القائمة الرئيسية

تقرير التقدم والاتجاهات الرقمية 2025: تعزيز أسس الذكاء الاصطناعي (6/3)

تقرير التقدم والاتجاهات الرقمية 2025: تعزيز أسس الذكاء الاصطناعي (6/3)
ملخص الدراسة

تُعدّ القدرة الحاسوبية أساسًا جوهريًا للذكاء الاصطناعي، لكن توزيعها يشهد تفاوتًا كبيرًا على مستوى العالم، حيث تهيمن عليها الدول مرتفعة الدخل، خاصة الولايات المتحدة، التي تستأثر بنصيب الأسد من رقائق الذكاء الاصطناعي والخوادم ومراكز البيانات وقدرات الحوسبة الفائقة. هذا التفاوت يعيق البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل عن تبني الذكاء الاصطناعي والابتكار فيه. على الرغم من أن هذه القدرة قابلة للتداول إلى حد كبير عبر الخدمات السحابية، إلا أن الاعتماد الشديد على الموردين الأجانب، وخاصة الأمريكيين، يثير قضايا السيادة والتحكم بالبيانات. يتطلب سد هذه الفجوة دورًا حكوميًا محوريًا من خلال تهيئة بيئة مواتية لتيسير الوصول، والموازنة بين الاستثمار في مراكز البيانات المحلية (لما لها من منافع اقتصادية وتوظيفية وسيادية وتكاليف بيئية وبنيوية) والاعتماد على الحلول السحابية الدولية، ومعالجة العوائق مثل نقص البنية التحتية، وارتفاع التكاليف، وقلة الخبرة الفنية، وعدم اليقين التنظيمي، مع ضمان الاستدامة البيئية. ويمكن تحقيق ذلك عبر الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والإعانات الموجهة، والتعاون الإقليمي، وتحديث الأطر التنظيمية، والاستثمار في المهارات الرقمية.

الفصل الثالث: القدرة الحاسوبية

الرسائل الرئيسية

تُعدّ القدرة الحاسوبية أساساً للذكاء الاصطناعي، لكن البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل لا تمتلك منها إلا موارد محدودة جداً. فمن حيث رقائق الذكاء الاصطناعي والخوادم، هيمنت الولايات المتحدة في عام 2024 على المعروض من رقائق الذكاء الاصطناعي والوصول إليها، واحتضنت 50% من خوادم الإنترنت الآمنة في العالم، واستأثرت البلدان الأخرى مرتفعة الدخل بنسبة 41% أخرى، ولم يبقَ لبقية العالم سوى 9%. وعلى أساس نصيب الفرد، تمتلك الولايات المتحدة خوادم تفوق ما لدى البلدان متوسطة الدخل النموذجية بمائتي ضعف، وما لدى البلدان منخفضة الدخل بعشرين ألف ضعف. ومن حيث أنظمة الحوسبة عالية الأداء، احتضنت البلدان مرتفعة الدخل حتى يونيو 2025 نسبة 86% من أفضل خمسمائة نظام للحوسبة عالية الأداء في العالم و97% من سعتها. وباستثناء الصين والهند، لا تحتضن البلدان متوسطة الدخل سوى 3% من هذه الأنظمة ولا تمثّل سوى 1% من سعتها، رغم أنها تمثّل 15% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي و48% من سكان العالم. ومن حيث مراكز البيانات، استأثرت البلدان مرتفعة الدخل حتى يونيو 2025 بنسبة 77% من السعة العالمية لمراكز البيانات المشتركة مقيسة بإجمالي الميغاواط، والبلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى بنسبة 18%، والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى بنسبة 5%، والبلدان منخفضة الدخل بأقل من 0.1%.

والقدرة الحاسوبية قابلة للتداول عبر الحدود إلى حدّ كبير. ويتعيّن على الحكومات أن توازن بين تكاليف تشجيع الاستثمار في مراكز البيانات المحلية ومنافعه وفقاً لسياق كل بلد، لضمان الجدوى والاستدامة والفاعلية من حيث التكلفة. فمن حيث نمو صادرات الحوسبة السحابية، تشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة تستأثر بنسبة 87% من الصادرات العالمية للحوسبة السحابية، بمعدل نمو سنوي مركّب مذهل بلغ 23% خلال الفترة من 2006 إلى 2023. وتعتمد معظم البلدان اعتماداً كبيراً على الخدمات السحابية الأمريكية، وإن كان مزوّدو الخدمات السحابية الصينيون قد اكتسبوا حضوراً متزايداً في السنوات الأخيرة، ولا سيما في شرق آسيا والمحيط الهادئ. ومن حيث التفاوت في الحوسبة السحابية، استأثرت البلدان مرتفعة الدخل في عام 2023 بنحو 84% من صادرات الحوسبة السحابية الأمريكية، تلتها البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى بنسبة 14%، ثم البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى بنسبة 2%، في حين لم تحظ البلدان منخفضة الدخل بشيء. وقادت قطاعات خدمات تقنية المعلومات والاتصالات بنسبة 79%، والخدمات المالية بنسبة 73%، والخدمات المهنية بنسبة 67%، دمج الحوسبة السحابية بفضل درجة الرقمنة العالية فيها. ومن حيث الموازنة بين التكاليف والمنافع، فإن الاستثمار المخطط جيداً في مراكز البيانات المحلية قد يعزّز النمو الاقتصادي والتوظيف والسيادة الرقمية، لكنه يتطلب طاقة وبنية تحتية رقمية عالية الجودة وميسورة التكلفة وحجماً كبيراً من الطلب المحلي، وقد يضغط على شبكات الكهرباء ويرفع تكاليف الأراضي ويؤثر في البيئة.

وينبغي للحكومات تهيئة بيئة مواتية لتيسير الوصول إلى موارد الحوسبة، بما يحفّز تبنّي الذكاء الاصطناعي وتكييفه والابتكار فيه. فمن حيث العوائق والآثار الخارجية الرئيسية، كثيراً ما تثبّط تكاليف الدخول المرتفعة، وقيود البنية التحتية للطاقة والاتصالات الرقمية، ومحدودية الطلب المحلي، وعدم اليقين التنظيمي، ونقص الخبرة في الحوسبة السحابية، وإخفاقات التنسيق، الاستثمار الخاص في البنية التحتية للحوسبة. وتولّد هذه البنية آثاراً خارجية إيجابية، كالآثار غير المباشرة العابرة للقطاعات التي ترفع الإنتاجية، وأخرى سلبية كالتكاليف البيئية ومواطن الضعف المتعلقة بالأمن الوطني. ومن حيث الاستثمار العام والسياسات الممكّنة، يمكن للتدخلات الموجّهة، كإعانات الحوسبة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة والباحثين، ومراكز البيانات الإقليمية، والشراكات بين القطاعين العام والخاص في مجالات كالبنية التحتية لتدريب الذكاء الاصطناعي، أن تخفض العوائق وتوسّع الوصول وتطلق الإمكانات الكاملة للذكاء الاصطناعي، مع إدارة المخاطر عبر الحوافز والأنظمة المتعلقة بكفاءة الطاقة وحوكمة البيانات.

مقدمة

بأمر بسيط مثل «سنجاب يرتدي بدلة عمل صغيرة، ويفاوض حمامة بشراسة على حبات البلوط في حديقة»، تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي أن تستحضر فوراً صورة واقعية بسرعة وتفاصيل تكاد تكون مقلقة. غير أن هذه القدرة السحرية للذكاء الاصطناعي لا تنبثق من العدم. فرغم أن تقنية الذكاء الاصطناعي غير ملموسة، فإنها تعتمد على بنية تحتية مادية هائلة تشمل رقائق الذكاء الاصطناعي وأجهزة تخزين البيانات والخوادم ومراكز البيانات فائقة النطاق. وسواء أكان الأمر ذكاءً اصطناعياً تقليدياً أم ذكاءً اصطناعياً توليدياً متطوراً، فإن هذه التقنيات تتطلب سعات تخزين وقدرة حاسوبية هائلة لتحليل الأنماط في البيانات والتنبؤ بها.

ويتعمّق هذا الفصل في البنية التحتية للحوسبة التي تقوم عليها ثورة الذكاء الاصطناعي. ويبدأ بتحليل جانب العرض في السوق، مسلّطاً الضوء على تركّزه الشديد في يد حفنة صغيرة من شركات التقنية الكبرى وعلى قضايا الاستدامة. ثم يناقش أنماط الطلب، مقارناً بين الخيارات المختلفة للوصول إلى البنية التحتية للتخزين والحوسبة، والعوامل المؤثرة في قابلية تداول القدرة الحاسوبية عبر الحدود. ويرصد قسم «الفجوة الحاسوبية» القدرة الحاسوبية في مختلف البلدان، ويحلّل الفجوة الرقمية في هذا المجال، ويدرس العوامل المؤثرة في أداء البلدان. ويناقش القسم الأخير إخفاقات السوق والعوائق التي تحول دون وصول البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل إلى القدرة الحاسوبية، ودور الحكومة، ومزايا المقاربات الحكومية القائمة لمعالجة هذا العائق وعيوبها.

العرض: هيكل السوق ونموه واستدامته

تتألف طبقة القدرة الحاسوبية في منظومة الذكاء الاصطناعي من مكوّنات كثيرة مترابطة من العتاد والبرمجيات واتصالات البيانات. وتتسم قطاعات السوق وسلاسل الإمداد بتعقيد شديد وتطوّر مستمر بفعل التقدّم التقني السريع وتنوّع احتياجات التطبيقات. فجهات فاعلة ومنتجات ونماذج أعمال جديدة تظهر بانتظام، ويضيف التفاعل بين تطوّر العتاد وتحسين البرمجيات طبقات أخرى من التعقيد. ويعرّف هذا التقرير القدرة الحاسوبية بأنها القدرة على تخزين البيانات ومعالجتها ونقلها على نطاق واسع.

وتحتكر شركة واحدة أو حفنة صغيرة من الشركات القدرة الحاسوبية عند نقاط رئيسية في سلسلة الإمداد. ويشكّل تركّز الصناعة قوة موجّهة لكيفية تصنيع القدرة الحاسوبية والوصول إليها.

وفي قلب عتاد الذكاء الاصطناعي تقع رقائق المعالجة، وهي الدماغ الذي يجري العمليات الحسابية. ومصطلح «رقاقة الذكاء الاصطناعي» واسع، إذ يشمل أنواعاً كثيرة من الرقائق المصممة لبيئات الحوسبة الشاقة التي تتطلبها مهام الذكاء الاصطناعي. ومن أمثلة رقائق الذكاء الاصطناعي الشائعة وحدات معالجة الرسوميات، ووحدات معالجة الموترات، ووحدات المعالجة العصبية، ومصفوفات البوابات القابلة للبرمجة ميدانياً، والدوائر المتكاملة المخصصة للتطبيقات.

وقد شهدت سوق رقائق معالجة الذكاء الاصطناعي نمواً سريعاً في السنوات الأخيرة، ويُتوقع أن تتوسّع عشرة أضعاف خلال العقد المقبل، مدفوعة بالطلب المتصاعد على التقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في مختلف الصناعات. وتتسم سوق رقائق الذكاء الاصطناعي بتركّز شديد، وإن كانت المنافسة تشتد. إذ تسيطر إنفيديا على ما بين 70% و95% من سوق رقائق الذكاء الاصطناعي، وتتصدّر سوق وحدات معالجة الرسوميات لمراكز البيانات بفارق كبير، بحصة سوقية مذهلة بلغت 92% حتى عام 2023. ويمكن عزو ريادة إنفيديا المستمرة إلى ميزة السبق، وإلى منظومة برمجيات CUDA الراسخة والمحسّنة لديها، التي توفّر بيئة تطوير شاملة للحوسبة المسرّعة بوحدات معالجة الرسوميات. غير أن المنشآت الكبيرة والصغيرة على حدّ سواء تبحث بنشاط عن بدائل لتنويع خياراتها من رقائق الذكاء الاصطناعي.

ويهيمن على قطاع الحوسبة السحابية العامة مزوّدون «فائقو النطاق» مثل علي بابا كلاود وأمازون ويب سيرفيسز وغوغل كلاود بلاتفورم وآي بي إم كلاود ومايكروسوفت أزور. ويقدّم هؤلاء المزوّدون حلولاً سحابية متنوعة تمكّن المنشآت والحكومات من توسيع عملياتها بسرعة والوصول إلى أحدث التقنيات دون استثمارات أولية كبيرة في العتاد والبنية التحتية. وللمؤسسات التي تفضّل مزيداً من التحكّم في بيئاتها السحابية، تتوافر حلول السحابة الخاصة من موردين مثل VMware ومشروع OpenStack مفتوح المصدر، وهي توفّر بدائل للنشر في مقار المؤسسة أو على سحابة مخصصة.

ومن المقاربات التي يتزايد شيوعها السحابة الهجينة، التي تجمع بين موارد السحابتين العامة والخاصة لتحقيق التوازن بين قابلية التوسّع والكفاءة من حيث التكلفة والتحكّم. وكثيراً ما تنطوي الاستراتيجيات الفعّالة للسحابة الهجينة على تعاون بين موردي السحابتين العامة والخاصة، بما يتيح قابلية التشغيل البيني وأدوات إدارة موحّدة ومسارات ابتكار مشتركة تمنح المؤسسات مرونة وقدرة أكبر على الصمود.

وتشهد سوق الحوسبة السحابية العالمية كذلك توسّعاً واندماجاً سريعين، بما يحمل منافع وتحديات لمنظومة الذكاء الاصطناعي. فقد قدّرت غولدمان ساكس أن سوق الحوسبة السحابية ستتوسّع بمعدل نمو سنوي قدره 22% خلال الفترة من 2024 إلى 2030، لتصل إلى تريليوني دولار أمريكي بنهاية العقد. وتستحوذ أمازون ويب سيرفيسز ومايكروسوفت أزور وغوغل كلاود مجتمعة على ثلثي الحصة السوقية. وتؤدي عوائق الدخول المرتفعة وآثار الشبكة ووفورات الحجم مجتمعة إلى تركّز سوقي مرتفع، قد تترتب عليه آثار نافعة وضارة اجتماعياً في آن واحد.

فحجم كبار مزوّدي الخدمات السحابية وتطوّرهم يعودان بالنفع على عملائهم من خلال تحسين الكفاءة، والمنصات المتكاملة بسلاسة، وقدرات الأمن السيبراني المتقدمة، بما فيها رصد الحوادث والاستجابة لها. غير أن التركّز السوقي المرتفع قد يقلّل المنافسة أيضاً، ويولّد ارتهاناً للمورد، ويمنح التطبيقات التابعة للمزوّد نفسه امتيازات غير عادلة على نظيراتها من الأطراف الثالثة، ويشكّل مخاطر نظامية على القطاعات الحيوية.

وتنمو الموارد الحاسوبية التي تتطلبها نماذج الذكاء الاصطناعي نمواً انفجارياً. وتُقاس كمية الحوسبة المستخدمة بعدد عمليات الفاصلة العائمة، ويُقاس أداء الحوسبة بعدد هذه العمليات في الثانية. فقبل عصر التعلّم العميق، كانت كمية الحوسبة المستخدمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي تتضاعف كل أربعة وعشرين شهراً تقريباً، وحين ترسّخ التعلّم العميق نحو عام 2010 باتت تتضاعف كل ستة أشهر. فمجموعات بيانات التدريب الأكبر، وبنى النماذج الأكثر تعقيداً، والمعالجة المتوازية، كلها تتطلب نطاقاً متنامياً من حوسبة التدريب في الذكاء الاصطناعي، رغم تحسّن كفاءة الحوسبة الذي تجلبه الأجيال الجديدة من الرقائق. وبعد التدريب، قد يتطلب تطبيق النموذج المُدرّب لإجراء تنبؤات أو اتخاذ قرارات بشأن بيانات جديدة لم يرها من قبل، وهو ما يُعرف بالاستدلال، قدرة حاسوبية أكبر في نهاية المطاف مع تنامي الاستخدام بمرور الوقت.

ويُعدّ توفير البنية التحتية الحاسوبية الهائلة بالنطاق الذي تتطلبه أبحاث الذكاء الاصطناعي الرائدة مكلفاً من حيث النفقات الرأسمالية الأولية وتكاليف التشغيل المستمرة معاً، مما يثير تساؤلات حول استدامة الاتجاهات الحالية في تطوير الذكاء الاصطناعي. وتقدّر مؤسسة نيو ستريت ريسيرتش أن ألفابت وأمازون وميتا ومايكروسوفت استثمرت معاً 104 مليارات دولار أمريكي في بناء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي في عام 2024. وبإضافة إنفاق شركات التقنية الأصغر والصناعات الأخرى، قد يبلغ إجمالي الاستثمار في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بين عامَي 2023 و2027 نحو 1.4 تريليون دولار أمريكي. وتشير التقديرات إلى أن عملية تدريب نموذج GPT 4 كلّفت أكثر من مائة مليون دولار أمريكي. وتشكّل تكاليف التدريب الباهظة عائقاً مرتفعاً أمام دخول سوق نماذج الذكاء الاصطناعي، بما يصبّ في مصلحة الشركات الكبيرة والراسخة. وقد تُترجم هذه التكلفة في نهاية المطاف إلى أسعار أعلى لمستخدمي أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي وواجهات برمجة التطبيقات. غير أن الشركة الصينية الناشئة ديب سيك أثبتت أن تكاليف تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة يمكن خفضها خفضاً كبيراً بتقنيات محسّنة.

وإن لم يُدَر الطلب المتنامي للحوسبة على الطاقة والتبريد إدارة سليمة، فقد يضغط على البنية التحتية القائمة للطاقة والمياه ويفاقم الآثار البيئية. فمع نمو الطلب على الحوسبة، تزداد الطاقة المستهلكة في تدريب النماذج تبعاً لذلك. وتشير التقديرات إلى أن استعلاماً واحداً في ChatGPT يستهلك طاقة تفوق ما يستهلكه استعلام بحث في غوغل بخمسة وعشرين ضعفاً.

كما يولّد تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة وتطبيقها كميات هائلة من الحرارة تطرح تحديات في التبريد. إذ تُستخدم كميات كبيرة من المياه في تبريد الخوادم التي تشغّل تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فنصف لتر من الماء يتبخر مع كل محادثة في ChatGPT تضم ما بين 29 و50 استعلاماً. ولأن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي هذه تُستخدم مليارات المرات شهرياً، فإن استهلاك المياه يتراكم سريعاً ليبلغ كميات ضخمة.

وقد بذل القطاع الخاص جهوداً متنوعة للتخفيف من الآثار البيئية للذكاء الاصطناعي، منها تحسين كفاءة العتاد في استهلاك الطاقة، وتحسين الخوارزميات لخفض المتطلبات الحاسوبية، وزيادة استخدام مصادر الطاقة المتجددة. وتزيد الشركات استثماراتها في الطاقة المتجددة وتطوّر مراكز بيانات موفّرة للطاقة. كما تستكشف بعض الشركات الطاقة النووية ضمن مزيج أوسع من مصادر الطاقة لتلبية الطلب المتنامي. غير أن الآراء تتباين حول ما إذا كان بالإمكان توسيع الطاقة النووية بالسرعة الكافية لمواجهة الارتفاع الحاد المتوقع في احتياجات الطاقة خلال هذا العقد.

وتراقب الحكومات كذلك تطوّر مراكز البيانات عن كثب، وتدرس وضع أنظمة لمعالجة قضايا الاستدامة. فقد علّقت أيرلندا وهولندا وسنغافورة مؤقتاً بناء مراكز بيانات جديدة لتخفيف الضغط على شبكات الكهرباء. وأطلقت سنغافورة في عام 2023 معياراً جديداً للاستدامة وسيلةً لخفض استهلاك الطاقة. وفي عام 2024، اعتمد الاتحاد الأوروبي نظاماً على مستوى الاتحاد لتصنيف مراكز البيانات من حيث الاستدامة.

وستُلزم المؤسسات المشغّلة لمراكز البيانات في دول الاتحاد الأوروبي بتقديم تقارير تفصّل استهلاكها من المياه والطاقة والخطوات التي تتخذها لخفضه. ويهدف هذا النظام إلى زيادة الشفافية، وربما إلى تشجيع تصاميم جديدة وتطوير الكفاءة في مراكز البيانات، بما لا يقتصر على خفض استهلاك الطاقة والمياه، بل يشمل أيضاً تشجيع استخدام الطاقة المتجددة، ورفع كفاءة الشبكة، أو إعادة استخدام الحرارة المهدرة في المرافق وشبكات التدفئة القريبة.

الطلب: أنماط الوصول إلى القدرة الحاسوبية والمفاضلات بينها

ثمة طريقتان للوصول إلى البنية التحتية الحاسوبية: الشراء أو الاستئجار. فبعض المؤسسات، ولا سيما شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة التي تقدّم نماذج تأسيسية مثل ألفابت وميتا ومايكروسوفت وOpenAI وxAI، تختار شراء رقائق الذكاء الاصطناعي مباشرة لتدريب نماذجها. ومن المزايا الرئيسية لذلك الوصول الحصري إلى أحدث العتاد فور توافره. غير أن التكاليف الرأسمالية الأولية لشراء العتاد وبناء مراكز البيانات وتوسيعها هائلة. كما ينطوي الأمر على تعقيد تشغيلي كبير في إدارة الموارد العنقودية وجدولة المهام ونحو ذلك. وتلزم دورات متكررة لتحديث العتاد بالنظر إلى وتيرة الابتكار السريعة. وفضلاً عن ذلك، تفتقر البنية التحتية المملوكة إلى المرونة اللازمة للتوسّع بسهولة إلى سعة إضافية عند ذروة الطلب، ويتعيّن على المؤسسات إدارة استراتيجياتها الخاصة للنسخ الاحتياطي والتعافي من الكوارث.

أما لمعظم المؤسسات الأخرى، فالخيار الأساسي هو استئجار سعة الحوسبة والتخزين من مزوّدي الخدمات السحابية وفق مبدأ الدفع مقابل الاستخدام. فالعروض السحابية العامة توفّر بنية تحتية مشتركة متعددة المستأجرين تُقدَّم بوصفها خدمة، والسحابة الخاصة تُبقي البيئة مخصصة ويمكن استضافتها داخلياً أو لدى مورد، في حين تتيح السحابة الهجينة الجمع بين السحابتين الخاصة والعامة مع إمكانية نقل البيانات والتطبيقات بينهما.

ومن المنافع الأساسية للحوسبة السحابية انخفاض التكاليف الأولية، وقابلية التوسّع الفوري إلى سعة أعلى، وتولّي مزوّد الخدمة إدارة البنية التحتية الأساسية. كما تتيح الشبكات العالمية لمراكز البيانات مرونة جغرافية تخفّض زمن الاستجابة. وتقلّل الحوسبة السحابية كذلك أعباء الإدارة، وتتيح الوصول إلى خدمات وأدوات متقدمة يسهل دمجها في التطبيقات. ومن عيوبها المحتملة ارتفاع التكاليف عند النطاقات الفائقة على مدى فترات طويلة، والمخاوف من الارتهان للخدمات المملوكة لمورد بعينه، ومحدودية التحكّم والتخصيص، ورسوم نقل البيانات إلى الخارج في أعباء العمل كبيرة الحجم.

ولأنواع المستخدمين المختلفة متطلبات متمايزة من تخزين البيانات والحوسبة. فكثيراً ما تفضّل الشراء المؤسسات الخاضعة لمتطلبات امتثال تنظيمي صارمة، أو ذات متطلبات أداء فريدة، أو أعباء عمل مستقرة ويمكن التنبؤ بها، والتي تمتلك الموارد اللازمة لإدارة بنيتها التحتية الخاصة. ومن هذه المؤسسات عادة كبار مطوّري النماذج التأسيسية والباحثون ذوو أعباء العمل الثقيلة في الذكاء الاصطناعي.

ويُوصى عموماً بالحوسبة السحابية للمنشآت الساعية إلى المرونة وقابلية التوسّع والكفاءة من حيث التكلفة، ولا سيما في أعباء العمل المتغيرة أو التجريب، وسرعة النشر، والوصول إلى خدمات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وتقليل الأعباء التشغيلية. وكثيراً ما تحتاج المنشآت الكبيرة والجهات الحكومية إلى قدرة حاسوبية كبيرة لإدارة كميات هائلة من البيانات ومعالجتها، وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ودعم العمليات اليومية. وهي كثيراً ما تعتمد نماذج هجينة وديناميكية، تطابق فيها أنماط أعباء العمل المختلفة مع نموذج النشر الأمثل لتحقيق التوازن بين الرشاقة والتكلفة والتحكّم وأمن البيانات والأداء.

أما العاملون الأفراد والمستهلكون والمنشآت الصغيرة، فيصلون إلى الذكاء الاصطناعي أساساً عبر المنصات البرمجية والخدمات السحابية مثل ChatGPT ومايكروسوفت كوبايلوت. وبوصفهم مستخدمين نهائيين، تعتمد تجربتهم اعتماداً كبيراً على سرعة الإنترنت لديهم، وعتاد هذه المنصات، وقرب مراكز البيانات. ويعتمد مزوّدو تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل OpenAI على مزوّدي الخدمات السحابية لاستضافة نماذج الذكاء الاصطناعي وخدماته على نطاق عالمي، مما يتيح وصولاً سلساً للأفراد في جميع أنحاء العالم.

غير أن زمن الاستجابة يظل عاملاً مؤثراً؛ فكلما ابتعد المستخدم عن مركز البيانات، قد تصبح تجربته مع الذكاء الاصطناعي أبطأ وأقل جودة. وفي التطبيقات التي تتطلب استجابة آنية، كالتعرّف الحي على الكلام أو التحكّم في الروبوتات، يحظى المستخدمون بتجربة أكثر سلاسة حين يكونون قريبين جغرافياً من منطقة استضافة نظام الذكاء الاصطناعي. ويواصل كبار مزوّدي الخدمات السحابية توسيع شبكاتهم العالمية لمراكز البيانات لتقليص قيود القرب هذه بمرور الوقت. كما بات بإمكان الأفراد والمنشآت الصغيرة على نحو متزايد الوصول إلى الذكاء الاصطناعي على أجهزتهم الطرفية، كالهواتف الذكية والأجهزة القابلة للارتداء والسيارات وأجهزة المنازل الذكية.

الفجوة الحاسوبية

البيانات المتعلقة بأداء البلدان في امتلاك رقائق الذكاء الاصطناعي وسعة مراكز البيانات وتبنّي الحوسبة السحابية شحيحة لعدة أسباب. فأولاً، تدفع الوتيرة السريعة للتقدّم التقني والطبيعة التنافسية لصناعتي الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية الشركاتِ إلى التحفّظ الشديد على المعلومات التفصيلية المتعلقة ببنيتها التحتية وقدراتها بوصفها أصولاً مملوكة واستراتيجية. وثانياً، تفتقر البلدان والمؤسسات إلى أطر موحّدة للإبلاغ والقياس، مما يصعّب تجميع البيانات ومقارنتها على نحو متسق. وثالثاً، قد تحدّ الاعتبارات الجيوسياسية ومخاوف الأمن الوطني من شفافية المعلومات وتوافرها، لأن الدول تعدّ البراعة التقنية في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية أمراً حاسماً لمصالحها الاستراتيجية. وأخيراً، تعني الطبيعة الناشئة والمتطورة لهذه التقنيات أن مجموعات البيانات الشاملة وآليات التتبع لا تزال قيد التطوير، مما يؤدي إلى توافر بيانات مجزأة وغير مكتملة على المستوى العالمي.

ويجمع هذا القسم بين بيانات الحواسيب الفائقة من قائمة TOP500، وبيانات سعة مراكز البيانات المشتركة من شركة تيليجيوغرافي، وبيانات تبنّي الحوسبة السحابية، لإلقاء الضوء على أداء البلدان في البنية التحتية لتخزين البيانات والحوسبة. وبالنظر إلى المعلومات غير المكتملة المشار إليها، فإن النتائج المعروضة هنا استرشادية فحسب، وإن كان هذا الجرد البسيط يكشف توزيعاً شديد التفاوت للوصول إلى القدرة الحاسوبية.

فالولايات المتحدة تمتلك أعلى قدرة حاسوبية خام وأقوى الحواسيب الفائقة، وتتصدّر العالم في إنتاج رقائق الذكاء الاصطناعي والوصول إليها، وتهيمن على سوق الحوسبة السحابية العالمية. فحتى يونيو 2025، احتضنت الولايات المتحدة 175 نظاماً من أفضل خمسمائة نظام للحوسبة عالية الأداء، وهو أكبر عدد في العالم، واستأثرت بنحو 50% من سعة الحوسبة الفائقة في هذه القائمة، و50% من خوادم الإنترنت الآمنة في العالم، و26% من مراكز البيانات المشتركة، ونحو 40% من سعتها، في حين لا تمثّل سوى 27% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي و4% من سكان العالم. وهي تهيمن على إنتاج وحدات معالجة الرسوميات واستخدامها، إذ استأثرت بنحو نصف الإيرادات العالمية لإنفيديا في السنة المالية المنتهية في يناير 2025. وتمتلك شركات التقنية الأمريكية الكبرى مثل غوغل وميتا ومايكروسوفت وxAI ملايين من رقائق الذكاء الاصطناعي، منها رقائق H100 من إنفيديا، بما يفوق كثيراً ما تملكه أي شركة أخرى في العالم.

وتتمتع الدول الأوروبية، ولا سيما فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا والمملكة المتحدة، بقدرة حاسوبية كبيرة كذلك، وإن كانت تعاني ندرة في كبار مزوّدي الخدمات السحابية المحليين وموردي رقائق الذكاء الاصطناعي. وتحتضن أوروبا وآسيا الوسطى ثلث أنظمة الحوسبة عالية الأداء وسعتها وخوادم الإنترنت في العالم، إلى جانب 28% من مراكز البيانات المشتركة و22% من سعتها، في حين تمثّل 27% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي و11% من سكان العالم. ويتركّز معظم هذه الموارد الحاسوبية في دول الاتحاد الأوروبي، ولا سيما الدول الخمس المذكورة. فألمانيا وحدها تحتضن 41 نظاماً من أفضل خمسمائة نظام للحوسبة عالية الأداء، و10% من خوادم الإنترنت الآمنة، و5.5% من مراكز البيانات المشتركة.

ورغم هذه البنية التحتية المتينة، تفتقر الدول الأوروبية إلى مزوّدين كبار للسحابة العامة وموردين لرقائق الذكاء الاصطناعي. فشركة OVHcloud الفرنسية، وهي أكبر شركة أوروبية للسحابة العامة، أعلنت عن إيرادات سنوية بلغت مليار دولار أمريكي في عام 2024، وهو رقم يتضاءل أمام إيرادات العمالقة العالميين مثل علي بابا كلاود بستة عشر مليار دولار، وغوغل كلاود بلاتفورم بتسعة وأربعين مليار دولار، ومايكروسوفت أزور بمائة وسبعة مليارات دولار، وأمازون ويب سيرفيسز بمائة وسبعة عشر مليار دولار. كما تفتقر أوروبا إلى رقائق تسريع خاصة بها للذكاء الاصطناعي.

وقدرة الصين الحاسوبية قوية ومتنامية. فهي تحتضن 47 نظاماً للحوسبة عالية الأداء، أي 9% من الإجمالي العالمي، و2% من سعة الحوسبة الفائقة، وإن كان هذا الرقم على الأرجح أقل من الواقع. ولا تستأثر الصين إلا بنسبة 1% من خوادم الإنترنت العالمية، و11% من مراكز البيانات المشتركة، و7% من سعتها، مقارنة بحصتها البالغة 17% من الناتج المحلي الإجمالي والسكان. كما استأثرت الصين بنسبة 13% من إيرادات إنفيديا في السنة المالية 2024/2025، وإن كانت هذه الحصة آخذة في التراجع بسبب الاحتكاكات التجارية مع الولايات المتحدة.

وباستثناء الصين، لا تحتضن البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل سوى 3% من أفضل خمسمائة نظام للحوسبة عالية الأداء، و1% من سعة الحوسبة الفائقة، و7% من خوادم الإنترنت الآمنة، و17% من مراكز البيانات المشتركة، و16% من سعتها، رغم أنها موطن 65% من سكان العالم وتسهم بنسبة 19% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وتستأثر البلدان مرتفعة الدخل بنسبة 86% من أفضل خمسمائة نظام للحوسبة عالية الأداء، وبنسبة مذهلة تبلغ 97% من سعتها. ومن بين البلدان متوسطة الدخل، تحتضن البرازيل تسعة من الأنظمة الرائدة، والهند ستة، وتايلاند وتركيا نظامين لكل منهما. كما سجّلت الأرجنتين والمغرب وفيتنام حضوراً في قائمة TOP500 لعام 2025. غير أن أداء الحواسيب الفائقة في البلدان متوسطة الدخل يتأخر كثيراً عن الأنظمة الرائدة.

وبعيداً عن الحوسبة عالية الأداء، تمتلك البرازيل والهند وإندونيسيا وجمهورية إيران الإسلامية وماليزيا وجنوب أفريقيا وتركيا عدداً لا بأس به من خوادم الإنترنت الآمنة ومراكز البيانات المشتركة. ويؤدي كثير من هذه الدول دور المراكز الإقليمية للحوسبة، بما تتمتع به من اقتصادات رقمية محلية مزدهرة وأسواق كبيرة وبيئات أعمال تجذب الاستثمارات في مراكز البيانات. أما وضع القدرة الحاسوبية في أفريقيا جنوب الصحراء والبلدان منخفضة الدخل فعسير. إذ تمثّل أفريقيا جنوب الصحراء 16% من سكان العالم، لكنها لا تسهم إلا بنسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، و1% من خوادم الإنترنت الآمنة وسعة مراكز البيانات المشتركة، ولا شيء من أنظمة الحوسبة عالية الأداء. ويقيم 9% من سكان العالم في البلدان منخفضة الدخل، التي لا تمثّل سوى 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ولا نصيب لها من القدرة الحاسوبية.

ومن بين الركائز الأربع، تُعدّ القدرة الحاسوبية حالياً العنصر الأكثر تداولاً. فالاتصال الدولي بالنطاق العريض والحوسبة السحابية يوفّران بديلاً جزئياً لمراكز البيانات المحلية، مما يولّد مفاضلة تتأثر بعدة عوامل، منها التصميم التقني المحدد لموارد الحوسبة، وزمن الاستجابة عبر الإنترنت، وتكاليف نقل البيانات، والاعتبارات الحاسمة المتعلقة بالخصوصية وسيادة البيانات.

وتسهم الولايات المتحدة بنسبة 87% من الصادرات العالمية لخدمات الحوسبة السحابية وتخزين البيانات، وقد نمت صادراتها سنوياً بنسبة 23% خلال الفترة من 2006 إلى 2023. واستناداً إلى بيانات تجارة الحوسبة السحابية المستقاة من التقارير السنوية للشركات، استأثرت الولايات المتحدة على نحو ثابت بنسبة 87% من الصادرات العالمية خلال الفترة من 2016 إلى 2021. وشهدت صادرات الصين من الحوسبة السحابية زيادة بلغت عشرة أضعاف بين عامَي 2016 و2021، وقفزت حصتها من الصادرات العالمية من 1% في عام 2016 إلى 6% في عام 2021، في حين تراجعت حصة ألمانيا من 10% إلى 6%. وباستثناء هذه البلدان الثلاثة، لا تمثّل جميع الاقتصادات الأخرى مجتمعة سوى 1% من الصادرات العالمية للحوسبة السحابية.

واستناداً إلى إحصاءات منظمة التجارة العالمية، نمت صادرات الولايات المتحدة من خدمات الحوسبة السحابية وتخزين البيانات بنسبة 23% سنوياً منذ عام 2006، لتبلغ 8.3 مليار دولار أمريكي في عام 2023. غير أن هذا المبلغ لم يمثّل سوى 4% من إيرادات أكبر ثلاثة مزوّدين للخدمات السحابية.

وتتجه صادرات الحوسبة السحابية الأمريكية أساساً إلى البلدان مرتفعة الدخل بنسبة تقارب 84%، حيث يتركّز الطلب. وتمثّل البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل، ولا سيما في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، سوقاً متنامية وإن ظلت صغيرة. فواردات فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وحدها مجتمعة تضاهي الحصة الإجمالية لجميع البلدان النامية. وقد أسهمت البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى بنسبة 14% من صادرات الحوسبة السحابية الأمريكية في عام 2023، في حين أسهمت البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى بنسبة 2%، ولم تسهم البلدان منخفضة الدخل بشيء.

وفي الأسواق النامية، تبرز أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي بوصفها الوجهة الرئيسية لصادرات الحوسبة السحابية الأمريكية، مع أعلى معدل نمو في الواردات بين عامَي 2019 و2023. وتستأثر البرازيل والمكسيك معاً بثلث صادرات الحوسبة السحابية الأمريكية إلى البلدان النامية، ويعود ذلك إلى حدّ كبير إلى النضج النسبي للاقتصاد الرقمي في المنطقة، الذي يغذّي الطلب على الحوسبة السحابية، وإلى قربها الجغرافي من الولايات المتحدة. واللافت أن الصين لا تمثّل سوى 2% من الصادرات السحابية الأمريكية، ويعود ذلك إلى حدّ كبير إلى هيمنة المزوّدين المحليين مثل علي بابا كلاود وهواوي كلاود وتينسنت كلاود.

ويتعيّن على الحكومات أن تقدّر ما إذا كان تشجيع الاستثمار في مراكز البيانات المحلية، عبر الحوافز أو الشراكات بين القطاعين العام والخاص أو غيرها من التدابير، يحقق قيمة أفضل من الاعتماد على المراكز الإقليمية أو الخدمات السحابية الدولية.

فمراكز البيانات المحلية المخطط لها جيداً قادرة على دفع التنمية الاقتصادية المحلية، وخلق الوظائف، وتحفيز التحوّل الهيكلي، وزيادة الإيرادات الضريبية. ففي شمال ولاية فرجينيا، المنطقة المكتظة بالسكان الواقعة على مقربة من العاصمة الأمريكية واشنطن، يوجد أعلى تركّز لمراكز البيانات في العالم، إذ بُني فيها نحو مائتي مركز، وتوجد 117 مركزاً أخرى قيد التطوير. وقد أوجدت صناعة مراكز البيانات في فرجينيا نحو 15 ألف وظيفة مباشرة، و1.9 مليار دولار أمريكي من الأجور والمزايا المرتبطة بها، و4.5 مليار دولار من الناتج الاقتصادي في عام 2018 وحده. وبحساب الآثار الاقتصادية المتتالية الناجمة عن الاستثمار المباشر، يتجاوز عدد الوظائف المستحدثة 45 ألف وظيفة، مع 3.5 مليار دولار أمريكي من الأجور والمزايا و10.1 مليار دولار أمريكي من الناتج الاقتصادي. وفضلاً عن ذلك، ولّدت مراكز البيانات 600.1 مليون دولار أمريكي من الإيرادات الضريبية على مستوى الولاية والمستوى المحلي.

وفي الصين، أصبحت مقاطعة قويتشو الجبلية في الجنوب الغربي رائدة في صناعة البيانات الضخمة في البلاد. فهذه المقاطعة، التي تضم واحداً من أكبر أعداد مراكز البيانات فائقة الضخامة في العالم، كان فيها 37 مركزاً كبيراً للبيانات قيد التشغيل أو الإنشاء في مطلع عام 2023. وقد دفعت الاستثمارات في مراكز البيانات تطوير الاقتصاد الرقمي في قويتشو، محققة أعلى معدل نمو في الصين لسبع سنوات متتالية منذ أن أصبحت منطقة تجريبية للبيانات الضخمة في عام 2016.

غير أن هذه المكاسب تنطوي على مفاضلات. فمراكز البيانات كثيفة الاستخدام لرأس المال والطاقة، وتفرض متطلبات ثقيلة على شبكات الكهرباء وأسواق الأراضي المحلية. وقد يجذب دعمها بالإعفاءات الضريبية الاستثمار، لكنه قد يؤثر أيضاً في أسعار الكهرباء والإيرادات الضريبية، بما قد يزاحم النشاط الاقتصادي في القطاعات كثيفة العمالة. ومع ارتفاع الأسعار الناجم عن الطلب على الأراضي لإقامة مراكز البيانات، تصبح العقارات التجارية والمساكن المجاورة أقل يسراً بالنسبة للسكان.

ففي فرانكفورت بألمانيا، أدت مراكز البيانات المشتركة إلى زيادة الطلب على المساحات التجارية، مما تسبب في ارتفاع الأسعار. ولمعالجة هذه المشكلة، نشرت فرانكفورت في عام 2022 خطة محدّثة للتطوير التجاري، وقصرت بناء مراكز البيانات على مناطق بعينها.

وبالنسبة للبلدان النامية، يتمثّل التحدي في ضمان أن تكون هذه الاستثمارات مستدامة وحسنة الاستغلال ومتوائمة مع أهداف التنمية الأوسع. وتتوقف الجدوى على توافر كهرباء مستقرة وميسورة التكلفة، واتصال عالي الجودة بالإنترنت، وتكاليف تشغيل تنافسية، وطلب محلي كافٍ. ومن العوامل الرئيسية الأخرى حجم الاقتصاد الرقمي وإمكانات نموه، ومتانة مهارات تقنية المعلومات والاتصالات والقدرة على الصيانة، والمتطلبات القانونية والأمنية لبعض مجموعات البيانات، وأنواع البيانات وأعباء العمل المراد استضافتها محلياً، وإمكانية التكامل مع الشبكات السحابية الإقليمية أو العالمية. ويُعدّ التخطيط الدقيق والحياد التنافسي واستراتيجيات الاستدامة الواضحة أموراً أساسية لضمان أن تكون مراكز البيانات المحلية ممكّنات للاقتصاد الرقمي لا بنية تحتية مكلفة وقليلة الاستخدام.

كيف تحقق البلدان وصولاً آمناً ومنصفاً ومستداماً إلى القدرة الحاسوبية؟

أصبحت القدرة الحاسوبية اختناقاً رئيسياً في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي واسعة النطاق ونشر الذكاء الاصطناعي في القطاعات المختلفة على حدّ سواء. وستؤدي القدرة الحاسوبية دوراً حاسماً في اقتصاد المستقبل بدعمها الذكاء الاصطناعي والأتمتة والابتكار القائم على البيانات، وتعزيزها الإنتاجية والكفاءة في مختلف الصناعات. ولا تستطيع السوق وحدها ضمان الوصول أو التوزيع المنصف، لأن المعروض من القدرة الحاسوبية يخضع حالياً لسيطرة محكمة من قبل عدد قليل من الجهات المهيمنة، مما يوجد عوائق كبيرة أمام الدخول والابتكار.

وكثيراً ما تتخلّف البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل في الوصول إلى القدرة الحاسوبية، سواء عبر مراكز البيانات المحلية أو الحوسبة السحابية، مما يحدّ من قدرتها على تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي ونشرها على نطاق واسع. ويلخّص هذا القسم العوائق وإخفاقات السوق الرئيسية التي تواجهها هذه البلدان في تطوير قدرة حاسوبية محلية والوصول إلى القدرة الحاسوبية، ويناقش المقاربات المختلفة لمعالجة هذه التحديات ومزايا كل منها وعيوبها.

التركّز السوقي المرتفع والتكلفة العالية وقيود العرض

تُعدّ التكاليف الأولية المرتفعة المرتبطة بشراء رقائق الذكاء الاصطناعي وإنشاء مراكز البيانات باهظة بالنسبة لكثير من البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل. فرقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة، كوحدات معالجة الرسوميات من طراز «بلاكويل» من إنفيديا، تتراوح تكلفة الوحدة منها بين 30 ألفاً و40 ألف دولار. وقد تبلغ تكاليف مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الكبيرة مليارات الدولارات الأمريكية. ومن يحتاجون في البلدان النامية إلى الوصول إلى قدرة حاسوبية متطورة ولا يستطيعون شراء رقائق الذكاء الاصطناعي كثيراً ما يلجؤون إلى الحوسبة السحابية، لكن حتى هذا الخيار باهظ الثمن وكثيراً ما يكون غير متاح. فأمازون ويب سيرفيسز مثلاً تتقاضى 98 دولاراً أمريكياً في الساعة لاستئجار آلة افتراضية تعمل برقاقة H100 من إنفيديا، مقارنة بـ0.004 دولار أمريكي في الساعة لأرخص آلاتها الافتراضية غير المخصصة للذكاء الاصطناعي.

وتتضاعف هذه التكاليف الباهظة بفعل محدودية الوصول إلى رأس المال الاستثماري في البلدان النامية. فقد يفتقر المستثمرون المحليون إلى الموارد اللازمة لتمويل البنية التحتية الحاسوبية، وكثيراً ما يُحجم المستثمرون الأجانب بسبب ما يرونه من مخاطر، منها عدم الاستقرار السياسي وعدم اليقين الاقتصادي وعدم القدرة على التنبؤ بالأطر التنظيمية.

وتتشابك تحديات العرض والقدرة على تحمّل التكلفة تشابكاً عميقاً مع تركّز سلسلة إمداد القدرة الحاسوبية. فإنتاج رقائق الذكاء الاصطناعي تهيمن عليه قلة من الشركات ذات الخبرة المتخصصة للغاية، وتسيطر على سلسلة الإمداد بأكملها، من تصميم الرقائق إلى تصنيعها وتوزيعها، قلة من الجهات الرئيسية. كما ترسّخ آثار الشبكة، والعوائد المتزايدة للحجم والنطاق، وديناميكيات استئثار الفائز بمعظم المكاسب، ميزة كبار موردي رقائق الذكاء الاصطناعي ومزوّدي الخدمات السحابية، وتصعّب دخول جهات جديدة. ولا يقتصر أثر هذا التركّز على الحدّ من العرض، بل يعزّز أيضاً القدرة على التحكّم في الأسعار، مما يبقي رقائق الذكاء الاصطناعي بعيدة عن متناول كثير من البلدان النامية.

ومن المشجّع أن نماذج ناشئة مثل ديب سيك تُثبت إمكانية تحقيق أداء عالٍ في الذكاء الاصطناعي بمتطلبات حاسوبية أقل، كما أن نهجها مفتوح المصدر يتيح إمكانية توسيع الوصول. وقد يخفض ذلك التكاليف ويجعل تطوير الذكاء الاصطناعي أكثر جدوى للبلدان محدودة الموارد.

الآثار الخارجية السلبية: التكاليف البيئية والأمن الوطني

تستهلك مراكز البيانات كميات هائلة من الكهرباء والمياه، مما يسهم في انبعاثات الكربون ويضغط على الموارد المحلية، ولا تنعكس هذه التكاليف كاملة في أسعار الخدمات. كما قد تكون النفايات الإلكترونية الناتجة عن استبدال الخوادم كبيرة. وقد أصبحت السيطرة على رقائق الذكاء الاصطناعي أداة جيوسياسية رئيسية ومصدراً للاحتكاك. والبلدان التي تعتمد على مراكز بيانات أجنبية تُخضع بيانات مواطنيها ومؤسساتها، بما فيها المعلومات الحساسة، للقوانين والأنظمة الأجنبية، مما يزيد مخاطر الوصول الأجنبي غير المصرّح به والمراقبة ومخاطر الأمن الوطني.

الآثار الخارجية الإيجابية: البحث والتطوير والابتكار العابر للقطاعات

يمكن للاستثمارات في البنية التحتية للحوسبة أن تطلق منافع ابتكارية واسعة، فتحسّن الإنتاجية في مختلف القطاعات، وتعزّز القدرة البحثية، وتدعم الشركات الناشئة المحلية. غير أن خصائص السلع العامة هذه تعني أن المستثمرين من القطاع الخاص قد لا يستثمرون بالقدر الكافي دون دعم عام، ولا سيما في الأسواق التي تكون فيها العوائد غير مؤكدة أو طويلة الأجل.

قصور البنية التحتية للطاقة والإنترنت وإخفاق التنسيق ومحدودية الطلب

في بلدان نامية كثيرة، تحدّ محدودية الطاقة والاتصال بالإنترنت أو عدم موثوقيتهما من إمكانات استخدام الخدمات السحابية، مما يضعف حافز الاستثمار. وفضلاً عن ذلك، إما أن تكون البنية التحتية للطاقة غير موثوقة، وإما أن تكون تكلفة الطاقة مرتفعة إلى حدّ باهظ، مما يصعّب تشغيل مراكز البيانات بكفاءة. وقد وجدت دراسة للوكالة الدولية للطاقة أن أكثر من 60% من البلدان النامية تواجه تحديات كبيرة في أمن الطاقة، وقد يؤدي ذلك إلى زيادة التكاليف وتوقف الخدمة، بل وإلغاء المشاريع. كما أن بطء التحوّل الرقمي بسبب إخفاقات التنسيق، وصغر حجم السوق، وضعف القوة الشرائية في بعض البلدان النامية، قد لا يبرّر استثمارات كبيرة في مراكز البيانات، ولا سيما مقارنة بالعوائد المحتملة في الأسواق الأعلى دخلاً.

نقص الخبرة التقنية وهجرة العقول

تفاقم ندرة الخبرة التقنية المحلية في تقنيات الحوسبة السحابية وإدارة مراكز البيانات هذا التحدي. فمتطلبات المواهب تنمو مع نمو تعقيد الحوسبة وتكاليفها، لأن الاستفادة القصوى من العتاد النادر تتطلب معرفة متخصصة، كثير منها ضمني. ومع ذلك، تفتقر بلدان نامية كثيرة إلى الموارد اللازمة لتكوين رصيد متين من المواهب المحلية، إذ كثيراً ما يواجه الطلاب محدودية الوصول إلى التدريب التقني المتقدم، وضعف موارد المؤسسات التعليمية، وقصور البنية التحتية الرقمية.

وفضلاً عن ذلك، حتى حين تُنمّى المواهب المحلية، تواجه هذه البلدان منافسة شديدة من الاقتصادات المتقدمة، كثيراً ما تفضي إلى هجرة العقول مع سعي المهنيين المدرّبين إلى فرص أفضل في الخارج. وقد يؤدي نقص الخبرة التقنية هذا إلى صعوبات في صيانة مراكز البيانات والبنية التحتية السحابية وإدارتها، مما قد يسفر عن توقف الخدمة والاختراقات الأمنية وغير ذلك من المشكلات.

القيود التنظيمية وعدم اليقين

يمكن لمحدودية الجاهزية التنظيمية وحالة عدم اليقين أن تثبّط كثيراً الاستثمار في الحوسبة السحابية وتبنّيها في البلدان النامية. فالأطر التنظيمية الواضحة والقابلة للتنبؤ والحديثة أساسية للوصول إلى الخدمات السحابية واستقطاب المزوّدين لإنشاء بنية تحتية محلية على حدّ سواء. وتؤثر السياسات المتعلقة بالحوسبة السحابية أو استضافة البيانات، وقوانين حماية البيانات التي تحدد الآليات القانونية لتدفق البيانات عبر الحدود، تأثيراً مباشراً في مكان تخزين البيانات ومعالجتها وكيفية ذلك. وفي غياب هذا الوضوح، يواجه مزوّدو الخدمات السحابية مخاطر قانونية وتشغيلية، وقد يتردد المستخدمون المحتملون، ولا سيما في القطاعات الخاضعة للتنظيم كالتمويل والرعاية الصحية، في الانتقال إلى الحوسبة السحابية. كما أن قواعد المشتريات المتقادمة قد تمنع الجهات العامة من الاستفادة من العروض السحابية، فتُضعف مصدراً رئيسياً للطلب كان يمكن أن يرسّخ الأسواق المحلية.

وإلى جانب الوصول، تُعدّ تدابير مثل أطر مسؤولية الوسطاء والأنظمة الشفافة لترخيص مزوّدي الخدمات السحابية مهمة لتشجيع دخول السوق، وضمان تكافؤ الفرص، وتعزيز المنافسة. وفي غيابها، قد تؤدي حالة عدم اليقين بشأن المسؤوليات القانونية والوصول إلى السوق وهياكل التكاليف إلى تأخير قرارات الاستثمار، والحدّ من توافر الخدمات، وإبطاء تطوّر سوق القدرة الحاسوبية ذاتها في نهاية المطاف.

كيف تعالج البلدان عائق القدرة الحاسوبية؟

يقدّم هذا القسم رؤى حول كيفية معالجة البلدان لعائق القدرة الحاسوبية وتمكين الوصول المنصف إليها. فهو يلخّص بعض المقاربات القائمة، ويناقش مزاياها وعيوبها، ويتناول الأولويات للبلدان في مستويات مختلفة من الجاهزية للذكاء الاصطناعي.

البلدان الكبيرة والبلدان المتقدمة نسبياً في الذكاء الاصطناعي

تحتاج البلدان الرائدة في تطوير الذكاء الاصطناعي إلى تأمين موارد حاسوبية كافية للحفاظ على ميزتها التنافسية، وتعزيز الابتكار المستمر، وصون الأمن الوطني، ودفع النمو الاقتصادي. وتستطيع الحكومات الاستثمار في حواسيب فائقة وطنية ومرافق لأبحاث الذكاء الاصطناعي لتوفير بنية تحتية مشتركة تتيح للباحثين والشركات الوصول إلى موارد الحوسبة عالية الأداء. فقد أعلنت المملكة المتحدة مثلاً عن تمويل بقيمة 300 مليون جنيه إسترليني لحاسوبين فائقين لتعزيز أبحاث الذكاء الاصطناعي.

غير أن التكاليف الباهظة ونقص الخبرة كثيراً ما يقيّدان قدرة الحكومات في البلدان النامية على بناء حواسيبها الفائقة الخاصة. ولتأمين قدرة حاسوبية كافية لمنظومة ذكاء اصطناعي مزدهرة وتيسير البحوث المتقدمة، تستطيع الحكومات الشراكة مع شركات التقنية الرائدة. فقد تعاونت الهند مثلاً مع إنفيديا لإنشاء مركز إنفيديا لتقنيات الذكاء الاصطناعي ودعم جهود البلاد في أبحاث الذكاء الاصطناعي. كما تعتزم الحكومة الهندية الشراكة مع إنفيديا لتوفير وحدات معالجة رسوميات ميسورة التكلفة للشركات الناشئة والباحثين والمؤسسات الأكاديمية المحلية. وتتيح مثل هذه الشراكات بين القطاعين العام والخاص للشركات الناشئة والباحثين في الذكاء الاصطناعي الوصول إلى الموارد الحاسوبية، بما يسرّع الابتكار.

وقد نفّذت بلدان عدة مبادرات لقسائم الحوسبة تقدّم أرصدة مجانية أو مدعومة للحوسبة السحابية لباحثي الذكاء الاصطناعي وشركاته الناشئة. ويُعدّ برنامج قسائم الحوسبة السحابية للذكاء الاصطناعي في جمهورية كوريا مثالاً بارزاً، إذ يمنح الشركات الناشئة أرصدة تصل قيمتها إلى 33 ألف دولار أمريكي على المنصات السحابية المحلية. كما تعهّدت حكومات مدن صينية عدة بتقديم قسائم حوسبة تعادل قيمتها ما بين 140 ألفاً و280 ألف دولار أمريكي لدعم الشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي التي تواجه ارتفاع تكاليف مراكز البيانات، ويمكن استخدامها لشراء وقت في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي لتدريب النماذج اللغوية الكبيرة لهذه الشركات وتشغيلها وأداء مهام أخرى.

ورغم أن الشراكات بين القطاعين العام والخاص والإعانات الموجّهة قد تسهم في إتاحة الوصول إلى القدرة الحاسوبية إلى حدّ ما، فإن توسيع هذه البرامج والحفاظ عليها بمرور الوقت مكلف. ومع أنها قد تخفّف الضغوط المالية عن الشركات الناشئة والباحثين في الذكاء الاصطناعي، فإنها تنقل العبء المالي فعلياً إلى الموازنات الحكومية، وفي نهاية المطاف إلى دافعي الضرائب. وبالنظر إلى أن الأموال العامة كثيراً ما تكون مقيدة بأولويات متنافسة، فإن برامج الوصول إلى القدرة الحاسوبية هذه معرّضة لخطر نقص التمويل أو عدم انتظام الدعم. كما أن معايير الأهلية لهذه البرامج تكون صارمة عادة، مما قد يميل بالمنافع نحو الشركات الناشئة الراسخة والجامعات المرموقة والمجتمعات التي تتمتع أصلاً بقدر من الوصول إلى القدرة الحاسوبية. وفضلاً عن ذلك، لا تعالج هذه التدابير مباشرة المشكلة الكامنة المتمثّلة في الندرة. ومن ثمّ فإن الإعانات والشراكات بين القطاعين العام والخاص ليست سوى استراتيجيات قصيرة الأجل لا حلولاً طويلة الأجل لمشكلة ندرة القدرة الحاسوبية.

ولا يوجد توافق حول ما إذا كان التركّز السوقي في عدة قطاعات من منظومة القدرة الحاسوبية مرتفعاً أكثر من اللازم. غير أن المخاوف تتزايد بشأن الكيفية التي تحدّ بها الشركات المهيمنة من الفرص المتاحة للوافدين الجدد. فشركات التقنية الكبرى تسعى بقوة إلى الاستثمار في الشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي وإقامة تحالفات معها عبر أذرعها للحوسبة السحابية، مما يثير تساؤلات تنظيمية حول دورها بوصفها موردة ومنافسة في آن واحد في سباق تطوير الذكاء الاصطناعي. ولا تملك الشركات الناشئة التي تحتاج إلى تدريب النماذج خياراً يُذكر سوى الارتماء في أحضان الشركات الكبيرة التي تقدّم الحوسبة السحابية الأساسية. وقد تستخدم شركات التقنية الكبرى قوتها في خدمات الحوسبة لخنق المنافسة في الذكاء الاصطناعي، عبر منح منتجاتها الخاصة أفضلية تمييزية على الوافدين الجدد والمنافسين.

ومن الحاسم أن يرصد المنظّمون ديناميكيات المنافسة في مختلف قطاعات سوق القدرة الحاسوبية، ويدقّقوا في التكامل الرأسي، ويضمنوا قابلية السوق للمنافسة وعدم التمييز. ففي عام 2022، منعت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية استحواذ إنفيديا المقترح على شركة آرم تحفيزاً للابتكار. كما تحقّق هيئة تنظيم الاتصالات في المملكة المتحدة في التركّز في سوق الحوسبة السحابية، وتستكشف فرنسا واليابان وكوريا وهولندا قضايا لمكافحة الاحتكار في هذا المجال.

وينبغي للحكومات إجراء تحليلات شاملة للتكاليف والمنافع لتقييم الأثر الاقتصادي لحوافز مراكز البيانات مقارنة بعوامل مثل خلق الوظائف والإيرادات الضريبية ومنافع التحوّل الرقمي طويلة الأمد. ويلزم إشراف تنظيمي يحول دون أن يضغط انتشار مراكز البيانات على شبكات الكهرباء ضغطاً مفرطاً. ويجب على صانعي السياسات تحقيق التوازن بين تعزيز الابتكار وضبط تكاليف الطاقة. كما أن السياسات المناخية المتينة أساسية لضمان تحقيق أهداف الاستدامة مع نمو البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

البلدان الصغيرة ذات البنية التحتية الرقمية الجيدة

تستطيع البلدان الصغيرة تحقيق وفورات الحجم وتنويع المخاطر من خلال التعاون في مرافق إقليمية مشتركة لمراكز البيانات والمنصات السحابية والبنية التحتية للاتصال. وتتيح مفاهيم مثل «سفارات البيانات» للبلدان الاحتفاظ بالسيطرة القانونية على البيانات المستضافة في الخارج. فقد أنشأت إستونيا في عام 2017 سفارة بيانات في مركز بيانات بلوكسمبورغ، وأبرم البلدان اتفاقاً يمنح المرفق الحقوق ذاتها التي تتمتع بها السفارة التقليدية. وتمتلك إستونيا العتاد وتستخدمه نسخة احتياطية لخدماتها الرقمية ومجموعات بياناتها الحيوية. وأنشأت موناكو سفارة بيانات في لوكسمبورغ في عام 2021، لأن أراضيها أصغر من أن تتيح تنويع مخاطر الكوارث الطبيعية. كما تستكشف أستراليا إنشاء سفارة بيانات لدول المحيط الهادئ، كي تتمكّن هذه الدول الجزرية الصغيرة، العاجزة عن استقطاب استثمارات القطاع الخاص في مراكز البيانات، من استخدام مراكز البيانات الأسترالية دون المساس بسيادتها.

غير أنه لا بد من التعامل مع تحديات تتعلق بالدبلوماسية وسيادة البيانات والجغرافيا السياسية والتقاسم المنصف للتكاليف. فإنشاء مزيد من سفارات البيانات سيتطلب إما تعديل اتفاقيتي فيينا اللتين تنظّمان العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، وإما إبرام اتفاقات ثنائية، ولم يُعتمد حتى الآن سوى الخيار الثاني. ويتطلب نجاح سفارات البيانات ثقة عميقة بين الحكومتين المضيفة والمستضافة، والشركة الخاصة، والبلد الذي يقع فيه مقر المزوّد. وينبغي إجراء تقييمات شاملة للمخاطر لتحديد مستوى المخاطر المقبول والمتطلبات المرتبطة به.

ويمكن لتسريع تبنّي الحكومة للحوسبة السحابية أن يحفّز الطلب المحلي على خدمات الذكاء الاصطناعي. ولا يقتصر ذلك على دفع مبادرات الحكومة الإلكترونية، بل يبعث أيضاً بإشارات حول أولويات السياسات، ويحفّز تبنّي القطاع الخاص، ويوجد فرصاً لظهور مزوّدي خدمات سحابية محليين بمرور الوقت. فقد عقدت وزارة التعليم العالي والعلوم والبحث والابتكار في تايلاند شراكة مع أمازون ويب سيرفيسز في عام 2023 لتسريع نقل أعباء عمل الحكومة إلى الحوسبة السحابية، على أن تقدّم الشركة أيضاً برامج تدريبية لرفع مهارات موظفي الخدمة العامة.

ولتحقيق المنافع الكاملة للحوسبة السحابية، يتعيّن على الحكومات الاستثمار في بناء الخبرات والمهارات السحابية المحلية. فرغم أن المزوّدين فائقي النطاق كثيراً ما يقدّمون أرصدة سحابية تستهدف الشركات الناشئة أو الباحثين أو برامج الابتكار الحكومية، فإن هذه الموارد كثيراً ما تبقى غير مستغلة بالقدر الكافي في البلدان النامية. ومن الأسباب الرئيسية لذلك النقص الواسع في المهارات التقنية السحابية اللازمة لتصميم أعباء عمل الذكاء الاصطناعي وغيرها من أعباء العمل كثيفة البيانات ونشرها وإدارتها وتوسيعها. فالاستخدام الفعّال للبنية التحتية السحابية يتطلب خبرة في مجالات كهندسة الحوسبة السحابية والأمن السيبراني وحوكمة البيانات ونقل التطبيقات وتحسين التكاليف. وبدون هذه القدرة، قد تفتقر المؤسسات إلى الثقة أو القدرة على دمج الخدمات السحابية في عملياتها، فتبقى الأرصدة غير مستخدمة وتضيع الفرص.

وتستطيع الحكومات المساعدة على سدّ هذه الفجوة بإدماج المهارات السحابية في الاستراتيجيات الوطنية للمهارات الرقمية، ودعم التدريب المتخصص لمهنيي تقنية المعلومات والاتصالات، وإتاحة فرص للتعلّم العملي بالشراكة مع مزوّدي الخدمات السحابية. ويضمن بناء رصيد من المهندسين والمطوّرين وصانعي السياسات الملمّين بالحوسبة السحابية أن تُترجم الحوافز المالية كالأرصدة السحابية إلى تبنٍّ فعلي وابتكار وأثر اقتصادي.

وتستطيع الحكومات تشجيع الاستثمار في الحوسبة السحابية وتبنّيها بتعزيز أطرها التنظيمية وتحديثها، مع التركيز على الوضوح والقابلية للتنبؤ والتوافق مع الممارسات الدولية الجيدة. فأطر حوكمة البيانات المتينة، التي تغطي تصنيف البيانات وخصوصيتها وأمنها وآليات تدفقها عبر الحدود، توفّر اليقين لمزوّدي الخدمات السحابية ومستخدميها على حدّ سواء، ولا سيما في القطاعات التي تتعامل مع معلومات حساسة. وتساعد الأنظمة الواضحة والشفافة لمزوّدي الخدمات السحابية، بما فيها إجراءات الترخيص ومعايير جودة الخدمة والمتطلبات الأمنية، على ضمان سوق تنافسية وموثوقة مع خفض عوائق الدخول أمام المزوّدين. ويمكن لتحديث المجالات ذات الصلة، كقواعد المشتريات العامة، أن يمكّن الجهات الحكومية من الاستفادة من الخدمات السحابية مباشرة، فيوجد طلباً راسخاً يحفّز نمو السوق المحلية. وبالتوازي مع ذلك، يمكن لاعتماد أطر مسؤولية الوسطاء وتبسيط إجراءات الامتثال أن يشجّع استثمار مزوّدي الخدمات السحابية أكثر. ومن خلال الجمع بين الوضوح القانوني والسياسات الداعمة للمنافسة وضمانات الخصوصية والأمن، تستطيع الحكومات بناء الثقة وظروف السوق اللازمة لمنظومة سحابية مزدهرة.

البلدان التي تفتقر إلى البنية التحتية الرقمية الأساسية

بالنسبة للدول التي تفتقر إلى البنية التحتية التأسيسية للاتصال، يُعدّ إعطاء الأولوية للاستثمار في الوصول إلى النطاق العريض عالي السرعة للأسر والمنشآت أمراً حاسماً. فذلك يتيح تبنّي الخدمات السحابية للمستخدمين الأفراد والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، ويمكّنهم من الوصول إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي دون استثمار محلي أولي كبير في مراكز البيانات. وتُعدّ شبكات الألياف الضوئية التي توفّر مسارات متنوعة تدعم النطاق الترددي عالي السعة ومتطلبات زمن الاستجابة المنخفض والقدرة على الصمود حاسمة لتمكين تبنّي الذكاء الاصطناعي في هذه البلدان. ففي أفريقيا، ورغم تزايد عدد الكابلات البحرية التي تربط القارة بالعالم الأوسع، فإن ندرة الخطوط البرية التي تنقل البيانات إلى الداخل تترك جانباً كبيراً من سعة الإنترنت هذه مهدراً.

ورغم اختلاف المسارات بحسب القدرات القائمة، فإن اتباع نهج استباقي وتعاوني متعدد أصحاب المصلحة، يشمل الحكومات والصناعة والمؤسسات العالمية، أمر حاسم لضمان توافر موارد حاسوبية كافية للبلدان مع التخفيف من المخاطر والآثار السلبية.

دراسة ذات صلة