الفصل الثالث: متطلبات التدريس
يتناول هذا الفصل ظروف عمل المعلمين، مع التركيز على الكيفية التي ينظرون بها إلى متطلبات التدريس. ويبحث في فئات المعلمين الأكثر ميلاً إلى الإبلاغ عن الضغوط، باعتبارها مؤشراً بديلاً على ما يدركونه من تحديات عبء العمل ومتطلباته، ولا سيما ما يتصل منها بعبء العمل، والانضباط الصفي، وتنوع الطلاب، والتغييرات على مستوى النظام التعليمي، وتقييم أداء المعلمين. كما يستكشف الفصل كيف تتباين هذه التحديات المُبلَغ عنها تبعاً لخصائص المعلمين، وبخاصة سنوات الخبرة ومستويات الثقة أو الكفاءة الذاتية، ليقدّم بذلك صورة مقارنة تكشف عن المعلمين الذين يواجهون أكثر سياقات التدريس تطلباً.
أبرز النتائج
لا يزال عبء العمل الإداري يمثّل متطلباً كبيراً يثقل كاهل المعلمين؛ إذ يفيد نحو نصف المعلمين، في المتوسط عبر الأنظمة التعليمية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بأن العمل الإداري المفرط مصدر من مصادر الضغوط المرتبطة بالعمل، ولا سيما من تزيد خبرتهم على عشر سنوات. غير أن المعلمين المبتدئين في كولومبيا وسنغافورة هم الأكثر إبلاغاً عن ذلك بوصفه مصدراً للضغوط.
وعلى الرغم من أن الوقت المخصص للعمل الإداري لم ينخفض منذ عام 2018 إلا في 3 أنظمة تعليمية فحسب، فإن الضغوط المرتبطة به تتخذ أنماطاً متباينة. ففي 18 نظاماً تعليمياً، ارتفعت نسبة المعلمين الذين يعدّون العمل الإداري المفرط مصدراً للضغوط منذ عام 2018، في حين لم يزد الوقت المنفق على العمل الإداري إلا في 9 من هذه الأنظمة. وفي المقابل، انخفضت في 11 نظاماً تعليمياً نسبة المعلمين الذين يرون في العمل الإداري مصدراً للضغوط، رغم أن الوقت المخصص لهذه المهام لم يتغير بل ازداد أحياناً.
ويرتبط تكييف التدريس مع تنوع احتياجات الطلاب، لا مع الفروق الأكاديمية بينهم، ارتباطاً ثابتاً بالضغوط التي يعانيها المعلمون. إذ يزداد احتمال إبلاغ المعلمين عن ضغوط مرتبطة بالانضباط الصفي حين يشمل تنوع الطلاب احتياجات سلوكية أو لغوية أو تعليمية خاصة، مقارنة بالحالات التي يقتصر فيها التنوع على الفروق الأكاديمية، كالجمع بين الطلاب منخفضي التحصيل ومرتفعيه. ورغم أن هذا النمط يسري على معظم الأنظمة التعليمية، فإنه لا يظهر أي ارتباط من هذا القبيل في أنظمة أخرى، منها فنلندا وآيسلندا وإسرائيل وهولندا* ونيوزيلندا* والنرويج* والسويد.
ويفيد نحو معلم واحد من كل خمسة معلمين، في المتوسط عبر الأنظمة التعليمية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بأنه يواجه قدراً كبيراً من الضجيج والفوضى المعطّلين داخل صفه، كما ارتفعت حصة الوقت المخصص لحفظ الانضباط في جميع الأنظمة التعليمية تقريباً منذ عام 2018. وفي عام 2024، أفاد أكثر من 50% من المعلمين في البرازيل بمواجهة مثل هذه التحديات، وكذلك ما يزيد قليلاً على 33% من المعلمين في تشيلي وفنلندا والبرتغال وجنوب أفريقيا. وفي المقابل، لا تتجاوز نسبة من يواجهون هذه المشكلات الانضباطية 5% من المعلمين في ألبانيا واليابان وشنغهاي (الصين). ويُبلغ المعلمون المبتدئون عن اضطرابات صفية أكثر مما يُبلغ عنه زملاؤهم ذوو الخبرة في جميع الأنظمة التعليمية تقريباً.
ويفيد المعلمون الأصغر سناً (دون الثلاثين) على نحو ثابت بأنهم يعملون في أكثر الصفوف تنوعاً؛ إذ يزداد احتمال إبلاغهم عن العمل مع طلاب يعانون صعوبات لغوية، أو من ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، أو ممن يواجهون تحديات سلوكية، مقارنة بزملائهم الأكبر سناً. وتتجاوز هذه الفروق في بعض الأنظمة التعليمية ما بين 15 و20 نقطة مئوية، ومنها كولومبيا وإيطاليا وإسرائيل ولاتفيا ونيوزيلندا* والبرتغال.
وترتبط مصادر الضغوط لدى المعلمين بالتغيير المستمر غير المدعوم ارتباطاً أوثق من ارتباطها بنقص الموارد. فعلى الرغم من أن نقص الكوادر أو شحّ الموارد قد يكون مصدراً للضغوط، فإن نتائج تاليس 2024 لا تكشف عن علاقة ثابتة عبر الأنظمة التعليمية بين الضغوط المُبلَغ عنها والفجوات الهيكلية في الموارد. بل إن الضغوط ترتبط ارتباطاً أقوى بتجربة التغيير المستمر غير المدعوم، ولا سيما حين يشعر المعلمون بأنهم مثقلون بكثرة المبادرات، أو حين يُطلب منهم تنفيذ إصلاحات دون دعم كافٍ.
ويركّز تقييم أداء المعلمين على التطوير، غير أن الدعم التكويني المقدَّم يتفاوت تفاوتاً واسعاً. فرغم انتشار تقييم الأداء على نطاق واسع، يختلف ما يعقبه اختلافاً كبيراً. ففي المتوسط عبر الأنظمة التعليمية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يشارك 65% من المعلمين في نقاشات تالية للتقييم حول سبل تحسين تدريسهم، ويُعرض على نحو 46% منهم خطط للتطوير أو التدريب، وإن كانت هذه النسبة تتراوح بين أقل من 15% في آيسلندا والنرويج* وأكثر من 90% في البحرين وكازاخستان. ولا يزال الإرشاد المهني والحوافز المالية نادرين نسبياً (20% و12% على التوالي)، أما العقوبات فهي أندر من ذلك (أقل من 3%).
بالنسبة إلى البلدان المميزة بعلامة النجمة (*)، ينبغي تفسير التقديرات بحذر نظراً لارتفاع خطر التحيز الناجم عن عدم الاستجابة. ولمزيد من التفاصيل، يُرجى الرجوع إلى دليل القارئ والملحق (أ).
مقدمة
يواجه المعلمون، شأنهم شأن أصحاب سائر المهن، طيفاً واسعاً من المتطلبات المتغيرة؛ فعليهم أن يقدّموا الدروس، وينجزوا المهام الإدارية، ويتكيّفوا مع تغيّر الفئات الطلابية، ويحافظوا على الانضباط الصفي، ويلبّوا احتياجات تعلّم متنوعة، ويخضعوا للمساءلة عن أداء طلابهم، ويواكبوا التحولات التي تشهدها المهنة. وتُعرَّف متطلبات العمل بأنها الجوانب المادية أو الاجتماعية أو التنظيمية للعمل التي تستلزم جهداً متواصلاً، وقد تفضي إلى إجهاد جسدي أو نفسي. وكثيراً ما يُنظر إلى الضغوط المرتبطة بالعمل على أنها اختلال في التوازن بين متطلبات العمل والموارد المتاحة للوفاء بها؛ أي أن المعلمين قد يعانون الضغوط حين تفوق التوقعات المنتظرة منهم ما يتوافر لديهم من دعم ووقت ومهارات وآليات للتكيّف.
وتتوقف استجابة المعلمين لهذه المتطلبات على عوامل عدة؛ إذ يمكن لثقة المعلمين بعملهم، سواء في التدريس أو في إدارة صفوفهم، أن تؤثر في نظرتهم إلى المتطلبات المهنية. ومن العوامل المهمة ذات الصلة التي ينبغي تقييمها أيضاً مقدار الخبرة التي يمتلكونها، وهي وثيقة الارتباط بالكفاءة الذاتية (انظر الفصل الأول). ومن العناصر الأخرى الجديرة بالاعتبار حجم المتطلبات (أي مقدارها) وطبيعتها (أي نوع المهام)، ومدى توافر الموارد الكافية لدى المعلمين للتعامل معها. فإذا كان المعلمون أقل ثقة بأنفسهم، وواجهوا أعباء عمل ثقيلة، وتنوعاً كبيراً في الاحتياجات داخل الصف، أو ضغوط مساءلة عالية المخاطر دون دعم كافٍ، فقد تتراكم هذه المتطلبات بما يقوّض رفاه المعلمين ويُضعف ممارساتهم. وفي المقابل، إذا اقترنت المتطلبات بثقة أعلى ودعم ملائم، فبوسع المعلمين أن يتحسّنوا ويرتقوا إلى مستوى التوقعات المتزايدة.
ويبحث هذا الفصل في مدى تكرار إبلاغ المعلمين عن متطلبات مختلفة بوصفها مصادر للضغوط. وعلى الرغم من أن الضغوط أمر شائع في أي بيئة مهنية، فإن تحديد مصادرها يساعد على تعيين المواضع التي لا تحظى فيها المتطلبات بدعم كافٍ. ومن خلال مقارنة البيانات بنظيرتها في الدورات السابقة من المسح الدولي للتعليم والتعلم (تاليس)، يتناول الفصل أيضاً ما إذا كانت قد طرأت تغيرات على إدراك هذه المتطلبات بوصفها مصادر للضغوط.
وانطلاقاً من النتائج المعروضة في الفصل الثاني، التي تُبرز العلاقة الإيجابية القوية بين الكفاءة الذاتية والمخرجات المهنية، يبدأ هذا الفصل بدراسة العلاقة بين الكفاءة الذاتية وما يُبلغ عنه المعلمون بشأن نوعين من متطلبات العمل، هما عبء العمل والمحافظة على الانضباط الصفي. ثم يتعمق في تقارير المعلمين حول هذين المجالين بمزيد من التفصيل، فضلاً عن تجاربهم في تدريس الطلاب ذوي احتياجات التعلم المتنوعة، ومساءلة المعلمين، ومواكبة الإصلاحات في المهنة.
الكفاءة الذاتية ومتطلبات العمل
تشير الكفاءة الذاتية للمعلم إلى اعتقاده بقدرته على أداء مهام تدريسية محددة بفاعلية، وهي تعكس ما يدركه من كفاءته في مجالات مختلفة من الممارسة المهنية، كالتدريس وإدارة الصف. ويمكن تفسير هذه المعتقدات على أنها ثقة المعلمين بقدرتهم على إدارة صفوفهم، وتقديم الدروس، والتعامل مع تحديات التدريس.
وكما تبيّن في الفصل الثاني، فإن المعلمين الذين يُبلغون عن مستويات أعلى من الكفاءة الذاتية هم أيضاً الأكثر ميلاً إلى الإبلاغ عن رضا وظيفي أكبر، ورفاه أعلى، وضغوط أقل. وتدعم الدراسات الحديثة هذه النتائج، إذ تُظهر أن المعلمين الذين يتمتعون بثقة راسخة بأنفسهم أكثر انخراطاً في عملهم وأكثر قدرة على الصمود. كما تؤكد الأبحاث أهمية الكفاءة الذاتية للتدريس الفعّال، لارتباطها الثابت بممارسات تربوية عالية الجودة ونتائج تعليمية أقوى. فعلى سبيل المثال، رُبط كلٌّ من التخطيط الفعّال، والإدارة الصفية المرنة المتكيّفة، واستخدام استراتيجيات التدريس المتمحورة حول الطالب، بارتفاع الكفاءة الذاتية لدى المعلمين.
ويتسق ذلك مع بيانات تاليس، التي تُظهر أن المعلمين ذوي الكفاءة الذاتية التعليمية المرتفعة (أي من يقعون في الربع الأعلى من المؤشر) أقل ميلاً إلى الإبلاغ عن المحافظة على الانضباط بوصفها مصدراً للضغوط، وذلك في 34 نظاماً من أصل 54 نظاماً تعليمياً مشاركاً في تاليس تتوافر بياناتها (ويُشار إليها فيما يلي ب"الأنظمة التعليمية"). وتبرز هذه الفروق بوضوح خاص في المجر وإيطاليا وهولندا* ونيوزيلندا* والسويد، حيث تتجاوز الفجوة بين المعلمين ذوي الكفاءة المرتفعة وذوي الكفاءة المنخفضة 18 نقطة مئوية.
وتُلاحظ كذلك علاقة قوية بين الضغوط المرتبطة بالانضباط والكفاءة الذاتية في إدارة الصف. ففي 44 نظاماً تعليمياً، يقلّ على نحو ثابت احتمال أن يعدّ المعلمون ذوو الكفاءة الذاتية المرتفعة في إدارة الصف (أي من يقعون في الربع الأعلى من المؤشر) الانضباطَ أمراً مسبباً للضغوط، وكثيراً ما يتجاوز الفارق 40 نقطة مئوية. كما أن المعلمين الذين يُبلغون عن كفاءة ذاتية أعلى في إدارة الصف أقل ميلاً إلى عدّ المحافظة على الانضباط مصدراً للضغوط، حتى بعد ضبط مقدار الوقت الذي يقضونه في حفظ النظام داخل الصف. ويشير ذلك إلى أن الثقة بمهارات إدارة الصف واستراتيجياتها ترتبط بالكيفية التي يدرك بها المعلمون هذه المتطلبات ويعيشونها، بصرف النظر عن الوقت الفعلي المخصص لإدارة الصف.
وعلاوة على ذلك، يُبلغ المعلمون ذوو الكفاءة الذاتية المرتفعة في إدارة الصف، في معظم الأنظمة التعليمية، عن قدر أقل بكثير من المقاطعات، ومن الاضطرار إلى انتظار هدوء الطلاب، ومن الضجيج والفوضى المعطّلين، ومن وجود طلاب كثيرين لا يشرعون في العمل إلا بعد مضي وقت طويل على بدء الدرس. ويُبلغ المعلمون ذوو الكفاءة الذاتية الأعلى في التدريس أو في إدارة الصف عن قضاء وقت أقل في حفظ النظام ووقت أكبر في التدريس والتعلم الفعليين، وذلك في المتوسط عبر دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وأقاليمها التي تتوافر بياناتها (ويُشار إليه فيما يلي ب"في المتوسط"). وفي خمسة أنظمة تعليمية، تبلغ الفروق في الوقت المخصص للتدريس والتعلم بين المعلمين ذوي الكفاءة الذاتية المرتفعة وذوي الكفاءة المنخفضة نحو 10 نقاط مئوية أو أكثر.
وتؤكد هذه النتائج أن المتطلبات لا تُدرَك جميعها على نحو متماثل؛ ففي حالات كثيرة، قد ترتبط تقارير المعلمين عن هذه المتطلبات بثقتهم في قدرتهم على التعامل معها، كما هو الحال في متطلبات إدارة الصف، أكثر من ارتباطها بطبيعة المهام ذاتها. وفي المقابل، يبدو أن الأنواع الأخرى من المتطلبات المتصلة بعبء العمل (كالتحضير للدروس، وتصحيح الأعمال، والعمل الإداري) أقل ارتباطاً بمستويات الكفاءة الذاتية لدى المعلمين.
فعلى سبيل المثال، لا تؤدي ثقة المعلم بقدرته على التدريس بالضرورة إلى تخفيف الضغوط الناجمة عن كثرة التحضير للدروس. ففي البرازيل وإيطاليا وحدهما يُبلغ المعلمون ذوو الكفاءة الذاتية التعليمية المرتفعة عن هذه الضغوط بوتيرة أقل من نظرائهم ذوي الكفاءة الذاتية المنخفضة. وعلى العكس من ذلك، يُبلغ المعلمون ذوو الكفاءة الذاتية التعليمية الأعلى عن هذه الضغوط بوتيرة أكبر في إستونيا وكازاخستان وكوريا ومالطا والجبل الأسود والمغرب ومقدونيا الشمالية وأوزبكستان. ويُبلغ المعلمون الذين يتمتعون بثقة عالية في إدارة الصف في 15 نظاماً تعليمياً عن ضغوط أقل مرتبطة بالتحضير للدروس. غير أن ضغوط التحضير للدروس تبدو، على وجه العموم وعبر الأنظمة التعليمية، غير مرتبطة بالكفاءة الذاتية لدى المعلمين.
ولا تُحدث الكفاءة الذاتية في التدريس فرقاً في إبلاغ المعلمين عن كثرة الحصص التدريسية بوصفها مصدراً للضغوط. ففي ثلاثة أنظمة تعليمية فقط (أذربيجان والبرازيل وكولومبيا)، يُبلغ المعلمون ذوو الكفاءة الذاتية التعليمية المرتفعة عن ضغوط ناجمة عن كثرة التدريس بدرجة أقل من نظرائهم ذوي الكفاءة الذاتية الأدنى في التدريس. ويصحّ العكس في إستونيا وكوريا وجنوب أفريقيا والإمارات العربية المتحدة، حيث يُبلغ المعلمون ذوو الكفاءة الذاتية التعليمية المرتفعة عن هذه الضغوط بوتيرة أعلى من نظرائهم ذوي الكفاءة الأدنى. أما فيما يخص الثقة في إدارة الصف، ففي جميع الأنظمة التعليمية التي تظهر فيها فروق (وعددها 12 نظاماً)، يُبلغ المعلمون ذوو الكفاءة الذاتية المرتفعة بدرجة أقل عن ارتفاع حجم التدريس بوصفه مصدراً للضغوط، باستثناء وحيد هو مقدونيا الشمالية وجنوب أفريقيا.
كذلك تُظهر الفروق في الضغوط المرتبطة بكثرة تصحيح الأعمال صلة محدودة بالكفاءة الذاتية في معظم الأنظمة التعليمية. ففي البرازيل وكوسوفو والسويد وحدها يُبلغ المعلمون الواثقون بقدراتهم التعليمية بدرجة أقل عن كون كثرة التصحيح مصدراً للضغوط، بينما يصحّ العكس في إستونيا وفنلندا وسلوفينيا وجنوب أفريقيا. ويمكن ملاحظة نتائج مماثلة فيما يتعلق بالكفاءة الذاتية في إدارة الصف.
وأخيراً، لا يقضي المعلمون ذوو الكفاءة الذاتية التعليمية المرتفعة وقتاً أقل من الحصة في المهام الإدارية مقارنة بنظرائهم ذوي الكفاءة الذاتية التعليمية المنخفضة (أي من يقعون في الربع الأدنى من المؤشر) إلا في 13 نظاماً تعليمياً. وتبرز أنماط مماثلة عند النظر في تقارير المعلمين عن الضغوط؛ ففي معظم الأنظمة التعليمية، لا تُحدث الثقة بالقدرة على التدريس وبمهارات إدارة الصف تمايزاً قوياً في إبلاغ المعلمين عن الضغوط المرتبطة بعبء العمل الإداري.
وفي الأقسام التالية، ستُحلَّل تقارير المعلمين عن هذه المتطلبات المختلفة بصرف النظر عن مستويات كفاءتهم الذاتية. إذ قد يكون فهم هذه الفروق مهماً لتصميم آليات الدعم الملائمة، كالإرشاد المهني، والتطوير المهني الموجّه، وسياسات عبء العمل المتوازنة، التي تمكّن جميع المعلمين من التعامل مع المتطلبات المهنية على نحو أفضل.
عبء العمل
كثيراً ما يُلزَم المعلمون رسمياً بالعمل عدداً محدداً من الساعات سنوياً، وفق ما تنص عليه الاتفاقيات الجماعية أو غيرها من الترتيبات التعاقدية. غير أن التوزيعات الرسمية للوقت نادراً ما تستوعب كامل نطاق الأنشطة التي يضطلع بها المعلمون؛ فقد يؤدون مهام إدارية، ويشرفون على الأنشطة المدرسية، وينهضون بعدد من الواجبات خلال ساعات الدوام المدرسي وخارجها.
ويُبلغ المعلمون العاملون بدوام كامل، في المتوسط، عن العمل قرابة نصف ساعة أسبوعياً أكثر مما كانوا يعملون في عام 2018. بيد أن ثمة تبايناً كبيراً بين الأنظمة التعليمية؛ فبينما ظل وقت العمل مستقراً في نحو نصف الأنظمة التعليمية، فقد ارتفع في 12 نظاماً، بزيادة تقارب 5 ساعات أسبوعياً في البرازيل ونحو 9 ساعات أسبوعياً في كوريا. وفي المقابل، انخفض إجمالي وقت العمل في 9 أنظمة تعليمية، بتراجع يبلغ نحو 4 ساعات أسبوعياً في اليابان وأكثر من 14 ساعة في كازاخستان.
ويجمع تاليس بيانات عن إجمالي عبء العمل الأسبوعي، الذي يُبلَّغ عنه برقم واحد، وعن تقديرات تفصيلية للساعات المخصصة لمهام بعينها. ولا يقيّد المسح إجابات المعلمين، ولذا قد يتجاوز مجموع الأوقات التفصيلية المخصصة للمهام المنفردة (كالتدريس، والتخطيط، والتصحيح والمراجعة، والتواصل مع أولياء الأمور، وغيرها) إجماليَّ عبء العمل المُبلَغ عنه. ولتحليل توزيع وقت العمل على الأنشطة المختلفة، يتناول هذا الفصل البيانات القائمة على المهام بوصفها حصة من مجموع الوقت المخصص لجميع المهام لدى المعلمين العاملين بدوام كامل.
ويُعدّ التدريس أكثر المهام استهلاكاً لوقت المعلمين في جميع الأنظمة التعليمية، إلا أنه لا يستأثر بالجزء الأكبر من إجمالي عبء عملهم في معظمها؛ إذ يمثّل في المتوسط نحو 43% من إجمالي وقت العمل الذي يُبلغ عنه المعلمون العاملون بدوام كامل. ولا يبلغ التدريس 50% على الأقل من إجمالي وقت العمل المُبلَغ عنه إلا في فنلندا والمجتمع الفرنسي في بلجيكا. وعلى النقيض من ذلك، يمثّل التدريس أقل من ثلث إجمالي وقت العمل في أذربيجان واليابان وشنغهاي (جمهورية الصين الشعبية، ويُشار إليها فيما يلي ب"الصين") وسنغافورة وأوزبكستان، ما يوحي بأن طبيعة العمل المطلوب من المعلمين قد تتفاوت تفاوتاً كبيراً بين الأنظمة التعليمية؛ فبعضها يولي التدريس أهمية أكبر، في حين يتيح بعضها الآخر وقتاً أطول للمهام الأخرى. ومن المهم عند تفسير هذه النتائج ملاحظة أن هذه الفروق تعكس جزئياً أنماط عمل أوسع لدى المعلمين، إذ يُبلغ المعلمون في اليابان وشنغهاي (الصين) وسنغافورة عن ساعات عمل إجمالية أعلى من نظرائهم في الأنظمة التعليمية الأخرى.
وعند النظر في الفروق في متوسط وقت التدريس بحسب سنوات خبرة المعلمين داخل كل نظام تعليمي، لا يظهر فرق فعلي في المتوسط وفي معظم الأنظمة التعليمية. غير أن المعلمين المبتدئين (أي من لا تتجاوز خبرتهم في التدريس خمس سنوات) يُبلغون في 11 نظاماً تعليمياً عن تدريس ساعات أسبوعية أكثر من زملائهم الأكثر خبرة (أي من تزيد خبرتهم في التدريس على عشر سنوات)، ويبلغ الفارق في المتوسط نحو ثلاث ساعات تدريسية أو أكثر في البحرين ونيوزيلندا* وتركيا. وقد يكون هذا الوضع إشكالياً في بعض السياقات، نظراً لأن المعلمين المبتدئين قد يحتاجون إلى مزيد من الدعم (انظر الفصل الرابع). ولا يصحّ العكس إلا في ستة أنظمة تعليمية، حيث يُبلغ المعلمون ذوو الخبرة عن ساعات تدريس أسبوعية أكثر، يتجاوز الفارق فيها ثلاث ساعات في أذربيجان وكوستاريكا.
ويأتي التخطيط للدروس وتصحيح أعمال الطلاب ومراجعتها في المرتبة التالية من حيث استهلاك الوقت، إذ يستأثران بنسبة 14% و9% من وقت العمل على التوالي في المتوسط. وفي اليابان وشنغهاي (الصين) وسنغافورة، ورغم أن ساعات التدريس فيها من بين الأدنى، يبلغ متوسط الوقت المخصص للتخطيط للدروس نحو 14% كذلك. وتُعدّ نسبة التحضير إلى التدريس في هذه البلدان من بين الأعلى، ما يعني أن المعلمين يقضون في التحضير وقتاً أطول نسبياً مقابل كل ساعة تدريس. وبالمثل، يخصّص المعلمون في شنغهاي (الصين) وسنغافورة أكثر من 10% من وقت عملهم لتصحيح أعمال الطلاب ومراجعتها (مقابل 9% في المتوسط)، فيما تُسجَّل أعلى النسب في المغرب والبرتغال (أكثر من 13%).
ويبدو أن المعلمين المبتدئين والمعلمين ذوي الخبرة ينظّمون وقتهم غير المخصص للتدريس على نحو مختلف. ففي المتوسط، يقضي المعلمون المبتدئون في التخطيط للدروس أكثر من نصف ساعة أسبوعياً زيادة على ما يقضيه المعلمون ذوو الخبرة. وفي 12 نظاماً تعليمياً، يقضي المعلمون المبتدئون ما بين ساعة وساعتين إضافيتين تقريباً كل أسبوع في التحضير مقارنة بزملائهم الأكثر خبرة. أما في ألبانيا وكازاخستان وكوسوفو ومقدونيا الشمالية وصربيا، فيسود الاتجاه المعاكس.
ومن جهة أخرى، لا يُعدّ التصحيح والمراجعة من المهام التي تظهر فيها فروق بحسب مستوى خبرة المعلمين في معظم الأنظمة التعليمية. غير أنه حيثما وُجدت فروق (في 19 نظاماً تعليمياً)، فإن المعلمين ذوي الخبرة هم من يُبلغون عن قضاء وقت أطول أسبوعياً في هذه المهام، بفوارق تصل إلى ساعة أو أكثر. وتشير هذه النتائج إلى أن التخطيط للدروس قد يستنزف جهداً أكبر من المعلمين الجدد في عدد من الأنظمة التعليمية، في حين قد تتزايد مسؤوليات التصحيح والمراجعة مع تراكم الخبرة.
ويضطلع المعلمون بطائفة من المهام التي، وإن كانت مرتبطة بعملهم مع الطلاب داخل الصف، لا تتصل مباشرة بوقت التدريس. ففي المتوسط، يُبلغ المعلمون عن تخصيص نحو 6% من وقت عملهم للمهام الإدارية، وتتراوح هذه النسبة بين نحو 3% أو أقل من إجمالي وقت العمل في المغرب ورومانيا، وأكثر من 9% في اليابان ونحو 12% في كوريا (حيث تأتي هذه المهام في المرتبة الثالثة من حيث استهلاك الوقت بعد التدريس والتحضير للدروس).
ورغم عدم وجود فروق في معظم الأنظمة التعليمية، فإن المعلمين ذوي الخبرة يُبلغون عن قضاء وقت أسبوعي أطول في العمل الإداري العام مقارنة بالمعلمين المبتدئين في جميع الأنظمة التعليمية التسعة عشر التي تؤدي فيها الخبرة دوراً في هذا الشأن (بزيادة تتجاوز ساعة في 5 منها).
عبء عمل المعلمين من منظور مقارن
يقدّم مسح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لمهارات البالغين، المنبثق عن برنامج المنظمة للتقييم الدولي لكفاءات البالغين (PIAAC)، رؤى مقارنة قيّمة. فمن خلال جمع المعلومات من البالغين العاملين في مهن متنوعة، ومنهم المعلمون، يتيح البرنامج مقارنة عبء العمل وكثافته كما يُبلغ عنهما الأفراد عبر الفئات المهنية المختلفة. ويرصد البرنامج على وجه الخصوص ساعات العمل الأسبوعية، بما في ذلك العمل الإضافي المدفوع وغير المدفوع، فضلاً عن مدى تكرار العمل بوتيرة سريعة أو في ظل مواعيد نهائية ضيقة.
وفي غالبية البلدان والاقتصادات الستة والعشرين التي شاركت في كلا المسحين، لا يُبلغ المعلمون عن العمل ساعات أسبوعية أكثر من نظرائهم العاملين في غير التدريس. بل إن المعلمين في 13 بلداً من هذه البلدان الستة والعشرين يُبلغون عن العمل ساعات أقل من العاملين ذوي المؤهلات المماثلة، بينما لا يوجد في 11 بلداً فرق ذو دلالة إحصائية في ساعات العمل المُبلَغ عنها بين الفئتين. ولا يُبلغ المعلمون عن العمل ساعات أسبوعية أكثر من غيرهم من العاملين ذوي المؤهلات المماثلة إلا في اليابان وسنغافورة.
بيد أن عبء العمل لا يقتصر على عدد ساعات العمل، إذ تُعدّ كثافة العمل، التي تُعرَّف بمدى تكرار اضطرار المهنيين إلى العمل بوتيرة سريعة أو تحت الضغط، مكوّناً مهماً آخر. وفي معظم البلدان والاقتصادات، لا يوجد فرق ذو دلالة إحصائية بين نسبة المعلمين ونسبة المهنيين ذوي المؤهلات المماثلة الذين يُبلغون عن مواجهة كثافة عمل عالية. ففي 17 من أصل 26 مشاركاً في كلا المسحين، يتساوى احتمال إبلاغ المعلمين ونظرائهم من غير المعلمين عن العمل كثيراً جداً (أي في أكثر من نصف الوقت على الأقل) بوتيرة سريعة أو في ظل مواعيد نهائية ضيقة. وفي 8 بلدان واقتصادات، يقلّ احتمال إبلاغ المعلمين عن العمل في ظل مواعيد نهائية ضيقة أو بوتيرة سريعة مقارنة بنظرائهم في القطاعات الأخرى. أما في تشيلي، فتُبلغ نسبة أعلى من المعلمين عن العمل بكثافة عالية مقارنة بالمهن الأخرى.
ومن المرجح أن تعكس هذه الفروق تباين بيئات العمل الوطنية، والتوقعات المؤسسية، ومنظومات الدعم الأوسع المتاحة للمعلمين؛ إذ يمكن لعوامل مثل أحجام الصفوف، وتنوع احتياجات الطلاب، وهياكل المساءلة أن تؤثر جميعها في كثافة العمل اليومي للمعلمين.
ولا يُغفل هذا المنظور المقارن التحديات والضغوط الفريدة التي يواجهها المعلمون، وكثير منها وثيق الصلة بأدوارهم بوصفهم مربّين ومرشدين وقادة مجتمعيين. بل إنه يؤكد أهمية مراعاة المتطلبات الخاصة بالوظيفة والعوامل المنظومية الأوسع على حد سواء، عند تصميم السياسات الرامية إلى تحسين ظروف العمل، والحدّ من الضغوط، ودعم جاذبية مهنة التدريس واستدامتها.
عبء العمل بوصفه مصدراً للضغوط
كما أُشير سابقاً، يعتمد هذا الفصل على مصادر الضغوط المُبلَغ عنها لفهم كيفية استجابة المعلمين لمتطلبات العمل. ولا تتشكّل متطلبات عبء العمل لدى المعلمين بفعل اللوائح المنظِّمة للمهام المطلوب منهم أداؤها فحسب، بل أيضاً بفعل الطبيعة الأوسع للتدريس ذاته، حيث نادراً ما تستوعب التوزيعات الرسمية للوقت كامل نطاق الأنشطة وعبء عمل المعلمين في مجمله. ويكشف إبلاغ المعلمين عن مهام بعينها بوصفها مصادر للضغوط عن المجالات التي قد تبدو فيها المتطلبات مكثفة على نحو خاص قياساً بالدعم المتاح. وينصبّ التركيز هنا على فهم المتطلبات الأكثر إبلاغاً عنها بوصفها مصادر للضغوط، والفئات الأكثر ميلاً إلى الإبلاغ عنها، والظروف التي يحدث فيها ذلك.
التحضير للدروس والتدريس والتصحيح
يقع التدريس ذاته في صميم مهنة التدريس، وتسانده مهمتان تمكّنان المعلمين من التخطيط لتعلم الطلاب وتكييفه ومتابعته، هما التحضير للدروس وتصحيح أعمال الطلاب. وتُعدّ هاتان المهمتان أساسيتين في المهنة، غير أنهما قد تصبحان مصدراً للضغوط حين لا تتوافر الموارد أو الوقت الكافي لإنجازهما بفاعلية. ويستكشف القسم التالي كيف يعيش المعلمون هذه المتطلبات عبر الأنظمة التعليمية المختلفة ومراحل مسارهم المهني.
ويمكن تفسير كثرة التحضير للدروس بأن لدى المعلمين دروساً كثيرة يتعين عليهم إعدادها، أو محتوى مفرطاً يتعين عليهم تغطيته، قياساً بما يتاح لهم من وقت عمل أو موارد. ويُبلغ ما يزيد قليلاً على ثلاثة من كل عشرة معلمين عبر الأنظمة التعليمية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (35%) عن كثرة التحضير للدروس بوصفها مصدراً للضغوط.
ويشيع هذا التصور على نحو خاص في المغرب (63%)، حيث يستأثر التدريس والتحضير للدروس معاً بأكثر من 60% من وقت العمل. أما في النظامين التعليميين الآخرين اللذين يسجّلان أعلى مستويات الضغوط الناجمة عن كثرة التحضير للدروس، وهما لاتفيا والبرتغال (اللتان تضمّان بعضاً من أكبر الكوادر التدريسية سناً)، فإن ذلك يعود بدرجة كبيرة إلى المعلمين ذوي الخبرة، بفجوات تتجاوز 15 نقطة مئوية مقارنة بالمعلمين المبتدئين. ويخالف ذلك النمط الملاحظ داخل الأنظمة التعليمية على نطاق أوسع، إذ يُبلغ المعلمون المبتدئون أكثر من المعلمين ذوي الخبرة عن كثرة التخطيط للدروس بوصفها مصدراً للضغوط، وذلك في 17 من أصل 23 نظاماً تعليمياً تظهر فيها فروق بين الفئتين.
الموازنة بين وقت التدريس والوقت غير المخصص للتدريس في آيسلندا والبرتغال وسنغافورة
يمكن للطريقة التي توزّع بها البلدان عبء عمل المعلمين، وتقسّم بها وقتهم على الأنشطة المختلفة، أن تعزّز جودة التدريس ونتائج الطلاب ورفاه المعلمين، أو أن تعيقها. ويعرض هذا الإطار مقاربات ثلاثة من المشاركين في تاليس.
آيسلندا
تحدّد اتفاقية عمل جماعية أُبرمت عام 2014 ساعات عمل المعلمين العاملين بدوام كامل ب1800 ساعة سنوياً، أي 40 ساعة أسبوعياً. وضمن هذا الإطار، يُقسَّم وقت المعلمين إلى ثلاثة مكونات: يشمل الجزء (أ) المهام الأساسية للتدريس، كالتحضير والمتابعة؛ ويغطي الجزء (ب) سائر الأنشطة غير التدريسية، بما فيها التطوير المهني، والاجتماعات مع أولياء الأمور، وحفظ السجلات، والتعاون مع الزملاء، وفترات الاستراحة؛ أما الجزء (ج) فيشمل المهام الخاصة التي يقترحها قائد المدرسة بالاتفاق مع المعلم، كإدارة المشاريع المدرسية.
وفي النموذج الأساسي، يقضي المعلمون العاملون بدوام كامل نحو 641 ساعة سنوياً في التدريس و395 ساعة في التحضير (الجزء أ)، و150 ساعة في التطوير المهني، و614 ساعة في المهام الأخرى (الجزء ب). ويُفترض أن يُعوَّض أي وقت يُقضى في الجزء (ج) بتقليص الوقت المخصص للتدريس والمهام الأخرى (الجزأين أ وب).
ومن الناحية العملية، يُحدَّد التوزيع الدقيق للوقت بين الجزأين (أ) و(ب) على مستوى المدرسة، وفقاً لجملة من العوامل، منها: المادة أو المواد التي يدرّسها المعلم، وحجم الصف وتركيبته، والوقت اللازم للتحضير والتصحيح، وتقييمات الطلاب، ومقدار التعاون المطلوب بين المعلمين، واستخدام أساليب تدريس جديدة، والتواصل مع أولياء الأمور.
البرتغال
يعمل المعلمون المتفرغون في البرتغال 35 ساعة أسبوعياً، موزعة على 22 ساعة تدريس، وساعتين ونصف للأنشطة المدرسية الأخرى (كالاجتماعات مع الزملاء أو أولياء الأمور)، و10.5 ساعات للعمل المستقل (كالتحضير للدروس وإعداد تقييمات الطلاب). ويستفيد المعلمون الذين يمتلكون خبرة كافية من تخفيض تدريجي لساعات تدريسهم، يقابله ارتفاع مماثل في الوقت المتوقع منهم تخصيصه لمهام أخرى. ووفقاً لتوجيهات قائد المدرسة، يمكن استثمار هذا الوقت مثلاً في تنسيق المشاريع المدرسية، أو إرشاد المعلمين، أو تصميم الموارد التربوية، أو بناء الشراكات مع المجتمع المحلي. كما يستفيد المعلمون الذين يشغلون أدواراً قيادية (كمنسقي المدارس أو رؤساء الأقسام) من نصاب تدريسي مخفَّض.
وإضافة إلى ذلك، تحصل كل مدرسة على عدد من الساعات الرصيدية التي تُحتسب بناءً على حجم المدرسة، وخصائصها الاجتماعية والاقتصادية، وعدد المعلمين ذوي ساعات التدريس المخفَّضة. ويحق لقادة المدارس توزيع هذه الساعات بحرية لتخفيف النصاب التدريسي لمعلمين مختارين، بما يتيح لهم وقتاً أطول للانخراط في أنشطة أخرى. فعلى سبيل المثال، قد يقدّر قادة المدارس الموهبة التنظيمية لدى أحد المعلمين بمنحه وقتاً لتصميم مشاريع تربوية مبتكرة والإشراف عليها.
سنغافورة
يقضي المعلمون في سنغافورة، ولا سيما المبتدئون منهم، وقتاً أطول بكثير من نظرائهم في البلدان الأخرى في أنشطة غير تدريسية لا يقيسها تاليس. ويعود ذلك جزئياً إلى أحجام الصفوف التي تفوق المتوسط في هذا البلد، ما يسمح للمعلمين بقضاء ساعات أقل، وحصة أصغر من وقت عملهم، في التدريس داخل الصف. كما يعكس ذلك التزاماً على مستوى النظام التعليمي بأكمله بدعم النمو المهني للمعلمين، وبخاصة في السنوات الأولى من مسيرتهم التدريسية.
ورغم أن وزارة التربية والتعليم لا تفرض جدولاً زمنياً ثابتاً، فإن ساعات عمل المعلمين تتوزع عموماً على نحو متشابه في المدارس السنغافورية. واللافت أن معظم المدارس تُدرج رسمياً في الجداول الأسبوعية للمعلمين وقتاً مخصصاً للتعلم والتعاون.
ويُكرَّس جزء كبير من الوقت غير التدريسي للمعلمين للتخطيط التعاوني للدروس، وتصميم المناهج، وإعداد التقييمات، وبرامج التدريب المنظَّمة. كما يشارك كثير من المعلمين السنغافوريين في أنشطة تجري خارج مدارسهم، كالمشاركة في أنشطة التطوير المهني (مثل ورش العمل والدورات أثناء الخدمة التي تنظمها أكاديمية معلمي سنغافورة، فضلاً عن المؤتمرات التربوية)، ومرافقة الطلاب في رحلات تعليمية أو ميدانية.
ومقارنة بعام 2018، يُبلغ المعلمون عبر الأنظمة التعليمية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن قضاء نحو نصف ساعة إضافية أسبوعياً في التخطيط والتحضير الفردي للدروس. أما في اليابان، فيُبلغ المعلمون عن انخفاض متوسط يقارب ثلاثة أرباع الساعة أسبوعياً.
وقد تعود كثرة التحضير للدروس لدى المعلمين إلى عوامل عدة، منها عدد الحصص التي يتعين عليهم تدريسها، أو احتياجات الطلاب الذين يدرّسونهم، أو المحتوى الذي يتعين عليهم تغطيته. ويُبلغ نحو ثلاثة من كل عشرة معلمين (31%) عبر الأنظمة التعليمية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن كثرة الحصص التدريسية بوصفها مصدراً للضغوط. وتُعدّ البرازيل والمغرب والبرتغال والمملكة العربية السعودية وجنوب أفريقيا من البلدان التي يُبلغ فيها أكثر من نصف المعلمين عن الشعور بالضغوط بسبب عدد الحصص التي يدرّسونها، وهي كذلك أنظمة تعليمية يُبلغ فيها أكثر من نصف المعلمين عن كثرة التحضير للدروس بوصفها مصدراً للضغوط. غير أن ساعات التدريس المُبلَغ عنها في المغرب والمملكة العربية السعودية تماثل متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ما يوحي بأن طبيعة التدريس في هذه الأنظمة التعليمية قد تسهم في الضغوط بدرجة تفوق إسهام حجمه.
وفي غالبية الأنظمة التعليمية، ظلت ساعات التدريس التي يُبلغ عنها المعلمون دون تغيير. غير أن المعلمين في 16 نظاماً تعليمياً يُبلغون عن زيادات تتراوح بين نحو نصف ساعة أسبوعياً في النمسا وسبع ساعات في كازاخستان. وفي الوقت ذاته، يُبلغ المعلمون في اليابان والبرتغال وتركيا عن قضاء ساعات تدريس أسبوعية أقل في عام 2024 مقارنة بعام 2018، بفارق يتراوح بين نصف ساعة وساعتين ونصف تقريباً.
وفي معظم الأنظمة التعليمية، يشيع الشعور بالإرهاق جراء حجم التدريس بين المعلمين بالقدر نفسه بصرف النظر عن خبرتهم. ولكن حيثما وُجدت فروق، فإن المعلمين ذوي الخبرة هم في الغالب من يُبلغون عن ذلك، بفارق متوسط يبلغ نحو 4 نقاط مئوية. ففي 18 نظاماً تعليمياً، يُبلغ المعلمون ذوو الخبرة عن ضغوط ناجمة عن كثرة الحصص التدريسية بوتيرة أكبر من المعلمين المبتدئين، ويتراوح الفارق بين أكثر من 5 نقاط مئوية في أذربيجان وإسبانيا وأوزبكستان ونحو 23 نقطة مئوية في البرتغال. ومع ذلك، فإن عدد ساعات التدريس الأسبوعية المُبلَغ عنها في البرتغال أعلى لدى المعلمين المبتدئين. ولا يُبلغ المعلمون المبتدئون أكثر من ذوي الخبرة عن كثرة الحصص بوصفها مصدراً للضغوط إلا في 4 أنظمة تعليمية، هي البحرين وكولومبيا ورومانيا والولايات المتحدة.
وعلاوة على ذلك، يُبلغ 40% من المعلمين عبر الأنظمة التعليمية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن كثرة التصحيح بوصفها مصدراً للضغوط. ورغم التباين الكبير بين الأنظمة التعليمية، لا تنخفض نسبة المعلمين الذين يعدّون كثرة التصحيح مصدراً للضغوط عن 20% في أي نظام تعليمي؛ إذ تبلغ نحو 25% في فنلندا وآيسلندا، ونحو 50% في أستراليا والبحرين والمجتمع الفلمنكي في بلجيكا وليتوانيا، وتتجاوز 70% في المغرب والبرتغال وجنوب أفريقيا.
ويتشارك المعلمون عموماً الشعور بالضغوط المرتبطة بكثرة التصحيح في غالبية الأنظمة التعليمية. غير أن المعلمين الأكثر خبرة في 22 نظاماً تعليمياً يُبلغون عن التصحيح بوصفه مصدراً للضغوط بفارق متوسط يبلغ 4 نقاط مئوية، ويبرز هذا الفارق بوضوح في ألبانيا وكوستاريكا وصربيا، حيث يتجاوز 15 نقطة مئوية. وفي المقابل، يُبلغ المعلمون المبتدئون عن هذا المصدر من مصادر الضغوط في ألبرتا (كندا)* والبحرين وكولومبيا واليابان وسنغافورة والولايات المتحدة، بفارق يتراوح بين 5 نقاط مئوية وأكثر من 20 نقطة مئوية مقارنة بالمعلمين ذوي الخبرة.
وفي 16 نظاماً تعليمياً، ازداد الوقت الذي يُبلغ المعلمون عن تخصيصه لتصحيح أعمال الطلاب ومراجعتها بين عامي 2018 و2024. ففي المتوسط، يُبلغ المعلمون عن قضاء وقت أسبوعي أطول في هذه المهام، وتتجاوز الزيادة ساعة أسبوعياً في البرازيل ومالطا وسلوفينيا. ولم ينخفض هذا الوقت إلا في ستة أنظمة تعليمية، إذ يُبلغ المعلمون في سنغافورة عن قضاء نحو ساعة أسبوعياً أقل في تصحيح أعمال الطلاب ومراجعتها في عام 2024.
العمل الإداري العام
لا يقتصر عمل المعلمين على التدريس، بل يضطلعون أيضاً بطائفة من المهام الأخرى التي تدعم سير العمل في مدارسهم وتعينهم على أداء مسؤولياتهم المهنية. ويحتل العمل الإداري العام مكانة متميزة بين هذه المهام، إذ يشمل الواجبات غير التربوية، كمهام إدارة المدرسة، والأعمال الورقية، وغيرها من المسؤوليات الكتابية اللازمة لتسيير العمل المدرسي، والتي لا تتصل اتصالاً مباشراً بالتدريس. ومن أمثلتها استكمال سجلات الحضور، وإدارة أنظمة ضبط الوقت، ومعالجة الاستمارات، والتعامل مع سائر المتطلبات البيروقراطية.
وفي المتوسط، يُبلغ نحو نصف المعلمين عن العمل الإداري العام بوصفه مصدراً للضغوط (52%)، وهي أكبر نسبة مقارنة بجميع المتطلبات الأخرى. غير أن هذه النسبة تقلّ عن 33% في عدد من الأنظمة التعليمية (11 من أصل 54)، وقد تنخفض إلى نحو 25% أو أقل في كازاخستان والمغرب. أما في كوريا وهولندا* والمملكة العربية السعودية، فيُبلغ نحو 50% من المعلمين عن ذلك بوصفه مصدراً للضغوط، وترتفع النسبة إلى أكثر من 75% في المجتمع الفلمنكي في بلجيكا والبرتغال. ومع ذلك، يقضي المعلمون في هذين النظامين التعليميين أقل من ثلاث ساعات أسبوعياً في العمل الإداري العام، وهو ما يماثل متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وتشير هذه النتيجة إلى أن تصورات المعلمين في هذين النظامين قد ترتبط بعوامل من قبيل طبيعة العمل الإداري، والعبء المركّب الناجم عن اجتماعه مع مهام أخرى، والتصورات الاجتماعية والثقافية بشأن المهام التي ينبغي للمعلمين أداؤها، أكثر من ارتباطها بحجم العمل الإداري الذي يؤدونه.
ويُبلغ المعلمون ذوو الخبرة عن عبء العمل الإداري بوصفه مصدراً للضغوط بوتيرة أكبر من المعلمين المبتدئين (في 38 من أصل 54 نظاماً تعليمياً). وتُسجَّل أكبر الفروق في كوستاريكا ومالطا والجبل الأسود وصربيا (نحو 22 نقطة مئوية أو أكثر)؛ ففي هذه الأنظمة التعليمية الأربعة، يُبلغ أقل من 50% من المعلمين المبتدئين عن هذا المصدر من مصادر الضغوط، مقابل نحو 60% أو أكثر من المعلمين ذوي الخبرة. ولا يصحّ العكس إلا في بلدين اثنين، هما كولومبيا وسنغافورة، حيث يُبلغ المعلمون المبتدئون عن ذلك بدرجة أكبر من ذوي الخبرة، ما يُبرز أن العبء الإداري لا يُعاش على نحو متماثل. وتتسق هذه الأنماط مع الاستخدام الفعلي للوقت كما ورد آنفاً؛ ففي جميع الأنظمة التعليمية التي تظهر فيها فروق في الوقت المُبلَغ عنه للمهام الإدارية بحسب خبرة المعلمين، يقضي المعلمون ذوو الخبرة وقتاً أطول في المهام الإدارية مقارنة بالمعلمين المبتدئين.
وفضلاً عن ذلك، ثمة فروق كبيرة في نسبة المعلمين الذين يُبلغون عن العمل الإداري المفرط بوصفه مصدراً للضغوط بين المدارس التي تديرها جهات عامة وتلك التي تديرها جهات خاصة. فعبر الأنظمة التعليمية، يزيد عدد المعلمين في المدارس المُدارة من جهات عامة الذين يُبلغون عن ذلك بوصفه مصدراً للضغوط على نظرائهم في المدارس المُدارة من جهات خاصة بفارق 11 نقطة مئوية في المتوسط. ويسري ذلك أيضاً على 17 من أصل 54 نظاماً تعليمياً، وقد يبلغ الفارق نحو 29 نقطة مئوية في الدنمارك والولايات المتحدة.
ومقارنة بعام 2018، يُبلغ المعلمون في ثلاثة أنظمة تعليمية، هي اليابان وكازاخستان والسويد، عن قضاء وقت أقل في المهام الإدارية؛ ففي اليابان انخفض الوقت المُبلَغ عنه بنحو ساعة، بينما لم يتجاوز التغير نصف ساعة في كازاخستان والسويد. وفي 18 نظاماً تعليمياً، ارتفعت نسبة المعلمين الذين يُبلغون عن كثرة العمل الإداري بوصفها مصدراً للضغوط بين عامي 2018 و2024، بزيادة تتراوح بين أكثر من نقطتين مئويتين في البرتغال ونحو 18 نقطة مئوية في إسبانيا.
ومع ذلك، لم يزد الوقت المخصص للعمل الإداري منذ عام 2018 إلا في نصف هذه الأنظمة التعليمية. وفي المقابل، انخفضت في 12 نظاماً تعليمياً نسبة المعلمين الذين يرون في العمل الإداري مصدراً للضغوط، رغم أن الوقت المخصص لهذه المهام لم يتغير أو ازداد، كما هو الحال في رومانيا.
وتشير هذه النتائج إلى أن العلاقة بين الضغوط وعبء العمل الإداري قد تتشكّل في معظم الأنظمة التعليمية بفعل عوامل تتجاوز الحجم وحده. فطبيعة هذه الأنشطة لها أهميتها، وقد يدخل في ذلك توزيع المهام وتداخلها، والطريقة التي تتفاعل بها المهام وتتنافس على الوقت. وعلى الرغم من أن المهام الإدارية لا تستأثر إلا بنسبة صغيرة نسبياً من إجمالي وقت العمل، فإن نسباً مرتفعة من المعلمين يُبلغون عنها بوصفها مصادر للضغوط. وربما يرى المعلمون في هذا النوع من العمل عائقاً يتعارض مع أنشطتهم المهنية الأساسية، كالتدريس والتفاعل مع الطلاب، لا مجرد متطلبات بيروقراطية روتينية أو محايدة.
تباين مصادر الضغوط لدى معلمي المرحلتين الابتدائية والثانوية
تُظهر بيانات تاليس 2024 أن العوامل المسهمة في الضغوط، كالتخطيط للدروس، والنصاب التدريسي، والانضباط الصفي، والعمل الإداري، لا تؤثر في جميع المعلمين بالقدر نفسه. فعلى سبيل المثال، ارتفعت منذ عام 2018 نسبة معلمي المرحلة الابتدائية الذين يُبلغون عن كثرة التحضير للدروس بوصفها مصدراً للضغوط في خمسة أنظمة تعليمية، بينما انخفضت في فرنسا والإمارات العربية المتحدة. وفي المغرب، يُبلغ ثلاثة من كل أربعة معلمين في المرحلة الابتدائية عن ذلك بوصفه مصدراً للضغوط. وفي خمسة أنظمة تعليمية، يزداد احتمال إبلاغ معلمي المرحلة الابتدائية المبتدئين عن ضغوط مرتبطة بالتحضير للدروس مقارنة بزملائهم ذوي الخبرة، بينما يُعدّ المغرب البلد الوحيد الذي يُبلغ فيه المعلمون الأكثر خبرة عن ذلك بوصفه مصدراً للضغوط.
أما لدى معلمي المرحلة الثانوية، فقد تراجع انتشار كثرة التحضير للدروس بوصفها مصدراً للضغوط مقارنة بعام 2018، ولا سيما في الدنمارك (بمقدار 25 نقطة مئوية) والبرتغال (بمقدار 10 نقاط مئوية). ولا تتباين تقارير المعلمين في هذه المرحلة التعليمية بحسب خبرتهم؛ ففي سلوفينيا وتركيا وحدهما يزداد احتمال إبلاغ معلمي المرحلة الثانوية المبتدئين عن ضغوط مرتبطة بالتحضير للدروس مقارنة بزملائهم ذوي الخبرة، بينما يصحّ العكس في البرتغال.
وتتراوح نسبة معلمي المرحلة الابتدائية الذين يُبلغون عن كثرة الحصص التدريسية بوصفها مصدراً للضغوط بين 15% في المجتمع الفلمنكي في بلجيكا* و79% في المغرب. وبين عامي 2018 و2024، ارتفعت نسبة المعلمين الذين يُبلغون عن كثرة التدريس بوصفها مصدراً للضغوط في غالبية الأنظمة التعليمية التي تتوافر بياناتها لعامَي المقارنة. وفي 5 من أصل 15 نظاماً تعليمياً، يزداد احتمال إبلاغ معلمي المرحلة الابتدائية عن كثرة التدريس بوصفها مصدراً للضغوط مقارنة بنظرائهم في المرحلة المتوسطة (التعليم الثانوي الأدنى)، ويُسجَّل أكبر فارق في المغرب (بزيادة 12 نقطة مئوية). أما بين معلمي المرحلة الثانوية، فلا يُبلغ المعلمون المبتدئون عن هذا المصدر من مصادر الضغوط أكثر من ذوي الخبرة إلا في تركيا، في حين يزداد احتمال إبلاغ المعلمين ذوي الخبرة عنه في الدنمارك والمجتمع الفلمنكي في بلجيكا والبرتغال بفارق يبلغ نحو 5 نقاط مئوية أو أكثر. وقد تراجعت تقارير المعلمين عن هذا المصدر من مصادر الضغوط منذ عام 2018 في البرتغال والإمارات العربية المتحدة، لكنها ارتفعت في كرواتيا وسلوفينيا وتركيا. ولا يقلّ عدد معلمي المرحلة الثانوية الذين يُبلغون عن كثرة الحصص التدريسية بوصفها مصدراً للضغوط عن نظرائهم في المرحلة المتوسطة إلا في كرواتيا والبرتغال، بينما يُلاحظ العكس في الدنمارك.
ويُعدّ الانضباط الصفي مصدراً رئيسياً آخر للضغوط لدى معلمي المرحلتين الابتدائية والثانوية، مع تسجيل زيادات منذ عام 2018. والاستثناءان الوحيدان من هذا الاتجاه هما معلمو المرحلة الابتدائية في فرنسا (17 نقطة مئوية) ومعلمو المرحلة الثانوية في البرتغال (11 نقطة مئوية). وتُبلغ نسبة أكبر من المعلمين المبتدئين عن هذا المصدر من مصادر الضغوط مقارنة بزملائهم الأكثر خبرة، ولا سيما بين معلمي المرحلة الابتدائية في أستراليا (17 نقطة مئوية) ومعلمي المرحلة الثانوية في المجتمع الفلمنكي في بلجيكا (20 نقطة مئوية). وعند المقارنة بين المراحل التعليمية، يُبلغ معلمو المرحلة الابتدائية عن ضغوط مرتبطة بالانضباط الصفي أعلى مما يُبلغ عنه معلمو المرحلة المتوسطة في 5 من أصل 15 نظاماً تعليمياً، ويبرز هذا الفارق بوضوح في اليابان (10 نقاط مئوية) وكوريا (12 نقطة مئوية). وفي المقابل، يُبلغ معلمو المرحلة الثانوية عن ضغوط أقل ناجمة عن الانضباط مقارنة بنظرائهم في المرحلة المتوسطة في 6 من أصل 8 أنظمة تعليمية، ولا سيما في كرواتيا (14 نقطة مئوية) والبرتغال (13 نقطة مئوية).
وأخيراً، يظل العبء الإداري المفرط مصدراً مهماً للضغوط، ولا سيما لدى المعلمين الأكثر خبرة في المرحلتين الابتدائية والثانوية، وقد ارتفعت نسبة المعلمين الذين يُبلغون عن هذا المصدر من مصادر الضغوط منذ عام 2018. ومع ذلك، يُبلغ معلمو المرحلة الابتدائية عن هذا المصدر بوتيرة أقل من معلمي المرحلة المتوسطة في 5 من أصل 15 نظاماً تعليمياً، ويُسجَّل أكبر فارق في نيوزيلندا* (14 نقطة مئوية). ويُلاحظ نمط مماثل بين معلمي المرحلة الثانوية في 5 من أصل 8 أنظمة تعليمية، أبرزها سلوفينيا (16 نقطة مئوية).
تكييف التدريس مع احتياجات التعلم المتنوعة
يشير التعليم الدامج إلى قدرة المدارس على توفير فرص تعلم عالية الجودة لجميع الطلاب، مع مراعاة تنوع احتياجاتهم وقدراتهم وتطلعاتهم. ويواجه المعلمون طيفاً واسعاً من المتطلبات النابعة من ضرورة دعم طلاب ذوي ملامح أكاديمية واحتياجات تعلم وخلفيات لغوية مختلفة، وهي متطلبات قد تؤثر تأثيراً بالغاً في الكيفية التي يعيش بها المعلمون عملهم اليومي ويديرونه.
البيئات الصفية المتنوعة أكاديمياً
تُظهر بيانات تاليس 2024 أن أكثر من نصف المعلمين في جميع الأنظمة التعليمية يُبلغون عن التدريس في صفوف متنوعة أكاديمياً، بمتوسط يبلغ 73% عبر الأنظمة التعليمية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وفي المتوسط، يُبلغ أكثر من 20% من المعلمين بأن ما يزيد على 30% من طلابهم من منخفضي التحصيل الأكاديمي، وتتجاوز هذه النسبة 40% في المجتمع الفرنسي في بلجيكا والمغرب وجنوب أفريقيا. ولمّا كانت جميع الأنظمة التعليمية تضم طلاباً مرتفعي التحصيل وآخرين منخفضيه، فإن تركّز عدد أكبر منهم في صف واحد لدى بعض المعلمين قد يكون انعكاساً للسياسات المتبعة في تجميع الطلاب وتوزيعهم.
كما أن البيئات الصعبة أكاديمياً أكثر عرضة للاضطرابات الصفية؛ إذ تُظهر نتائج تاليس أن نسبة الطلاب منخفضي التحصيل ترتبط بالاضطرابات الصفية على نحو أكثر ثباتاً من سائر خصائص الطلاب الملتحقين، كحجم الصف، أو الصعوبات اللغوية، أو الاحتياجات التعليمية الخاصة. ويُبرز ذلك اختلافاً في الكيفية التي تؤثر بها أنواع التنوع المختلفة في ديناميكيات الصف؛ فبينما قد ترفع الاحتياجات السلوكية واحتياجات الدعم مستويات الضغوط لدى المعلمين (انظر القسم التالي بشأن "المحافظة على الانضباط بوصفها مصدراً للضغوط")، يبدو أن انخفاض التحصيل الأكاديمي يرتبط ارتباطاً أقوى بالمناخ الصفي وتنظيم التدريس.
ويتطلب التدريس في صفوف متنوعة أكاديمياً قدراً أكبر من التكييف والتمايز التعليمي، وهي مهام تفرض متطلبات عالية على وقت المعلمين وتركيزهم ومرونتهم التربوية. وتتزايد هذه المتطلبات حين يتقاطع التنوع الأكاديمي مع احتياجات طلابية معقدة أخرى، ما قد يفضي إلى مزيد من الاضطرابات، نظراً لما يستلزمه إدارة التعليم المتمايز والحفاظ على انخراط الطلاب من وقت وجهد إضافيين.
الخلفية الاجتماعية والثقافية للطلاب
لا يقتصر الأمر على التنوع الأكاديمي، إذ قد تشكّل خصائص أخرى للطلاب مصادر مهمة للمتطلبات الواقعة على عاتق المعلمين. وكما ورد في الفصل الأول، ارتفعت على مستوى المدارس، مقارنةً بعام 2018، أعداد الطلاب الذين يجدون صعوبة في فهم لغة التدريس أو الذين لديهم احتياجات تعليمية خاصة. وكثيراً ما تكون هذه الخصائص مترابطة فيما بينها، فيتضاعف أثرها في ظروف التعليم والتعلم.
وعند فحص بيانات المسح الدولي للتعليم والتعلم (تاليس) على مستوى الصف الدراسي، يتبيّن أن نحو معلم واحد من كل خمسة معلمين، في المتوسط، يفيد بأن أكثر من 10% من طلابه يواجهون صعوبات في فهم لغة التدريس. وفي حين تبقى هذه النسبة منخفضة نسبياً في أنظمة تعليمية مثل ألبانيا وكرواتيا والدنمارك وليتوانيا وهولندا وبولندا وصربيا وشنغهاي (الصين)، فإنها ترتفع إلى نحو 25% في البحرين والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، بل تتجاوز 60% في المغرب وجنوب أفريقيا.
وقد يكون الطلاب المهاجرون أو المنحدرون من أصول مهاجرة، والطلاب اللاجئون، والمنتمون إلى أقليات عرقية أو قومية أو إلى مجتمعات السكان الأصليين، وغيرهم، أكثر عرضة لهذه التحديات اللغوية. وتحضر هذه الفئات من الطلاب في معظم الأنظمة التعليمية المشاركة في تاليس 2024، غير أن أعدادهم تظل منخفضة في كثير منها. فعلى سبيل المثال، لا تتجاوز نسبة المعلمين الذين يفيدون بأنهم يدرّسون في صفوف يزيد فيها عدد الطلاب المهاجرين أو المنحدرين من أصول مهاجرة (دون احتساب اللاجئين) على 30% من الطلاب 9% في المتوسط. وبالمثل، يفيد 16% من المعلمين في المتوسط بأن 10% من طلابهم ينتمون إلى أقليات عرقية أو قومية أو إلى مجتمعات السكان الأصليين، في حين لا تتعدى نسبة المعلمين الذين يفيدون بأن أكثر من 10% من طلابهم من اللاجئين 4%.
في المقابل، تبدو أبعاد أخرى من التنوع أكثر انتشاراً. ففي الأنظمة التعليمية لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يفيد 33% من المعلمين بأن أكثر من 10% من طلابهم من ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، وتتجاوز هذه النسبة 50% في بعض الأنظمة التعليمية مثل تشيلي والمجتمعين الفلمنكي والفرنسي في بلجيكا وفرنسا وهولندا. وتعود الفوارق الكبيرة بين الأنظمة التعليمية في هذا الشأن إلى أسباب عدة، إذ قد تختلف هذه الأنظمة في كيفية تحديد الاحتياجات التعليمية الخاصة أو تشخيصها وفي توقيت ذلك، كما تتباين السياسات من حيث إلحاق الطلاب ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة بصفوف أو مسارات أكثر تخصصاً من عدمه. ففي المجتمع الفلمنكي في بلجيكا مثلاً، يسّر إصلاح أُجري على السياسات عام 2014 التحاق الطلاب ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة بالمدارس والصفوف العادية، وهو ما قد يفسّر ارتفاع النسب التي أفاد بها المعلمون هناك.
خبرة المعلمين في البيئات المتنوعة
تُظهر بيانات تاليس 2024 أن المعلمين الأصغر سناً (دون سن الثلاثين) يعملون، بنسبة تفوق حجمهم، في الصفوف الأكثر تنوعاً، مما قد يعرّضهم لمتطلبات يصعب التعامل معها في المراحل الأولى من مسيرتهم المهنية. فعلى سبيل المثال، يزيد احتمال أن يفيد المعلمون الأصغر سناً بأن أكثر من 10% من طلابهم يواجهون صعوبات في فهم لغة التدريس. ويبلغ الفارق بينهم وبين المعلمين الأكبر سناً (الذين تجاوزوا الخمسين) نحو 5 نقاط مئوية في المتوسط، لكنه يرتفع إلى أكثر من 15 نقطة مئوية في البحرين وكولومبيا وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة. ولا ينعكس هذا النمط إلا في ثلاثة أنظمة تعليمية هي الدنمارك وجنوب أفريقيا وفيتنام، بفارق يتراوح بين 3 نقاط مئوية ونحو 10 نقاط مئوية.
ويتكرر النمط ذاته فيما يتعلق بالطلاب ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، إذ يزيد احتمال عمل المعلمين الأصغر سناً مع هؤلاء الطلاب مقارنةً بالمعلمين الأكبر سناً في 16 نظاماً تعليمياً من أصل 54، بفارق متوسط يبلغ مرة أخرى نحو 5 نقاط مئوية (35% مقابل 30%). ويبلغ هذا الفارق أقصاه في هولندا، حيث يفيد 73% من المعلمين الأصغر سناً بأنهم يدرّسون صفوفاً ترتفع فيها نسبة الطلاب ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، أي بزيادة تقارب 19 نقطة مئوية على نظرائهم الأكبر سناً. ولا يصحّ العكس إلا في أذربيجان وشنغهاي (الصين) وأوزبكستان.
وتُلاحَظ فوارق مماثلة في حالة المشكلات السلوكية، ففي معظم الأنظمة التعليمية يزيد احتمال أن يفيد المعلمون الأصغر سناً، بدرجة ملحوظة مقارنةً بزملائهم الأكبر سناً، بأن أكثر من 10% من طلابهم يعانون مشكلات سلوكية (بفارق 11 نقطة مئوية في المتوسط). ويتجاوز هذا الفارق 20 نقطة مئوية في البحرين والمجتمع الفرنسي في بلجيكا وكولومبيا ولاتفيا ونيوزيلندا والبرتغال. وينبغي هنا مراعاة أن ما يفيد به المعلمون المبتدئون بشأن المشكلات السلوكية قد يرتبط بمدى تمكّنهم من إدارة الصف أكثر من ارتباطه بالخصائص الفعلية لطلابهم.
ولأنماط التوزيع هذه أهمية بالغة، إذ كثيراً ما يلتحق المعلمون بالمهنة وهم لا يزالون في طور تطوير مهاراتهم وثقتهم في إدارة الصف. ومن ثمّ فإن مواجهة احتياجات طلابية أكثر تعقيداً في بداية المسيرة المهنية، ولا سيما في غياب منظومات دعم متينة، قد تزيد من حدة المتطلبات التي يواجهونها وترفع خطر تعرّضهم للاحتراق النفسي. ويؤكد عدم التوافق بين تعقيد سياقات التدريس ومستوى استعداد المعلمين الجدد أهمية اعتماد استراتيجيات منصفة لتوزيع المعلمين وتقديم دعم موجّه لهم.
وجهات نظر المعلمين بشأن الضغوط في السياقات التعليمية المتنوعة
تقدّم بيانات تاليس رؤى حول مدى اعتبار المعلمين تكييف التدريس بما يلائم الاحتياجات التعليمية المتنوعة مصدراً للضغط. إذ يفيد أكثر من ثلث المعلمين (37%) في الأنظمة التعليمية لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن تعديل الدروس لتناسب الطلاب ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة يشكّل مصدراً للضغط. غير أن هذا المتوسط يخفي تبايناً كبيراً بين الدول، ففي أذربيجان وكازاخستان وكوريا وشنغهاي (الصين) وسنغافورة، تقل نسبة المعلمين الذين يعدّون ذلك مصدراً للضغط عن 20%، في حين تتجاوز هذه النسبة 50% في ليتوانيا والنرويج والبرتغال والسويد.
وقد تعكس هذه الفوارق اختلاف المقاربات المعتمدة على مستوى الأنظمة في تحديد الطلاب ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة ودعمهم، إذ تختلف الدول في كيفية تقييم هذه الاحتياجات وتوقيته، وفي ما إذا كان الطلاب يتلقون تعليمهم في بيئات دامجة أو في برامج متخصصة.
كما تبرز فوارق داخل الأنظمة التعليمية ذاتها. فبينما يفيد المعلمون عموماً بمستويات متقاربة من الضغط بصرف النظر عن خبرتهم، فإن المعلمين ذوي الخبرة هم من يميلون، حين توجد فوارق، إلى اعتبار تعديل الدروس للطلاب ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة مصدراً للضغط بوتيرة أكبر. ويتجلى هذا النمط بوضوح خاص في البرازيل وكوستاريكا، حيث يقارب الفارق 12 نقطة مئوية. في المقابل، تُعدّ النمسا والبحرين وكولومبيا وإسبانيا الأنظمة التعليمية الوحيدة التي يفيد فيها المعلمون المبتدئون بهذا المصدر من مصادر الضغط بوتيرة أعلى، بفارق يتراوح بين 5 نقاط مئوية و11 نقطة مئوية تقريباً.
فضلاً عن ذلك، يفيد ما يزيد قليلاً على ربع المعلمين (27%) في المتوسط بأن كثرة العمل المتعلق بقضايا التنوع والإنصاف وما يرتبط بها من مخاوف أو نزاعات تشكّل مصدراً للضغط. ويُلاحَظ هنا أيضاً تباين كبير، ففي النمسا وكازاخستان والولايات المتحدة تقل نسبة المعلمين الذين يبدون هذا القلق عن 15%، بينما تبلغ نحو 33% و34% في المجتمع الفلمنكي في بلجيكا وكوريا وإسبانيا، وتتجاوز 45% في البرازيل وجنوب أفريقيا.
وداخل الأنظمة التعليمية، يُفاد بهذا النوع من الضغوط عموماً لدى المعلمين على اختلاف مستويات خبرتهم. غير أنه حين تُرصد فوارق، فإن المعلمين ذوي الخبرة هم من يعدّون هذه المسألة مصدراً للضغط بوتيرة أكبر، وهو ما يحدث في 16 نظاماً تعليمياً. ومن الاستثناءات البحرين وكولومبيا وكازاخستان، حيث يفيد المعلمون المبتدئون بمستويات أعلى من الضغط المرتبط بالعمل على قضايا التنوع والإنصاف، بفارق يتراوح بين 3 نقاط مئوية وأكثر من 12 نقطة مئوية مقارنةً بزملائهم ذوي الخبرة.
وتؤكد هذه النتائج أهمية تلبية الاحتياجات المهنية للمعلمين الذين يعملون في صفوف تزخر بتنوع ملامح الطلاب، مع إيلاء عناية خاصة للمرحلة التي بلغوها في مسيرتهم التدريسية. فعلى سبيل المثال، تُظهر بيانات تاليس أن المعلمين الذين يعدّون تكييف التعليم لتلبية الاحتياجات التعليمية المتنوعة مصدراً للضغط هم أيضاً أكثر ميلاً إلى الإفادة بحاجتهم إلى التعلم المهني المستمر في مجالَي تدريس الطلاب ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة والتدريس في البيئات متعددة الثقافات أو متعددة اللغات. وعليه، فإن دعم المعلمين بفاعلية في التعامل مع ثراء الصفوف المتنوعة وتعقيدها يتطلب فرصاً للتعلم المهني تكون مستمرة ومكيّفة بعناية، وتتطور بالتوازي مع خبراتهم (انظر الفصل الرابع).
الحفاظ على الانضباط
تُعدّ إدارة الصف والحفاظ على الانضباط من الركائز الأساسية لمسؤوليات المعلمين. وفي ظل الصفوف التي يتزايد تنوعها، باتت إدارة السلوك مهمة متعددة الأوجه تتطلب مهارات تقنية واجتماعية عاطفية معاً، بدءاً من الحفاظ على تركيز الطلاب خلال الدروس، مروراً بالتعامل مع السلوك المُخلّ، ووصولاً إلى ضمان المشاركة المنصفة. وتُظهر التحليلات أن السلوك المُخلّ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتصورات المعلمين عن فاعليتهم، إذ يقل احتمال شعور المعلمين بأنهم حققوا أهداف دروسهم حين يفيدون بوجود مشكلات سلوكية في الصف. ويقيس تاليس تصورات المعلمين عن المناخ الانضباطي في الصف من خلال مدى تكرار أربعة مواقف مُخلّة يفيدون بحدوثها في صفوفهم، وهي: "أخسر قدراً كبيراً من الوقت بسبب مقاطعة الطلاب للدرس"، و"عليّ أن أنتظر وقتاً طويلاً حتى يهدأ الطلاب"، و"هناك قدر كبير من الضجيج والفوضى المُخلّة"، و"كثير من الطلاب لا يبدؤون العمل إلا بعد مضي وقت طويل على بدء الدرس".
ويفيد نحو معلم واحد من كل خمسة معلمين، في المتوسط، بمعاناته من ضجيج وفوضى مُخلّة بدرجة كبيرة في صفه. ويفيد أكثر من 50% من المعلمين في البرازيل بمواجهة هذه التحديات، وما يزيد قليلاً على 33% من المعلمين في تشيلي وفنلندا والبرتغال وجنوب أفريقيا. في المقابل، تقل نسبة المعلمين الذين يفيدون بمواجهة مثل هذه المشكلات الانضباطية عن 5% في ألبانيا واليابان وشنغهاي (الصين). كما تبرز البرازيل بأعلى نسب المعلمين الذين يفيدون بأنهم يخسرون وقتاً طويلاً في انتظار أن يهدأ الطلاب وبسبب مقاطعاتهم (نحو 43% إلى 44% في الحالتين)، مقارنةً بمتوسطَي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية البالغين 15% و18% على التوالي.
ولا تتوزع متطلبات الانضباط الصفي بالتساوي داخل المهنة، إذ يفيد المعلمون المبتدئون بحالات إخلال بالنظام في الصف أكثر من زملائهم ذوي الخبرة في جميع الأنظمة التعليمية تقريباً. ففي ألبرتا (كندا) والنمسا والمجتمعين الفلمنكي والفرنسي في بلجيكا وتشيلي والدنمارك وفنلندا وآيسلندا وإيطاليا وإسبانيا، يفيد أكثر من 40% من المعلمين المبتدئين بوجود ضجيج مُخلّ متكرر، وترتفع هذه النسبة إلى 59% في البرتغال و66% في البرازيل. أما لدى المعلمين ذوي الخبرة، فتأتي هذه المعدلات أدنى باستمرار، إذ تظل دون الثلث في جميع الأنظمة التعليمية باستثناء البرتغال (33%) والبرازيل (53%). وتسلّط هذه النتائج الضوء على أن مهارات إدارة الصف قد تتطور تطوراً كبيراً مع اكتساب الخبرة، وأن المعلمين في بداية مسيرتهم المهنية قد يحتاجون إلى دعم إضافي في هذا المجال.
أهمية الحفاظ على الانضباط
تتمثل النتيجة الأكثر مباشرة لمتطلبات الانضباط الصفي في هدر وقت التدريس، إذ يفيد المعلمون بأنهم يقضون في المتوسط أكثر من 15% من وقت الدرس في حفظ النظام داخل الصف. وتتجاوز هذه النسبة 20% في البرازيل والمجتمع الفرنسي في بلجيكا والمملكة العربية السعودية وتركيا، في حين تقل عن 10% في ألبانيا والتشيك وإستونيا وليتوانيا. وتُظهر بيانات تاليس أن حصة الوقت المخصصة للحفاظ على الانضباط قد ازدادت منذ عام 2018 في جميع الأنظمة التعليمية تقريباً، وكانت البرتغال النظام الوحيد الذي شهد انخفاضاً فيها. فقد ارتفع متوسط حصة وقت الحصة المخصصة لحفظ النظام من 13% عام 2018 إلى 16% عام 2024 في الأنظمة التعليمية لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وسُجّلت أكبر الزيادات، البالغة 5 نقاط مئوية أو أكثر، في ألبرتا (كندا) وكولومبيا والنرويج.
وكما سبقت الإشارة، قد تفرض المتطلبات المختلفة المتراكمة ضغطاً متزايداً على المهمة المهنية الجوهرية للمعلمين، أي التدريس. فعلى سبيل المثال، قد يجد المعلمون، في غياب الوقت الكافي للتخطيط والتحضير، صعوبة أكبر في تقديم دروس محكمة البناء، مما قد يجعل إدارة الصف بدورها أكثر صعوبة. وقد يتأثر المعلمون المبتدئون الذين يشعرون بثقة أقل أو باستعداد أدنى بهذه الديناميكية على نحو خاص.
ولا يقتصر أثر السلوك السيئ على تقويض النظام داخل الصف والعلاقات بين الأقران، بل قد يتصاعد إلى حوادث أخطر تمسّ سلامة الطلاب والعاملين على حد سواء. ويُعدّ الترهيب أو التنمر بين الطلاب (أو غيرهما من أشكال الإساءة اللفظية) داخل المدرسة أكثر أشكال مشكلات السلامة التي يُفاد بها في الأنظمة التعليمية في المتوسط، إذ يعمل نحو 19% من المعلمين في المتوسط في مدارس يفيد مديروها بأن التنمر أو الإساءة اللفظية بين الطلاب مشكلة منتظمة (تحدث أسبوعياً أو يومياً). وتتجاوز هذه النسبة 40% في فنلندا ومالطا والنرويج والسويد، وتبلغ نحو 50% في المجتمع الفلمنكي في بلجيكا. وقد يرتبط التباين في إفادات مديري المدارس بشأن هذه المسألة بالجهود الفاعلة على صعيد السياسات وبالحملات العامة المتعلقة بتنمر الطلاب، إذ يمكن لهذه الجهود أن ترفع مستوى الوعي ومعدلات الإبلاغ في بعض الأنظمة التعليمية.
وتُظهر بيانات تاليس أن مديري المدارس يكونون أكثر ميلاً إلى الإفادة بوجود ترهيب أو تنمر بين الطلاب داخل المدرسة حين يفيد المعلمون بأن أكثر من 10% من طلاب صفوفهم يعانون مشكلات سلوكية، وذلك قبل احتساب خصائص المعلمين والمدارس وبعده. وتظهر علاقات مماثلة أيضاً حين يفيد المعلمون بحدوث حالات إخلال بالنظام في الصف وبقضاء وقت أطول في حفظ النظام داخله.
ولئن ظل التنمر داخل المدرسة مشكلة مستمرة وظاهرة نسبياً، فإنه بات يقترن على نحو متزايد بتحدٍّ موازٍ، ألا وهو التنمر الذي يجري عبر الإنترنت أو ما يُعرف بالتنمر الإلكتروني. وخلافاً للحوادث التي تقع وجهاً لوجه، يمكن أن يحدث التنمر عبر الإنترنت خارج ساعات الدوام المدرسي وخارج المنصات المدرسية، مما يجعل تصدّي مديري المدارس والمعلمين له أصعب بكثير. ووفقاً لمديري المدارس، يُفاد بالترهيب أو التنمر عبر الإنترنت بمستويات مماثلة لتلك المسجلة للتنمر داخل المدرسة في مختلف الأنظمة التعليمية، إذ يعمل 18% من المعلمين في المتوسط في مدارس تُعدّ فيها هذه الظاهرة مشكلة قائمة. وفي أستراليا والمجتمع الفرنسي في بلجيكا ومالطا والنرويج والسويد، يعمل أكثر من معلم واحد من كل ثلاثة معلمين في مدارس يُفاد فيها بهذا الأمر بوصفه مصدر قلق، بينما تتجاوز هذه النسبة النصف في المجتمع الفلمنكي في بلجيكا وفنلندا.
أما الإساءة اللفظية أو الترهيب الموجّه إلى المعلمين أو العاملين فهو أقل انتشاراً، إذ يطال وفقاً لإفادات مديري المدارس 5% من المعلمين في المتوسط. وداخل المباني المدرسية، تتجاوز هذه النسبة 15% في أستراليا والمجتمع الفلمنكي في بلجيكا ومالطا. أما ترهيب المعلمين عبر الإنترنت فيطال 5% على الأقل من المعلمين في كولومبيا وجنوب أفريقيا، في حين لا يطال سوى 1% من المعلمين في الأنظمة التعليمية لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
الحفاظ على الانضباط بوصفه مصدراً للضغط
يمثّل ضبط الانضباط أيضاً مصدراً بارزاً من مصادر الضغط التي يفيد بها المعلمون، إذ يذكر 45% منهم في المتوسط أن الحفاظ على الانضباط يسبب لهم ضغطاً. وترتفع هذه النسبة إلى 55% لدى المعلمين المبتدئين، مقابل 41% لدى المعلمين ذوي الخبرة. وفي جميع الأنظمة التعليمية تقريباً، يزيد احتمال إفادة المعلمين المبتدئين بهذا المصدر من مصادر الضغط، باستثناء أذربيجان وبلغاريا، حيث ينعكس النمط ويفيد المعلمون الأكثر خبرة بمستويات أعلى من الضغط المرتبط بالانضباط بفارق يقارب 6 نقاط مئوية. كما يفيد المعلمون الأكثر خبرة بأنهم يخصصون نسبة أكبر من وقت الحصة للتعليم والتعلم ونسبة أقل لحفظ النظام.
وقد ترتبط خصائص الطلاب كذلك باعتبار الحفاظ على الانضباط الصفي مصدراً للضغط، وإن بدرجات متفاوتة. فعلى سبيل المثال، يزيد احتمال أن يعدّ المعلمون الحفاظ على الانضباط مصدراً للضغط حين تضم صفوفهم طيفاً واسعاً من الاحتياجات السلوكية أو اللغوية أو التعليمية الخاصة، أكثر مما لو كانت تضم مزيجاً من مستويات التحصيل المختلفة. وتظل العلاقة بين اعتبار الانضباط مصدراً للضغط وتنوع المتعلمين قائمة حتى بعد احتساب خصائص المعلمين. ومع ذلك، ورغم أن هذا النمط يصدق على معظم الأنظمة التعليمية، فإن بعض الأنظمة التعليمية في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مثل فنلندا وآيسلندا وإسرائيل وهولندا ونيوزيلندا والنرويج والسويد، لا تُظهر أي ارتباط ذي دلالة إحصائية. وتشير هذه النتائج إلى أن بوسع الأنظمة التعليمية مساعدة المعلمين على التعامل مع متطلبات تدريس طلاب من خلفيات متنوعة ذوي احتياجات متباينة.
وأخيراً، يفيد نحو 18% من المعلمين في المتوسط بأن تعرّضهم للترهيب أو الإساءة اللفظية من الطلاب يشكّل مصدراً للضغط. وتبقى هذه النسبة دون 25% في غالبية الأنظمة التعليمية، غير أنها تبلغ 47% في البرازيل. ورغم عدم وجود فوارق لافتة بين المعلمين، فإن المعلمين المبتدئين هم في الغالب الأكثر إفادة بهذا المصدر من مصادر الضغط (في 13 نظاماً تعليمياً). أما في بلغاريا وكوستاريكا وكوريا، فإن المعلمين الأكثر خبرة هم من يفيدون بأن تعرّضهم للترهيب أو الإساءة اللفظية يشكّل مصدراً للضغط.
متطلبات الانضباط لدى معلمي المرحلتين الابتدائية والثانوية
يميل المعلمون إلى قضاء وقت أقل في حفظ النظام داخل الصف كلما انتقلنا من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة المتوسطة (التعليم الثانوي الأدنى) ثم إلى المرحلة الثانوية. ففي 6 أنظمة تعليمية من أصل 15 نظاماً تتوافر عنها بيانات للمرحلتين الابتدائية والمتوسطة، يفيد معلمو المرحلة الابتدائية بأنهم يقضون وقتاً أطول في الحفاظ على الانضباط مقارنةً بنظرائهم في المرحلة المتوسطة. ولا يُستثنى من ذلك سوى المغرب وهولندا، حيث يفيد معلمو المرحلة الابتدائية بوقت أقل بنحو نقطتين مئويتين و3 نقاط مئوية على التوالي، بينما لا يُلاحَظ في سبعة أنظمة تعليمية أي فارق ذي دلالة بين المرحلتين.
ويبدو النمط أكثر اتساقاً في المرحلة الثانوية، ففي جميع الأنظمة التعليمية التي تتوافر عنها بيانات للمرحلتين المتوسطة والثانوية، يفيد معلمو المرحلة الثانوية بأنهم يقضون وقتاً أقل في الانضباط مقارنةً بزملائهم في المرحلة المتوسطة. ويُسجَّل أكبر فارق في الدنمارك، حيث يبلغ 6 نقاط مئوية.
فضلاً عن ذلك، يفيد المعلمون المبتدئون باستمرار بأنهم يواجهون هذه التحديات بوتيرة أعلى من نظرائهم ذوي الخبرة، ولا يُظهر أي نظام تعليمي عكس ذلك. وبين معلمي المرحلة الابتدائية، تُسجَّل أوسع الفجوات بحسب مستوى الخبرة في نيوزيلندا، حيث يزيد بدرجة ملحوظة احتمال أن يفيد المعلمون المبتدئون بوجود قدر كبير من الضجيج والفوضى المُخلّة (بفارق 26 نقطة مئوية)، وباضطرارهم إلى الانتظار طويلاً حتى يهدأ الطلاب (23 نقطة مئوية)، وبوجود كثير من الطلاب الذين لا يبدؤون العمل إلا بعد مضي وقت طويل على بدء الدرس (14 نقطة مئوية)، وبخسارة قدر كبير من الوقت بسبب مقاطعة الطلاب للدرس (21 نقطة مئوية).
وعند المقارنة بين معلمي المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، يفيد معلمو المرحلة الابتدائية في 6 أنظمة تعليمية من أصل 15 بوجود الضجيج والفوضى المُخلّة بوتيرة أعلى، ويُسجَّل أكبر فارق في كوريا (8 نقاط مئوية)، في حين لا يصح العكس إلا في البرازيل وإسبانيا وتركيا. غير أنه عند النظر في الصفوف التي يتأخر فيها كثير من الطلاب في بدء العمل، يفيد معلمو المرحلة المتوسطة بهذا التحدي بوتيرة أعلى في 10 أنظمة تعليمية، ولا سيما في البرازيل (16 نقطة مئوية)، ولا تخالف هذا الاتجاه سوى كوريا، حيث تزيد نسبة معلمي المرحلة الابتدائية الذين يشيرون إلى هذه المشكلة بمقدار 3 نقاط مئوية.
وبين معلمي المرحلة الثانوية، تُسجَّل أبرز الفجوات بين المعلمين المبتدئين وذوي الخبرة في البرتغال، وذلك فيما يخص وجود قدر كبير من الضجيج والفوضى المُخلّة (28 نقطة مئوية)، ووجود كثير من الطلاب الذين لا يبدؤون العمل إلا بعد مضي وقت طويل على بدء الدرس (22 نقطة مئوية)، وخسارة قدر كبير من الوقت بسبب مقاطعة الطلاب للدرس (18 نقطة مئوية). أما فيما يتعلق بانتظار أن يهدأ الطلاب، فيُسجَّل أكبر فارق في المجتمع الفلمنكي في بلجيكا (16 نقطة مئوية).
ويفيد معلمو المرحلة الثانوية باستمرار بمشكلات انضباطية في الصف أقل مما يفيد به نظراؤهم في المرحلة المتوسطة، ويبقى الاستثناء الوحيد مرة أخرى المجتمع الفلمنكي في بلجيكا، حيث تفيد نسبة أعلى قليلاً من معلمي المرحلة الثانوية بتأخر الطلاب في بدء العمل (5 نقاط مئوية). وتُسجَّل أكبر الفوارق في البرتغال، حيث يفيد معلمو المرحلة الثانوية بمشكلات أقل بكثير فيما يخص وجود قدر كبير من الضجيج والفوضى المُخلّة (12 نقطة مئوية)، والاضطرار إلى الانتظار طويلاً حتى يهدأ الطلاب (10 نقاط مئوية)، ووجود طلاب لا يبدؤون العمل إلا بعد مضي وقت طويل على بدء الدرس (7 نقاط مئوية)، وخسارة قدر كبير من الوقت بسبب مقاطعة الطلاب للحصة (14 نقطة مئوية).
مساءلة المعلمين
يؤدي تقييم أداء المعلمين، أي عملية تقدير أدائهم المهني، وظيفتين رئيسيتين في العادة. الأولى تكوينية، تتمثل في مساعدة المعلمين على تحسين ممارساتهم من خلال تحديد مواطن القوة لديهم والجوانب التي تحتاج إلى تطوير. والثانية ختامية، تتمثل في تحديد مدى فاعلية المعلمين ومساءلتهم.
ورغم أن أنظمة تقييم الأداء مصممة لدعم الممارسة المهنية، فإنها قد تفرض بدورها متطلبات جديدة أو تزيد من الضغوط القائمة، ولا سيما إذا رُبطت بنتائج الطلاب أو طُبّقت على نحو متفاوت. ويركز هذا القسم على كيفية تطبيق تقييم أداء المعلمين في مختلف الأنظمة التعليمية، ومدى الإفادة به بوصفه مصدراً للضغط، وفئات المعلمين الأكثر ميلاً إلى عدّه كذلك.
ويكاد تقييم أداء المعلمين يكون ممارسة شاملة، إذ يعمل 88% من المعلمين في المتوسط في مدارس يخضعون فيها لتقييم رسمي من مدير المدرسة مرة واحدة على الأقل في السنة. ولا تقل نسبة المعلمين العاملين في مثل هذه المدارس عن الثلثين إلا في فنلندا وإيطاليا (62% و59% على التوالي). وفي معظم الأنظمة التعليمية، تتقاسم فرق الإدارة المدرسية هذه المسؤولية (66%) أو يُسند جزء منها إلى مرشدين معيّنين (61%)، في حين يقل شيوع التقييم من جانب الزملاء المعلمين، إذ يخضع نحو 45% من المعلمين في المتوسط لتقييم أقرانهم وفقاً لإفادات مديري المدارس. ويندر هذا النوع الأخير من التقييم على نحو خاص في المجتمع الفرنسي في بلجيكا وفنلندا (أقل من 10%)، لكنه واسع الانتشار في شنغهاي (الصين) وفيتنام، حيث يفيد جميع المعلمين تقريباً بأنهم يخضعون لتقييم أقرانهم.
ومن حيث أساليب التقييم، تظل الملاحظة الصفية الأسلوب الأوسع انتشاراً، فوفقاً لمديري المدارس يعمل 96% من المعلمين في مدارس تعتمد الملاحظة الصفية أسلوباً رسمياً لتقييم الأداء. وتتجاوز هذه النسبة 90% في جميع الأنظمة التعليمية تقريباً، باستثناء الدنمارك وفنلندا وآيسلندا وإسبانيا (وإن كانت تتجاوز 70% حتى في هذه الأنظمة). وقد ظل استخدام هذا الأسلوب مستقراً نسبياً منذ عام 2018، إذ لم تُفد سوى دول قليلة بتغيرات ذات دلالة فيه.
في المقابل، يتراجع استخدام بيانات أداء الطلاب في تقييم أداء المعلمين. فمنذ عام 2018، أفاد 16 نظاماً تعليمياً بانخفاض ذي دلالة في استخدام النتائج الخارجية للطلاب (كالامتحانات الوطنية)، كما يُظهر 14 نظاماً تعليمياً تراجعاً في استخدام مقاييس الأداء الداخلية (كالنتائج على مستوى المدرسة أو الصف). وتتجلى هذه الاتجاهات بوضوح خاص في المجتمع الفرنسي في بلجيكا، حيث انخفض استخدام كلا النوعين من بيانات الطلاب في تقييم الأداء بأكثر من 20 نقطة مئوية بين عامي 2018 و2024.
وقد تعكس هذه التحولات إعادة توازن أوسع في كيفية توظيف أدلة الأداء في تقييم المعلمين وفي التعلم المهني خلال السنوات الأخيرة. كما قد تكون الاضطرابات التي خلّفتها جائحة فيروس كورونا (كوفيد 19) قد أسهمت في هذا التحول، إذ عُلّقت الامتحانات الوطنية والتقييمات المدرسية المنتظمة أو قُلّصت في كثير من الأنظمة التعليمية خلال فترات إغلاق المدارس، ومن ثمّ ازداد الاعتماد على أشكال أخرى من التغذية الراجعة المقدمة للمعلمين.
التقييم المتمايز
تشير الأبحاث إلى أن تقييم أداء المعلمين لا يلزم أن يُطبَّق بصورة موحدة، إذ يكيّف النهج المتمايز التقييمَ وفقاً للمرحلة التي بلغها المعلم في مسيرته المهنية ولأهداف نظام التقييم. وقد يكون تطوير نظام كهذا أمراً صعباً، لكنه قد يكون أيضاً أكثر كفاءة في استخدام الموارد، إذ يمكن تقييم بعض المعلمين بوتيرة أقل لأنهم لا يحتاجون إلى تقييم مستمر.
وتشير نتائج تاليس إلى أن كثيراً من الأنظمة التعليمية ربما تطبّق مقاربات متمايزة في التقييم. فرغم اختلاف ممارسات التغذية الراجعة بين الأنظمة التعليمية، تبرز من بيانات تاليس 2024 عدة اتجاهات واضحة. فمن بين أشكال التغذية الراجعة الثلاثة الأكثر شيوعاً لدى المعلمين، يشيع شكلان منها لدى المعلمين ذوي الخبرة أكثر من نظرائهم المبتدئين. أولاً، تزيد نسبة المعلمين ذوي الخبرة الذين يتلقون تغذية راجعة قائمة على نتائج الطلاب على مستوى المدرسة والصف بمقدار 8 نقاط مئوية في المتوسط مقارنةً بالمعلمين المبتدئين، وتتسع هذه الفجوة على نحو خاص في إستونيا وإيطاليا وبولندا، حيث تبلغ 18 نقطة مئوية أو أكثر. ويُستثنى من ذلك شنغهاي (الصين)، حيث يفيد المعلمون المبتدئون بتلقي هذا النوع من التغذية الراجعة بوتيرة أعلى، وإن كان الفارق طفيفاً (نقطتان مئويتان). ثانياً، يُظهر تلقي التغذية الراجعة القائمة على النتائج الخارجية للطلاب أكبر الفوارق بحسب مستوى الخبرة، إذ يزيد في معظم الأنظمة التعليمية احتمال أن يتلقى المعلمون ذوو الخبرة تغذية راجعة قائمة على التقييمات الخارجية. ويبلغ متوسط الفارق عبر الأنظمة التعليمية 17 نقطة مئوية، مع تسجيل 14 نظاماً تعليمياً فجوات تتجاوز 20 نقطة مئوية، وفوارق تتخطى 30 نقطة مئوية في إيطاليا والبرتغال.
أما أسلوب التغذية الراجعة الثالث، أي الملاحظة الصفية، فيُظهر أنماطاً أكثر تبايناً. ففي 11 نظاماً تعليمياً، يزيد احتمال أن يفيد المعلمون المبتدئون بتلقي تغذية راجعة قائمة على الملاحظة، بفوارق تتجاوز 12 نقطة مئوية في ألبرتا (كندا) والمجتمع الفلمنكي في بلجيكا، ونحو 16 نقطة مئوية في إسرائيل. في المقابل، يفيد المعلمون ذوو الخبرة في 16 نظاماً تعليمياً باستخدام الملاحظة أسلوباً للتغذية الراجعة بوتيرة أعلى، وتبلغ الفجوة أقصاها في البرتغال (34 نقطة مئوية)، مع فارق متوسط متواضع لا يتعدى نقطتين مئويتين عبر الأنظمة التعليمية.
النتائج المترتبة على تقييم الأداء
أخيراً، ورغم أن أنظمة تقييم أداء المعلمين كثيراً ما تُظهر على المستوى الدولي مقاربات ذات طابع تطويري أكبر، فإن التدابير الداعمة المحددة التي تُطبَّق تتباين تبايناً واسعاً بين الدول. إذ يشارك 65% من المعلمين في المتوسط في نقاشات تعقب التقييم تهدف إلى معالجة أي مواطن ضعف في تدريسهم، غير أن هذه النسبة تتراوح بين أكثر من 95% في البحرين وكازاخستان وأقل من 50% في الدنمارك وفنلندا وفرنسا واليابان وكوريا والبرتغال. وبالمثل، تُقدَّم إلى 46% من المعلمين في المتوسط خطط تطوير أو تدريب في أعقاب التقييم، إلا أن هذه النسبة تتراوح بين أقل من 15% في آيسلندا والنرويج، و50% من المعلمين في إسبانيا، وأكثر من 90% من المعلمين في البحرين وكازاخستان.
أما النتائج ذات الطابع العقابي فهي أقل شيوعاً، إذ يفيد 12% من المعلمين بوجود حوافز مالية، في حين تندر العقوبات الرسمية (كتعديل الراتب أو إنهاء العقد)، فلا تطال سوى نحو 3% من المعلمين في مختلف الأنظمة التعليمية.
مساءلة المعلمين بوصفها مصدراً للضغط
يفيد 45% من المعلمين في المتوسط بأن تحميلهم مسؤولية تحصيل طلابهم يشكّل مصدراً كبيراً للضغط. ويرتفع هذا التصور على نحو خاص في لاتفيا وليتوانيا والبرتغال وجنوب أفريقيا، حيث يفيد أكثر من 70% من المعلمين بهذا الضغط، في حين تقل النسبة عن 33% في فنلندا والمجر وآيسلندا وكازاخستان.
وقد تتباين هذه التصورات أيضاً بحسب ملامح المعلم، ففي 17 نظاماً تعليمياً من أصل 54، يزيد احتمال أن يعدّ المعلمون ذوو الخبرة مساءلتهم عن تحصيل الطلاب مصدراً للضغط مقارنةً بالمعلمين المبتدئين. وتبلغ هذه الفوارق أقصاها في بلغاريا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا، حيث تتجاوز 15 نقطة مئوية.
فضلاً عن ذلك، قد تؤدي أشكال أخرى من المساءلة دوراً مهماً في تصورات المعلمين للمتطلبات الملقاة على عاتقهم. فعلى سبيل المثال، يفيد 40% من المعلمين في المتوسط بأن تحميلهم مسؤولية الرفاه الاجتماعي والعاطفي لطلابهم يشكّل مصدراً للضغط. وتتجاوز هذه النسبة النصف في تسعة أنظمة تعليمية، وتقارب 60% في ليتوانيا والمملكة العربية السعودية، بينما لا تتعدى في الطرف المقابل 12% في المجر. ورغم عدم وجود نمط واضح داخل الأنظمة التعليمية، يفيد المعلمون الأكثر خبرة في 12 نظاماً تعليمياً بهذا النوع من المساءلة بوصفه مصدراً للضغط أكثر من المعلمين المبتدئين، بفارق متوسط قدره 3 نقاط مئوية عبر الأنظمة التعليمية.
كذلك يمثّل التعامل مع مخاوف أولياء الأمور أو الأوصياء صورة أخرى من صور المساءلة، إذ يؤدي المعلمون دوراً مهماً في تزويد أولياء الأمور بمعلومات وافية وذات معنى وواضحة عن تقدّم أبنائهم. ويشكّل التعامل مع مخاوف أولياء الأمور مصدراً للضغط لنحو 42% من المعلمين في المتوسط، ولأكثر من 50% منهم في اليابان وكوريا وليتوانيا والبرتغال وسلوفينيا. وفي حين يفيد المعلمون في معظم الأنظمة التعليمية بهذا المصدر من مصادر الضغط دون تمييز بحسب الخبرة، فإن المعلمين ذوي الخبرة في 12 نظاماً تعليمياً يبدون انشغالاً أكبر بهذا النوع من المساءلة مقارنةً بالمعلمين المبتدئين، بفارق متوسط قدره نقطتان مئويتان. أما في ستة أنظمة تعليمية، فيزيد احتمال أن يعدّ المعلمون المبتدئون التعامل مع مخاوف أولياء الأمور أو الأوصياء مصدراً للضغط مقارنةً بالمعلمين ذوي الخبرة، ولا سيما في البحرين وكولومبيا، حيث يتجاوز الفارق 10 نقاط مئوية.
وإلى جانب ذلك، تبرز فوارق ذات دلالة بين إفادات المعلمات والمعلمين فيما يخص اعتبار التعامل مع مخاوف أولياء الأمور مصدراً للضغط، إذ تفيد 44% من المعلمات في المتوسط بذلك، مقابل 35% من المعلمين الذكور. ويتضح هذا الاتجاه في معظم الأنظمة التعليمية، ويتجاوز الفارق 19 نقطة مئوية في بولندا وليتوانيا.
مواكبة الإصلاحات
يتطور التعليم، شأنه شأن سائر المجالات، باستمرار استجابةً للتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية والبيئية والاقتصادية. وتسعى الإصلاحات التعليمية إلى مواكبة هذه التغيرات، غير أن عملية الإصلاح تنطوي كذلك على مفاضلات. وتشير الأبحاث إلى أن المعلمين كثيراً ما يُطلب منهم تنفيذ مبادرات جديدة بدعم غير كافٍ، وأحياناً في وقت لم تترسخ فيه بعدُ تغييرات سابقة. وتتيح بيانات تاليس 2024 استكشاف الكيفية التي ينظر بها المعلمون إلى هذه التطورات على مستوى الأنظمة، وما إذا كانوا يعدّونها مصادر للضغط.
ويفيد نحو 44% من المعلمين، في المتوسط عبر الأنظمة التعليمية لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بأنهم يرغبون في فترة من الاستقرار قبل إدخال تغييرات جديدة في مدارسهم. ويشتد هذا الشعور على نحو خاص في هولندا وشنغهاي (الصين) وسنغافورة، حيث يوافق على ذلك معلمان على الأقل من كل ثلاثة معلمين. والواقع أن هذه الأنظمة الثلاثة تتصدر أيضاً من حيث نسبة المعلمين الذين يرون أن مدارسهم تشهد إدخال عدد مفرط من مبادرات التغيير (بين 47% و54%). وفي أنظمة تعليمية مثل أوزبكستان، يوافق ما يصل إلى 83% من المعلمين على أن عدد المبادرات المُدخلة مفرط، مقارنةً بمتوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية البالغ 31%.
كما يفيد نحو 31% من المعلمين في المتوسط بأنه يُطلب منهم تنفيذ تغييرات دون توفير الموارد اللازمة، وتتراوح هذه النسبة بين نحو 13% أو أقل في بلغاريا والتشيك ورومانيا وسلوفاكيا، وما يقارب 50% في فرنسا. وتدل هذه الأنماط على أن الضغط المُدرَك للإصلاح لا يتشكل بفعل وتيرته فحسب، بل أيضاً بفعل الدعم الذي يتلقاه المعلمون في تنفيذه أو غيابه.
وهنا أيضاً تؤدي الخبرة دوراً، ففي معظم الدول يزيد احتمال أن يفيد المعلمون ذوو الخبرة بأن مدارسهم تشهد إدخال عدد مفرط من التغييرات مقارنةً بزملائهم الأقل خبرة، بفارق متوسط قدره 6 نقاط مئوية. واللافت أن النمط المعاكس لا يُلاحَظ إلا في نظامين تعليميين هما كوستاريكا والجبل الأسود، حيث يزيد احتمال إفادة المعلمين المبتدئين بهذا الشعور بفارق يقارب 10 نقاط مئوية. وبصرف النظر عن هذين الاستثناءين، تشير هذه النتيجة إلى أن المعلمين المبتدئين أقل ميلاً إلى الشعور بالإنهاك جراء المبادرات الجديدة، أو أنهم ببساطة مرّوا بدورات إصلاح أقل.
ومن الجوانب الأخرى الجديرة بالنظر ما إذا كان عمر المعلمين عاملاً يسهم في إرهاق التغيير، إذ من الممكن أن يعاني المعلمون الذين يقتربون من التقاعد إرهاقاً أكبر من نظرائهم الأصغر سناً، وإن كان من الصعب تمييز ذلك عن أثر الخبرة التدريسية. وتشير بيانات تاليس إلى أن المعلمين الأكبر سناً (في سن الخمسين فأكثر) يفيدون في المتوسط بوتيرة أعلى من المعلمين الأصغر سناً (دون الثلاثين) بأن مدارسهم تشهد إدخال عدد مفرط من التغييرات. ومع ذلك، تبدو هذه الفوارق أقل اتساقاً عبر الأنظمة التعليمية من تلك المرتبطة بالخبرة. ففي بلغاريا والتشيك والدنمارك وإستونيا وإيطاليا واليابان وكوسوفو والجبل الأسود وهولندا ونيوزيلندا وإسبانيا، على سبيل المثال، لا يُعدّ العمر عاملاً مؤثراً بخلاف الخبرة. أما في إسرائيل، فإن المعلمين الأكثر خبرة هم من يفيدون بهذا النوع من إرهاق التغيير، وإن كان المعلمون الأصغر سناً يفيدون به أيضاً أكثر مما يفيد به المعلمون الأكبر سناً.
إصلاح الأنظمة التعليمية بوصفه مصدراً للضغط
في الأنظمة التعليمية لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يفيد أكثر من معلم واحد من كل ثلاثة معلمين (39%) بأن مواكبة المتطلبات المتغيرة الصادرة عن جهات مختلفة، سواء أكانت محلية أم إقليمية أم وطنية، تشكّل مصدراً للضغط. ورغم أن هذه النسبة تمثّل شريحة مهمة من المهنة، فإنها تحجب الفوارق بين الأنظمة التعليمية، ففي لاتفيا وليتوانيا ومالطا يفيد أكثر من 67% من المعلمين بهذا الضغط، في حين تقل النسبة عن 20% في أذربيجان وكازاخستان والمغرب وهولندا والسويد.
ويفيد المعلمون الأكثر خبرة في المتوسط بضغط أكبر ناجم عن المتطلبات المتغيرة مقارنةً بالمعلمين المبتدئين (بفارق 10 نقاط مئوية). وقد يعكس ذلك تراكماً أطول للتعرض لدورات الإصلاح، أو فهماً أعمق لكيفية تأثير التغييرات في السياسات على الممارسة الصفية بمرور الوقت. ففي 29 نظاماً تعليمياً من أصل 54، يزيد احتمال أن يفيد المعلمون الأكثر خبرة بهذا النوع من الضغوط.
ورغم أن إصلاح السياسات كثيراً ما يرتبط بمدى توافر الموارد، تُظهر بيانات تاليس 2024 أن الضغط الذي يفيد به المعلمون يرتبط على نحو أكثر اتساقاً بمعايشة التغيير المستمر غير المدعوم منه بالنقص العام في الموارد البشرية مثلاً. وبعبارة أخرى، فإن غياب موارد مثل الموظفين المساندين قد يكون محبطاً، غير أن المعلمين يكونون أكثر ميلاً إلى الإفادة بالضغط حين يكون التغيير متواتراً وحين يُطلب منهم تنفيذ إصلاحات دون الدعم اللازم لتنفيذها بفاعلية. ويوحي ذلك بأن الإدارة الجيدة لعمليات التغيير قد لا تقل أهمية عن الاستثمار في الموارد في الحد من الضغوط التي يتعرض لها المعلمون.
فضلاً عن ذلك، يفيد نحو معلم واحد من كل ثلاثة معلمين (34%) بأن مواكبة التغييرات في المناهج أو البرامج في مدارسهم تشكّل مصدراً للضغط. وتتجاوز هذه النسبة 60% في ليتوانيا ومالطا، وتبلغ نحو 33% في إستونيا وإيطاليا وشنغهاي (الصين)، بينما تقل عن 20% في فنلندا وهولندا وبولندا والسويد.
وفي معظم الأنظمة التعليمية المشاركة، يفيد المعلمون ذوو الخبرة بهذا المصدر من مصادر الضغط بوتيرة أعلى من المعلمين المبتدئين. وفي حين يبلغ متوسط الفارق 6 نقاط مئوية، فإنه يصل إلى نحو 25 نقطة مئوية في النرويج. ولا يفيد المعلمون المبتدئون بهذا المصدر من مصادر الضغط بدرجة أكبر إلا في ثلاث دول هي البحرين وكولومبيا وهولندا، حيث يزيد الفارق على 8 نقاط مئوية.
وأخيراً، قد ترتبط الكفاءة الذاتية، وإن لم يكن ذلك على نحو شامل، بالكيفية التي ينظر بها المعلمون إلى ضرورة مواكبة المتطلبات المتغيرة الصادرة عن جهات مختلفة. ففي 14 نظاماً تعليمياً، يزيد احتمال أن يعدّ المعلمون ذوو الكفاءة الذاتية المنخفضة ذلك مصدراً للضغط مقارنةً بذوي الكفاءة الذاتية المرتفعة. كما تقل في المتوسط نسبة المعلمين ذوي الكفاءة الذاتية المرتفعة الذين يفيدون بالشعور بالتعب بسبب التغييرات في مدارسهم، ولا سيما بأنه يُطلب منهم تنفيذ مبادرات تغيير دون الموارد اللازمة. وبالمثل، يقل في 25 نظاماً تعليمياً احتمال أن يفيدوا برغبتهم في فترة من الاستقرار (بفارق 5 نقاط مئوية في المتوسط).
وتعزز هذه النتائج فكرة أن الكفاءة الذاتية تمثّل منظوراً مهماً لتحليل تصورات المعلمين للمتطلبات المهنية، إذ يقل احتمال أن يتعرض المعلمون الواثقون بأنفسهم للضغط بفعل المتطلبات الجديدة. غير أن هذه العلاقة ليست متسقة في جميع مجالات عمل المعلمين. فكما هو الحال مع عبء العمل، قد ترتبط تصورات المعلمين للمتطلبات على مستوى النظام، كالضغط من أجل التكيف مع المتطلبات المتغيرة أو تنفيذ مبادرات جديدة، بالكفاءة الذاتية، لكن ذلك يتفاوت بحسب طبيعة المتطلب. وقد يكون فهم هذا التفاوت مفتاحاً لدعم المعلمين في التعامل مع التعقيد المتنامي لبيئاتهم المهنية.
