي المكسيك، خفّضت الإدارة القائمة على المدرسة التسرّبَ بتحسين الرقابة والحوافز المحلية، وإن لم تكن الآثار متساوية.
وتتوقف نواتج هذه التدخلات الطموحة أولاً وقبل كل شيء على تمكين المجتمع، لكنها تتوقف أيضاً على الموارد. فمن جهة، ثمة صلة واضحة بين التمويل والنتائج. فقد ارتبط التوسّع التعليمي في مطلع الألفية بانتهاء التقشف بعد عقدين تقريباً من التكيّف الهيكلي في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل. وتوحي الأدلة المقارنة بين البلدان من عام 1990 إلى عام 2021 بأن زيادة الإنفاق العام تقلّل التسرّب حيث تكون مستوياته الأولية مرتفعة.
وتُظهر البلدان التي تناولتها دراسات الحالة في هذا التقرير تنوّع الصلات بين تمويل التعليم وتوسّعه. فبعض البلدان، ككوستاريكا وكوت ديفوار وموزمبيق، شهدت زيادة مستدامة في الإنفاق العام على التعليم، سواء كحصة من الناتج المحلي الإجمالي أو كحصة من إجمالي الإنفاق العام. وفي بلدان أخرى، رافقت الزيادات قصيرة الأجل تدخلات رئيسية، كمدارس الريادة في المغرب وبناء المدارس في رواندا. وفي البلدان الأغنى نسبياً، كألبانيا وترينيداد وتوباغو، يفسّر الانخفاض الحاد في عدد السكان في سن الدراسة منذ عام 2000، بمقدار النصف والربع على التوالي، لماذا لم يكن الإنفاق بحاجة إلى الارتفاع. غير أن بنغلاديش وكمبوديا، حيث ظلت مستويات الإنفاق ثابتة ومنخفضة جداً، عند 2% و1.6% من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط على التوالي، ومع ذلك توسّعت المشاركة التعليمية، تمثّلان مفارقة.
وعلى المستوى الجزئي، كانت الدراسات أكثر تردداً بشأن أثر الإنفاق في النواتج التعليمية، مما أدى إلى تصوّر عام بأنه لا يمكن حل مشكلات التعليم «بإغداق المال». غير أن الأدلة الطولية وشبه التجريبية الحديثة في الولايات المتحدة أظهرت أن زيادة التمويل، حين تُوجَّه بفعالية، تعزّز المشاركة والإتمام. فقد أدت زيادة مستدامة بنسبة 10% في الإنفاق المدرسي على مدى اثنتي عشرة سنة، موجّهة إلى تحسين التدريس وأجور المعلمين وخدمات الدعم وتصغير أحجام الفصول، إلى ارتفاع معدلات التخرج. ووُجد أن زيادة الإنفاق لكل تلميذ بمقدار ألف دولار أمريكي ترفع التحصيل بمقدار 0.06 انحراف معياري وتزيد إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي، ولا سيما للطلاب ذوي الدخل المنخفض. ويرفع مبلغ إضافي قدره 580 دولاراً أمريكياً لكل طفل في برامج التعليم أو البرامج الاجتماعية معدلات إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي بنقطة مئوية واحدة. غير أن العوائد تتناقص في النظم التي تنفق أصلاً بمستويات مرتفعة؛ ولذلك فإن المساءلة محورية لاستدامة التحسينات.
التقدّم الدراسي
لسياسات إعادة الصفوف والامتحانات عالية المخاطر ومنح الشهادات انعكاسات كبيرة على الإتمام وعدم المساواة. كما ترتبط بالإتمام وعدم المساواة سياساتُ التوزيع على المسارات، التي تُناقش لاحقاً ضمن موضوع التمايز، وسياساتُ القبول التي تهدف إلى جعل التركيبة الطلابية للمدارس أكثر تكافؤاً.
وتقسم إعادة الصفوف صانعي السياسات إلى من يرونها آلية للحفاظ على معايير الجودة ومن يرونها آلية تفاقم عدم المساواة التعليمية. فإعادة الصفوف تؤدي إلى الالتحاق بعد تجاوز السن المناسبة، وهو مؤشر تنبؤي راسخ للتسرّب، كما في بنغلاديش وبنما ورواندا مثلاً. ويعود ذلك جزئياً إلى أن الأعراف الاجتماعية تجذب المراهقين الذكور إلى العمل والمراهقات إلى الزواج حين يكونون أكبر سناً من صفوفهم. كما تخفّض إعادة الصفوف مفهوم الذات الأكاديمي والدافعية، مما يؤدي أيضاً إلى التسرّب في البلدان مرتفعة الدخل كبلجيكا وفرنسا والولايات المتحدة.
وفي أنحاء العالم، الطلاب المحرومون أكثر ميلاً إلى إعادة الصفوف، سواء في البرازيل أو مصر أو جنوب أفريقيا. ففي بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يزيد احتمال إعادة الصف لدى الطلاب من الخلفيات الاجتماعية الاقتصادية المتدنية بنسبة 50% حتى بين الأقران ذوي التحصيل الأكاديمي المماثل، وبأكثر من 100% في بلدان منها الاتحاد الروسي وتونس وفيتنام. وكون الطلاب الفقراء والمهاجرين أكثر ميلاً إلى إعادة الصفوف حتى لو كان أداؤهم مماثلاً لأداء الطلاب الآخرين يوحي بوجود تمييز، ولا سيما حين يتمتع المعلمون بسلطة تقديرية في قرار إبقاء الطالب، كما في إيطاليا.
ومن الانتقادات المحتملة لربط إعادة الصفوف بالتسرّب اللاحق أنه لا يمكن مقارنتها بالسيناريو المعاكس، أي ما إذا كان هؤلاء الطلاب لن يتركوا المدرسة مبكراً لو لم يُجبروا على الإعادة. ففي منغوليا، حيث تُطبّق سياسة الترفيع التلقائي المرتبطة بمكافأة للمعلمين قائمة على الأداء، يبدو أن الطلاب يحصلون على الدرجات الأكاديمية نفسها بصرف النظر عن خلفيتهم الاجتماعية الاقتصادية، مما يثير القلق من أن الحوافز المعكوسة تدفع المعلمين إلى تضخيم الدرجات. وفي أوغندا، التي طبّقت أيضاً الترفيع التلقائي بعد إدخال تعميم التعليم الابتدائي في أواخر التسعينيات، زاد غياب الدعم العلاجي وتضخّم أحجام الفصول ومحدودية الموارد التسرّبَ أيضاً.
ومن الحجج ضد إعادة الصفوف عدم الكفاءة في استخدام الموارد العامة الشحيحة. فمثلاً، يوحي تقدير بأن النظم التعليمية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي تنفق 5.3 مليارات دولار أمريكي سنوياً لإبقاء 2.7 مليون تلميذ في المرحلة الابتدائية في صفوفهم. ونتيجة لذلك، أدخلت بلدان كثيرة الترفيع التلقائي لتجنّب هذه التكلفة. غير أنه دون دعم علاجي، لا تتاح لهؤلاء الطلاب فرص كافية لتحسين تعلّمهم، ومن ثمّ قد يؤجّل ذلك ترك المدرسة المبكر دون أن يمنعه. فالترفيع التلقائي لطلاب الصف الأول في كوستاريكا دفع معدلات إعادة الصفوف إلى الارتفاع في الصفين الثاني والثالث. وقد يكون لغياب إعادة الصفوف بوصفها آلية تحفيزية عواقب سلبية على الطلاب الذين يزيد أداؤهم قليلاً على أداء أضعف الطلاب، كما أظهرت دراسة في ولاية ميناس جيرايس في البرازيل.
وتجد بعض الدراسات تحسّناً قصير الأجل في درجات الاختبارات لدى الطلاب المعيدين، في كولومبيا مثلاً، وفي جنوب أفريقيا في الصفوف الأولى من التعليم الابتدائي، حتى دون دعم علاجي. لكن إعادة الصفوف إجمالاً، ولا سيما في الصفوف المتقدمة، يبدو أن لها عواقب سلبية طويلة الأجل على الانخراط والإتمام.
والامتحانات معالم على طريق إتمام كل حلقة ودخول المرحلة التالية، وقد تعيق الانتقال. ففي أوغندا، كان ثلث الأطفال الذين لم ينتقلوا إلى التعليم الثانوي قد رسبوا في امتحان إتمام المدرسة الابتدائية. وفي الولايات المتحدة، خفّضت امتحانات التخرج عالية المخاطر إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي بنقطتين إلى أربع نقاط مئوية، ولا سيما للطلاب الفقراء وطلاب الأقليات. غير أنه يُحتج أيضاً بأن أثر إدخال امتحان عالي المخاطر قد يكون سلبياً على المدى القصير لكنه إيجابي على المدى الطويل إذا كانت الشهادة مهمة للانتقال إلى المرحلة التالية من التعليم ولسوق العمل. ففي جنوب أفريقيا، يُعتقد أن إدخال الشهادة الوطنية العليا في عام 2008 أسهم في زيادة معدل إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي.
بلدان مختلفة واجهت صعوبات في توزيع الطلاب على المدارس توزيعاً منصفاً
استُخدمت مجموعة من سياسات التوزيع، كالنطاقات الجغرافية للمدارس والالتحاق المفتوح وآليات تفضيلية أو مقاعد محجوزة مختلفة، لتعزيز الإنصاف في التعليم الابتدائي والثانوي. وحين تقترن بدعم موجّه، كالتمويل المنصف ومساعدة النقل ونظم الاختيار الخاضع للضوابط، يمكن للاختيار أن يحسّن وصول الطلاب المحرومين. ودون هذه الضمانات، قد لا تفعل هذه السياسات سوى إعادة إنتاج أوجه عدم المساواة القائمة أو تعميقها، فتعود بالفوائد على نحو غير متناسب على من يتمتعون أصلاً بميزة.
ويتوقف نجاح سياسات التقسيم الجغرافي للمدارس على تصميمها بما يتجنّب الحوافز المعكوسة. ففي الدنمارك، حين أُعلنت سياسة تربط توزيع الطلاب على المدارس بعناوين السكن، ارتفع عدد الأسر التي غيّرت عناوينها فجأة، وارتبط احتمال هذا التغيير ارتباطاً قوياً بالوضع الاجتماعي الاقتصادي للأسرة.
وفي فرنسا، حيث إلغاء الفصل هدف سياساتي، لم تكن ثلاثة جهود قائمة منذ زمن طويل فعّالة، هي المدارس الإعدادية الشاملة، وتقييد اختيار الآباء عبر الخريطة المدرسية، ومناطق التعليم ذات الأولوية مع تدابير تعويضية. فالأسر الأغنى قادرة على الالتفاف على بعض القيود، في حين كان لتوجيه الموارد إلى المدارس المحرومة أثر معكوس تمثّل في وصم سمعة هذه المدارس. ووجد تقييم لإصلاح نظام التقسيم الجغرافي في عام 2014 أن المدارس الواقعة في الأحياء ذات الأولوية شهدت انخفاضاً فورياً ومستمراً في الالتحاق بنحو أربع نقاط مئوية. وشهدت المدارس التي وسمتها السياسات هروب الطلاب منها، مما فاقم الفصل المدرسي على نحو غير مباشر.
وفي إندونيسيا، غيّرت تجربة لسياسة التقسيم الجغرافي للمدارس في مدينة يوغياكارتا أُدخلت في عام 2018 معايير القبول في المدارس الإعدادية العامة النخبوية من درجات الامتحانات إلى المسافة من المدرسة. وتغيّرت التركيبة الطلابية للمدارس تغيّراً جذرياً، كما يتضح من الانخفاض الحاد في متوسط درجات امتحانات الطلاب المقبولين. وعلى المستوى الوطني، أُدخلت في عام 2017 سياسة للتقسيم الجغرافي تقضي باختيار 90% على الأقل من طلاب المدارس الابتدائية والثانوية عبر مسار «التقسيم الجغرافي»، أي بحسب المسافة من المدرسة، على أن يتم قبول البقية على أساس ثلاثة معايير: العمل الإيجابي، وانتقال الوالدين، والتحصيل. وخُفّضت هذه الحصة في ثلاثة تعديلات بين عامَي 2018 و2021، وأُعيدت تسمية السياسة في عام 2025، مع خفض إضافي لحصة «التقسيم الجغرافي» إلى 70% في المدارس الابتدائية و40% في المدارس الإعدادية و30% في المدارس الثانوية العليا. وستحل درجات الاختبارات المعيارية محل درجات بطاقات التقارير في مسار «التحصيل» في عام 2026.
كما تُفضي نظم المقاعد التفضيلية والمحجوزة، المصممة لحماية فئات معيّنة أو إعطائها الأولوية في القبول، إلى نواتج غير منصفة وغير شاملة. ففي ماليزيا، لا ينبع الفصل العرقي من التقسيم الجغرافي بل من مسارات مدرسية متوازية من المدارس التي تدرّس باللغات الملايوية والصينية والتاميلية، حوفظ عليها في البداية بعد الاستقلال احتراماً للتنوّع اللغوي والثقافي. ومقترناً بالسياسات التفضيلية، قوّض هذا الترتيب الوظيفة الإدماجية للتعليم المشترك.
وتتيح سياسات الالتحاق المفتوح للطلاب ارتياد مدارس خارج مناطق سكنهم. ففي الولايات المتحدة، تسمح 33 ولاية ومقاطعة كولومبيا بالالتحاق المفتوح داخل الدائرة التعليمية، وتسمح 43 ولاية بالانتقال بين الدوائر، لكن معظم السياسات تعمل على أساس توافر الأماكن وتسمح عادة للدوائر بعدم المشاركة، مما يحدّ من إمكاناتها في تحقيق المساواة. ورغم أن ولايات كثيرة تحظر الاختيار على أساس القدرة الأكاديمية، كثيراً ما تعطي قواعد الالتحاق المفتوح الأولوية لفئات محددة، كالإخوة أو الطلاب القادمين من مدارس منخفضة الأداء، مما قد يفيد على نحو غير مباشر الأسر الأكثر اطّلاعاً أو قدرة على التنقل. ودون نقل مضمون، لم تتناوله سوى إصلاحات قليلة في بعض الولايات، كثيراً ما يخدم الالتحاق المفتوح الأسرَ المؤهلة أصلاً للتعامل مع التعقيدات الإدارية بدلاً من الأسر الأشد حاجة إلى البدائل.
وعلى خلاف الأمثلة المذكورة أعلاه، التي تسعى إلى سياسات لتوزيع الطلاب تحسّن الإنصاف، سارت بعض البلدان في الاتجاه المعاكس، فوزّعت الطلاب على أساس الفصل لتحسين النواتج التعليمية. فقد كان لتدخلات المدارس غير المختلطة آثار إيجابية في جمهورية كوريا، حيث يُقدَّر أن التحصيل زاد بمقدار 0.4 سنة من التعليم، وفي ترينيداد وتوباغو، حيث ارتفعت معدلات الإتمام بأربع نقاط مئوية.
المسارات المرنة
رغم الجهود المبذولة لتأمين وصول الشباب إلى التعليم وتيسير تقدّمهم، يعاني كثير من الشباب المحرومين، ممن يعملون أو يعيشون في الأحياء الفقيرة أو النازحين مثلاً، لإتمام التعليم الإلزامي أو المرحلة العليا من التعليم الثانوي أو كليهما. وتوجد مجموعة من البرامج لمساعدتهم على البقاء في المدرسة أو العودة إليها. وتختلف هذه البرامج في معايير تصميم رئيسية، كالاتساق مع المنهج، والطابع النظامي أو غير النظامي، ومنح الشهادات، وضمان الجودة، والجهة الوزارية المسؤولة، ومقدّمي الخدمة، وكذلك في الفئات المستهدفة. ورغم النجاحات اللافتة، وجد تقييم لبرامج المسارات المرنة التي تدعمها اليونيسف في 21 بلداً تحديات تتعلق برصد النتائج والاستدامة وقابلية التوسّع.
وتوجد أنماط بديلة لتقديم التعليم في أنحاء العالم كافة. وهي برامج معادلة واسعة النطاق ومعترف بها تتيح للمتعلمين إتمام التعليم الابتدائي أو الثانوي النظامي بطريقة مرنة من حيث المكان وتكييف المنهج والأطر الزمنية وأساليب التدريس. فنظام «كيجار باكيت» في إندونيسيا، الذي يُقدَّم أساساً عبر مراكز التعلّم المجتمعية، يوفّر تعلّماً بدوام جزئي وبوتيرة ذاتية في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية العليا، المعروفة بالحزم أ وب وج على التوالي، ومكيّفاً للشباب العاملين. وفي عام 2017، كان ثمة 370 ألف طالب ملتحقين بالمعادل للمرحلة العليا من التعليم الثانوي. وفي جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية، يقدّم برنامج معادلة التعليم الابتدائي فصولاً مجتمعية نمطية متسقة مع المنهج الوطني للأطفال غير الملتحقين بالمدارس، ولا سيما في المناطق الريفية ومناطق الأقليات العرقية. وتتيح الشهادات المعترف بها لهم الانتقال إلى المدارس الإعدادية النظامية.
وفي الأرجنتين، يقدّم برنامج خطة إتمام التعليم الابتدائي والثانوي أنماطاً إلكترونية وغير إلكترونية، منها ما يتيح الحصول على شهادات لمقررات المدرسة الثانوية التي لم تُستكمل سابقاً. وقدّم مشروع الوصول إلى الأطفال غير الملتحقين بالمدارس في بنغلاديش تعليم الفرصة الثانية لأكثر من 700 ألف طفل. وفي الهند، يقدّم برنامج تعليم الفرصة الثانية والتعلّم المهني تدريباً على المهارات الأساسية والمهنية مرتبطاً بالشهادات الثانوية والتوظيف للنساء المهمشات. وفي تونس، يوفّر برنامج الفرصة الثانية مجموعة من المسارات الأكاديمية والمهنية للفئة العمرية من 12 إلى 18 عاماً، تديرها وزارات التربية والشباب والشؤون الاجتماعية، وتعتزم الحكومة إتاحته في جميع الولايات اعتباراً من عام 2026. وفي أفريقيا جنوب الصحراء، تشغّل معظم البلدان برامج للتعلّم المسرّع للأطفال الذين تعطّل تعليمهم، لدعم عودتهم إلى التعليم الثانوي النظامي بتزويدهم بالمهارات الأساسية في إطار زمني قصير.
برامج التعلّم المسرّع في أفريقيا تساعد الأطفال على إتمام التعليم الابتدائي، لكن الانتقال إلى المدرسة النظامية يظل ضعيفاً
توفّر برامج التعليم المسرّع فرص تعلّم مرنة وملائمة للعمر للأطفال والشباب الذين فاتهم التعليم النظامي. ووجدت مراجعة لهذه البرامج أنها تعمل في 33 بلداً أفريقياً. وقد برزت بوصفها استراتيجية بالغة الأهمية على نحو خاص للوصول إلى من يعيشون في سياقات الأزمات والنزوح. وتُظهر التقييمات في جمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيريا ونيجيريا أن الطلاب في هذه البرامج كثيراً ما يحققون تقدّماً سريعاً في القرائية والحساب الأساسيين، ويتفوقون أحياناً على أقرانهم في المدارس النظامية.
ورغم هذه المكاسب، يظل الانتقال من هذه البرامج إلى النظام المدرسي النظامي تحدياً رئيسياً. فالأدلة من أربعين برنامجاً توحي بأن معدلات الانتقال تتفاوت تفاوتاً واسعاً، بين 3% و90%. ولأن 40% فقط من هذه البرامج في أفريقيا ترصد الانتقال بعد انتهاء البرنامج، يصعب تقدير متوسط معدل الانتقال. وقد أظهرت دراسات من بوركينا فاسو وإثيوبيا ومالي والنيجر أن كثيراً من المتعلمين الذين يلتحقون بالمدرسة النظامية بعد إتمام برنامج للتعليم المسرّع إما يتسرّبون أو يعيدون الصفوف. وفي مدغشقر، ورغم أن جميع خريجي هذه البرامج تقريباً التحقوا بالمدرسة، غادرها مجدداً ما بين ربعهم وثلثهم في غضون عامين. وأظهر تقييم في إثيوبيا أن المتعلمين، بمجرد دخولهم المدارس النظامية، كثيراً ما يواجهون العوائق التي ربما استبعدتهم أصلاً: لغة تدريس مختلفة، ومناهج جامدة، وأساليب تدريس غير ملائمة، وفصول مكتظة وضعيفة الموارد.
والروابط بين برامج التعليم المسرّع والنظم التعليمية النظامية محدودة في الغالب. فخطط قطاع التعليم تذكر هذه البرامج بصورة متزايدة، لكنها تميل إلى التركيز على توسيع الوصول والتعلّم، مع قليل من الاهتمام بمسارات ما بعد الإتمام أو الدعم المستمر للمتعلمين. وفي بلدان كثيرة، لا تعترف وزارات التعليم بشهادات هذه البرامج على نحو متّسق، مما يصعّب الالتحاق بالنظام النظامي. ووجدت مراجعة حديثة أن ما لا يزيد على 40% من هذه البرامج في أفريقيا تمنح شهادات معترفاً بها وطنياً. ومن حيث التمويل، يعتمد كثير منها على تمويل قصير الأجل من المانحين أو الجهات الإنسانية مع قليل من الإدماج في الميزانيات الوطنية، مما يقوّض استدامتها.
ومن العناصر الرئيسية للانتقال المستدام إلى النظم التعليمية النظامية مواءمة مناهج هذه البرامج مع المناهج النظامية، والاعتراف الرسمي بشهاداتها، وإقامة روابط مع المدارس ومسارات بديلة حيث تكون المدارس محدودة، وتقديم الدعم عند الالتحاق وبعده، وضمان بيئات مدرسية شاملة ومرنة.
وعلى خلاف التدابير التصحيحية، التي تركّز على إعادة الشباب الذين تركوا المدرسة، تستهدف التدخلات الوقائية من يعانون ويواجهون خطر ترك المدرسة مبكراً. وقد حظيت البرامج العلاجية أو التعويضية باهتمام متزايد في السنوات الأخيرة. فتدخلات «التدريس على المستوى الصحيح» التي تنفّذها منظمة «براتام» الهندية غير الحكومية تقيّم مهارات تلاميذ المدارس الابتدائية وتوزّعهم على مجموعات بحسب القدرة لتكييف التدريس. وفي أعقاب تقييمات إيجابية للأثر، وُسّع نطاق النهج في الهند، بما في ذلك بالشراكة مع حكومات ولايات مختارة، حيث يتبع المعلمون هذا النهج على مدى أربعة إلى ستة أشهر لمدة ساعة إلى ساعتين يومياً. ونُقل النموذج إلى أفريقيا، حيث وُثّقت آثار إيجابية أيضاً، كما في كوت ديفوار، حيث عُمّم على المستوى الوطني، وغانا. ويُتوقع أن تحسّن التحسيناتُ في نواتج التعلّم التقدّمَ الدراسي، لكن الدراسات المتعلقة بتحسين التقدّم الدراسي نادرة، ولا سيما للبرامج المعمّمة على مستوى النظام. وقد شُكّك عموماً في التجميع بحسب القدرة في التعليم الثانوي بسبب أثره في تقدير الطلاب لذواتهم، وكذلك بسبب تحديات التنفيذ.
وتُنفَّذ برامج التعليم العلاجي منذ عقود في البلدان مرتفعة الدخل. وتتفاوت النتائج وتتوقف على تصميم البرنامج وتنفيذه. ففي إسرائيل، زاد برنامج دعم طلاب المرحلة العليا من التعليم الثانوي لاجتياز امتحان نهاية الحلقة معدلَ الإتمام بمقدار 3.3 نقاط مئوية. وفي إيطاليا، لم يكن لبرنامج جمع بين التعليم العلاجي وقواعد أكثر صرامة للتقدّم الدراسي أي أثر في المدارس الأكاديمية، بل كان له أثر سلبي في المدارس التقنية. وفي السويد، قلّل البرنامج التمهيدي، الذي يستهدف الطلاب المحرومين للانتقال من نهاية التعليم الإلزامي إلى المرحلة العليا من التعليم الثانوي بتدريس مكيّف فردياً، تركَ المدرسة المبكر، لكنه يحتاج إلى أن يقترن بالتعلّم الاجتماعي الوجداني لبناء ثقة الطلاب بأنفسهم.
التمايز
تختلف البلدان في مدى اختيارها بين تعليم ثانوي شامل وتعليم ثانوي متمايز. والبلدان التي تقدّم مسارات متمايزة تختلف أيضاً في السن التي تصبح فيها هذه الخيارات متاحة وفي آلية توزيع الطلاب عليها. ومن بين المسارات المتمايزة ذات التوجّه المهني، تختلف البرامج أيضاً في مدى تقديمها التدريب في مواقع العمل والتلمذة المهنية.
ويُروَّج للتعليم والتدريب التقني والمهني لتحقيق هدفين رئيسيين، من بين أهداف أخرى: تعزيز عرض المهارات في سوق العمل، وتقديم بديل للطلاب غير المنجذبين إلى البرامج ذات التوجّه الأكاديمي، والأكثر عرضة لخطر التسرّب في نظام شامل. وتقيّم معظم الدراسات تحقيق الهدف الأول، استناداً إلى معلومات عن قابلية الخريجين للتوظيف ومواءمة الوظائف والدخل. أما الهدف الثاني فتقييمه أصعب بكثير لأن السيناريو البديل غير ملحوظ. ففي النظم المتمايزة، يترك الطلاب المدارس التقنية والمهنية مبكراً أيضاً، لكن ما لا يمكن ملاحظته هو ما كان سيحدث لو لم يكن لهؤلاء الطلاب هذا الخيار. وحتى في البلدان التي يرتفع فيها التسرّب في المدارس المهنية عنه في المدارس العامة، قد تكون ثمة فروق في انتقائية المسارات التقنية والمهنية. فرغم أنها تميل إلى استيعاب طلاب من خلفيات اجتماعية اقتصادية أكثر حرماناً نسبياً، فإن قوة هذه العلاقة تتفاوت بحسب البلد.
ومن الأسئلة السياساتية الرئيسية السن التي يُوزَّع فيها الطلاب على المسارات المختلفة، إذ تجري بعض البلدان هذا التوزيع في سن العاشرة، مما يقلّل فرصة الأطفال من الخلفيات المحرومة للالتحاق بالمسار الذي يناسب قدراتهم واهتماماتهم على أفضل وجه. ويُظهر تحليل لإصلاحات السن في أربعة عشر بلداً أوروبياً خلال القرن العشرين أنه كلما تأخر هذا التوزيع، أصبحت الفرص التعليمية أكثر إنصافاً. كما أظهر التحليل أن التوزيع على المسارات في سن العاشرة خفّض احتمال إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي بأربع نقاط مئوية للشباب الذين يعمل آباؤهم عمالاً مقارنة بمن يعمل آباؤهم مديرين كباراً. وفي المقابل، زاد إصلاح في فرنسا خفّف التوزيع على المسارات في السبعينيات مستوياتِ المؤهلات المحققة بين الرجال وذوي الخلفيات الاجتماعية الاقتصادية المتدنية، وإن لم يكن بين المهاجرين. وفي رومانيا، رفع تأخير توزيع الطلاب على المسارات إتمام التعليم الثانوي العام بخمس نقاط مئوية.
ومن الأهداف المهمة الأخرى لتوسيع التعليم الثانوي التقني والمهني، التي لا تميل الحكومات إلى الاعتراف بها علناً، تخفيف الضغط على الالتحاق بالتعليم ما بعد الثانوي. غير أنه لأن ذلك يتعارض مع أهداف أخرى ويجعل المسار التقني والمهني أقل جاذبية، بُذلت جهود أكبر لإتاحة الانتقال إلى أجزاء من نظام التعليم ما بعد الثانوي أو إليه كاملاً، بما في ذلك الجامعة، كما في بنغلاديش والبرازيل وأوغندا.
وتختلف نظم التعليم التقني والمهني في جوانب أخرى كثيرة تعيق المقارنات، كمزيج الالتحاق بين المسارات ومزيج المقررات الأكاديمية والمهنية التي يدرسها الطلاب في كل مسار. وفي نهاية المطاف، يتوقف مدى نجاح المسارات التقنية والمهنية في الحدّ من التسرّب على جودتها من حيث المعلمون والمناهج والمعدات والمشاركة الفعلية لأصحاب العمل وفرص التدريب في مواقع العمل لتيسير الانتقال من المدرسة إلى العمل. ففي بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ارتفعت حصة طلاب التعليم المهني في المرحلة العليا من التعليم الثانوي الملتحقين ببرامج تجمع بين المدرسة ومواقع العمل من 35% في عام 2013 إلى 45% في عام 2023، رغم أن حصة الطلاب المهنيين في المرحلة العليا من التعليم الثانوي ظلت ثابتة عند 44% خلال هذه الفترة، مما يوحي بتزايد التركيز على تحسين الجودة والملاءمة.
وتجرّب عدة بلدان أنواعاً بديلة من التمايز. فالمملكة العربية السعودية، حيث لا يرتاد أي من طلاب المرحلة الثانوية مسارات مهنية، أدخلت نظاماً للمسارات في عام 2022. فالسنة الأولى مشتركة، في حين يمكن للطلاب في السنتين الأخيرتين الالتحاق بأي من خمسة مسارات: العام، والشرعي، وعلوم الحاسب والهندسة، والصحة والحياة، وإدارة الأعمال.
السياسات المتعلقة بجانب الطلب
رغم الإصلاحات التشريعية وإصلاحات الحوكمة والتنظيم، يواجه كثير من الأطفال والمراهقين والشباب عوائق مالية واجتماعية وصحية وغيرها تقيّد مشاركتهم التعليمية. ويمكن للسياسات المتعلقة بجانب الطلب أن تخفّف هذه العقبات بخفض التكاليف وتغيير حوافز الأسر. وقد تناول القسم السابق إلغاء الرسوم لأنه عادة ما يقترن بتشريعات التعليم الإلزامي. وعلى أي حال، تميل الرسوم إلى أن تكون عقبة أقل شأناً؛ فإلغاؤها كان في الأساس إشارة إلى الأهمية التي توليها الحكومة للتعليم. أما التكاليف المباشرة وغير المباشرة الأخرى، ومنها تكاليف الفرصة البديلة، فهي تحدٍّ أكبر بكثير. وقد حلّل هذا التقرير بعمق المجموعة الكاملة من سياسات التمويل المستخدمة لتحسين الإنصاف في التعليم الابتدائي والثانوي في الفصل السادس. ويقتصر هذا القسم على سياسات مختارة تدعم المشاركة المدرسية بزيادة القدرة على تحمّل التكاليف وتحسين تصوّر فوائدها.
اللوازم المدرسية
توفير الكتب المدرسية شرط مسبق للتعلّم، ومن ثمّ للتقدّم الدراسي، وإن أظهرت بعض التقييمات أنه قد لا يكون كافياً. ففي أرمينيا، أنشأت منظمة تدير الكتب المدرسية المشتراة عبر مشروع للبنك الدولي برنامجاً لتأجير الكتب المدرسية في عام 1997. وكان هدفه خفض التكلفة على الأسر بتمكينها من استئجار الكتب من المدرسة مقابل رسم زهيد بدلاً من شرائها. وبجمع رسوم الإيجار المحصّلة ومساهمة حكومية، أمكن شراء كتب جديدة بعد أربع سنوات. واستخدمت بلدان في آسيا الوسطى، منها طاجيكستان وأوزبكستان، نظم التأجير أيضاً. وفي الصين، وفي إطار برنامج «إعفاءان ودعم واحد»، أدى الإعفاء من رسوم الكتب المدرسية مقترناً بإعانات نقدية للأسر الريفية الفقيرة إلى زيادة الالتحاق بالمرحلة الإعدادية بمقدار اثنتي عشرة نقطة مئوية. وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، زاد توافر الكتب المدرسية احتمال النجاح في امتحان نهاية المرحلة الابتدائية بسبع نقاط مئوية. وفي كينيا، أظهر تقييم لتدخل تضمّن توفير الكتب المدرسية أنه زاد الانتقال من الصف الثامن إلى الصف التاسع، لكنه لم يقلّل إعادة الصفوف ولم يزد الحضور في الصفوف الأدنى، مما يعني أن الطلاب الأغنى استفادوا أكثر من الطلاب الأفقر.
ويمكن أن يمثّل الزي المدرسي عبئاً كبيراً على الأسر. فالطلاب الفقراء الذين لم يستطيعوا تحمّل تكلفة الزي في منغوليا شعروا بالوصم، مما رفع احتمال التسرّب. وأبرزت دراسات مختلفة جوانب تتعلق بتصميم برامج الدعم وتنفيذها. فقد تبيّن أن برنامجاً للزي المجاني نُفّذ جزئياً في الإكوادور كان له أثر سلبي في الحضور، ربما بسبب ضعف الاستهداف أو إثارة توقعات زائفة. وفي كينيا، وجدت دراسة لدعم الزي المدرسي، رصدت في البداية انخفاضاً بنسبة 55% في تغيّب الطلاب الذين لا يملكون زياً بعد عام من بدء البرنامج، أنه لم يكن له أثر في التحصيل بعد ثماني سنوات. ويلزم تقديم برامج الدعم في حزمة واحدة تجمع بين الزي والإعفاء من التكاليف الأخرى.
الصحة
تُعدّ الحالة الصحية والتغذوية للأطفال محدداً رئيسياً للتوسّع التعليمي. فضلاً عن ذلك، تمثّل المدرسة نفسها موقعاً للتدخلات الصحية والتغذوية التي تدعم هذا التقدّم أكثر. والتغذية المدرسية وتوفير المكمّلات من المغذيات الدقيقة هما التدخلان اللذان حظيا بأكبر قدر من الاهتمام، ويتناول هذا التقرير أيضاً بالتفصيل التقدّم العالمي في برامج الوجبات المدرسية في الفصل السادس.
ومن أنواع التدخلات التي توصي بها منظمة الصحة العالمية والتي وُثّق أثرها جيداً التخلص من الديدان. فالديدان المعوية التي تنتقل بملامسة المياه أو التربة الملوثة تقلّل امتصاص المغذيات، مما يؤدي إلى فقر الدم وسوء التغذية، فيصعب التركيز في الفصل، ويُضعف المناعة ضد العدوى الأخرى، فيكثر المرض والتغيّب. ولم تجد المراجعات المنهجية، وإن استندت إلى عدد محدود جداً من الدراسات، أثراً قوياً في الحضور المدرسي، ربما أيضاً بسبب تفاوت شدة العدوى.
ومع ذلك، أدت سلسلة مؤثرة من التقييمات المعمّقة لمشروع مموّل من البنك الدولي في 75 مدرسة ابتدائية ريفية في مقاطعة في غرب كينيا في أواخر التسعينيات إلى وصف التخلص من الديدان بأنه الطريقة الأكثر فعالية من حيث التكلفة لزيادة الحضور المدرسي، مع ربطه على نحو مبالغ فيه بعض الشيء بزيادة قدرها اثنتا عشرة سنة من التعليم لكل مائة دولار أمريكي تُستثمر. فقد وجدت الدراسة الأصلية أن التدخل خفّض التغيّب بنسبة 25%. ثم تبيّن أنه زاد معدل انتقال الفتيات إلى المدرسة الثانوية، في حين امتدت الآثار غير المباشرة المتمثلة في زيادة الحضور إلى المدارس القريبة الأخرى في دائرة نصف قطرها أربعة كيلومترات. وعلى المدى الأطول، تبيّن أيضاً أن التدخل زاد التحصيل بمقدار 0.3 سنة. وأدى العمل اللاحق إلى حملات علاج واسعة في كينيا شملت 2.8 مليون طفل، وإثيوبيا شملت 15 مليوناً، والهند شملت 17 مليوناً، ونيجيريا شملت 4.8 مليون، فأصبحت جزءاً من البرامج الوطنية القائمة أو مكمّلة لها.
وفي إثيوبيا، وجد تحليل تجميعي أن انتشار الديدان، بعد تراجعه في مطلع الألفية، انخفض لكنه لا يزال مرتفعاً. والأدلة على النواتج التعليمية لا تزال محدودة. فقد وجدت تجربة عشوائية محكومة في ستين مدرسة ابتدائية في أديس أبابا أنه لا أثر للتدخل في التغيّب. وفي جمهورية تنزانيا المتحدة، زاد التخلص من الديدان الحضور بنسبة 2.6%، وإتمام المدرسة الابتدائية بنسبة 3.2%، ومعدلات النجاح في الامتحانات الوطنية بنسبة 0.7%.
وفي الهند، أُضفي الطابع المؤسسي على البرنامج الوطني للتخلص من الديدان في المدارس منذ عام 2015، مستهدفاً 240 مليون طفل معرّضين لخطر العدوى. وبحسب المسح الوطني الشامل للتغذية، بلغت تغطية علاج الديدان في المدارس من عام 2016 إلى عام 2018 ذروتها بين الأطفال في سن الثانية عشرة عند نحو 50%، مما يعني أن المدارس استأثرت بأكثر من 85% من علاجات الديدان المتلقاة. وهذا بدوره يعني أن التخلص من الديدان لا يزال لا يصل إلى أكثر من نصف السكان في سن الدراسة. ولوحظ انخفاض الإصابة بفقر الدم ونقص الحديد والفولات بين الأطفال والشباب الذين تلقّوا العلاج. لكن استمرار هذه الحالات أشار أيضاً إلى سجل متفاوت من فعالية البرامج القائمة وإلى ضرورة الاستثمار في الصرف الصحي أيضاً.
ومن التدخلات الصحية الأخرى التي حققت نتائج إيجابية في المشاركة علاج الملاريا. فقد وجد تحليل تجميعي للدراسات منذ عام 2000 أن الاستخدام المتكرر لأدوية الملاريا طويلة المفعول لدى الأطفال في سن الدراسة جنّب هذه الفئة ما بين 70% و90% من الإصابات، أي ما يصل إلى نحو إصابتين لكل طفل سنوياً، مع فوائد مجتمعية أكبر نتيجة لانخفاض معدلات الانتقال. وجنّبت الأدوية قصيرة المفعول أو الجرعات الأقل تواتراً ما بين 40% و60% من الإصابات. وأشار تحليل مقارن بين البلدان إلى أن البلدان التي تنتشر فيها الملاريا بكثافة كانت معدلات إتمام التعليم الابتدائي فيها أدنى بنسبة 54% من البلدان الخالية من الملاريا. وفي غامبيا، زادت الوقاية الدوائية من الملاريا التعليمَ بمقدار 0.52 سنة، في حين خفّض العلاج الوقائي المتقطع خلال الطفولة المبكرة التسرّبَ اللاحق من المدارس الحكومية تخفيضاً كبيراً. ووجدت تقييمات مبادرات مكافحة الملاريا أن التغيّب وإعادة الصفوف انخفضا في ملاوي، وأن تغيّب تلاميذ المدارس الابتدائية انخفض بنسبة 28% في جنوب موزمبيق، وأن معدل الإصابة بالملاريا انخفض بنسبة 55%، والتغيّب المدرسي بسبب الملاريا بنسبة 62.5%، في سري لانكا.
وثمة اهتمام عالمي متزايد بأثر الصحة النفسية للمراهقين في التحصيل التعليمي. فقد استأثرت الاضطرابات النفسية ومظاهر الضيق بنسبة 19% من إجمالي عبء المرض بين المراهقين في جميع البلدان، مما يجعلها أكبر مسبّب لهذا العبء. وقد قُيّم انتشار الاضطرابات النفسية وأثرها في التحصيل التعليمي بصورة أكثر منهجية في البلدان مرتفعة الدخل. ففي إنجلترا بالمملكة المتحدة، تبيّن أنها تؤثر سلباً في التحصيل عبر صلاتها بالسلوك المدرسي والإقصاء الاجتماعي. وفي إطار المفهوم الأوسع للمدارس المعزّزة للصحة، تُدعى المؤسسات التعليمية إلى تعزيز الصحة النفسية الإيجابية.
العلاقات
سعت مجموعة واسعة من التدخلات إلى تعزيز العلاقات بين الطلاب المعرّضين لخطر ترك المدرسة المبكر والآباء والمدارس والخبراء. وتشمل هذه التدخلات تقديم معلومات دقيقة والدعم النفسي الاجتماعي والإرشاد المستمر لتحسين الحضور والإتمام واختيار المسارات التعليمية. وهدفت السياسات والبرامج إلى رفع القيود عن المشاركة والتقدّم الدراسي، كمحدودية الوعي بفوائد التعليم، والانفصال عن الشؤون المدرسية، وغياب التوجيه.
ومن الافتراضات، التي ربما تنطوي على قدر من الوصاية، أن الشباب وأسرهم من الخلفيات الاجتماعية الاقتصادية المحرومة قد لا يدركون الفوائد طويلة الأجل للتعليم، وأنهم قد يتخذون خيارات مختلفة بشأن المستقبل لو كانوا أفضل اطّلاعاً. وتستند التقييمات إلى تدخلات مشاريع صغيرة. ففي الجمهورية الدومينيكية، أدى تزويد الفتيان في الصف الثامن بمعلومات عن أجور البالغين بحسب المستوى التعليمي إلى زيادة التحصيل بما يصل إلى 0.35 سنة في السنوات الأربع التالية. وفي مدغشقر، زادت المعلومات المقدمة لطلاب الصف الرابع مصحوبة بقدوات يُحتذى بها الحضورَ بمقدار 3.5 نقاط مئوية. لكن في المناطق الريفية من الصين، لم يكن لتدخل جمع بين المعلومات عن عوائد التعليم والإرشاد أي أثر في الحضور. وثمة نوع آخر من المعلومات أكثر مباشرة وقصير الأجل يتمثل في رسائل تذكّر الأسر بالتزاماتها. ففي شيلي، زادت التحديثات الأسبوعية أو الشهرية عن الحضور والأداء المرسلة إلى آباء الطلاب في المدارس الواقعة في الأحياء منخفضة الدخل احتمالَ استيفاء عتبات الحضور اللازمة للترفيع بخمس نقاط مئوية، مع أقوى الآثار لدى الأكثر عرضة للخطر.
ومن حيث المبدأ، ينبغي أن تساعد تعبئة الآباء والمجتمعات على تعزيز تحسّن النواتج التعليمية، كالحضور المدرسي. غير أن الدراسات السببية نادرة، حتى في البلدان مرتفعة الدخل. وفي البلدان منخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، كثيراً ما يُستهان بأن الفجوة في المكانة الاجتماعية بين الآباء والمعلمين ومديري المدارس الأكثر تعليماً قد تكون عائقاً كبيراً. ففي النيجر، لم يكن لتدخل أشرك الآباء في إدارة المنح المدرسية الابتدائية أي أثر في الالتحاق أو التسرّب. ومن الاتجاهات البحثية الأكثر إفادة من تقييم نتائج التدخلات الممولة من المانحين استخدامُ البيانات الطولية. ففي الهند، كان المراهقون من سن 15 إلى 18 أقل ميلاً إلى ترك المدرسة مبكراً إذا كان آباؤهم قد شاركوا في اجتماعات جمعيات أولياء الأمور والمعلمين، وناقشوا التقدّم الأكاديمي مع المعلمين، وأشرفوا على الواجبات المنزلية حين كانوا لا يزالون في المدرسة الابتدائية. غير أن هذه النتيجة تشير أيضاً إلى الفروق في رأس المال الاجتماعي بين الآباء المحرومين وغيرهم، وتظل غامضة من حيث انعكاساتها السياساتية.
ويفتقر كثير من المراهقين المعرّضين لخطر ترك المدرسة مبكراً إلى بالغين موثوقين يمكنهم مساعدتهم على اجتياز المواقف الصعبة. ووضع توقعات عالية للطلاب، ومتابعتهم بانتظام، وتيسير العلاقات الإيجابية مع العاملين في المدرسة، وتقديم خدمات التوجيه، عناصر في نهج يشمل المدرسة بأكملها.
ففي فرنسا، يتفاوت توجيه طلاب المدارس الثانوية بشأن الخيارات التعليمية المستقبلية تفاوتاً كبيراً، إذ نادراً ما تقدّم المدارس في المناطق المحرومة مشورة مبكرة وفردية توجّه الطلاب نحو مسارات طموحة. وفي ألمانيا، زُوّد أطفال المدارس الابتدائية من الخلفيات المحرومة بطلاب جامعيين مرشدين لمدة عام، يقضون عصراً في الأسبوع في إثارة أفكار جديدة. واحتفظ المرشدون بمذكرات إلكترونية وناقشوا القضايا مع منسقي البرنامج. وأظهر تقييم أن المستفيدين أصبحوا في نهاية المطاف أكثر احتمالاً بإحدى عشرة نقطة مئوية للالتحاق بالمسار الأكاديمي في المرحلة العليا من التعليم الثانوي من أقرانهم المحرومين، مما قلّص إلى النصف الفجوة بينهم وبين أقرانهم الأكثر امتيازاً. وفي الولايات المتحدة، حددت مجموعات البيانات الطولية أثراً إيجابياً للمرشدين في تحصيل الشباب المحرومين عبر وضع أهداف تعليمية طموحة. ووجد تقييم لبرنامج منظّم، يعيّن مرشدين داخل المدرسة يرصدون حضور الطلاب المستفيدين وأداءهم المدرسي، ويربطونهم بالخدمات المدرسية والاجتماعية، ويبنون علاقات معهم، أنه خفّض الغياب في الصفوف من الخامس إلى السابع بنسبة 23%.
السياسات المتعلقة بجانب العرض
تشكّل السياسات المتعلقة بجانب العرض الظروفَ التي يلتحق فيها الأطفال بالمدرسة ويحضرونها ويتقدّمون فيها. فبينما تخفّض تدابير جانب الطلب التكاليف الخاصة وتؤثر في الحوافز، يتقوّض أثرها حيث لا تستطيع النظم التعليمية استيعاب متعلمين إضافيين وضمان بيئات تعلّم شاملة وآمنة. فالفصول المكتظة والمرافق المتداعية والطرق غير الآمنة إلى المدرسة وغياب المعلمين والوظائف الشاغرة ونقص مواد التعليم والتعلّم تسهم جميعها في جعل التجربة المدرسية غير جاذبة حتى حين تُخفَّض العوائق المالية. وتشمل إصلاحات جانب العرض الاستثمار في البنية التحتية وتحسين بيئات التعلّم من منظور الإدماج والسلامة.
البنية التحتية العامة
يقلّل تطوير البنية التحتية المسافة إلى المدارس، ويخفض المخاطر على السلامة، ويزيد انتظام حضور المعلمين. وقد كان من أقوى محددات توسيع الوصول إلى التعليم، مع أثر أكبر في الفتيات، اللاتي تضعهن المسافات الطويلة إلى المدارس في وضع غير مواتٍ، لأسباب تتعلق بالسلامة وبالأعراف الاجتماعية التمييزية على السواء. والاستثمار في البنية التحتية العامة مهم ليس في التعليم الابتدائي والثانوي فحسب، بل في التعليم ما قبل الابتدائي أيضاً.
وتبرهن عدة برامج واسعة النطاق للبنية التحتية على أن المكاسب في المشاركة تستمر حتى مرحلة البلوغ. فقد وجد تقييم لبرنامج بناء المدارس في إندونيسيا في السبعينيات أن كل مدرسة ابتدائية تُبنى لكل ألف طفل زادت التحصيل التعليمي بما يتراوح بين 0.12 و0.19 سنة. وفي سيراليون، زادت إعادة بناء المدارس بعد الحرب الأهلية تعليم النساء بنحو نصف سنة. وفي تركيا، وجد تقييم لبرنامج كبير لتوسيع الفصول بين عامَي 1998 و2002 أنه زاد إتمام المدرسة الثانوية بأكثر من نقطتين مئويتين.
وفي المقابل، وعلى الرغم من الضغوط الديموغرافية، تباطأ توسيع البنية التحتية في أفريقيا جنوب الصحراء. فمن عام 2010 إلى عام 2020، ركد نمو المدارس الابتدائية العامة في أفريقيا جنوب الصحراء أو تراجع في 28 بلداً من أصل 29. وتفيد مسوح حديثة أيضاً بأن 40% على الأقل من الفصول الدراسية غير دائمة في تسعة بلدان من أصل 19، وأن نصف المدارس على الأقل في حالة جيدة في سبعة بلدان فقط من أصل 17 تتوافر عنها بيانات.
وكانت رواندا استثناءً حديثاً بارزاً في أفريقيا جنوب الصحراء. فهناك أيضاً، ورغم إدخال سياسة التعليم الأساسي لتسع سنوات في عام 2006، لم يرتفع المعدل السنوي لبناء المدارس الابتدائية إلا من أربعين مدرسة سنوياً في العقد الأول إلى خمسين في العقد الثاني من هذا القرن، في حين ارتفعت نسبة الطلاب إلى الفصول في المدارس الابتدائية الحكومية والمدعومة حكومياً من 60 طالباً للفصل في عام 2005 إلى 83 في عام 2020. واستجابةً لذلك، بُنيت نحو 1,100 مدرسة جديدة بين عام 2019 والعام 2023/2024 رغم قيود جائحة كوفيد 19. وموّل البنك الدولي البرنامج، وقادته تعبئة مجتمعية واسعة، مقترنة بدعم الحكومة المركزية والمحلية في التخطيط والتمويل والرصد. ومن سماته الرئيسية بناء الفصول خارج الموقع باستخدام تصاميم نمطية وموحّدة وتجهيزها مسبقاً في مصانع مخصصة، مما أتاح إعداد المواقع في الوقت نفسه واختصر الجدول الزمني الإجمالي للمشروع بنسبة تتراوح بين 30% و50%، مع تسليم المباني في ستة أشهر.
وكان إشراك المجتمع النهجَ الذي اتبعته حكومات كثيرة لإبقاء التكاليف منخفضة مع زيادة عدد المدارس. ففي أفغانستان، وقبل إعادة فرض الحظر على تعليم الفتيات بعد عشرين عاماً من رفعه أول مرة، زاد إنشاء مدارس في القرى الالتحاقَ بمقدار 52 نقطة مئوية للفتيات و35 نقطة مئوية للفتيان، إذ كانت مسافة ميل إضافي من المشي تخفّض الالتحاق بخمس عشرة نقطة مئوية، وبأكثر من ذلك للفتيات. وفي مصر، أُنشئت نحو خمسة آلاف مدرسة مجتمعية صديقة للفتيات بين مطلع التسعينيات ومنتصف العقد الثاني من هذا القرن، في الوقت الذي كانت تُبنى فيه المدارس العامة الحكومية لسدّ الفجوة. وشكّلت المدارس المجتمعية التي أُنشئت في إطار البرنامج الهندوراسي للتعليم المجتمعي في المناطق المحرومة من الخدمات 14% من المدارس الريفية، وإن ظلت معدلات التسرّب فيها أعلى منها في المدارس الحكومية المماثلة.
توسيع التعليم ما قبل الابتدائي ساعد على زيادة التحصيل المدرسي
يعزّز توسيع التعليم ما قبل الابتدائي الجيد والمنصف المشاركةَ في المدرسة الابتدائية وإتمامها، ولا سيما حين تكون الإصلاحات واسعة النطاق، مدعومة بسياسة وطنية، ومعزّزة بمناهج أفضل وتدريب أفضل للمعلمين. وما دامت معايير الجودة محفوظة، فإن تعليم الطفولة المبكرة يحسّن النمو المعرفي والجاهزية المدرسية، مما يمكّن الأطفال من التقدّم بسلاسة أكبر في الصفوف الأولى.
وحين يُوسَّع الوصول على مستوى النظام بأكمله، تتراكم هذه الفوائد على مستوى السكان وتُترجم إلى تحسّن في التحصيل المدرسي. فقد وجد تحليل مقارن بين البلدان أن التعليم ما قبل الابتدائي المجاني والإلزامي ارتبط بزيادة في إتمام التعليم الابتدائي بنسبة 10% في البلدان التي تقع خطوط أساسها في وسط التوزيع، و12% في البلدان التي تقع خطوط أساسها في أسفله.
وفي مصر، ارتبط ارتياد التعليم ما قبل الابتدائي بزيادة قدرها 0.4 سنة من التعليم بين الشباب البالغين من سن 18 إلى 29. وفي كينيا وجمهورية تنزانيا المتحدة، سرّعت المشاركة في التعليم ما قبل المدرسي التقدّم بين الصفوف وقلّلت التسرّب. وفي موزمبيق، كان الأطفال الذين ارتادوا برامج ما قبل المدرسة المجتمعية أكثر ميلاً إلى الالتحاق بالمدرسة الابتدائية في الوقت المحدد.
وفي الأرجنتين، أدى توسيع التعليم ما قبل الابتدائي في التسعينيات بعشر نقاط مئوية، مع استهداف المناطق المحرومة، إلى زيادة تحصيل المستفيدين في التعليم الابتدائي والثانوي بنصف سنة، واحتمال إتمامهم التعليم الثانوي باثنتي عشرة نقطة مئوية. وفي غواتيمالا، رفع برنامج وطني للبناء ضاعف عدد مدارس ما قبل الابتدائي أكثر من مرتين بين عامَي 1998 و2005 حصةَ الأطفال الذين يبلغون الصف السادس بمقدار 2.1 نقطة مئوية. وفي أوروغواي، أتمّ الأطفال الذين شملهم توسيع التعليم ما قبل المدرسي 0.8 سنة إضافية من التعليم بحلول سن الخامسة عشرة.
وتُظهر الأدلة من البلدان مرتفعة الدخل فوائد دائمة لتوسيع تعليم الطفولة المبكرة. ففي النمسا، ارتبط ارتياد التعليم ما قبل المدرسي بزيادة قدرها 0.4 سنة في التحصيل التعليمي. وفي فرنسا، قدّر تقييم لتوسّع كبير في التعليم ما قبل الابتدائي العام في الستينيات أن إضافة مؤسسة واحدة لما قبل المدرسة لكل مائة طفل زادت احتمال إتمام المدرسة الثانوية بست نقاط مئوية، وإن كان الأثر منحازاً إلى الفئات الاجتماعية الاقتصادية الأعلى. وفي مدينة بوسطن الأمريكية، يُقدَّر أن برنامجاً عاماً شاملاً للتعليم ما قبل المدرسي نُفّذ بين عامَي 1997 و2003 زاد احتمال إتمام الطلاب المدرسة الثانوية والتحاقهم بالتعليم ما بعد الثانوي بثماني نقاط مئوية.
ويواجه الأطفال في المناطق الريفية والنائية أوجه حرمان تحدّ من الالتحاق والحضور والتقدّم، منها مسافة التنقل والطرق غير الآمنة وقدرات المعلمين ونقصهم وفقر الأسر. وتحاول الحكومات الحدّ من هذه العوائق بطرق تقليدية، في حين لم تتحقق الإمكانات التحويلية للتعليم عن بُعد إلا في سياقات قليلة.
وتؤثر المسافة تأثيراً كبيراً في الحضور المدرسي. ففي باكستان، تقل احتمالية ارتياد الفتيات في سن المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي، من العاشرة إلى الثانية عشرة، اللاتي يحتجن إلى 45 إلى 60 دقيقة للوصول إلى المدرسة، بخمس عشرة نقطة مئوية عن اللاتي يعشن على بعد خمس عشرة دقيقة من المدرسة. وتبيّن أيضاً أنه بين فتاتين تعيشان على المسافة نفسها من المدرسة، كانت احتمالات التحاق الفتيات من الأسر التي تسمح بالتنقل غير المقيّد إلى المدرسة أعلى بمرة ونصف، واحتمالات بقائهن في المدرسة أعلى بـ1.6 مرة، مقارنة بمن يحتجن إلى مرافق. وفي اليمن، لم تكن 24% من المدارس تقدّم سوى الصفوف الستة الأولى، مما يعني أن هؤلاء الأطفال، ولا سيما الفتيات، يواجهون تحدي السفر للوصول إلى مدرسة فيها صفوف المرحلة الإعدادية.
وركّزت بلدان كثيرة على تقليل مسافة الطلاب إلى المدرسة عبر مرافق الإقامة الداخلية، بدلاً من تقليل مسافة المنازل إلى المدارس. فقد نفّذت الصين برنامجاً كبيراً لدمج المدارس الابتدائية الريفية في العقد الأول من هذا القرن لضمان الجودة بتكلفة مستدامة. وفي عام 2016، كان ثمة 26 مليون طالب داخلي في المدارس الريفية، يمثّلون 14% من الالتحاق بالتعليم الابتدائي و59% من الالتحاق بالمرحلة الدنيا من التعليم الثانوي. ووجد تقييم أن دمج المدارس الريفية ارتبط بانخفاض التحصيل التعليمي للفتيات، وأن هذه الآثار السلبية مالت إلى أن تكون أكبر لدى طلاب الأقليات العرقية، لكن الأثر تضاءل على المستوى الوطني أمام التوسّع السريع في التعليم الثانوي. وفي غانا، كان من عواقب سياسة المرحلة العليا من التعليم الثانوي المجانية التي أُدخلت في عام 2017 ازدياد الطلب على الإقامة الداخلية. وفي تركيا، تضاعف عدد الطلاب المنقولين بالحافلات خمس مرات وعدد الطلاب الداخليين ثماني مرات بين عامَي 1997 و2002. وفي فيتنام، انضمت إلى المدارس الثانوية الداخلية الانتقائية، التي أُدخلت في السبعينيات لطلاب الأقليات العرقية المدعومين بامتيازات كمنح الغذاء، مدارسُ شبه داخلية في المرحلتين الابتدائية والإعدادية في العقد الثاني من هذا القرن.
وفي المناطق الحضرية، لا يزال تصميم سياسات وتدخلات النقل المدرسي وتنفيذها وتقييمها قليل الأهمية لدى صانعي السياسات التعليمية. ويمكن أن تتعلق السياسات بالطرق والمركبات والمستخدمين وحدود السرعة وقيود المناطق والاستجابة للحوادث وخيارات النقل الآمن والتوعية. وفي البلدان مرتفعة الدخل، كثيراً ما يكون التنقل إلى المدرسة منظّماً. ففي إستونيا، ينص مشروع لائحة على ألا تتجاوز مسافة المشي إلى المدرسة لتلاميذ المرحلة الابتدائية ثلاثة كيلومترات، وعلى أن توفّر البلديات النقل إذا كان طريق الطالب يحاذي طريقاً تتجاوز حدود السرعة فيه خمسين كيلومتراً في الساعة ويفتقر إلى ممر للمشاة أو رصيف. وفي إنجلترا بالمملكة المتحدة، يُقدَّم التنقل المجاني إذا تجاوزت المسافة 3.2 كيلومترات للتلاميذ دون الثامنة، و4.8 كيلومترات للأطفال الأكبر سناً. وهذه المعايير أقل شيوعاً في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل. ففي ضواحي أكرا، أبدى 55% من الأطفال الذين يمشون إلى المدرسة دون مرافق سلوكيات خطرة، كعبور الطريق من غير الأماكن المخصصة. وإصابات الطرق هي السبب الأول للوفاة بين من هم في سن 15 إلى 19، والسبب الثاني للوفاة بين من هم في سن 10 إلى 14 في شرق آسيا والمحيط الهادئ وجنوب آسيا.
التعليم عن بُعد لم يُستخدم لتحسين الوصول إلا في سياقات قليلة
ربما برز التعليم عن بُعد خلال جائحة كوفيد 19، لكنه ظل منذ زمن طويل ركيزة للنظم التعليمية في الدول الجزرية والمناطق النائية. فقد نُفّذ مشروع التعليم الحديث عن بُعد للمدارس الريفية في الصين بين عامَي 2004 و2007. وتألف من ثلاثة أنماط تربوية: مشغّلات أقراص الفيديو الرقمية التي تعرض محاضرات ومواد تعليمية أعدّها معلمون ذوو جودة عالية، وأجهزة الاستقبال الفضائي التي توصل محاضرات ومواد تعليمية جديدة عبر الإنترنت، وفصول الحاسوب التي يمكن للطلاب فيها متابعة المواد التعليمية الجديدة من أجهزتهم الخاصة. ووصل البرنامج إلى 85% من المقاطعات ونحو 350 ألف مدرسة وأكثر من مائة مليون طالب. ويُقدَّر أنه زاد احتمال إتمام المرحلة الدنيا من التعليم الثانوي بنسبة 7%. وعموماً، كانت المكاسب في التقدّم الدراسي والإتمام في الصين أقوى حيث دُمج التعليم عن بُعد منهجياً مع التدريس الحضوري بدلاً من تقديمه نمطاً قائماً بذاته.
ولا تزال غيانا تستخدم التعليم عبر الإذاعة. فمحطة «إديو إف إم» هي المحطة الإذاعية الرسمية لوحدة التعليم عن بُعد في وزارة التعليم، وتبث محتوى متسقاً مع المنهج إلى المجتمعات الساحلية والداخلية عبر أكثر من عشرين موقع ترحيل. وهدفت حملة أُطلقت في عام 2025 إلى ضمان تجهيز كل مدرسة نائية بجهاز راديو قادر على استقبال المحتوى.
وانتقلت مدرسة المراسلة في نيوزيلندا، المعروفة بـ«تي كورا»، تدريجياً من التعليم الورقي إلى التعليم الإلكتروني المخصص لكل طالب، وتوسّعت لتصبح أكبر مدرسة في البلد، بأكثر من 25 ألف طالب، معظمهم في المرحلة الثانوية. ويُعدّ نحو 60% من طلابها المتفرغين معرّضين للخطر لأنهم منفصلون عن التعليم الحضوري أو مستبعدون منه أو ناقمون عليه. وينتمي نحو 40% من الطلاب إلى شعب الماوري. وافتتحت المدرسة مكاتب إقليمية في ثلاث مدن كبرى، ونقاطاً في المجتمعات الأصغر، ونحو 140 موقعاً أصغر، حيث تتيح الجلسات الجماعية الحضورية الأسبوعية وأيام الفعاليات والدروس التوجيهية للطلاب فرصة إضافية لتلقي الدعم والتواصل مع أقرانهم ومجتمعاتهم المحلية. ويُقدَّم هذا النهج أيضاً لطلاب الأقاليم الثلاثة في المحيط الهادئ، جزر كوك ونيوي وتوكيلاو. وطوّرت جزر كوك مدرسة «تي كورا أويرا» للتعلّم الإلكتروني في عام 2014. فطلاب المرحلة الثانوية في الجزر التي يصعب الوصول إليها يجتمعون في فصول محلية ويحضرون دروساً إلكترونية يقدّمها معلمون من الجزيرة الرئيسية راروتونغا عبر برنامج سكايب. ويستخدم الطلاب في توكيلاو منصة «ماي تي كورا». غير أن التقديم في هذه الأقاليم تعيقه محدودية البنية التحتية الرقمية وإمكانية الوصول إلى التعلّم الإلكتروني.
وفي بابوا غينيا الجديدة، حيث يعيش 87% من السكان في مناطق ريفية أو نائية، فإن الشكل الرئيسي للتعلّم عن بُعد في التعليم الثانوي هو برنامج التعليم المرن والمفتوح وعن بُعد، الذي يقدّم مساراً بديلاً للطلاب الذين يقررون الدراسة من المنزل، وتعليم فرصة ثانية لتحسين نتائج الصفين العاشر والثاني عشر. وأكثر من 110 آلاف طالب مسجّلون في البرنامج في الصفوف من السابع إلى الثاني عشر، إما في المنزل أو في مراكز تعلّم محلية. ويُقدَّم العمل الدراسي عبر كتب مدرسية مصحوبة بواجبات يجب أن يصححها المعلمون في المراكز. وبينما كان يُقدَّم تقليدياً عبر نموذج قائم على المواد المطبوعة والدعم بالتواصل المباشر، بُذلت جهود لنقل البرنامج إلى الإنترنت عبر منصة «مودل» الإلكترونية.
وتساعد الاستثمارات في المياه والصرف الصحي والنظافة على تحسين المشاركة. فلم تجد مراجعة منهجية مبكرة دراسات تربط دورات المياه المنفصلة لكل جنس بتعليم الفتيات. لكن تقييماً لاحقاً لبرنامج حكومي لبناء دورات مياه منفصلة لكل جنس في الهند أظهر أنه زاد التحاق الفتيات. وفي مالي، ارتبطت دورات المياه بخفض تسرّب الفتيات بمقدار 0.7 نقطة مئوية وزيادة ترفيعهن بمقدار 1.3 نقطة مئوية في المدارس الريفية النائية، حيث لم يكن لدى نحو ثلث الطلاب أي وصول إلى الصرف الصحي. وتتعلق معظم التقييمات ببرامج يموّلها المانحون، ورغم أن نتائجها إيجابية، فإنها أصغر نطاقاً ولا يمكن ربطها بأثر وطني. ففي بوركينا فاسو، جمع برنامج تموّله الولايات المتحدة بين تدخلات المياه والصرف الصحي والنظافة وبنية تحتية أخرى مراعية للنوع الاجتماعي ودعم تغذوي. وزاد التحاق الفتيات بنحو عشرين نقطة مئوية، وهو أثر استمر إلى حدّ كبير. وفي إقليم نيانزا في كينيا، شهدت المدارس الابتدائية التي لم يكن لديها وصول جيد إلى المياه في موسم الجفاف، والتي تلقّت إمدادات مياه وتوعية بالنظافة ومعالجة للمياه وتحسيناً للصرف الصحي من منظمة «كير» الدولية غير الحكومية، زيادة في الالتحاق، منها ارتفاع بنسبة 4% في نسبة الفتيات الملتحقات.
وكانت كهربة المنازل والمدارس في الريف استراتيجية مهمة للاحتفاظ بالطلاب. ففي البرازيل، وفي إطار برنامج «النور للجميع في المدارس»، انخفض التسرّب بنسبة 27% في غضون ثلاث سنوات في المدارس الابتدائية الريفية التي وُصلت بالكهرباء بين عامَي 2013 و2016. وفي كمبوديا، زادت الكهربة الريفية التحصيل بمقدار 0.85 سنة للفتيان و0.62 سنة للفتيات. كما زادت احتمال الالتحاق بالمدرسة الابتدائية في أي وقت بنحو 9.7% للفتيان، لكنها لم تزد هذا الاحتمال للفتيات. وفي الهند، كان للكهربة في الثمانينيات والتسعينيات أثر إيجابي كبير في التحاق الفتيات وتحصيلهن. وفي كينيا، حيث ارتفعت حصة المدارس الموصولة بالكهرباء من 56% في عام 2014 إلى 94% في عام 2016، سواء بالربط بالشبكة أو بالطاقة الشمسية الكهروضوئية، وجد تحليل أن الكهربة خارج الشبكة زادت إتمام الصف الثامن بنسبة 1%.
توسّع المدارس الخاصة
بين عامَي 2000 و2019، ارتفعت حصة المؤسسات الخاصة من إجمالي الالتحاق من 10% إلى 19% في التعليم الابتدائي ومن 19% إلى 27% في التعليم الثانوي. غير أن المنطقة الوحيدة التي تجاوزت هذه الحصص بفارق كبير في المرحلتين كلتيهما هي آسيا الوسطى والجنوبية، حيث بلغت 36% في التعليم الابتدائي و48% في التعليم الثانوي. ففي الهند، بلغت حصة المدارس الخاصة من إجمالي الالتحاق 45% في التعليم الابتدائي و51% في التعليم الثانوي في عام 2023، في حين بلغت في باكستان 47% في المرحلتين كلتيهما في عام 2024.
وثمة نقص في الدراسات حول ما إذا كان توسّع المدارس الخاصة قد زاد الالتحاق مباشرة. وتوحي حقيقتان بأنه لم يفعل. أولاهما أن المدارس الخاصة أُنشئت في معظمها في مناطق حضرية يقترب فيها الالتحاق من التعميم، مع استثناء محتمل للمناطق العشوائية التي كثيراً ما ترددت الحكومات في بناء المدارس فيها. وثانيتهما أنها تخدم فئات أغنى: ففي عيّنة من 42 بلداً، كان احتمال ارتياد أطفال أغنى الأسر، بنسبة 39%، للمدارس الخاصة أعلى بعشر مرات من احتماله لدى أطفال أفقر الأسر، بنسبة 4%. وبعبارة أخرى، الأرجح أن المدارس الخاصة لم تجتذب سوى طلاب من المدارس العامة، فغيّرت تركيبة الالتحاق بدلاً من زيادة الالتحاق الإجمالي. وتدعم هذا الاستنتاجَ أيضاً العلاقةُ العكسية بين الإنفاق الحكومي وإنفاق الأسر. ففي أفريقيا، في البلدان التي أنفقت فيها الحكومات أقل من 3% من الناتج المحلي الإجمالي على التعليم، أنفقت الأسر في المتوسط 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي على التعليم؛ وفي المقابل، في البلدان التي تنفق فيها الحكومات أكثر من 6% من الناتج المحلي الإجمالي على التعليم، أنفقت الأسر 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط.
وفي المقابل، ثمة دراسات كثيرة حول ما إذا كانت المدارس الخاصة قد زادت الالتحاق على نحو غير مباشر بكونها أكفأ وأكثر فعالية من المدارس العامة. وكانت الدراسات تقييمات لتدخلات موجّهة نحو الطلب، لا نحو العرض، لجعل المدارس الخاصة أكثر جاذبية للأسر عبر إعانات للمدارس الخاصة، واتفاقيات تعاقدية للخدمات مع مقدّمين خاصين، وقسائم للطلاب. ففي باكستان، زاد برنامج المدارس المدعومة من المؤسسة في إقليم البنجاب، الذي يشمل منحاً للمدارس وقسائم للأسر، الالتحاقَ.
وفي إقليم السند، رفعت الإعانات المقدّمة للمدارس الخاصة منخفضة التكلفة الالتحاقَ بثلاثين نقطة مئوية في سياق ضعف توافر المدارس العامة؛ وفي بلوشستان، زادت الإعانات المقدّمة عن كل فتاة الوصولَ في المناطق الحضرية لكن ليس في المناطق الريفية.
وفي هايتي، التي تفتقر في جوهرها إلى نظام مدرسي عام، وسّع برنامج للإعفاء من الرسوم الدراسية الالتحاقَ، مع خفض إعادة الصفوف والالتحاق بعد تجاوز السن المناسبة. وفي أمريكا اللاتينية، استخدمت شبكة مدارس «فِي إي ألِغريا» الخاصة الإعانات العامة لتوسيع التعليم في المناطق الريفية النائية. وفي أوغندا، وسّع ترتيب تعاقدي للشراكة بين القطاعين العام والخاص، دعم المدارس الخاصة في المناطق التي تفتقر إلى التوفير العام، الوصولَ بتكلفة مساوية لتكلفة دعم المدارس العامة أو أقل منها.
وإجمالاً، تؤكد المراجعات المنهجية للاتفاقيات التعاقدية للخدمات مع المقدّمين الخاصين أن ثمة تبايناً كبيراً في النتائج، بحسب قواعد التعاقد والقدرة على الرقابة والتنظيم. فبرنامج النهوض بالتعليم في ليبيريا خفّض الالتحاق فعلياً بمقدار 3.3 نقاط مئوية. وفي باكستان، لم يزد برنامج دعم المدارس في البنجاب الالتحاقَ على نحو يمكن إثباته. بل حتى حين يتبيّن أنها تحسّن الوصول، يظل أثرها في الإنصاف موضع شك.
بيئات التعلّم
ترتبط بيئات التعلّم التي يشعر فيها الطلاب بالقبول والدعم أكاديمياً ووجدانياً وبالأمان بارتفاع الحضور وانخفاض التسرّب. فهي تعزّز الانتماء وتقلّل احتمال انفصال الطلاب المستضعفين عن المدرسة أو تركها مبكراً. وحين تعالج المدارس التمييز، وتحمي الطلاب من التنمّر والعنف، وتقدّم دعماً تربوياً مستجيباً، يصبح الطلاب أكثر ميلاً إلى الحضور بانتظام والتقدّم في دراستهم.
بيئات شاملة
تساعد البيئات الشاملة المتعلمين المحرومين، ولا سيما ذوي الإعاقة، على الالتحاق بالمدرسة والتقدّم فيها وإتمامها. وثمة ثلاثة أسئلة مهمة لتوصيف مدى شمولية البيئات: ماذا، وأين، وكيف.
فالسؤال الأول يتعلق بماهية التوجّه الشمولي للنظام التعليمي. فالتعليم الشامل عملية تسهم في الهدف الأوسع المتمثل في مجتمع شامل. والقيم التي يقوم عليها التعليم تتأثر بمفاهيم أوسع للتضامن والمسؤولية الجماعية، كما تؤثر القيم التعليمية بدورها في هذه المفاهيم. وتعني هذه العلاقة المتبادلة أيضاً أن التعليم الشامل ينبغي أن يُتصوَّر تصوّراً واسعاً وألا يُربط بفئة واحدة بعينها.
وقد وجد تحليل جديد، يُعرض في النسخة المحدّثة من موقع ملفات التعليم الوطنية لمراجعة السياسات، أن حصة البلدان التي لديها تعريف للتعليم الشامل ارتفعت من 68% في عام 2020 إلى 84% في عام 2025. وارتفعت حصة التعريفات التي تغطي فئتين مهمشتين على الأقل ولا تقتصر على المتعلمين ذوي الإعاقة والاحتياجات التعليمية الخاصة بوتيرة أسرع، من 51% إلى 69%. وبعبارة أخرى، ارتفعت حصة البلدان ذات التعريفات الواسعة نسبياً للتعليم الشامل من 75% إلى 82%، مما يدل على تزايد الوعي السياساتي. وثلاث مناطق متأخرة: شمال أفريقيا وغرب آسيا بنسبة 52%، وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بنسبة 52%، وشرق آسيا وجنوب شرقها بنسبة 56%. وفي شمال أفريقيا وغرب آسيا، وكذلك في شرق آسيا وجنوب شرقها، يركّز أربعة بلدان من كل عشرة من البلدان التي لديها تعريف للتعليم الشامل على الإعاقة حصراً.
ومن بين البلدان التي اعتمدت مؤخراً تعريفات للتعليم الشامل، تعترف الكاميرون في سياستها التعليمية لعام 2024 بتنوّع احتياجات المتعلمين وتدعو إلى تغييرات منهجية لمنع الإقصاء. وتركّز سياسة بابوا غينيا الجديدة لعام 2023 أساساً على الطلاب ذوي الإعاقة، ساعيةً إلى دعم إمكاناتهم، لكنها لا تتناول أشكال التنوّع الأخرى.
والبلدان أكثر ميلاً إلى وضع سياسات تدعم التعليم الشامل منها إلى سنّ قوانين تفرضه. فحتى عام 2025، كان لدى 37% من البلدان سياسات للتعليم الشامل لجميع المتعلمين، بنسب تتراوح بين 17% في شمال أفريقيا وغرب آسيا و57% في آسيا الوسطى والجنوبية. غير أن 24% فقط من البلدان لديها قوانين للتعليم الشامل، بنسب تتراوح بين 11% في شرق آسيا وجنوب شرقها و39% في أوروبا وأمريكا الشمالية.
ومن بين البلدان التي اعتمدت سياسات جديدة للتعليم الشامل، تعطي السياسة الوطنية للإدماج الجذري في المدارس في سيراليون لعام 2021 الأولوية للفتيات والأمهات المراهقات والأطفال ذوي الإعاقة والأطفال من الخلفيات الريفية أو منخفضة الدخل. ومن بين اثني عشر بلداً سنّت قوانين للتعليم الشامل منذ عام 2020، ستة منها في أوروبا، تشمل الأمثلة قانون التعليم الفرنسي لعام 2021 الذي يضمن التعليم الشامل لجميع الأطفال، وقانوناً رومانياً صدر في عام 2023 يؤكد الحق في تعليم شامل وجيد للجميع، وقانون تنظيم التعليم في رواندا لعام 2021 الذي يعزّز التعليم الجيد والشامل لجميع المتعلمين.
والسؤال الثاني يتعلق بالمكان الذي يُفترض أن يتعلّم فيه الأطفال، أي في أي نوع من المدارس وبأي نوع من الترتيبات. فالهدف النهائي للتعليم الشامل صعب التحديد، مما يصعّب معرفة ما إذا كان قد تحقق، ولا سيما أن بعض الفئات قد ترى أن هويتها تُصان على أفضل وجه عبر ترتيبات تعليمية منفصلة. لكن نية البلدان، أو غيابها، في إزالة العوائق أمام الحق في التعليم وتغيير ثقافة المدارس العادية وسياساتها وممارساتها لاستيعاب جميع المتعلمين وإدماجهم بفعالية تساعد على تحديد متى ينتهك بلد ما مبادئ التعليم الشامل.
وفي حالة المتعلمين ذوي الإعاقة، تتزايد التشريعات التي تدخلها البلدان لتيسير إدماج الأطفال ذوي الإعاقة في المدارس العادية، بتعليم الطلاب من جميع القدرات والخلفيات معاً، مع تطبيق الترتيبات التيسيرية اللازمة لتيسير مشاركتهم الكاملة. ففي عام 2020، وجد التقرير العالمي لرصد التعليم أن لدى 25% من البلدان أحكاماً للتعليم في بيئات منفصلة، أي تدريس الطلاب حصراً في مدارس خاصة أو في فصول مخصصة داخل البيئات العادية، وأن 48% تجمع بين الدمج في التعليم العادي والبيئات المنفصلة، عادة لذوي الإعاقات الشديدة، وأن 10% تفضّل الإلحاق، أي إلحاق الطلاب ذوي الإعاقة بالمدارس العادية دون دعم شامل، مما يؤدي إلى ارتياد بعضهم فصولاً منفصلة، وأن 17% لديها أحكام تشريعية لتعليم ذوي الإعاقة في بيئات شاملة، مع أعلى انتشار لها في أوروبا وأمريكا الشمالية وفي أوقيانوسيا. وبعد خمس سنوات، وجد تحليل جديد، يُعرض في النسخة المحدّثة من موقع ملفات التعليم الوطنية لمراجعة السياسات، أن القوانين تتبنّى مبدأ الإدماج بوتيرة سريعة. فقد انخفضت حصة البلدان التي تجيز تشريعاتها الفصل إلى 9%، في حين ارتفعت حصة التي تدعم الإدماج إلى 29%. واختارت غالبية البلدان، أي 59%، الجمع بين النهجين. والقوانين الشاملة أكثر شيوعاً في أوقيانوسيا بنسبة 67%.
وعلى خلاف القوانين، السياسات أكثر ميلاً إلى تعزيز بيئات شاملة بالكامل. فحتى عام 2025، كان لدى 56% من البلدان سياسات للتعليم الشامل، تتصدّرها مرة أخرى أوقيانوسيا بنسبة 88%.
ومن بين البلدان التي أقرّت مؤخراً قوانين تعزّز الإدماج الكامل للطلاب ذوي الإعاقة كابو فيردي، التي تحوّلت من قانون صادر في عام 2010 قائم على إلحاق الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة بالفصول العادية إلى فرض الإدماج الكامل في عام 2024، وقيرغيزستان، التي عدّلت قانوناً كان يسمح بالدراسة المنفصلة أو المنزلية ليضمن الآن التعليم الشامل لجميع الطلاب. وإثيوبيا، التي لم تكن لديها تشريعات سابقة، تضمن الآن حصول الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة على وصول متكافئ على قدم المساواة مع الطلاب الآخرين. ومدغشقر وملاوي وأوغندا من البلدان منخفضة الدخل الأخرى التي لديها قوانين شاملة.
ونقل الطلاب من المدارس الخاصة إلى المدارس العادية ليس حلاً تلقائياً ما لم تتوافر الموارد المادية اللازمة لتقديم تعليم شامل بفعالية. فغياب المنحدرات ودورات المياه المكيّفة والمواد الميسّرة والعلامات اللمسية يؤدي إلى إقصاء الأطفال ذوي الإعاقة. والتصميم الشامل لا يعالج هذه القيود فحسب، بل هو أيضاً حل فعّال من حيث التكلفة: فإذا أُدرج في التصميم الأصلي، يزيد التكاليف بنحو 1%، مقارنة بأكثر من 5% حين يُضاف لاحقاً.
وتشمل المدخلات المادية، إلى جانب المباني، مواد التعليم والتعلّم. وقد فتحت التكنولوجيا نافذة هائلة من الفرص. فإلى جانب الكتب المدرسية الميسّرة بطريقة برايل والطباعة الكبيرة، تزيل النسخ الرقمية المزودة بتحويل النص إلى كلام ولغة الإشارة والترجمة النصية وخصائص العرض القابلة للتعديل حواجزَ المواد المطبوعة إزالة جذرية أمام الطلاب ذوي الإعاقات البصرية والسمعية والذهنية وغيرها من صعوبات التعلّم. غير أن التقدّم في نشر هذه التقنيات لا يزال بطيئاً. فحتى وقت قريب، نادراً ما أعطت معظم البلدان الأولوية لخصائص الإتاحة في الموارد التعليمية المفتوحة.
غير أن المسألة الأكثر جوهرية هي الموارد البشرية. ولذلك يتعلق السؤال الثالث بكيفية تحويل العقليات لإيجاد بيئة شاملة. فالابتعاد عن نظام يطلب من بعض الأطفال التكيّف لا يحدث تلقائياً، إذ يحتاج إلى تحدي أنماط التفكير. وتحتاج البيئة الشاملة إلى ضمان الانخراط المدرسي ومنع الإحالة إلى المدارس الخاصة.
وخارج نطاق الإعاقة، أصبحت بيئات التعلّم الشاملة أكثر استجابة في جوانب أخرى أيضاً. وانصبّ تركيز رئيسي على تجاوز العوائق القائمة على النوع الاجتماعي. ففي البلدان منخفضة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، ولا سيما في غرب أفريقيا وجنوب آسيا، تتأخر الفتيات عن الفتيان في إتمام المدرسة الثانوية. وقد زادت سياسات كثيرة موصوفة في هذا الفصل مشاركةَ الفتيات، كبناء المدارس الريفية وتدابير منع العنف القائم على النوع الاجتماعي المرتبط بالمدرسة، ولا يلزم أن تستهدف هذه السياسات الفتيات لتكون فعّالة. ويمكن لتدخلات مختلفة أن تجعل بيئات التعلّم أكثر شمولاً. فالكتب المدرسية لا تزال ترسّخ الصور النمطية السلبية المتعلقة بالنوع الاجتماعي وتقلّل تمثيل النساء.
ولا يزال ارتفاع معدلات الزواج والحمل في سن المراهقة مسألة كبرى. فعلى المستوى العالمي، انخفضت نسبة النساء اللاتي تزوجن قبل سن الثامنة عشرة من 25% في عام 1995 إلى 19% في عام 2024، لكنها تبلغ 25% في آسيا الوسطى والجنوبية ودول جزر المحيط الهادئ، و31% في أفريقيا جنوب الصحراء، مما يؤثر في تعليم الفتيات ومستقبلهن. وكان تمديد التعليم الإلزامي من الروافع التي ساعدت على الحدّ من الزواج المبكر وحمل المراهقات. ففي تايلاند، زاد تمديد التعليم الإلزامي إلى تسع سنوات في عام 2002 إتمامَ الفتيات للمرحلة الإعدادية بما يتراوح بين سبع وخمس عشرة نقطة مئوية، وخفّض ولادات المراهقات. وحدثت آثار مماثلة في الصين والهند وكينيا.
والتشريع وحده لا يستطيع تغيير الأعراف. فقد حسّنت تجربة عشوائية محكومة في 121 قرية في ولاية كارناتاكا الهندية إتمام المدرسة الثانوية تحسيناً متواضعاً، إذ ظلت فتيات كثيرات معرّضات للزواج المبكر. وتلزم أيضاً تغييرات تربوية لتأخير الزواج وزيادة إتمام التعليم الثانوي. وفي نهاية المطاف، يكمن التحدي في القدرة على تنفيذ السياسات الشاملة. ففي أوغندا، أصدرت الحكومة مبادئ توجيهية لمنع حمل المراهقات وإدارته في البيئات المدرسية، لكن محدودية القدرة على الرصد ووضع الخطة موضع التنفيذ، كتوفير رعاية الأطفال، تحول دون عودة الأمهات الشابات إلى المدرسة.
وفي معظم البلدان متوسطة الدخل والبلدان مرتفعة الدخل، تعمل الأعراف المتعلقة بالنوع الاجتماعي في الاتجاه المعاكس، إذ يقل احتمال إتمام الفتيان الأفقر للتعليم الثانوي لأنهم يتركون المدرسة مبكراً للعمل. وإلى جانب تدخلات التخفيف من الفقر والمسارات المتمايزة والإرشاد، التي تُتناول في مواضع أخرى، تتطلب البيئة الشاملة تدريباً مكثفاً لإعداد المعلمين للتعامل مع الفتيان.
واختيار لغة التدريس حاسم لإحساس الطلاب بالانتماء، وكذلك لقدرة الأطفال على التقدّم بين الصفوف. ففي الكاميرون، كان الطلاب الذين تعلّموا بلغتهم المنزلية أكثر احتمالاً بنسبة 22% للبقاء في المدرسة حتى الصف الثالث، وبنسبة 14% حتى الصف الخامس. وفي إثيوبيا، زاد إصلاح التعليم لعام 1994، الذي أدخل التدريس باللغة الأم في المدارس الابتدائية، الالتحاقَ بالتعليم الابتدائي بمقدار 7.4 نقاط مئوية داخل الولايات. وكان احتمال وجود الأطفال في الصف المناسب لأعمارهم أعلى بمقدار 8.8 نقاط مئوية. وكان للإصلاح أثر أقوى في المناطق الريفية منه في المناطق الحضرية. ووجدت دراسة أخرى عن إثيوبيا أن الإصلاح أضاف أكثر من نصف سنة إلى التعليم ورفع معدلات إتمام التعليم الابتدائي بخمس نقاط مئوية.
والسياقات اللغوية والتاريخية للبلدان غير قابلة للمقارنة، ويختلف تنفيذ السياسات أيضاً اختلافاً كبيراً. وأشارت مراجعة منهجية لدراسات أثر سياسات لغة المنزل إلى أهمية جاهزية المعلمين وجودة المواد التعليمية بلغات المنزل. ورغم المزايا التربوية الواضحة لسياسات لغة المنزل، قد يفسّر العجزُ عن تنفيذها باتساق على مستوى النظام تراجعَ بلدان مثل نيجيريا وزامبيا مؤخراً وإعادتها الإنجليزية لغةً للتدريس. كما تحدد الاعتبارات السياسية قرار بلدان مثل باكستان ورواندا اختيار التدريس بالإنجليزية. غير أن لذلك عواقب على الطلاب ذوي التعرّض المحدود للإنجليزية، الذين يحتاجون إلى دعم كالمواد ثنائية اللغة في باكستان والإنجليزية العلاجية في رواندا.
وبالنسبة للبلدان التي تضم سكاناً مهاجرين وشعوباً أصلية، تلزم تدابير تتعلق بالمواقف تجاه لغات الطلاب المنزلية وثقافاتهم، وخيارات المناهج، ومعالجة الفصل. ففي فرنسا، أعاد أكثر من 30% من طلاب المرحلة الإعدادية من أصول قمرية وهايتية ومالية وتركية صفاً دراسياً، مقارنة بالمتوسط الوطني البالغ 10%. وتُظهر الدراسات القائمة على الوضع الاجتماعي الاقتصادي أن الفصل التعليمي أعلى من الفصل الاجتماعي في المرحلة العليا من التعليم الثانوي.
وفي كندا، بلغ معدل إتمام المرحلة العليا من التعليم الثانوي لشباب الأمم الأولى من سن 18 إلى 24 نسبة 53% في عام 2021، وهي نسبة منخفضة جداً لكنها مثّلت تقدّماً كبيراً في سدّ الفجوة مع الكنديين من غير الشعوب الأصلية، بسبع نقاط مئوية منذ عام 2016. وأدى إرث التمييز في المدارس الداخلية إلى أن تؤكد لجنة الحقيقة والمصالحة في عام 2015 الدور المحوري للمنهج، داعيةً جميع الولايات القضائية إلى تضمين محتوى ملائم للعمر. واستجابةً لذلك، وسّعت عدة ولايات قضائية محتوى المناهج الملائم ثقافياً، وقدّمت للمعلمين تطويراً مهنياً قائماً على تواريخ الشعوب الأصلية ومنظوراتها. غير أن التقدّم لا يزال متفاوتاً في النطاق والعمق والمحتوى الإلزامي، إذ لم تجعل سوى مقاطعات قليلة محتوى الشعوب الأصلية إلزامياً حتى نهاية التعليم الثانوي.
وزادت التغييرات في التشريعات المشاركةَ المدرسية للاجئين بمنحهم إمكانية الوصول إلى المدارس المحلية. ففي كولومبيا، قلّل تصريح الإقامة الخاص لعام 2018 ووضع الحماية المؤقتة لعام 2021 عوائق الوثائق أمام الأطفال الفنزويليين، داعمَين إدماجهم في المدارس. وفي الإكوادور، ألغى اتفاق وزاري في عام 2020 حاجة الأطفال الفنزويليين إلى حمل وثائق رسمية أو بطاقة هوية للالتحاق. وفي تركيا، أُغلقت مراكز التعليم المؤقتة للاجئين السوريين ونُقل الطلاب إلى المدارس العامة المحلية، مما ساعد على زيادة الوصول. وتشير مراجعة في 23 بلداً إلى أن متطلبات الوثائق التعليمية تصبح أكثر صرامة مع التقدّم في العمر، وأن اللاجئين يواجهون قيوداً أكثر من الأطفال النازحين داخلياً. فمثلاً، تفرض جمهورية إيران الإسلامية قواعد جامدة على نحو خاص. وتحرم بنغلاديش الأطفال في الأوضاع القانونية الملتبسة من الالتحاق بالتعليم النظامي، وتحيلهم إلى بيئات غير نظامية.
وفي الولايات المتحدة، ومنذ قرار المحكمة العليا في خمسينيات القرن الماضي بإلغاء الفصل في المدارس، أصبحت دراسة الفصل العرقي في التعليم متطورة ومعقّدة. فبعد انخفاض كبير في الفصل في أواخر الستينيات وطوال السبعينيات، يبدو أنه يتزايد منذ ذلك الحين، وإن ببطء شديد، لكنه لم يعد إلى مستوياته الأصلية. وإجمالاً، يظل الفصل مرتفعاً بالقيم المطلقة، ويحدث إلى حدّ كبير بين الدوائر التعليمية. ومع ذلك، ازدادت حصة الفصل داخل الدوائر التعليمية، مما يترك مجالاً لأدوات سياساتية لتعزيز الاندماج، سواء طوعاً أو عبر توزيع الطلاب واختيار المدارس. وقد ارتبط الفصل باتساع فجوات التحصيل بحسب العرق.
وفي الهند، قلّصت التنمية التعليمية السريعة منذ أواخر التسعينيات الفجوات التعليمية بحسب الجنس والانتماء العرقي والطبقة الاجتماعية، وإن شهد التوسّع التعليمي في سنواته الأولى أيضاً انتقال الأسر الحضرية والأغنى أساساً إلى المدارس الحضرية. ولمنع التقسيم الطبقي، اشترط أحد بنود قانون الحق في التعليم لعام 2009 أن تقبل المدارس الخاصة ربع طلابها من الطبقات المهمشة والخلفيات المحرومة اقتصادياً. ووجد تحليل للبيانات الإدارية أن هذا البند لم يكن له أثر في الحدّ من الفصل المدرسي. فضلاً عن ذلك، كثيراً ما يواجه الأطفال المقبولون على أساس الحصص التمييز في المدارس الخاصة.
وفي بعض السياقات، روّجت الحكومات لتوسّع المدارس الدينية أو شجّعته أو تسامحت معه، وهو ما قد يمنح الأسر خياراً أكثر جاذبية لمشاركة أطفالها في التعليم، ولا سيما الفتيات. ففي بنغلاديش، شهدت الأقضية التي تضم عدداً أكبر من المدارس الدينية المسجّلة نمواً أكبر في التحاق الإناث بالتعليم الثانوي نحو مطلع القرن. وفي إندونيسيا، موّلت الموارد المجتمعية من الأوقاف الدينية بناء مدارس إسلامية اجتذبت الفتيات لكنها عزّزت أيضاً القيم الدينية. وفي الحالتين كلتيهما، استجابت المدارس الدينية لنمو الطلب الذي ولّده توسّع المدارس الابتدائية، على أيدي جهات غير حكومية في بنغلاديش، وعلى يد الدولة في إندونيسيا. وقد يصعب تقييم الأثر طويل الأجل في المشاركة والتحصيل، إذ ربما لم تفعل في نهاية المطاف سوى تغيير تركيبة الالتحاق. ومع ذلك، من الواضح أن المدارس الإسلامية سرّعت توسّع بعض النظم التعليمية.
بيئات آمنة
تمتد السلامة المدرسية إلى طائفة واسعة جداً من المسائل، من العنف والهجمات إلى الكوارث الطبيعية، وهي أمور وإن لم يرتبط بعضها ببعض، تسهم جميعها بطريقتها في جعل التجربة التعليمية غير مريحة، وتقلّل الحضور المدرسي، وتفضي في نهاية المطاف إلى التسرّب.
فالعنف، مقيساً مثلاً بعدد الاعتقالات على مستوى الأقضية في البرازيل ومعدلات القتل في المكسيك، ارتبط بارتفاع التسرّب. وفي كينغستون بجامايكا، وجدت مقابلات مع طلاب المدارس الثانوية في أحياء وسط المدينة أن 66% منهم شهدوا عملاً من أعمال العنف، و11% شهدوا جرائم قتل. والتنمّر من الأقران، كأي شكل من أشكال العنف، عائق كبير أمام انخراط الطلاب. وفي أنحاء العالم كافة، رُبط بتجنّب المدرسة ثم التسرّب في نهاية المطاف، من إثيوبيا إلى الولايات المتحدة. ويهم سلوك المعلمين بطرق سلبية وإيجابية على السواء. ففي هايتي، تعرّض أكثر من ثلث الفتيان والفتيات من سن 13 إلى 17 للإيذاء في العام السابق، وأُفيد بأن معظم الجناة كانوا من الآباء أو المعلمين. وفي أوغندا، أفادت 5% من الفتيات من سن 13 إلى 18 بتعرّضهن لعنف جنسي من معلم. ويتنبأ ضعف استنكار المعلمين للتنمّر بارتفاع حدوثه، في حين تزيد العلاقات الإيجابية بين المعلم والطالب احتمال طلب الطلاب المساعدة.
وتشمل تدابير التصدّي للعنف طائفة واسعة ومعقّدة من التدخلات على مستوى المجتمع، فضلاً عن تدابير لتحسين المناخ المدرسي. وينبغي لهذه الجهود مثلاً أن تعزّز النمو الاجتماعي الوجداني، وأن تضمن أن يجد الطلاب القواعد المدرسية صارمة لكنها عادلة ومحترمة، وأن تنمّي السلوك المسؤول اجتماعياً للوقوف في وجه العنف، وأن تبني علاقات تربط الطلاب بعضهم ببعض وبشخص بالغ يهتم بهم في المدرسة. وقد ارتبط استخدام الانضباط الصارم والعقوبات لإدارة الفصل بزيادة نبذ الطلاب المشاغبين الذين ينتهي بهم الأمر إلى الشعور بالوصم، مما يطلق دوامة من العزلة والسلوك المعادي للمجتمع. وبهذا المعنى، فإن القيادة المدرسية أساسية، إذ يمكنها تعزيز مناخ مدرسي إيجابي ودعم الممارسات الشاملة.
وبالمثل، تُستخدم تدابير عقابية لمكافحة التغيّب دون عذر، لكنها لم يكن لها سوى أثر ضئيل. وفي الوقت نفسه، تؤثر الغرامات على نحو غير متناسب في الأسر منخفضة الدخل. وفي المقابل، تبيّن أن السياسات التي تقلّل الإيقاف عن الدراسة تحسّن الحضور. وإدراكاً لهذه القيود، تتحول بعض النظم نحو نماذج داعمة. ففي ألمانيا، وفي أعقاب توصية صادرة في عام 2015 عن المؤتمر الدائم لوزراء التعليم، اعتمدت ولاية شليسفيغ هولشتاين نهجاً يجمع بين التحديد المبكر والدعم الموجّه وتدابير إعادة الإدماج للمتغيّبين لفترات طويلة.
والنزاعات والهجمات وانعدام الأمن تعيد التعليم إلى الوراء. أولاً، تُدمَّر المدارس والبنية التحتية؛ ويموت الآباء والمعلمون والطلاب؛ ويجعل الخوف من الانتقام وقمع الهوية وتآكل الثقة المدرسةَ مكاناً غير ملائم للتعلّم. وعلى المستوى العالمي، يعيش أكثر من طفل واحد من كل ستة أطفال في مناطق متأثرة بالنزاعات. وفي شمال أوغندا، حيث دار تمرد جيش الرب للمقاومة عشرين عاماً، وجد تقدير يستند إلى العدد التراكمي للوفيات في دائرة نصف قطرها ثلاثة كيلومترات حول الأسرة مقياساً لشدة النزاع أن زيادة هذا العدد بانحراف معياري واحد أدت إلى فقدان 1.9 سنة من التعليم. ثانياً، يؤثر النزاع في التعليم أيضاً عبر النزوح. فمن بين 12.4 مليون طفل لاجئ في سن الدراسة على مستوى العالم، لا يلتحق سوى 67% من الأطفال في سن التعليم الابتدائي و37% من المراهقين في سن التعليم الثانوي. وكثيراً ما يعطّل النزوح المسارات التعليمية ويقلّل فرصة إتمام التعليم الإلزامي، حتى بعد إعادة التوطين. ثالثاً، يؤدي النزاع إلى انهيار المؤسسات وفقدان الموارد، التي تُحوَّل لتمويل النزاع وقد يستحيل تخصيصها أيضاً.
ويعيش اليمن في خضم نزاع عسكري ممتد منذ أكثر من عقد. وقد دمّرت الأزمة سبل العيش، إذ كان 83% من السكان يعيشون في فقر متعدد الأبعاد في عام 2021. وخلال السنوات العشرين الماضية، ارتفع معدل إتمام الفتيان للتعليم الابتدائي بنصف متوسط معدل البلدان منخفضة الدخل. ويُقدَّر أن 4.5 مليون شخص نزحوا منذ عام 2015 بسبب النزاع، في حين دُمّرت 20% من المدارس أو تضررت أو يستخدمها النازحون. وانقسم البلد بين سلطات الحوثيين التي تسيطر على معظم الشمال والغرب، والحكومة المعترف بها دولياً التي تسيطر على أجزاء من الجنوب والشرق، والمجلس الانتقالي الجنوبي الذي يسيطر على مناطق أخرى، مما جزّأ الحوكمة وأوجد نظماً إدارية موازية. ومن عواقب ذلك أنه أُفيد بأن أكثر من 155 ألف معلم كانوا يعملون دون رواتب في العام 2022/2023.
وكما تنهار النظم التعليمية مع النزاعات، فإنها كثيراً ما تلحق بالركب بعد ذلك إذا استُعيدت القدرة على التنبؤ والشرعية والثقة بالمؤسسات العامة. فقد حاولت كمبوديا إعادة بناء نظامها التعليمي وتطوير قدراته بعد عقود من النزاع، إذ عُدّ التعليم أساسياً للتعافي الوطني والتنمية طويلة الأجل. وأسهمت السياسة التعليمية في تحقيق الاستقرار بطرق عدة. فمثلاً، أدخلت إصلاحات المناهج التربية على السلام وتاريخ الإبادة الجماعية، إلى جانب أساليب تدريس تشاركية مصممة لتعزيز الحوار والمصالحة.
وتزداد أهمية قدرة النظم التعليمية على استباق الكوارث وتحمّلها والتعافي منها. فخلال العقدين الماضيين، أُغلقت المدارس في 75% على الأقل من أحداث الطقس المتطرف التي أثّرت في خمسة ملايين شخص أو أكثر في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل، مما أسهم في التسرّب. وفي موزمبيق، دمّر إعصار إيداي 3,400 فصل دراسي في عام 2019، فحرم أكثر من 300 ألف طفل من الدراسة. ونحو 70% من المدارس تقع في مناطق عالية المخاطر بسبب خطر واحد أو أكثر. وفي عام 2018، قُدّر أن الأضرار في البنية التحتية تتجاوز مليوني دولار أمريكي في المتوسط سنوياً، وهو ما يقابل 540 فصلاً دراسياً و57 ألف طالب متأثر سنوياً. وأدخل البلد في عام 2021 معايير إلزامية للبناء القادر على الصمود في وجه المناخ لجميع المدارس الجديدة والقائمة.
ووجد تقييم إقليمي لأكثر من ستة آلاف مبنى مدرسي في ساموا وتونغا وفانواتو أن ما بين 50% و90% منها قد لا يصمد أمام إعصار قوي أو زلزال. وعلى المستوى العالمي، مقابل كل دولار أمريكي واحد يُستثمر في البنية التحتية القادرة على الصمود في وجه المناخ، أُنفق 87 دولاراً على بنية تحتية لا تدمج مبادئ الصمود، مما يفضي إلى نُهج تفاعلية لا وقائية. وفي عام 2022، نزح 32.6 مليون شخص بسبب الكوارث، وهو ما كثيراً ما رفع عوائق أمام الدراسة تتعلق بالوثائق واشتراطات الإقامة والقيود المالية.
ويجمع الحدّ من مخاطر الكوارث في التعليم بين التدخلات الهيكلية، كتصميم المدارس القادر على الصمود في وجه المخاطر، والتدابير غير الهيكلية، كالتخطيط للطوارئ وتدريب المعلمين على الاستجابة للطوارئ وبروتوكولات التأهب في المدارس. والبلدان التي تدمج التعليم في أطرها الوطنية للحدّ من مخاطر الكوارث تُظهر تأهباً أكبر. وأطلق التحالف العالمي للحدّ من مخاطر الكوارث والصمود في قطاع التعليم في عام 2022 إطاراً شاملاً للسلامة المدرسية لدعم الحكومات. ونفّذت إندونيسيا هذا الإطار في أكثر من 35 ألف مدرسة، جامعةً بين التنسيق متعدد القطاعات والتأهب في المدارس. ويُدمج الحدّ من مخاطر الكوارث في الدراسات الاجتماعية والعلوم والتربية البدنية في كل صف، بمحتوى وأساليب قابلة للتكييف مع السياقات المحلية. وفي سانت فنسنت وجزر غرينادين، يستخدم منهج التخفيف من تغيّر المناخ والتكيّف معه والحدّ من مخاطر الكوارث، الذي وضعته وزارة التعليم في العام 2019/2020، أنماط تعلّم تفاعلية وتشاركية وتجريبية.
الخلاصة
قدّم هذا القسم طائفة واسعة من العوامل التعليمية، منظّمة تقريباً في ثلاث مجموعات عامة، مؤسسية وموجّهة نحو الطلب وموجّهة نحو العرض، تتوافر أدلة على أنها أسهمت في توسيع التعليم الابتدائي والثانوي خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية. ويأتي هذا الأثر إضافة إلى عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية وتاريخية وديموغرافية واسعة ربما غذّت التنمية التعليمية أو أبطأتها. وربما لم تفعل السياسات والبرامج التعليمية سوى تسريع عملية توسّع تعليمي لها ديناميتها الداخلية الحتمية أو منطقها الخاص. فمثلاً، كان كثير من البلدان التي تناولتها دراسات الحالة يتعافى من إرث النزاعات، وربما كان، عبر الاستقرار المستعاد، يعود ببساطة إلى حالة مستقرة طويلة الأجل من نمو الالتحاق. فالبلدان ترسم مصيرها، لكن من غير المرجّح أيضاً أن تحيد كثيراً عن الديناميات طويلة الأجل التي لوحظت في العقود الأخيرة.
ويذكّر الإطار الواسع لهذا القسم بأن التفسيرات أحادية البعد لما ينجح تخاطر بالتبسيط المفرط للتطور طويل الأجل الأكثر تعقيداً بكثير للنظم التعليمية، وتخاطر أيضاً بتجاوز طائفة من السياقات ذات الخصائص والاعتبارات الخاصة. وتميل الدراسات الفردية التي استقطبت كثيراً من الاهتمام والنقاش على مر السنين إلى تفضيل روايات بعينها يحاول الباحثون من خلالها لفت انتباه صانعي السياسات. ورغم أهمية ذلك، ينبغي ألا يصرف النقاش عن المسائل المهمة فعلاً. فقليلة هي الدراسات التي حاولت تفسير الاتجاهات طويلة الأجل. ومعظمها يكتفي بتفسير أثر التدخلات. غير أن التدخلات ليست مؤسسات، والمؤسسات هي التي تحدد مسار التنمية، بما في ذلك في التعليم.
