القائمة الرئيسية

نتائج تاليس 2024: واقع مهنة التدريس (7/5)

نتائج تاليس 2024: واقع مهنة التدريس (7/5)
ملخص الدراسة

يستعرض الفصل الخامس دور القيادة والاستقلالية في تعزيز فاعلية المعلمين ورفاههم ورضاهم الوظيفي، موضحاً أن مشاركة المعلمين في صنع القرار المدرسي تتراجع في عدد من الأنظمة التعليمية، ولا سيما في وضع سياسات تقييم الطلاب والانضباط، رغم أن 78% منهم في المتوسط يرون أن مدارسهم توفر فرصاً للمشاركة في القرارات. وفي المقابل، ترتبط الاستقلالية التعليمية، مثل اختيار أساليب التدريس وتصميم الدروس وتطبيق المنهج بمرونة، بقدرة أكبر على تكييف التدريس مع احتياجات الطلاب، وارتفاع الرضا الوظيفي وانخفاض الضغوط، كما ترتبط بارتفاع الكفاءة الذاتية لدى المعلمين. ويشير الفصل إلى أن 82% من المعلمين يرون أن مدارسهم تشجع الموظفين على قيادة مبادرات جديدة، بينما يشارك 84% منهم في قيادة الأنشطة التعاونية مع الزملاء، إلا أن التأثير في السياسات التعليمية خارج المدرسة يظل محدوداً؛ إذ لا يشعر سوى 24% في المتوسط بقدرتهم على التأثير في هذه السياسات، مع ارتفاع النسبة بصورة لافتة في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وعدد من الأنظمة الأخرى. كما يوضح أن القيادة الفعلية والاستقلالية تكونان أكثر فاعلية عندما تدعمهما الثقة والكفاءة الذاتية، وأن منح الاستقلالية ينبغي أن يكون مناسباً لخبرة المعلم وسياقه، فلا تكون الاستقلالية المفرطة ملائمة دائماً للمعلمين المبتدئين. ويخلص الفصل إلى أن تمكين المعلمين من المشاركة في صنع القرار، ومنحهم استقلالية تعليمية مدعومة وموزعة بصورة عادلة، وإتاحة فرص حقيقية للقيادة والتأثير في السياسات، يمكن أن يعزز الرضا والرفاه والثقة بالنفس وجودة التدريس، شريطة أن تتكامل هذه الصلاحيات مع التقييم المهني والدعم المؤسسي المناسب.

الفصل الخامس: القيادة والاستقلالية لدى المعلمين

يتناول هذا الفصل ما يتاح للمعلمين من استقلالية وفرص للقيادة، وكيف ترتبط هذه الموارد بمخرجاتهم المهنية، كتحقيق أهداف الدروس والرفاه والرضا الوظيفي. ويستكشف الفصل مدى مشاركة المعلمين في صنع القرار على مستوى المدرسة، وحجم الاستقلالية التي يتمتعون بها في ممارساتهم التدريسية، وما إذا كانت لديهم فرص لتولي أدوار قيادية مهنية. كما يحلل الفصل علاقة هذه الأبعاد بالكفاءة الذاتية لدى المعلمين.

أبرز النتائج

تتراجع مشاركة المعلمين في القرارات المتعلقة بالسياسات المدرسية التي تمس ممارساتهم في كثير من الأنظمة التعليمية. فوفقاً لمديري المدارس، انخفضت مشاركة المعلمين في وضع سياسات تقييم الطلاب بين عامي 2018 و2024 بمعدل 3 نقاط مئوية في المتوسط عبر الأنظمة التعليمية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وتكشف الاتجاهات الممتدة من عام 2013 إلى عام 2024 عن انخفاضات أشد حدة، إذ تجاوزت 20 نقطة مئوية في بلدان مثل صربيا وسنغافورة. ولم تشهد زيادة في مشاركة المعلمين بين عامي 2018 و2024 سوى شنغهاي (جمهورية الصين الشعبية، ويُشار إليها فيما يلي ب"الصين").

تُعدّ فرص ممارسة الفاعلية على مستوى المدرسة أكثر شيوعاً في المدارس الريفية والمدارس ذات الإدارة العامة. ففي المتوسط عبر الأنظمة التعليمية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يفيد 78% من المعلمين بأن مدارسهم توفر لهم فرصاً للمشاركة في صنع القرار، غير أن ذلك أكثر شيوعاً في المدارس الريفية منه في المدارس الحضرية، بفارق 8 نقاط مئوية في المتوسط. كذلك يفيد المعلمون في المدارس ذات الإدارة العامة بتمتعهم بفرص مشاركة أكبر مقارنة بنظرائهم في المدارس ذات الإدارة الخاصة، بفارق متوسط قدره نقطتان مئويتان، في حين تتجاوز الفجوة 14 نقطة مئوية في بلدان مثل اليابان وسنغافورة.

يرجّح أن يفيد المعلمون الذين يتمتعون باستقلالية تعليمية أعلى بقدرة أكبر على تكييف تدريسهم، وبرضا وظيفي ورفاه أعلى. ففي المتوسط عبر الأنظمة التعليمية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يرجّح أن يفيد المعلمون الذين يتمتعون باستقلالية أعلى في القرارات التعليمية، كتصميم الدروس واختيار أساليب التدريس وتطبيق المنهج بمرونة، بقدرتهم على مواءمة التدريس مع احتياجات طلابهم، وبفارق كبير في معظم الحالات. كما يفيدون برضا وظيفي أعلى وضغوط أقل. وتظل هذه العلاقات ثابتة في معظم الأنظمة التعليمية، حتى بعد مراعاة خصائص المعلمين والمدارس.

لا ترتبط الاستقلالية التي يتمتع بها المعلمون بالضرورة بخبرتهم. فعبر الأنظمة التعليمية، كثيراً ما يفيد المعلمون المبتدئون والمعلمون ذوو الخبرة بمستويات متقاربة من الاستقلالية في القرارات التعليمية. ومع ذلك، يفيد المعلمون الأكثر خبرة، أي من تزيد خبرتهم على عشر سنوات، باستقلالية أكبر في مجالات مثل اختيار أساليب التدريس، وذلك في المتوسط عبر الأنظمة التعليمية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. في المقابل، تُظهر كوريا وكوستاريكا نمطاً معاكساً، إذ يفيد المعلمون المبتدئون، أي من تقل خبرتهم عن خمس سنوات، باستقلالية أعلى من نظرائهم ذوي الخبرة، بفارق لا يقل عن 8 نقاط مئوية في جميع المجالات في كوريا، وبفارق يتجاوز 14 نقطة مئوية في اختيار أهداف التعلم وتطبيق المنهج بمرونة في كوستاريكا.

ترتبط الاستقلالية ارتباطاً إيجابياً بثقة المعلمين بأنفسهم، غير أن على الأنظمة التعليمية أن تنظر في كيفية منحها وتوقيته والفئات التي تُمنح لها. إذ تُظهر بيانات تاليس أن المعلمين الذين يفيدون بمستويات أعلى من الاستقلالية يرجّح أيضاً أن يشعروا بالثقة في إدارتهم للصف وفي تدريسهم. وتكون هذه العلاقة الإيجابية بين الاستقلالية والكفاءة الذاتية أقوى وأكثر ثباتاً لدى المعلمين ذوي الخبرة، مما يشير إلى أن الأنظمة قد تحتاج إلى مراعاة احتياجات المعلمين وخصائصهم عند تحديد مقدار الاستقلالية الذي ينبغي منحه لهم.

يسهم تمكين المعلمين بوصفهم قادة، داخل المدارس وخارجها، في رفع مستوى الرضا الوظيفي. فالمعلمون المنخرطون بفاعلية في القرارات المدرسية، أو الذين يُشجَّعون على قيادة المبادرات، أو الذين يعتقدون أن بإمكانهم التأثير في السياسات التعليمية، يفيدون بمستويات أعلى من الرضا الوظيفي. ويسري هذا النمط في جميع الأنظمة التعليمية تقريباً، مما يشير إلى أن الاستقلالية والفاعلية المهنية يمكن أن تعززا إحساس المعلمين بالغاية المهنية وانخراطهم في عملهم.

مقدمة

يُعدّ تحديد مقدار السلطة التي تُمنح للمعلمين في صنع القرار من أهم السياسات التي يمكن أن يتبناها أي نظام تعليمي. فمن جهة، تسعى الأنظمة التعليمية إلى ضمان تقديم تعليم عالي الجودة على نحو متسق. ومن جهة أخرى، فإن المعلمين هم الأعرف بطلابهم والأقدر على تكييف التدريس بما يلائم احتياجاتهم المتنوعة، بما في ذلك تحديد أهداف التدريس واختيار الأساليب التربوية والتعامل مع التوقعات المؤسسية الأوسع. وعندما توزَّع سلطة المعلمين في صنع القرار توزيعاً استراتيجياً، فإنها تغدو مورداً فعالاً لتحسين البيئة المدرسية وتعلم الطلاب.

وكثيراً ما يُنظَّم صنع القرار في الأنظمة التعليمية من خلال نقل القرارات، أي تفويض السلطة من الهيئات المركزية إلى المدارس، ومن إدارات المدارس إلى المعلمين. وعلى الرغم من أن صنع القرار على مستوى المدرسة ظل طويلاً محور اهتمام في حوكمة التعليم، فإن ثمة إدراكاً متزايداً بأن الاستقلالية على مستوى المعلم، ولا سيما في القرارات التربوية والصفية، لا تقل أهمية عن ذلك لضمان فاعلية الأداء المدرسي وتحقيق الرضا المهني.

وتشمل الصلاحيات التقديرية اليومية للمعلمين اختيار المواد التعليمية، وتحديد أهداف التعلم، واختيار استراتيجيات التقييم، وتكييف الأساليب التربوية. غير أن هذه الأشكال من الاستقلالية التعليمية لا تتوزع بالتساوي؛ ففي بعض الأنظمة التعليمية يُمنح المعلمون ذوو الخبرة صلاحيات تقديرية أوسع، بينما يعمل المعلمون المبتدئون ضمن أطر أضيق وأكثر توجيهاً. ولا يقتصر أثر الاستقلالية على طريقة عمل المعلمين، بل يمتد إلى نظرتهم إلى أنفسهم بوصفهم مهنيين.

ويستند هذا الفصل إلى بيانات دورة عام 2024 من المسح الدولي للتعليم والتعلم (تاليس) لدراسة القرارات التي يتخذها المعلمون في مختلف الأنظمة التعليمية. وعلى وجه التحديد، يستكشف الفصل ما إذا كانت لدى المعلمين فرصة للمشاركة في صنع القرار على مستوى المدرسة (الحوكمة المدرسية)، وما إذا كانوا يعتقدون أن بإمكانهم الإسهام في القيادة المدرسية، ومدى الصلاحيات التقديرية التي يتمتعون بها في ممارساتهم الصفية (الاستقلالية التعليمية). كما يحلل الفصل ما إذا كانت هذه التصورات تتباين بحسب خصائص المعلمين، كالجنس والعمر والخبرة التدريسية (ويُشار إليها فيما يلي ب"خصائص المعلمين")، أو بحسب خصائص المدارس، كموقع المدرسة ونوع إدارتها ونسبة الطلاب المحرومين اجتماعياً واقتصادياً فيها ونسبة الطلاب الذين يجدون صعوبة في فهم لغة التدريس ونسبة الطلاب ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة (ويُشار إليها فيما يلي ب"خصائص المدارس")، وما إذا كانت هذه المعتقدات قد تغيرت منذ دورات تاليس السابقة. وأخيراً، يتناول الفصل علاقة هذه العوامل بالمخرجات المهنية للمعلمين، بما في ذلك رفاههم ورضاهم الوظيفي وتحقيقهم لأهداف دروسهم، فضلاً عن مدى توجيه استقلاليتهم من خلال التقييم الرسمي لأدائهم.

القيادة لدى المعلمين

يتمثل أحد الأبعاد الرئيسية لصنع القرار لدى المعلمين في مدى مشاركتهم في اتخاذ القرارات التي تؤثر في سير العمل في مدارسهم. وفي البحوث التربوية، تُفهم القيادة الموزعة على أنها نموذج تُتقاسم فيه الأدوار والمسؤوليات القيادية بين أطراف متعددة داخل المدرسة، بمن فيهم المعلمون. ويمثل ذلك شكلاً من أشكال الفاعلية، أي قدرة الأفراد على التصرف بهدف وتأثير، يعترف بالخبرة المهنية للمعلمين ويشجع مشاركتهم في تشكيل الممارسات الصفية والثقافة المدرسية.

ويمكن أن تؤدي القواعد التنظيمية وطريقة توزيع صنع القرار في المدارس دوراً مهماً في تحديد المسؤوليات القيادية للمعلمين. فقد أظهرت تقارير تاليس السابقة أن قادة المدارس كثيراً ما يتقاسمون المسؤولية مع المعلمين في مجالات رئيسية من السياسة المدرسية، ولا سيما المناهج والتدريس. وتمثل ترتيبات صنع القرار المشترك نقلاً أفقياً للمسؤولية من القيادة المدرسية إلى الهيئة التدريسية المهنية. وكما سيتبين في هذا الفصل، فإن المعلمين المنخرطين بفاعلية في مثل هذه الأدوار القيادية كثيراً ما يفيدون بمستويات أعلى من الرضا الوظيفي والرفاه المهني.

المشاركة في الحوكمة المدرسية

يسأل مسح تاليس 2024 مديري المدارس عما إذا كان المعلمون يتحملون "مسؤولية كبيرة" في عدد من المجالات على مستوى المدرسة، وهي: المناهج والتدريس، ووضع السياسات المدرسية، والميزانية وشؤون الموظفين. ولا تعكس هذه المشاركة التفويض الرسمي للسلطة من القيادة المدرسية فحسب، بل تدل أيضاً على ثقافة أوسع من الثقة المهنية والحوكمة التشاركية.

المناهج والتدريس

على مستوى المدرسة، ينخرط المعلمون بدرجة أكبر في المجالات والمهام الأوثق صلة بالتدريس، وفقاً لما أفاد به مديرو المدارس، وكما تناولته تقارير تاليس السابقة. فثلاثة من كل أربعة معلمين (77%) يعملون في مدارس يتحملون فيها مسؤولية كبيرة في اختيار مواد التعلم، وذلك في المتوسط عبر دول وأقاليم منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تتوافر عنها البيانات (ويُشار إليه فيما يلي ب"في المتوسط"). ويعمل خمسة من كل عشرة معلمين على الأقل في مثل هذه المدارس في 41 من أصل 54 نظاماً تعليمياً مشاركاً في تاليس تتوافر عنه البيانات (ويُشار إليها فيما يلي ب"الأنظمة التعليمية"). ويتحمل أكثر من تسعة من كل عشرة معلمين هذه المسؤولية في النمسا والدنمارك وإستونيا وآيسلندا وإيطاليا وهولندا* وبولندا وسلوفينيا، في حين لا يتحملها سوى أقل من اثنين من كل عشرة معلمين في أوزبكستان.

ويؤدي المعلمون كذلك دوراً مهماً في اتخاذ القرارات المتعلقة باستخدام الموارد الرقمية في التدريس؛ ففي 40 من أصل 54 نظاماً تعليمياً، يتحمل معلم واحد على الأقل من كل اثنين مسؤولية كبيرة في هذا المجال. في المقابل، يقل عدد المعلمين المشاركين في تحديد محتوى المقررات، إذ يعمل نحو 47% من المعلمين في المتوسط في مدارس يتحملون فيها مسؤولية كبيرة في هذا المجال.

فضلاً عن ذلك، ينخرط المعلمون في القرارات المتعلقة بمحتوى المقررات بدرجة أكبر في المدارس ذات الإدارة الخاصة منها في المدارس ذات الإدارة العامة في 13 نظاماً تعليمياً، بفارق متوسط قدره 11 نقطة مئوية. وعلى الرغم من عدم وجود فروق بحسب نوع المدرسة في معظم الأنظمة التعليمية، فإن سنغافورة هي الوحيدة، من بين الأنظمة التي تُسجَّل فيها فروق، التي يفيد فيها عدد أكبر من المعلمين في المدارس ذات الإدارة العامة بمشاركتهم في القرارات المتعلقة بمحتوى المقررات.

أما فيما يتعلق بتحديد المقررات التي تُقدَّم، فلا يعمل سوى 33% من المعلمين في المتوسط في مدارس يتحملون فيها مسؤولية كبيرة في هذا الشأن. ففي معظم الأنظمة التعليمية، تقع هذه المسؤولية أساساً على عاتق القيادة المدرسية. ومع ذلك، يشارك معلم واحد على الأقل من كل اثنين في مثل هذه القرارات في التشيك وإستونيا وفنلندا وآيسلندا وإيطاليا وهولندا* وصربيا، بينما تكاد هذه المسؤولية تنعدم في المملكة العربية السعودية.

وعلى الرغم من أن الفروق بين المدارس ليست هي القاعدة، فإن عدداً أكبر من المعلمين العاملين في المدارس ذات الإدارة الخاصة يشاركون في تحديد المقررات التي تُقدَّم مقارنة بنظرائهم في المدارس ذات الإدارة العامة في سبعة أنظمة تعليمية، وفقاً لمديري المدارس، بفارق متوسط قدره 5 نقاط مئوية. وتنفرد سنغافورة بكونها النظام التعليمي الوحيد الذي يشارك فيه عدد أكبر من المعلمين في المدارس ذات الإدارة العامة في تحديد المقررات المقدَّمة.

* بالنسبة إلى البلدان المشار إليها بعلامة النجمة (*)، ينبغي تفسير التقديرات بحذر نظراً لارتفاع خطر التحيز الناجم عن عدم الاستجابة. ولمزيد من التفاصيل، يُرجى الرجوع إلى دليل القارئ والملحق (أ).

السياسات المدرسية

يظل تأثير المعلمين في السياسات المدرسية أكثر محدودية. ففي المتوسط، يعمل أقل من معلم واحد من كل اثنين في مدارس يتحملون فيها مسؤولية كبيرة عن السياسات المدرسية المشمولة بالقياس، بما فيها تلك المتعلقة بتحسين المدرسة وتقييم الطلاب والانضباط والتنوع. غير أن دور المعلمين في تحديد السياسات المدرسية يتفاوت تفاوتاً كبيراً بين الأنظمة التعليمية.

ففي المتوسط، يعمل أربعة من كل عشرة معلمين في مدارس يشاركون فيها في تحديد أولويات تحسين المدرسة. ويتباين ذلك إلى حد ما بحسب النظام التعليمي؛ إذ يشارك ستة من كل عشرة معلمين على الأقل في تحديد هذه الأولويات في إستونيا وإيطاليا ولاتفيا وهولندا*، في حين يشارك فيها أقل من معلم واحد من كل عشرة في أذربيجان والمملكة العربية السعودية وفيتنام.

وعلى نحو مماثل، يعمل أربعة من كل عشرة معلمين في المتوسط في مدارس يشاركون فيها في وضع سياسات تقييم الطلاب، بما في ذلك التقييمات الوطنية والإقليمية. وعلى الرغم من التباين الكبير بين الأنظمة التعليمية، يبدو أن مشاركة المعلمين في وضع سياسات تقييم الطلاب على مستوى المدرسة آخذة في التراجع، إذ سُجِّل انخفاض متوسط قدره 3 نقاط مئوية بين عامي 2018 و2024. علاوة على ذلك، تتعدد التغيرات في الاتجاهات طويلة الأمد وقد تكون كبيرة؛ ففي 15 نظاماً تعليمياً، يتراوح الانخفاض بين عامي 2013 و2024 من 8 نقاط مئوية في إسبانيا إلى أكثر من 20 نقطة مئوية في صربيا وسنغافورة. ولم تشهد زيادة في مشاركة المعلمين في هذا النمط من صنع القرار على مستوى المدرسة بين عامي 2018 و2024 سوى شنغهاي (الصين).

وعلى الرغم من أن الفروق بحسب نوع المدرسة ليست هي القاعدة، فإنها حين تظهر تكون في الغالب لصالح المعلمين في المدارس ذات الإدارة الخاصة، إذ يُفاد بمشاركتهم في وضع سياسات التقييم في تسعة أنظمة تعليمية، بفارق متوسط قدره 10 نقاط مئوية. ولا يفيد عدد أكبر من المعلمين في المدارس ذات الإدارة العامة بمشاركتهم في هذا المجال إلا في سنغافورة، وفقاً لمديري المدارس.

ويعمل نحو أربعة من كل عشرة معلمين في مدارس يشاركون فيها في وضع السياسات والإجراءات الانضباطية للطلاب (39% في المتوسط). وترتفع هذه المشاركة بشكل خاص في التشيك وآيسلندا وسلوفينيا، حيث يشارك فيها أكثر من 67% من المعلمين، بينما تقل في المملكة العربية السعودية والسويد وأوزبكستان، حيث لا تتجاوز 5%. غير أن الاتجاهات تشير إلى أن مشاركة المعلمين في هذه الممارسة آخذة في التراجع أيضاً، إذ سُجِّل انخفاض متوسط قدره 3 نقاط مئوية بين عامي 2018 و2024 عبر الأنظمة التعليمية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، كما تُظهر الاتجاهات الأطول أمداً (من 2013 إلى 2024) انخفاضاً في 13 نظاماً تعليمياً. ولم تُسجَّل زيادات إيجابية بين عامي 2018 و2024 إلا في اليابان وشنغهاي (الصين)، بنحو 11 نقطة مئوية، وفي كوريا على صعيد الاتجاهات الأطول أمداً، بنحو 18 نقطة مئوية.

وفي عشرة أنظمة تعليمية، يُفاد بأن المعلمين العاملين في المدارس ذات الإدارة الخاصة يشاركون في صنع القرار المتعلق بالسياسات والممارسات الانضباطية أكثر من نظرائهم في المدارس ذات الإدارة العامة، بفارق متوسط قدره 8 نقاط مئوية. أما في كوستاريكا فالعكس هو الصحيح، إذ تتجاوز الفجوة 26 نقطة مئوية.

وفيما يخص السياسات المتعلقة بتنوع الطلاب، تشمل مشاركة المعلمين نحو 38% منهم في المتوسط. وتتجاوز هذه النسبة 67% في إستونيا وفنلندا ولاتفيا وسلوفينيا، بينما تقل عن 10% في المغرب والمملكة العربية السعودية وسنغافورة وأوزبكستان. في المقابل، تظل السياسات المتعلقة بتنوع المعلمين خارج نطاق صلاحيات المعلمين إلى حد بعيد، إذ لا يشارك فيها مشاركة فعلية سوى 20% منهم، وتنخفض هذه النسبة انخفاضاً ملحوظاً في معظم الأنظمة. وتشكل إستونيا وفنلندا استثناءين بارزين، حيث تتجاوز النسبة فيهما 50% بقليل.

الميزانية وشؤون الموظفين

لا يكاد المعلمون في مختلف الأنظمة التعليمية يشاركون مشاركة تُذكر في السياسات المتعلقة بالميزانية وشؤون الموظفين، كفصل المعلمين أو إيقافهم عن العمل، وتحديد رواتبهم الأولية وزياداتها. وفي بعض السياقات، قد يتحمل عدد قليل جداً من المعلمين مسؤولية تعيين المعلمين أو توظيفهم، إذ لا يتحمل هذه المسؤولية ما يزيد قليلاً على معلم واحد من كل اثنين إلا في الدنمارك وهولندا*. ونادراً ما يتحمل المعلمون مسؤولية كبيرة عن قرارات توزيع الميزانية داخل المدرسة (6% في المتوسط)، والاستثناءان الوحيدان هما كوريا ولاتفيا، حيث يعمل 25% و21% من المعلمين على التوالي في مدارس يتحملون فيها هذه المسؤولية، وفقاً لما أفاد به مديرو المدارس.

إشراك المعلمين في صنع القرار على مستوى المدرسة

سلوفينيا

في إطار إصلاح مدارس ال"جيمنازيا" (التعليم الثانوي العام)، أنشأت سلوفينيا فرقاً لتطوير المدارس، مستندة إلى مفاهيم القيادة الموزعة ومجتمعات التعلم والمعلمين بوصفهم عوامل تغيير.

وبدعم من قادة المدارس، عملت هذه الفرق على تعزيز عمليات التطوير في المدارس وتوجيهها وتنسيقها، من خلال أنشطة مثل تحليل الاحتياجات والحوار المنظم. كما حظيت فرق تطوير المدارس بدعم من المعهد الوطني للتعليم.

وقد هدف الإصلاح إلى تشجيع المعلمين أفراداً، والفرق متعددة التخصصات، على تبني ممارسات تدريسية مبتكرة تعزز مهارات التفكير العليا والكفايات الأساسية، وإلى ترسيخ هذه التغييرات واستدامتها على مستوى المدرسة من خلال التخطيط الاستراتيجي والتنسيق والتطبيق على مستوى المدرسة بأكملها.

وانصبّ التركيز في البداية على الهدف الأول، ثم تحوّل لاحقاً إلى الهدف الثاني. وسعى الإصلاح إلى تعزيز الابتكار التربوي عبر بناء القدرات المهنية على مستوى المدرسة، ودعماً لذلك، وسّع نطاق شبكات التطوير المهني والبحث، وعزز القيادة، واستثمر في البنية التحتية للتعليم والتعلم.

واستغرق الإصلاح بأكمله نحو عشر سنوات؛ إذ شاركت عشر مدارس في المرحلة التجريبية الأولى التي امتدت ثلاث سنوات، ثم عُمِّم الإصلاح على جميع مدارس ال"جيمنازيا" (أكثر من 70 مدرسة). وتُظهر الأدلة أن المحرك الرئيسي للتغيير كان المعلمين أنفسهم، الذين تولوا زمام المبادرة في تشكيل الإصلاحات مستعينين بالمواد والدعم المقدَّم على المستوى الوطني.

كولومبيا

أرسى قانون التعليم العام (Ley General de Educación) الصادر عام 1994 إطار الحوكمة المدرسية في كولومبيا. وعلى وجه التحديد، حدد القانون أدوار ومسؤوليات مجلس إدارة المدرسة والمجلس الأكاديمي (Consejo Directivo وConsejo Académico)، بما يضمن أن يكون للمعلمين، إلى جانب غيرهم من أصحاب المصلحة، صوت في الشؤون الإدارية والأكاديمية للمدارس. ومن خلال مشاركتهم في هذين المجلسين، يُتاح للمعلمين إبداء الرأي في تنظيم المنهج المدرسي والخطة الدراسية وتوجيههما التربوي وتنفيذهما وتحسينهما المستمر.

فضلاً عن ذلك، يتضمن التقويم المدرسي في كولومبيا خمسة أسابيع مخصصة للتطوير المؤسسي، يعمل خلالها المعلمون على المشروع التربوي للمدرسة وخطتها الدراسية والتطويرات التربوية والتقييم الذاتي والشراكات مع المؤسسات الأخرى. كما يشارك المعلمون الكولومبيون على نطاق أوسع في تصميم السياسات التعليمية وتنفيذها، كما سيأتي لاحقاً في هذا الفصل.

فرص القيادة المتاحة للمعلمين

ترتبط القيادة الموزعة والقيادة لدى المعلمين ارتباطاً وثيقاً، لكنهما تختلفان من الناحية المفاهيمية. فالقيادة الموزعة، كما سبق تناولها، تنطوي على تفويض السلطة، وإن ظل مدير المدرسة محتفظاً بالسيطرة النهائية على صنع القرار. أما القيادة الفعلية لدى المعلمين، فهي الاعتراف الرسمي أو غير الرسمي بالمعلمين بوصفهم قادة بين أقرانهم وموظفي المدرسة. وقد دار جدل واسع في الأدبيات حول أفضل السبل لتطوير القيادة لدى المعلمين، وكيفية تشجيع مشاركتهم الفعلية في صنع القرار المدرسي، وضمان أن تسهم هذه المشاركة في تحسين الممارسات التدريسية. ومع ذلك، ثمة نتيجة ثابتة مفادها أن القيادة الفعلية لدى المعلمين تزدهر في البيئات التي تُتقاسم فيها القيادة تقاسماً حقيقياً، أي حيث لا يكون صنع القرار موزعاً بالاسم فحسب، بل مدعوماً أيضاً ببنى تمكّن المعلمين من تشكيل الحياة المدرسية.

ويمكن استيعاب هذا النمط من القيادة الفعلية من خلال تصورات المعلمين لفرصهم في التأثير في القرارات المدرسية وتولي الأدوار القيادية. والواقع أن جزءاً كبيراً من فاعلية المعلمين قد يتجلى أثناء انخراطهم في أنشطة أخرى تتداخل زمنياً مع مهامهم الأكثر تنظيماً. ومن ثمّ يبرز السؤال عما إذا كان المعلمون يعتقدون أن مدارسهم توفر لهم فرصاً كافية لذلك. ويقدم مسح تاليس 2024 رؤى قيّمة حول تصورات المعلمين لهذه الفرص في عدد من المجالات.

ويكشف مسح تاليس عن فروق بين ما يفيد به مديرو المدارس وما يفيد به المعلمون بشأن فرص القيادة. وقد يُعزى هذا التباين جزئياً إلى اختلاف وجهات النظر وطريقة صياغة بنود المسح. فعلى سبيل المثال، قد يقدم مديرو المدارس منظوراً أوسع وأكثر مؤسسية عند وصف توزيع المسؤوليات القيادية، قد يستند إلى السياسات الرسمية أو التعريفات القانونية أو بنى الحوكمة الجماعية. في المقابل، قد يجيب المعلمون انطلاقاً من تجاربهم اليومية المباشرة في الفاعلية والمشاركة ضمن السياق الخاص بمدرستهم. علاوة على ذلك، قد تساعد الاختلافات في النطاق ونقطة المرجع والصياغة في تفسير هذا التناقض الظاهري؛ إذ يُسأل مديرو المدارس عما إذا كان المعلمون يشاركون بفاعلية في عمليات صنع القرار، في حين يُسأل المعلمون عما إذا كانوا يلمسون فرصاً لقيادة إجراءات محددة أو يستطيعون قيادتها.

اتخاذ القرارات المتعلقة بالمدرسة

يسأل مسح تاليس 2024 المعلمين عما إذا كانت مدارسهم توفر لهم فرصاً للمشاركة الفاعلة في القرارات المدرسية. ويفيد نحو ثمانية من كل عشرة معلمين (78%) في المتوسط بأن مدارسهم توفر للموظفين فرصاً للمشاركة الفاعلة في القرارات المدرسية. وترتفع هذه النسبة إلى أكثر من تسعة من كل عشرة معلمين في ألبانيا وبلغاريا وأوزبكستان وفيتنام، بينما تنخفض إلى أقل من سبعة من كل عشرة في أستراليا والمجتمع الفرنسي في بلجيكا وتشيلي وكوستاريكا وإسرائيل. ويفيد المعلمون في المدارس الريفية بهذه الفرص أكثر من نظرائهم في المدارس الحضرية، بفارق متوسط قدره 8 نقاط مئوية، يصل إلى 20 نقطة مئوية في جنوب أفريقيا.

ويفيد المعلمون في المدارس ذات الإدارة العامة بفرص أكبر للمشاركة في القرارات المدرسية مقارنة بنظرائهم في المدارس ذات الإدارة الخاصة (بفارق نقطتين مئويتين في المتوسط)، وتتجاوز الفجوة 14 نقطة مئوية في بلدان مثل اليابان وسنغافورة. وفي الوقت ذاته، يفيد المعلمون في المدارس ذات الإدارة الخاصة بأكبر قدر من هذه الفرص في عدد من الأنظمة التعليمية (5 من أصل 54)، وتتراوح الفروق بين النوعين من نحو 6 نقاط مئوية في التشيك إلى ما يقارب 15 نقطة مئوية في الولايات المتحدة.

ولا يكشف التصنيف بحسب سنوات الخبرة عن نمط ثابت فيما يتعلق بفرص المشاركة في القيادة؛ ففي 6 أنظمة تعليمية، يفيد المعلمون الأكثر خبرة بفرص أكبر للمشاركة، بينما يفيد المعلمون المبتدئون بفرص أكبر في 11 نظاماً تعليمياً. أما الفروق بحسب الجنس فنادرة، لكنها حين تظهر يكون المعلمون الذكور أكثر ميلاً إلى الإفادة بوجود فرص للمشاركة في القرارات المدرسية، باستثناء أوزبكستان التي يحدث فيها العكس.

الإسهام في إدارة المدرسة

يمكن للمدارس أن تدعم القيادة المشتركة من خلال آليات رسمية مثل فرق إدارة المدرسة، وهي هيئات مسؤولة عن التخطيط التعليمي وتوزيع الموارد وتنسيق المناهج وصنع القرار على مستوى المدرسة. ويمكن لهذه الفرق أن توفر مسارات منظمة للقيادة لدى المعلمين، وأن تسهم في دمجهم في ثقافة صنع القرار داخل المدرسة.

وعلى الرغم من أن تعريف تاليس لفرق إدارة المدرسة تعريف واسع، فإنه يقدم تصوراً عن مدى تمثيل المعلمين بصورة غير مباشرة في صنع هذه القرارات. ووفقاً لمسح تاليس 2024، يُمثَّل نحو معلم واحد من كل اثنين في المتوسط في فرق إدارة المدرسة، استناداً إلى ما أفاد به مديرو المدارس. ويكون هذا التمثيل واسع الانتشار (أكثر من 90%) في أنظمة تعليمية مثل النمسا وكولومبيا وكوستاريكا وكوسوفو والمغرب ومقدونيا الشمالية. في المقابل، يعمل أقل من 10% من المعلمين في مدارس يُمثَّلون فيها في هذه الفرق في الدنمارك وهولندا* وفيتنام.

ومن حيث التغير عبر الزمن، لم تتغير نسبة المعلمين الممثَّلين في فرق إدارة المدرسة إلا في عشرة أنظمة تعليمية، تراجع تمثيل المعلمين في ثمانية منها مقارنة بعام 2018. ولم يُفد بزيادة في التمثيل، تتجاوز 10 نقاط مئوية، إلا المعلمون في أستراليا وفرنسا. وبالتوازي مع ذلك، يفيد المعلمون في المتوسط بتخصيص وقت أطول قليلاً لإدارة المدرسة في عام 2024، مما يشير إلى تحول ما نحو مشاركة أكثر رسمية.

وتؤدي الخبرة والجنس دوراً في هذا الشأن أيضاً؛ ففي 24 نظاماً تعليمياً، يفيد المعلمون ذوو الخبرة بقضاء وقت أطول في إدارة المدرسة مقارنة بالمعلمين المبتدئين. وعلى الرغم من أن الفروق بحسب الجنس ليست واسعة الانتشار، فإنها حين تظهر (في 12 نظاماً تعليمياً) تكون دائماً لصالح المعلمين الذكور، مما يؤكد أن الأدوار القيادية قد تظل موزعة توزيعاً غير متكافئ بين الجنسين في بعض السياقات.

تشكيل المناخ المدرسي

يستطيع المعلمون الإسهام في إرساء مناخ مدرسي إبداعي وتعاوني ومواتٍ للتعلم. ولذلك يسأل مسح تاليس المعلمين أيضاً عما إذا كانت مدارسهم تشجعهم على طرح أفكار جديدة، وعما إذا كانوا يقودون مبادرات مع زملائهم ويسهمون في تشكيل الثقافة المدرسية.

وفيما يتعلق بقيادة المبادرات الجديدة، يفيد 82% من المعلمين في المتوسط بأن مدارسهم تشجع الموظفين على قيادة مبادرات جديدة، وهو شعور تتقاسمه أغلبية كبيرة من المعلمين في عدد من الأنظمة التعليمية (80% على الأقل في 43 نظاماً تعليمياً). ويفيد بذلك أكثر من 97% من المعلمين في ألبانيا وفيتنام.

أما فيما يتعلق بتعزيز مجتمعات التعلم المهني، فيفيد 79% من المعلمين في المتوسط بأن المعلمين يضطلعون بأدوار قيادية في هذا المجال، وتتراوح النسبة بين أكثر من 95% في ألبانيا وأوزبكستان و59% في اليابان. ويُعدّ هذا المؤشر من أكثر المؤشرات تأثراً بالخبرة؛ ففي 18 نظاماً تعليمياً، يفيد المعلمون المبتدئون بأدوار قيادية أكبر، بفارق يتجاوز 10 نقاط مئوية عن زملائهم الأكثر خبرة في النمسا وكوستاريكا. في المقابل، يفيد المعلمون ذوو الخبرة بهذه الأدوار بصورة أكبر في ألبانيا وأذربيجان وكازاخستان.

وفيما يخص قيادة الأنشطة التعاونية، يفيد 84% من المعلمين في المتوسط بأنهم يبادرون بالتعاون مع زملائهم ويقودونه، ولا تقل هذه النسبة عن 72% في أي نظام تعليمي. ويشير ذلك إلى أن المهنية التعاونية راسخة في معظم الأنظمة التعليمية.

وفي معظم الأنظمة التعليمية، لا ترتبط فرص القيادة بالضرورة بخصائص المعلمين كالجنس أو الخبرة. غير أن المعلمين المبتدئين في كوستاريكا يفيدون بهذه الفرص أكثر من نظرائهم ذوي الخبرة في جميع هذه الأبعاد، بفوارق تتجاوز 11 نقطة مئوية. أما في البحرين فالعكس هو الصحيح، إذ يفيد المعلمون ذوو الخبرة بإمكانية أكبر للوصول إلى فرص القيادة.

ويبدو أن عوامل أخرى، من بينها الثقة بالنفس، تؤدي دوراً أكثر أهمية. فالمعلمون الذين يتمتعون بمستويات أعلى من الكفاءة الذاتية التعليمية (أي من يقعون في الربيع الأعلى من مؤشر الكفاءة الذاتية) يفيدون بفرص قيادية أكثر في جميع المجالات مقارنة بأقرانهم ذوي الكفاءة الذاتية المنخفضة (أي من يقعون في الربيع الأدنى). ويرتبط اضطلاع المعلمين بدور قيادي في تعزيز مجتمعات التعلم المهني بأقوى صورة بارتفاع الكفاءة الذاتية. وفي جميع الأنظمة التعليمية، يفيد المعلمون ذوو الكفاءة الذاتية المرتفعة بفرص قيادية بدرجة أكبر من زملائهم ذوي الكفاءة الذاتية المنخفضة.

وقد تعكس هذه الأنماط آليتين معقولتين. أولاً، قد يكون المعلمون ذوو الكفاءة الذاتية المرتفعة أكثر ميلاً إلى تولي الأدوار القيادية لإدراكهم قيمة التعلم التعاوني وثقتهم الأكبر بقدرتهم على الإسهام الفعال. ويتسق ذلك مع البحوث التي تشير إلى أن المعلمين ذوي الكفاءة الذاتية المرتفعة أكثر استباقية وابتكاراً وحماساً للانخراط في الأنشطة المهنية الجماعية. ثانياً، قد يعمد قادة المدارس إلى إسناد المهام القيادية، كتوجيه مجتمعات التعلم المهني، إلى المعلمين الأكثر خبرة أو ثقة بالنفس، لاعتقادهم أنهم أقدر على التأثير في أقرانهم وتعزيز التعاون.

وأخيراً، يبدو أن خصائص المدارس تؤدي دوراً محدوداً في تشكيل فرص القيادة المتاحة للمعلمين. ففي معظم الأنظمة التعليمية، لا توجد أنماط ثابتة بحسب موقع المدرسة أو نوع إدارتها أو نسبة الطلاب المحرومين اجتماعياً واقتصادياً فيها. وحيثما وُجدت فروق، تمنح المدارس الريفية المعلمين فرصاً أكثر، ولا سيما في الاضطلاع بدور قيادي في تعزيز مجتمعات التعلم المهني وفي تشجيع الموظفين على قيادة مبادرات جديدة (في 12 و10 أنظمة تعليمية على التوالي).

دور المعلمين في تشكيل المناخ المدرسي في المرحلتين الابتدائية والثانوية

تُظهر بيانات تاليس أنه كلما ارتفعت المرحلة التعليمية، أي من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الثانوية، قلّ عدد المعلمين الذين يشعرون بالتشجيع على قيادة مبادرات جديدة. كما تنخفض نسبة المعلمين في المراحل التعليمية الأعلى الذين يفيدون بتوافر فرص لهم للمبادرة بأنشطة تعاونية وقيادتها. وتبرز كذلك أنماط مختلفة عند النظر في عوامل مثل موقع المدرسة (ريفية أو حضرية) ونوعها (ذات إدارة خاصة أو عامة).

ففي 9 من أصل 15 نظاماً تعليمياً تتوافر عنها بيانات للمرحلتين الابتدائية والمتوسطة، تفيد نسبة أكبر من معلمي المرحلة الابتدائية بشعورهم بالتشجيع على قيادة مبادرات جديدة في مدارسهم مقارنة بنظرائهم في المرحلة المتوسطة، وتُسجَّل أكبر فجوة في هولندا* (11 نقطة مئوية). وفي أستراليا والمجتمع الفرنسي في بلجيكا، يفيد عدد أقل من معلمي المرحلة الابتدائية العاملين في المدارس الحضرية بتلقيهم هذا التشجيع مقارنة بنظرائهم في المدارس الريفية، بفارق لا يقل عن 9 نقاط مئوية. وفي المغرب، تفيد نسبة أعلى من معلمي المرحلة الابتدائية العاملين في المدارس ذات الإدارة الخاصة بتلقي هذا التشجيع مقارنة بنظرائهم في المدارس الابتدائية ذات الإدارة العامة، بفارق يقارب 6 نقاط مئوية. غير أن الفجوات الأكثر وضوحاً تُلاحظ بين المعلمين في المدارس التي ترتفع فيها نسبة الطلاب الذين يجدون صعوبة في فهم لغة التدريس؛ إذ يفيد عدد أقل من معلمي المرحلة الابتدائية العاملين في هذه المدارس بتلقي التشجيع على قيادة مبادرات جديدة في أربعة أنظمة تعليمية.

في المقابل، يفيد عدد أقل من معلمي المرحلة الثانوية بتلقي التشجيع على قيادة مبادرات جديدة مقارنة بأقرانهم في المرحلة المتوسطة في المجتمع الفلمنكي في بلجيكا* (بنحو 5 نقاط مئوية) وسلوفينيا (بنحو 4 نقاط مئوية). وفي الإمارات العربية المتحدة، تفيد نسبة أعلى من المعلمين في المدارس الثانوية الريفية وذات الإدارة العامة بذلك مقارنة بأقرانهم في المدارس الحضرية أو ذات الإدارة الخاصة (بفارق 6 و4 نقاط مئوية على التوالي). ومن بين الأنظمة التعليمية الثمانية التي تتوافر عنها بيانات للمرحلة الثانوية، يُظهر نظامان أن عدداً أقل من المعلمين العاملين في مدارس يجد فيها أكثر من 10% من الطلاب صعوبة في فهم لغة التدريس يتلقون التشجيع على قيادة المبادرات مقارنة بنظرائهم في المدارس التي تنخفض فيها نسبة هؤلاء الطلاب، وتُسجَّل أكبر فجوة في تركيا (بنحو 9 نقاط مئوية).

وعند النظر في دور المعلمين في المبادرة بالأنشطة التعاونية وقيادتها في مدارسهم، تفيد نسبة أعلى من معلمي المرحلة الابتدائية بانخراطهم في هذه الممارسات مقارنة بمعلمي المرحلة المتوسطة في 8 من أصل 15 نظاماً تعليمياً، وتُسجَّل أكبر الفروق في اليابان وهولندا* (بنحو 10 نقاط مئوية). ويُعدّ المجتمع الفرنسي في بلجيكا النظام التعليمي الوحيد الذي يحدث فيه العكس (4 نقاط مئوية). وفي البرازيل والمجتمع الفرنسي في بلجيكا، يفيد عدد أقل من المعلمين العاملين في المدارس الابتدائية الحضرية بالمبادرة بأنشطة تعاونية وقيادتها مقارنة بنظرائهم في المدارس الابتدائية الريفية (بفارق 11 و9 نقاط مئوية على التوالي). وفي المغرب، تنخرط نسبة أعلى من معلمي المرحلة الابتدائية في المدارس ذات الإدارة الخاصة في هذه الممارسات مقارنة بنظرائهم في المدارس الابتدائية ذات الإدارة العامة (بنحو 8 نقاط مئوية).

وفي المرحلة الثانوية، يفيد عدد أقل من المعلمين بالمبادرة بأنشطة تعاونية وقيادتها في مدارسهم مقارنة بمعلمي المرحلة المتوسطة في الدنمارك (6 نقاط مئوية) والمجتمع الفلمنكي في بلجيكا* (4 نقاط مئوية). وفي الإمارات العربية المتحدة، يبادر عدد أقل من معلمي المرحلة الثانوية العاملين في المدارس الحضرية بالأنشطة التعاونية ويقودونها مقارنة بنظرائهم في المدارس الريفية، بفارق يقارب 4 نقاط مئوية. وفي الإمارات العربية المتحدة أيضاً، تفيد نسبة أكبر من معلمي المرحلة الثانوية في المدارس التي يأتي فيها أكثر من 30% من الطلاب من أسر محرومة اجتماعياً واقتصادياً بانخراطهم في هذه الممارسات، بفارق يبلغ نحو 6 نقاط مئوية. أما في المجتمع الفلمنكي في بلجيكا* فالعكس هو الصحيح، إذ يفيد عدد أقل من المعلمين العاملين في مثل هذه المدارس بأنهم يبادرون بالأنشطة التعاونية ويقودونها، بفارق يبلغ نحو 7 نقاط مئوية.

التأثير في السياسات التعليمية

يستطيع المعلمون ممارسة التأثير على مستويات متعددة، بما في ذلك القرارات على مستوى المدرسة، بل وأحياناً على مستوى السياسات التعليمية الأوسع. وعلى الرغم من أن المعلمين يفيدون بأنهم يؤدون دوراً فاعلاً داخل مدارسهم، فإن قلة منهم فقط يشعرون بأن لهم تأثيراً يتجاوز حدود المدرسة. إذ لا تتجاوز نسبة المعلمين الذين "يوافقون" أو "يوافقون بشدة" على أنهم قادرون على التأثير في السياسات التعليمية في بلدانهم 24% في المتوسط. ويبدو هذا الإحساس بمحدودية التأثير واسع الانتشار؛ ففي 19 نظاماً تعليمياً، تقل نسبة المعلمين الذين يشعرون بقدرتهم على التأثير في السياسات عن 20%، بل تنخفض إلى ما دون 10% في النمسا والمجتمع الفرنسي في بلجيكا وكرواتيا وبولندا. وعلى الطرف الآخر من المقياس، يشعر أكثر من 70% من المعلمين في ألبانيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وأوزبكستان وفيتنام بأنهم قادرون على التأثير في السياسات التعليمية.

وتُعدّ سنوات خبرة المعلمين عاملاً قد يرتبط بالشعور بالتأثير في السياسات في عدد من الأنظمة التعليمية. ففي 18 نظاماً تعليمياً، يفيد المعلمون المبتدئون بهذا الشعور بنسبة أعلى من نظرائهم الأكثر خبرة، بفارق قدره 6 نقاط مئوية. ولا يفيد المعلمون الأكثر خبرة بذلك بنسبة أعلى إلا في ألبانيا وأوزبكستان، بفارق قدره 9 نقاط مئوية و5 نقاط مئوية على التوالي.

وتكشف الاتجاهات عن تحول طفيف بين عامي 2018 و2024 في المتوسط، إذ لم تتغير نسبة المعلمين الذين يشعرون بقدرتهم على التأثير في السياسات التعليمية إلا تغيراً طفيفاً بلغ نقطة مئوية واحدة. غير أن هذا المتوسط يحجب فروقاً كبيرة بين الأنظمة التعليمية؛ ففي 10 أنظمة تعليمية من أصل 43، تراجعت نسبة المعلمين الذين يشعرون بهذا النوع من التأثير، وتراوحت التغيرات بين عامي 2018 و2024 بين 4 نقاط مئوية في إيطاليا و27 نقطة مئوية في ألبرتا (كندا)*. وفي المقابل، يصدق العكس في 18 نظاماً تعليمياً من أصل 43، إذ ارتفعت نسبة المعلمين الذين يشعرون بقدرتهم على التأثير في السياسات التعليمية في عام 2024. ومن بين هذه الأنظمة الدنمارك وفرنسا واليابان، وهي الأنظمة التعليمية الثلاثة التي سجلت أدنى النسب في عام 2018 من بين الأنظمة التي شهدت تغيراً إيجابياً. وعلى الطرف الآخر، سجلت المملكة العربية السعودية أكبر زيادة (18 نقطة مئوية)، على الرغم من أن أكثر من نصف معلميها كانوا يشاطرون هذا الرأي أصلاً في الدورة السابقة من تاليس.

وتشير هذه الأنماط المتباينة إلى أن الزيادة في الإحساس بالتأثير قد تحمل دلالات مختلفة تبعاً للسياق التاريخي والمؤسسي. ويكمن أحد التفسيرات المعقولة في هياكل صنع القرار داخل الأنظمة التعليمية. فعلى خلاف كثير من المهن الأخرى التي يؤدي فيها الممارسون دوراً محورياً في صياغة معايير عملهم وإجراءاته، كثيراً ما يعمل المعلمون تحت توجيه صانعي السياسات والإداريين وأصحاب المصلحة الذين لا يشاركون في الأنشطة الصفية اليومية. وقد تفسر هذه المسافة في الحوكمة سبب إحساس المعلمين بمحدودية تأثيرهم في السياسات، ولا سيما في الأنظمة التعليمية التي تتسم فيها صياغة السياسات بمركزية شديدة.

ومع ذلك، ربما أسهم الاضطراب الذي أحدثته جائحة فيروس كورونا (كوفيد 19) في تغيير هذه الديناميكية التقليدية في بعض الأنظمة التعليمية. فقد وضع إغلاق المدارس والتعلم عن بُعد المعلمين تحت دائرة الضوء، وجعل عملهم مرئياً للعامة على نحو غير مسبوق. وفي كثير من الأنظمة التعليمية، باتت أصوات المعلمين أكثر حضوراً في النقاشات المتعلقة بإعادة فتح المدارس والتعلم الرقمي ورفاه الطلاب. وربما أدى هذا الحضور المتزايد إلى تحسن تصورات المعلمين لتأثيرهم، ولا سيما في البلدان التي شاركوا فيها في تصميم الاستجابات التعليمية الطارئة أو تنفيذها.

تصورات معلمي المرحلتين الابتدائية والثانوية لتأثيرهم في السياسات

مقارنةً بالدورات السابقة من تاليس، تغيّر تصور معلمي المرحلتين الابتدائية والثانوية لامتلاكهم تأثيراً في السياسات في عدد من الأنظمة التعليمية. ومع ذلك، لا تزال نسبة أكبر منهم تعتقد أن لها تأثيراً في السياسات مقارنةً بنظرائهم في المرحلة المتوسطة (التعليم الثانوي الأدنى).

فقد تراجعت نسبة معلمي المرحلة الابتدائية الذين يفيدون بامتلاكهم تأثيراً في السياسات مقارنةً بعام 2018 في كوريا (5 نقاط مئوية) وإسبانيا (5 نقاط مئوية) وتركيا (11 نقطة مئوية). وحدث العكس في فرنسا والإمارات العربية المتحدة، حيث ارتفعت نسبة معلمي المرحلة الابتدائية الذين يفيدون بامتلاكهم هذا التأثير بمقدار 10 نقاط مئوية و12 نقطة مئوية على التوالي. وفي 5 من أصل 15 نظاماً تعليمياً تتوفر عنها بيانات للمرحلتين الابتدائية والمتوسطة معاً، يرى معلمو المرحلة الابتدائية بنسبة أعلى من نظرائهم في المرحلة المتوسطة أنهم قادرون على التأثير في السياسات، ويُسجَّل أكبر فارق في البرازيل (9 نقاط مئوية). أما كوريا فهي النظام التعليمي الوحيد الذي تقل فيه نسبة معلمي المرحلة الابتدائية الذين يفيدون بامتلاكهم هذا التأثير عن نظرائهم في المرحلة المتوسطة، بفارق قدره 8 نقاط مئوية.

وقد ازداد تصور معلمي المرحلة الثانوية لامتلاكهم تأثيراً في السياسات بين عامي 2018 و2024، وسُجلت أكبر زيادة في الإمارات العربية المتحدة بفارق بلغ 13 نقطة مئوية. ويُستثنى من هذا الاتجاه تركيا وحدها، إذ شهدت تراجعاً قدره 8 نقاط مئوية منذ عام 2018.

فضلاً عن ذلك، في ثلاثة من أصل ثمانية أنظمة تعليمية تتوفر عنها بيانات للمرحلتين الثانوية والمتوسطة معاً، تفيد نسبة أعلى من معلمي المرحلة الثانوية بامتلاكهم تأثيراً في السياسات مقارنةً بنظرائهم في المرحلة المتوسطة، ويُسجَّل أكبر فارق في سلوفينيا (6 نقاط مئوية).

مقاربات لتعزيز إشراك المعلمين في صنع السياسات

تُشرك البلدان المعلمين في صنع السياسات التعليمية عبر طيف من الآليات التي تتفاوت في بنيتها وكثافتها. ويمكن النظر إلى هذه المقاربات على أنها متصل يمتد من التشاور، الذي يجري عادةً في المراحل المبكرة من الإصلاح، إلى التعاون في تصميم السياسات وتنفيذها، وصولاً إلى الحوكمة التشاركية التي يشارك فيها المعلمون أو ممثلوهم في عمليات صنع القرار الرسمية.

فالمقاربة التشاورية تكون في العادة لمرة واحدة أو مخصصة لغرض بعينه أو محدودة زمنياً، ويقتصر دور المعلمين فيها على تقديم الملاحظات أو إبداء الآراء، ويشارك فيها عادةً معلمون أفراد أو ممثلون عنهم، وكثيراً ما تكون في مرحلة تحديد الأولويات أو مراحل التشاور المبكرة. أما المقاربة التعاونية فتكون مؤسسية طوال مدة الإصلاح، ويشارك المعلمون فيها في تصميم الإصلاحات أو تجريبها أو كليهما، ويشارك فيها عادةً شبكات مختارة من المعلمين أو لجان خبراء أو ممثلون عن المعلمين، وتتركز في دعم التصميم والتنفيذ. وأما الحوكمة التشاركية فتكون مُدمجة في أطر الحوكمة أو الأطر القانونية، ويتفاوض المعلمون فيها أو يقررون بصورة مشتركة مدى الحاجة إلى السياسة ومضمونها، ويشارك فيها عادةً النقابات والجمعيات المهنية وجهات التفاوض الجماعي، وتمتد على دورة السياسة كاملة من تصميم وتفاوض وتنفيذ ومراجعة.

وتوضح أمثلة قُطرية حديثة هذا الطيف. ففي إطار استراتيجية لتثمين مكانة المعلمين أُطلقت عام 2023، تعتزم كولومبيا تنظيم سلسلة من المشاورات الإقليمية لجمع وجهات نظر المعلمين حول قضايا رئيسية مثل الإعداد الأولي للمعلمين والتطوير المهني المستمر، مع تركيز خاص على المعلمين في المناطق الريفية والنائية.

وفي عام 2023، توصلت الحكومة المغربية ونقابة المعلمين إلى اتفاق يُمنح بموجبه المعلمون تلقائياً وضعاً دائماً وحقوقاً مماثلة لحقوق موظفي الخدمة المدنية، فيما يتعلق بالرواتب والتعويضات العائلية وتغطية الضمان الاجتماعي ومزايا التقاعد.

وفي هولندا، تتيح سياسة "المعلمين موظفي الخدمة المدنية" للمعلمين الإسهام في السياسات التعليمية مع مواصلة مهامهم الصفية، وذلك من خلال تولي أدوار بدوام جزئي داخل الحكومات المحلية أو وزارة التعليم الوطنية. ويعزز ذلك الصلة بين السياسة والممارسة، إذ يُدمج الخبرة المباشرة للمعلمين في القرارات المتعلقة بقضايا مثل عبء العمل والمناهج والاحتفاظ بالمعلمين على مختلف المستويات الحكومية.

الاستقلالية التعليمية لدى المعلمين

تشير الاستقلالية التعليمية إلى هامش الحرية المتاح للمعلمين في تحديد محتوى تدريسهم واستراتيجياته وأساليبه وتكييفها. فالمعلمون الذين يتمتعون بالاستقلالية التعليمية قادرون على اتخاذ خيارات تدريسية دقيقة ومستنيرة على النحو الذي يساعد طلابهم على التعلم على أفضل وجه. غير أن الاستقلالية ليست حلاً واحداً يناسب الجميع، إذ تشير الأبحاث أيضاً إلى ضرورة أن تكون الاستقلالية مراعيةً للسياق وملائمةً للمرحلة المهنية للمعلم. فبالنسبة إلى المعلمين الخبراء، قد يُقيّد نقص الاستقلالية الابتكار، أما بالنسبة إلى المعلمين المبتدئين، فقد تكون الاستقلالية المفرطة مُرهقة. وفي نهاية المطاف، ليست الاستقلالية غاية في ذاتها، بل وسيلة لدعم التعليم والتعلم. ومن ثمّ، فإن ضمان أن تكون الاستقلالية التعليمية في توقيتها المناسب، ومدعومة جيداً، وموزعة بإنصاف، أمر جوهري لنجاح التعليم.

ويسأل المسح الدولي للتعليم والتعلم (تاليس) المعلمين عن مقدار الاستقلالية التي يتمتعون بها في نوعين عامين من القرارات المهنية، يشملان خمسة مجالات تعليمية. أولهما القرارات التعليمية الهيكلية، وتشمل تنفيذ المنهج بمرونة، واختيار أهداف التعلم، واختيار أنشطة التقييم. وثانيهما القرارات التعليمية العملية، وتشمل اختيار أساليب التدريس، وتصميم الدروس وإعدادها.

ويمكن للمرونة والاستقلالية اللتين يتمتع بهما المعلمون في تنفيذ المنهج واختيار أهداف التعلم أن تحددا مدى انسجام عوامل أخرى معهما، كتحديد الأساليب والاستراتيجيات المستخدمة في الصف، أو أنشطة التقييم الأنسب. كما يمكن لهذه المرونة والاستقلالية أن تمنح المعلمين هامشاً أوسع للمناورة حين يكون تنوع احتياجات التعلم في الصف كبيراً. ويفيد معظم المعلمين في أنظمة دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بتمتعهم بدرجة عالية من الاستقلالية في هذه المجالات، غير أن درجة الاستقلالية وتفاوتها بين الأنظمة التعليمية يكشفان عن فروق مهمة في كيفية تنظيم الاستقلالية التدريسية. فعلى سبيل المثال، يفيد ثلاثة من كل أربعة معلمين في المتوسط بقدرتهم على تنفيذ المنهج بمرونة. ولا ينطبق ذلك على أنظمة تعليمية مثل مالطا والمغرب والبرتغال وجمهورية سلوفاكيا، حيث تقل هذه النسبة عن 60%. وفي المقابل، يفيد أكثر من 85% من المعلمين في ألبرتا (كندا)* وبلغاريا وكولومبيا وإيطاليا والنرويج* والسويد والولايات المتحدة وفيتنام بتمتعهم بهذا المستوى من الاستقلالية.

ويسري نمط مماثل على اختيار أهداف التعلم، إذ يفيد 71% من المعلمين في المتوسط بتمتعهم بالاستقلالية في هذا المجال. وتقل هذه النسبة عن 50% في مالطا والمغرب وسلوفينيا، بينما تبرز مجدداً الأنظمة التعليمية في أذربيجان وبلغاريا وكولومبيا وإيطاليا واليابان وكوسوفو ورومانيا وفيتنام، حيث يفيد أكثر من 85% من المعلمين بتمتعهم بالاستقلالية في اختيار أهداف التعلم.

وبعيداً عن هذه الأنشطة الهيكلية، تزداد الاستقلالية انتشاراً حين يتعلق الأمر بالقرارات التربوية العملية واليومية. فتصميم الدروس والتخطيط لها، واختيار أساليب التدريس، مجالان يفيد فيهما الغالبية العظمى من المعلمين بتمتعهم باستقلالية كبيرة على الأقل، إن لم تكن كاملة، سواء في المتوسط أو على مستوى الأنظمة التعليمية، وذلك بنسبة 93% و92% على التوالي. ولا تنخفض هذه النسبة عن 80% إلا في عدد قليل من الأنظمة التعليمية، هي ألبانيا وكوريا والمغرب. ومع ذلك، حتى في الأنظمة التعليمية ذات النسب الأدنى، يفيد أكثر من 70% من المعلمين بتمتعهم بقدر من الاستقلالية.

ومن اللافت أن أربعة أنظمة تعليمية فقط، هي بلغاريا وكولومبيا وإيطاليا وفيتنام، يفيد فيها أكثر من 85% من المعلمين بتمتعهم باستقلالية كبيرة أو كاملة في الأبعاد الخمسة جميعها. ويشير ذلك إلى أنه في حين يفيد معظم المعلمين بتمتعهم بالاستقلالية في بعض المجالات على الأقل، فإن المستويات المرتفعة جداً من الاستقلالية التعليمية في الأبعاد الخمسة كلها تظل نادرة نسبياً.

تفاوت الاستقلالية التعليمية بين المدارس

قد تؤدي خصائص المدرسة وتركيبة طلابها دوراً مهماً في تحديد مقدار الاستقلالية التعليمية الممنوحة للمعلمين. فالتدريس في مدرسة تديرها جهة عامة يرتبط سلباً بالاستقلالية التعليمية في 15 نظاماً تعليمياً، بعد ضبط خصائص المعلمين. وقد تعمل المدارس العامة في سياقات معينة ضمن بيئات سياساتية محددة وأكثر إلزاماً، أو تعتمد ممارسات إدارية مختلفة.

ويمكن لفهم كيفية توزيع الاستقلالية التعليمية في المدارس ذات التركيبة الطلابية المتنوعة أن يلقي الضوء على كيفية تكييف ظروف التدريس لتلبية احتياجات التعلم المختلفة. وعلى الرغم من أن بيانات تاليس 2024 لا تكشف عن أنماط دولية متسقة، فإنها تُظهر فروقاً ذات دلالة على مستوى البلدان توضح كيف تتشكل الاستقلالية في علاقتها بتنوع الصفوف الدراسية.

فدراسة المدارس التي يواجه فيها أكثر من 10% من الطلاب صعوبة في فهم لغة التدريس تكشف عن فروق في طريقة منح المعلمين الاستقلالية التعليمية الهيكلية في مجالات مثل تنفيذ المنهج وتحديد أهداف التعلم واختيار أنشطة التقييم. ففي المغرب مثلاً، تقل نسبة المعلمين العاملين في هذه المدارس المتنوعة لغوياً الذين يتمتعون بالاستقلالية في المجالات الثلاثة جميعها. ويُلاحظ اتجاه مماثل في الولايات المتحدة، حيث تقل نسبة المعلمين في مثل هذه المدارس الذين يفيدون بتمتعهم بالاستقلالية في اختيار أهداف التعلم وأنشطة التقييم.

وعلى النقيض من ذلك، في تركيا، يفيد عدد أكبر من المعلمين العاملين في مدارس تضم طلاباً يواجهون مثل هذه الصعوبات بتمتعهم باستقلالية أكبر في تنفيذ المنهج بمرونة واختيار استراتيجيات التقييم. كما يفيد المعلمون في إستونيا والمجر العاملون في سياقات مماثلة بتمتعهم باستقلالية أكبر في مجال واحد على الأقل من هذه المجالات الهيكلية. وبعيداً عن المجالات الهيكلية، وفيما يتعلق بالقرارات التعليمية العملية، تقل في النمسا وآيسلندا ولاتفيا نسبة المعلمين في هذه السياقات الصعبة الذين يفيدون بتمتعهم بالاستقلالية في اختيار أساليب التدريس واستراتيجياته وفي تصميم الدروس وإعدادها.

وتبرز صورة مختلفة في المدارس التي ترتفع فيها نسبة الطلاب ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة (30% فأكثر). ففي هذه السياقات، لا يُظهر أي نظام تعليمي أن المعلمين يتمتعون باستقلالية هيكلية أقل، بل على العكس، يفيد المعلمون العاملون في مثل هذه المدارس في بعض الأنظمة التعليمية بتمتعهم باستقلالية أكبر. ففي إسبانيا مثلاً، تتمتع نسبة أعلى من المعلمين في هذه المدارس بالمرونة في تنفيذ المنهج والاستقلالية في أنشطة التقييم. وعلى نحو مماثل، يتمتع المعلمون في مثل هذه المدارس في فرنسا باستقلالية أكبر في تنفيذ المنهج بمرونة واختيار أهداف التعلم. وفي كازاخستان، تُلاحظ مستويات أعلى من الاستقلالية المُبلغ عنها لدى المعلمين في المدارس التي تضم أعداداً كبيرة من الطلاب ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، وذلك فيما يخص أهداف التعلم وأنشطة التقييم معاً. أما الفروق الوحيدة في القرارات التعليمية العملية بين المدارس فتظهر في البرازيل، حيث يتمتع المعلمون العاملون في مدارس تستقبل نسبة مرتفعة من الطلاب ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة باستقلالية أكبر في تصميم الدروس وإعدادها. وفي إستونيا، يتمتع المعلمون في مثل هذه المدارس باستقلالية أكبر في اختيار أساليب التدريس.

وعلى الرغم من عدم وجود نمط عام يربط بين تنوع الطلاب ومستويات الاستقلالية عبر البلدان، تشير البيانات إلى أن بعض الأنظمة التعليمية تُعاير الاستقلالية التعليمية وفقاً لخصائص المدرسة أو احتياجاتها. وتسلط هذه النتائج الخاصة بكل بلد الضوء على تنوع الخيارات السياساتية المتعلقة بمنح الاستقلالية التعليمية في البيئات التعليمية المختلفة.

الاستقلالية التعليمية لدى معلمي المرحلتين الابتدائية والثانوية

لا تُظهر بيانات تاليس اتجاهاً متسقاً في مقدار الاستقلالية التعليمية التي يفيد بها معلمو المرحلتين الابتدائية والثانوية. غير أنه حين تظهر فروق، فإن المعلمين الأكثر خبرة هم في الغالب من يفيدون بمستويات أعلى من الاستقلالية مقارنةً بنظرائهم المبتدئين.

ومن بين معلمي المرحلة الابتدائية، تُسجَّل بعض أكبر الفجوات في اليابان. ففي هذا النظام التعليمي، يفيد معلمو المرحلة الابتدائية الأكثر خبرة في تاليس 2024 بتمتعهم باستقلالية كبيرة أو كاملة في جميع المجالات المقيسة مقارنةً بالمعلمين المبتدئين، وذلك في تنفيذ المنهج بمرونة (بفارق 22 نقطة مئوية)، واختيار أساليب التدريس واستراتيجياته (بفارق 16 نقطة مئوية)، واختيار أنشطة التقييم (بفارق 17 نقطة مئوية)، واختيار أهداف التعلم (بفارق 14 نقطة مئوية)، وتصميم الدروس وإعدادها (بفارق 5 نقاط مئوية). وتُظهر كوريا اتجاهاً معاكساً، إذ تقل نسبة المعلمين ذوي الخبرة الذين يفيدون بتمتعهم بهذه الاستقلالية التعليمية في معظم المجالات.

ولا يظهر نمط واضح عند مقارنة الاستقلالية التي يفيد بها معلمو المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، وإن كانت هناك فروق جديرة بالملاحظة. ففي ستة أنظمة تعليمية، تفيد نسبة أكبر من معلمي المرحلة الابتدائية بتمتعهم باستقلالية أكبر من نظرائهم في المرحلة المتوسطة في تنفيذ المنهج بمرونة، ويُسجَّل أكبر فارق في كوريا (14 نقطة مئوية). ويبرز نمط مماثل في اختيار أهداف التعلم، ويُسجَّل أكبر فارق في المجتمع الفرنسي في بلجيكا (15 نقطة مئوية). وفي المقابل، تقل نسبة معلمي المرحلة الابتدائية الذين يفيدون بتمتعهم بالاستقلالية في اختيار أساليب التدريس واستراتيجياته في خمسة أنظمة تعليمية، ويُسجَّل أكبر فارق في المجتمع الفلمنكي في بلجيكا* (9 نقاط مئوية)، كما تقل نسبتهم فيما يخص الاستقلالية في تصميم الدروس وإعدادها في أربعة أنظمة تعليمية، ويُسجَّل أكبر فارق في المغرب (7 نقاط مئوية).

وفي بعض الأنظمة التعليمية، تفيد نسبة أعلى من معلمي المرحلة الثانوية ذوي الخبرة بتمتعهم باستقلالية أكبر من نظرائهم الأقل خبرة. ففي الدنمارك مثلاً، يفيد المعلمون الأكثر خبرة بتمتعهم بالاستقلالية في تنفيذ المنهج بمرونة واختيار أنشطة التقييم (بفارق يبلغ نحو 13 و15 نقطة مئوية على التوالي). وفي الإمارات العربية المتحدة، يفيد المعلمون الأكثر خبرة بتمتعهم بالاستقلالية في اختيار أساليب التدريس واستراتيجياته (6 نقاط مئوية) وأنشطة التقييم (12 نقطة مئوية). غير أنه في تركيا والبرتغال، تقل نسبة معلمي المرحلة الثانوية ذوي الخبرة الذين يفيدون بتمتعهم بالاستقلالية في اختيار أنشطة التقييم وأهداف التعلم مقارنةً بالمعلمين المبتدئين (بفارق يتجاوز 8 نقاط مئوية في تركيا، ويتراوح بين 6 و16 نقطة مئوية في البرتغال).

وبالمقارنة مع نظرائهم في المرحلة المتوسطة، تقل نسبة معلمي المرحلة الثانوية الذين يفيدون بتمتعهم بالاستقلالية في تنفيذ المنهج بمرونة واختيار أهداف التعلم في ثلاثة أنظمة تعليمية ونظامين تعليميين على التوالي. وتُسجَّل أكبر الفروق في البرتغال والإمارات العربية المتحدة (نحو 4 نقاط مئوية) فيما يخص الممارسة الأولى، وفي الدنمارك (19 نقطة مئوية) فيما يخص الممارسة الثانية. وفي المقابل، يفيد معلمو المرحلة الثانوية في المملكة العربية السعودية بتمتعهم باستقلالية أكبر من نظرائهم في المرحلة المتوسطة في اختيار أساليب التدريس وأنشطة التقييم وتصميم الدروس وإعدادها (بفارق يتراوح بين 2 و3 نقاط مئوية).

تفاوت الاستقلالية التعليمية بين المعلمين

قد يتوقف مقدار الاستقلالية التي تمنحها الأنظمة التعليمية للمعلمين على سماتهم وسياق تدريسهم. وتُظهر الأبحاث أن المعلمين المبتدئين كثيراً ما يستفيدون من توجيه أكثر تنظيماً، لأنهم لا يزالون في طور تطوير المعرفة التربوية ومهارات إدارة الصف اللازمة لاتخاذ قرارات مستقلة وفعالة.

وإلى جانب خصائص المعلمين، يُعدّ التوقيت اعتباراً مهماً حين تقرر الأنظمة التعليمية مقدار الاستقلالية الممنوحة للمعلمين. فعند إدخال منهج وطني جديد، أو حين يعمل المعلمون ضمن أطر تربوية غير مألوفة لهم، كالصفوف الغنية بالتقنية أو الصفوف الدامجة، يمكن لفرض قيود مؤقتة على حرية التصرف، مقرونة بتدريب واضح وتدرج في المسؤولية، أن يساعد على ضمان نجاح التنفيذ. وفي مثل هذه الحالات، لا تُقلَّص الاستقلالية التعليمية بصورة دائمة، بل تُعايَر استراتيجياً لبناء القدرات بمرور الوقت.

ومع ذلك، تُظهر بيانات تاليس أنه لا توجد في معظم البلدان فروق فعلية بين المعلمين المبتدئين والمعلمين الأكثر خبرة. فعلى الرغم من أن المعلمين الأكثر خبرة يفيدون في المتوسط بتمتعهم باستقلالية أكبر في مجالات مثل اختيار أساليب التدريس، فلا يوجد في معظم الأنظمة التعليمية اتجاه واضح يربط بين سنوات الخبرة وزيادة الاستقلالية. ولا ترتبط الاستقلالية ارتباطاً إيجابياً بسنوات عمل المعلمين في المهنة إلا في عشرة أنظمة تعليمية، بينما تنفرد كوريا وكوستاريكا بنمط معاكس، إذ يفيد المعلمون المبتدئون باستقلالية أعلى من نظرائهم ذوي الخبرة، بفارق لا يقل عن 8 نقاط مئوية في جميع المجالات في كوريا، وبفارق يتجاوز 14 نقطة مئوية في اختيار أهداف التعلم وتنفيذ المنهج بمرونة في كوستاريكا. وتشير هذه النتائج إلى أن الاستقلالية التعليمية في عدد كبير من الأنظمة التعليمية تبدو متأصلة في ممارسة التدريس ذاتها، بدلاً من أن تُمنح تدريجياً وفقاً لخبرة المعلمين.

ملامح الأنظمة التعليمية من حيث صلاحيات المعلمين في صنع القرار

تشير نتائج تاليس 2024 إلى أن مدى استقلالية المعلمين وقدرتهم على الفعل يتفاوت تفاوتاً كبيراً بين الأنظمة التعليمية. واستناداً إلى إفادات كل من المعلمين ومديري المدارس، يمكن رسم ملامح عامة لصلاحيات المعلمين في صنع القرار، وتُبرز هذه الملامح التوضيحية تشكيلات مختلفة من الاستقلالية التعليمية وفرص القيادة المدرسية.

فهناك أولاً الأنظمة التي يتمتع فيها المعلمون بصلاحيات مرتفعة في صنع القرار، إذ يفيد المعلمون في إستونيا وإيطاليا بمستويات عالية من الاستقلالية التعليمية في معظم المجالات المقيسة، فضلاً عن مشاركة قوية في صنع القرار على مستوى المدرسة، أي أعلى من متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في ثلثي البنود على الأقل التي يشملها كل مجال. وفي هذه الأنظمة التعليمية، تبدو الاستقلالية التعليمية والقدرة المتصورة على الفعل متسقتين على نحو جيد، ويعمل المعلمون باستمرار في مدارس تتيح لهم المجال للتصرف بمهنية.

وعلى الطرف الآخر من الطيف، تأتي الأنظمة التي يتمتع فيها المعلمون بصلاحيات منخفضة في صنع القرار، إذ يفيد المعلمون في كوستاريكا والمغرب بمستويات منخفضة نسبياً من الاستقلالية داخل الصف، ويعملون في مدارس يكون تأثيرهم فيها محدوداً في القرارات المدرسية. وتُظهر هذه الأنظمة التعليمية قيماً أدنى باستمرار في المؤشرات التي يفيد بها المعلمون ومديرو المدارس على حد سواء، مما يضعها دون متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بفارق واضح، أي دونه في ثلثي البنود على الأقل التي يشملها كل مجال.

وأما الأنظمة التي يتمتع فيها المعلمون بصلاحيات متوسطة في صنع القرار، كما في ليتوانيا وصربيا، فتقترب من متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وعلى الرغم من أن مستويات الاستقلالية التعليمية في كلا البلدين تتماشى في معظمها مع هذا المتوسط، فإن فرص المعلمين في صنع القرار المدرسي تختلف أحياناً. ففي ليتوانيا، يشارك المعلمون مشاركة كبيرة في القرارات المتعلقة بمواد التعلم ومحتوى المقررات، في حين يفيد المعلمون في صربيا بفرص أقل في هذه المجالات. غير أن العكس صحيح فيما يتعلق بالقرارات الخاصة بالمقررات المطروحة والسياسات المتعلقة بتنوع الطلاب.

ولا يُقصد بهذه الملامح أن تكون توجيهية أو شاملة، إذ تُسهم عوامل مثل عبء العمل وهياكل الدعم والثقافة المدرسية أيضاً في تشكيل الظروف التي تُمارَس فيها الاستقلالية. ومع ذلك، فإنها توفر عدسة مقارنة يمكن من خلالها فهم كيفية تنظيم قدرة المعلمين على الفعل وكيفية معايشتها عبر البلدان.

المساءلة

تتمثل إحدى المسائل السياساتية الحاسمة بالنسبة إلى الأنظمة التعليمية في كيفية التحقق مما إذا كان المعلمون يمارسون استقلاليتهم التعليمية على نحو مثمر ويساعدون الطلاب على التعلم. وتضع الأنظمة التعليمية نظماً لتقييم أداء المعلمين بهدف تقييمهم ومساءلتهم عن تدريسهم. ويمكن لنظم التقييم القوية أن تُضفي الشرعية على الاستقلالية التعليمية داخل الصف وتدعمها، في حين قد تُقيّد النظم غير المتسقة هذه الاستقلالية وتحد من فعالية المعلمين.

وفي هذا السياق، من المهم دراسة كيفية تفاعل الاستقلالية التعليمية مع تقييم أداء المعلمين. ففي المجالات الخمسة التي يتناولها هذا التحليل، تعمل نسبة كبيرة من المعلمين، حتى من بين أولئك الذين يفيدون بتمتعهم باستقلالية كبيرة أو كاملة، في مدارس يكون فيها التقييم الرسمي نادراً أو غائباً. فعلى سبيل المثال، من بين المعلمين في إيطاليا والنرويج* الذين يفيدون بتمتعهم باستقلالية "كبيرة" أو "كاملة"، لا يخضع نحو واحد من كل أربعة للتقييم على الإطلاق، بل تتجاوز هذه النسبة الثلث في فنلندا.

ومن بين المعلمين الذين يفيدون بمستويات مرتفعة من الاستقلالية في تنفيذ المنهج، يعمل أكثر من نصفهم في المجتمع الفرنسي في بلجيكا وفنلندا وفرنسا في مدارس يخضعون فيها للتقييم أقل من مرة واحدة في السنة، أو لا يخضعون له على الإطلاق. ويصدق الأمر ذاته على المعلمين الذين يفيدون بمستويات مرتفعة من الاستقلالية في أنشطة التقييم في هذه الأنظمة التعليمية. وفي المقابل، يخضع جميع المعلمين تقريباً من ذوي الاستقلالية التعليمية المرتفعة للتقييم الرسمي مرة واحدة على الأقل في السنة في ألبانيا والبحرين ولاتفيا وشنغهاي (الصين) وسنغافورة وجمهورية سلوفاكيا والإمارات العربية المتحدة.

وتكشف هذه التباينات عن فروق كبيرة في دور نظم التقييم في دعم استقلالية المعلمين أو إغفالها. ففي الأنظمة التعليمية التي يكون فيها التقييم نادراً، قد تدل الاستقلالية التعليمية المرتفعة على ثقة مؤسسية، أو قد تدل بدلاً من ذلك على محدودية الرقابة والدعم. أما في الأنظمة التعليمية ذات التقييمات المتكررة، فقد تخضع الاستقلالية التعليمية لرصد أكثر قصدية، بل وقد تتقيد به، بوصفه جزءاً من إطار شامل للتطوير المهني والمساءلة (انظر الفصل الثالث). ويمكن لفهم هذه العلاقة أن يساعد على توضيح السياق المؤسسي الأوسع الذي تُمارَس فيه الاستقلالية التعليمية، إذ لا تقتصر المسألة على قدرة المعلمين على الفعل، بل تمتد لتشمل التصميم التنظيمي واتساق السياسات.

صلاحيات المعلمين في صنع القرار والمخرجات المهنية

تناول الفصل الثاني من هذا التقرير المخرجات المهنية للمعلمين. وتُظهر بيانات تاليس أن كلاً من المشاركة في القيادة المدرسية والاستقلالية التعليمية يرتبطان ارتباطاً إيجابياً بالمخرجات المهنية للمعلمين. غير أن قوة هذه العلاقات واتساقها يتفاوتان بين الأنظمة التعليمية، وبحسب خصائص المعلمين والمدارس.

المشاركة في القيادة المدرسية

لا ترتبط جميع أشكال المشاركة في القيادة المدرسية بالرضا الوظيفي بالقدر نفسه. فعلى سبيل المثال، لا يُظهر مجرد قضاء وقت أطول في أنشطة الإدارة المدرسية أي ارتباط متسق بالرضا الوظيفي عبر الأنظمة التعليمية، سواء قبل ضبط خصائص المعلمين أو بعده. غير أن هذه العلاقة تصبح إيجابية في ألبانيا والنمسا والبحرين وآيسلندا بعد ضبط خصائص المدارس. ومن المحتمل أن تعكس المشاركة في الإدارة المدرسية في بعض السياقات انخراطاً حقيقياً في صنع القرار، بينما قد يُنظر إليها في سياقات أخرى على أنها عبء إداري في المقام الأول.

وتُلاحظ علاقات إيجابية أكثر اتساقاً في أنماط محددة من المشاركة في القيادة المدرسية، مثل إتاحة الفرص للمشاركة الفاعلة في صنع القرار المدرسي، والتشجيع على قيادة مبادرات جديدة. فهذه الأشكال من المشاركة في القيادة ترتبط بالرضا الوظيفي على نحو أقوى وأكثر اتساقاً، قبل ضبط خصائص المعلمين والمدارس وبعده. وفي المقابل، يُظهر قيام المعلم بقيادة تطويره المهني بنفسه ارتباطات أضعف وأقل اتساقاً بالرضا الوظيفي. وتوجد علاقات مماثلة بين رفاه المعلمين وهذه المجالات من المشاركة في القيادة المدرسية.

فضلاً عن ذلك، يمتد هذا النمط إلى ما يتجاوز مستوى المدرسة، إذ يفيد المعلمون الذين يعتقدون أنهم قادرون على التأثير في السياسات التعليمية في بلدانهم أو مناطقهم بمستويات أعلى من الرضا الوظيفي. ويسري هذا النمط في جميع الأنظمة التعليمية تقريباً. وتتسق هذه النتائج مع الأبحاث التي تشير إلى أن المعلمين حين يشعرون بالثقة والتمكين للتصرف، سواء في صفوفهم أو مدارسهم أو في النظام التعليمي الأوسع، يُرجَّح أن يكونوا أكثر انخراطاً ورضا على الصعيد المهني، لا بوصفهم ممارسين فحسب، بل أيضاً بوصفهم مساهمين في مدارسهم وأنظمتهم التعليمية.

الاستقلالية التعليمية

تُظهر بيانات تاليس أن الاستقلالية التعليمية ترتبط ارتباطاً إيجابياً بإحساس المعلمين بتحقيق أهداف الدروس، قبل ضبط خصائص المعلمين والمدارس وبعده. كما أن المعلمين الذين يتمتعون باستقلالية أكبر، وفق مقياس تاليس لاستقلالية المعلمين في التخطيط والتدريس، أكثر ميلاً إلى الإفادة بأنهم يراعون المعارف السابقة للطلاب واحتياجاتهم عند التخطيط للدرس، ويغيرون طريقة شرحهم حين يواجه الطلاب صعوبات، ويكيّفون تدريسهم. ويصدق ذلك في المتوسط وفي معظم الأنظمة التعليمية، قبل ضبط خصائص المعلمين والمدارس وبعده. وبعبارة أخرى، لا ترتبط الاستقلالية بالرضا المهني فحسب، بل ترتبط أيضاً بالتدريس التكيفي.

وتُظهر تحليلات إضافية أن المعلمين ذوي الاستقلالية التعليمية المرتفعة، أي الواقعين في الربع الأعلى من مقياس الاستقلالية، أكثر ميلاً إلى الإفادة بثقتهم في عدد من المجالات التدريسية الرئيسية. فعلى سبيل المثال، يفيد هؤلاء المعلمون بقدرتهم على تنويع الاستراتيجيات التعليمية في صفوفهم بنسبة تزيد بأكثر من 10 نقاط مئوية على نظرائهم ذوي الاستقلالية التعليمية الأدنى، أي الواقعين في الربع الأدنى. ويتسق هذا النمط عبر الأنظمة التعليمية. وعلى نحو مماثل، يفيد المعلمون ذوو الاستقلالية التعليمية الأعلى بدرجة أكبر بقدرتهم على حمل الطلاب على الالتزام بقواعد الصف (بفارق 6 نقاط مئوية في أنظمة دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية)، وبقدرتهم على تقليص فجوات التحصيل بين الطلاب (بفارق يقارب 9 نقاط مئوية في المتوسط).

وترتبط الاستقلالية التعليمية ارتباطاً إيجابياً ومتسقاً بالرضا الوظيفي للمعلمين، قبل ضبط خصائص المعلمين والمدارس وبعده، وإن كانت هذه العلاقة لا تظهر في النرويج* والولايات المتحدة. كما يرتبط رفاه المعلمين بمستوى استقلاليتهم التعليمية؛ ففي غالبية الأنظمة التعليمية، يقل احتمال أن يعاني المعلمون الذين يفيدون باستقلالية تعليمية أكبر من الضغوط في العمل، أو أن يشعروا بعدم كفاية الوقت لحياتهم الشخصية، أو أن يفيدوا بآثار سلبية على صحتهم النفسية بل والجسدية أيضاً.

غير أن بيانات تاليس تشير إلى أن المعلمين يحتاجون أيضاً إلى الشعور بالثقة في قدرتهم على ممارسة الاستقلالية التعليمية بفعالية. فعبر الأنظمة التعليمية، تضعف قوة العلاقة بين الاستقلالية من جهة والرفاه والضغوط في مكان العمل من جهة أخرى عند أخذ الكفاءة الذاتية في الحسبان.

وفي حين تُظهر الكفاءة الذاتية للمعلمين، ولا سيما ثقتهم في إدارة الصفوف وتقديم التعليم، ارتباطاً إيجابياً متسقاً بالاستقلالية المتصورة، فإن الارتباط بين الاستقلالية والكفاءة الذاتية أقوى وأكثر اتساقاً عبر عدد أكبر من الأنظمة التعليمية لدى المعلمين ذوي الخبرة مقارنةً بالمعلمين المبتدئين. ويشير ذلك إلى أن الاستقلالية قد تغدو فعالة كلما اكتسب المعلمون خبرة صفية وثقة في حكمهم المهني. وتؤكد هذه الاعتبارات أهمية النظر لا في مقدار الاستقلالية الممنوحة فحسب، بل أيضاً في توقيت منحها، ولمن تُمنح، وفي ظل أي ظروف مؤسسية.

فعلى سبيل المثال، تُبرز العلاقات الملحوظة بين الكفاءة الذاتية وفرص القيادة ضرورة مراعاة آليات الانتقاء الذاتي، إذ قد يكون المعلمون الأكثر ثقة أكثر ميلاً إلى تولي أدوار قيادية. وعلى نحو مماثل، تؤكد العلاقة بين الاستقلالية التعليمية والكفاءة الذاتية أهمية دعم المعلمين ذوي المستويات الأدنى من الثقة المهنية، ولا سيما المبتدئين منهم، إذ تميل الكفاءة الذاتية إلى النمو مع اكتساب الخبرة داخل الصف.

وفي نهاية المطاف، لا يكمن الهدف في الاستقلالية لذاتها، بل في استقلالية هادفة ومدعومة ومرتبطة بالتعليم والتعلم، ومنسجمة مع خصائص كل نظام تعليمي. ومن خلال فهم الظروف التي يكون فيها المعلمون أقدر على ممارسة حكمهم المهني، تستطيع الأنظمة التعليمية المضي نحو رؤية لاستقلالية المعلمين في صنع القرار تُمكّن الأفراد، وتعزز المدارس، وتُسهم في تحقيق مخرجات أفضل للطلاب والمعلمين على حد سواء.

دراسة ذات صلة