القائمة الرئيسية

تقرير التقدم والاتجاهات الرقمية 2025: تعزيز أسس الذكاء الاصطناعي (6/1)

تقرير التقدم والاتجاهات الرقمية 2025: تعزيز أسس الذكاء الاصطناعي (6/1)
ملخص الدراسة

يناقش الفصل الأول إمكانات الذكاء الاصطناعي وآثاره المعقدة على التنمية، مشيراً إلى أنه يحمل فرصاً واعدة لزيادة الإنتاجية، وتحسين الوصول إلى الخدمات، وخلق صناعات جديدة، بينما ينطوي على مخاطر تفاقم عدم المساواة، وتقليل قيمة رأس المال البشري، وخطر "تراجع المهننة المبكر" في الاقتصادات النامية. ويبرز الفصل هيمنة البلدان مرتفعة الدخل (خاصة الولايات المتحدة والصين) على ابتكار الذكاء الاصطناعي، مع تأخر ملحوظ في معظم البلدان النامية، رغم الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي الذي يكشف فجوة استخدام صارخة. ويشدد الكتاب على أن تحقيق الإمكانات الكاملة للذكاء الاصطناعي في البلدان النامية يتوقف على تعزيز أربع ركائز تأسيسية: الاتصال، والقدرة الحاسوبية، والسياق (البيانات والنماذج المكيّفة محلياً)، والكفاءة (المهارات الرقمية)، وذلك لمواجهة تحديات البنية التحتية، وهجرة الكفاءات، والقيود المالية.

الفصل الأول: تسخير الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية: هل يمكن أن ينجح؟

الرسائل الرئيسية

تكتنف المسارات المستقبلية للذكاء الاصطناعي وآثاره درجة عالية من عدم اليقين، وهي تحمل فرصاً جديدة ومخاطر جديدة في آن واحد. فقدرات الذكاء الاصطناعي المستقبلية وآثاره غير مؤكدة إلى حدّ بعيد. وعلى المدى القصير، قد تقترن المنافع المتواضعة بآثار توزيعية متفاوتة. أما المكاسب طويلة الأمد فرهن بالتقدّم التقني وبعوامل مجتمعية معاً، منها البنية التحتية والمهارات، والتغيرات التنظيمية وفي العمليات، وتطوير ابتكارات مكمّلة، وتطوّر الأطر التنظيمية، والأعراف الاجتماعية.

ويخفّض الذكاء الاصطناعي مزيداً من العوائق أمام الوصول إلى المعلومات والفرص والخدمات والخبرات، ويطلق مكاسب في الإنتاجية، ويوسّع الوصول إلى الأسواق، ويحفّز التجارة. وبمرور الوقت، قد يتيح استحداث منتجات ووظائف وصناعات جديدة، بما يفتح مساراً نحو مستويات معيشة أعلى وتحوّل اقتصادي.

وفي المقابل، قد يكثّف الذكاء الاصطناعي المنافسة بين العاملين والمنشآت، ويحطّ من قيمة رأس المال البشري، ويفاقم عدم المساواة بين البلدان وداخلها. وتواجه الاقتصادات النامية المتأخرة في تبنّي الذكاء الاصطناعي خطر «تراجع المهننة المبكر»، مع تقلّص المجال المتاح لخلق وظائف عالية المهارة ومرتفعة الدخل.

ورغم هيمنة البلدان مرتفعة الدخل على ابتكار الذكاء الاصطناعي، فإن تكييفه وتوطينه عنصران أساسيان لتبنّيه على نحو ملائم وفعّال. فقد قادت الولايات المتحدة الابتكار، إذ تعود إليها 62% من نماذج الذكاء الاصطناعي البارزة التي أُنشئت على الإطلاق، وأكثر من 73% من تمويل الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم. وتتصدّر الصين العالم الآن في نشر الأوراق البحثية في الذكاء الاصطناعي وطلبات براءات الاختراع. والأرجنتين بنسبة 0.1% والصين بنسبة 13% والهند بنسبة 0.2% هي البلدان الثلاثة الوحيدة من البلدان متوسطة الدخل التي تنتج نماذج ذكاء اصطناعي بارزة، في حين تؤدي البلدان منخفضة الدخل ومعظم البلدان متوسطة الدخل الأخرى دوراً هامشياً في ابتكار الذكاء الاصطناعي. وتتطلب تطبيقات كثيرة للذكاء الاصطناعي توطيناً عميقاً كي تكون ملائمة وفعّالة. وقد لا تحتاج معظم البلدان النامية إلى تطوير نماذج ذكاء اصطناعي تأسيسية، إذ يمكنها الاستفادة من الابتكار المحلي والتكييف العملي للمنصات مفتوحة المصدر القائمة.

وينتشر الذكاء الاصطناعي التوليدي بسرعة قياسية، لكن ثمة فجوة صارخة في الاستخدام بين البلدان منخفضة الدخل وبقية العالم. فقد استخدم أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي أكثر من نصف مليار شخص، أي 13% من القوى العاملة العالمية، في أكثر من مائتي بلد في غضون عامين من إطلاق ChatGPT. وفي أبريل 2025، جاء أكثر من 40% من حركة استخدام ChatGPT العالمية من البلدان متوسطة الدخل، وكانت البرازيل والهند وإندونيسيا وفيتنام من بين أكبر المستخدمين. غير أن البلدان منخفضة الدخل تتخلّف عن الركب، إذ تمثّل أقل من 1% من الحركة العالمية، مما يكشف فجوة صارخة. ولا يزال التبنّي المقصود للذكاء الاصطناعي من قبل المنشآت محدوداً بنسبة 8% حتى في الاقتصادات المتقدمة، وهو أدنى من ذلك في البلدان النامية.

وتظهر حالات استخدام واعدة في مختلف البلدان النامية والقطاعات. ويتوقف تحقيق إمكانات الذكاء الاصطناعي على الركائز الأربع التأسيسية: الاتصال، والقدرة الحاسوبية، والسياق بما يشمله من بيانات التدريب والنماذج والتطبيقات، والكفاءة أي المهارات الرقمية. ففي البرازيل وجمهورية مصر العربية والهند ونيجيريا والفلبين وأوزبكستان، يستخدم المعلمون الذكاء الاصطناعي لإعداد الدروس، والممرضون لمتابعة المرضى، وموظفو مراكز الاتصال للتدريب والتوجيه، والمزارعون للحصول على المشورة الزراعية. ويؤدي الذكاء الاصطناعي في هذه الأدوار دور الزميل أو المدرّب الذي يعزّز القدرة البشرية أكثر من كونه بديلاً عنها. غير أن نطاق المنافع وإنصافها واستدامتها رهن بالركائز الأربع.

تعريفات الذكاء الاصطناعي ومنظومته واتجاهاته البارزة

الذكاء الاصطناعي فرع من علوم الحاسوب يُعنى بإنشاء أنظمة قادرة على أداء مهام تتطلب عادة ذكاءً بشرياً. ورغم أن المفهوم يعود إلى خمسينيات القرن العشرين، فقد تحسّنت قدرات الذكاء الاصطناعي تحسناً كبيراً في السنوات الأخيرة بفضل توافر كميات هائلة من البيانات، وتحسّن بيانات التدريب، وظهور عتاد حاسوبي أقوى.

والذكاء الاصطناعي مصطلح جامع يُطلق على مجموعة من التقنيات المترابطة ترابطاً فضفاضاً، ولا يوجد توافق على ما يُعدّ ذكاءً اصطناعياً وما لا يُعدّ كذلك. فمع نمو القدرات التقنية، باتت مهام كانت حكراً على البشر ضمن نطاق ما تستطيعه الآلات. ولذلك كثيراً ما يمزح خبراء المجال بأن الذكاء الاصطناعي هو كل ما لا تستطيع الحواسيب فعله حالياً. كما أصبح الذكاء الاصطناعي شعاراً تسويقياً رائجاً، إذ تتسابق الشركات إلى وصف منتجاتها بأنها قائمة على الذكاء الاصطناعي لركوب موجة الاهتمام به. ومن ثمّ يصعب تقديم تعريف دقيق للذكاء الاصطناعي، أو حتى لأنواعه ومجالاته الفرعية.

ويعرّف هذا التقرير الذكاء الاصطناعي تعريفاً واسعاً يشمل مجالات فرعية كالذكاء الاصطناعي التنبؤي القائم على التعلّم الآلي، ومعالجة اللغة الطبيعية والتعرّف على الكلام، والرؤية الحاسوبية، والذكاء الاصطناعي التوليدي القائم على نماذج المحوّلات، والقيادة الذاتية، والروبوتات. ولكل نوع خصائصه وتطبيقاته المميزة. ورغم أن التركيز الأساسي للتقرير ينصبّ على الذكاء الاصطناعي التوليدي، بوصفه أحدث آفاق تطوير الذكاء الاصطناعي، فإنه يتناول أيضاً أنواعاً أخرى من الذكاء الاصطناعي، انطلاقاً من أن التقدّم الجاري فيه سلسلة متصلة تعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع بطرق متنوعة.

الذكاء الاصطناعي التوليدي

يمثّل الذكاء الاصطناعي التوليدي قفزة إلى الأمام في ابتكار الذكاء الاصطناعي. فالمقاربات التقليدية للذكاء الاصطناعي تتمحور عادة حول مهام بعينها، وتُستخدم أساساً في تحليل البيانات والنمذجة التنبؤية. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فيخطو خطوة أبعد، إذ لا يكتفي بأداء المهام بل ينشئ محتوى جديداً. وبالاستفادة من التقدّم في النماذج اللغوية الكبيرة، يستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي تفسير الأوامر المكتوبة باللغة الطبيعية، وتوليد محتوى في طيف واسع من المخرجات، منها النصوص والصور والصوت والفيديو والشيفرات البرمجية والنماذج ثلاثية الأبعاد، بل والبيانات الاصطناعية. وقد انعكس ذلك مباشرة في تفوّق نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي على متوسط الأداء البشري في مهام شائعة كفهم المقروء وفهم اللغة والتعرّف على الصور. وأتاحت هذه القدرات تطبيقات جديدة في مختلف الصناعات والمجالات، ولا سيما في الإنتاجية المكتبية والصناعات الإبداعية والتصميم والتسويق.

كما يكمّل الذكاء الاصطناعي التوليدي المقاربات التقليدية للذكاء الاصطناعي ويُثريها في مجالات فرعية متعددة. ومعاً، توسّع هاتان المقاربتان مجموعة الأدوات المتاحة لممارسي الذكاء الاصطناعي وباحثيه، وتعملان جنباً إلى جنب على دفع حدود قدراته.

منظومة الذكاء الاصطناعي

تمثّل منظومة الذكاء الاصطناعي الحديثة مشهداً واسعاً ومعقداً وسريع التطور. وتستند هذه المنظومة إلى بنية تحتية تأسيسية للطاقة والاتصالات. وتقوم على هذه البنية الأساسية طبقة القدرة الحاسوبية، حيث تشكّل رقائق الذكاء الاصطناعي المتخصصة والخوادم وحلول التخزين ومراكز البيانات العمود الفقري المادي لتخزين البيانات ومعالجتها لأعباء عمل الذكاء الاصطناعي. وتوفّر منصات الحوسبة السحابية وصولاً قابلاً للتوسّع إلى القدرة الحاسوبية، وتدمج خدمات الذكاء الاصطناعي.

وتُعدّ بيانات التدريب جزءاً حاسماً آخر من هذه المنظومة، ويمكن جمعها من مصادر متنوعة كالأجهزة الرقمية وأجهزة الاستشعار والمنصات الرقمية والمعاملات التجارية ومجموعات البيانات العامة. ثم تُجمع هذه البيانات في مستودعات مركزية وتُوسم وتُشرح. وتُعدّ المعالجة المسبقة للبيانات أساسية لضمان دقتها وملاءمتها، وهي تسبق استخدامها في تدريب الخوارزميات. وتغذّي البيانات طبقة بيانات التدريب والنماذج، حيث تُستخدم أدوات تطوير الذكاء الاصطناعي لبناء نماذجه وتدريبها.

وقد اندمجت تقنيات الذكاء الاصطناعي التقليدية كالتعلّم الآلي اندماجاً عميقاً في التقنيات اليومية، إذ تشغّل الأجهزة الرقمية ومحركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعي ومنصات التجارة الإلكترونية. أما النماذج التأسيسية فهي نماذج كبيرة مُدرّبة مسبقاً تشكّل نقطة انطلاق عامة الأغراض لمجموعة متنوعة من المهام في مجالات مختلفة. وفي طبقة التطبيقات، تستفيد تطبيقات الذكاء الاصطناعي من النماذج التأسيسية وتضبطها بدقة لمهام وحالات استخدام محددة، بينما تدمج الأجهزة والمعدات المدعومة بالذكاء الاصطناعي قدراته للتشغيل المحلي. وكثيراً ما تكون الحدود بين هذه الطبقات والقطاعات مرنة، إذ تعمل شركات كثيرة في قطاعات متعددة داخل المنظومة.

الاتجاهات البارزة

رغم أن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يزال في المراحل الأولى من تطويره وتبنّيه، يستكشف الباحثون بالفعل آفاقاً جديدة. ويتمثّل اتجاهان بارزان على المدى القريب في التحوّل نحو تعدد الوسائط والسعي إلى الاستدلال المتقدم.

ويُقصد بالذكاء الاصطناعي متعدد الوسائط الأنظمة القادرة على معالجة المعلومات وتركيبها من أنواع متعددة من البيانات في آن واحد. فبدلاً من الاقتصار على «فهم» النصوص أو الصور، يستطيع النموذج متعدد الوسائط مشاهدة مقطع فيديو والاستماع إلى صوته وقراءة ترجمته النصية وتوليد ملخص شامل لما جرى فيه. ويتيح ذلك فهماً أغنى وأكثر سياقية للعالم، ويمكّن من تفاعلات أكثر سلاسة وبداهة مع التقنية، مقرّباً إياها من الطريقة التي يدرك بها البشر الواقع.

وإلى جانب تحسين الإدراك، يركّز المجال تركيزاً مكثفاً على الاستدلال المتقدم في الذكاء الاصطناعي. فرغم براعة النماذج الحالية في التعرّف على الأنماط، فإنها قد تتعثّر في المشكلات متعددة الخطوات التي تتطلب استنتاجاً منطقياً أو تخطيطاً استراتيجياً أو حلاً إبداعياً للمشكلات. ويتمثّل الأفق التالي في تطوير ذكاء اصطناعي لا يكتفي باسترجاع المعلومات، بل يستدلّ بها أيضاً لتحليل مشكلة معقدة وتقسيمها إلى خطوات أصغر ووضع خطة متماسكة وتنفيذها. وهذه القدرة أساسية لمواجهة التحديات الكبرى في العلوم والطب والهندسة.

ويتيح الذكاء الاصطناعي الوكيل للحواسيب تجاوز المحادثة وتوليد المحتوى إلى تنفيذ شتى أنواع المهام عبر تفويضها إلى برمجيات أخرى، بل وإلى أشخاص. فالذكاء الاصطناعي التقليدي يحتاج إلى مدخلات بشرية للتعامل مع السيناريوهات المعقدة أو الأولويات المتغيرة، أما الذكاء الاصطناعي الوكيل فيحدد أهدافاً فرعية على نحو مستقل، ويحلّ التعارضات، ويعدّل استراتيجياته باستخدام التغذية الراجعة الآنية، وكثيراً ما يستبق الاحتياجات قبل نشوئها. ويستطيع التعامل مع الاستدلال المعقد متعدد الخطوات، وتنسيق مسارات عمل كاملة، والتفاوض على المفاضلات، ودمج المعارف عبر المجالات لتحقيق أهداف عليا. وبدلاً من دورات إعادة التدريب الجامدة، تتطوّر نماذج الذكاء الاصطناعي الوكيل باستمرار، متعلّمة من البيئات والنتائج الجديدة، بما يمنحها قدرة مستدامة على التكيّف في السياقات المتقلبة وغير اليقينية. ورغم إمكاناته الكبيرة، لا يزال النشر والتبنّي الفعليان للذكاء الاصطناعي الوكيل نادرين. كما يطرح عدة تحديات حاسمة، منها الموثوقية والمساءلة والثقة ومخاطر تضخيم التحيّز.

وإلى جانب الوكلاء الافتراضيين، ثمة مسار واعد آخر يتمثّل في الذكاء الاصطناعي المادي، ولا سيما المركبات الذاتية القيادة والروبوتات. فالذكاء الاصطناعي المادي يلتقط البيانات مباشرة من بيئته، عبر أجهزة الاستشعار أو أجهزة إنترنت الأشياء مثلاً. وتنطوي هذه القدرات على إمكانات هائلة لإيجاد قيمة اقتصادية ومجتمعية، بتطبيقات تمتد من أتمتة العمليات الصناعية إلى المركبات الذاتية القيادة والروبوتات المساعدة الشخصية في الرعاية الصحية.

ويتسارع التبنّي العالمي للمركبات الذاتية القيادة بسرعة، ولا سيما في قطاع خدمات النقل حسب الطلب، حيث تحقق الجهات الرئيسية نمواً كبيراً. فقد سجّلت شركة وايمو، ذراع القيادة الذاتية التابعة لشركة ألفابت، أكثر من 700 ألف رحلة مدفوعة شهرياً في كاليفورنيا حتى مارس 2025، بزيادة لافتة بلغت خمسة وخمسين ضعفاً منذ أغسطس 2023. وفي أبريل 2025، أفادت التقارير بأن وايمو كانت تقدّم 250 ألف رحلة مدفوعة أسبوعياً في الولايات المتحدة، بزيادة خمسة أضعاف على أساس سنوي. وعلى نحو مماثل، شهدت خدمة سيارات الأجرة الروبوتية «أبولو غو» التابعة لشركة بايدو انتشاراً كبيراً في الصين، إذ تمتلك مدينة ووهان وحدها أسطولاً يتجاوز خمسمائة مركبة، وأصبحت منطقة تشغيل رئيسية لخدمات القيادة الذاتية. وأعلنت بايدو عن أكثر من سبعة ملايين رحلة تراكمية بسيارات الأجرة الروبوتية في إحدى عشرة مدينة صينية حتى يوليو 2024، منها 899 ألف رحلة في الربع الثاني من عام 2024، بزيادة 26% على أساس سنوي. ورغم أن السوق الأوسع للمركبات الخاصة ذاتية القيادة بالكامل لا تزال في مراحلها الأولى، فإن نمو خدمات سيارات الأجرة الروبوتية يؤكد تحوّلاً كبيراً في التنقّل الحضري.

نطاق هذا التقرير

يركّز هذا التقرير على الاتجاهات الحديثة في تطوير الذكاء الاصطناعي واللبنات التأسيسية اللازمة لدعم تبنّيه والابتكار فيه في البلدان النامية. ولتوفير السياق والدافع، يناقش هذا الفصل بإيجاز الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية المحتملة للذكاء الاصطناعي، مؤكداً الحاجة الملحّة إلى التنسيق والاستثمار على المستوى العالمي لتعزيز الركائز الأربع التأسيسية للجاهزية للذكاء الاصطناعي: الاتصال، والقدرة الحاسوبية، والسياق بما يشمله من بيانات التدريب والنماذج والتطبيقات، والكفاءة أي المهارات الرقمية. ويقرّ التقرير بتنوّع آراء الخبراء وبحالة عدم اليقين المحيطة بالآثار التنموية طويلة الأمد للذكاء الاصطناعي. وسيقدّم تقرير عن التنمية في العالم 2026 استكشافاً أعمق لهذه الانعكاسات.

ويستند هذا التقرير إلى طيف من مصادر البيانات لتتبّع اتجاهات الابتكار في الذكاء الاصطناعي وتبنّيه. وهو يقارن أداء البلدان في الركائز الأربع، ويحدد إخفاقات السوق والآثار الخارجية الرئيسية التي تبرّر التدخل العام، ويستعرض مقاربات السياسات الناشئة، مسلّطاً الضوء على منافعها ومخاطرها والمفاضلات بينها. وستُطوَّر توصيات سياسات أكثر تفصيلاً وملاءمة لكل سياق في تقارير قادمة.

الآثار المحتملة للذكاء الاصطناعي على الاقتصاد والمجتمع العالميين

تتباين وجهات نظر الخبراء تبايناً كبيراً بشأن وتيرة التقدّم المستقبلي في الذكاء الاصطناعي وآثاره. فبعض باحثي الذكاء الاصطناعي ورواد الأعمال في مجال التقنية يتوقعون وصول الذكاء الاصطناعي العام، أي حين يتفوّق الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري ويصبح قادراً على حلّ أي مهمة ذهنية يستطيعها الإنسان، في غضون خمس إلى عشرين سنة. ورغم أن الذكاء الاصطناعي العام قد يعزّز نمو الناتج تعزيزاً كبيراً، فإنه سيستتبع تراجعاً لا مفرّ منه في دور العمل البشري في الاقتصاد. وسيتطلب هذا التحوّل إعادة تقييم جذرية للهياكل الاقتصادية، وآليات توزيع الدخل، والنظم الاجتماعية، والقيمة الاقتصادية للتعليم، ومعنى العمل ذاته.

فمن جهة، تحدّث شخصيات مثل سام ألتمان وجيفري هينتون وإيلون ماسك ومصطفى سليمان عن الإمكانات الخارقة للذكاء الاصطناعي، وحذّروا من تهديداته الوجودية للبشرية. ومن جهة أخرى، رأى محللو أسواق متشككون، مثل جيم كوفيلو من غولدمان ساكس، أن هذه التقنية ليست مصممة لحلّ نوع المشكلات المعقدة التي تبرّر تكلفتها الهائلة. وانتقد العالم والكاتب غاري ماركوس النماذج اللغوية الكبيرة التي تشغّل الذكاء الاصطناعي التوليدي بأنها تعاني عيوباً أكثر من أن تجعلها تحويلية. ورأى خبراء في الذكاء الاصطناعي مثل يان لوكون أن نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية أبعد ما تكون عن مضاهاة ذكاء الحيوانات الأليفة. وذهب ساياش كابور وأرفيند نارايانان إلى أن المعايير المرجعية الحالية للذكاء الاصطناعي لا تقيس الفائدة الفعلية في العالم الواقعي، وأن جزءاً كبيراً من معارف العالم ضمني وغير مدوّن، ومن ثمّ يصعب على الآلات تعلّمه تعلّماً سلبياً. ويعتقدان أن الآثار الاقتصادية للذكاء الاصطناعي ستكون على الأرجح تدريجية، تتكشّف على مدى عقود مع ظهور الابتكارات المكمّلة وتكيّف الممارسات التنظيمية والأطر المؤسسية.

ويختلف الذكاء الاصطناعي عن التقنيات السابقة ذات الأغراض العامة، كالكهرباء ومحركات الاحتراق الداخلي والحواسيب، في جانبين رئيسيين. أولهما التعلّم والقدرة على التكيّف، مما يتيح له أن يكمّل عملية اتخاذ القرار والحكم البشريين أو يحلّ محلهما. فخلافاً للتقنيات التقليدية القائمة على القواعد والثابتة، تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي التعلّم من البيانات، والتكيّف مع المعلومات الجديدة، والتحسّن بمرور الوقت، مما يجعلها أكثر ديناميكية وقدرة على التعامل مع المشكلات المعقدة. ومن ثمّ تستطيع هذه الأنظمة العمل بقدر من الاستقلالية، فتتخذ قرارات استناداً إلى البيانات التي تعلّمت منها، وتعالج مشكلات معرفية أكثر تعقيداً. وتتيح هذه الاستقلالية في التحسين واتخاذ القرار للذكاء الاصطناعي أن يحلّ محل القرار والحكم البشريين أو أن يكمّلهما. وثانيهما الاعتماد على البيانات، إذ يعتمد الذكاء الاصطناعي اعتماداً كبيراً على مجموعات بيانات ضخمة في تدريبه وتشغيله. ويختلف في ذلك عن تقنيات كالمحرك البخاري والكهرباء ومحرك الاحتراق الداخلي والاتصالات والحواسيب والإنترنت، التي تتطلب بنية تحتية لكنها لا تحتاج إلى مدخلات ضخمة من البيانات. فالحواسيب والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية جميعها تستخدم البيانات وتولّدها، لكنها تستطيع العمل دون كثير منها، كما أنها تعالج البيانات أو تنقلها أساساً وفق قواعد محددة سلفاً، ولا تتعلّم أو تتكيّف على النحو الذي يفعله الذكاء الاصطناعي.

ويختلف الذكاء الاصطناعي التوليدي كذلك عن الذكاء الاصطناعي السابق في عدة جوانب: فهو يتنبأ انطلاقاً من بيانات غير منظّمة بما يتيح توليد المحتوى؛ ويبسّط التفاعل بين الإنسان والآلة عبر اللغة الطبيعية بما يعزّز سهولة الوصول للمستخدمين؛ ويمتلك قدرات معزّزة في المهام المعرفية والإبداعية تمسّ أساساً الوظائف المكتبية غير الروتينية عالية المهارة؛ ويتسم بالمرونة وتعدد الاستخدامات بما يتيح تطبيقات أعمّ من المقاربات السابقة؛ ويخضع لقوانين توسّع أقوى تتطلب مجموعات بيانات أكبر وقدرة حاسوبية أعلى، فضلاً عن أن تطبيقاته أكثر كثافة في استخدام الحوسبة من الذكاء الاصطناعي التنبؤي؛ وأخيراً فهو عرضة لـ«الهلوسة»، أي توليد محتوى معقول الظاهر لكنه خاطئ أو مختلق كلياً، مما يجعل الموثوقية تحدياً قائماً.

الانعكاسات الاقتصادية والحجم المحتمل للآثار

بالنظر إلى حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بقدرات الذكاء الاصطناعي المستقبلية وأنماط تبنّيه والاستجابات التنظيمية والمجتمعية المحتملة، يكاد يستحيل التنبؤ بأثره الدقيق على المدى الأطول. ويزيد من هذا التعقيد تنوّع طبيعة تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاتها، وتشعّب القنوات التي تمارس من خلالها تأثيرها. ولا يسعى هذا القسم إلى تحليل شامل لمختلف السيناريوهات الممكنة، بل يركّز انتقائياً على أربعة جوانب رئيسية مترابطة، هي أسواق العمل ورأس المال البشري، والتنظيم الصناعي، والجغرافيا الاقتصادية والتجارة الدولية، والإنتاجية الكلية ومستويات المعيشة وتوزيع الدخل، مناقشاً بعض السيناريوهات المرجحة وعواقبها المحتملة بما يرشد إجراءات السياسات.

أسواق العمل ورأس المال البشري

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في إتاحة الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية على نطاق أوسع، ولا سيما في البلدان والمناطق المحرومة من الخدمات. ففي التعليم، يمكن لدمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في المدارس والكليات والجامعات أن يتيح تعلّماً مخصصاً يتكيّف مع مستوى مهارات المتعلم، وتغذية راجعة فورية، وتوجيهاً ودعماً للطلاب عند الطلب. وفي الرعاية الصحية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم الأطباء والممارسين السريريين في التشخيص والفحص والتنبؤ بمآل المرض وفرز الحالات، مخففاً العبء عن العاملين في الرعاية الصحية. وقد تكون لهذه الاستخدامات أهمية كبيرة في البلدان والمناطق النامية التي لا يزال فيها الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية الجيدين محدوداً. غير أن تحديات مثل عدم تكافؤ الوصول وتشتّت البيانات وقوانين الخصوصية وانعدام الثقة قد تؤخّر التبنّي على نطاق واسع.

وقد يقلّل الذكاء الاصطناعي التوليدي من حوافز الأفراد للاستثمار في التعليم العالي واكتساب المهارات. فتقليدياً، كانت الوظائف عالية المهارة والأجر تتطلب خبرة متخصصة، وكان الوعد بدخل أعلى ومسار مهني أكثر إشباعاً يحفّز الأفراد على الاستثمار في الشهادات الجامعية والتدريب المتقدم. وقد تحوّل أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي الخبرة إلى سلعة شائعة، إذ تتيح للعاملين العاديين محاكاة أداء أقرانهم المتميزين. وسيؤدي ذلك إلى خفض العائد على المهارات، فيضعف حافز الأفراد لاكتساب الخبرة المتقدمة بسبب تراجع فرص الحصول على عمل مجزٍ، بما يترتب عليه مزيد من الآثار السلبية على الإنتاجية والأجور. غير أن الأثر المستقبلي للذكاء الاصطناعي على الطلب على الخبرة غير مؤكد إلى حدّ بعيد، ولا يزال من غير الواضح كيف سيؤثر في حوافز الناس لاكتساب الخبرات المختلفة.

وأثر الذكاء الاصطناعي على الطلب على العمالة معقّد ومتفاوت. فالذكاء الاصطناعي قادر على أتمتة مهام معينة، مما يخفض الطلب على العاملين المنخرطين أساساً في تلك المهام والمهن. كما يستطيع تعزيز بعض المهام برفع إنتاجية العاملين. وللتعزيز أثر ملتبس على الطلب على العمالة، يتوقف على التوازن بين نمو الإنتاجية المدفوع بالذكاء الاصطناعي ونمو الطلب على المنتج النهائي. ويتأثر الطلب على المنتج بعوامل متعددة وبآثار التوازن العام، منها آثار السعر الذاتي، وديناميكيات الأسعار المتقاطعة مع البدائل والمكمّلات، وظهور منتجات جديدة، وتغيّر دخل المستهلكين وتفضيلاتهم.

وقد يحوّل الذكاء الاصطناعي الطلب أيضاً نحو العاملين الأقل خبرة أو الأقل تكلفة، عبر نقل المعرفة الضمنية من الخبراء، ورفع الإنتاجية، وتضييق فجوات الأداء. وقد يحفّز ذلك الاستعانة بمصادر خارجية لتقديم الخدمات ونقلها إلى الخارج، بما يعود بالنفع على العاملين في البلدان النامية. غير أن العكس قد يحدث؛ فقد يستخدم العاملون ذوو الخبرة الذكاء الاصطناعي لأتمتة مهام المبتدئين، فيحلّون محلهم ويقلّصون الوظائف المسندة إلى البلدان منخفضة التكلفة. وتُظهر الدراسات أن الذكاء الاصطناعي قد يوسّع أيضاً فوارق الأداء في بعض المهام، فيضاعف إنتاج المتميزين ويخفض إنتاجية غيرهم، مما قد يزيد الطلب على نخبة المواهب ويُقصي البقية.

ويتوقف الأثر النهائي كذلك على قدرة الذكاء الاصطناعي على تحفيز منتجات وصناعات ومهن جديدة. فإن حفّز مثل هذه الاختراقات، فقد يولّد طلباً على وظائف جديدة كلياً ويرفع الدخول.

وقد أوجد الذكاء الاصطناعي بعض المهن والوظائف الجديدة، وإن كانت هذه الوظائف تميل إلى الاستقطاب الشديد، والأدوار مرتفعة الدخل منها محدودة النطاق والعدد. فالأدوار عالية المهارة ومرتفعة الدخل، كعلماء الذكاء الاصطناعي ومطوّريه ومتخصصي الروبوتات وعلماء البيانات، تتركّز في عدد قليل من شركات الذكاء الاصطناعي والمدن والبلدان. وعدد العاملين اللازمين لتلبية الطلب العالمي ضئيل قياساً بإجمالي العمالة. كما أن المهن الجديدة التي أوجدها الذكاء الاصطناعي التوليدي تحديداً، كمهندسي الأوامر، جاءت حتى الآن متواضعة الحجم، شأنها شأن الأدوار الهامشية كمتخصصي حوكمة الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته. وفي المقابل، أوجد الذكاء الاصطناعي مئات الآلاف من الوظائف المؤقتة منخفضة المهارة والدخل، كوسم البيانات، مما يسهم في زيادة استقطاب سوق العمل.

ومن المرجّح أن ينقل الذكاء الاصطناعي القوة التفاوضية من العاملين إلى المنشآت، بما قد يمارس ضغطاً نزولياً على الأجور وحصة العمل من الدخل. فمع خفض الذكاء الاصطناعي التوليدي عوائق الدخول إلى مهن كانت حكراً على النخبة، واحتمال حطّه من قيمة بعض أشكال الخبرة المعرفية والتحليلية، قد يكبح أجور طيف أوسع من العاملين، باستثناء من هم في القمة.

وقد يحدّ الذكاء الاصطناعي أكثر من إمكانات خلق وظائف جيدة في الخدمات عالية المهارة، ولا سيما في البلدان النامية. فإذا تجاوز نمو الإنتاجية في وظائف الخدمات عالية المهارة نمو الطلب على العمالة، فمن المرجّح أن تركد حصة هذه الخدمات من العمالة أو حتى تتراجع بسبب الذكاء الاصطناعي. وعلى غرار ما أدت إليه الأتمتة الحاسوبية من تراجع مبكر للتصنيع، قد يفضي الذكاء الاصطناعي إلى تراجع مبكر للمهننة، تبلغ فيه حصة العمالة في الخدمات عالية المهارة ذروتها في وقت أبكر وبمستوى أدنى وعند مستويات دخل أقل.

التنظيم الصناعي

أصبحت البيانات مورداً حاسماً وعاملاً من عوامل الإنتاج في عصر الذكاء الاصطناعي، مما أوجد أسواقاً جديدة لجمع البيانات وتخزينها ومعالجتها. غير أن الخصائص الفريدة للبيانات تعقّد تبادلها واستخدام الذكاء الاصطناعي. وقد أشعل الذكاء الاصطناعي، ومؤخراً الذكاء الاصطناعي التوليدي، طفرة في الاستثمارات في رقائق الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. وفضلاً عن ذلك، تدرك المؤسسات والحكومات على نحو متزايد أن البيانات أصل حاسم، مما دفع إلى زيادة كبيرة في الاستثمار في بيانات التدريب.

ولأن البيانات غير تنافسية ويمكن إعادة استخدامها بلا حدود، فإن قيمتها الاقتصادية تتفاوت تفاوتاً كبيراً بحسب حجمها وجودتها وحداثتها وتطبيقها المحدد وسياقها ومستخدمها. وقد أعاق تحدي تحديد القيمة الاقتصادية للبيانات، إلى جانب المخاوف المتعلقة بالخصوصية والأمن، تطوير أسواق لتبادل البيانات. كما أن الغموض المحيط بحقوق ملكية البيانات والملكية الفكرية للمحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي قد يبطئ تبنّيه.

وتُظهر البيانات وفورات حجم ونطاق قوية، مما يؤدي إلى تركّز القوة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في أيدي من يتمتعون بوصول مميز إلى مجموعات بيانات ضخمة. وتستطيع المنشآت القائمة على البيانات توظيف هذه المجموعات لترسيخ قوتها السوقية، وربما خنق الابتكار. وفضلاً عن ذلك، قد يُدخل الاعتماد المتزايد على البيانات في اتخاذ القرار تحيزاً وتمييزاً ومخاطر نظامية إذا لم تكن البيانات ممثِّلة أو كانت الخوارزميات معيبة.

ويستطيع مزوّدو حلول الذكاء الاصطناعي الذين يمتلكون مجموعات بيانات ضخمة وموارد حاسوبية وفيرة وأفضل المواهب وقدرات متفوقة في الذكاء الاصطناعي أن يستفيدوا من وفورات حجم ونطاق كبيرة، فيرسّخون مزاياهم التنافسية، بما قد يؤدي إلى ارتفاع تركّز السوق. غير أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تتطلب عادة قدرة حاسوبية أكبر بكثير من البرمجيات التقليدية، ولا سيما في مرحلة الاستدلال. ومن شأن التكلفة الحدية غير الضئيلة لكل مستخدم أو خدمة إضافية، إلى جانب أن النماذج اللغوية الكبيرة لا تُظهر بالضرورة آثار الشبكة، أن تُضعف وفورات الحجم والنطاق لدى مزوّدي الذكاء الاصطناعي التوليدي، مما قد يحدّ من القوة الشبيهة بالاحتكار التي كثيراً ما تتمتع بها المنصات الرقمية. ويعزّز الطلب المتزايد على القدرة الحاسوبية موقع موردي هذه القدرة مثل إنفيديا، ويعود بالنفع على مزوّدي الخدمات السحابية الذين يوزّعون النماذج اللغوية الكبيرة. وقد تضغط هذه الديناميكية على مزوّدي النماذج اللغوية الكبيرة مثل OpenAI من الجانبين.

وتميل عوائد تبنّي التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي إلى الارتفاع على نحو غير متناسب مع حجم المنشأة وكثافة استخدامها للبيانات، مما قد يؤدي إلى ارتفاع تركّز السوق في قطاعات مختلفة. وفي المقابل، تميل تكلفة تبنّي الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى أن تكون أدنى من تكلفة الذكاء الاصطناعي التنبؤي بفضل تعدد استخداماته ومرونته. وقد يخفّف هذا العائق الأدنى أمام التبنّي من العوائد المتزايدة للحجم المرتبطة بالاستثمارات التقليدية في تقنية المعلومات، فيؤدي دور قوة موازنة لارتفاع تركّز السوق.

الجغرافيا الاقتصادية والتجارة الدولية

إذا بلغت المركبات الذاتية القيادة والروبوتات في نهاية المطاف مرونة البشر وبراعتهم أو تجاوزتها، فقد يؤدي تبنّيها الواسع إلى توسّع الضواحي وإيجاد بيئات حضرية أكثر كفاءة. فالمركبات الذاتية القيادة ستتيح التنقّل لمسافات أطول، بما يمكّن الناس من السكن بعيداً عن مراكز المدن مع مواصلة العمل أثناء التنقّل، مما قد يؤدي إلى توسّع الضواحي. ومن خلال تقليل الحاجة إلى القرب من أماكن العمل، قد تشجّع المركبات الذاتية القيادة وتقنيات العمل عن بُعد نمو مدن أكبر وأكثر تشتتاً. وإضافة إلى ذلك، قد تتولى الروبوتات كثيراً من المهام البدنية واليدوية، مما يتيح للعاملين التحكّم فيها أو مراقبتها عن بُعد. وقد يقلّل هذا التحوّل الحاجة إلى الحضور المادي للعاملين في مواقع العمل التقليدية، بما يزيد من لامركزية المدن. كما قد تحسّن المركبات الذاتية القيادة والروبوتات استخدام الطرق، وتخفّف الازدحام المروري، وتقلّل الحاجة إلى مواقف السيارات، فتوجد بذلك بيئات حضرية أكثر كفاءة.

وقد يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً في سلاسل القيمة العالمية، فيعيد تشكيل أنماط التجارة العالمية والطلب على العمالة في الاستعانة بمصادر خارجية للخدمات القابلة للتقديم رقمياً ونقلها إلى الخارج. غير أن هذه الآثار لا تزال غير مؤكدة. فمن جهة، إذا رفع الذكاء الاصطناعي إنتاجية العاملين في الاقتصادات المتقدمة رفعاً كبيراً، فقد يقلّ الطلب على إسناد الوظائف إلى عاملين في البلدان النامية، وقد تُؤتمت المهام التي كان إسنادها إلى الخارج مجدياً من حيث التكلفة، أو يؤديها عاملون محليون في البلدان الغنية بكفاءة أكبر باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. ومن جهة أخرى، إذا مكّن الذكاء الاصطناعي العاملين في البلدان النامية من محاكاة أداء نظرائهم في الاقتصادات الأكثر تقدماً، فقد يزداد الطلب على إسناد الوظائف المكتبية إلى الخارج. وفي هذا السيناريو، قد يسهم الذكاء الاصطناعي في تحقيق التكافؤ بين أسواق العمل العالمية عالية المهارة، موجداً فرصاً جديدة للبلدان النامية لاستقطاب وظائف ذات قيمة أعلى في قطاعات كالخدمات المهنية وتقنية المعلومات. كما قد يسهم الذكاء الاصطناعي التوليدي في تجاوز الحواجز اللغوية وتيسير التجارة الدولية.

الإنتاجية الكلية ومستويات المعيشة وتوزيع الدخل

ينطوي الذكاء الاصطناعي على إمكانات لرفع الكفاءة وتسريع الابتكار في مختلف الصناعات. فقدرته على ابتكار الحلول وتوسيع نطاقها دون برمجة صريحة، إلى جانب التحوّل نحو تطبيقات الذكاء الاصطناعي ذات الأغراض العامة، تبشّر بمكاسب إنتاجية أوسع. إذ يستطيع الذكاء الاصطناعي تحسين تخصيص الموارد، والحدّ من أوجه عدم الكفاءة، وزيادة التخصيص، وتسريع الاكتشاف العلمي والابتكار. وتحرّر أتمتة المهام الروتينية العاملين للتركيز على أنشطة أعلى قيمة. ويمكن لتحسّن إتاحة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي أن يعزّز الإنتاجية أكثر، ولا سيما للمنشآت الأصغر ولطيف أوسع من الموظفين. بل قد يتولى الذكاء الاصطناعي التوليدي بعض الوظائف الإدارية، بما يتيح هياكل تنظيمية أكثر كفاءة. وقد وثّقت بضع دراسات تجريبية مكاسب إنتاجية كبيرة للعاملين المكتبيين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي، ولا سيما العاملين الأقل إنتاجية أو الأضعف أداءً.

غير أن العيوب الكامنة في الذكاء الاصطناعي الحالي قد تحدّ من أهميته الاقتصادية الأوسع. فأولاً، تضرب «الهلوسات» التي تنتجها أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بجذورها في البنية الرياضية والمنطقية للنماذج اللغوية الكبيرة، مما يجعلها غير موثوقة في بيئات الأعمال التي قد تكون فيها الأخطاء مكلفة. وثانياً، لا تزال أدوات الذكاء الاصطناعي الحالية محركات للتعرّف على الأنماط تفتقر إلى الفهم الحقيقي والحسّ السليم والاستدلال المنطقي. وثالثاً، فإن كثيراً من المعارف ذات القيمة الاقتصادية ضمني ومرتبط بسياقه ويصعب تدوينه في صورة يستطيع الذكاء الاصطناعي التعلّم منها.

وسيصبح الذكاء الاصطناعي أكثر فائدة حين يتمكّن من «فهم» العالم المادي والتفاعل معه. فحالياً، تُستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي أساساً لتحسين البرمجيات وتوليد المعلومات والنصوص والصور، فتؤثر في نطاق ضيق من الأنشطة ينحصر معظمه في الفضاءات الافتراضية. ولكي يكون للذكاء الاصطناعي أثر أوسع، يجب أن يكون قادراً على إدراك البيئات المادية وفهمها والاستجابة لها بموثوقية، حتى في المواقف المستجدة والفريدة. ومن خلال سدّ الفجوة بين الذكاء الرقمي والفعل المادي، قد يُحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في مزيد من الصناعات ويحلّ تحديات عملية بطرق تتجاوز كثيراً تطبيقاته الحالية.

غير أنه من غير المرجّح أن تضاهي الروبوتات والمركبات الذاتية القيادة قريباً البراعة والذكاء العاطفي والحكم التي يجلبها العاملون البشر إلى الوظائف البدنية واليدوية كالقيادة ورعاية الأطفال والتمريض. وبعيداً عن الجانب المادي، يُعدّ الذكاء العاطفي حاسماً في وظائف كرعاية الأطفال والرعاية الصحية، حيث تكون قراءة الإشارات غير اللفظية، وإبداء التعاطف، والتكيّف وفقاً للحالات العاطفية، أموراً أساسية لبناء الثقة وتقديم الدعم.

وفضلاً عن ذلك، يؤدي الحكم البشري، الذي تشكّله الخبرة والفهم العميق للسياق والأخلاقيات والقدرة على اتخاذ القرار في أجزاء من الثانية، دوراً حيوياً في التعامل مع المواقف غير المتوقعة. ورغم تفوّق الذكاء الاصطناعي في المهام القائمة على البيانات، فإن محاكاة المزيج المعقد من البراعة البدنية والذكاء العاطفي والحكم الأخلاقي الذي تتطلبه هذه الأدوار تظل تحدياً تقنياً وأخلاقياً هائلاً.

كما أن انخفاض القدرة على تحمّل المخاطر في العالم المادي، إلى جانب العقبات القانونية والتنظيمية، يعقّد التبنّي الواسع للروبوتات والمركبات الذاتية القيادة. فرغم سنوات من التطوير والاختبار، لا يوجد جدول زمني واضح لموعد تبنّي المركبات الذاتية القيادة على نطاق واسع وحلولها محل السائقين البشر. في المقابل، وفي غضون أشهر من إطلاق ChatGPT، كانت الشركات والأفراد يستخدمونه على نطاق واسع في إنتاج مواد التواصل وتحريرها وتوليد المحتوى الرقمي. ويتمثّل فارق جوهري بين الحالتين في أن الناس أكثر نفوراً من المخاطرة بكثير حين تُدخل الخوارزميات إلى العالم المادي، ولا سيما إلى الأماكن العامة.

ومن ثمّ يُرجَّح أن يكون الأثر الإجمالي للذكاء الاصطناعي على الإنتاجية الكلية ومستويات المعيشة متواضعاً على المدى القصير، بل أكثر محدودية في البلدان الأدنى دخلاً. فالذكاء الاصطناعي يعزّز أساساً إنتاجية العمل في الخدمات المكتبية عالية المهارة. ويقدّر أسيموغلو أن أقل من 5% من جميع المهام في الولايات المتحدة يمكن أتمتتها على نحو مربح خلال العقد المقبل، ومن ثمّ لن يرفع الذكاء الاصطناعي الناتج المحلي الإجمالي إلا بنسبة 1% خلال العقد المقبل، مع أثر إيجابي أكثر محدودية على الأجور. ويزيد نقص البنية التحتية والمهارات الرقمية من إضعاف أثر الذكاء الاصطناعي في البلدان منخفضة الدخل.

ومن المرجّح أيضاً أن يفاقم الذكاء الاصطناعي عدم المساواة بين مالكي رأس المال والعمال. أما أثره التوزيعي بين العاملين فمعقّد، وقد يمارس ضغطاً نزولياً على أجور كثير منهم. فقد رأى أوتور أن الذكاء الاصطناعي التوليدي، خلافاً للتقنيات الرقمية السابقة، يتيح فرصة لتوسيع الطبقة الوسطى بتمكين العاملين متوسطي المهارة من أداء مهام اتخاذ قرارات عالية المخاطر حكراً اليوم على نخبة الخبراء. في المقابل، يرى فراي وأوزبورن أن الذكاء الاصطناعي التوليدي، بخفضه عوائق الدخول إلى المهن المعرفية، سيزيد المنافسة، ويخفض في نهاية المطاف الأجور على امتداد سلّم الدخل.

وعلى المديين المتوسط والطويل، أي لأكثر من عشر سنوات، تكون إمكانات الذكاء الاصطناعي في إحداث آثار إيجابية أكبر أعلى، لكنها تتوقف على عدة عوامل حاسمة: التقدّم في قدراته، والابتكارات المشتركة واستحداث منتجات جديدة تحويلية، والاختراقات في إمدادات الطاقة، وتطوير البنية التحتية والمهارات المكمّلة، والتغيرات التنظيمية وفي العمليات، وما يصاحبها من تحولات في المؤسسات والأطر التنظيمية.

ويطرح الذكاء الاصطناعي فرصاً وتهديدات معاً للبلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل. فلديه إمكانات لتعزيز رأس المال البشري وخلق فرص عمل جديدة، ولا سيما في الخدمات القابلة للتقديم رقمياً. غير أن تفاوت الوصول والتبنّي قد يفاقم أوجه عدم المساواة القائمة في التعليم والمهارات والنواتج الصحية. وفضلاً عن ذلك، قد يفضي الذكاء الاصطناعي إلى تراجع مبكر للمهننة، فيحوّل العمالة نحو وظائف الخدمات منخفضة المهارة، بما قد يفاقم البطالة والعمالة الناقصة. كما أن احتمال تراجع العائد على التعليم العالي قد يثبّط الاستثمار في تنمية رأس المال البشري.

ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يعود بنفع كبير على المنشآت الصغيرة في البلدان النامية، بجعل المعرفة والخبرة أيسر وصولاً، وتحسين اتخاذ القرار، وتوسيع الوصول إلى الأسواق، ورفع الإنتاجية. غير أن تزايد وفورات الحجم في الصناعات القائمة على الذكاء الاصطناعي قد يزيد أيضاً من صعوبة تطوير البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل منشآت محلية قادرة على المنافسة والمشاركة الفعّالة في الأسواق العالمية. ورغم أن الذكاء الاصطناعي قد يحفّز موجة جديدة من الاستعانة بمصادر خارجية للخدمات ويعزّز صادراتها، فقد يُحدث الأثر المعاكس أيضاً، فيجعل النمو القائم على التصدير أصعب منالاً. وأخيراً، ورغم أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع الإنتاجية ومستويات المعيشة، فإن فجوة الدخل بين الاقتصادات الغنية والفقيرة قد تزداد اتساعاً.

التقدّم المتفاوت في ابتكار الذكاء الاصطناعي وتكييفه وتبنّيه

يعرّف هذا التقرير ابتكار الذكاء الاصطناعي وتكييفه وتبنّيه على النحو التالي. فابتكار الذكاء الاصطناعي هو إنشاء تقنيات أو نماذج أو بيانات تدريب أو منهجيات جديدة للذكاء الاصطناعي تدفع حدود ما هو متاح، ويشمل ذلك نشر البحوث الأساسية في المنشورات العلمية مثلاً، وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي بارزة وإطلاقها، وتسجيل براءات اختراع لتقنيات مستحدثة، وتسويق منتجات ذكاء اصطناعي أصيلة، وتأسيس شركات ناشئة تركّز على الذكاء الاصطناعي. وتكييف الذكاء الاصطناعي هو تعديل تقنياته القائمة أو تخصيصها لسياقات أو قطاعات أو تطبيقات محددة، ومن أمثلته بناء أدوات ذكاء اصطناعي خاصة بصناعة أو مجال بعينه فوق النماذج ذات الأغراض العامة، كالخدمات المبنية باستخدام واجهة برمجة تطبيقات ChatGPT، أو الضبط الدقيق للنماذج مفتوحة المصدر للّغات المحلية أو لتقديم الخدمات الحكومية، أو دمج مكوّنات الذكاء الاصطناعي في منتجات متخصصة. أما تبنّي الذكاء الاصطناعي فهو استخدام تقنياته دون تعديل داخلي من قبل المؤسسات العامة أو المنشآت الخاصة أو الأفراد، وقد يشمل ذلك نشر برمجيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، أو استخدام أدوات جاهزة مثل Gemini، أو دمج ميزات جاهزة للذكاء الاصطناعي في مسارات العمل.

ورغم تمايز هذه الفئات تحليلياً، فإنها مترابطة. فالتكييف كثيراً ما يُبنى على الابتكار، والتبنّي قد ينطوي على تعديلات طفيفة تقترب من التكييف. ومن الناحية العملية، تقع أنشطة كثيرة للذكاء الاصطناعي على امتداد سلسلة متصلة لا في خانات منفصلة. ويُعدّ الاستثمار مقياساً لابتكار الذكاء الاصطناعي وتكييفه.

ابتكار الذكاء الاصطناعي وتكييفه

قادت البلدان مرتفعة الدخل، ولا سيما الولايات المتحدة، التقدّم في أبحاث الذكاء الاصطناعي، وباتت الصناعة تقوده على نحو متزايد بدلاً من الأوساط الأكاديمية. فلم ينتج الباحثون في جميع البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل مجتمعة سوى 46% من المنشورات العلمية العالمية في الذكاء الاصطناعي خلال الفترة من 2000 إلى 2024، ولم يحظوا إلا بنسبة 31% من الاستشهادات العالمية. وتقود الصين والهند على التوالي المقالات الصادرة من البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى.

وبينما لا تمثّل الولايات المتحدة سوى 26% من المقالات الأكاديمية للبلدان مرتفعة الدخل و35% من إجمالي الاستشهادات، تستأثر الصين والهند بنسبة 70% و68% من منشورات البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى والأدنى على التوالي. ومن بين أكثر من تسعمائة نموذج ذكاء اصطناعي بارز نُشرت منذ خمسينيات القرن العشرين، ينتمي 62% من المساهمين الرئيسيين إلى الولايات المتحدة، و25% إلى بلدان أخرى مرتفعة الدخل، و13% إلى الصين، و0.2% أي نموذجان فقط إلى الهند، و0.1% أي نموذج واحد فقط إلى الأرجنتين.

وتهيمن الصناعة على نحو متزايد على إنشاء نماذج الذكاء الاصطناعي البارزة بدلاً من الأوساط الأكاديمية. فقبل عام 2022، كان 51% من المساهمين الرئيسيين في هذه النماذج من الأوساط الأكاديمية مقابل 47% من الصناعة، أما منذ عام 2022 فقد بات نحو 80% من المساهمين الرئيسيين في النماذج البارزة من الصناعة، مقابل 20% فقط من الأوساط الأكاديمية.

وشهدت طلبات براءات الاختراع في الذكاء الاصطناعي، ولا سيما الذكاء الاصطناعي التوليدي، نمواً بلغ تسعة أضعاف منذ عام 2017، مدفوعاً أساساً بالصين. ويتسم المشهد الجغرافي لبراءات اختراع الذكاء الاصطناعي التوليدي بتركّز شديد، إذ برزت خمسة بلدان بوصفها جهات مهيمنة هي الصين والهند واليابان وجمهورية كوريا والولايات المتحدة. وعلى مدى العقد الماضي، تصدّرت الشركات والمؤسسات البحثية الصينية العالم في تسجيل براءات اختراع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مع صعود صاروخي في الطلبات منذ عام 2019. وتستأثر الصين بنسبة 66% من إجمالي طلبات براءات اختراع الذكاء الاصطناعي التوليدي على مستوى العالم خلال الفترة من 2014 إلى 2023. ورغم ما أُثير في البداية من مخاوف بشأن جودة هذه البراءات الصينية، تشير الأبحاث الحديثة إلى أن جودتها تحسّنت، وأن معدل الموافقة عليها بات متسقاً مع أنظمة البراءات الرئيسية الأخرى.

وتهيمن الصين على المشهد العام لبراءات اختراع الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكن الهند تسجّل أعلى معدل نمو بنسبة 56% سنوياً. وفي مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي تحديداً، تتأخر الدول الأوروبية، ولا سيما ألمانيا والمملكة المتحدة، تأخراً كبيراً، إذ لا تمثّلان معاً سوى أقل من 3% من عائلات براءات الاختراع في هذا المجال. وتشير هذه النتائج إلى فجوة ابتكار محتملة لدى هذه البلدان، قد تكون لها انعكاسات طويلة الأمد على قدرتها التنافسية التقنية.

ولم تقدّم أي من البلدان منخفضة الدخل طلبات براءات اختراع تتعلق بالذكاء الاصطناعي خلال العقد الماضي. والأهم من ذلك أن البيانات المتعلقة باتجاهات تسجيل البراءات في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل لا تزال شحيحة. ويؤكد هذا الشحّ في البيانات الحاجة إلى تحسين رصد أنشطة الابتكار في الذكاء الاصطناعي في العالم النامي والإبلاغ عنها. كما أن ضعف تمثيل الفئات المتنوعة في أبحاث الذكاء الاصطناعي وبراءات اختراعه قد يعيق إنشاء نماذج ذكاء اصطناعي أكثر شمولاً.

وتقود شركات التقنية الرائدة في العالم، وجميعها يقع مقرها في الولايات المتحدة، الاستثمارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وتطويره، بما يعكس التحوّل الاستراتيجي لصناعة التقنية نحو قدرات الذكاء الاصطناعي في مختلف محافظ منتجاتها. ففي عام 2024، خصّصت مايكروسوفت 19 مليار دولار أمريكي للنفقات الرأسمالية، نصفها لتوسيع مراكز البيانات والباقي لوحدات المعالجة. وتشير التقارير إلى أن ميتا أنفقت ما بين 37 و40 مليار دولار أمريكي في عام 2024 على النفقات الرأسمالية، بما في ذلك شراء 350 ألف وحدة معالجة رسوميات من إنفيديا. واستثمرت غوغل 3 مليارات دولار أمريكي في مراكز البيانات، وتفيد التقارير بأنها أنفقت 60 مليون دولار أمريكي على تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي باستخدام بيانات منصة ريديت. والتزمت أمازون باستثمار 230 مليون دولار أمريكي في الشركات الناشئة العاملة في الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتعتزم استثمار 150 مليار دولار أمريكي في مراكز البيانات على مدى خمسة عشر عاماً، مع تطوير رقائق ذكاء اصطناعي خاصة بها لتقليل اعتمادها على إنفيديا.

ورغم أن معظم استثمارات شركات التقنية الكبرى تتركّز في الولايات المتحدة، فإن بعضها يتجه أيضاً إلى البلدان النامية. فبين يناير ويوليو 2024، أعلنت أمازون وغوغل ومايكروسوفت عن 21 استثماراً في 15 بلداً بقيمة إجمالية بلغت 130 مليار دولار أمريكي، منها استثمارات في إندونيسيا وماليزيا في جنوب شرق آسيا. وتمثّل هذه الاستثمارات المعلنة نحو 23.2% من إيراداتها المجمّعة في النصف الأول من عام 2024.

وبينما تقود شركات التقنية الكبرى الاستثمار واسع النطاق في الذكاء الاصطناعي، تضخّ شركات رأس المال الجريء والأسهم الخاصة الأموال في الشركات الناشئة العاملة فيه. غير أنه، كما هو الحال في الابتكارات الأكاديمية والتقنية، لا تمثّل البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل سوى جزء يسير من الشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي المدعومة برأس المال الجريء، وحصة أصغر من التمويل. وتقيس الشركات الناشئة وتدفقات استثمارات رأس المال الجريء مدى تسويق الابتكار في الذكاء الاصطناعي عبر البلدان. فالشركات الناشئة كثيراً ما تكون مبتكرة رشيقة تتكيّف سريعاً مع التقنيات الجديدة واحتياجات السوق، ويمكن لاستثمارات رأس المال الجريء أن توفّر مقياساً كمياً للثقة في منظومة الشركات الناشئة في بلد ما.

غير أن البيانات المتعلقة بالشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل لا تزال محدودة. ففي قاعدة بيانات للشركات الناشئة العالمية في الذكاء الاصطناعي أعدّتها شركة سي بي إنسايتس، وتضم نحو 21 ألف شركة ناشئة حتى يوليو 2025، يعود 45% منها إلى الولايات المتحدة. وتحتضن البلدان الأخرى مرتفعة الدخل 40% أخرى، وتأتي المملكة المتحدة في المرتبة الثانية بنسبة 6.8% أي 1,456 شركة ناشئة، ثم الصين في المرتبة الثالثة بنسبة 6% أي 1,352 شركة ناشئة، فالهند في المرتبة الرابعة بنسبة 4%. ولا تضم معظم البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل سوى عدد قليل من الشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي.

والتمويل التراكمي الذي حصلت عليه هذه الشركات الناشئة أكثر تفاوتاً بكثير. فقد حصلت الشركات الناشئة في الولايات المتحدة على أكثر من 500 مليار دولار من تمويل رأس المال الجريء حتى يوليو 2025، أي 73% من الإجمالي العالمي، وحصلت البلدان الأخرى مرتفعة الدخل على 18% أخرى، بينما تستأثر الصين بنسبة 8%. أما البلدان الأخرى متوسطة الدخل ومنخفضة الدخل مجتمعة فتمثّل أقل من 2% من التمويل العالمي لرأس المال الجريء في الشركات الناشئة للذكاء الاصطناعي، مما يدل على محدودية الابتكار والتكييف والتسويق المحلي في هذا المجال.

ويشير تحليل ابتكار الذكاء الاصطناعي وتكييفه على المستوى العالمي إلى أن قلة من البلدان النامية منخرطة ومهيمنة في الابتكار والتكييف الكبير في الذكاء الاصطناعي. ويستند الموقع الاستثنائي للصين والهند في تطوير الذكاء الاصطناعي إلى ثلاثة أسس حاسمة: رصيد ضخم من المواهب في مجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، ودعم حكومي للبحث والتطوير في الذكاء الاصطناعي، ومنظومات ناضجة لصناعة التقنية. ويمتلك البلدان كلاهما قوى عاملة تقنية واسعة النطاق وبنية تحتية رقمية راسخة توفّر الأساس اللازم لابتكار الذكاء الاصطناعي. غير أنهما وظّفا هذه المزايا على نحو مختلف؛ فقد استفاد ابتكار الذكاء الاصطناعي في الصين من الدعم الحكومي المنسّق والمنظومات الرقمية المتكاملة، بينما تستثمر الهند ريادتها العالمية في خدمات تقنية المعلومات وثقافة ريادة الأعمال لديها. وتوفّر الأسواق المحلية الكبيرة ومعدلات التبنّي الرقمي المرتفعة في البلدين ساحات اختبار طبيعية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وتولّد هذه المزايا الهيكلية دورات ذاتية التعزيز، إذ يجذب النجاح مزيداً من المواهب والاستثمارات، مما يعزّز قدرات الذكاء الاصطناعي أكثر. وتساعد هذه الدورة على تفسير تقدّمهما على البلدان النامية الأخرى في تطوير الذكاء الاصطناعي وتسويقه. وستستفيد الاقتصادات الأخرى منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل بدورها من الاستثمار في هذه الأساسيات لتطوير منظومة محلية لريادة الأعمال والبحث توظّف قوة الذكاء الاصطناعي لخدمة غاياتها الاقتصادية.

تبنّي الذكاء الاصطناعي

كان تبنّي الأفراد للذكاء الاصطناعي التوليدي وانتشاره عالمياً أسرع بكثير من التقنيات السابقة. فقد استغرق الهاتف 75 عاماً للوصول إلى مائة مليون مستخدم، والسيارات 33 عاماً، والإنترنت 7 أعوام، وواتساب 3.3 أعوام، في حين لم يستغرق ChatGPT سوى شهرين. وبحلول يونيو 2025، كانت مئات أدوات الذكاء الاصطناعي على الأقل متاحة، واستقطبت الأدوات الستون الأكثر زيارة نحو ستة مليارات زيارة شهرياً. وتهيمن روبوتات المحادثة على هذا المجال بفضل تعدد استخداماتها واتساع نطاق تطبيقاتها، إذ تستأثر بنسبة 95% من الحركة بين هذه الأدوات الأبرز.

واللافت أن ChatGPT وحده يستحوذ على نحو 80% من إجمالي الحركة، بخمسمائة مليون مستخدم شهرياً، أي ما يعادل 13% من القوى العاملة العالمية. وبحلول مارس 2024، كان ChatGPT قد وصل إلى 209 اقتصادات من أصل 218 اقتصاداً في العالم. وكانت الاقتصادات الخمسة الأولى في حركة استخدامه في مارس 2024 هي البرازيل والهند وإندونيسيا والفلبين والولايات المتحدة، كما سجّلت كولومبيا والمكسيك وفيتنام حركة إجمالية لافتة.

غير أن البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل تتخلّف كثيراً عن البلدان مرتفعة الدخل في مدى انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي. فبحلول أبريل 2025، كان 24% من مستخدمي الإنترنت في البلدان مرتفعة الدخل يستخدمون ChatGPT، مقارنة بنسبة 5.8% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، و4.7% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، و0.7% في البلدان منخفضة الدخل. وعند احتساب عدد مستخدمي الإنترنت، تظهر فجوة واضحة بين الاقتصادات المتقدمة وبقية العالم. فبينما يزور كل مستخدم للإنترنت في سنغافورة ChatGPT بمعدل 2.7 مرة شهرياً في المتوسط، تسجّل معظم البلدان النامية أقل من 0.4 زيارة لكل مستخدم للإنترنت.

ومع ذلك، تُظهر البلدان متوسطة الدخل تبنّياً مرتفعاً على نحو غير متناسب للذكاء الاصطناعي التوليدي قياساً بحجمها الاقتصادي. فقد تراجعت حصة الولايات المتحدة من حركة ChatGPT من 70% إلى 25% في غضون شهر واحد من إطلاقه، بينما أسهمت الاقتصادات متوسطة الدخل بأكثر من 50% من الحركة العالمية بعد ستة أشهر فقط. وتسجّل البلدان متوسطة الدخل معدل تبنٍّ مرتفعاً على نحو غير متناسب للذكاء الاصطناعي التوليدي قياساً بناتجها المحلي الإجمالي واستهلاكها للكهرباء وحركة محركات البحث لديها، في حين تظل الاقتصادات منخفضة الدخل ممثّلة تمثيلاً ناقصاً، إذ لا تتجاوز حصتها 1% من الحركة العالمية لـChatGPT.

وتُعدّ البنية التحتية الرقمية المتينة، والتخصص في الخدمات الرقمية، وارتفاع رأس المال البشري، وكبر شريحة الشباب من السكان، عوامل رئيسية تدفع ارتفاع تبنّي الذكاء الاصطناعي التوليدي على مستوى البلدان. وتحديداً، فإن ارتفاع انتشار النطاق العريض الثابت، وسرعة الإنترنت، وكبر حصة العاملين المكتبيين، والميزة النسبية في الخدمات القابلة للتقديم رقمياً، وانتشار إجادة اللغة الإنجليزية والمهارات الرقمية، وارتفاع حصة الشباب من السكان، كلها عوامل تتنبأ بارتفاع تبنّي الذكاء الاصطناعي التوليدي بعد ضبط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي وعدد السكان وانتشار الإنترنت.

وتكشف الخصائص الديموغرافية لمستخدمي الذكاء الاصطناعي التوليدي، كما رصدتها منصة سيمراش، ميلاً واضحاً نحو الرجال الشباب ذوي التعليم العالي. إذ لا تمثّل النساء سوى ثلث مستخدمي ChatGPT، في تناقض صارخ مع التوزيع الأكثر توازناً بين الجنسين على منصات مثل غوغل حيث تبلغ نسبة الإناث 48%، وويكيبيديا حيث تبلغ 52%. والفئة الأكثر نشاطاً في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي هي الفئة العمرية بين 18 و24 عاماً، ولا سيما في أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي القائمة على الفيديو. ويحمل نحو نصف مستخدمي روبوتات المحادثة شهادة جامعية، بما يتجاوز المستوى التعليمي لقاعدة مستخدمي غوغل.

وتُعدّ هذه الفجوة بين الجنسين في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي أوضح بكثير من الفجوة العالمية بين الجنسين في استخدام الإنترنت عموماً. فوفقاً لبيانات الاتحاد الدولي للاتصالات، يستخدم الإنترنت 70% من الرجال على مستوى العالم مقارنة بنسبة 65% من النساء. وفي البلدان مرتفعة الدخل وذات الدخل المتوسط الأعلى، كادت هذه الفجوة تُغلق، إذ يتصل بالإنترنت 94% من الرجال و93% من النساء في البلدان مرتفعة الدخل، و81% من الرجال و80% من النساء في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى. أما في الولايات المتحدة، فيستخدم نحو 32% من الرجال الذكاء الاصطناعي التوليدي في العمل، مقارنة بنسبة 23% فقط من النساء. وفي الدنمارك، يقلّ احتمال استخدام النساء لـChatGPT بمقدار 18 نقطة مئوية عن الرجال المماثلين لهن في المهنة والعمر والخبرة ومستوى الدخل. ومن المرجّح أن تكون فجوة الاستخدام بين الجنسين أكبر بكثير في البلدان النامية.

ويجري الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي أساساً عبر الحواسيب المكتبية خلال أيام الأسبوع، بما يعكس دورها في البيئات المهنية والأكاديمية. فبينما تشهد نتفليكس ذروة في المشاهدة المتواصلة خلال عطلة نهاية الأسبوع، يبلغ استخدام ChatGPT ذروته خلال أيام العمل. وتنخفض الحركة في عطلة نهاية الأسبوع إلى ما بين ثلثي ونصف مستوياتها القصوى في أيام العمل، مما يدل على أن الناس يلجؤون إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي أساساً لأداء مهام مرتبطة بالعمل.

ويستخدم الناس الذكاء الاصطناعي التوليدي أساساً لكتابة المراسلات، في العمل وللاستخدام الشخصي على حدّ سواء. ففي الولايات المتحدة، يعدّ نحو 40% من الناس الكتابة المهمة الأولى أو الثانية التي يكون فيها الذكاء الاصطناعي التوليدي أكثر فائدة، ويستخدمه 27% للكتابة خارج العمل. ومن المهام الشائعة الأخرى التي يكثر فيها استخدامه المهام الإدارية والتفسير والترجمة وتلخيص المعلومات.

ويتحرك الموظفون بوتيرة أسرع من الشركات في دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في مكان العمل. فقد أشار مسح عالمي أجرته لينكدإن ومايكروسوفت في عام 2024 وشمل 31 ألف عامل في 31 بلداً إلى أن 75% من العاملين في مجال المعرفة على مستوى العالم يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي بالفعل. ودون توجيه أو إذن من الإدارة العليا، يجلب 78% من الموظفين أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بهم إلى العمل، وهو أمر أكثر شيوعاً في الشركات الصغيرة والمتوسطة، حيث يفعل ذلك أربعة من كل خمسة عاملين. ويرتفع تبنّي الذكاء الاصطناعي التوليدي في قطاعات الدعم الإداري والعقارات وتجارة التجزئة، وتسجّل بلدان مثل الصين والهند وإندونيسيا وتايلاند معدلات استخدام تتجاوز 90%.

ويبلغ تبنّي الذكاء الاصطناعي التوليدي في العمل أعلى مستوياته في مهن وقطاعات تقنية المعلومات والإدارة والأعمال والتمويل. ففي الولايات المتحدة، يستخدمه نحو نصف العاملين في هذه المهن والقطاعات بصورة متكررة. ويسجّل مطوّرو البرمجيات أعلى معدلات التبنّي. فقد أشار مسح أُجري في مايو 2024 وشمل 65 ألف مطوّر على منصة ستاك أوفرفلو إلى أن 76% منهم يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي أو يعتزمون استخدامها في عملية التطوير خلال عام 2024، بزيادة ست نقاط مئوية عن عام 2023. ويعتقد المطوّرون المشمولون بالمسح أن أدوات الذكاء الاصطناعي ستندمج أكثر خلال العام التالي في توثيق الشيفرات البرمجية بنسبة 81%، واختبارها بنسبة 80%، وكتابتها بنسبة 76%. ومن بين جميع أدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة، يُعدّ ChatGPT الأكثر استخداماً، ويرغب 74% منهم في مواصلة استخدامه في العام التالي.

غير أن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يقتصر على العاملين المكتبيين. فمن اللافت أن 22% من العاملين في وظائف العمل اليدوي، أي في مهن البناء والاستخراج والتركيب والإصلاح والإنتاج الماهر والنقل والشحن، يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي في العمل في الولايات المتحدة.

وفي الدنمارك، تسجّل المهن المرتبطة بتقنية المعلومات والمهن عالية المهارة كذلك أعلى معدلات تبنّي الذكاء الاصطناعي التوليدي، من حيث اتساع الاستخدام وكثافته معاً. فقد استخدم نحو 80% من مطوّري البرمجيات ومتخصصي التسويق والصحفيين ChatGPT في عام 2024، ويملك 20% منهم اشتراكاً في خدمة ChatGPT Plus.

في المقابل، لا يزال تبنّي المنشآت للذكاء الاصطناعي، أي استخدامه في عملياتها التجارية مثلاً، محدوداً حتى في الاقتصادات المتقدمة، مع تصدّر المنشآت الكبيرة. إذ تُظهر مسوح المنشآت في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن 8% فقط من المنشآت في المتوسط استخدمت الذكاء الاصطناعي في عام 2023، في حين استخدمت نحو نصف المنشآت في هذه البلدان تقنيات مرتبطة به كالحوسبة السحابية. وتتصدّر كوريا اقتصادات المنظمة في تبنّي المنشآت للذكاء الاصطناعي، إذ أفادت 28% من جميع منشآتها بتبنّيه. وفي الطرف الآخر من الطيف، لا تستخدم الذكاء الاصطناعي سوى 2% من المنشآت في رومانيا.

وتميل المنشآت الكبيرة التي يعمل فيها 250 موظفاً على الأقل إلى تسجيل معدلات تبنٍّ أعلى بكثير للذكاء الاصطناعي. ففي بلجيكا والدنمارك وفنلندا وسلوفينيا، تستخدم نحو نصف المنشآت الكبيرة الذكاء الاصطناعي. أما في الولايات المتحدة، فتستخدم أقل من 6% من المنشآت حالياً تقنيات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

ويتركّز التبنّي في المنشآت الكبيرة جداً، وفي المنشآت الواقعة في المدن «النجمية»، وفي المنشآت التي يملكها أفراد أصغر سناً وأعلى تعليماً. وتشير بيانات حديثة من مسح اتجاهات الأعمال وآفاقها في الولايات المتحدة إلى زيادة متواضعة في تبنّي الذكاء الاصطناعي، من 3.7% في سبتمبر 2023 إلى 6.6% متوقعة بحلول خريف 2024. ومن بين البلدان النامية، تستخدم 13% من المنشآت في البرازيل الذكاء الاصطناعي، أي نحو ضعف النسبتين المسجّلتين في تركيا وكولومبيا والبالغتين 6% و7% على التوالي. ويرتفع تبنّي الذكاء الاصطناعي في المنشآت التي يزيد عدد موظفيها على ألف موظف. واستناداً إلى مسح آي بي إم العالمي لتبنّي الذكاء الاصطناعي لعام 2023، أفادت نحو 60% من المنشآت في الهند و50% في الصين و47% في أمريكا اللاتينية بأنها تنشر الذكاء الاصطناعي بفاعلية.

والمنشآت العاملة في تقنية المعلومات والخدمات المهنية والخدمات المالية هي الأكثر ميلاً إلى تبنّي الذكاء الاصطناعي. إذ يُظهر المسح الأمريكي لاتجاهات الأعمال وآفاقها أن أكثر من 20% من المنشآت في خدمات تقنية المعلومات تستخدم الذكاء الاصطناعي، تليها نحو 17% في الخدمات المهنية، و9% في التمويل والتأمين. ويُظهر مسح آي بي إم العالمي لتبنّي الذكاء الاصطناعي لعام 2023 ومسح ماكنزي لتبنّي الذكاء الاصطناعي التوليدي نتائج مماثلة. وتميل هذه القطاعات الثلاثة إلى التفوّق على جميع القطاعات الأخرى في حصة العاملين الحاصلين على شهادات عليا، ومتوسط الدخل، والاعتماد على المدخلات الرقمية، كما تتسم بكثافة تجارية عالية، ولذلك فهي في طليعة تبنّي الذكاء الاصطناعي.

وعند استطلاع آراء المنشآت، تعدّ عدم الدقة أبرز المخاطر في استخدامها للذكاء الاصطناعي التوليدي، وقد تعرّض نحو ربعها بالفعل لعواقب سلبية. فمع بدء المنشآت في لمس منافع الذكاء الاصطناعي التوليدي، أخذت تدرك أيضاً ما يرتبط به من مخاطر متنوعة، تتراوح بين مخاطر إدارة البيانات كخصوصية البيانات والتحيّز وانتهاك الملكية الفكرية، ومخاطر إدارة النماذج التي تتمحور عادة حول عدم دقة المخرجات أو غياب قابلية التفسير.

وتتمثّل فئة ثالثة كبيرة من المخاطر في الأمن والاستخدام غير السليم. وتُعدّ «هلوسات» الذكاء الاصطناعي التوليدي وعدم دقة مخرجاته الشاغل الأول للمنشآت، إذ أفادت 63% منها في عام 2024 بأنها خطر ذو صلة، ارتفاعاً من 56% في عام 2023. وعدم الدقة، الذي قد يؤثر في حالات الاستخدام على امتداد سلسلة القيمة للذكاء الاصطناعي التوليدي، من رحلات العملاء والتلخيص إلى البرمجة والمحتوى الإبداعي، هو الخطر الوحيد الذي باتت المنشآت أكثر ميلاً بكثير إلى التخفيف منه في عام 2024 مقارنة بعام 2023. كما أفاد نحو ربع المنشآت بعواقب سلبية ناجمة عن عدم دقة الذكاء الاصطناعي التوليدي. وبالنظر إلى الطبيعة المتأصلة للهلوسات في هذه التقنية، فمن المرجّح أن يحدّ ذلك من حالات استخدامها وفاعليتها لدى المنشآت.

وأكثر ما تلمس المنشآت انخفاضاً ملموساً في التكاليف بفضل الذكاء الاصطناعي في وظائف الموارد البشرية وإدارة المخاطر والشؤون القانونية والامتثال. إذ يشير مسح ماكنزي العالمي حول الذكاء الاصطناعي لعام 2024 إلى أن 31% من المنشآت أفادت بانخفاض تكاليف الموارد البشرية بنسبة 10% على الأقل بفضل تبنّي الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو إلى حدّ بعيد المجال الذي تشهد فيه المنشآت أكبر انخفاض في التكاليف بين جميع وظائف الأعمال. كما تشهد 15% من المنشآت انخفاضاً في التكاليف بنسبة 20% على الأقل في إدارة المخاطر والشؤون القانونية والامتثال بفضل تبنّيه. وعلى نحو مماثل، يخفض تبنّي الذكاء الاصطناعي التحليلي تكاليف الموارد البشرية والامتثال بنسبة 20% على الأقل في أكثر من 8% من المنشآت.

وتواجه البلدان النامية تحديات كبيرة في تعزيز ابتكار الذكاء الاصطناعي وتكييفه بسبب تفاعل معقد بين عوامل اقتصادية وتعليمية وعوامل تتعلق بالبنية التحتية. فغياب التمويل البحثي الكبير من القطاعين الحكومي والخاص يعيق مشاريع الذكاء الاصطناعي طويلة الأمد، بما فيها البحوث الأساسية والتطبيقية ذات الصلة بتطوير حالات الاستخدام داخل البلدان. ويُفضي محدودية الوصول إلى رأس المال الجريء والمستثمرين الملائكيين إلى فجوة تمويل جوهرية. كما أن ارتفاع أسعار الفائدة وصرامة متطلبات الضمانات لدى المصارف التقليدية يجعلان التمويل بالدين صعباً على الشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي، التي لا تمتلك عادة سوى قليل من الأصول الملموسة.

وتزداد الضغوط على منظومة الابتكار بفعل محدودية الوصول إلى موارد الحوسبة المتقدمة، في ظل قصور البنية التحتية للحوسبة عالية الأداء والتكلفة الباهظة لخدمات الحوسبة السحابية. وفضلاً عن ذلك، تؤثر قيود السوق، كصغر الأسواق المحلية ومحدودية القدرة على تحقيق عوائد مالية من حلول الذكاء الاصطناعي، في إمكانات الإيرادات. وقد تفتقر منشآت محلية كثيرة إلى النضج الرقمي اللازم لتبنّي حلول الذكاء الاصطناعي، مما يضيّق قاعدة العملاء. ويولّد ذلك معضلة دائرية يحول فيها محدودية الطلب في السوق دون الاستثمار في تطوير حلول تطبيقية للذكاء الاصطناعي.

وإضافة إلى ذلك، يُحدث قصور برامج التعليم والتدريب المتخصصة في الذكاء الاصطناعي في الجامعات فجوة مهارات على مستوى المبتدئين، مما يعيق نمو قوى عاملة متينة في هذا المجال. كما أن ضعف حماية الملكية الفكرية في كثير من البلدان النامية قد يثبّط الابتكار والتسويق، لأن الباحثين والشركات قد يخشون سرقة ابتكاراتهم أو نسخها دون سبيل قانوني للانتصاف.

وتمثّل هجرة مواهب الذكاء الاصطناعي من الدول النامية إلى الدول المتقدمة عائقاً خطيراً أمام بناء تطبيقات محلية للذكاء الاصطناعي. والفارق في الرواتب الذي يدفع هذه الهجرة كبير؛ ففي أمريكا اللاتينية مثلاً، يكسب مهندس الذكاء الاصطناعي في المتوسط نحو 30 ألف دولار أمريكي سنوياً، مقارنة بمائة وخمسين ألف دولار أمريكي في الولايات المتحدة. وتزيد محدودية فرص التقدّم المهني من تسارع هذا النزيف. وتُوجد هذه العوائق مجتمعة بيئة صعبة لابتكار الذكاء الاصطناعي، تحدّ من قدرة البلدان النامية على الإسهام في تقدّم تقنياته والاستفادة منه.

ويعيق تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي في البلدان النامية كذلك طيف من التحديات الهيكلية والاقتصادية والاجتماعية. فمحدودية البنية التحتية الرقمية، التي تتجلى في عدم موثوقية الاتصال بالإنترنت وقصور الوصول إلى الأجهزة الذكية، تشكّل عائقاً جوهرياً أمام التبنّي الواسع للذكاء الاصطناعي. كما أن فجوة المهارات الكبيرة لدى القوى العاملة قد تصعّب على المؤسسات تطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي وإدارتها بفاعلية. وتؤدي الحواجز الثقافية واللغوية أيضاً دوراً حاسماً، لأن كثيراً من أنظمة الذكاء الاصطناعي غير مكيّفة مع اللغات المحلية أو الدقائق الثقافية، مما يقلّل فاعليتها وتقبّلها.

وتمثّل القيود المالية عقبة كبيرة أخرى، إذ كثيراً ما تكون التكاليف الأولية المرتفعة لتطبيق الذكاء الاصطناعي بعيدة عن متناول المنشآت المحلية والجهات الحكومية. وفضلاً عن ذلك، قد يؤدي ضعف الوعي بالذكاء الاصطناعي والثقة به عموماً لدى صانعي القرار والجمهور إلى التشكك في منافعه المحتملة والقلق من أثره على التوظيف. وتُوجد هذه العوائق متعددة الأوجه مشهداً معقداً يبطئ كثيراً تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي ودمجها في البلدان النامية، بما قد يوسّع الفجوة الرقمية العالمية.

الركائز الأربع لأسس الذكاء الاصطناعي

يسلّط هذا التقرير الضوء على أهمية تعزيز الركائز الأربع التأسيسية التي تقوم عليها قدرة البلد على تبنّي الذكاء الاصطناعي وتكييفه والابتكار فيه: الاتصال والقدرة الحاسوبية والسياق والكفاءة. وتمثّل هذه الركائز الأربع الممكّنات الحاسمة لمنظومة ذكاء اصطناعي شاملة وفعّالة.

فالاتصال، بما يشمله من طاقة موثوقة وبنية تحتية رقمية ووصول إلى الأجهزة الرقمية وامتلاكها، أساسي لضمان قدرة الأفراد والمنشآت والمؤسسات على الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي واستخدامها. والقدرة الحاسوبية تشير إلى توافر قدرة المعالجة وتيسّر تكلفتها، كرقائق الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية، وهي ضرورية لتدريب النماذج ونشرها على نطاق واسع. والسياق يشمل بيانات التدريب والنماذج والتطبيقات المكيّفة مع اللغات والثقافات والاحتياجات وأطر الحوكمة المحلية، والتي بدونها قد تظل أدوات الذكاء الاصطناعي عديمة الصلة بالواقع أو غير موثوقة. أما الكفاءة فتشمل المهارات الرقمية والقدرات الأوسع اللازمة لدمج الذكاء الاصطناعي في مسارات العمل وبناء حلول جديدة.ورغم أن المكوّنات الأربعة ضرورية جميعها، فإن أهميتها النسبية ومستوى التطوّر المطلوب منها يختلفان بحسب ما إذا كان البلد يركّز على التبنّي أو التكييف أو الابتكار. فللتبنّي الأساسي لأدوات الذكاء الاصطناعي الجاهزة، يجب أن تعطي البلدان الأولوية للاتصال الواسع والمهارات الرقمية التأسيسية. ويتطلب التكييف، أي تعديل أدوات الذكاء الاصطناعي لتلائم السياقات المحلية، حوكمة بيانات أكثر تقدماً ومحتوى ذا صلة بالواقع المحلي ومواهب متخصصة. أما الابتكار، كتطوير النماذج الرائدة أو التطبيقات المستحدثة، فيتطلب بنية تحتية حاسوبية متطورة ومنظومات متينة لرأس المال الجريء والبحث وخبرات قادرة على المنافسة عالمياً.

ومن ثمّ توفّر الركائز الأربع إطاراً عملياً للسياسات لتشخيص الجاهزية، وتحديد القيود الملزمة، وتكييف التدخلات. ويمكنها أن تساعد الحكومات على تحديد الأولويات وفقاً لطموحاتها وقدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، مع تعزيز الاتساق بين استراتيجيات البنية التحتية والابتكار والتعليم والعمل والبيانات. ويُعدّ الاستثمار المتوازن والمنسّق في الركائز الأربع ضرورياً لا لتمكين الذكاء الاصطناعي فحسب، بل أيضاً لضمان أن يحقق أثراً اقتصادياً واجتماعياً واسع النطاق.

حول هذا الإصدار

بعد هذه المقدمة، يمضي هذا الإصدار على النحو التالي: تتناول الفصول من الثاني إلى الخامس الركائز الأربع التأسيسية الحاسمة لنجاح الذكاء الاصطناعي. ولكل ركيزة من الركائز الأربع، تدرس هذه الفصول ديناميكيات العرض والطلب، وتقارن أداء البلدان، وتحدد إخفاقات السوق وغيرها من العقبات، وتقدّم رؤى للسياسات. ويجمع الفصل السادس هذه النتائج ويقترح اعتبارات عامة للسياسات حول كيفية توظيف البلدان النامية للركائز الأربع لإطلاق المنافع المحتملة للذكاء الاصطناعي. وأخيراً، يلخّص الملحق (أ) النتائج الرئيسية لثلاث دراسات حالة موضوعية، وتتاح دراسات الحالة الكاملة عبر الإنترنت.

دراسة ذات صلة