القائمة الرئيسية

تقرير التقدم والاتجاهات الرقمية 2025: تعزيز أسس الذكاء الاصطناعي (6/4)

تقرير التقدم والاتجاهات الرقمية 2025: تعزيز أسس الذكاء الاصطناعي (6/4)
ملخص الدراسة

يركز هذا الفصل على أن فعالية نماذج الذكاء الاصطناعي وقدرتها على التكيف تعتمد بشكل حاسم على كمية وجودة وتنوع بيانات التدريب. يواجه العالم فجوة بيانات متزايدة، حيث تتركز الاستثمارات في بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي بشكل كبير في الاقتصادات المتقدمة، وتهيمن اللغة الإنجليزية على البيانات النصية العالمية، مما يحد من ملاءمة نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي للبلدان النامية وسياقاتها المحلية. لمعالجة إخفاقات السوق التي تعيق الاستثمار الخاص في البيانات، يُعد التدخل الحكومي ضرورياً عبر تعزيز حوكمة البيانات، ورقمنة السجلات، وتقديم الدعم المالي، وتشجيع التعاون الدولي. في هذا السياق، تُعد نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر حلاً واعداً للبلدان النامية لتكييف الحلول مع احتياجاتها المحلية بتكاليف منخفضة، بالرغم من تحدياتها المحتملة، وهي تتطور بسرعة وتضيّق الفجوة مع النماذج المملوكة. لذا، يجب على الحكومات تبني نهج متوازن يشجع الابتكار المسؤول، ويدعم الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر، ويستثمر في البنية التحتية والمهارات الرقمية.

الفصل الرابع: السياق: بيانات التدريب وتكييف نماذج الذكاء الاصطناعي

الرسائل الرئيسية

البيانات هي وقود الذكاء الاصطناعي. فكمية البيانات وجودتها وتنوّعها عناصر أساسية لجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي فعّالة وقابلة للتكيّف، بما يمكّنها من التطوّر والأداء بموثوقية في سيناريوهات واقعية متنوعة.

وتتسع فجوة البيانات مع ازدهار صناعة بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي عالمياً، في حين يظل استثمار القطاع الخاص في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل ضئيلاً. ففي عام 2023، بلغت الاستثمارات التراكمية لرأس المال الجريء في صناعة بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي 32 مليار دولار أمريكي، تركّزت أساساً في الاقتصادات المتقدمة، بواقع 56% في الولايات المتحدة، و15% في الاتحاد الأوروبي، و2% في المملكة المتحدة. وأسهمت الصين والهند بنسبة 17% و3% على التوالي، بينما شكّلت بقية دول العالم نسبة 6% المتبقية.

وتؤثر هيمنة اللغة الإنجليزية على البيانات النصية في جدوى نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي في البلدان غير الناطقة بها، في حين تتسع الفرص في البيانات غير النصية. فالإنجليزية يتحدثها 19% من سكان العالم، لكنها تشكّل 45% من عناوين المواقع الإلكترونية في العالم، و56% من مجموعات البيانات مفتوحة المصدر على منصة هاغينغ فيس الرائدة لتطوير الذكاء الاصطناعي، ونحو 98% من الأوراق العلمية. أما في البيانات غير النصية، فيميل التوزيع اللغوي إلى أن يكون أكثر تنوعاً، مما يتيح فرصاً للبلدان غير الناطقة بالإنجليزية؛ إذ تشير التقديرات إلى أن 21% فقط من مقاطع يوتيوب باللغة الإنجليزية، مقابل 7.6% باللغة الهندية و6.7% بالإسبانية.

وتبرز إخفاقات السوق الحاجة إلى تدخل حكومي لسدّ فجوة البيانات. فرغم أن القطاع الخاص يتبنّى مقاربات مبتكرة كالبيانات الاصطناعية لسدّ فجوات البيانات، فإن إخفاقات السوق، كقابلية البيانات لإعادة الاستخدام، وغموض حقوق الملكية، وصعوبات تقييم البيانات، كثيراً ما تؤدي إلى نقص الاستثمار ونقص المشاركة. وتؤدي الحكومات دوراً حاسماً في معالجة هذه الفجوات بتنظيم البيانات الحكومية ونشرها، وتيسير تبادل البيانات على نحو آمن وأخلاقي، وتطوير صيغ وتصنيفات بيانات قابلة للتشغيل البيني وتشجيعها. ويمكن لمنظمات المجتمع المدني الإسهام في تعزيز تنوّع بيانات الذكاء الاصطناعي عبر مجموعات البيانات مفتوحة المصدر ومشاركة المجتمعات المحلية.

ويتكاثر الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر، ويتيح للبلدان النامية تكييف الحلول العالمية مع احتياجاتها المحلية. فقد تواجه البلدان النامية تحديات في تبنّي الذكاء الاصطناعي بسبب عدم توافق النماذج مع احتياجاتها المحلية. ويمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر أن تخفض عوائق الدخول أمام هذه البلدان، فتمكّنها من تكييف حلول الذكاء الاصطناعي وتخصيصها وفق احتياجاتها المحلية دون تكبّد تكاليف ترخيص مرتفعة. وتنمو النماذج مفتوحة المصدر بسرعة وتضيّق فجوات الأداء مع النماذج المملوكة؛ فمن بين 308 نماذج ذكاء اصطناعي بارزة نُشرت بين عام 2022 ويونيو 2025، يتاح نحو نصفها بأوزان مفتوحة، ويتاح ربعها بأوزان مفتوحة وشيفرة تدريب مفتوحة المصدر معاً. كما تنافس النماذج مفتوحة المصدر النماذج المملوكة على نحو متزايد من حيث الأداء.

مقدمة

البيانات حجر الزاوية في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهي تؤثر تأثيراً عميقاً في قدرات نماذجه وأدائها. وثمة ثلاثة جوانب رئيسية، هي الكمية والجودة والتنوّع، حاسمة في تحديد مدى فاعلية أنظمة الذكاء الاصطناعي وقابليتها للتكيّف في التطبيقات المختلفة. وتُعدّ معالجة إخفاقات السوق والآثار الخارجية في إنتاج بيانات التدريب أمراً حاسماً لتعزيز تطوير الذكاء الاصطناعي والإدماج الرقمي. وتنبع إخفاقات السوق من الآثار الإيجابية غير المباشرة للبيانات وقابليتها لإعادة الاستخدام، وغموض حقوق الملكية، وصعوبات تقدير قيمة البيانات، والمخاوف المتعلقة بالخصوصية والأمن. ورغم الدور الرئيسي للمنشآت الخاصة في توليد بيانات التدريب، فإنها كثيراً ما تستثمر دون الحدّ الكافي لأن إخفاقات السوق تقلّل عوائدها المحتملة، ولا سيما المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الاقتصادات النامية. ومن ثمّ يُعدّ التدخل العام ضرورياً لمعالجة هذه الإخفاقات.

وبالنسبة لكثير من البلدان النامية، لا يقتصر التحدي على الحصول على بيانات كبيرة الحجم وعالية الجودة، بل يشمل أيضاً تكييف نماذج الذكاء الاصطناعي مع سياقاتها الاقتصادية والثقافية والمؤسسية الخاصة. وتستكشف بعض البلدان نماذج ذكاء اصطناعي محلية أنسب لاحتياجاتها الفريدة، غير أن هذه العملية كثيراً ما تكون مكلفة، وأحياناً غير ممكنة بسبب محدودية موارد البلدان الأقل تقدماً وخبراتها. والنماذج مفتوحة المصدر أيسر وصولاً وأجدى من حيث التكلفة، لكنها قد تتطلب موارد تقنية أكبر قد تفتقر إليها البلدان. وتتفاوت مزايا تطوير أنظمة مملوكة أو تكييف نماذج مفتوحة المصدر وتحدياتهما بحسب متطلبات كل تطبيق، والقدرات التقنية المتاحة، والاحتياجات المحددة، مما يؤكد أهمية اتباع نهج مصمّم وفق كل حالة في تطوير الذكاء الاصطناعي ونشره.

ويحلّل هذا الفصل مدى توافر بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي وجودتها، ولا سيما البيانات النصية في البلدان النامية، ويستكشف كيف يمكن لمختلف أصحاب المصلحة معالجة فجوات بيانات التدريب. كما يدرس قابلية نماذج الذكاء الاصطناعي للتكيّف في سياقات البلدان المتنوعة، واعتبارات الحكومات في المفاضلة بين النماذج مفتوحة المصدر والنماذج المملوكة.

فاعلية نماذج الذكاء الاصطناعي رهن ببيانات التدريب

تتشكّل قدرة الذكاء الاصطناعي في جوهرها بالبيانات المستخدمة في تدريب النموذج، تماماً كما تؤثر الكتب التي يقرؤها الإنسان تأثيراً عميقاً في تفكيره. ويُقصد بالتدريب في الذكاء الاصطناعي العملية التي يتعلّم بها النموذج من البيانات، فيعدّل معلمات الخوارزميات وبناها لتحسين أداء مهام محددة كالتصنيف أو التنبؤ. ومجموعة بيانات التدريب أشبه بالكتاب المدرسي، إذ توفّر الأساس الذي تتعلّم منه نماذج الذكاء الاصطناعي، وتشكّل قدرتها على التعرّف على الأنماط أو توليد المحتوى أو اتخاذ القرارات.

وتعتمد نماذج الذكاء الاصطناعي اعتماداً كبيراً على كمية بيانات التدريب وجودتها وتنوّعها، وهي ما نلخّصه بوصفه الركائز الثلاث لبيانات التدريب الفعّالة. فالجودة تشمل عوامل مثل الدقة والاكتمال ومستوى التفصيل والحداثة وكثافة المعلومات والخلوّ من الأخطاء، وضمان الإنصاف مع الحدّ من التحيّز في البيانات. والكمية تشير إلى حجم مجموعة البيانات المستخدمة في التدريب، وهو ما يؤثر مباشرة في قدرة النموذج على التعلّم من البيانات والتعميم انطلاقاً منها. أما التنوّع، أو التمثيل، فيشير إلى قدرة البيانات على عكس التنوّع الاجتماعي والاقتصادي والمؤسسي والثقافي واللغوي للسكان، بما يتوافق مع السياقات المحددة التي يُطبَّق فيها الذكاء الاصطناعي.

وتنمو صناعة بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي بسرعة. فقد قدّرت مؤسسة فورتشن بيزنس إنسايتس قيمة هذه السوق بنحو 2.26 مليار دولار أمريكي في عام 2023، مع توقعات ببلوغها 17.04 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2032، أي بمعدل نمو سنوي مركّب قدره 22%. وفضلاً عن ذلك، شهدت استثمارات رأس المال الجريء في البيانات طفرة في السنوات الأخيرة، إذ بلغت الاستثمارات التراكمية بين عامَي 2012 و2023 نحو 32 مليار دولار أمريكي، مع تسارع كبير بعد عام 2020، وفقاً لمرصد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للذكاء الاصطناعي. ويبرهن تدفق رؤوس الأموال هذا على تطوّر صناعة بيانات التدريب، حيث يستجيب الموردون على نحو استراتيجي للطلب المتصاعد على قدرات الذكاء الاصطناعي.

وتنطوي عملية الحصول على بيانات تدريب عالية الجودة على سلسلة إنتاج شاملة. فالبيانات، بوصفها أصلاً حيوياً في صناعة الذكاء الاصطناعي، تمرّ بعدة مراحل رئيسية: التوريد، والجمع، والمعالجة، والوساطة، والاستخدام. وتبدأ العملية بتوريد البيانات من مصادر متنوعة، كالبيانات مفتوحة المصدر أو التجارية أو الخاصة، يليها جمعها عبر الزحف الإلكتروني أو الشراء. ثم تخضع البيانات للمعالجة، حيث تُنظَّف وتُرشَّح ويُزال تكرارها وتُنسَّق، وتُوسم أحياناً، لتحسين جودتها وتلبية متطلبات نماذج الذكاء الاصطناعي. ويستطيع المطوّرون إدارة هذه المراحل داخلياً أو الحصول على البيانات من وسطاء عالجوها سلفاً. وفي مرحلة الاستخدام، ينقّح مطوّرو الذكاء الاصطناعي البيانات لتلائم نماذج بعينها، وكثيراً ما تعود هذه العملية إلى بدايتها لتعديل إنتاج البيانات ديناميكياً بهدف التحسين المستمر.

وفي كل مرحلة، تنشأ فرص وتحديات مع تطوّر الصناعة الديناميكي. فتوريد البيانات وجمعها، وهما الخطوتان الأوليان المحوريتان في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، كثيراً ما ينطويان على التعامل مع مشهد قانوني وأخلاقي معقد، ولا سيما عند استخدام محتوى مستقى بالزحف الإلكتروني من المصادر الإعلامية أو حتى البيانات الخاصة. وتتيح الكميات الهائلة من النصوص والصور والمقاطع الصوتية ومقاطع الفيديو المتاحة على وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التقليدية فرصاً كبيرة لتدريب الذكاء الاصطناعي. غير أن الزحف الإلكتروني على هذه المصادر يثير مخاوف تتعلق بملكية البيانات وحقوق النشر وحقوق الاستخدام والخصوصية، مما يؤكد أهمية المراعاة القانونية والأخلاقية الدقيقة في عملية التوريد للحفاظ على نزاهة تقنيات الذكاء الاصطناعي وجدارتها بالثقة.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبحت مجتمعات البيانات مصدراً رئيسياً لبيانات تدريب الذكاء الاصطناعي. فخلافاً للكيانات الخاصة، تقدّم هذه المجتمعات مجموعات بيانات قيّمة بوصفها سلعاً عامة دون مقابل، إذ تستضيف منصات مثل هاغينغ فيس مجموعات بيانات تضاهي في حجمها تلك المستخدمة في تدريب نماذج مثل GPT 4 وLlama 3.1. وكثيراً ما تُغفَل هذه الإسهامات في تقديرات السوق التقليدية.

وتتنوّع مجتمعات البيانات تنوعاً كبيراً، من الشبكات العالمية مثل أوبن ستريت ماب وويكيبيديا، التي تشرك مئات الآلاف من المساهمين، إلى المبادرات المحلية مثل «كوكوزاب» في البرازيل و«داكشينا» في الهند، التي تدافع عن قضايا محلية. ولا تكتفي هذه المجتمعات باستكمال مجموعات البيانات التي يوفّرها القطاع الخاص عادة، بل تقدّم أيضاً بيانات متنوعة مستقاة من الواقع تعزّز متانة نماذج الذكاء الاصطناعي وقابليتها للتطبيق. ورغم إتاحة البيانات مفتوحة المصدر، فإنها كثيراً ما تفتقر إلى الحوافز الاقتصادية اللازمة لتطويرها تطويراً شاملاً، وقد لا تلبي متطلبات بعينها، مما يولّد طلباً على حلول بيانات مخصصة.

ويزدهر وسم البيانات، وهو جزء من صناعة الاستعانة بمصادر خارجية لعمليات الأعمال الأوسع، في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل بفضل انخفاض تكاليف العمالة. ويُقصد بوسم البيانات تعليم البيانات أو تصنيفها، كتحديد الأشياء في الصور أو تفريغ الكلام نصياً، لتحسين أداء نماذج التعلّم الآلي. ويتطلب وسم البيانات عادة مستوى متوسطاً من التعليم، ويوفّر فرص عمل للنساء والشباب وذوي الإعاقة. وكثيراً ما تضاهي الأجور فيه، بل تفوق أحياناً، نظيرتها في الصناعات التقليدية، كما توفّر هذه الوظائف ترتيبات عمل مرنة، مما يدفع النمو السريع لأعداد العاملين في وسم البيانات في بلدان مثل الهند وكينيا والفلبين.

وكثيراً ما تعزّز الشركات المندمجة في سلسلة إنتاج البيانات العالمية في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل المهارات الرقمية لموظفيها عبر برامج تدريب موجّهة. وتزوّد هذه البرامج الموظفين بالمهارات الرقمية اللازمة، من المعرفة الرقمية التأسيسية ومعالجة البيانات إلى مهارات تقنية أكثر تقدماً، بما يلبي متطلبات شركاء الاستعانة بمصادر خارجية. ويعزّز إدماج المنشآت والقوى العاملة المحلية في صناعة الذكاء الاصطناعي العالمية اطلاع البلدان النامية على التقنيات المتقدمة وقطاعات تقنية المعلومات والاتصالات، بما قد يدعم الارتقاء بالصناعة الوطنية ويعزّز الابتكار.

غير أن صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي يطرح تحدياً أمام المهام البسيطة نسبياً في سلسلة إنتاج البيانات. فرغم تزايد الطلب على إنتاج بيانات التدريب بفعل صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي أيضاً على نحو متزايد لأتمتة المهام المتكررة، مما يعقّد آفاق هذه الصناعة. فهذه التطبيقات تقلّص العمل كثيف العمالة، ومن ثمّ تلزم مهارات أكثر تخصصاً لإدارة أدوات الوسم المعقدة والإشراف على ضبط الجودة. ويؤكد هذا التحوّل حاجة البلدان النامية إلى الاستثمار في مهارات رقمية أعلى مستوى والتكيّف مع المتطلبات المتطورة للاقتصاد الذي يقوده الذكاء الاصطناعي.

ورغم التحديات التي تكتنف معاملات البيانات، فقد حفّزت الحاجة المتنامية إلى تبادل البيانات بكفاءة تطوير سوق متمايزة. فقضايا مثل تحديد حقوق الملكية ورصد الاستخدام والتحقق من جودة البيانات تميّز البيانات عن السلع التقليدية وتعقّد توحيد معاييرها. ونتيجة لذلك، تفتقر السوق إلى منصة موحّدة ومتاحة للعموم لتداول البيانات، إذ تجري المعاملات أساساً على نحو ثنائي بين مستخدمي البيانات ومزوّديها لتلبية احتياجات محددة ومخصصة.

وضمن هذا الإطار المتطور، تؤدي شركات متخصصة مثل آبن وسكيل إيه آي أدواراً حاسمة بتقديم حلول بيانات مخصصة تشمل جمع البيانات وتحسينها ووسمها. وفضلاً عن ذلك، تعزّز شركات التقنية الكبيرة مثل غوغل كفاءة تطبيقات الذكاء الاصطناعي ونطاقها بدمج الخدمات المسندة إلى جهات خارجية في استراتيجياتها الأوسع لإدارة البيانات وتطوير الذكاء الاصطناعي، بما يوضّح أكثر الديناميكيات المعقدة لمعاملات البيانات في صناعة الذكاء الاصطناعي.

فجوة البيانات بين البلدان واللغات

تواجه البلدان النامية نقصاً في مزوّدي البيانات المحليين، وهو ما ينعكس في حصتها الهامشية من استثمارات رأس المال الجريء ونشاط الشركات الناشئة في صناعة بيانات التدريب. إذ يتدفق الجزء الأكبر من هذه الاستثمارات إلى الاقتصادات المتقدمة، باستثناء الصين والهند. ففي عام 2023، بلغت استثمارات رأس المال الجريء في بيانات التدريب في الولايات المتحدة وحدها 18 مليار دولار أمريكي، أي 56% من الإجمالي العالمي، واستقطب الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة معاً 5.5 مليار دولار أمريكي، أي 17%. وخارج هذه المجموعة، برزت الصين والهند بوصفهما جهتين فاعلتين مهمتين، باستثمارات بلغت 5.5 مليار دولار أمريكي بنسبة 17%، ومليار دولار أمريكي بنسبة 3% على التوالي، بينما شكّلت بقية دول العالم نسبة 6% المتبقية.

واللافت أن هذه الأرقام غير متناسبة إلى حدّ بعيد مع حصص هذه البلدان من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ولا سيما الولايات المتحدة التي تمثّل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي لكنها تستحوذ على أكثر من نصف هذه الاستثمارات. وعلى نحو مماثل، وبقياس توزيع الشركات الناشئة في قطاع بيانات التدريب، تتصدّر الولايات المتحدة بنسبة 40%، وتأتي الصين والهند خلفها بنسبة 6% و2% على التوالي. ولا يقيّد نقص الاستثمار هذا الابتكار فحسب، بل يحدّ أيضاً من مشاركة هذه البلدان في اقتصاد البيانات الناشئ.

وتواجه الجهات العالمية الحائزة للبيانات، ولا سيما منصات التواصل الاجتماعي، تحديات في المناطق محدودة الانتشار للإنترنت، حيث يحدّ ضعف التفاعل الرقمي من توافر البيانات النصية وغير النصية القيّمة. فمنصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتيك توك ويوتيوب تقدّم موارد وفيرة من النصوص والصور والمقاطع الصوتية ومقاطع الفيديو وبيانات الموقع، غير أن ضعف تغطية الإنترنت وبطء سرعاته وارتفاع تكاليفه ومحدودية المهارات الرقمية في البلدان الأقل نمواً تؤدي إلى انخفاض امتلاك الحواسيب والهواتف الذكية وقلة الأنشطة عبر الإنترنت.

وتعيق ندرة الآثار الرقمية هذه جمع البيانات في الاقتصادات الأقل تقدماً. ويشتد التحدي في البلدان ذات الأعداد السكانية الصغيرة، حيث يفاقم نقص البيانات الخاصة بالبلد المشكلة. وفضلاً عن ذلك، ورغم أن وسائل التواصل الاجتماعي توفّر آثاراً رقمية كبيرة، فإن البيانات تخضع لسيطرة منصات يقع مقر معظمها في الولايات المتحدة، مما يعقّد وصول البلدان النامية إليها.

والتوزيع العالمي للغات المحكية بين السكان غير متكافئ، ويؤثر هذا التفاوت الطبيعي في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وتبنّيها. إذ يُتحدث في العالم أكثر من سبعة آلاف لغة، وأكبر عشرين منها هي اللغات الأم لأكثر من 3.6 مليار شخص، أي 44% من سكان العالم. والإنجليزية، وهي اللغة الأكثر تحدثاً، يتحدثها 1.5 مليار شخص، أي 19% من سكان العالم، منهم 390 مليوناً يعدّونها لغتهم الأولى. وتأتي الصينية الماندرينية في المرتبة الثانية، إذ يتحدثها 15% من سكان العالم، تليها الهندية بنسبة 7.6% والإسبانية بنسبة 6.9%.

ويبرز هذا التوزيع غير المتكافئ أكثر على الإنترنت وفي تدريب الذكاء الاصطناعي. فحفنة من اللغات تهيمن على معظم محتوى الإنترنت، وتستأثر الإنجليزية بالحصة الأكبر، أي 45% من عناوين المواقع الإلكترونية في العالم. والاختلال في بيانات التدريب النصية واضح؛ فحتى أبريل 2024، كانت 56% من مجموعات البيانات مفتوحة المصدر على هاغينغ فيس، المستودع الرائد لنماذج الذكاء الاصطناعي، باللغة الإنجليزية. ويتسق هذا الاتجاه حتى بين مجموعات البيانات الأكبر؛ فمن بين خمسين مجموعة يتجاوز حجمها تريليون وحدة نصية، تقوم ثمانٍ وعشرون على الإنجليزية. أما في مصادر النصوص عالية الجودة، فالموقع المهيمن للإنجليزية أوضح بفعل عوامل تاريخية واقتصادية وتقنية.

فقد قادت المملكة المتحدة والولايات المتحدة تاريخياً التقدّم التقني، ورسّخت براعتهما التقنية وثقلهما الاقتصادي ونفوذهما الثقافي الإنجليزيةَ لغةً أساسية للعلوم والثقافة والأعمال والتقنية. وأدّت الإنجليزية دور اللغة المشتركة، أي لغة الجسر التي تيسّر التواصل بين المجموعات اللغوية المتنوعة، مما أدى إلى توليد كمية غير متناسبة من البيانات النصية عالية الجودة وإتاحتها بالإنجليزية. وتشير التقديرات إلى أن نحو 98% من الأوراق العلمية تُكتب بالإنجليزية، حتى تلك التي يكتبها باحثون من بلدان ليست الإنجليزية لغتها الأم.

أما في البيانات غير النصية، فيميل التوزيع اللغوي إلى أن يكون أكثر تنوعاً، مما يتيح فرصاً للبلدان غير الناطقة بالإنجليزية. فقد غذّى تعمّق انتشار الإنترنت المتنقل، وارتفاع سرعات الإنترنت، والاستخدام الواسع للأجهزة المحمولة، النمو السريع لوسائل التواصل الاجتماعي القائمة على الفيديو في هذا العقد. وسهّل هذا الاتجاه إنتاج محتوى الفيديو ومشاركته على منصات مثل تيك توك ويوتيوب، التي تشكّل مصادر غنية لبيانات تدريب الذكاء الاصطناعي التوليدي للفيديو. وخلافاً للبيانات النصية والمواقع الإلكترونية، يتسم التوزيع اللغوي على منصات الفيديو بتنوّع أكبر؛ إذ تشير التقديرات إلى أن 21% فقط من مقاطع يوتيوب بالإنجليزية، مقابل 7.6% بالهندية و6.7% بالإسبانية. ويتيح هذا التنوّع إمكانية التخفيف من التحيزات اللغوية والثقافية في بيانات تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي غير النصية.

ويوفّر الابتكار التقني، كالبيانات الاصطناعية، حلولاً واعدة لسدّ فجوات البيانات في نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي. ويُقصد بالبيانات الاصطناعية بيانات مولّدة اصطناعياً تحاكي خصائص البيانات الواقعية وأنماطها، لكنها تُنشأ عبر الخوارزميات أو النماذج التوليدية أو المحاكاة. ويمكن استخدام هذه البيانات لاستكمال البيانات الواقعية أو لتطوير مجموعات بيانات تدريب جديدة كلياً. فالنصوص الاصطناعية التي يولّدها نموذج لغوي كبير يمكن أن تدرّب نموذجاً آخر، بما قد يخفّف من مشكلات نفاد البيانات.

فعلى سبيل المثال، استفادت نماذج أمازون اللغوية متعددة اللغات من البيانات الاصطناعية لتحسين فهم النصوص وتوليدها بلغات مختلفة، بما يعزّز أداء النماذج حيث تكون البيانات الحقيقية شحيحة. ويتيح هذا النهج لأنظمة الذكاء الاصطناعي العمل على نحو أكثر إنصافاً في السياقات اللغوية المختلفة، مقلّلاً التحيّز الكامن في مجموعات البيانات التقليدية. ومن الأمثلة الأخرى على تطبيق البيانات الاصطناعية استخدام نموذج لغوي كبير لكتابة برهان رياضي، حيث يولّد نظام ذكاء اصطناعي عدة خطوات أولية ويختار نظام مساعد أفضلها، فتؤدي حلقة التغذية الراجعة دور البيانات الاصطناعية وتنقّح النموذج.

غير أن لهذا النهج تحدياته أيضاً. فالنماذج المُدرّبة أساساً على بيانات اصطناعية معرّضة لخطر «انهيار النموذج»، أي تدهور الأداء مع تكرار التدريب على المخرجات المولّدة. كما أن تطبيق البيانات الاصطناعية في مجالات كالرعاية الصحية والتعليم صعب بسبب الحاجة إلى معرفة متخصصة في المجال. ومع ذلك، تعالج الأبحاث الجارية هذه التحديات لجعل البيانات الاصطناعية أكثر قابلية للتطبيق في تدريب الذكاء الاصطناعي. فمراكمة البيانات الاصطناعية إلى جانب البيانات الحقيقية أثناء التدريب، بدلاً من الاستعاضة بها عنها، يمكن أن يحلّ مشكلة انهيار النموذج، كما استُخدمت نماذج فيزيائية لتوليد صور اصطناعية للرئة المصابة بمرض فيروس كورونا 2019 بهدف إدماج المعرفة المتخصصة في تدريب الذكاء الاصطناعي.

وتتطلب معالجة فجوة البيانات بين البلدان واللغات جهوداً متضافرة من القطاع الخاص والقطاع العام ومنظمات المجتمع المدني. ويؤدي القطاع الخاص دوراً محورياً في سدّ فجوات بيانات التدريب عبر البحث والاستثمار في جمع البيانات وتنظيمها بمقاربات مبتكرة. ويستخدم القطاع الخاص، ولا سيما شركات التقنية الرائدة، نطاقه وموارده المالية وخبرته التقنية لدفع تطوير أنظمة بيانات شاملة للذكاء الاصطناعي. وتمكّن هذه الجهود بدورها الشركات من إنشاء نماذج ذكاء اصطناعي أكثر شمولاً، بما يوسّع انتشارها وفاعليتها في الأسواق العالمية.

فمجموعة بيانات «ماسيف» من أمازون مثلاً تضم أكثر من مليون عبارة منطوقة بإحدى وخمسين لغة، مما يعزّز القدرات متعددة اللغات لنماذج الذكاء الاصطناعي عبر إدماج مدخلات لغوية متنوعة. وعلى نحو مماثل، تستثمر منصات مثل فيسبوك وغوغل استثماراً كبيراً في مجموعات البيانات متعددة اللغات، وتعقد شراكات مع صنّاع المحتوى المحليين لإثراء مواردها اللغوية. وفضلاً عن ذلك، تبرز الشركات المتخصصة في تقديم خدمات بيانات التدريب عالية الجودة، مثل آبن وليونبريدج، بوصفها قوى جديدة وواعدة في مشهد بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي، مستفيدة من التعهيد الجماعي العالمي لجمع مجموعات بيانات متنوعة بلغات وسياقات مختلفة. وتعتمد استدامة هذه الجهود على التعاون مع أصحاب المصلحة الآخرين، ومنهم الحكومات ومنظمات المجتمع المدني، لضمان خصوصية البيانات والمعايير الأخلاقية.

غير أن إخفاقات السوق والآثار الخارجية في إنتاج بيانات التدريب المحلية عالية الجودة ومشاركتها تنشأ عن عدة خصائص جوهرية تثبّط الاستثمار الخاص. فأولاً، من السمات الخاصة للبيانات قابليتها لإعادة الاستخدام من قبل أطراف متعددة دون أن تنقص قيمتها، مما يولّد آثاراً خارجية إيجابية لا تستطيع المنشأة المستثمرة الاستحواذ عليها كاملة. وثانياً، يؤدي غموض حقوق الملكية وصعوبات تقييم البيانات أيضاً إلى نقص الاستثمار والمشاركة. وثالثاً، ينطوي إنتاج بيانات عالية الجودة على تكاليف ثابتة كبيرة للجمع والتنظيم قد تكون باهظة، ولا سيما للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في الاقتصادات النامية. ورابعاً، ورغم أن البيانات المحلية تحقق منافع مجتمعية كبيرة وآثاراً إيجابية غير مباشرة للمجتمعات المستهدفة وما وراءها، فإن ربحيتها المباشرة كثيراً ما تكون محدودة، مما يزيد من تثبيط الاستثمار الخاص. وأخيراً، يوجد نقص المهارات والبنية التحتية الرقمية اللازمة، وهي سلع عامة أساسية لإنتاج البيانات بفاعلية، عوائق إضافية في مناطق كثيرة. وتبرز هذه العوامل مجتمعة الحاجة الملحّة إلى التدخل العام لمعالجة إخفاقات السوق هذه وتحفيز الاستثمار في بيانات تدريب محلية عالية الجودة ومتنوعة.

وتستطيع الحكومات اعتماد تدابير استراتيجية لتعزيز إتاحة البيانات وحوكمتها. فأولاً، يمكنها بتعزيز حوكمة البيانات لضمان الخصوصية والأمن أن تهيئ بيئة جديرة بالثقة تدعم نمو قطاع البيانات؛ ومن أمثلة ذلك مبادرتا خدمة البيانات البريطانية وأبحاث البيانات الصحية في المملكة المتحدة، اللتان توفّران وصولاً آمناً إلى بيانات الصحة والعلوم الاجتماعية لتعزيز الابتكار. وثانياً، تستطيع الحكومات إعطاء الأولوية لرقمنة السجلات غير الرقمية لإطلاق موارد قيّمة، ويُعدّ برنامج «الهند الرقمية» مثالاً بارزاً آخر زاد كثيراً من إتاحة السجلات العامة. وثالثاً، يمكن لتقديم الدعم المالي في صورة إعانات وقسائم أن يساعد المنشآت الصغيرة والمتوسطة على الوصول إلى بيانات وأدوات عالية الجودة لتدريب الذكاء الاصطناعي، ويوضّح برنامج «أفق 2020» التابع للاتحاد الأوروبي كيف تدعم مثل هذه الحوافز بيئة تنافسية لمطوّري الذكاء الاصطناعي.

ورابعاً، يُعدّ تعزيز التعاون الدولي بين البلدان، وبين البلدان وكبرى شركات التقنية، أمراً حاسماً. ومن أمثلة ذلك الشراكة العالمية بشأن الذكاء الاصطناعي، التي تعمل فيها بلدان متعددة معاً لتوجيه التبنّي المسؤول للذكاء الاصطناعي، والشراكات بين الحكومات وعمالقة التقنية مثل غوغل وآي بي إم لتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في ابتكار القطاع العام. وفضلاً عن ذلك، تلزم تدابير لتعزيز البنية التحتية الرقمية والمهارات، على نحو ما يناقشه الفصلان الثاني والسادس، لاستكمال الجهود الرامية إلى معالجة إخفاقات السوق في إنتاج البيانات.

ويستطيع المجتمع المدني الإسهام في تعزيز تنوّع بيانات الذكاء الاصطناعي عبر مجموعات البيانات مفتوحة المصدر ومشاركة المجتمعات المحلية. فإشراك مجتمعات متنوعة في تطوير الذكاء الاصطناعي يضمن بيانات لغوية أقل تحيزاً وأقل عرضة للنقاط العمياء التي قد تنشأ عن مجموعات البيانات المتجانسة، كما يمكّن الفئات المهمشة ويدمج خصوصياتها اللغوية والثقافية في أنظمة الذكاء الاصطناعي. وتؤدي المجتمعات مفتوحة المصدر مثل هاغينغ فيس دوراً حاسماً في تنويع مشاركة البيانات، وهي ممارسة ينبغي تشجيعها لتعزيز إتاحة البيانات أكثر. وتُظهر مبادرات مثل «ماساخاني»، التي تجمع بيانات لغوية من متحدثين أفارقة، و«التبعيات العالمية»، التي تقدّم مجموعات بيانات للغات غير المعيارية، كيف يمكن للجهود النابعة من المجتمعات أن تحسّن التنوّع اللغوي في بيانات التدريب.

غير أن الاستثمار في مجموعات بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي لبعض اللغات منخفضة الموارد قد لا يكون دائماً حكيماً من الناحية المالية أو مستداماً. فثمة عوامل عدة تؤثر في مستقبل أي لغة، منها حجم السكان والاقتصاد اللذين تُتحدث فيهما ونموهما، واستخدامها في الأوساط الأكاديمية والأعمال والحكومة والإعلام. وإذا لم تكن اللغة مستخدمة على نطاق واسع في هذه المجالات، فقد تواجه تحديات في استقطاب المتحدثين بها والحفاظ عليهم، ولا سيما بين الأجيال الأصغر سناً.

وفضلاً عن ذلك، قد تكون تكلفة تطوير مجموعات بيانات اللغات منخفضة الموارد وصيانتها وتحديثها كبيرة. ومع تزايد عدد من يتعلّمون الإنجليزية أو غيرها من اللغات الواسعة الانتشار ويستخدمونها في التواصل عبر الإنترنت، قد يتراجع الطلب على الموارد الرقمية باللغات منخفضة الموارد، مما يصعّب تبرير استثمارات واسعة النطاق في بيانات التدريب. وإذا لم ترجح المنافع المحتملة لمجموعات بيانات هذه اللغات على تكاليفها، فقد يكون من الأجدى عملياً التركيز على اللغات ذات الأعداد الأكبر من المتحدثين والبنية التحتية الرقمية الأكثر رسوخاً.

وقد اعتمدت المناطق التي تقلّ فيها البيانات اللغوية المتاحة على الترجمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ويُرجَّح أن يكون هذا الخيار الأكثر جدوى، وإن كانت له محاذيره. ففي الهند مثلاً، تستخدم بعض نماذج الذكاء الاصطناعي عملية ترجمة من خطوتين، تُترجَم فيها مدخلات المستخدم أولاً إلى الإنجليزية ثم تُعاد إلى اللغة المحلية. وتعمل جهود مثل مشروع «بهاشيني» ومبادرة «AI4Bharat» على تحسين تقنيات الذكاء الاصطناعي للغات الهندية، بهدف تقليل الاعتماد على الإنجليزية لغةً وسيطة وتحسين جودة الترجمات الآلية في السياقات اللغوية المتنوعة. ويستفيد هذا الأسلوب من متانة النماذج القائمة على الإنجليزية لتحسين الدقة والاتساق، غير أن لهذه المقاربات بعض العيوب، كضياع الخصوصيات الثقافية، وارتفاع خطر الأخطاء، وتكاليف الحوسبة الإضافية.

تكييف نماذج الذكاء الاصطناعي مع السياق الوطني

قد لا تستجيب نماذج الذكاء الاصطناعي المطوّرة في عدد قليل من الاقتصادات الرائدة للسياقات والاحتياجات الفريدة للبلدان النامية، رغم انتشارها العالمي. وينبع عدم التوافق هذا من عوامل عدة إلى جانب قيود البيانات، منها الأولويات الاقتصادية والمجتمعية، وقيود الموارد، وتباين حالات استخدام الذكاء الاصطناعي. وتزيد التحديات الخاصة بكل قطاع من تعقيد تبنّي الذكاء الاصطناعي؛ فنماذج الزراعة الدقيقة قد تتطلب تعديلات كبيرة لتلائم صغار المزارعين والمحاصيل المختلفة، وحلول الذكاء الاصطناعي للخدمات العامة كثيراً ما لا تراعي فجوات البنية التحتية والاقتصادات غير الرسمية، والتطبيقات في الرعاية الصحية والتعليم والخدمات القانونية تحتاج إلى تخصيص كبير يلائم البروتوكولات المحلية والأعراف الثقافية.

وكما لاحظ علمي وزملاؤه، تُطوَّر معظم تطبيقات الرعاية الصحية القائمة على الذكاء الاصطناعي في البلدان مرتفعة الدخل، مما يؤدي إلى غياب تكييفات متينة للبيئات منخفضة الموارد، ويصعّب مواءمة عملية اتخاذ القرار مع الاحتياجات المحلية. وتبرز هذه العوامل مجتمعة الحاجة إلى تطوير ذكاء اصطناعي خاص بكل سياق، أو إلى تكييف كبير للنماذج القائمة، لضمان ملاءمتها وفاعليتها في الاقتصادات النامية، حيث قد يظل تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي محدوداً دون تخصيص سليم يستوعب الظروف والقيود المحلية.

ويتسم تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي بمقاربتين متمايزتين: المصدر المفتوح، والمصدر المغلق أو المملوك. وبالنسبة للمنشآت والحكومات الساعية إلى دمج الذكاء الاصطناعي في عملياتها، لكل من النماذج مفتوحة المصدر والنماذج المملوكة مزاياها وعيوبها.

فالنماذج مفتوحة المصدر تتيح للعموم الوصول إلى شيفرتها الأساسية أو معلماتها وأوزانها، بما يسمح بتعاون وابتكار واسعين. ومن أبرز أمثلتها ديب سيك وLlama 3.1 من ميتا وStable Diffusion من Stability AI. وتمكّن هذه النماذج المطوّرين من تكييف تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحسينها لتلبية احتياجات متنوعة، مع توفير الشفافية والمرونة والفاعلية من حيث التكلفة. في المقابل، تحتفظ النماذج مغلقة المصدر، مثل Claude من أنثروبيك وGemini من غوغل وGPT 4 من OpenAI، بشيفرتها وأوزانها ملكيةً خاصة، وتقدّم أداءً محسّناً وأمناً متكاملاً لتطبيقات أعمال محددة.

ورغم أن مصطلح «المصدر المفتوح» يوحي بإتاحة كاملة، فإن مستوى الإتاحة قد يختلف كثيراً في الممارسة العملية. فالذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر لا يقتصر على مشاركة الشيفرة، بل قد يشمل أيضاً بنية النموذج ومعلماته أو أوزانه وعملية تدريبه وبيانات تدريبه وواجهة برمجة التطبيقات، بل والعتاد. فبعض المشاريع يتيح وصولاً كاملاً يشمل بيانات التدريب وأوزان النموذج، في حين قد يشارك بعضها الآخر الشيفرة مع تقييد الوصول إلى مكوّنات أساسية كبيانات التدريب أو أوزان النموذج، مما يتطلب من المستخدمين جهداً كبيراً لاستخدام الذكاء الاصطناعي بفاعلية. وفضلاً عن ذلك، قد تتباين تراخيص المصدر المفتوح، فتفرض قيوداً تتراوح بين التساهل الشديد وتقييد الاستخدام التجاري، وقد تنطوي على رسوم ترخيص.

وتنمو النماذج مفتوحة المصدر بسرعة وتضيّق فجوات الأداء مع النماذج المملوكة. فمن بين 308 نماذج ذكاء اصطناعي بارزة نُشرت بين عام 2022 ويونيو 2025، يتاح نحو نصفها بأوزان مفتوحة، ويتاح ربعها بأوزان مفتوحة وشيفرة تدريب مفتوحة المصدر معاً. كما تنافس النماذج مفتوحة المصدر النماذج المملوكة على نحو متزايد في الأداء. ويدفع هذا التقدّم التطويرُ الذي تقوده المجتمعات، والأدوات المتاحة بسهولة مثل هاغينغ فيس، والإتاحة المتزايدة لنماذج قوية مفتوحة المصدر مثل ديب سيك وسلسلة Llama من ميتا. ورغم أن النماذج المملوكة لا تزال متفوقة في القدرات الإجمالية والنطاق، فإن النماذج مفتوحة المصدر تكسب أرضاً وتقدّم بدائل مقنعة، ولا سيما في جوانب كالمرونة والشفافية والفاعلية من حيث التكلفة.

وبالنسبة لمزوّدي حلول الذكاء الاصطناعي، يتوقف الاختيار بين النماذج مفتوحة المصدر والنماذج المملوكة على اعتبارات استراتيجية وتجارية وتقنية متنوعة، وعلى ما إذا كانوا يعطون الأولوية للتبنّي السريع والابتكار الذي تقوده المجتمعات، أم للتحكّم وتحقيق العائد المالي والتمايز التنافسي. فالنماذج مفتوحة المصدر توفّر تبنّياً أوسع ومنظومة متينة لكنها تتطلب استراتيجيات مبتكرة لتحقيق العائد، في حين تتيح النماذج المملوكة تحكّماً أدق في الإيرادات وتجربة المستخدم على حساب الانفتاح.

النماذج مفتوحة المصدر

تتمثّل مزايا النماذج مفتوحة المصدر فيما يلي. أولاً، قابلية التخصيص؛ إذ تتيح هذه النماذج فرصاً كبيرة للتكييف، ويتجاوز مستوى التخصيص فيها ما يمكن تحقيقه عادة بالمنتجات التجارية الجاهزة، بما يسمح بتطبيقات أكثر استهدافاً. وثانياً، قابلية النقل؛ فهذه النماذج كثيراً ما تكون مستقلة عن المورد، مما يقلّل خطر الارتهان له ويُبقيها مرنة أمام الاحتياجات المتغيرة للمنشآت والحكومات. وثالثاً، شفافية النموذج والتخفيف من المخاطر؛ إذ تتيح طبيعتها المفتوحة دراسة أشمل لحدودها، كالتحيّز والملاءمة واحتمال تدهور الأداء، وفهم هذه القضايا أمر حاسم لتطبيق الذكاء الاصطناعي على نحو مسؤول والتخفيف من مخاطره.

أما عيوب النماذج مفتوحة المصدر فتتمثّل فيما يلي. أولاً، ارتفاع عوائق التبنّي وتكاليف التطوير؛ فالضبط الدقيق لهذه النماذج لسياقات محددة يتطلب خبرة كبيرة ووصولاً إلى بيانات عالية الجودة، وقد يمثّل ذلك تحدياً للمؤسسات التي لا تمتلك القدرة التقنية أو الموارد اللازمة داخلياً، كما ينطوي تكييف النماذج على تكاليف مرتفعة في التطوير والدعم. وثانياً، الثغرات الأمنية؛ فالشيفرة مفتوحة المصدر قد تكون أكثر عرضة للاستغلال الأمني إن لم تُراجع وتُصان على النحو السليم. وثالثاً، التكاليف الخفية؛ فرغم وصف كثير من النماذج بأنها مفتوحة المصدر، فإنها ليست مجانية تماماً، وتخضع لمتطلبات ترخيص معقدة قد تحدّ من الاستخدام وتفرض تكاليف. ورابعاً، احتمال انخفاض الأداء؛ إذ تمتلك النماذج مفتوحة المصدر عموماً عدداً أقل من المعلمات مقارنة بالنماذج محدودة الوصول أو المغلقة، وهو ما يرتبط غالباً ببنية أبسط. ورغم أن هذه البساطة قد تجعلها أيسر وصولاً وأسهل تدريباً ونشراً، فإنها توحي أيضاً بأن إمكانات أدائها قد تكون أدنى من نظيراتها الأغنى بالمعلمات.

النماذج المملوكة

تتمثّل مزايا النماذج المملوكة فيما يلي. أولاً، الأداء العالي؛ إذ تتمتع هذه النماذج بتحسين متفوق للمهام المعقدة، فقد اعتُمدت نماذج مملوكة مثل Gemini من غوغل وGPT 4 من OpenAI على نطاق واسع في القطاعات التي تتطلب أداءً متيناً وتكاملاً سلساً مع الأنظمة القائمة. وثانياً، الأمن المعزّز؛ فالمنشآت العاملة في التمويل والرعاية الصحية والعمليات على مستوى المؤسسات الكبرى تختار عادة النماذج المملوكة لتحسينها المتفوق وتدابيرها الأمنية المعزّزة وقدرتها على التعامل الآمن مع البيانات الحساسة المعقدة. وثالثاً، الدعم الشامل؛ إذ توفّر النماذج المملوكة وصولاً إلى دعم تقني مخصص وتحديثات تضمن أداءً وتكاملاً موثوقين. ورابعاً، التعاون المصمّم حسب الحاجة؛ فبالنسبة للحكومات، يمكّن التعاون مع شركات التقنية الكبرى الدول منخفضة الموارد من تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة سريعاً وتكييفها مع احتياجاتها الوطنية.

أما عيوب النماذج المملوكة فتتمثّل فيما يلي. أولاً، الاعتماد على مزوّدين خارجيين، وهو ما قد يشكّل مخاطر على السيادة الوطنية وأمن البيانات، وقد يحدّ من القدرة على الابتكار على المدى الطويل ومن القدرة على تطوير التقنية باستقلالية. وثانياً، التكاليف المرتفعة؛ إذ يتطلب هذا التعاون استثمارات وموارد كبيرة لإقامته والحفاظ عليه، وقد يشكّل ذلك عبئاً كبيراً على الدول منخفضة الموارد. وثالثاً، محدودية التخصيص؛ فالتخصيص كثيراً ما يكون مقيداً، وقد لا تكون هذه النماذج بمرونة البدائل مفتوحة المصدر.

الخاتمة

ينبغي للحكومات، بصفتها جهات منظّمة للذكاء الاصطناعي، أن تشجّع نهجاً متوازناً وأن تتجنّب فرض قيود غير ضرورية على الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر. فالحدود بين الأنظمة المفتوحة والمغلقة مرنة، ويستفيد المجتمع من المجموعة الواسعة من الأنظمة المتطورة باستمرار على امتداد هذا الطيف. ويُعدّ تطوير أنظمة أكثر انفتاحاً، حتى وإن لم تكن مفتوحة بالكامل، أمراً حاسماً لإبقاء المزوّدين المالكين في حالة تأهب، عبر ضخّ مزيد من المنافسة والخيارات في الأنظمة الرقمية.

وينبغي أن تركّز أنظمة الذكاء الاصطناعي على الاستخدام المسؤول، بما يعزّز الابتكار ويخفّف المخاطر، بصرف النظر عن كون النماذج مفتوحة المصدر أو مملوكة. ويمكن للسياسات أن تشجّع تطوير الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر لتعزيز التدقيق والتعاون على نطاق أوسع. ويمكن الاستعانة بمزيج من العمليات متعددة أصحاب المصلحة، والمعايير التكرارية، وسبل الانتصاف التنظيمية القائمة، لمعالجة المشكلات الناشئة عن الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر. أما القيود المفرطة عليه فقد تبطئ الابتكار وتقلّص الخيارات المتاحة للمستخدمين.

ويمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر أن تخفض عوائق الدخول أمام البلدان النامية، فتمكّنها من تكييف حلول الذكاء الاصطناعي وتخصيصها وفق احتياجاتها المحلية دون تكبّد تكاليف ترخيص مرتفعة. وللاستفادة من ذلك، ينبغي للحكومات الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتعزيز التعليم في مجال الذكاء الاصطناعي وتنمية المهارات، ورعاية منظومات تعاونية تشجّع الابتكار المحلي وتكييف الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر.

دراسة ذات صلة