القائمة الرئيسية

تقرير التقدم والاتجاهات الرقمية 2025: تعزيز أسس الذكاء الاصطناعي (6/6)

تقرير التقدم والاتجاهات الرقمية 2025: تعزيز أسس الذكاء الاصطناعي (6/6)
ملخص الدراسة

يتناول الفصل السادس ضرورة اتخاذ إجراءات سياسية عاجلة لتمكين البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل من الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، محذراً من أن التأخر سيؤدي إلى اتساع الفجوات الاقتصادية العالمية وفقدان فرص التنمية. ورغم إمكاناته التحويلية في قطاعات حيوية كالتعليم والزراعة والطاقة والخدمات الرقمية، فإن تبنيه في هذه البلدان يواجه عوائق مثل ضعف البنية التحتية، ونقص البيانات المحلية واللغوية، ومحدودية المهارات، مما يهدد بتفاقم عدم المساواة. ولذا، يدعو الكتاب الحكومات إلى الاستثمار الاستراتيجي في "الركائز الأربع" (الاتصال، القدرة الحاسوبية، السياق، الكفاءة)، وتحديث السياسات المالية والعمل والتعليم لحماية العمال وتنمية المهارات، وإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي بفاعلية، مع التركيز على أن يكون الذكاء الاصطناعي مكملاً للقدرات البشرية ومُكيفاً مع السياقات المحلية، وليس مجرد تقنية مستهلكة.

الفصل السادس: الخاتمة

الحاجة الملحّة إلى إجراءات السياسات

مع تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى جزء من نسيج الحياة اليومية في أنحاء العالم، لا يمكن ترك الملايين على الهامش يشاهدون الابتكار وهو يحوّل المجتمع. ويرى بعضهم أن للذكاء الاصطناعي صلة محدودة بالبلدان الأدنى دخلاً ومتوسطة الدخل، مشككين فيما إذا كان ينبغي لهذه الدول إعطاؤه الأولوية. وقد تتساءل حكومات هذه البلدان، التي تواجه احتياجات أكثر إلحاحاً كالرعاية الصحية والبنية التحتية، عن حكمة الاستثمار في تقنية لا تزال منافعها الحالية موضع شك.

غير أن هذه الآراء قد تكون قصيرة النظر. فالناس يميلون إلى المبالغة في تقدير الآثار قصيرة الأجل للتقنيات الجديدة، والتقليل من شأن آثارها طويلة الأجل. ولا ينبغي أن تحجب القيود الحالية للذكاء الاصطناعي إمكاناته وحتمية تحسّنه المستمر. ومن ثمّ يلزم أن تتخذ الحكومات إجراءات استباقية واستراتيجية للاستعداد للاضطرابات المحتملة.

ومع تسارع تبنّي الذكاء الاصطناعي في البلدان المتقدمة، قد يؤدي تأخر التحرك في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل إلى تخلّفها أكثر عن الركب. فالبلدان المتقدمة تقود ابتكار الذكاء الاصطناعي، وهي مهيأة لتبنّيه بوتيرة أسرع ونطاق أوسع، وجني مزيد من مكاسب الإنتاجية. وقد تتسع فجوات الإنتاجية ومستويات المعيشة بين الاقتصادات الرائدة والبلدان منخفضة الدخل أكثر. وقد تكون العاقبة طويلة الأمد انقساماً حاداً للاقتصاد العالمي، تتقدّم فيه الاقتصادات المتقدمة المعزّزة بالذكاء الاصطناعي أكثر فأكثر، في حين تكافح البلدان النامية للحفاظ على تقدّمها الاقتصادي والاجتماعي.

وخلافاً لإعادة التوزيع داخل البلد الواحد، حيث تمتلك الحكومات الوطنية آليات للتخفيف من عدم المساواة، لا توجد مؤسسات عالمية راسخة لإعادة التوزيع على نطاق واسع بين البلدان. ومن ثمّ فإن احتمال أن يفاقم الذكاء الاصطناعي عدم المساواة العالمية أكبر بكثير، وتحديات السياسات أعقد بكثير.

وقد يعني تأخر تبنّي الذكاء الاصطناعي أيضاً تضاؤل فرص النمو القائم على التصدير وتقلّص المجال المتاح لخلق وظائف جيدة. فالذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل المزايا النسبية للبلدان والتخصص الإنتاجي العالمي. وبالنسبة للبلدان النامية، لا يقتصر السباق على الاقتصادات المتقدمة، بل يدور أيضاً فيما بينها. وقد تؤثر سرعة تبنّيها للذكاء الاصطناعي ونطاقه وعمقه في مقدار ما تجنيه منه. فالنمو القائم على التصدير، الذي كان محورياً لكثير من البلدان النامية، يواجه تهديداً. وكما عجّلت الأتمتة بتراجع التصنيع المبكر، قد يفضي الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى تراجع مبكر للمهننة، يحدّ من حصة الوظائف المكتبية الجيدة عند مستويات أدنى قبل أن تبلغ البلدان مستويات دخل أعلى.

ومع تهديد الآلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لمزيد من وظائف التصنيع، وتعطيل الذكاء الاصطناعي التوليدي للخدمات القابلة للتقديم رقمياً، قد تتقلّص فرص التصدير أمام البلدان النامية. وفي هذه الحالة، ستكون معظم الوظائف المتبقية في البلدان النامية إما في الزراعة وإما في الخدمات منخفضة المهارة، وهو ما لا يكفي لاستدامة تنمية اقتصادية واسعة القاعدة.

ورغم أن الذكاء الاصطناعي ينتشر بسرعة في البلدان النامية مقارنة بالتقنيات السابقة، فإن كثافة استخدامه وفاعليته الإجمالية لا تزالان أدنى كثيراً مما هما عليه في الاقتصادات المتقدمة. وتنبع السهولة النسبية لتبنّي الذكاء الاصطناعي من قدرته على الاستناد إلى الأجهزة والخدمات الرقمية القائمة، وتوافر أدوات منخفضة التكلفة ومفتوحة المصدر، والمرونة في التنقّل بسهولة بين المزوّدين. وخلافاً للتقنيات السابقة ذات الأغراض العامة، يستفيد الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية من آثار الشبكة التي تتيح التوسّع السريع بين السكان. ومع ذلك، لا يزال نقص الطاقة والبنية التحتية الرقمية عالية الجودة، إلى جانب ارتفاع تكلفة الأجهزة والخدمات الرقمية، يعيق الوصول الواسع إلى الإنترنت في بعض المناطق النامية. ونتيجة لذلك، ورغم أن المستهلكين والمنشآت في هذه البلدان قد يستخدمون الذكاء الاصطناعي، فإنهم لا يمثّلون سوى جزء يسير من إجمالي السكان أو المنشآت.

وفضلاً عن ذلك، لا يزال تواتر استخدام الذكاء الاصطناعي وعمقه في البلدان النامية محدودين مقارنة بالبلدان المتقدمة، لأن الاستخدام الفعّال للذكاء الاصطناعي كثيراً ما يعتمد على مهارات رقمية كافية وتكييفات محلية، وهي موارد لا تزال نادرة في كثير من الاقتصادات النامية. وتحدّ هذه الكثافة والفاعلية المحدودتان لتبنّي الذكاء الاصطناعي من قدرة البلدان النامية على جني المنافع الكاملة لهذه التقنية.

والأهم من ذلك أن البلدان النامية الأكثر نضجاً رقمياً لا تستطيع أن تكتفي بدور المستهلك السلبي للذكاء الاصطناعي، بل يتعيّن عليها السعي إلى تخصيص نماذجه وتكييفها مع الطلب المحلي، بل وأن تصبح منتجة ومبتكرة فيه، إن أرادت جني مزيد من المنافع. ففي التقنيات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، تعني العوائد المتزايدة للحجم والنطاق، وآثار الشبكة، وديناميكيات استئثار الفائز بمعظم المكاسب، أن من ينتجون التقنية ويملكونها يستحوذون على معظم المكاسب. ويمكن للبلدان الأقل جاهزية للذكاء الاصطناعي أن تبدأ بتبنّي حلول جاهزة مثل ChatGPT للاستخدام الفردي والمنشآت الصغيرة. وتستطيع البلدان النامية التي تمتلك بعض القدرات في الذكاء الاصطناعي أن تحقق قيمة أكبر منه بتخصيص هذه التقنيات وتكييفها مع سياقاتها المحلية. أما البلدان الأكثر تطوراً فتستطيع رعاية شركاتها الناشئة في الذكاء الاصطناعي وبناء أساس للابتكار فيه في مجالات وتطبيقات رئيسية متخصصة، للاستفادة من إمكاناته الكاملة. وسيتيح ذلك فرصاً لا للاستهلاك فحسب، بل للإسهام في مشهد تطوير الذكاء الاصطناعي العالمي وتشكيله أيضاً.

وفي نهاية المطاف، يجب على الحكومات الموازنة بين خطر عدم التحرك أو تأخيره وخطر الاستثمار المبكر أو سيئ التوجيه. فسواء ارتقى الذكاء الاصطناعي بالكامل إلى مستوى الضجة المثارة حوله أم لا، فإن قيمته في تطبيقات بعينها كبيرة، وستواصل أهميته الاقتصادية النمو مع استمرار الابتكار وتسارع التبنّي. ويولّد ذلك ضرورة استراتيجية للتحرك المبكر؛ فالمبتكرون والمتبنّون الأوائل سيحظون بمزايا كبيرة من الآثار المعرفية غير المباشرة ووفورات الحجم والنطاق وميزة السبق، في حين يواجه المتأخرون خطر التخلّف عن الركب. غير أن الاستثمارات المبكرة أو سيئة التوجيه قد تحقق عوائد دون المستوى الأمثل، وتحوّل الموارد عن مجالات حيوية أخرى.

الاستثمار في الركائز الأربع

يمثّل الاستثمار في الركائز الأربع، أي الاتصال والقدرة الحاسوبية والسياق بما يشمله من بيانات التدريب والنماذج والتطبيقات والكفاءة أي المهارات الرقمية، نهجاً استراتيجياً لا يكاد ينطوي على ندم بالنسبة للبلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل، وإن كان يتعيّن تكييف الأولويات المحددة مع الظروف الفريدة لكل دولة. ومن العوامل الرئيسية التي أسهمت في محدودية أثر الذكاء الاصطناعي حتى الآن التأخر الكبير في التطبيق، وهو تحدٍّ حادّ في الاقتصادات النامية. وحتى لو تبيّن أن الإمكانات التحويلية للذكاء الاصطناعي أقل دراماتيكية مما يتوقعه بعضهم، فإن تعزيز الركائز الأربع أساسي لجهود التحوّل الرقمي الأوسع الجارية بالفعل. فهذه العناصر التأسيسية، من بنية تحتية حاسوبية متينة وبيانات تدريب عالية الجودة وقوى عاملة ماهرة رقمياً، شروط مسبقة للمشاركة في الاقتصاد الرقمي الحديث، بصرف النظر عن المسار الدقيق لتطوّر الذكاء الاصطناعي. ولن يقتصر بناء أساس قوي في الركائز الأربع على تهيئة البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل لاغتنام الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، بل سيعزّز أيضاً قدرتها على توظيف التقنيات الرقمية الأخرى من أجل النمو الاقتصادي والتقدّم الاجتماعي.

وفي العصر الرقمي وعصر الذكاء الاصطناعي، يمنح حجم البلد، ولا سيما في صورة سوق محلية ضخمة ومتكاملة، ميزة كبيرة. فالتقنيات الرقمية، بما فيها الذكاء الاصطناعي، تُظهر وفورات حجم ونطاق قوية. فبمجرد بناء المنصات والنماذج، يمكن نشرها بتكلفة حدية تقارب الصفر، في حين تنمو قيمتها بسرعة مع ازدياد أعداد المستخدمين بفعل آثار الشبكة. ويولّد ذلك ديناميكيات استئثار الفائز بمعظم المكاسب، حيث تُنجب أكبر الأسواق أكثر المنشآت قدرة على المنافسة، فتجتذب بدورها مزيداً من المستخدمين والبيانات والمواهب والاستثمارات. وتتيح قاعدة المستخدمين المحلية الكبيرة للمنشآت التوسّع بسرعة، وتطوير المنتجات بوتيرة أسرع، وجمع مجموعات البيانات الضخمة والمتنوعة الضرورية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. وخلافاً للأسواق المجزأة أو الأصغر، تستطيع الشركات في الاقتصادات الكبيرة والموحّدة اختبار تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحسينها عبر ملايين المستخدمين والقطاعات دون مواجهة حواجز تنظيمية أو لغوية.

وفضلاً عن ذلك، يتيح الحجم استثمارات أكثر تركيزاً واستدامة في البحث والتطوير والبنية التحتية الحاسوبية، وكلاهما مكلف إلى حدّ باهظ ومحوري للريادة في الذكاء الاصطناعي. فالبلدان ذات الأسواق الكبيرة تستطيع تبرير الاستثمار العام والخاص طويل الأمد في الابتكار الرائد، من رقائق الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات إلى النماذج التأسيسية. كما تستفيد من تكتّل المواهب، لأن الباحثين والمهندسين والشركات الناشئة يتجمّعون حول منظومات غنية بالطلب والتمويل والبنية التحتية الرقمية. والأهم أن هذه الديناميكيات ذاتية التعزيز؛ فالمزايا المبكرة في الحجم قد تتضخم سريعاً ككرة الثلج لتتحول إلى هيمنة عالمية، كما يتضح في الصين والولايات المتحدة. في المقابل، تواجه الاقتصادات الأصغر والأكثر تجزؤاً خطر البقاء معتمدة على الدوام على المنصات والنماذج والمعايير الأجنبية، مستهلكة للذكاء الاصطناعي لا صانعة له ولا مشكّلة لمساره.

ورغم أهمية الحجم لابتكار الذكاء الاصطناعي، فإن كثافة القدرة في مجال الذكاء الاصطناعي، مقيسة على أساس نصيب الفرد، حاسمة لتبنّيه وانتشاره على نحو فعّال. فارتفاع نصيب الفرد من القدرة الحاسوبية وبيانات التدريب والمهارات الرقمية يضمن ألا تقتصر أدوات الذكاء الاصطناعي على التطوير، بل تُستخدم استخداماً هادفاً في القطاعات والمنشآت ولدى الأفراد. وفي البلدان منخفضة الكثافة في الذكاء الاصطناعي، حتى لو ارتفعت الاستثمارات الإجمالية، قد يظل التبنّي محصوراً في بضع مدن أو مؤسسات نخبوية، تاركاً معظم الاقتصاد دون تأثر. وفي المقابل، تستطيع البلدان مرتفعة الكثافة في الذكاء الاصطناعي دمجه في الخدمات العامة والمنشآت الصغيرة ومسارات العمل اليومية، بما يتيح مكاسب إنتاجية أكثر شمولاً وانتشاراً. كما يحدد نصيب الفرد من القدرة مدى القدرة على الصمود؛ فحين تكون القدرة الحاسوبية والسياق والقدرات في مجال الذكاء الاصطناعي موزّعة على نطاق واسع ومتاحة محلياً، يستطيع عدد أكبر من المنشآت والحكومات والأفراد التجريب وتكييف النماذج مع الاحتياجات المحلية وتوليد قيمة أكبر. وفي جوهر الأمر، تعكس كثافة الذكاء الاصطناعي مدى تغلغل التقنية في المجتمع.

ويحدد الحجم والكثافة معاً موقع البلد في سلسلة القيمة العالمية للذكاء الاصطناعي وجاهزيته الإجمالية للاستفادة منه. فالبلدان ذات الحجم الكبير في وضع جيد لاستقطاب الاستثمار العالمي، وقيادة الابتكار التأسيسي في الذكاء الاصطناعي، وتطوير قدرة حاسوبية محلية وبيانات تدريب ونماذج محلية ونخبة من باحثي الذكاء الاصطناعي، إذ يولّد حجمها حوافز قوية لدخول شركات الذكاء الاصطناعي ومنافستها ونموها. أما البلدان الأصغر، فرغم أنها أقل ميلاً إلى قيادة الابتكار الرائد، فإنها تستطيع التفوّق بالتركيز على تبنّي الذكاء الاصطناعي وتخصيصه في مجالات متخصصة عالية القيمة أو قطاعات بعينها يكون فيها للسياق المحلي أهمية.

ويقيس المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي الصادر عن مؤسسة تورتويز ميديا حجم جاهزية البلد للذكاء الاصطناعي وكثافتها معاً. وتهيمن الصين والولايات المتحدة من حيث الحجم بفضل أسواقهما المحلية الضخمة والناضجة رقمياً، وتركّز البنية التحتية الحاسوبية، ومجموعات بيانات التدريب الهائلة، ووفرة شركات الذكاء الاصطناعي ومواهبه. في المقابل، تحتل بلدان أصغر مثل إسرائيل وسنغافورة وسويسرا مراتب عالية من حيث الكثافة بفضل الاستثمارات المركّزة والمنظومات الفعّالة. ويؤدي بلدان مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة أداءً جيداً في البعدين معاً، إذ تجمع بين الكتلة الحرجة والتغلغل العميق. وتقع الاقتصادات الكبيرة متوسطة الدخل مثل البرازيل، والدول الصغيرة مرتفعة الدخل مثل إستونيا وأيسلندا، في النطاق المتوسط للجاهزية للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت ذاته، يقصر أداء البلدان منخفضة الدخل مثل إثيوبيا وكينيا في الحجم والكثافة معاً، مما يبرز الحاجة إلى الاستثمار في الممكّنات التأسيسية كالنطاق العريض الميسور التكلفة وعالي الجودة، والمعرفة الرقمية، ومهارات القوى العاملة. وبالنسبة لهذه البلدان، يعني بناء الجاهزية إعطاء الأولوية للأساسيات التي تفتح الباب أمام تبنٍّ أوسع للذكاء الاصطناعي.

وإلى جانب تعزيز الأسس، يتطلب عصر الذكاء الاصطناعي إعادة تفكير جذرية في السياسات المالية وسياسات العمل والتعليم والحماية الاجتماعية، وفي تنسيق سياسات الذكاء الاصطناعي والتعاون بشأنها على المستوى العالمي. فرغم الإمكانات الكبيرة للذكاء الاصطناعي، فإنه ينطوي أيضاً على خطر مفاقمة عدم المساواة، وإضعاف القوة التفاوضية للعاملين، وتضخيم الفجوات العالمية. ويُعدّ تزايد تركّز الثروة وإحلال الوظائف واستقطابها من أبرز المخاوف. وفضلاً عن ذلك، يمثّل عدم توافق الذكاء الاصطناعي، أي أنظمة الذكاء الاصطناعي «المارقة» التي لا تسعى إلى غرضها الأصلي بل تحيد عن النوايا البشرية، وإساءة استخدامه، مخاطر رئيسية، ولا سيما في تطوير الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية أو الحصول عليها، واستغلال الثغرات في الأمن السيبراني، وإنتاج المعلومات المضللة والزائفة على نطاق واسع. وستتطلب معالجة هذه المخاطر سياسات محلية منسّقة وتعاوناً دولياً.

ويدعو بعض الاقتصاديين إلى توجيه ابتكار الذكاء الاصطناعي بعيداً عن الحلول محل البشر ونحو تعزيز القدرات البشرية. ويشمل ذلك إعادة التفكير في طريقة تصميم المعايير المرجعية للأداء، بحيث يقلّ التركيز على تفوّق الذكاء الاصطناعي على البشر في مهام منعزلة، ويزداد التركيز على كيفية إكماله للحكم البشري، ولا سيما في مجالات كالتنبؤ واتخاذ القرار. غير أن تطبيق ذلك صعب. فأولاً، لا يضمن التكامل الحفاظ على الوظائف؛ فإذا تجاوزت الإنتاجية الطلب، قد تختفي الوظائف مع ذلك، كما حدث حين قلّصت الجرارات عدد المزارعين رغم تعزيزها الإنتاجية. وثانياً، تكمّل معظم أدوات الذكاء الاصطناعي اليوم العاملين بدلاً من أن تحلّ محلهم كلياً، فتؤتمت مهام لا مهناً بأكملها. وثالثاً، إن تحديد معايير مرجعية للتعزيز أعقد بكثير من قياس مدى محاكاة الذكاء الاصطناعي للأداء البشري. وفضلاً عن ذلك، تمنح شيخوخة السكان ونقص العمالة وضغوط التكاليف المنشآت حوافز قوية لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي موفّرة للعمالة.

السياسة المالية: الحدّ من عدم المساواة وتوفير شبكة أمان وسط الاضطرابات المحتملة

يجب أن تؤدي السياسات المالية دوراً أكبر في الحدّ من عدم المساواة ومعالجة ديناميكيات استئثار الفائز بمعظم المكاسب. فيمكن أن تكون السياسات الضريبية أكثر تصاعدية، وأن تتحول من فرض الضرائب على دخل العمل نحو فرضها على عوامل وريوع أخرى. فالسياسات الضريبية التي تحابي رأس المال على حساب العمل تشوّه اتجاه التقدّم نحو توفير العمالة.

ويمكن فرض ضرائب على جزء من الريوع الاحتكارية للعمالقة الرقميين دون إحداث تشوّهات كبيرة في الاقتصاد. ويمكن لزيادة الضرائب على الأرباح الرأسمالية وأرباح الشركات والثروة أن تموّل البرامج الاجتماعية وإعادة تدريب العاملين. غير أن الحراك العالي لرأس المال في العصر الرقمي يعني أن البلدان منفردة تواجه قيوداً في رفع الضرائب على رأس المال دون التسبب في هروبه. وتمثّل ضرائب الإعلانات الرقمية ورسوم استخدام البيانات مقاربات مستحدثة للاستحواذ على جزء من القيمة التي تولّدها نماذج الأعمال القائمة على الذكاء الاصطناعي. ورغم أنها قد تكون مصادر إيرادات كبيرة، فإن هذه الضرائب تواجه تحديات في التطبيق، منها تحديد الوعاء الضريبي، ومنع تحميلها على المستهلكين، ومعالجة المعاملات العابرة للحدود. وفضلاً عن ذلك، ينطوي تطبيقها على نحو أحادي على خطر إثارة نزاعات تجارية رقمية.

ويمكن لسياسات إعادة توزيع أكثر جرأة، كالدخل الأساسي الشامل أو توسيع الحماية الاجتماعية، أن تساعد على ضمان وصول منافع الذكاء الاصطناعي إلى شرائح أوسع من السكان. غير أن تمويل هذه البرامج يتطلب حيزاً مالياً كبيراً، وهو ترف تفتقر إليه بلدان نامية كثيرة في ظل ارتفاع مستويات الديون ومحدودية القواعد الضريبية. وقد زادت جائحة مرض فيروس كورونا 2019 من الضغوط على المالية العامة، مقيّدة قدرة البلدان على تطبيق برامج اجتماعية جديدة في الوقت الذي تتسارع فيه الاضطرابات التي يحدثها الذكاء الاصطناعي.

ويطرح البعد الدولي تحديات إضافية، لأن منافع الذكاء الاصطناعي تميل إلى التركّز في الاقتصادات المتقدمة ذات البنية التحتية الرقمية القوية والقوى العاملة الماهرة. وقد تثبت المساعدات الإنمائية التقليدية عدم كفايتها لمنع تزايد عدم المساواة بين البلدان. وقد تلزم آليات دولية جديدة لإعادة توزيع مكاسب الذكاء الاصطناعي عالمياً، كصناديق التنمية الرقمية أو برامج نقل التقنية. غير أن تصميم هذه الآليات وتطبيقها يواجهان عقبات سياسية وعملية كبيرة.

وتواجه البلدان النامية قيوداً إضافية في تطبيق سياسات إعادة التوزيع. فضعف الإدارة الضريبية، وكبر القطاعات غير الرسمية، ومحدودية البنية التحتية للحماية الاجتماعية، تصعّب تحديد الفئات الهشة والوصول إليها. وسيكون العمل العالمي المنسّق أساسياً لتجنّب سباق نحو القاع في الضرائب واتساع فجوة الذكاء الاصطناعي. غير أن تحقيق هذا التنسيق سيتطلب التغلّب على مشكلات كبيرة في العمل الجماعي والتوفيق بين المصالح الوطنية المتباينة.

سياسات العمل والتعليم: تحصين العاملين للمستقبل

من المهم تحديث سياسات العمل والتعليم لتحصين العاملين للمستقبل وحمايتهم، لأن الذكاء الاصطناعي قد يسرّع التحوّل نحو العمل قصير الأجل وغير المستقر، ويولّد حالة هائلة من عدم اليقين في الطلب على المهارات. فمن الصعب التنبؤ بالمهارات والتدريب المحددة اللازمة لفرص العمل الناشئة بعد المدى القصير. ومن المرجّح أن يعزّز الذكاء الاصطناعي الحاجة إلى نظام فعّال للتعلّم مدى الحياة للقوى العاملة. ومن المرجّح أن تظل سمات مثل الفضول المعرفي والتفكير النقدي والقدرة العامة على التكيّف والمهارات الاجتماعية ومهارات التواصل والقدرة على التعلّم المستمر سمات مطلوبة في العاملين. وستكون تنمية هذه القدرات على جميع مستويات التعليم النظامي وتعليم الكبار وفرص التدريب أمراً حاسماً.

وقد دفعت الثغرات في أنظمة العمل القائمة بالفعل إلى إصلاحات تشريعية في بلدان متعددة. فتوجيه الاتحاد الأوروبي بشأن العمل عبر المنصات، الذي أُقرّ في أبريل 2024 واعتُمد بعد ذلك بفترة وجيزة، يمثّل محطة رئيسية في السياسات. ويهدف التوجيه إلى تحسين ظروف عمل العاملين عبر المنصات وتوضيح وضعهم الوظيفي. وبموجبه، لا يجوز فصل العامل عبر المنصة بسبب قرار اتخذته خوارزمية أو نظام آلي لاتخاذ القرار. كما يُلزم التوجيه دول الاتحاد الأوروبي بإقرار قرينة قانونية قابلة للدحض على وجود علاقة عمل على المستوى الوطني. وقد أدخلت بلدان مثل كوستاريكا وكينيا أنظمة عمل خاصة بقطاعات بعينها، ولا سيما النقل.

وثمة مبادئ عدة يمكن أن توجّه صانعي السياسات في الاتجاه الصحيح عند النظر في كيفية تحسين العمل عبر المنصات. فأولاً، يُعدّ توضيح الوضع الوظيفي للعاملين عبر المنصات وضمان حدّ أدنى من الحقوق لهم جميعاً أمراً أساسياً. وثانياً، يمكن استخدام أشكال غير حكومية من الحماية لاستكمال أنظمة العمل؛ فقد ظهرت مؤخراً «تعاونيات المنصات» في بعض القطاعات، كالنقل والخدمات المنزلية، وهي مشاريع أو منشآت تستخدم أساساً موقعاً إلكترونياً أو تطبيقاً للهاتف المحمول أو بروتوكولاً لبيع السلع أو الخدمات، وتعتمد على اتخاذ القرار الديمقراطي والملكية المجتمعية المشتركة للمنصة من قبل العاملين والمستخدمين، فتعطي الأولوية لأصوات العاملين واحتياجاتهم وتمنحهم تحكّماً أكبر في تطبيقاتها ومنصاتها وبروتوكولاتها. وثالثاً، تعتمد الفاعلية أيضاً على الإنفاذ، وهو أصعب في البلدان النامية بسبب محدودية القدرة الإدارية على إنفاذ القوانين وارتفاع مستويات النشاط الاقتصادي غير الرسمي؛ ومع توسيع البلدان التغطية القانونية للعاملين عبر المنصات، من الأساسي ضمان كفاية جهود الإنفاذ والامتثال. ورابعاً، يمكن للبيانات والتقييم أن يساعدا على تصميم أنظمة أكثر فاعلية. وأخيراً، ينبغي تحديث الأنظمة والسياسات الحكومية لتحقيق التوازن بين المرونة والحماية في عصر الذكاء الاصطناعي، وهو ما يتطلب غالباً سياسات مصمّمة حسب الحاجة تستند إلى بيانات عالية الجودة ودراسة متأنية للآثار التي ستحدثها التغييرات في السياسات والأنظمة على حياة العاملين.

إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي عبر أنظمة ذكاء اصطناعي جديرة بالثقة ومسؤولة

تتقدّم أبحاث الذكاء الاصطناعي وتبنّيه بسرعة، لكن حكومات كثيرة، ولا سيما في البلدان النامية، تفتقر إلى الموارد والقدرات اللازمة لإدارة المخاطر الجديدة التي يجلبها الذكاء الاصطناعي بفاعلية. ومن المخاوف الرئيسية عدم توافق الذكاء الاصطناعي، أي أن تسعى أنظمته إلى تحقيق أهداف أو مخرجات تحيد عن النوايا البشرية أو عن غرضها الأصلي. وقد لا تظهر سلوكيات الذكاء الاصطناعي غير المتوافقة على الفور، وقد تتسبب في نتائج ضارة، ولا سيما حين يُطبَّق الذكاء الاصطناعي في قطاعات حيوية كالرعاية الصحية أو التمويل. ومعالجة عدم التوافق ليست تحدياً تقنياً فحسب، بل تتطلب من أصحاب المصلحة إرساء عمليات تضمن أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي موثوقة وقابلة للتنبؤ ومتوافقة مع أهداف المصلحة العامة قبل نشرها وبعده، كتمارين الأمن السيبراني وآليات رصد الحوادث والاستجابة لها.

كما تتعرّض أنظمة الذكاء الاصطناعي لمخاطر الأمن السيبراني والخصوصية. فأولاً، يوسّع الذكاء الاصطناعي سطح الهجوم الرقمي بزيادة تدفقات البيانات وتكامل الأنظمة، مما يوجد مزيداً من نقاط الدخول للخصوم. ويمكن أيضاً التلاعب بنماذج الذكاء الاصطناعي بمدخلات خبيثة، كحقن الأوامر أو تسميم البيانات، مما يدفع النظام إلى إنتاج نتائج خاطئة أو غير آمنة. وقد تمكّن هذه الأساليب الجهات الخبيثة من «كسر حماية» أنظمة الذكاء الاصطناعي وتجاوز مرشحات الأمان كلياً، وتقويض الخدمات الموجّهة للجمهور، بل وتغيير عمليات اتخاذ القرار في المجالات الحساسة. وهذه المخاوف ليست تخمينية، فحوادث الذكاء الاصطناعي تقع بالفعل على أرض الواقع.

وتتزايد مخاطر الخصوصية أيضاً، لأن نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة كثيراً ما تعالج مجموعات بيانات ضخمة تتضمن معلومات شخصية أو حساسة. وإن لم تتوافر ضمانات فعّالة، فقد تكشف أنظمة الذكاء الاصطناعي البيانات الشخصية عن غير قصد عبر مخرجاتها. ويكتسب ذلك أهمية حاسمة في البلدان النامية، حيث قد تظل أطر حماية البيانات محدودة أو تبقى قدرات الإنفاذ ضعيفة.

وبالنسبة لصانعي السياسات، لا تكمن الأولوية بالضرورة في وضع أنظمة جديدة لسلامة الذكاء الاصطناعي من الصفر، بل في تعزيز القدرة العملية للبلد على إدارة المخاطر. إذ تستطيع الحكومات تعزيز الامتثال للمعايير الدولية والممارسات الجيدة الناشئة، كمبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للذكاء الاصطناعي، والمعيار الدولي 42001 الصادر عن المنظمة الدولية للتوحيد القياسي واللجنة الكهروتقنية الدولية، وإطار إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي الصادر عن المعهد الوطني للمعايير والتقنية في الولايات المتحدة، والمشاركة في المبادرات العالمية كعملية هيروشيما للذكاء الاصطناعي التابعة لمجموعة السبع ومستودع حوادث الذكاء الاصطناعي ومخاطره التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، اللذين يوفّران منصات للتعلّم المشترك والرصد الجماعي للمخاطر. ومن إجراءات السياسات الرئيسية تعزيز الجاهزية السيبرانية لمعالجة الثغرات الخاصة بالذكاء الاصطناعي، ووضع بروتوكولات للإبلاغ عن الحوادث والاستجابة لها، وضمان خضوع عمليات نشر الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في القطاعات الحيوية، لمتطلبات واضحة للمساءلة بشأن السلامة وحماية البيانات.

وستكون القيادة الحكومية أساسية لتنسيق هذه الجهود وإعطاء الأولوية لنهج قائم على المخاطر في سلامة الذكاء الاصطناعي. ويشمل ذلك وضع توقعات أساسية لموثوقية أنظمة الذكاء الاصطناعي وأمنها، والعمل مع القطاع الخاص والشركاء الدوليين لبناء القدرات المؤسسية، وضمان إمكانية تحقيق منافع الذكاء الاصطناعي دون تعريض المجتمعات لمخاطر غير مُدارة.

وعلى نطاق أوسع، يجب على حكومات البلدان النامية مواصلة رصد المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، كعدم التوافق، والأمن السيبراني، والخصوصية، والأسلحة الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية، والإنصاف، والتحيّز الخوارزمي، والمعلومات المضللة، وانتهاك حقوق النشر. فالذكاء الاصطناعي، ولا سيما التوليدي منه، قادر على تضخيم المعلومات المضللة، وتقويض عمليات اتخاذ القرار، وتشويه الأنشطة الاقتصادية. وتعتمد منصات الذكاء الاصطناعي اعتماداً كبيراً على بيانات واسعة، كثيراً ما تُستقى من الإنترنت دون إذن صريح، لتدريب نماذجها. وقد تفضي هذه الممارسات إلى انتهاك حقوق النشر، بما يرتّب مسؤوليات محتملة على منصات الذكاء الاصطناعي ومستخدميها على حدّ سواء. وقد استكشف البنك الدولي المشهد الناشئ لحوكمة الذكاء الاصطناعي، مسلّطاً الضوء على الاعتبارات والتحديات الرئيسية والمقاربات المتنوعة لتنظيم الذكاء الاصطناعي وحوكمته.

ويجب أن تتعامل الاستراتيجيات الحكومية مع الطبيعة المتطورة باستمرار والعابرة للقطاعات للذكاء الاصطناعي، موازنة بعناية بين طيف من أهداف السياسات، كالنمو الاقتصادي وخلق الوظائف والشفافية والخصوصية والأمن الوطني والسلامة والإدماج. ويستلزم تعاظم دور الذكاء الاصطناعي في الدفاع والقطاعات الحيوية تدابير صارمة للأمن السيبراني واعتبارات أخلاقية لمواجهة إساءة الاستخدام المحتملة، مع مراعاة أن الإفراط في التنظيم يشكّل مخاطر على تقدّم الذكاء الاصطناعي المحلي والقدرة التنافسية الدولية. فتزايد الالتزامات التنظيمية قد يعيق الابتكار، ولا سيما لدى الكيانات الصغيرة، مع احتمال أن يتلاعب رواد الصناعة بالمشهد التنظيمي للحدّ من المنافسة والابتكار.

الملحق (أ): ملخصات دراسات الحالة الموضوعية

مقدمة

يعرض الملحق (أ) من هذا التقرير ملخصات ثلاث دراسات حالة موضوعية تبيّن كيف يُستخدم الذكاء الاصطناعي في قطاعات مختلفة للمساعدة على معالجة تحديات إنمائية حاسمة. وتتاح دراسات الحالة الكاملة في المستودع المفتوح للمعرفة التابع للبنك الدولي.

وتركّز كل دراسة حالة على ركيزة إنمائية مختلفة: الازدهار، أو الإنسان، أو الكوكب. فالازدهار يسلّط الضوء على الجهود الرامية إلى تعزيز النمو الاقتصادي وخلق الوظائف، ودعم البلدان في بناء اقتصادات أكثر قدرة على الصمود واعتماداً على الذات. والإنسان يتمحور حول تحسين جودة الحياة بتوسيع الوصول إلى الخدمات الأساسية، وتعزيز الحوكمة التشاركية، والنهوض برأس المال البشري والرفاه. أما الكوكب فيؤكد الحاجة إلى حماية البيئة بمعالجة المخاطر المرتبطة بالمناخ والنهوض بالإدارة المستدامة للموارد الطبيعية.

وتستكشف دراسات الحالة حالات الاستخدام القائمة للذكاء الاصطناعي، وتصورات أصحاب المصلحة الرئيسيين، والآثار المبكرة، وعوائق تبنّي الذكاء الاصطناعي في هذه المجالات، مع دراسة تطبيقاته تحديداً في الخدمات القابلة للتقديم رقمياً في إطار ركيزة الازدهار، والتعليم في إطار ركيزة الإنسان، والزراعة والطاقة في إطار ركيزة الكوكب.

وتبرز دراسات الحالة ثلاث رسائل رئيسية. أولاها أن الذكاء الاصطناعي قادر على تسريع التنمية في القطاعات الرئيسية، لكن منافعه ستتركّز لدى من يتمتعون أصلاً بالمزايا ما لم يقترن بتصميم شامل ودعم موجّه. وثانيتها أن البلدان النامية ليست مستهلكة سلبية للذكاء الاصطناعي، فهي تكيّفه وتبتكر في ظل القيود، لكنها تحتاج إلى البنية التحتية والحوكمة والاستثمار كي توسّع نطاقه. وثالثتها أن تبنّي الذكاء الاصطناعي يعيد بالفعل تشكيل العمل والتعلّم والإنتاج، ومن ثمّ يتعيّن على الحكومات التحرك الآن لإدارة الاضطرابات، وسدّ فجوات الجاهزية، وتوجيه الذكاء الاصطناعي نحو الازدهار المشترك.

دراسة الحالة الأولى: الإنسان

استكشاف الوعد التحويلي للذكاء الاصطناعي لنظم التعليم في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل

يجري تبنّي الذكاء الاصطناعي في نظم التعليم بالبلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل لتحسين نواتج التعلّم عبر التعلّم المخصص، ودعم المعلمين في إعداد الدروس وتطوير المحتوى، وتبسيط المهام الإدارية، غير أن استخدامه لا يزال متفاوتاً والمبادرات مجزأة. ويؤدي التنوّع اللغوي في هذه البلدان إلى رصيد أصغر من بيانات التدريب يكون التدريب عليه غالباً أعلى تكلفة، كما تظل قيود البنية التحتية قائمة أمام تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي في التعليم ونشرها. وبدون توجيهات مصمّمة خصيصاً لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم وبناء فعّال للقدرات على جميع مستويات النظام التعليمي، قد تفاقم أدوات الذكاء الاصطناعي أوجه عدم المساواة وتُضعف التفكير النقدي، ومن ثمّ يجب على صانعي السياسات التحرك سريعاً لضمان دمجه على نحو آمن ومنصف وفعّال.

وقد برز الذكاء الاصطناعي بوصفه قوة يُحتمل أن تكون تحويلية في نظم التعليم بالبلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل، إذ يقدّم أدوات جديدة لمعالجة تحديات مزمنة، كضعف نواتج التعلّم ونقص المعلمين ومحدودية البنية التحتية. وتستكشف دراسة الحالة هذه، المستندة إلى مقابلات ومجموعات نقاش مركّزة مع نحو مائة وخمسين من أصحاب المصلحة في الهند ونيجيريا، كيف يُطبَّق الذكاء الاصطناعي، ولا سيما التوليدي منه، في البيئات التعليمية، وما العوائق والفرص والتوترات التي تشكّل استخدامه. وتركّز على ثلاث جهات فاعلة رئيسية في المنظومة التعليمية: الطلاب والمعلمون والإداريون.

ففي البلدين كليهما، تُنشر أدوات الذكاء الاصطناعي لتخصيص التعلّم، وتوسيع الوصول إلى الموارد التعليمية، وتعزيز الكفاءة التشغيلية. وتبرز الأدوات الموجّهة للطلاب على وجه الخصوص في المرحلتين الثانوية والعليا، حيث تقدّم منصات مثل «كونفي جينيوس» و«داوتنت» الهندية و«مشروع المتدرّب» محتوى باللغات الإقليمية، والإعداد للاختبارات، والتعلّم التكيّفي عبر تطبيق واتساب. وتصل هذه المنصات إلى ملايين المستخدمين، ولا سيما في المناطق الحضرية وشبه الحضرية. وفي نيجيريا، تقدّم تطبيقات مثل «يو ليسون» و«سيمبيبوت» خدمات مماثلة، تستهدف الطلاب الذين يستعدون للامتحانات ويسعون إلى تعليم إضافي. وفي مرحلة التعليم العالي، يستخدم الطلاب على نحو متزايد منصات الذكاء الاصطناعي العامة مثل ChatGPT في الواجبات الدراسية والبحث وبناء المهارات، وإن كان هذا التبنّي يجري غالباً على نحو غير رسمي ودون توجيه مؤسسي.

أما المعلمون، فيستخدمون الذكاء الاصطناعي لتبسيط إعداد الدروس، وأتمتة التصحيح، وتجريب أدوات التطوير المهني. وتدعم منصات مثل مولّدات المحتوى التابعة لمؤسسة «إيك ستيب» في الهند، وأداة «كوري» من «سكولا» في نيجيريا، المربين بإنتاج مواد تعليمية متعددة اللغات متوافقة مع المناهج المحلية. وقد أتاحت أدوات مثل «سمارت بيبر» رقمنة ملايين الاختبارات المكتوبة بخط اليد وتصحيحها بسرعة وبتكلفة منخفضة، مما وفّر وقت المعلمين ووسّع نطاق التقييم. ورغم اعتماد كثير من المعلمين على الخدمات المجانية بسبب قيود التكلفة، فإنهم يفيدون بتوفير كبير في الوقت وتحسّن في الكفاءة. وبدأت بعض المبادرات، ولا سيما في الهند، في استكشاف كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في التوجيه التربوي وتقديم التغذية الراجعة للمعلمين.

ويتبنّى الإداريون كذلك أدوات الذكاء الاصطناعي لدعم الوظائف على مستوى النظام. ففي الهند، تستخدم مراكز القيادة والتحكّم، مثل مركز «فيديا سميكشا كندرا» في ولاية غوجارات، بيانات آنية من منصات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتتبّع الحضور، ومراقبة برامج الوجبات المدرسية، ودعم اتخاذ القرار. وفي نيجيريا، تستخدم مؤسسات التعليم العالي أنظمة لإدارة التعلّم مدعومة بالذكاء الاصطناعي لدعم مطابقة المقررات والتعلّم عن بُعد، مما يمكّن الجامعات من توسيع قاعدة طلابها توسيعاً كبيراً. وقد بدأت هذه الأدوات تغيّر طريقة عمل النظم التعليمية، وإن ظل التطبيق متفاوتاً ومعتمداً في الغالب على الشراكات مع القطاع الخاص.

وتعكس أدوات الذكاء الاصطناعي في البلدين الابتكار في ظل القيود. إذ يطوّر المطوّرون نماذج خفيفة يمكن تشغيلها على الهواتف ذات الميزات البسيطة والعمل دون اتصال بالإنترنت، وهو تكييف أساسي بالنظر إلى التحديات الواسعة المتمثّلة في عدم موثوقية الكهرباء ومحدودية الوصول إلى الإنترنت وتدنّي مستوى الأجهزة. ويمثّل التنوّع اللغوي عائقاً إضافياً، لأن البيانات الرقمية لكثير من اللغات المحلية غير كافية لتدريب نماذج ذكاء اصطناعي دقيقة وفعّالة. وتحاول مبادرات مثل «بهاشيني» في الهند و«لانغ إيزي» في نيجيريا سدّ هذه الفجوة عبر جمع البيانات بالتعهيد الجماعي ونماذج لغوية صغيرة مصمّمة للّهجات المحلية. ومع ذلك، يظل الأداء متفاوتاً إلى حدّ بعيد، ولا سيما في الكتابات غير اللاتينية، وكثيراً ما تؤدي المتطلبات التقنية لتقطيع النصوص المعقدة المكتوبة بهذه الكتابات إلى زيادة تكاليف التشغيل وتقليل فاعلية الأدوات.

ورغم هذه الابتكارات، لا تزال هناك عوائق كبيرة. فالفجوات في البنية التحتية قائمة في البلدين، ولا سيما في المناطق الريفية، حيث تفتقر مدارس كثيرة إلى الاتصال والأجهزة الأساسية. وتحدّ التكلفة المرتفعة للبنية التحتية الحاسوبية ومحدودية الوصول إلى وحدات معالجة الرسوميات من تطوير أدوات ذكاء اصطناعي محلية. وأطر خصوصية البيانات غير متطورة بالقدر الكافي، ولا توجد سوى ضمانات قليلة لحماية بيانات الطلاب، ولا سيما القاصرين منهم. ويعني غياب أطر السياسات الوطنية أن دمج الذكاء الاصطناعي يجري على نحو مجزأ؛ إذ تعاني المدارس والحكومات دون الوطنية في تقييم جودة الأدوات المتنافسة، وإدارة البيانات بمسؤولية، وتزويد المعلمين والطلاب بتوجيهات واضحة بشأن الاستخدام الملائم للذكاء الاصطناعي.

ويحمل أصحاب المصلحة في المنظومة التعليمية وجهات نظر مختلفة، ومتعارضة أحياناً، حول دور الذكاء الاصطناعي في بيئات التعلّم. فالمعلمون، ولا سيما في البيئات الحضرية أو الأوفر موارد، كثيراً ما يبرزون المنافع العملية لأدوات الذكاء الاصطناعي في تقليص وقت إعداد الدروس، وتوليد المواد التعليمية، وأتمتة التصحيح. وتكتسب هذه الوظائف فائدة خاصة للمربين المثقلين بالأعباء، ويُنظر إليها على أنها تعزّز كفاءة التدريس. غير أن كثيراً من المعلمين يعربون أيضاً عن قلقهم من أن يصبح الطلاب مفرطين في الاعتماد على المخرجات التي يولّدها الذكاء الاصطناعي، بما قد يقوّض تنمية التفكير المستقل وحلّ المشكلات والإبداع. ويخشى بعضهم أنه حين يعتمد الطلاب على الذكاء الاصطناعي لإنجاز الواجبات أو توليد الإجابات، يتعرّض الفصل الدراسي لخطر التحوّل من فضاء للاستقصاء إلى فضاء للاستهلاك السلبي.

والطلاب، ولا سيما في مرحلة التعليم العالي، من أكثر المتبنّين حماسة لأدوات الذكاء الاصطناعي، إذ يستخدمون كثيراً منصات مثل ChatGPT لدعم طيف من المهام الأكاديمية، من كتابة المقالات إلى واجبات البرمجة والاستعداد للامتحانات. ويرى كثيرون منهم هذه الأدوات ضرورية لإدارة أعبائهم الدراسية، ولا سيما في ظل محدودية الوصول إلى موارد التعلّم التقليدية أو الدعم الأكاديمي. غير أن المقابلات كشفت عن وعي ذاتي متزايد لدى الطلاب بحدود هذا الاعتماد؛ إذ أقرّ بعضهم بأنهم سيجدون صعوبة في إنجاز الواجبات دون مساعدة الذكاء الاصطناعي، وأن هذا الاعتماد قد يعيق تنمية مهاراتهم الأكاديمية الأساسية. وتثير هذه الازدواجية أسئلة مهمة حول كيفية تعزيز النظم التعليمية للطلاقة الرقمية مع الحفاظ على الصرامة المعرفية والتفكير الأصيل.

أما صانعو السياسات، فيميلون إلى تأطير تبنّي الذكاء الاصطناعي ضمن السردية الأوسع للقدرة التنافسية الاقتصادية وتنمية القوى العاملة. فهم يرون في دمج الذكاء الاصطناعي في المدارس والجامعات أداة استراتيجية لمواءمة التعليم مع متطلبات سوق العمل المستقبلية، ولا سيما في القطاعات التي تتطلب مهارات رقمية وتحليلية. ومع ذلك، يدركون أيضاً وجود انفصال جوهري بين هذه الرؤية والواقع التعليمي الراهن، المتمثّل في جمود المناهج وتقادم نظم التقييم ومحدودية قدرة المعلمين على التكيّف مع التربية المعزّزة بالذكاء الاصطناعي. ويغذّي عدم التوافق هذا توتراً أعمق؛ فرغم أن الذكاء الاصطناعي يعد بزيادة الإنتاجية التعليمية والمساعدة على سدّ فجوات الموارد، فإن تبنّيه دون تمحيص ينطوي على خطر إضعاف جودة التعلّم وترسيخ أوجه عدم المساواة القائمة. ومن ثمّ لا يكمن التحدي في تبنّي الذكاء الاصطناعي من عدمه، بل في كيفية دمجه على نحو يعزّز نواتج التعلّم وفاعلية الطلاب على المدى الطويل معاً.

ولضمان أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة للإنصاف لا للإقصاء، تدعو دراسة الحالة إلى استجابات أكثر اتساقاً في السياسات. ومن الأولويات الرئيسية وضع معايير وطنية لتقييم أدوات الذكاء الاصطناعي، وتوضيح قواعد حوكمة البيانات والخصوصية في البيئات التعليمية، وإصلاح أساليب التقييم لتعكس بيئات التعلّم المعزّزة بالذكاء الاصطناعي، وإدماج الإلمام بالذكاء الاصطناعي في المناهج. ولا يقلّ عن ذلك أهمية الاستثمار في أدوات مصمّمة للبيئات منخفضة الموارد، وتعزيز شراكات تضمن الملكية العامة للبيانات التعليمية مع الاستفادة من ابتكار القطاع الخاص. وتقدّم الهند ونيجيريا دروساً مهمة للبلدان النامية الأخرى؛ فهما تبرهنان على إمكانات الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل النظم التعليمية، وعلى مخاطر التوسّع غير المنظّم وتفاوت الوصول أيضاً. ومع السياسات والبنية التحتية والقدرات المؤسسية الملائمة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم نظماً تعليمية أكثر شمولاً وكفاءة وقدرة على الصمود، أما بدونها فإنه ينطوي على خطر ترسيخ أوجه عدم المساواة القائمة وتقويض التعلّم.

دراسة الحالة الثانية: الكوكب

تسخير الذكاء الاصطناعي لتحقيق الكفاءة: تحويل قطاعي الزراعة والطاقة

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحسّن الكفاءة والاستدامة تحسيناً كبيراً في نظم الزراعة والطاقة، لكن تبنّيه لا يزال محدوداً في البلدان النامية بسبب عوائق نظامية. وتُعدّ نماذج الذكاء الاصطناعي وأدواته المحلية والشاملة حاسمة لضمان أن يخدم الذكاء الاصطناعي صغار المزارعين والمجتمعات المحرومة من الخدمات. وسيتطلب تحقيق إمكاناته نهجاً شاملاً في السياسات يجمع بين الإعانات والتدريب على المدى القصير والاستثمارات طويلة الأمد في البنية التحتية والأطر التنظيمية والمهارات.

وتستكشف دراسة الحالة هذه إمكانات الذكاء الاصطناعي في قطاعي الزراعة والطاقة، مؤكدة كيف يمكنه تعزيز الإنتاجية والاستدامة والكفاءة التشغيلية. فمع اشتداد التحديات العالمية كتغيّر المناخ والتدهور البيئي وندرة الموارد، تُطبَّق تقنيات الذكاء الاصطناعي على نحو متزايد لتحسين العمليات واتخاذ القرار. وتعد هذه التقنيات بدعم التنمية الاقتصادية عبر معالجة أوجه عدم الكفاءة في قطاعات محورية من الناحيتين الاقتصادية والبيئية.

ففي الزراعة، يُطبَّق الذكاء الاصطناعي على امتداد سلسلة القيمة بأكملها، من إنتاج البذور إلى التصنيع وتجارة التجزئة، لمعالجة تحديات قديمة تتعلق بالإنتاجية وكفاءة الموارد والأثر البيئي. ومن أكثر القضايا إلحاحاً في كثير من البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل محدودية الوصول إلى خدمات الإرشاد الزراعي، مما يترك المزارعين دون معلومات كافية لتبنّي ممارسات مستدامة. وتبرز روبوتات المحادثة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل «فارمر تشات»، حلولاً قابلة للتوسّع تقدّم إرشادات آنية ومحلية حول إدارة المحاصيل ومكافحة الآفات وغير ذلك. وتخفض هذه الأدوات تكلفة تقديم المشورة المتخصصة خفضاً كبيراً، موسّعة الوصول حتى في المناطق النائية. غير أن فاعليتها تتوقف على توافر البيانات المحلية ودعم اللغات؛ فبدون مجموعات بيانات متينة تعكس الظروف الزراعية البيئية المحلية والخصوصيات اللغوية، قد تقدّم هذه الأدوات توصيات عامة أو غير دقيقة، ولا سيما لصغار المزارعين.

وإلى جانب خدمات الإرشاد، يحوّل الذكاء الاصطناعي الطريقة التي يدير بها المزارعون الآفات والمياه والماشية. فقد طوّرت شركات كثيرة منصات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تستخدم الصور الجوية والتحليلات التنبؤية لرصد تفشي الآفات مبكراً، بما يقلّل استخدام المبيدات مع حماية المحاصيل. وفي البرازيل، أثبتت إحدى المبادرات أن مكافحة الآفات القائمة على الذكاء الاصطناعي يمكن أن تخفض استخدام المبيدات بنسبة تصل إلى 30% مع تحسين دقة التوقعات ولوجستيات السوق. كما طوّر الذكاء الاصطناعي نظم الري الدقيق التي ترصد رطوبة التربة وأنماط الطقس لتحسين استخدام المياه. وقد حققت منصات مثل «كروب إكس» و«كيليمو» وفورات كبيرة في المياه وتحسينات في المحاصيل، إذ أفادت الأخيرة بوفورات في المياه تتجاوز مائتي مليون لتر في ولاية ساو باولو وحدها.

ويؤدي الذكاء الاصطناعي أيضاً دوراً متنامياً في الحدّ من فاقد الغذاء والانبعاثات المرتبطة بالماشية، وهما مصدران رئيسيان لغازات الدفيئة على مستوى العالم. ففي بيئات تجارة التجزئة وخدمات الأغذية، تُستخدم أدوات التعلّم الآلي لتحسين إدارة المخزون واستراتيجيات التسعير، بما يساعد المنشآت على الحدّ من التلف والهدر مع زيادة الربحية. فالمنصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي مثلاً تستطيع تتبّع أنماط الشراء ومدة الصلاحية ومعدلات الاستهلاك، لتعديل مستويات المخزون تلقائياً أو اقتراح تسعير ديناميكي، بما يمنع فائض المخزون ويقلّل الخسائر. وفي المطابخ التجارية، تُنشر أنظمة الرؤية الحاسوبية لرصد الطعام المهدر آنياً، مما يتيح للمطاعم تحسين قرارات الشراء وخفض الهدر بأكثر من 50%. وفي الوقت ذاته، يحوّل الذكاء الاصطناعي إدارة الماشية عبر نظم التغذية الدقيقة والأجهزة القابلة للارتداء التي ترصد صحة الحيوانات وسلوكها ومدخولها الغذائي. ولا تقتصر فائدة هذه الأدوات على تحسين رفاه الحيوانات وإنتاجيتها، بل تخفض أيضاً انبعاثات الميثان تخفيضاً كبيراً بتكييف أنظمتها الغذائية وفق احتياجاتها ورصد العلامات المبكرة للأمراض. وبعيداً عن الأدوات التشغيلية، يسرّع الذكاء الاصطناعي البحث في مثبطات الميثان البيولوجية، إذ تشير دراسات في مراحلها الأولى إلى أن اكتشاف المركّبات بمساعدة الذكاء الاصطناعي قد يخفض انبعاثات الميثان من الماشية بنسبة تصل إلى 30%.

ويواجه تبنّي الذكاء الاصطناعي في الزراعة في البلدان النامية مجموعة من العوائق المستمرة والمترابطة التي تتجاوز مجرد الجاهزية التقنية. فعلى المستوى الأساسي، تحول محدودية البنية التحتية الرقمية، ولا سيما ضعف الاتصال بالإنترنت وعدم موثوقية الكهرباء في المناطق الريفية، دون وصول صغار المزارعين إلى خدمات الإرشاد المدعومة بالذكاء الاصطناعي أو أدوات الزراعة الدقيقة. وحتى حين يتوافر الاتصال، تجعل التكلفة المرتفعة لحلول الذكاء الاصطناعي والأجهزة اللازمة لها بعيدة عن متناول كثيرين. فصغار المزارعين كثيراً ما يعملون بهوامش ربح ضيقة، مما يجعلهم أقل ميلاً إلى الاستثمار في تقنيات رقمية غير مألوفة دون حوافز قوية أو مكاسب قصيرة الأجل واضحة. ويزيد من هذه القيود نقص البيانات عالية الجودة، الذي يحدّ من فاعلية التوصيات القائمة على الذكاء الاصطناعي؛ فقد تكون التوصيات عامة أكثر من اللازم بحيث لا تفيد على مستوى القطعة الزراعية، أو يتعذّر الوصول إليها بسبب الحواجز اللغوية. وأخيراً، يفتقر مزارعون كثيرون إلى المعرفة الرقمية اللازمة للتعامل الهادف مع أدوات الذكاء الاصطناعي، ولا سيما تلك التي تتطلب واجهاتها القراءة أو الكتابة أو التنقّل في الهواتف الذكية.

ولمعالجة هذه العوائق، تلزم استجابة متعددة المحاور في السياسات. فعلى المدى القصير، ينبغي للحكومات توسيع حلول الاتصال القائمة على الهاتف المحمول، ودعم الوصول إلى الإنترنت والأجهزة المزوّدة بالذكاء الاصطناعي لصغار المزارعين، وإنشاء مراكز مجتمعية للإنترنت لسدّ الفجوة الرقمية بين الريف والحضر. كما يلزم دعم عام لتوسيع نماذج الذكاء الاصطناعي المحلية، ووضع بروتوكولات لجودة البيانات ضمن البرامج الزراعية، والشراكة مع الخبراء الزراعيين المحليين لضمان أن تعكس أدوات الذكاء الاصطناعي الظروف والممارسات الإقليمية. وينبغي أن تركّز الاستراتيجيات متوسطة الأجل على بناء البنية التحتية الممكّنة والدعم المؤسسي، بما يشمل الاستثمار في البنية التحتية للنطاق العريض عبر شبكات الميل الأول والأوسط والأخير، وتعزيز المنافسة لخفض تكاليف الوصول، وتقوية مجموعات البيانات الإقليمية لتدريب الذكاء الاصطناعي. وعلى المدى الطويل، سيتطلب سدّ الفجوة الرقمية تحسين موثوقية شبكات الكهرباء في المناطق الريفية لضمان اتصال مستقر. وينبغي للحكومات خفض الحواجز التجارية أمام السلع الرقمية، وتشجيع المنافسة في سوق قطاع التقنيات الزراعية، وإنشاء مستودعات وطنية للبيانات الزراعية لمركزة الوصول إلى البيانات وحوكمته وتوحيد معاييره.

وفي قطاع الطاقة، يؤدي الذكاء الاصطناعي دوراً حاسماً في دفع الكفاءة ودعم التحوّل نحو نظم طاقة أنظف وأكثر قدرة على الصمود. فالطاقة المتجددة، رغم أهميتها الحاسمة لإزالة الكربون، تطرح تحديات تشغيلية بسبب طبيعتها المتقطعة. ويقدّم الذكاء الاصطناعي حلولاً متينة للتنبؤ تحسّن دقة توقعات توليد الطاقة من الرياح والشمس، وقد حققت أنظمة مثل نموذج التنبؤ بالرياح من «ديب مايند» ونظام «وات صن» من آي بي إم تحسينات لافتة في دقة التنبؤ. وفضلاً عن ذلك، يُحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في الصيانة التنبؤية برصد الأعطال في البنية التحتية الحيوية قبل أن تتسبب في انهيارات مكلفة. فمن توربينات الطاقة الكهرومائية في سد إيتايبو إلى توربينات الرياح التي تراقبها أنظمة ذكاء اصطناعي بمساعدة الطائرات المسيّرة، باتت الصيانة أكثر استباقية، مما يقلّل فترات التوقف وتكاليف التشغيل.

ويحقق الذكاء الاصطناعي مكاسب مهمة أيضاً في تحسين أداء الشبكات ومكافحة سرقة الطاقة. فمن خلال تحليل تدفقات الطاقة آنياً، يساعد الذكاء الاصطناعي على الموازنة بين العرض والطلب، ودمج مصادر الطاقة اللامركزية، والحدّ من الخسائر الناجمة عن الانقطاعات أو أوجه عدم الكفاءة. وتستخدم شركات مثل «سينس ويفز» الذكاء الاصطناعي لدعم التنبؤ الآني بالطاقة واستقرار النظام. كما نُشر الذكاء الاصطناعي لمكافحة سرقة الطاقة، وهي مشكلة قد تمثّل أكثر من 50% من خسائر الكهرباء في بعض المناطق، عبر رصد أوجه الشذوذ في الاستهلاك والأنماط الاحتيالية بدقة عالية.

ويعزّز الذكاء الاصطناعي كذلك كفاءة الطاقة في المباني عبر الإدارة الذكية لأنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء. وقد أثبتت الحلول التي طوّرتها شركات مثل «برين بوكس إيه آي» و«فيرديغريس» تحقيق وفورات في الطاقة تصل إلى 25% مع خفض الانبعاثات. وفي الوقت ذاته، يُوظَّف الذكاء الاصطناعي لتوسيع الوصول إلى الطاقة في المناطق المحرومة من الخدمات؛ فقد استخدمت مشاريع «أطلس إيه آي» و«أومدينا» التحليلات الجغرافية المكانية والنمذجة التنبؤية لتحديد المواقع المثلى لنشر الشبكات المصغّرة، مما خفّض تكاليف الكهربة وزاد استخدام الطاقة المتجددة في المناطق النائية. كما تحسّن أدوات التقنية المالية القائمة على الذكاء الاصطناعي، كتلك التي طوّرتها «نيثيو»، قرارات الاستثمار وتقييمات مخاطر الائتمان لمشاريع الطاقة النظيفة، مما يجعل التمويل أيسر وصولاً في المناطق منخفضة الدخل.

ورغم هذه التطورات الواعدة، يواجه قطاع الطاقة أيضاً عوائق كبيرة أمام تبنّي الذكاء الاصطناعي. فالبنية التحتية المتقادمة، ومخاطر الأمن السيبراني، والتعقيد التنظيمي، ونقص المهنيين المهرة، لا تزال تعيق التقدّم. ومن التحديات الكبيرة انتشار البنية التحتية التناظرية المتقادمة غير المهيأة لدعم معالجة البيانات آنياً أو التحسين القائم على الذكاء الاصطناعي. فبلدان نامية كثيرة لا تزال تعتمد على شبكات مجزأة أو مركزية لم تُبنَ مع مراعاة التكامل الرقمي. ويتطلب تحديث هذه النظم لاستيعاب العدادات الذكية وإدارة الطاقة الموزّعة والتحليلات التنبؤية غالباً استثمارات رأسمالية واسعة النطاق، وهي موارد كثيراً ما تكون شحيحة أو خاضعة لاختناقات سياسية ومؤسسية. وفضلاً عن ذلك، كثيراً ما يكون العمود الفقري الرقمي اللازم لتمكين الذكاء الاصطناعي، من إنترنت مستقر ووصول إلى الحوسبة السحابية وأجهزة استشعار لإنترنت الأشياء، غائباً أو غير موثوق في المناطق النائية أو منخفضة الموارد. وتحول هذه القيود دون استفادة المرافق من الذكاء الاصطناعي في خفض الخسائر أو إدارة الطلب أو تحسين تدفقات الطاقة المتجددة.

ويضيف الأمن السيبراني وقابلية البيانات للتشغيل البيني طبقات أخرى من التعقيد. فمع تزايد رقمنة نظم الطاقة، يرتفع خطر التهديدات السيبرانية، في حين تفتقر مرافق كثيرة في البلدان النامية إلى الخبرة أو البروتوكولات اللازمة لتأمين شبكاتها بالقدر الكافي. ويزيد نقص المهنيين المهرة في هندسة الطاقة والمجالات الخاصة بالذكاء الاصطناعي من إبطاء النشر، ولا سيما حين تواجه المرافق العامة قيوداً في التوظيف والاحتفاظ بالموظفين. ويمثّل عدم اليقين التنظيمي تحدياً إضافياً، إذ لا تترك قوانين الطاقة المتقادمة وإجراءات الموافقة الجامدة سوى مجال ضئيل للتجريب أو للتعاون بين القطاعين العام والخاص في حلول الذكاء الاصطناعي.

وتتطلب معالجة هذه العوائق مزيجاً من إجراءات السياسات قصيرة الأجل ومتوسطة الأجل وطويلة الأجل. فعلى المدى القصير، ينبغي للحكومات تقديم حوافز ضريبية موجّهة أو منح أو تمويل ميسّر للمرافق والمزوّدين من القطاع الخاص للاستثمار في بنية تحتية جاهزة للذكاء الاصطناعي وتطبيقات تجريبية، كالصيانة التنبؤية أو الفوترة الذكية. ويمكن للشراكات بين القطاعين العام والخاص أن تؤدي دوراً حاسماً في توسيع الابتكار مع تقاسم المخاطر. وينبغي أن تركّز السياسات متوسطة الأجل على بناء القدرات المؤسسية بتدريب المنظّمين وموظفي المرافق، وتعزيز بروتوكولات الأمن السيبراني، ووضع معايير بيانات مشتركة لضمان قابلية التشغيل البيني. وعلى المدى الأطول، يتعيّن أن تتطوّر الأطر التنظيمية لدعم نظم طاقة لامركزية وقائمة على البيانات، بما يشمل إتاحة مساحات للبيئات التجريبية التنظيمية أو مناطق الابتكار التي يمكن فيها اختبار الذكاء الاصطناعي بأمان. ومع هذه الجهود المنسّقة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دوراً محورياً في تحديث قطاع الطاقة، وتحسين موثوقية الشبكات، وتوسيع الوصول، وتسريع التحوّل نحو نظم متجددة وقادرة على الصمود.

دراسة الحالة الثالثة: الازدهار

زميل عمل أم مدرّب أم منافس؟ كيف يحوّل الذكاء الاصطناعي مستقبل الخدمات القابلة للتقديم رقمياً

يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الخدمات الرقمية بتعزيز الإنتاجية وتمكين العمل ذي القيمة الأعلى، لكن منافعه لا تزال متفاوتة بين المنشآت والقطاعات والعاملين. وتفيد المنشآت بمؤشرات متواضعة على إحلال الذكاء الاصطناعي محل الوظائف في الخدمات الرقمية القائمة على المهام البسيطة، ولا سيما في الاقتصادات الناضجة المصدّرة للخدمات. وبدون إجراءات استباقية في السياسات، قد يعمّق تبنّي الذكاء الاصطناعي الفجوات بين المنشآت الكبيرة والصغيرة، وبين العاملين ذوي المهارات العالية والمنخفضة، وبين الاقتصادات المتقدمة والناشئة.

وقد أصبحت الخدمات القابلة للتقديم رقمياً، بما فيها تطوير البرمجيات وتقنية المعلومات ودعم العملاء والخدمات الإبداعية ومهام المكاتب الخلفية المتخصصة، محرّكات حاسمة للتحوّل الاقتصادي في البلدان النامية. فقد تجاوزت الصادرات العالمية لهذه الخدمات 4.25 تريليون دولار أمريكي في عام 2023، مع اعتماد البلدان النامية على نحو متزايد على هذا القطاع لخلق وظائف جيدة ودفع النمو الاقتصادي واستقطاب العملات الأجنبية والاستثمارات. ويعيد الظهور السريع للذكاء الاصطناعي، ولا سيما التوليدي منه، تشكيل هيكل القطاع ومسارات عمله وديناميكياته التنافسية. وتدرس دراسة الحالة هذه كيف تتبنّى منشآت الخدمات الرقمية في الفلبين وأوزبكستان الذكاء الاصطناعي، والطرق التي يحوّل بها عمليات المنشآت وتجارب العاملين، والمخاطر والفرص الأوسع التي يطرحها للتنمية الشاملة والقدرة التنافسية العالمية.

والآثار المبكرة واضحة بالفعل، إذ يعزّز الذكاء الاصطناعي الإنتاجية في مجالات كدعم العملاء وتطوير البرمجيات وخدمات الرعاية الصحية. وتفيد المنشآت بأن المساعدين المعتمدين على الذكاء الاصطناعي يقلّصون زمن أداء المهام، ويعزّزون رضا العملاء، ويحسّنون نواتج التدريب. فأدوات تلخيص المكالمات مثلاً تخفض زمن معالجة المكالمات في مراكز الاتصال بنسبة تصل إلى 10%، وأدوات الترميز الطبي المدعومة بالذكاء الاصطناعي تؤتمت أجزاء من عملية تحويل السجلات الطبية إلى فواتير. وفي صناعة البرمجيات، أدت أداة GitHub Copilot والأدوات المماثلة إلى توفير في الوقت يتجاوز 50% للمطوّرين، مع فائدة خاصة لذوي المهارات الأساسية الأدنى.

وفي البلدين موضوع الدراسة، يُنظر إلى أدوات الذكاء الاصطناعي أساساً بوصفها زملاء عمل ومدرّبين لا منافسين مباشرين للبشر. فالعاملون والمنشآت يدركون على نطاق واسع إمكانات الذكاء الاصطناعي في تحسين الكفاءة والجودة ونواتج التعلّم، ولا سيما عبر أتمتة المهام المتكررة، والمساعدة في التواصل بلغة ثانية، ودعم توليد الشيفرات البرمجية، وتعزيز مسارات عمل خدمة العملاء. غير أن المنشآت التي أُجريت معها المقابلات لا تستخدم حالياً سوى جزء يسير من قدرات الذكاء الاصطناعي. فالمنشآت الأصغر والعاملون الأقل مهارة يميلون إلى تبنّي الأدوات الجاهزة على نحو محدود، في حين توظّف المنشآت الأكبر والأكثر نضجاً تقنياً الذكاء الاصطناعي لتخصيص مسارات العمل وتطوير حلول موجّهة للعملاء.

كما يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة إيجاد القيمة والاستحواذ عليها في مجال الخدمات الرقمية. فالمنشآت القائمة على التقنية، كتلك العاملة في تطوير البرمجيات، تتكيّف وترتقي في سلسلة القيمة، فتقدّم حلولاً مخصصة، وتؤتمت عملياتها الداخلية، بل وتبيع خدمات ومنتجات الذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، تصبح المنشآت كثيفة العمالة، كتلك العاملة في الاستعانة بمصادر خارجية لعمليات الأعمال، أكثر عرضة للأتمتة. والمنشآت المملوكة لجهات أجنبية، ولا سيما المندمجة في سلاسل القيمة العالمية والقادرة على الوصول إلى أدوات ذكاء اصطناعي مملوكة، في وضع أفضل للاستفادة. ويدفع ذلك إلى فجوة متنامية بين المنشآت والعاملين والبلدان ذوي المهارات العالية ونظرائهم ذوي المهارات المنخفضة.

ومع ذلك، توثّق دراسة الحالة أيضاً مؤشرات على الإحلال، ولا سيما في أدوار المبتدئين والأدوار القائمة على المهام الروتينية. فرغم أن عمليات التسريح لا تزال متواضعة، تتوقع بعض المنشآت الفلبينية أن يتولى الذكاء الاصطناعي ما يصل إلى نصف مهام خدمة العملاء البسيطة في غضون ثلاث سنوات. وتُظهر بيانات سوق العمل بالفعل تراجعات حادة في إعلانات الوظائف لأدوار تقنية المعلومات والاستعانة بمصادر خارجية لعمليات الأعمال منذ إطلاق ChatGPT في أواخر عام 2022، مع مؤشرات قليلة على التعافي. وتبلغ هذه الآثار أشدّها في القطاعات الناضجة كثيفة العمالة التي تواجه ضغوطاً سعرية من العملاء العالميين.

وتحدد دراسة الحالة إطاراً من أربعة أنماط لمساعدة البلدان على التعامل مع التحوّل نحو الذكاء الاصطناعي في الخدمات القابلة للتقديم رقمياً. ويعكس كل نمط، وهي روّاد الصادرات الرقمية، وأصحاب الإمكانات العالية ذوو المهارات المرتفعة، والمصدّرون الناضجون ذوو المهارات المنخفضة، والبناة الناشئون، موقعاً مختلفاً في مشهد الخدمات العالمي، ويواجه تحديات وفرصاً متمايزة مع إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل العمل. فروّاد الصادرات الرقمية مثل ماليزيا مندمجون بالفعل على نحو جيد في سلاسل القيمة العالمية، ويمتلكون بنية تحتية رقمية قوية وقدرات داخلية متنامية في الذكاء الاصطناعي، وينصبّ تركيزهم الآن على ضمان شمولية المنافع، وتجنّب التركّز المفرط للقيمة لدى المنشآت الكبرى، والاستثمار في رفع مهارات القوى العاملة على نطاق أوسع. أما أصحاب الإمكانات العالية ذوو المهارات المرتفعة، مثل فيتنام، فيمتلكون قاعدة قوية من رأس المال البشري وقطاعات رقمية متنامية، لكن حضورهم في صادرات الخدمات العالمية محدود. ويتيح الذكاء الاصطناعي لهذه البلدان فرصة القفز إلى خدمات أكثر تطوراً، كهندسة الحوسبة السحابية أو تحليل البيانات، دون المرور بالاستعانة بمصادر خارجية منخفضة القيمة، غير أن ذلك يتطلب استثمارات استباقية في المهارات الرقمية الرائدة ومنظومات الابتكار وبيئة تنظيمية داعمة.

ويواجه المصدّرون الناضجون ذوو المهارات المنخفضة، مثل الفلبين، تهديداً أكثر إلحاحاً. فاقتصاداتهم اعتمدت طويلاً على دعم العملاء ومعالجة أعمال المكاتب الخلفية على نطاق واسع، وهي تحديداً أنواع الوظائف الأكثر عرضة للأتمتة القائمة على الذكاء الاصطناعي. ورغم أن المنشآت في هذه البلدان تتبنّى الذكاء الاصطناعي لتحقيق مكاسب في الكفاءة الداخلية، فإن قدرتها على الارتقاء في سلسلة القيمة محدودة بفجوات في المهارات والابتكار وملكية الملكية الفكرية. أما البناة الناشئون مثل أوزبكستان، فلا يزالون يطوّرون صناعات خدماتهم الرقمية، مع تعرّض حالي محدود لاضطرابات الذكاء الاصطناعي. غير أن ذلك يمثّل فرصة أيضاً، إذ تستطيع هذه البلدان دعم تطوير قطاعات خدمات رقمية قائمة على الذكاء الاصطناعي منذ البداية، دون عبء الأنظمة المتقادمة. ومن خلال الاستثمار في البنية التحتية الرقمية التأسيسية والمعرفة الرقمية والابتكار المحلي، تستطيع أن تهيئ نفسها لنمو مستقبلي في الخدمات المعزّزة بالذكاء الاصطناعي.

وتوضّح حالة الفلبين الوعد والمخاطر في هذا التحوّل على حدّ سواء. فالبلاد رائدة عالمياً في خدمات مراكز الاتصال، إذ توظّف 1.6 مليون عامل. وتتبنّى المنشآت أدوات الذكاء الاصطناعي لتدريب الموظفين بوتيرة أسرع، وتحليل مشاعر العملاء، وأتمتة الاستفسارات الأساسية. غير أن التحوّل نحو الخدمات القائمة على البرمجيات ينطوي على خطر نقل إيجاد القيمة إلى خارج البلاد، لأن قلة من أقسام تقنية المعلومات يقع مقرها في الفلبين. ويواجه قطاع الاستعانة بمصادر خارجية في الرعاية الصحية تحدياً مماثلاً؛ فرغم أن الذكاء الاصطناعي يحسّن الكفاءة في الترميز الطبي وتنسيق شؤون المرضى، فقد تتقلّص الوظائف وتُعاد القيمة توزيعاً نحو المناطق التي تُبنى فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي وتُدار.

وفي المقابل، لا تزال أوزبكستان، وهي جهة أقل نضجاً في مجال الخدمات القابلة للتقديم رقمياً، في المراحل الأولى من تبنّي الذكاء الاصطناعي. إذ تجرّب المنشآت العاملة في تقنية المعلومات والخدمات اللوجستية وخدمات عمليات الأعمال الذكاء الاصطناعي في التوظيف والموارد البشرية وإنشاء المحتوى، مستخدمة غالباً أدوات جاهزة مثل ChatGPT. ورغم الحماسة، يظل التبنّي محدوداً بفجوات في البنية التحتية الرقمية ورأس المال البشري ووضوح السياسات. غير أن أوزبكستان، بوصفها من البناة الناشئين، قد تتمكّن من تخطّي الأنظمة المتقادمة وبناء قدرات الذكاء الاصطناعي على نحو أصيل منذ البداية، ولا سيما في الخدمات الحكومية والتجارة الإلكترونية والتقنية المالية، حيث يتوسّع استخدام المنصات الرقمية بسرعة.

وفي البلدين موضوع الدراسة، تشير المنشآت إلى عوائق متشابهة أمام دمج أعمق للذكاء الاصطناعي، منها محدودية البنية التحتية الرقمية وبنية البيانات، وعدم اليقين بشأن خصوصية البيانات وحوكمة الذكاء الاصطناعي، وعدم كفاية المهارات اللازمة لتطوير النماذج المتقدمة أو نشرها، والتكلفة المرتفعة لتطوير ذكاء اصطناعي مخصص. وتفيد منشآت كثيرة بأنها اضطرت إلى التعلّم بالممارسة، والتجريب داخلياً دون كثير من الدعم أو التنظيم الحكومي.

ويواجه صانعو السياسات تحدياً جوهرياً يتمثّل في كيفية تعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي أداةً تكمّل العاملين البشر وتعزّزهم بدلاً من أن تحلّ محلهم. ومن ثمّ تلزم تهيئة الظروف لاستخدام واسع ومسؤول للذكاء الاصطناعي، ولا سيما بين المنشآت الصغيرة والمتوسطة والعاملين الأقل مهارة.

غير أنه في غياب الاستجابات الاستباقية، تواجه البلدان خطر تعمّق عدم المساواة ومزيد من التراجع في الاقتصاد الرقمي العالمي. ولمعالجة هذه المخاطر، تشمل التوصيات الرئيسية لدراسة الحالة الحدّ من عدم اليقين في السياسات بوضع أنظمة واضحة ومستقرة توجّه الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، وتخفيف قوانين البيانات العابرة للحدود المفرطة في التقييد التي تعيق حالياً الوصول إلى الخدمات السحابية الدولية والحوسبة عالية الأداء. كما تُعدّ معالجة فجوات البنية التحتية، ولا سيما في المناطق الواقعة خارج المدن الكبرى، أمراً حاسماً لإطلاق المواهب المحلية وضمان مشاركة أوسع في الاقتصاد الرقمي. وبالتوازي مع ذلك، يتعيّن على الحكومات اعتماد نهج متماسك لتنمية المواهب المتخصصة في الذكاء الاصطناعي عبر التعليم والشراكات الجامعية، مع توسيع برامج استباقية لإعادة تأهيل العاملين ورفع مهاراتهم في الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في القطاعات الأقل مهارة المتأثرة على نحو متزايد بالأتمتة. وبدون هذه الإجراءات المنسّقة، ستعاني المنشآت في بلدان نامية كثيرة في المنافسة عالمياً، وستظل منافع الذكاء الاصطناعي متركّزة لدى مجموعة ضيقة من الجهات الفاعلة في الاقتصادات مرتفعة الدخل.

رؤى مشتركة واعتبارات للسياسات

يندمج الذكاء الاصطناعي على نحو متزايد في التعليم والخدمات الرقمية والزراعة والطاقة. وتُظهر دراسات الحالة من الهند ونيجيريا والفلبين وأوزبكستان، والاستعراض العام للحالات في قطاعي الزراعة والطاقة، أن الذكاء الاصطناعي يحقق بالفعل منافع ملموسة، تشمل تحسينات في الكفاءة ونواتج التعلّم وجودة الخدمات والإنتاجية. غير أن نطاق هذه المنافع وإنصافها واستدامتها تتوقف على جاهزية المنظومات المحلية وقدرات المؤسسات وأطر الحوكمة التي توجّه تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه.

وفي جميع القطاعات، يجري دمج الذكاء الاصطناعي إلى حدّ كبير بوصفه أداة لدعم العمل البشري وتعزيزه لا للحلول محله. ففي الفصول الدراسية، يستخدم المعلمون الذكاء الاصطناعي التوليدي للمساعدة في إعداد الدروس وإنتاج المواد التعليمية. وفي خدمات الرعاية الصحية، يدعم الذكاء الاصطناعي الممرضين ومنسّقي الرعاية في متابعة المرضى والتواصل معهم. وفي مراكز الاتصال، يستخدم الموظفون الذكاء الاصطناعي للتوجيه أثناء العمل وتقييم الأداء. ويلجأ المزارعون إلى روبوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي للحصول على مشورة زراعية محلية. وفي كل حالة، يؤدي الذكاء الاصطناعي دور الزميل أو المدرّب، مضاعفاً القدرة البشرية ومبسّطاً المهام، أكثر من كونه بديلاً مباشراً. وحين تكون هذه الأدوات مصمّمة جيداً ومكيّفة مع السياقات المحلية ومدمجة في مسارات العمل القائمة، فإنها تميل إلى تعزيز الجهد البشري لا إلى إزاحته.

ومع ذلك، ورغم الحماسة والمؤشرات المبكرة على إيجاد القيمة، لا تتحقق الإمكانات الكاملة للذكاء الاصطناعي. فمن الأنماط المشتركة بين الدراسات ضعف استغلال قدرات الذكاء الاصطناعي، ولا سيما لدى المنشآت الأصغر، والعاملين ذوي المهارات الرقمية الأدنى، والمؤسسات العاملة في بيئات محدودة الموارد. إذ يعتمد مستخدمون كثيرون على الميزات الأساسية فقط لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، في حين تظل حالات الاستخدام الأكثر تقدماً، كالتعليم المخصص أو التحليلات التنبؤية أو تحسين مسارات العمل، بعيدة المنال. فهذه التطبيقات المتقدمة تتطلب عادة الوصول إلى قدرة حاسوبية كبيرة وخبرات داخلية، وكلها كثيراً ما تكون محدودة أو باهظة التكلفة في سياقات البلدان النامية.

وتمثّل تحديات اللغة والتوطين قيداً رئيسياً على الاستخدام الشامل للذكاء الاصطناعي. ففي التعليم، تتقوّض فاعلية أدوات التدريس الخصوصي المدعومة بالذكاء الاصطناعي بسبب نقص بيانات التدريب في لغات كثيرة غير مهيمنة، ولا سيما تلك المكتوبة بكتابات غير لاتينية. وتتطلب المنصات الزراعية محتوى خاصاً بكل منطقة، ودعماً للّهجات المحلية، وبيانات معايرة وفق ظروف الزراعة المحلية، وهي عناصر لا تُصمَّم أنظمة الذكاء الاصطناعي العالمية عادة لاستيعابها. وفي الخدمات الرقمية، يعمل كثير من العاملين في الخطوط الأمامية في بيئات تتسم بضعف الطلاقة الرقمية، ويعانون في تبنّي أدوات ذكاء اصطناعي مصمّمة لمستخدمين ذوي موارد وفيرة. وبدون استثمارات مخصصة في نماذج اللغات المحلية وواجهات ملائمة ثقافياً، ينطوي الذكاء الاصطناعي على خطر تكرار أوجه عدم الإنصاف القائمة في الوصول إلى المعلومات والخدمات، بل وتعزيزها.

ويكمن وراء جميع هذه التحديات ضعف تأسيسي في جودة البيانات وحوكمتها. فأنظمة الذكاء الاصطناعي في جميع القطاعات تعتمد على بيانات منظّمة وموثوقة، لكن المدخلات في كثير من سياقات البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل، سواء أكانت سجلات الطلاب أم البيانات البيئية على مستوى المزارع أم سجلات خدمة العملاء، كثيراً ما تكون ناقصة أو غير متسقة أو مجزأة. وتتفاقم هذه المشكلات التقنية بغياب أطر واضحة لخصوصية البيانات والمساءلة. ولا سيما في التعليم والصحة، حيث تُعنى البيانات بالقاصرين أو بمعلومات شخصية حساسة، يؤدي غياب الضمانات إلى تآكل الثقة وزيادة مخاطر إساءة الاستخدام. وبدون سياسات ورقابة أقوى، قد يعرّض توسّع الذكاء الاصطناعي في تقديم الخدمات العامة المستخدمين للضرر أو الإقصاء دون قصد.

ومن المخاوف المشتركة الأخيرة بين دراسات الحالة أن الذكاء الاصطناعي قد يفاقم عدم المساواة إذا تُرك لقوى السوق وحدها. ففي الخدمات الرقمية، يشهد العاملون الأقل مهارة بالفعل مؤشرات مبكرة على فقدان الوظائف مع أتمتة الذكاء الاصطناعي للمهام الروتينية. وفي التعليم، يميل الطلاب الذين يتمتعون بوصول أفضل إلى الإنترنت أو إتقان أكبر للإنجليزية إلى الاستفادة أكثر من أدوات الذكاء الاصطناعي، في حين يتخلّف غيرهم. وفي الزراعة، كثيراً ما تكون المزارع التجارية الكبيرة في وضع أفضل لتبنّي الأدوات الدقيقة والنظم التنبؤية من صغار المزارعين الذين يعملون باتصال ورأسمال محدودين. ويتمثّل الخطر في المجالات الثلاثة في اتساع الفجوة بين المنشآت الكبيرة والصغيرة، وبين العاملين المهرة وغير المهرة، وبين المجتمعات الحضرية والريفية، وبين البلدان التي تنتج تقنيات الذكاء الاصطناعي وتلك التي تكتفي باستهلاكها.

ولمعالجة هذه التحديات المشتركة، تلزم استجابة منسّقة في السياسات. وتتمثّل الأولوية التأسيسية في تعزيز البنية التحتية الرقمية وبنية البيانات؛ فالكهرباء الموثوقة والوصول إلى الإنترنت والخدمات السحابية شروط مسبقة لاستخدام الذكاء الاصطناعي وتوسيع نطاقه بفاعلية.

ولا يقلّ عن ذلك أهمية إرساء أطر حوكمة متينة. إذ تلزم قواعد خاصة بكل قطاع لحماية البيانات والموافقة المستنيرة والشفافية الخوارزمية، ولا سيما في التعليم والصحة حيث تكون الفئات الهشة معرّضة للخطر. وتستطيع الحكومات دعم الابتكار مع ضمان السلامة عبر تجريب البيئات التجريبية التنظيمية، ووضع معايير لشراء أدوات الذكاء الاصطناعي، واشتراط قابلية التفسير في القرارات عالية المخاطر.

ويجب كذلك إعداد الناس للعمل مع الذكاء الاصطناعي، ومن ثمّ يلزم الاستثمار في جهود واسعة النطاق لرفع المهارات والإلمام بالذكاء الاصطناعي. فالمعلمون والعاملون الصحيون وموظفو الخدمة المدنية والمزارعون جميعهم بحاجة إلى تدريب مصمّم خصيصاً لاستخدام الذكاء الاصطناعي بفاعلية، ويمكن تحقيق ذلك بإدماجه في المناهج القائمة والبرامج المهنية ووحدات التدريب الخاصة بكل قطاع.

ولإتاحة الوصول إلى الذكاء الاصطناعي على نطاق أوسع، ينبغي للسياسات العامة أن تعالج أيضاً فجوات التكلفة والقدرات. فالحوافز المالية، كالمنح أو الإعانات أو الإعفاءات الضريبية، يمكن أن تساعد المنشآت الأصغر والمؤسسات العامة على تبنّي أدوات الذكاء الاصطناعي. كما يمكن لدعم الحلول مفتوحة المصدر والبنية التحتية الرقمية المشتركة أن يخفض العوائق أمام الجهات العاملة على الهامش.

وأخيراً، يجب على الحكومات استشراف التحولات في سوق العمل وإدارتها ببصيرة. ومجتمعةً، يمكن لهذه التوجهات في السياسات أن تساعد على ضمان أن يصبح الذكاء الاصطناعي محرّكاً للتنمية الشاملة لا مصدراً لتعميق الفجوات.

المصدر

دراسة ذات صلة