الفصل الخامس: الكفاءة: المهارات الرقمية
الرسائل الرئيسية
شهد الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي التوليدي طفرة منذ عام 2021. ورغم تركّز هذه المهارات أساساً بين مهنيي تقنية المعلومات والاتصالات، فإن مهارات الذكاء الاصطناعي التوليدي باتت مطلوبة على نحو متزايد في الأدوار المرتبطة بإنشاء المحتوى والتسويق والبحث. فخلال الفترة من 2021 إلى 2024، نمت إعلانات الوظائف التي تتطلب مهارات الذكاء الاصطناعي بنسبة 2% في البلدان مرتفعة الدخل، و16% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، و11% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى. ومع ذلك، لم تتجاوز نسبة الوظائف الشاغرة عبر الإنترنت التي تطلبت مهارات الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم 1.5% خلال هذه الفترة. وفي عام 2024، كان أكثر من 70% من هذه الإعلانات في البلدان مرتفعة الدخل. وارتفعت الوظائف الشاغرة التي تتطلب تحديداً مهارات الذكاء الاصطناعي التوليدي تسعة أضعاف بين عامَي 2021 و2024، لتبلغ 0.2% من جميع إعلانات الوظائف عبر الإنترنت في عام 2024. ورغم أن الطلب لا يزال متركّزاً في مهن تقنية المعلومات والاتصالات، فإنه يتغلغل بسرعة في إنشاء المحتوى والتصميم والتسويق والبحث والتطوير والتعليم والرعاية الصحية.
وثمة فجوات كبيرة في المعروض من المهارات الرقمية ومهارات الذكاء الاصطناعي في البلدان الأدنى دخلاً، مما يوجد عوائق أمام تبنّي الذكاء الاصطناعي والنمو الشامل والتقارب الاقتصادي بين المناطق الجغرافية. فأقل من 5% من السكان في البلدان منخفضة الدخل يمتلكون مهارات رقمية أساسية، مقارنة بنسبة 21% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، و38% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، و66% في البلدان مرتفعة الدخل. وعلى نحو مماثل، يمتلك أقل من 15% من السكان في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى مهارات رقمية متوسطة، مقارنة بنحو 26% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى و57% في البلدان مرتفعة الدخل. وتستأثر الصين والهند والولايات المتحدة معاً بنسبة 57% من متخصصي تقنية المعلومات والاتصالات في العالم. ومن بين هؤلاء المتخصصين، يقيم 53% في البلدان مرتفعة الدخل، و29% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، و17% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، وأقل من 1% في البلدان منخفضة الدخل. ولا تمثّل النساء سوى 24% من متخصصي تقنية المعلومات والاتصالات في العالم. ويتوافق المعروض من مهارات الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي التوليدي إلى حدّ كبير مع الطلب، إذ يتركّز أكثر من ربع مواهب الذكاء الاصطناعي التوليدي بين مهنيي تقنية المعلومات والاتصالات، مع حصص كبيرة في أدوار الأعمال والتسويق والبحث والهندسة والتدريس حتى يونيو 2025. وقد توسّع عدد خريجي التعليم العالي في برامج تقنية المعلومات والاتصالات على مستوى العالم منذ عام 2000، لكنه لا يزال غير كافٍ لتلبية الطلب الحالي. وكان توسّع برامج التعليم والتدريب التقني والمهني والمعسكرات التدريبية المكثفة في البرمجة والمقررات الإلكترونية لافتاً، إذ ارتفعت أعداد الملتحقين بمقررات الذكاء الاصطناعي التوليدي على منصات مثل كورسيرا اثني عشر ضعفاً بين عامَي 2023 و2025. غير أن النساء لا يمثّلن سوى 30% من متعلّمي الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وتزيد الهجرة وهجرة العقول من تعقيد تطوير الذكاء الاصطناعي في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل. فبلدان مثل بنغلاديش ولبنان ونيجيريا وأوكرانيا تشهد تدفقات للمواهب الرقمية إلى الخارج تفوق تدفقاتها إلى الداخل بثلاثة إلى أربعة أضعاف. ويشتد تحدي هجرة العقول بوجه خاص بين نخبة باحثي الذكاء الاصطناعي. ففي عام 2022، كان 28% من أبرز باحثي الذكاء الاصطناعي في العالم من الولايات المتحدة، تليها الصين بنسبة 26%، ثم الهند بنسبة 7%. غير أن 57% من هؤلاء الباحثين البارزين انتهى بهم المطاف إلى العمل في الولايات المتحدة.
وتؤدي الحكومات دوراً حاسماً في بناء المواهب الرقمية والاحتفاظ بها لإطلاق الإمكانات الكاملة للذكاء الاصطناعي. فالآثار الخارجية وإخفاقات التنسيق تؤدي إلى نقص الاستثمار في المهارات الرقمية؛ إذ كثيراً ما تتخلّف نظم التعليم عن احتياجات الصناعة، وتتردد المنشآت في الاستثمار في التدريب خشية استقطاب المنافسين لموظفيها، وتجتذب هجرة العقول أفضل المواهب إلى الخارج. ولمعالجة هذه العوائق، تستطيع الحكومات إدماج المهارات الرقمية في مناهج التعليم النظامي، والتعاون مع مزوّدي تقنيات التعليم لتوسيع الوصول، ومواءمة برامج التدريب مع متطلبات سوق العمل، ودعم تدريب الفئات المحرومة من الخدمات والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتطبيق سياسات لاستقطاب المواهب الرقمية والاحتفاظ بها، بما في ذلك تبسيط إجراءات التأشيرات.
مقدمة
يعيد التقدّم السريع في الذكاء الاصطناعي تشكيل أسواق العمل، ويرفع الطلب على مهارات رقمية متنوعة ترتبط باستخدام الذكاء الاصطناعي ودمجه وتطويره. وقد زاد التحوّل الرقمي بالفعل الطلب على المهارات الرقمية في مختلف الاقتصادات والصناعات والمهن. والآن، ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، تسرّع التفاعلات البديهية بين الإنسان والآلة التبنّي الواسع للذكاء الاصطناعي.
ونتيجة لذلك، لم تعد المهارات الرقمية ومهارات الذكاء الاصطناعي محصورة في الأدوار المتخصصة، بل أصبحت أساسية عبر ثلاثة أبعاد رئيسية. فتبنّي الذكاء الاصطناعي يتطلب معرفة رقمية أساسية وإلماماً أساسياً بالذكاء الاصطناعي لاستخدام الأدوات الموجّهة للمستهلكين مثل ChatGPT. وتكييف الذكاء الاصطناعي يستلزم مهارات رقمية متوسطة إلى متقدمة لدمجه في مسارات عمل المنشآت. أما الابتكار في الذكاء الاصطناعي فيتطلب خبرة عالية التخصص في إنشاء نماذجه وتحسينها.
ويضع هذا الفصل تصنيفاً للمهارات الرقمية لتقييم ديناميكيات العرض والطلب في سياق تحولات سوق العمل التي يقودها الذكاء الاصطناعي، ولا سيما مع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتُصنَّف المهارات الرقمية في هذا الفصل في ثلاثة مستويات: أساسية ومتوسطة ومتقدمة. فالمهارات الرقمية الأساسية ضرورية للوصول إلى المعلومات والخدمات، والمشاركة في القوى العاملة الحديثة، واستخدام الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وكثيراً ما يُفترض توافرها بدلاً من ذكرها صراحة في إعلانات الوظائف الحالية عبر الإنترنت، بما يعكس انتشارها في مختلف الأدوار. والمهارات الرقمية المتوسطة مطلوبة غالباً في معظم الوظائف المكتبية والمهنية، وهي أساسية لدمج الأدوات الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي في الوظائف المهنية ووظائف الأعمال. أما المهارات الرقمية المتقدمة فتنقسم إلى مهارات الذكاء الاصطناعي ومهارات رقمية متقدمة أخرى؛ إذ تنطوي مهارات الذكاء الاصطناعي على تطوير خوارزميات الذكاء الاصطناعي ونماذجه وتخصيصها، في حين تنطوي المهارات الرقمية المتقدمة الأخرى أساساً على البرمجة وتطوير البرمجيات وعلم البيانات والأمن السيبراني وما إلى ذلك.
ورغم أن التحوّل الرقمي والتقدّم في الذكاء الاصطناعي يغذّيان الطلب على المهارات الرقمية، ثمة اختلال عالمي صارخ يشكّل عائقاً أمام النمو الشامل والتقارب الاقتصادي بين المناطق الجغرافية. فكثير من الاقتصادات تعاني في تدريب قوى عاملة متمرّسة رقمياً بما يكفي، ولا سيما في البلدان النامية التي تندر فيها حتى المهارات الرقمية الأساسية، مما يحدّ من تبنّي الذكاء الاصطناعي ومنافعه المحتملة. وتفاقم الفجوات الرقمية القائمة، التي تتسم بقصور البنية التحتية ومحدودية الوصول إلى الأجهزة الرقمية وضعف نظم التعليم، هذه التحديات، ولا سيما في المجتمعات الصغيرة والفئات الهشة. كما تهيمن بضعة بلدان على الطلب العالمي على المهارات الرقمية المتقدمة، مما يؤدي إلى هجرة المواهب الرقمية من اقتصادات أخرى كثيرة. ويستكشف هذا الفصل فجوة المهارات الرقمية من منظوري الطلب والعرض.
ويُنظَّم الفصل على النحو التالي: يتناول قسم «رقمنة المهن» التحوّل الرقمي المتنامي عبر المهن والمهارات المكمّلة المطلوبة إلى جانب الخبرة الرقمية. ويحلّل قسم «الطلب على المهارات الرقمية» الطلب على هذه المهارات باستخدام بيانات الوظائف الشاغرة، مع التركيز على المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ويدرس قسم «المعروض من المهارات الرقمية» جانب العرض، في حين يحدد قسم «رؤى السياسات لسدّ فجوة المهارات الرقمية» العوائق الرئيسية التي تحول دون اكتساب الأفراد المهارات الرقمية واحتفاظ المنشآت بالمواهب الرقمية في البلدان النامية، ويلخّص اتجاهات السياسات ورؤاها للمساعدة على سدّ هذه الفجوة.
رقمنة المهن
باتت جميع المهن تقريباً أكثر رقمنة خلال العقد الماضي، مع زيادة سريعة على وجه الخصوص في الأدوار التي كانت الأقل رقمنة. ومع تحويل الرقمنة طريقة عمل الناس، أصبحت المهارات الرقمية شرطاً مسبقاً في معظم المهن.
وتقدّم قاعدة بيانات O*NET رؤى شاملة حول الأدوات والتقنيات المستخدمة في المهن المختلفة، بوصفها مظلة لجميع الموارد الرقمية المتاحة. وفضلاً عن ذلك، أسهم الدمج المتنامي لتقنية الذكاء الاصطناعي في هذه الأدوات في تبسيط المهام المعقدة وتوسيع نطاق تطبيقها، بما يزيد من تحويل مسارات العمل اليومية.
وتُظهر بيانات O*NET حول استخدام التقنيات والأدوات الرقمية في المجموعات المهنية الرئيسية للتصنيف الدولي الموحد للمهن في عامَي 2015 و2024 أن المهن عالية المهارة تسجّل على الدوام استخداماً أكبر للتقنيات والأدوات الرقمية مقارنة بالمهن متوسطة المهارة ومنخفضتها. ويشغل المهنيون أكثر المهن رقمنة، إذ استخدموا في عام 2024 أكثر من 60% من جميع الأدوات الرقمية المتاحة و90% من التقنيات الرقمية. غير أن المهن متوسطة المهارة ومنخفضتها شهدت أكبر الزيادات، إذ باتت أدوارها تتطلب دمجاً أكبر للأدوات والتقنيات الرقمية في مكان العمل.
والمهارات الرقمية أساسية في عصر الذكاء الاصطناعي، لكن دورها يتضاعف بفضل المهارات الناعمة القوية كالتفكير النقدي والفضول المعرفي والتواصل والعمل الجماعي، التي تظل أساسية في جميع المهن. فالوتيرة السريعة للتغيّر التقني تجعل المهارات التقنية المتخصصة عرضة للتقادم، في حين تتسم المهارات الناعمة المستعرضة، كالقدرة على التعلّم والتفكير النقدي وحلّ المشكلات والقدرة على التكيّف، بالديمومة وقابلية النقل بين الأدوار. وكثيراً ما يعاني خريجو التعليم ما بعد الثانوي الذين يفتقرون إلى مهارات تأسيسية ومستعرضة قوية في التكيّف مع متطلبات الوظائف الجديدة، رغم امتلاكهم خبرة تقنية.
الطلب على المهارات الرقمية
يستخدم هذا القسم بيانات إعلانات الوظائف عبر الإنترنت من شركة لايتكاست لتحليل الطلب على المهارات الرقمية، مع التركيز على المهارات الرقمية المتقدمة ومهارات الذكاء الاصطناعي. وتبحث لايتكاست في مواقع إعلانات الوظائف الرئيسية، مثل غلاسدور وإنديد ولينكدإن، في مختلف الاقتصادات، وتوفّر معلومات آنية عن الطلب على العمالة، تشمل أسماء الشركات والقطاعات التي تنتمي إليها ومواقعها والمسميات الوظيفية والأوصاف الوظيفية والمؤهلات وغيرها من التفاصيل ذات الصلة. وفيما يخص المهارات الرقمية تحديداً، تقدّم هذه البيانات معلومات مفصّلة عن البرمجيات ولغات البرمجة والكفاءات التقنية التي يطلبها أصحاب العمل، بمستوى من التفصيل يتجاوز كثيراً مسوح القوى العاملة التقليدية.
غير أن لهذه البيانات بعض القيود. فالتحيزات تنشأ بسبب طبيعة إعلانات الوظائف عبر الإنترنت، إذ لا يُعلن عن أدوار كثيرة عبر الإنترنت، ولا سيما في المهن أو المناطق التي تعتمد على ممارسات التوظيف التقليدية. ففي الولايات المتحدة مثلاً، لا يزال نحو نصف المرشحين في قطاعات التعدين والشحن وتصنيع الآلات يعتمدون على الصحف المحلية، مما يجعل هذه الأدوار ممثّلة تمثيلاً ناقصاً. ونتيجة لذلك، تميل تغطية إعلانات الوظائف عبر الإنترنت إلى الانحياز نحو المدن الكبرى والصناعات عالية المهارة والمهن المكتبية، مما يقلّل تمثيليتها، ولا سيما في البلدان النامية وفي الأدوار غير المكتبية.
كما يؤدي الاعتماد على البحث باللغة الإنجليزية واللغات الأوروبية إلى صورة ناقصة إلى حدّ كبير عن سوق العمل في البلدان ذات اللغات غير الغربية، كالصين واليابان وجمهورية كوريا وفيتنام. وفضلاً عن ذلك، لا تعكس البيانات سوى الوظائف الشاغرة القائمة، مستبعدة رصيد العمالة الأوسع والقطاع غير الرسمي والعمل الحر والعمل المؤقت عبر المنصات. ورغم هذه القيود، تقدّم بيانات لايتكاست رؤى آنية ودقيقة حول الطلب العالمي على المهارات الرقمية. ولأن المهن منخفضة المهارة كثيراً ما تكون ممثّلة تمثيلاً ضعيفاً في هذه البيانات، يركّز هذا الفصل على الطلب في المهن متوسطة المهارة وعالية المهارة.
وقد أصبحت المهارات الرقمية الأساسية اليوم حداً أدنى مطلوباً في طيف واسع من المهن. إذ يتوقع أصحاب العمل على نحو متزايد أن يتقن المرشحون تشغيل الأجهزة الرقمية وإدارة البريد الإلكتروني وإدخال البيانات وتوظيف وسائل التواصل الاجتماعي في التسويق أو التواصل مع العملاء. وهذه الكفاءات أساسية أيضاً في اقتصاد العمل المؤقت، حيث تتطلب مهام مثل وسم البيانات والإشراف على المحتوى إتقان استخدام المنصات، ويعتمد العاملون المؤقتون المرتبطون بمواقع جغرافية على الأدوات الرقمية في المطابقة مع الوظائف والجدولة ومعالجة المدفوعات.
وتُعدّ المهارات الرقمية المتوسطة والمتقدمة محورية في دفع الإنتاجية وتعزيز الابتكار. فالمهارات الرقمية المتوسطة، ولا سيما إتقان حزمة مايكروسوفت أوفيس وتطبيقات برمجيات الأعمال المختلفة، تحظى بتقدير كبير في أدوار تمتد من التسويق وإدارة المشاريع إلى التمويل والخدمات المهنية والبحث العلمي.
ويتركّز الطلب على المهارات الرقمية المتوسطة والمتقدمة في المهن عالية المهارة، ولا سيما في صناعات تقنية المعلومات والخدمات المهنية والتمويل والتأمين، وبين مهنيي تقنية المعلومات والاتصالات ومهنيي الأعمال والفنيين والعلماء والمهندسين. وعلى مستوى العالم، تطلّب نحو 27% و21% من إعلانات الوظائف في المهن عالية المهارة في عام 2024 مهارات رقمية متوسطة أو متقدمة على التوالي، مقارنة بنسبة 14% من إعلانات الوظائف في المهن متوسطة المهارة.
وصناعة خدمات تقنية المعلومات هي الأكثر طلباً للمهارات الرقمية المتقدمة، إذ يتطلبها 60% من إعلانات وظائفها، تليها الخدمات المهنية بنسبة 53%، ثم التمويل والتأمين بنسبة 44%. ويتطلب نحو 90% من إعلانات وظائف مهنيي تقنية المعلومات والاتصالات مهارات رقمية متقدمة، يليها 62% من إعلانات وظائف فنيي تقنية المعلومات والاتصالات، و60% من إعلانات وظائف مهنيي العلوم والهندسة، و45% من إعلانات وظائف مهنيي الأعمال والإدارة. ويتكرر النمط ذاته في مختلف فئات الدخل وعبر الزمن.
وقد تراجع الطلب العالمي على المهارات الرقمية المتقدمة منذ منتصف عام 2022، ويُعزى ذلك إلى الرياح المعاكسة للاقتصاد الكلي، والإفراط في التوظيف خلال فترة الجائحة، والتأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي التوليدي، وشهدت البلدان مرتفعة الدخل أشدّ التراجع. فبين عامَي 2021 و2022، شهدت هذه البلدان نمواً بنسبة 40% في الوظائف الشاغرة التي تتطلب مهارات رقمية متقدمة، مدفوعاً بتوسّع الخدمات عبر الإنترنت استجابة لجائحة مرض فيروس كورونا 2019. وقد ضاعفت شركات التقنية الكبرى، مثل ألفابت وأمازون وآبل وميتا ومايكروسوفت، أعداد موظفيها تقريباً خلال هذه الفترة، مضيفة نحو مليون موظف مجتمعة.
غير أن هذا التوسّع السريع انعكس في البلدان مرتفعة الدخل منذ منتصف عام 2022. فمع تخفيف الإغلاقات واستئناف الأنشطة الحضورية، تباطأ الطلب على الخدمات الرقمية. وفي الوقت ذاته، رفعت زيادات أسعار الفائدة التي أقرّها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بين مارس 2022 ويوليو 2023 تكاليف الاقتراض إلى ما يزيد على 5%، مما أضعف نشاط التوظيف عموماً في الولايات المتحدة، مع آثار متتابعة على المستوى العالمي.
وفضلاً عن ذلك، يغيّر الذكاء الاصطناعي التوليدي حسابات التوظيف لدى الشركات. إذ تؤجل الشركات التوظيف أو تقلّصه على نحو متزايد، مفضّلة تجريب أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنجاز المزيد بعدد أقل من الموظفين. كما يحوّل الإنفاق المتزايد على الذكاء الاصطناعي الأموال من ميزانيات التوظيف. وفي عام 2024، عادت الوظائف الشاغرة في البلدان مرتفعة الدخل إلى ما يقارب مستويات عام 2021. وقد امتد هذا الانكماش في الطلب على المهارات الرقمية المتقدمة إلى مناطق أخرى أيضاً، مما يؤكد الترابط بين أجزاء سوق العمل العالمية.
وبلغ الطلب على المهارات الرقمية المتقدمة في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى ذروته في عام 2023 وتراجع في عام 2024، لكنه ظل أعلى بكثير من مستوى عام 2021، في حين ظل الطلب في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى مستقراً باستثناء ارتفاع في عام 2023. فقد شهدت البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى طفرة كبيرة، إذ تضاعفت الوظائف الشاغرة التي تتطلب مهارات رقمية متقدمة بين عامَي 2021 و2023، متجاوزة نمو إجمالي الوظائف الشاغرة. ورغم تراجع طفيف في عام 2024، ظل الطلب أعلى من مستويات عام 2021 بنسبة 66%. واللافت أن الطلب تضاعف ثلاث مرات في البرازيل وإندونيسيا بين عامَي 2021 و2024، وتضاعف تقريباً في كولومبيا وماليزيا والمكسيك وصربيا.
وفي البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، ارتفع الطلب على المهارات الرقمية المتقدمة في عام 2023 لكنه عاد إلى مستويات عام 2021 في عام 2024، في حين نمت الوظائف الشاغرة الأخرى بوتيرة أسرع. وكان هذا الاتجاه مدفوعاً إلى حدّ كبير بالهند، حيث انكمش الطلب بنسبة 30% في عام 2024 بعد ارتفاعه في عام 2023. في المقابل، شهدت كينيا ونيجيريا والفلبين تضاعف الوظائف الشاغرة ثلاث مرات بحلول منتصف عام 2023، وحافظت على مستويات أعلى من مطلع عام 2021 رغم التراجعات المعتدلة الأخيرة.
وتعكس تقلبات الطلب هذه تفاعلاً معقداً بين عوامل عدة. فالزيادات الأولية نتجت على الأرجح عن تحسّن تغطية بيانات سوق العمل عبر الإنترنت، بما رصد وظائف كانت ممثّلة تمثيلاً ناقصاً من قبل. أما تراجع عام 2024 فقد يشير إلى آثار غير مباشرة لضعف الطلب في البلدان مرتفعة الدخل وإلى الأثر الناشئ للذكاء الاصطناعي التوليدي.
ومن الاتجاهات اللافتة في جميع فئات الدخل تسارع الطلب على المهارات الرقمية المتقدمة في المهن متوسطة المهارة، بوتيرة تفوق نموه في المهن عالية المهارة. ويشير ذلك إلى أن الرقمنة تحوّل على نحو متزايد طبيعة العمل في الأدوار التي كانت أقل رقمنة. ففي البلدان مرتفعة الدخل، لوحظت أوضح زيادة في الطلب على المهارات الرقمية المتقدمة بين عاملي الخدمات الشخصية وسائقي المركبات ومشغّلي المعدات المتنقلة وعاملي المبيعات. وفي البلدان متوسطة الدخل، شهد عاملو المبيعات وموظفو خدمة العملاء وموظفو السجلات الرقمية والمادية أسرع نمو في الطلب على المهارات الرقمية المتقدمة، بما يعكس اتجاهات رفع المهارات في قطاع الاستعانة بمصادر خارجية لعمليات الأعمال.
وتقود البلدان مرتفعة الدخل على الدوام الطلب العالمي على مهارات الذكاء الاصطناعي، باستثناء الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ استأثرت بنحو 70% من جميع وظائف الذكاء الاصطناعي الشاغرة خلال الفترة من 2021 إلى 2024. وظل الطلب العالمي ثابتاً عند نحو 1.7 مليون وظيفة شاغرة سنوياً، تمثّل على الدوام نحو 1.5% من إجمالي الوظائف الشاغرة. وقادت البلدان مرتفعة الدخل، ولا سيما الولايات المتحدة، طفرة لافتة في عام 2022، غير أن وظائف الذكاء الاصطناعي الشاغرة تراجعت منذ أواخر عام 2022، متبعة اتجاهاً مماثلاً لاتجاه المهارات الرقمية المتقدمة. ورغم ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تمثّل 40% من جميع وظائف الذكاء الاصطناعي الشاغرة في البلدان مرتفعة الدخل في عام 2024. ومن اللافت أنه بينما انخفضت هذه الوظائف في الولايات المتحدة بنسبة 9% بين عامَي 2021 و2024، فقد تضاعفت تقريباً في كندا وفرنسا وإيطاليا واليابان.
كما شهد الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي، باستثناء الذكاء الاصطناعي التوليدي، في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى والأدنى فتوراً بعد عامَي 2022 و2023، وإن ظل الطلب في عام 2024 أعلى من مستويات عام 2021. وسجّلت البرازيل والصين وكولومبيا وماليزيا والمكسيك جميعها نمواً متسارعاً. ففي البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، نمت وظائف الذكاء الاصطناعي الشاغرة بنسبة 16% بين عامَي 2021 و2024، لتبلغ 225 ألف وظيفة في عام 2024. وفي الصين، قفزت الوظائف الشاغرة في معالجة اللغة الطبيعية بنسبة 111% في النصف الأول من عام 2024 مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2023، يليها نمو بنسبة 76% في الذكاء الاصطناعي للروبوتات، و61% في التعلّم العميق، و49% في القيادة الذاتية. وسجّلت البرازيل نحو 56 ألف وظيفة شاغرة في الذكاء الاصطناعي في عام 2024، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف مستواها في عام 2021. كما تضاعف الطلب ثلاث مرات في إندونيسيا، ومرتين في كولومبيا وماليزيا والمكسيك.
ومن بين البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، حافظت الهند على طلب مستقر على مهارات الذكاء الاصطناعي، يحوم على الدوام حول 230 ألف وظيفة شاغرة سنوياً. وخلال الفترة من 2021 إلى 2024، تضاعفت وظائف الذكاء الاصطناعي الشاغرة في جمهورية مصر العربية وباكستان والفلبين، ونما الطلب أربعة أضعاف في كينيا، وإن كان ذلك انطلاقاً من قاعدة منخفضة جداً.
وصناعة تقنية المعلومات هي الأكثر طلباً لمهارات الذكاء الاصطناعي في مختلف البلدان، تليها الخدمات المهنية والتمويل. إذ تُظهر هذه الصناعة أعلى احتمال للطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي في معظم البلدان، فقد تطلّب نحو 8% من إعلانات وظائفها هذه المهارات على مستوى العالم في عام 2024. والخدمات المهنية والتمويل هما الصناعتان الأخريان الأكثر طلباً لمهارات الذكاء الاصطناعي، إذ يتطلبها نحو 4% إلى 5% من إعلانات وظائفهما. كما يُنتظر على نحو متزايد من المديرين والمهنيين في الصناعة التحويلية امتلاك مهارات الذكاء الاصطناعي، في حين يقلّ طلبها في قطاع الزراعة. ومن حيث المهن، يُعدّ مطوّرو البرمجيات ومصممو قواعد البيانات ومديروها وعلماء الرياضيات والفيزيائيون الأكثر حاجة إلى مهارات الذكاء الاصطناعي، إذ يتطلبها أكثر من 10% من الوظائف الشاغرة لديهم.
وتتميز وظائف الذكاء الاصطناعي الشاغرة بطلب أعلى بكثير على الشهادات العليا مقارنة بغيرها من أدوار المهارات الرقمية المتقدمة. ففي عام 2024، تطلّبت 51% من وظائف الذكاء الاصطناعي الشاغرة على مستوى العالم شهادة ماجستير على الأقل، في تناقض صارخ مع 27% من الوظائف الشاغرة التي تتطلب مهارات رقمية متقدمة لا تتضمن مكوّناً للذكاء الاصطناعي. ويشير ذلك بوضوح إلى عتبة مهارات أعلى وتخصص تقني أكبر في أدوار الذكاء الاصطناعي. والفجوة أوضح على مستوى الدكتوراه، إذ تتطلب أكثر من 7% من وظائف الذكاء الاصطناعي الشاغرة شهادة الدكتوراه، مقارنة بنسبة 1% فقط في وظائف المهارات الرقمية المتقدمة الأخرى.
وقفزت الوظائف الشاغرة التي تتطلب مهارات الذكاء الاصطناعي التوليدي تسعة أضعاف على مستوى العالم بين عامَي 2021 و2024، مع تسابق الشركات لتطوير حلول الذكاء الاصطناعي التوليدي ونشرها. فقبل إطلاق ChatGPT، كانت وظائف الذكاء الاصطناعي التوليدي الشاغرة تأتي حصراً تقريباً من البلدان مرتفعة الدخل، مع تركيز على تطوير نماذجه. وبعد أن أصبحت أدواته متاحة للعموم، تحوّل الطلب نحو مهارات دمجه واستخدامه. كما تحظى مهارات الذكاء الاصطناعي التوليدي بعلاوات أجور كبيرة؛ إذ ترتبط مهارات تطويره بزيادة في الأجور تتراوح بين 7% و9% في الأدوار التقنية، في حين تحقق مهارات الإلمام به علاوة تتراوح بين 25% و36% في الأدوار المكتبية غير التقنية.
واستأثرت فرنسا والولايات المتحدة بنحو نصف وظائف الذكاء الاصطناعي التوليدي الشاغرة على مستوى العالم في عام 2024، باستثناء الصين. فقد سجّلت الولايات المتحدة نحو 84 ألف وظيفة شاغرة تتطلب مهارات الذكاء الاصطناعي التوليدي في عام 2024، ارتفاعاً من ثلاثة آلاف في عام 2021، أي 30% من هذه الوظائف عالمياً. ونشرت فرنسا نحو 53 ألف وظيفة شاغرة في الذكاء الاصطناعي التوليدي في عام 2024، أي 18% أخرى من الوظائف الشاغرة عالمياً، متقدمة بفارق كبير على البلدان الأخرى مرتفعة الدخل. وقد صعدت الشركة الفرنسية الناشئة ميسترال إيه آي سريعاً بوصفها جهة بارزة في ساحة الذكاء الاصطناعي التوليدي العالمية، وحفّزت الطلب على الوظائف المحلية في هذا المجال. وسجّلت ألمانيا والمملكة المتحدة نحو 16 ألفاً و12 ألف وظيفة شاغرة في الذكاء الاصطناعي التوليدي في عام 2024 على التوالي.
ومن بين البلدان متوسطة الدخل، تقود البرازيل والصين والهند وماليزيا والمكسيك والفلبين الطفرة في وظائف الذكاء الاصطناعي التوليدي الشاغرة. فقبل إطلاق ChatGPT، سجّلت البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى أقل من ثلاثة آلاف وظيفة شاغرة في هذا المجال، لكنها قفزت بحلول عام 2024 ستة أضعاف لتقارب 18 ألف وظيفة، مع استبعاد الصين إلى حدّ كبير.
وشهدت البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى زيادة بلغت ثلاثة وعشرين ضعفاً، لتصل إلى نحو 46 ألف وظيفة شاغرة بحلول عام 2024. وشهدت الهند نمواً يقارب اثنين وعشرين ضعفاً في وظائف الذكاء الاصطناعي التوليدي الشاغرة بين عامَي 2021 و2024، مسهمة بنسبة 80% من جميع هذه الوظائف في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى. واللافت أن البرازيل والفلبين شهدتا أبرز توسّع، بزيادة بلغت اثنين وثمانين ضعفاً ومائة وخمسة عشر ضعفاً على التوالي بين عامَي 2021 و2024، مما دفع النمو كثيراً في شرق آسيا والمحيط الهادئ وأمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي. وإلى جانب البلدان الرائدة، سجّلت كولومبيا وماليزيا والمكسيك وباكستان وجنوب أفريقيا جميعها أكثر من ألف وظيفة شاغرة في الذكاء الاصطناعي التوليدي في عام 2024، مما يدل على انتشار عالمي سريع لهذه التقنية في الأسواق الناشئة الرئيسية.
والبيانات الخاصة بالبلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى وشرق آسيا والمحيط الهادئ أقل من الواقع بكثير بسبب عدم اكتمال بيانات الصين. فقد قفزت في الصين وظائف شاغرة متنوعة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، من مهندسي النماذج اللغوية الكبيرة ومهندسي الأوامر إلى مطوّري تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي ومستخدميها في مختلف الصناعات. وتشير التقديرات إلى أن الوظائف الشاغرة التي تتطلب مهارات الذكاء الاصطناعي التوليدي ستتجاوز مليون وظيفة في الصين بنهاية عام 2025.
وتستهدف وظائف الذكاء الاصطناعي التوليدي الشاغرة أساساً مهنيي تقنية المعلومات والاتصالات، ولا سيما في البلدان متوسطة الدخل، في حين تُظهر البلدان مرتفعة الدخل توزيعاً مهنياً أوسع يشمل حضوراً لافتاً لمهنيي التعليم والصحة. ففي البلدان مرتفعة الدخل، شكّل مهنيو تقنية المعلومات والاتصالات 41% من جميع وظائف الذكاء الاصطناعي التوليدي الشاغرة في عام 2024، مما يشير إلى أن المنشآت توظّف هؤلاء المهنيين لتطوير حلول الذكاء الاصطناعي التوليدي وتخصيصها في مختلف الصناعات. أما في البلدان متوسطة الدخل، فيهيمن مهنيو تقنية المعلومات والاتصالات، مستأثرين بنحو 60% من جميع هذه الوظائف.
ومطوّرو البرمجيات ومحللو الأنظمة هم الأكثر حاجة إلى مهارات الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ تطلّب ما بين 2% و3% من وظائفهم الشاغرة عالمياً هذه المهارات في عام 2024. ويعكس التوزيع المهني الأكثر توازناً في البلدان مرتفعة الدخل سرعة تبنّيها للذكاء الاصطناعي التوليدي واتساع دمجه. ويمثّل مهنيو الأعمال والإدارة والمديرون الإداريون والتجاريون المهنتين الأخريين الأبرز بين وظائف الذكاء الاصطناعي التوليدي الشاغرة في جميع فئات الدخل، بنسبة 10% و7% من هذه الوظائف على التوالي. واللافت أن مهنيي التعليم ومهنيي الصحة يشكّل كل منهم ما بين 5% و6% من وظائف الذكاء الاصطناعي التوليدي الشاغرة في البلدان مرتفعة الدخل، لكنهم يكادون يغيبون في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى والأدنى. ويشير هذا التفاوت إلى محدودية دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والرعاية الصحية في البلدان متوسطة الدخل.
ويمتد الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي التوليدي بسرعة إلى ما وراء مهن تقنية المعلومات والاتصالات، متغلغلاً في البحث والتطوير وإنشاء المحتوى والتصميم والتسويق والتعليم، إذ باتت المهن في هذه المجالات تتطلب هذه المهارات على نحو متزايد. فعلى مستوى العالم، كان مديرو البحث والتطوير، والمؤلفون والكتّاب، ومتخصصو طرائق التعليم، وأساتذة الجامعات، ومصممو الجرافيك والوسائط المتعددة، والفنانون البصريون، ومخرجو الأفلام، ومهنيو الإعلان والتسويق، من بين أبرز المهن غير المرتبطة بتقنية المعلومات والاتصالات الأكثر حاجة إلى مهارات الذكاء الاصطناعي التوليدي في عام 2024، إذ تطلّب نحو 0.5% إلى 2% من إعلانات وظائفها هذه المهارات. ومن المرجّح أن يكون الطلب الفعلي أعلى بكثير، لأن هذه المهارات كثيراً ما يُفترض توافرها بدلاً من ذكرها صراحة في إعلانات الوظائف.
ورغم التوسّع السريع، لا يزال الذكاء الاصطناعي التوليدي في المراحل الأولى من تأثيره في سوق العمل. فقد أوجد مهناً جديدة، كمهندسي الأوامر ومهندسي النماذج اللغوية الكبيرة، لكن هذه الوظائف لا يتجاوز مجموعها بضعة آلاف على مستوى العالم، وأثرها محدود في خلق الوظائف عموماً. ورغم الزيادة السريعة في وظائف الذكاء الاصطناعي التوليدي الشاغرة، فإنها لم تمثّل سوى 0.2% من جميع إعلانات الوظائف عالمياً في عام 2024. وفضلاً عن ذلك، لم يُظهر الذكاء الاصطناعي التوليدي أي أثر ملموس على دخل العاملين أو ساعات عملهم المسجّلة في أي مهنة، حتى في المهن الأكثر تعرّضاً له، مما يشير إلى أن آثاره الإجمالية على سوق العمل لا تزال ضئيلة حتى الآن.
المعروض من المهارات الرقمية
رغم أن الطلب المتصاعد على المهارات الرقمية ومهارات الذكاء الاصطناعي دفع توسّعاً سريعاً في المعروض منها، لا تزال الفجوات قائمة بسبب التقدّم التقني السريع، ومتطلبات المهارات المتخصصة والمتطورة، والمناهج المتقادمة، والمنافسة على المواهب وهجرة العقول، والبنية التحتية، والتفاوت في الوصول. ويحلّل هذا القسم مدى توافر المهارات الرقمية في مختلف البلدان، ويدرس المعروض منها عبر التعليم النظامي ومسارات التعلّم البديلة معاً.
وتظل هناك فجوة كبيرة في المهارات الرقمية بين البلدان الغنية والفقيرة على جميع مستويات الإتقان. فحتى المهارات الرقمية الأساسية نادرة على نحو لافت في البلدان منخفضة الدخل، إذ يمتلكها أقل من 5% من السكان، مقارنة بنسبة 21% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، و38% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، و66% في البلدان مرتفعة الدخل. ويمتلك أقل من 15% من سكان البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى مهارات رقمية متوسطة، مقارنة بنحو 26% في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى و57% في البلدان مرتفعة الدخل.
والمهارات الرقمية المتقدمة محدودة على مستوى العالم، إذ يتقنها شخص واحد تقريباً من كل عشرة أشخاص في البلدان مرتفعة الدخل، وتنخفض هذه النسبة إلى ما دون 1% في البلدان منخفضة الدخل. وتتعمّق الفجوات بين الجنسين وبين الحضر والريف كلما ارتفع مستوى المهارات الرقمية، ولا سيما في البلدان منخفضة الدخل، حيث تفوق نسبة الأفراد ذوي المهارات الرقمية المتقدمة في المناطق الحضرية نظيرتها في المناطق الريفية بخمسة أضعاف. وفي البلدان مرتفعة الدخل، تكون الفوارق بين الجنسين متواضعة في المهارات الأساسية والمتوسطة، لكنها تتسع في المهارات المتقدمة، كما تتسع الفجوات بين الحضر والريف مع ارتفاع مستوى المهارات. وفي البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، تبدأ الفجوة الوسيطة بين الجنسين عند 1.21 في المهارات الأساسية وتصل إلى 1.52 في المهارات المتقدمة. أما الفجوات بين الحضر والريف فأوضح، إذ تقفز إلى 5.30 في المهارات الرقمية المتقدمة، مما يدل على تركّز كبير لهذه المهارات في المناطق الحضرية.
وتُظهر البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى فوارق معتدلة، إذ ترتفع الفجوة بين الجنسين من 1.05 ذكر لكل أنثى في المهارات الأساسية إلى 1.47 ذكر لكل أنثى في المهارات الرقمية المتقدمة، وتزداد الفجوة بين الحضر والريف من 1.88 إلى 2.70 من سكان الحضر مقابل كل ساكن في الريف في المهارات المتقدمة. وتبرز هذه النتائج الحاجة إلى تدخلات موجّهة لتحسين المهارات الرقمية لدى النساء وسكان الريف، ولا سيما في البلدان النامية، لمعالجة أوجه عدم المساواة المستمرة هذه.
ويتركّز توافر متخصصي تقنية المعلومات والاتصالات تركّزاً شديداً في عدد قليل من البلدان، تتصدّرها الصين بنسبة 21%، والولايات المتحدة بنسبة 21%، والهند بنسبة 15%، تليها المملكة المتحدة بنسبة 5%، والاتحاد الروسي بنسبة 5%، وألمانيا بنسبة 4% حتى عام 2023. ولا تمثّل البلدان منخفضة الدخل سوى أقل من 1% من هؤلاء المتخصصين. كما يغلب الذكور على متخصصي تقنية المعلومات والاتصالات؛ إذ تسجّل سويسرا أعلى تفاوت بين الجنسين بنسبة 5.84 ذكر لكل أنثى، تليها بلجيكا وهولندا وروسيا وألمانيا وإيطاليا، وجميعها بنسبة تتجاوز 4.5. وتتمتع عدة بلدان متوسطة الدخل بقوى عاملة من متخصصي تقنية المعلومات والاتصالات أكثر توازناً بين الجنسين، إذ تبلغ نسبة الذكور إلى الإناث 1.9 في الفلبين، و2.3 في الصين، و2.8 في الهند.
واستجابة للطلب المتزايد، ارتفعت نسبة خريجي برامج تقنية المعلومات والاتصالات على نحو مطّرد في جميع فئات الدخل منذ عام 2010. ورغم التوسّع السريع في هذه البرامج، تعاني الجامعات في تلبية الطلب المتنامي بسبب صعوبات توظيف أعضاء هيئة التدريس وقيود الطاقة الاستيعابية وفجوات المناهج. ففي كندا والولايات المتحدة، تضاعف عدد خريجي علوم الحاسوب ثلاث مرات، من نحو 18 ألفاً في عام 2010 إلى 52 ألفاً في عام 2022. وتضاعف عدد خريجي البكالوريوس أربع مرات من 9 آلاف إلى 36 ألفاً، وتضاعف عدد خريجي الماجستير من 7 آلاف إلى 14 ألفاً، في حين لم يشهد عدد خريجي الدكتوراه إلا نمواً هامشياً من 1,800 إلى 2,100. غير أن هذه الأعداد قصرت عن مواكبة الطلب المتصاعد.
وتواجه الجامعات تحديات عدة في التوسّع السريع في برامج تقنية المعلومات والاتصالات. فتوظيف أعضاء هيئة تدريس مؤهلين تحدٍّ كبير، لأن المهنيين المتميزين كثيراً ما يجدون الأدوار في الصناعة أكثر مردوداً مالياً بكثير من المناصب الأكاديمية. كما يتطلب توسيع هذه البرامج استثمارات كبيرة في البنية التحتية، كالمساكن الطلابية والقاعات الدراسية ومختبرات الحاسوب والمرافق الجامعية، التي لا يمكن توسيعها بسرعة. وتواجه الجامعات أيضاً تحديات في مواكبة التقدّم التقني السريع؛ فقد وجد مسح للجامعات في أفريقيا أن 40% منها لم تحدّث مناهج تقنية المعلومات والاتصالات منذ أكثر من خمس سنوات، و3% لم تحدّثها قط. وقد أدت هذه المشكلات إلى عدم توافق بين المهارات التي يمتلكها الخريجون والمهارات التي يطلبها أصحاب العمل.
وتشتد هذه التحديات في البلدان منخفضة الدخل، حيث تزيد فجوات البنية التحتية والوصول إلى الأجهزة من تفاقم المشكلة. فمحدودية توافر الإنترنت الموثوق والحواسيب ومختبرات الذكاء الاصطناعي تعيق كثيراً تنمية المهارات الرقمية. ورغم شيوع مختبرات الحاسوب العامة في الجامعات الأفريقية، فإن أقل من 30% من المؤسسات تمتلك مرافق متخصصة للذكاء الاصطناعي أو علم البيانات أو التصميم بمساعدة الحاسوب. وفضلاً عن ذلك، لا يستطيع كثير من طلاب علوم الحاسوب في البلدان منخفضة الدخل تحمّل تكلفة حاسوب شخصي، مما يقيّد بشدة قدرتهم على ممارسة البرمجة وتعميق خبرتهم التقنية.
وقد برز التعليم عبر الإنترنت سبيلاً حاسماً لاكتساب المهارات الرقمية، بفضل سهولة الوصول إليه وانخفاض تكلفته ومرونته مقارنة بالتعليم الجامعي التقليدي. فهذه المنصات تقدّم مقررات عالية الجودة من كبرى المؤسسات ورواد الصناعة، غالباً بجزء يسير من تكلفة الشهادة الجامعية. ويستطيع المتعلمون اكتساب المهارات المطلوبة، كالبرمجة وعلم البيانات والذكاء الاصطناعي، وفق جداولهم الخاصة، مما يجعل التعليم عبر الإنترنت جذاباً للمهنيين العاملين ولسكان المناطق محدودة الوصول إلى الجامعات الجيدة. وخلافاً للشهادات التقليدية، التي قد يستغرق إكمالها سنوات وكثيراً ما تتخلّف عن اتجاهات الصناعة، تُحدَّث المقررات الإلكترونية باستمرار لتعكس أحدث التطورات التقنية. كما توفّر منصات كثيرة مشاريع تطبيقية وشهادات معترفاً بها في الصناعة ومسارات إلى التوظيف، مما يجعلها بديلاً أكثر عملية واستجابة لاكتساب المهارات الرقمية في سوق العمل السريعة التطور اليوم.
ويلتحق عدد متزايد من العاملين بالمقررات الإلكترونية، لكن النساء لا يستفدن من التعلّم عبر الإنترنت بالقدر الكافي، ولا سيما في مقررات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات والذكاء الاصطناعي التوليدي. فحتى أبريل 2025، تجاوز عدد المتعلمين على منصة كورسيرا عالمياً 170 مليوناً، أي 5% من القوى العاملة العالمية. ونما عدد المتعلمات بسرعة، ليبلغ 46% من المستخدمين في عام 2024، ارتفاعاً من 43% في عام 2023. غير أن حصة المتعلمات في مقررات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات بنسبة 34%، وفي مقررات الذكاء الاصطناعي التوليدي بنسبة 30%، تقلّ كثيراً عن حصتهن الإجمالية.
وشهدت مقررات الذكاء الاصطناعي التوليدي نمواً انفجارياً، إذ قفزت أعداد الملتحقين بها على كورسيرا اثني عشر ضعفاً منذ إطلاق ChatGPT في أواخر عام 2022. وبحلول أبريل 2025، سجّلت كورسيرا أكثر من ثمانية ملايين التحاق بمقررات الذكاء الاصطناعي التوليدي ضمن مجموعتها التي تضم نحو سبعمائة مقرر في هذا المجال. وتعكس هذه الطفرة سباقاً عالمياً نحو الإلمام بالذكاء الاصطناعي وتبنّيه. ووفقاً لمسح كورسيرا لعام 2025، يفضّل 75% من أصحاب العمل توظيف مرشحين أقل خبرة يمتلكون مهارات الذكاء الاصطناعي التوليدي على مرشحين أكثر خبرة يفتقرون إليها.
والعاملون في البلدان الأغنى أكثر ميلاً إلى الإفادة بامتلاكهم مهارات الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي التوليدي، وإن ظهرت أنماط لافتة بحسب المستوى التعليمي. فحتى يونيو 2025، يزداد توافر مهارات الذكاء الاصطناعي عموماً بارتفاع المستوى التعليمي؛ إذ يفيد نحو 1% من العاملين غير الحاصلين على شهادة البكالوريوس بامتلاكهم هذه المهارات، وترتفع النسبة إلى 3% لحملة البكالوريوس، و6% لحملة الماجستير، و8% لحملة الدكتوراه. ورغم أن حملة الدكتوراه هم الأكثر امتلاكاً لمهارات الذكاء الاصطناعي في جميع فئات الدخل، فإن حملة الماجستير هم الأكثر إفادة بامتلاك مهارات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بنسب تتراوح بين 0.4% و1.4% بحسب فئة الدخل، مما يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي خفّض عائق تبنّي الذكاء الاصطناعي وبات المهنيون يستخدمونه على نحو متزايد.
غير أن العاملين أقل ميلاً بكثير إلى الإفادة بامتلاكهم مهارات الذكاء الاصطناعي التوليدي عموماً. واللافت أن العاملين في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى يفيدون بامتلاك هذه المهارات أكثر من نظرائهم في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى ومرتفعة الدخل، ويُعزى ذلك إلى حدّ كبير إلى تحيّز العيّنة، لأن من يستخدمون منصة لينكدإن في البلدان الأفقر يمثّلون عادة شريحة أكثر نخبوية من القوى العاملة.
ويعكس المعروض من مهارات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى حدّ كبير نمط الطلب، إذ يتركّز بين مهنيي تقنية المعلومات والاتصالات، يليهم المديرون الإداريون والتجاريون ومهنيو الأعمال والإدارة في جميع فئات الدخل. فحتى يونيو 2025، كشف تحليل لنحو 400 مليون ملف مهني فردي على مستوى العالم أن ربع جميع المستخدمين الذين يفيدون بامتلاك مهارات الذكاء الاصطناعي التوليدي في البلدان مرتفعة الدخل هم من مهنيي تقنية المعلومات والاتصالات، وترتفع هذه الحصة إلى الثلث في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى.
وتشمل أبرز المجموعات المهنية الواسعة التي تتركّز فيها مهارات الذكاء الاصطناعي التوليدي المديرين الإداريين والتجاريين، ومهنيي الأعمال والإدارة، والرؤساء التنفيذيين، ومديري الإنتاج والخدمات المتخصصة، بما يتسق مع أنماط الطلب. ومن بين المهن غير المرتبطة بتقنية المعلومات والاتصالات، يُعدّ مديرو البحث والتطوير، ومديرو السياسات والتخطيط، ومحللو الإدارة والتنظيم، ومقابلو المسوح وأبحاث السوق، ومهنيو الموارد البشرية، والمهندسون، ومهنيو الإعلان والتسويق، الأكثر إفادة بامتلاك مهارات الذكاء الاصطناعي التوليدي. غير أن انتشار هذه المهارات في هذه الأدوار لا يزال منخفضاً، إذ يتراوح عادة بين 0.5% و1.5% من جميع الملفات المهنية. ويؤكد هذا التبنّي المحدود، حتى في المهن الأكثر تعرّضاً، النتائج السابقة التي تفيد بأن تبنّي الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يزال في مراحله الأولى، وأن أثره على الطلب على المهارات والمعروض منها ظل ضئيلاً حتى الآن.
وتتمتع المواهب الرقمية عالية المهارة بقدرة على التنقّل عالمياً، وكثيراً ما تنتقل عبر الحدود بحثاً عن فرص عمل أفضل. وقد صبّ ذلك في مصلحة البلدان مرتفعة الدخل، في حين سرّع هجرة العقول من البلدان النامية. وتُظهر بيانات لينكدإن أن تدفقات المواهب إلى الخارج في بنغلاديش ولبنان ونيجيريا وأوكرانيا تفوق تدفقاتها إلى الداخل بثلاثة إلى أربعة أضعاف. وتليها الأرجنتين والبرازيل وكولومبيا والهند والمغرب وباكستان وجنوب أفريقيا، بنسبة تدفق خارجي إلى داخلي تتراوح بين ضعفين وثلاثة أضعاف. في المقابل، تستقطب بلدان مثل أستراليا وكندا وقبرص العاملين ذوي المهارات العالية بمعدل يعادل ضعف معدل من يغادرونها على الأقل. كما تستقطب بولندا والبرتغال وسويسرا حصة كبيرة من المهنيين المهرة.
وتظل الولايات المتحدة الوجهة الأولى في العالم لمواهب الذكاء الاصطناعي، مستفيدة من اكتساب كبير للعقول، ولا سيما من الصين والهند. فاستناداً إلى أداة ماكرو بولو لتتبّع مواهب الذكاء الاصطناعي العالمية، كان 28% من أبرز باحثي الذكاء الاصطناعي في العالم في عام 2022 من الولايات المتحدة، يليهم 26% من الصين و7% من الهند. غير أن 57% من كبار باحثي الذكاء الاصطناعي انتهى بهم المطاف إلى العمل في الولايات المتحدة، يليها 12% في الصين، ولا أحد تقريباً في الهند. ويبرز هذا النمط قوة المؤسسات الأكاديمية والبحثية الأمريكية في تنمية الخبرات في الذكاء الاصطناعي، وقدرة البلاد على توفير فرص مهنية جذابة في الأوساط الأكاديمية والصناعة على حدّ سواء، مما يؤكد ديناميكية استئثار الفائز بكل شيء المتأصلة في قطاع التقنية. وقد كانت هذه القدرة المستمرة على استقطاب أفضل مواهب الذكاء الاصطناعي في العالم والاحتفاظ بها عاملاً أساسياً في الحفاظ على الريادة التقنية للولايات المتحدة وقدرتها التنافسية الاقتصادية في هذا المجال السريع التطور.
في المقابل، تميل أوروبا إلى ضعف قدرتها على استقطاب أفضل مواهب الذكاء الاصطناعي، وإلى خسارة نخبة مواهبها لصالح الولايات المتحدة، إذ ينتهي المطاف بمعظم مواهب الذكاء الاصطناعي البارزة في أوروبا إلى العمل لدى شركات أمريكية ذات حضور كبير فيها. ومع ذلك، حسّنت الصين والهند وعدد من الدول الأوروبية في السنوات الأخيرة قدرتها على استقطاب مواهبها المحلية في الذكاء الاصطناعي والاحتفاظ بها.
رؤى السياسات لسدّ فجوة المهارات الرقمية
تواجه البلدان النامية إخفاقات سوق وعوائق كبيرة في تنمية المواهب الرقمية والاحتفاظ بها، مما يحدّ من قدرتها على المشاركة في الاقتصاد الرقمي والاستفادة من الذكاء الاصطناعي. فمحدودية الوصول إلى الإنترنت عالي السرعة والبنية التحتية الحاسوبية الحديثة ومختبرات الذكاء الاصطناعي تقيّد فرص التعلّم التطبيقي. ومن التحديات الأخرى نقص برامج التعليم والتدريب عالية الجودة المتوائمة مع احتياجات الصناعة، وهو ما ينتج غالباً عن ضعف التنسيق بين الجامعات والقطاع الخاص. وفضلاً عن ذلك، تحول تكاليف التدريب المرتفعة وقيود الائتمان دون اكتساب كثير من الأفراد المهارات الرقمية، وتستثمر المنشآت في تدريب موظفيها دون الحدّ الكافي خشية استقطاب المنافسين لهم.
وتقيّد القيود المالية وتدنّي المستويات التعليمية والأعراف الاجتماعية الثقافية وصول النساء إلى التقنية والتدريب، بما يرسّخ عدم المساواة بين الجنسين في تنمية المهارات الرقمية. وحتى حين تُنمّى المواهب، تظل هجرة العقول مشكلة مستمرة، مع سعي المهنيين المهرة إلى أجور أعلى وفرص مهنية أفضل في الخارج. وتُوجد هذه العوائق حلقة مفرغة، يثبّط فيها نقص العاملين المهرة الاستثمار في القطاع الرقمي، مما يزيد من تقييد فرص تنمية المواهب والاحتفاظ بها.
ويمكن لحكومات البلدان النامية النظر في الإجراءات التالية لمعالجة فجوة المهارات الرقمية. فالبلدان منخفضة الجاهزية للذكاء الاصطناعي تستطيع توجيه تدخلاتها نحو تحسين الوصول إلى الأجهزة وامتلاكها، عبر خفض الضرائب على الأجهزة الرقمية، وتقديم إعانات موجّهة، والشراكة مع مصنّعي الأجهزة ومزوّدي خدمات الإنترنت لاستكشاف خطط تمويل مبتكرة تعزّز الوصول إلى الأجهزة وامتلاكها.
وتستطيع الحكومات تعزيز المعرفة الرقمية والمهارات الأساسية لاستخدام الذكاء الاصطناعي من خلال ما يلي: إدماج محتوى المهارات الرقمية الأساسية في التعليم الإلزامي؛ وتشجيع صنّاع المحتوى عبر الإنترنت على تعليم المهارات الرقمية الأساسية، ولا سيما للفئات المهمشة؛ وتكييف المبادرات مع السياقات المحلية، ومن أمثلة ذلك مبادرة «سايا ديجيتال» في ماليزيا التي تستخدم اللغات المحلية وتعالج التحديات المحلية بما يعزّز سهولة الوصول إليها وأثرها؛ وإدماج مهارات التفكير النقدي والتواصل في التعليم، إذ قد يقلّل الإفراط في الاعتماد على الإجابات التي يولّدها الذكاء الاصطناعي من الانخراط المعرفي ويفضي إلى الكسل الذهني، ومن ثمّ ينبغي لبرامج المعرفة الرقمية أن تدمج التدريب على طرح الأسئلة الفعّالة، وتقييم المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي، وتعزيز حلّ المشكلات باستقلالية.
وتستطيع البلدان متوسطة الجاهزية للذكاء الاصطناعي تعزيز التدريب على المهارات الرقمية المتوسطة والمتقدمة وجاهزية القوى العاملة من خلال ما يلي. أولاً، جعل التدريب الرقمي أيسر تكلفة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي كثيراً ما تفتقر إلى الموارد اللازمة لتدريب موظفيها على المهارات الرقمية، بما يؤثر في إنتاجيتها وقدرتها التنافسية؛ ويمكن للاستثمار العام، مدعوماً بمساندة الاتحادات الصناعية، أن يموّل برامج رفع المهارات ويضمن اكتساب العاملين في هذه المنشآت الكفاءات الأساسية. وثانياً، معالجة نقص مدرّبي المهارات الرقمية، إذ يمكن لتوسيع تدريب أعضاء هيئة التدريس وتحفيز المسارات المهنية في التعليم الرقمي أن يحسّن جودة التعليم. وثالثاً، تشجيع التدريب الخاص بكل صناعة لمعالجة نقص المهارات القطاعية؛ فالشراكات بين الصناعة والمؤسسات التعليمية تساعد على ضمان توافق التدريب المقدَّم مع احتياجات السوق المتغيرة باستمرار، وتقدّم نماذج مثل مدارس «مايستر» في كوريا، التي تركّز على مواءمة التدريب المهني مع متطلبات سوق العمل، دروساً قيّمة قابلة للتكرار. ورابعاً، اعتماد إطار للتحديث المنتظم للمناهج في نظم التعليم؛ ففي مشهد تقني سريع التطور، تُعدّ التقييمات الدورية للطلب على المهارات الرقمية والمعروض منها أساسية، إذ تمكّن صانعي السياسات من تحديد فجوات المهارات واستشراف الاحتياجات المستقبلية وتصميم برامج تعليم وتدريب مستجيبة، ويمكن لمثل هذه المبادرات أن تحسّن كفاءة المطابقة في سوق العمل، وتقلّل البطالة والعمالة الناقصة بتزويد العاملين بالكفاءات ذات الصلة. فبرنامج «مهارات المستقبل» في سنغافورة مثلاً يوظّف تحليلات البيانات الضخمة والمشاورات مع الصناعة لتحديث أطر التدريب بسرعة، متجنباً التأخير المرتبط بالدراسات طويلة الأمد. وخامساً، ضمان جودة أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في التعليم؛ فكثير من منصات التعلّم المدعومة بالذكاء الاصطناعي تعمل بنماذج مملوكة، مما يثير مخاوف بشأن الدقة والتحيزات وتنمية المهارات على المدى الطويل، ويمكن للرقابة العامة وإجراءات الاعتماد الشفافة أن تضمن توافق أدوات الذكاء الاصطناعي مع أفضل الممارسات التعليمية.
أما البلدان عالية الجاهزية للذكاء الاصطناعي، فتستطيع دعم وصول الجامعات والباحثين والشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي إلى البنية التحتية وبيانات التدريب لأغراض البحث والابتكار والتسويق. فأبحاث الذكاء الاصطناعي باتت تهيمن عليها الصناعة على نحو متزايد بدلاً من الأوساط الأكاديمية، لأن أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي تتطلب على نحو متزايد قدرة حاسوبية هائلة ومجموعات بيانات واسعة تفتقر إليها الجامعات. وسيكون تمكين الجامعات من البقاء في طليعة أبحاث الذكاء الاصطناعي أمراً أساسياً لتحقيق إمكاناته طويلة الأمد. وعلى نحو مماثل، قد تفتقر الشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي إلى الوصول إلى القدرة الحاسوبية وبيانات التدريب اللازمة لمنافسة العمالقة الراسخين بفاعلية. وتستطيع الحكومات تقديم إعانات موجّهة لتيسير وصول الباحثين والشركات الناشئة المحلية في الذكاء الاصطناعي إلى موارد الحوسبة عالية الأداء.
ويمكن للاستثمار في مهارات الذكاء الاصطناعي المتقدمة والقدرات البحثية أن يولّد آثاراً إيجابية غير مباشرة كبيرة، ويبرّر هذا الأثر الخارجي الإيجابي التدخل الحكومي. إذ تستطيع الحكومات الشراكة مع شركات التقنية الرائدة والجامعات المرموقة لتقديم مقررات وبرامج تدريبية عالية التخصص في الذكاء الاصطناعي ضمن المناهج الجامعية، ولا سيما في برامج الدكتوراه. كما تستطيع تقديم منح دراسية للدرجات العلمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وللاحتفاظ بالمواهب الرقمية واستقطابها، تستطيع البلدان عالية الجاهزية للذكاء الاصطناعي القيام بما يلي. أولاً، تعزيز استراتيجيات الاحتفاظ بالمواهب لمعالجة هجرة العقول؛ فتقديم رواتب تنافسية في مؤسسات البحث العامة، ومنح بحثية، وحوافز ضريبية، وفرص للتطوير المهني، قد يحفّز العاملين المهرة على البقاء. فقد نجحت خطة «الألف موهبة» في الصين في إعادة الباحثين الصينيين بتقديم رواتب مرتفعة وتمويل بحثي وأدوار قيادية في أبحاث الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، مما عزّز منظومة الابتكار فيها. وثانياً، تبسيط تأشيرات العمل وإصدار تأشيرات «الرحّالة الرقميين» للمساعدة على استقطاب المواهب الرقمية الأجنبية؛ إذ تستطيع الحكومات تقديم تأشيرات مبسّطة ومنح بحثية وحوافز ضريبية لخبراء الذكاء الاصطناعي ورواد الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي وإنشاء مراكز للذكاء الاصطناعي تجعل البلد وجهة تنافسية في هذا المجال.
ومعالجة فجوة المهارات وحماية العاملين في عصر الذكاء الاصطناعي تحدٍّ معقد يتطلب نهجاً متعدد الأوجه في السياسات. فمن خلال إجراء تقييمات منتظمة للمهارات، والاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وتعزيز مهارات التفكير النقدي والتواصل والتعلّم الذاتي، ودعم مبادرات التعلّم المستمر مدى الحياة وإعادة التأهيل، تستطيع البلدان تهيئة بيئة تزدهر فيها المنشآت والعاملون معاً. ولا تقتصر فائدة هذه الاستراتيجيات على تحسين كفاءة المطابقة في السوق وتمكين العاملين منخفضي المهارة، بل تمتد إلى دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة وتعزيز النمو الاقتصادي الشامل.
