الفصل الرابع: التقييمات القُطرية والإقليمية
المقدمة والمنهجية
يحتل الأمن المائي موقعاً محورياً في التنمية المستدامة، فهو يدعم الصحة العامة، ويحمي النظم البيئية، ويعزز سبل العيش، ويشكل ركيزة للنمو الاقتصادي. ورغم وفرة المياه على الأرض، فإنها لا تتوفر دائماً حيث تلزم ومتى تلزم، إذ تؤثر النظم الطبيعية والبنية التحتية والحوكمة جميعها في كيفية الحصول على المياه وإدارتها، ومع تزايد الطلب يصبح ضمان إمدادات موثوقة أكثر تعقيداً.
وتؤدي المياه أيضاً دوراً حاسماً في أهداف التنمية العالمية؛ فبينما يركز الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة مباشرة على المياه والصرف الصحي، يعتمد كل هدف تقريباً على مياه آمنة وكافية وحسنة الإدارة. وضمن الهدف السادس، يتتبع المؤشر 6.5.1 مدى تنفيذ البلدان للإدارة المتكاملة للموارد المائية، ويُستخدم على نطاق واسع مقياساً لقدرات حوكمة المياه.
ويستكشف هذا التقييم الصلة بين الحوكمة والأمن المائي، إذ دُرست خمسة بلدان هي بنغلاديش وكمبوديا ونيبال وباكستان وطاجيكستان باستخدام درجات الأمن المائي في التقرير وبيانات المؤشر 6.5.1، وساعدت هذه الدرجات على تحديد كيفية توافق ممارسات الحوكمة مع نتائج الأمن المائي عبر إطار التقرير.
وقد صُممت هذه التقييمات بوصفها تجربة أولية تعتمد نهجاً خفيفاً، إذ ركزت كل مراجعة على البيانات والشبكات القائمة، مع الشروع في بناء صورة أوضح عن حالة الأمن المائي في كل بلد والضغوط التي شكلتها. ويمكن للتقييمات المستقبلية أن تبني على هذا الأساس، وقد يصبح هذا النهج بمرور الوقت أداة قيّمة لدعم التخطيط وصنع القرار على المستوى القُطري.
ويتضمن هذا الفصل تقييماً إقليمياً للمحيط الهادئ؛ فقد كان واضحاً منذ البداية أن سياق المحيط الهادئ يختلف عن بقية آسيا، مما يتطلب نهجاً مختلفاً لتقييم الأمن المائي. ولذلك تستكشف دراسة المحيط الهادئ كيف يمكن تطبيق تقييم على غرار التقرير في المنطقة بوصفه خطوة أولى نحو تقييمات قُطرية مستقبلية، ومن ثم يختلف هذا الجزء عن التقييمات القُطرية المعتادة، وله مناهجه وأهدافه الخاصة الموصوفة بالتفصيل في موضعه.
أهداف التقييمات القُطرية
وُضعت التقييمات القُطرية لتحقيق أربعة أهداف رئيسية: بناء صورة واضحة ومحدثة عن حالة الأمن المائي في كل بلد باستخدام الأبعاد الرئيسية للتقرير؛ وتقييم مدى توافق التقدم في الإدارة المتكاملة للموارد المائية، مقيساً بالمؤشر 6.5.1، مع تحسينات الأمن المائي؛ ووضع هذه النتائج في سياق السياسات والبرامج الوطنية والتغيرات السياسية والأحداث الأخيرة؛ وإعداد تقارير عملية قائمة على الأدلة تعرض النتائج والتحديات والفرص الرئيسية.
منهجية التقييمات القُطرية
قادت الشراكة العالمية للمياه التقييمات بدعم من خبراء وطنيين ومركز DHI التابع لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، ونسق فريق الشراكة العالمي المعني بأهداف التنمية المستدامة العملية مستنداً إلى شبكاته الإقليمية والوطنية، بينما قدم المركز التوجيه الفني وضمان الجودة طوال العملية.
وطُبقت منهجية متسقة في البلدان الخمسة جميعها؛ فقد راجع الخبراء أولاً كيفية احتساب التقرير لكل بعد من أبعاده الرئيسية الخمسة، بما في ذلك مصادر البيانات والافتراضات وأساليب التسجيل، لضمان الاتساق والفهم. ثم حللوا درجات الأبعاد والمؤشرات في بلدانهم، بدعم من محلل بيانات في المشروع للتحقق من الاتجاهات وتحديد الأنماط الرئيسية. وراجعوا كذلك تقارير الإدارة المتكاملة للموارد المائية للأعوام 2017 و2020 و2023، وفحصوا الدرجات التفصيلية عبر مكوناتها وأسئلتها، مستكملين ذلك بالخطط والسياسات الوطنية ذات الصلة وتقارير مشاورات أصحاب المصلحة. كما قيّموا استراتيجية الشراكة القُطرية لبلدانهم وتواصلوا مع موظفي البنك لتحديد سبل استخدام نتائج التقرير في إعداد الاستراتيجيات المستقبلية.
وأكمل كل خبير شبكة تقييم موحدة تربط درجات التقرير بأداء الإدارة المتكاملة للموارد المائية، ولخص فيها لكل تقاطع بين أبعاد الإدارة المتكاملة والأبعاد الرئيسية أوجه التقدم والإنجازات، والعوائق أو الاختناقات الرئيسية، والفرص الاستراتيجية لتعزيز حوكمة المياه والأمن المائي، مع تحديد محركات الإجهاد المائي كالنمو السكاني وفجوات البنية التحتية والآثار المناخية، ووصف الحالة الراهنة لأنظمة المياه وأثرها في الناس والنظم البيئية. وأُجريت مقابلات موجهة مع مسؤولين حكوميين وشركاء الشراكة العالمية للمياه وغيرهم، ورغم عدم مشاركة درجات التقرير مباشرة، استكشفت هذه النقاشات التغيرات الأخيرة في أطر الحوكمة والأطر المؤسسية.
وأعد الخبراء عروضاً تقديمية وفق قالب مشترك تضمنت النتائج والتوصيات الرئيسية، وعُرضت ونُقحت في منتدى البنك للمياه والتنمية الحضرية لعام 2025 في مانيلا. ثم صاغ الخبراء القُطريون التقارير الكاملة وفق صيغة موحدة، تمزج تحليل البيانات بأمثلة الحالات والرؤى النوعية، مبرزة العلاقة بين الحوكمة والنتائج. وأخيراً، شُورك كل تقرير مع فريق التنسيق المركزي للتقرير ومع البعثات المقيمة للبنك، وأسهمت ملاحظات هذه الفرق في صياغة النسخ النهائية المعروضة في الأقسام التالية.
التقييم القُطري لبنغلاديش
الملخص
يقدم تقييم الأمن المائي في بنغلاديش لمحة عامة عن التقدم المحرز بين عامي 2013 و2025، إلى جانب أداء حوكمة المياه من 2017 إلى 2023، مستنداً إلى إطار التقرير والمؤشر 6.5.1 لاستكشاف العلاقة بين الحوكمة والنتائج المائية.
وتبين النتائج أنه رغم اتساع أطر السياسات وتحقيق بعض المكاسب القطاعية، يظل التقدم متفاوتاً، إذ لا يزال التشتت المؤسسي وضعف التمويل وتصاعد الضغوط المناخية تحد من نتائج الأمن المائي الأوسع.
ويظل الأمن المائي للأسر الريفية مصدر قلق؛ فقد حسّنت البرامج الوطنية الحصول على الخدمات والصرف الصحي، لكن التلوث بالزرنيخ والجفاف والإفراط في استخدام المياه الجوفية لا تزال تهدد أجزاء واسعة من البلاد. وتواجه المؤسسات المحلية تحديات في تقديم الخدمات، ويظل التنسيق بين الجهات محدوداً، وتفتقر حوكمة المياه الريفية إلى القدرة على معالجة هذه المخاطر المتداخلة معالجة كاملة.
واستفاد الأمن المائي الاقتصادي من أطر تخطيط جديدة واستثمارات مؤسسية، ولا سيما في الزراعة، غير أن توزيع المياه بين القطاعات يظل ضعيفاً. فغياب التصاريح وآليات التسعير والمحاسبة المائية عبر القطاعات يحد من الإنتاجية والاستدامة معاً، وقد بدأت الإصلاحات المؤسسية لكن أدوات الحوكمة لم تترسخ بعد في الممارسة ترسخاً كاملاً.
ولا تزال المناطق الحضرية تعاني من تشتت خدمات المياه والصرف الصحي؛ فرغم توسع البنية التحتية في بعض المدن، كثيراً ما تُترك المستوطنات غير الرسمية وشبه الحضرية خلف الركب. ويمثل ارتفاع المياه غير المدرة للإيرادات، وضعف إدارة مياه الصرف، والتعرض للفيضانات والملوحة تحديات مستمرة، ولم يدمج التخطيط الحضري بعد القدرة على الصمود المائي أو التقديم المنصف للخدمات دمجاً كاملاً.
ويظل الأمن المائي البيئي ضعيفاً، إذ يمثل التلوث وتراجع التدفقات وتدهور الأراضي الرطبة مشكلات مستمرة. وتوجد آليات مؤسسية لدعم حماية النظم البيئية، لكنها تفتقر إلى التمويل والبيانات الآنية وسلطة الإنفاذ، ولا تُدمج احتياجات النظم البيئية على نحو جيد في عمليات تخطيط الأحواض.
وتُظهر القدرة على الصمود أمام الكوارث المرتبطة بالمياه تقدماً جزئياً؛ فالبنية التحتية كملاجئ الأعاصير والسدود الترابية منتشرة على نطاق واسع، لكن الأدوات غير الهيكلية، كأنظمة الإنذار المبكر والاستجابة للجفاف والتمويل القائم على التنبؤات، لا تزال غير مستغلة بالقدر الكافي.
وفي جميع المجالات، يعوق ضعف التنسيق ومحدودية القدرات المحلية وتشتت التمويل التقدم. ويُعد تعزيز التخطيط عبر القطاعات، وحماية النظم البيئية، والاستثمار في الخدمات الشاملة، وإدماج المخاطر المناخية في الأطر الوطنية خطوات أساسية نحو حوكمة مائية قادرة على الصمود أمام تغير المناخ.
مراجعة درجة الأمن المائي في بنغلاديش
لا يزال الأمن المائي للأسر الريفية مصدر قلق ملح، مع انتشار رداءة جودة المياه في أرجاء البلاد. فالتلوث بالزرنيخ والجفاف الموسمي والاستخدام غير المستدام للمياه الجوفية تؤثر في مناطق واسعة، ولا سيما منطقة باريند والمقاطعات الساحلية. ولا يزال أكثر من 22 مليون شخص يعتمدون على مصادر مياه ملوثة بالزرنيخ، بينما تزيد التغيرات في أنماط الأمطار الناجمة عن تغير المناخ والملوحة في المناطق الساحلية الإجهاد المائي، ويضاعف ضعف الاستثمار في النظافة الصحية على مستوى الأسر المخاطر على المجتمعات الريفية.
وبين عامي 2013 و2025، ارتفعت درجة بنغلاديش في البعد الأول من 7.3 إلى 9.4، منتقلة من الطرف الأدنى إلى الطرف الأعلى من المرحلة القادرة. ويعكس التحسن التقدم في إطار الاستراتيجيات الوطنية، كالاستراتيجية الوطنية لإمدادات المياه والصرف الصحي لعام 2014، والمشروعات التي تقودها إدارة هندسة الصحة العامة. غير أن النتائج جاءت تدريجية بسبب فجوات التنسيق بين الجهات، رأسياً وأفقياً، وتشتت الولايات، ومحدودية التركيز على أشد المناطق هشاشة. وظل مؤشر الحصول على المياه مرتفعاً باستمرار بدرجة 4 من 5، بينما سجلت مؤشرات الصرف الصحي والنظافة الصحية درجات بين 2 و3 من 5، مما يكشف عن مكاسب أبطأ.
ويواجه الأمن المائي الاقتصادي ضغطاً متزايداً، إذ تتصاعد المطالب المتنافسة من قطاعات الزراعة والصناعة والطاقة، بينما يظل توزيع المياه غير فعال وضعيف التنظيم. ويتهدد الإنتاجَ الزراعي تسربُ المياه المالحة وتراجعُ مستويات المياه الجوفية واضطرابُ أنماط الرياح الموسمية، ولا سيما في المنطقتين الجنوبية الغربية والشمالية الغربية. ويتنامى الطلب الصناعي بسرعة، وخاصة في المناطق الاقتصادية والقطاعات الموجهة للتصدير كالمنسوجات، لكن التنظيم ضعيف.
وارتفعت درجة البعد الثاني من 10.2 عام 2013 إلى 13.0 عام 2025، مما يعكس تحسينات في السياسات والإصلاح المؤسسي. وقد أسهمت في هذا التقدم خطة دلتا بنغلاديش 2100، والسياسة الصناعية الوطنية لعام 2022، والدور المتنامي لجهات كهيئة باريند للتنمية متعددة الأغراض. وبلغ مؤشرا الزراعة والطاقة 4 و3.3 من 5 على التوالي، بينما تأخر مؤشرا الصناعة والاقتصاد العام عند 3.0 و2.7 على التوالي. وبنغلاديش أيضاً مصدّر رئيسي للمياه الافتراضية، ولا سيما عبر الأرز والمنسوجات، وقد يساعد تطبيق إطار البصمة المائية العادلة على مواءمة استخدام المياه مع متطلبات الاستدامة. غير أن مزيد المكاسب يحده غياب التصاريح المائية الوطنية وأنظمة التعرفة وأدوات المحاسبة عبر القطاعات.
ويتعرض الأمن المائي الحضري لضغط متصاعد، إذ يؤثر التحضر السريع والصدمات المناخية وتدهور البنية التحتية في إمدادات المياه والصرف الصحي في المدن الكبرى كشيتاغونغ ودكا وخولنا. ويشيع تدني تغطية الصرف الصحي وضعف معالجة مياه الصرف، والمستوطنات غير الرسمية هشة على نحو خاص، إذ كثيراً ما تفتقر إلى التوصيل بالأنظمة العامة وتواجه انقطاعات في الخدمة ورداءة في جودة المياه. كما تتزايد الفيضانات الحضرية وتسرب الملوحة بسبب تغير المناخ وضعف التصريف.
وارتفعت درجة بنغلاديش في البعد الثالث ارتفاعاً طفيفاً من 9.2 عام 2013 إلى 10.8 عام 2025، مما يعكس نجاحاً محدوداً لتدخلات بعينها كمشروع إمدادات المياه في خولنا وعمليات التحديث التي نفذتها هيئة المياه والصرف الصحي في دكا. ورغم بعض التقدم، لا تزال معظم المرافق تعمل دون مستويات استرداد التكاليف وتفتقر إلى أنظمة لرصد الأداء.
وظل الأمن المائي البيئي مستقراً، إذ يُدهور التلوث وتنظيم التدفقات وتغير استخدامات الأراضي أنظمة الأنهار والأراضي الرطبة الرئيسية. فالأنهار الكبرى كبوريغانغا وكارنافولي وتوراغ لا تزال شديدة التلوث بسبب مياه الصرف المنزلية والصناعية غير المعالجة، ويضر تدهور الأراضي الرطبة وارتفاع الملوحة بالتنوع البيولوجي في نظم بيئية كغابات سونداربانس وأراضي هاور الرطبة، كما تتقلص تدفقات الأنهار أكثر بفعل التحويلات في المنبع من نهري تيستا والغانج.
وظلت درجة البعد الرابع عند 11.4 من 2013 إلى 2025. وتوجد ترتيبات مؤسسية كاللجنة الوطنية لحماية الأنهار والخطة الرئيسية لأراضي هاور، لكن التمويل ضعيف، والبيانات البيئية محدودة، وإنفاذ التدفقات البيئية في حده الأدنى.
ويظل الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه أولوية وطنية، إذ تشهد بنغلاديش فيضانات وأعاصير وموجات جفاف وتآكلاً لضفاف الأنهار بصورة متكررة. ورغم أن الاستثمارات الهيكلية كالسدود الترابية وملاجئ الأعاصير حسّنت القدرة على الصمود، تظل التدابير غير الهيكلية، كأنظمة الإنذار المبكر والتمويل القائم على التنبؤات والتخطيط المستنير بالمخاطر، محدودة. وتشمل التحديات الجديدة موجات حر أكثر تواتراً، وغرق المدن بالمياه، والفيضانات الخاطفة.
وارتفعت درجات البعد الخامس من 9.4 عام 2013 إلى 10.0 عام 2016، ثم تحسنت تدريجياً لتبلغ 11.5 بحلول عام 2025، رغم الآثار الكبيرة للفيضانات الخاطفة والأعاصير وموجات الجفاف في الشمال الغربي. ومنذ عام 2013، تضاعفت القدرة على إدارة الكوارث المرتبطة بالمياه بأكثر من مرتين، وتحسنت أطر التخطيط الوطنية، بما في ذلك الأوامر الدائمة بشأن الكوارث لعام 2019 ودمج التخطيط للكوارث في خطة الدلتا 2100. ويظل مؤشر الفيضانات الأدنى عند نحو 1 من 5، بينما تقترب مؤشرات الجفاف من 4.5، وتتفاوت المؤشرات المتعلقة بالعواصف بحسب البنية التحتية والاستعداد. ولا يزال دمج المخاطر بطيئة الظهور كالجفاف والملوحة في التخطيط المائي غائباً.
حالة حوكمة المياه في بنغلاديش وفق المؤشر 6.5.1
بين عامي 2017 و2023، أحرزت بنغلاديش تقدماً تدريجياً في تنفيذ الإدارة المتكاملة للموارد المائية، كما تعكسه درجاتها في المؤشر 6.5.1. ففي عام 2023، بلغت الدرجات 67% لأدوات الإدارة، و66% للبيئة التمكينية، و67% للمؤسسات والمشاركة، بينما ظل التمويل المجال الأضعف أداءً بنسبة 57%. وتُظهر البيانات مكاسب في أدوات التخطيط والرصد، لكن مع فجوات مستمرة في الإنفاذ القانوني والتنسيق المؤسسي والتمويل.
وتقوم البيئة التمكينية على أساس قانوني وسياساتي متين، إذ يضع قانون المياه لعام 2013 وخطة الدلتا 2100 إطاراً للتخطيط المائي المتكامل، وعززت سياسات إضافية في مجالات الصرف الصحي والصناعة والحد من مخاطر الكوارث القطاع. غير أن إنفاذ السياسات المائية الأخيرة ضعيف، والقوانين ضعيفة المواءمة فيما بينها، وتفتقر السلطات المحلية إلى الوضوح في أدوارها، وتعمل في ظل رقابة أو سلطة قانونية محدودة.
وتشمل الترتيبات المؤسسية وزارات متعددة، منها وزارة الموارد المائية، ووزارة الحكم المحلي والتنمية الريفية والتعاونيات، ووزارة البيئة والغابات وتغير المناخ، لكن التنسيق محدود وآليات إشراك أصحاب المصلحة غير مكتملة النمو. وكثيراً ما يكون لمؤسسات الحكم المحلي والمنظمات المجتمعية تأثير ضئيل، ولا سيما في المناطق الريفية، وتمثل قيود القدرات وغياب الروابط الرأسية بين المؤسسات الوطنية والمحلية مشكلات رئيسية.
وشهدت أدوات الإدارة أكبر تقدم، إذ حسّنت بنغلاديش التقييمات الهيدرولوجية ورصد جودة المياه وبيانات مخاطر الكوارث، لكن الفجوات لا تزال قائمة في البيانات الآنية والإدارة التكيفية والتخطيط عبر القطاعات، وتوجد أدوات كنمذجة الجفاف والإسقاطات المناخية لكنها غير مستغلة بالقدر الكافي.
ويظل التمويل قيداً حاسماً، فمعظم مشروعات البنية التحتية تعتمد على دعم المانحين، والتمويل المحلي منخفض، ولا تُستخدم الأدوات الاقتصادية كالتصاريح والتعرفة البيئية. ولا تزال فرص التمويل الأخضر والشراكات بين القطاعين العام والخاص واللامركزية المالية غير مستغلة إلى حد كبير.
وخلاصة القول إن بنغلاديش أرست إطاراً متيناً للإدارة المتكاملة للموارد المائية، لكن الفجوات في التنسيق والإنفاذ والتمويل والقدرات المحلية لا تزال تحد من التنفيذ.
العلاقة بين الأمن المائي وحوكمة المياه في بنغلاديش
يتوافق مسار الأمن المائي في بنغلاديش بين عامي 2013 و2025 مع التحسينات التدريجية في الإدارة المتكاملة للموارد المائية. فقد أسهمت أدوات السياسات كقانون المياه وخطة الدلتا في تشكيل الاستجابات الوطنية، لكن التنفيذ يظل متفاوتاً عبر الأبعاد الرئيسية الخمسة؛ إذ تُظهر المجالات ذات أدوات التخطيط الأقوى تقدماً أكبر، بينما تواصل الأبعاد التي تعاني ضعف التنسيق المؤسسي والقيود المالية تأخرها.
وتعكس تحسينات البعد الأول مشروعات موجهة لتقديم الخدمات، غير أن ضعف الحوكمة المحلية ومحدودية اللامركزية وتدني المشاركة المجتمعية تقيد اعتماد مبادئ الإدارة المتكاملة على نطاق أوسع، ولا يزال هناك عدم توافق بين التخطيط الوطني والقدرات المحلية.
وتتوافق مكاسب البعد الثاني مع تحسن أدوات التخطيط والقيادة المؤسسية لجهات كهيئة باريند، لكن غياب أدوات الحوكمة الاقتصادية كالتصاريح وأنظمة تسعير المياه يواصل تقييد كفاءة استخدام المياه، ويظل التقدم هشاً من دون إصلاحات هيكلية.
وتحسن البعد الثالث تحسناً متواضعاً، وظل مزيد التقدم محدوداً بسبب ضعف دمج الإدارة المتكاملة في الحوكمة الحضرية، إذ تواجه المرافق تحديات فنية ومالية. ورغم إدخال بعض أدواتها، كاستراتيجيات القدرة على الصمود الحضري وخطط البنية التحتية المتكيفة مع المناخ، فإن دمجها في سياسات المدن لا يزال جزئياً، وأسهم ضعف التعاون بين المرافق ومخططي المدن والوزارات في رداءة الصرف الصحي وضعف التخطيط للقدرة على الصمود.
ويرتبط ركود البعد الرابع بضعف دمج احتياجات النظم البيئية، إذ تحول فجوات البيانات وضعف التنسيق بين الجهات ومحدودية استخدام البنية التحتية الخضراء دون التقدم، ولا تحظى التدفقات البيئية بحماية قانونية أو إنفاذ.
ويُظهر البعد الخامس بعض المكاسب، لكن تخطيط المخاطر لا يزال تهيمن عليه البنية التحتية، إذ لا تزال أنظمة الإنذار المبكر والتمويل المناخي والمخاطر بطيئة الظهور دون معالجة كافية. والتنسيق الرأسي ضعيف، وتبادل البيانات محدود بين جهات كمجلس تنمية المياه في بنغلاديش وهيئة باريند والحكومات المحلية.
وإجمالاً، يعكس التقدم الانتقائي في الأمن المائي نجاحاً جزئياً في الإدارة المتكاملة للموارد المائية، ويُعد ترسيخ مبادئها عبر مستويات الحوكمة والقطاعات أمراً أساسياً لصون الأمن المائي الوطني.
النتائج والتوصيات
يظل التنسيق المؤسسي نقطة الضعف المحورية في الأمن المائي لبنغلاديش. فالأطر الوطنية كخطة دلتا بنغلاديش 2100 وقانون المياه الوطني لعام 2013 توفر أساساً قوياً، لكن المسؤوليات تظل مشتتة بين الوزارات والجهات، وهذا التفرق يبطئ التنفيذ ويحول دون تخطيط فعال عبر القطاعات. ومن شأن تعزيز آليات التنسيق على المستويين الوطني ومستوى الأحواض أن يساعد على مواءمة استراتيجيات المياه والبيئة وإدارة الكوارث والتنمية الحضرية، كما يمكن لتثبيت هذه المنصات ضمن خطة الدلتا وتوسيع نطاق مبادرات كمشروع البنك لإدارة الفيضانات وتحسين سبل العيش في أراضي هاور أن يبني زخماً للإدارة المتكاملة.
ويواصل الأمن المائي البيئي تدهوره، إذ تواجه مناطق حرجة بيئياً كغابات سونداربانس وأراضي هاور الرطبة ضغوطاً ناجمة عن تراجع التدفقات وتغير استخدامات الأراضي والتلوث، والآليات القانونية لحماية الحد الأدنى من التدفقات ضعيفة والإنفاذ محدود. ومن شأن تحديث أنظمة الرصد وإنفاذ المعايير بموجب قانون المياه لعام 2013 أن يوفر مساراً للمضي قدماً، وتتيح المشروعات الوطنية، كمشروع استعادة أنهار دكا، فرصاً لاختبار الرصد الآني للتدفقات وجودة المياه وتعميم الدروس المستفادة. وسيكون تعزيز دور مجلس تنمية المياه واللجنة الوطنية لحماية الأنهار وإدارة البيئة حاسماً للإنفاذ.
ويظل التمويل قيداً منظومياً عبر جميع أبعاد الأمن المائي، إذ تعتمد بنغلاديش اعتماداً كبيراً على المانحين الخارجيين، بينما يظل استرداد التكاليف والتمويل المحلي منخفضين. ويمكن لأدوات مبتكرة كالتعرفة البيئية وضرائب التلوث والتمويل المختلط والسندات الخضراء أن توسع قاعدة التمويل، كما سيساعد توسيع التمويل المناخي من مصادر كالصندوق الأخضر للمناخ وصندوق التكيف على تلبية احتياجات البنية التحتية القادرة على الصمود أمام تغير المناخ. وتحتاج الحكومات المحلية في المستوطنات شبه الحضرية وغير الرسمية إلى قدرات أقوى في التخطيط المالي، ويوفر قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص لعام 2015 إطاراً لاجتذاب الاستثمار الخاص، لكن مرافق المياه ستحتاج إلى دعم موجه لجعل هذه الشراكات قابلة للتطبيق.
وتواجه أنظمة المياه الحضرية ضغوطاً متزايدة من الفيضانات والنمو السكاني وتقادم البنية التحتية، إذ تواصل مدن كدكا وخولنا معاناتها مع ارتفاع الطلب على المياه وفجوات الخدمة ومحدودية تغطية المستوطنات غير الرسمية، وتحد الانقطاعات المتكررة وغياب البنية التحتية الصامدة من موثوقية الخدمات. وستتطلب معالجة هذه القضايا استثمارات في العدادات الذكية وأنظمة الصرف الصحي الصامدة أمام الفيضانات، ويمكن لتوسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، كما جُربت في مشروع إمدادات المياه والصرف الصحي الحضري ومشروع تحسين إمدادات المياه في شيتاغونغ، أن يسرّع تحسين تقديم الخدمات.
وقد أحرزت بنغلاديش تقدماً مهماً في إدارة المخاطر سريعة الظهور، لكن الفجوات لا تزال قائمة في المخاطر بطيئة الظهور. فالاستثمارات الهيكلية واسعة النطاق حسّنت القدرة على الصمود أمام الفيضانات والأعاصير، غير أن الجفاف وتسرب الملوحة والحرارة الشديدة لا تنعكس على النحو الكافي في التخطيط للكوارث، وهي مخاطر تتنامى مع تغير المناخ ويلزم إدماجها في استراتيجيات إدارة المياه والكوارث طويلة الأمد. وينبغي دمج المشروعات التجريبية الواعدة، كبرامج الاستعداد للجفاف التي تنفذها الوكالة الألمانية للتعاون الدولي ونظام التأمين المناخي لبرنامج الأغذية العالمي في راجشاهي، في السياسات الوطنية، إذ يمكن للتمويل القائم على التنبؤات وتقسيم المناطق بحسب المخاطر والتأمين المناخي أن تعزز القدرة على الصمود لسبل العيش الريفية والمعتمدة على المياه.
وتظل المشاركة والرصد ضعيفين، ولا سيما على المستويات المحلية. فرغم تحسن أدوات التخطيط والرصد في إطار الإدارة المتكاملة، يظل التنفيذ متفاوتاً، وكثيراً ما يُستبعد المجتمع المدني والحكومات المحلية من صنع القرار، خاصة في القطاعين الريفي والبيئي. كما أن أنظمة البيانات الآنية وتنسيق الميزانيات عبر القطاعات محدودة، مما يعوق المساءلة وصنع القرار القائم على الأدلة. ومن شأن توسيع المقاربات التشاركية وتحديث البنية التحتية للرصد أن يحسّن التكامل ويدعم حوكمة أكثر فعالية.
وخلاصة القول إن بنغلاديش أرست أطراً قوية للسياسات، لكن فجوات التنفيذ مستمرة. ويُعد بناء منصات التنسيق، وإنفاذ معايير التدفقات البيئية، وتنويع مصادر التمويل، وتعزيز الأنظمة الحضرية خطوات عاجلة، كما سيكون دمج المخاطر بطيئة الظهور في الاستراتيجيات الوطنية وتوسيع المشاركة حاسمين لصون الأمن المائي على المدى الطويل. ومن شأن هذه الإجراءات مجتمعة أن تواءم تقدم بنغلاديش مع رؤيتها في إطار خطة الدلتا 2100، وأن ترسي أساساً أكثر قدرة على الصمود للتنمية.
التقييم القُطري لكمبوديا
الملخص
يقدم تقييم الأمن المائي في كمبوديا لمحة عامة عن التقدم المحرز بين عامي 2013 و2025، إلى جانب أداء حوكمة المياه من 2017 إلى 2023، مستنداً إلى إطار التقرير والمؤشر 6.5.1 لاستكشاف العلاقة بين الحوكمة والنتائج المائية.
وقد أحرزت كمبوديا تقدماً واضحاً في مجالات عدة من الأمن المائي؛ فقد اتسع الحصول على خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، ولا سيما في المناطق الحضرية، وعززت جهود تحسين إدارة مخاطر الكوارث قدرات الاستجابة الوطنية والمحلية. ودعمت هذه المكاسبَ تحسيناتٌ في حوكمة المياه، شملت قوانين وسياسات جديدة، ومشاركة أقوى لأصحاب المصلحة، والتطبيق التدريجي لآليات التنسيق. غير أن التقدم لم يكن متجانساً؛ فالخدمات الريفية لا تزال هشة أمام الصدمات المناخية، والأمن المائي الاقتصادي يواصل مواجهة ضغوط ناجمة عن ضعف البنية التحتية وفجوات الاستثمار، والأوضاع البيئية تُظهر علامات على تزايد الإجهاد.
وقد حسّنت إصلاحات الحوكمة البيئة التمكينية لإدارة المياه، لكن التنفيذ لا يزال غير متسق. فرغم إقرار كمبوديا تشريعات وطنية مهمة، لا تزال بعض الفجوات التنظيمية قائمة، ولا سيما فيما يتعلق بترخيص المياه واستخدام المياه الجوفية. وفي الوقت ذاته، يظل التنسيق بين الجهات ومستويات الحكومة تحدياً، كما أن نظم المعلومات الخاصة بالكوارث المائية غير مكتملة النمو، مما يصعّب رصد المخاطر أو الاستجابة السريعة للاضطرابات. والقيود المالية حادة على نحو خاص على المستوى دون الوطني، حيث يعتمد الاستثمار اعتماداً كبيراً على دعم المانحين.
وتشمل الضغوط الرئيسية على أنظمة المياه في كمبوديا التحضر السريع، وتزايد الطلب على المياه، ومحدودية معالجة مياه الصرف، والإفراط في استخدام المياه الجوفية، وإزالة الغابات، والظواهر المتطرفة التي يدفعها المناخ كالفيضانات والجفاف، وتهدد هذه القضايا جودة المياه واستدامتها على المدى الطويل، ولا سيما في المناطق الريفية والحساسة بيئياً.
وللتصدي لهذه التحديات، يوصي التقرير بتعزيز التنسيق بين القطاعات ومستويات الحوكمة، وتحديث الإطار القانوني ليشمل ترخيص المياه وتنظيم المياه الجوفية، ووضع خطط الأحواض وتنفيذها، وتحسين أنظمة البيانات، وزيادة الاستثمار العام في البنية التحتية المائية والجوية. وتوفر خطة العمل الجديدة للإدارة المتكاملة للموارد المائية في كمبوديا فرصة سانحة للنهوض بهذه الأولويات ومواءمة حوكمة المياه مع أهداف التنمية الوطنية والأهداف المناخية.
مراجعة درجة الأمن المائي في كمبوديا
أحرزت كمبوديا تقدماً مطرداً في توسيع خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية منذ عام 2013، غير أن الفجوات بين الريف والحضر لا تزال كبيرة، وتتعرض الخدمات على نحو متزايد للانقطاع بسبب الجفاف والحرارة وغيرهما من الصدمات المناخية. ومن دون تدابير تكيفية، قد تتبدد المكاسب الأخيرة، ولا سيما بالنسبة إلى الفئات الهشة. وقد التزمت الحكومة بتحقيق الحصول الشامل على المياه الآمنة لجميع الاستخدامات، وتوفير خدمات مُدارة بأمان لجميع سكان المدن ولنصف سكان الريف على الأقل بحلول عام 2030.
ويظل التمويل عائقاً رئيسياً؛ فرغم أن الاستراتيجية الوطنية لخدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية الريفية للفترة من 2011 إلى 2025 تحدد تقديرات التكلفة، لم يُنفذ منها سوى جزء. ولا يأتي حالياً من المصادر المحلية سوى 3% من تمويل هذه الخدمات في الريف، مما يثير مخاوف بشأن الاستدامة على المدى الطويل.
ففي الأمن المائي للأسر الريفية، ارتفعت درجة كمبوديا من 6.0 عام 2013 إلى 9.1 عام 2025، ويعكس هذا التحسن تحسن الحصول على الخدمات وتراجع عبء أمراض الإسهال بفضل زيادة الاستثمار. غير أن الخدمات الريفية لا تزال عرضة لانقطاعات متكررة بسبب الجفاف والتنافس مع احتياجات الري وتدهور المياه الجوفية. ومع عيش 74% من السكان في المناطق الريفية عام 2024، وتوقع نمو الطلب الريفي، سيكون مزيد الاستثمار في البنية التحتية وإدارة المياه الجوفية أمراً حاسماً.
وفي الأمن المائي الاقتصادي، تراجعت درجة كمبوديا تراجعاً طفيفاً من 12.0 عام 2013 إلى 11.1 عام 2025، إذ يتعرض هذا البعد لضغوط ناجمة عن محدودية البنية التحتية، وعدم كفاءة الري، وتكرار الظواهر المناخية المتطرفة. وقد خفضت هذه الظروف إنتاجية المياه وأثرت في تدفقات الأنهار خلال فترات الشح والفيضانات، ورغم التحسينات في السنوات الأخيرة، فإنها لم تعوض بالكامل التراجعات السابقة في حصول الزراعة والطاقة والصناعة على المياه.
وفي الأمن المائي الحضري، ارتفعت درجة كمبوديا ارتفاعاً كبيراً من 6.3 عام 2013 إلى 14.6 عام 2025، مما يعكس مكاسب قوية دفعها التزام الحكومة بتغطية حضرية كاملة بنسبة 100% لإمدادات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية. غير أن النمو الحضري يفرض ضغطاً متزايداً على أنظمة المياه، إذ تضاعف الطلب على المياه تقريباً، ولا تزال شبكات الصرف محدودة، وتستمر مخاطر الفيضانات الناجمة عن ضعف التصريف. وسيتطلب صون هذه المكاسب استثماراً متواصلاً في بنية تحتية صامدة ومعالجة مياه الصرف.
وفي الأمن المائي البيئي، ارتفعت درجة كمبوديا ارتفاعاً طفيفاً من 13.5 عام 2013 إلى 13.8 عام 2025، وتعكس الدرجة حالة مستقرة نسبياً للنظم البيئية المائية وحوكمة بيئية متوسطة. غير أن هذه النظم تواجه تهديدات متزايدة من إزالة الغابات والإفراط في استخدام المياه الجوفية والتعدي على الأراضي الرطبة لأغراض زراعية. ورغم بقاء مؤشري حالة مستجمعات المياه والحوكمة البيئية قويين نسبياً، يبرز الاتجاه التنازلي في المياه الجوفية مخاطر ناشئة قد تقوض الأمن المائي البيئي.
وفي الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه، تحسنت درجة كمبوديا من 8.2 عام 2013 إلى 13.3 عام 2025، مدفوعة بتعزيز قدرات الاستجابة للكوارث على المستويين الوطني والمجتمعي. ولا تزال البلاد شديدة التعرض للفيضانات والجفاف الموسمي، ولا سيما في أحواض الميكونغ وتونلي ساب وباساك، وتواصل فجوات البنية التحتية، والتلوث بالزرنيخ من مصادر طبيعية وبشرية، وتغير الهيدرولوجيا في المنبع إجهاد القدرة على الصمود أمام الكوارث. وتعكس الزيادة في هذا البعد الجهود التي تقودها اللجنة الوطنية لإدارة الكوارث لتحسين أنظمة الإنذار المبكر والاستعداد المحلي.
حالة حوكمة المياه في كمبوديا
أحرزت كمبوديا تقدماً مطرداً في تنفيذ الإدارة المتكاملة للموارد المائية منذ عام 2017، إذ تحسنت أبعادها الأربعة جميعها بين عامي 2017 و2023 وفقاً لبيانات المؤشر 6.5.1، وارتفع متوسط الدرجة من 46% إلى 62%، مع أقوى المكاسب في التطوير المؤسسي ومشاركة أصحاب المصلحة.
ففي البيئة التمكينية، ارتفعت الدرجة من 54% عام 2017 إلى 66% عام 2023، مما يعكس استحداث أدوات قانونية رئيسية عدة، منها قانون المياه لعام 2007، ومدونة البيئة والموارد الطبيعية لعام 2023، وقانون إدارة إمدادات المياه النظيفة لعام 2023. وتدعم هذه الأطر مبادئ الإدارة المتكاملة على المستويين الوطني ودون الوطني، غير أن بعض المجالات الحاسمة لا تزال غير مكتملة، إذ لا توجد حتى الآن مراسيم فرعية بشأن ترخيص المياه أو تنظيم المياه الجوفية، ولا يزال تنفيذ الإطار الأوسع محدوداً، ويحتاج النشر والإنفاذ عبر القطاعات ومستويات الحكومة إلى مزيد من التعزيز.
وفي المؤسسات والمشاركة، ارتفعت الدرجات من 46% إلى 68% بين عامي 2017 و2023، مما يعكس تحسن التنسيق بين الجهات الحكومية واتساع مشاركة أصحاب المصلحة. وقد أُنشئت لجان لأحواض الأنهار على المستويين الوطني ودون الوطني، وإن ظل التنسيق تحدياً بسبب تداخل المسؤوليات ومحدودية القدرات الفنية. ويؤدي القطاع الخاص دوراً متنامياً في إمدادات المياه والصرف الصحي، لكن مشاركته متفاوتة وكثيراً ما تقيدها محدودية آليات التمويل وغموض الأطر التنظيمية.
وفي أدوات الإدارة، ارتفعت الدرجة من 50% إلى 63%، مما يعكس أدوات عملية كالدعم المتبادل الذي يحسّن الحصول على خدمات المياه. فالاستثمارات في وسط بنوم بنه مثلاً تدعم المناطق منخفضة الدخل من خلال صندوق اجتماعي يُخصص له 5% من الأرباح لرعاية الموظفين ومبادرات مجتمعية أوسع، ومن خلال التسعير التفاضلي. ورغم هذه الجهود، لا تزال كمبوديا تفتقر إلى خطط لتنمية أحواض الأنهار، ولم يُنفذ بعد مرسوم فرعي صدر عام 2015 بشأن إدارة أحواض الأنهار. فضلاً عن ذلك، لا تزال نظم المعلومات المائية غير مكتملة النمو، مما يصعّب اتخاذ قرارات مستنيرة وفي الوقت المناسب، كما أن تعريفات التدفقات البيئية غير واضحة وتحتاج إلى اهتمام تنظيمي.
وفي التمويل، ارتفعت درجة كمبوديا من 37% عام 2017 إلى 52% عام 2023، لكنها لم ترتفع منذ عام 2020. وقُيّمت الميزانية الوطنية للإدارة المتكاملة بنسبة 60% عام 2023، لكن الميزانيات دون الوطنية وتوليد الإيرادات لا تزال محدودة، وقد قيّد تدني إنتاجية الاستثمار وتشتت التخطيط التمويلَ الخارجي. وسجل التمويل على المستوى دون الوطني ومستوى الأحواض 40%، والإيرادات المحصلة للإدارة المتكاملة 50% فقط، وتؤثر هذه القيود في توفير البنية التحتية وفي القدرة الأوسع على تنفيذ إصلاحات الحوكمة.
العلاقة بين الأمن المائي وحوكمة المياه في كمبوديا
أحرزت كمبوديا تقدماً مطرداً في حوكمة المياه والأمن المائي معاً خلال العقد الماضي. ورغم تفاوت المكاسب بين الأبعاد المختلفة، تتضح علاقة جلية بين تحسن هياكل الحوكمة وتعزز الأداء في مجالات عدة من الأمن المائي. ويبرز التحليل التالي هذه الروابط مستنداً إلى بيانات التقرير والمؤشر 6.5.1، ومستكملاً برؤى الخبراء.
فقد استفاد الأمن المائي للأسر الريفية من تحسينات الإطار القانوني والمؤسسي، إذ يتوافق التوسع في إمدادات المياه بالأنابيب، وزيادة التنسيق بين الوزارات، واتساع الحصول على الخدمات مع نهج أشمل للحوكمة، وتعكس هذه التطورات مواءمة أقوى للسياسات، وأدواراً مؤسسية أوضح، ومشاركة أفضل لأصحاب المصلحة. غير أن التحديات لا تزال قائمة في تمويل الأنظمة الريفية وضمان التنسيق بين مستويات الحكومة، ولا سيما في المناطق المتأثرة بالاضطرابات المناخية.
ويُظهر الأمن المائي الاقتصادي علاقة أكثر تعقيداً بالحوكمة؛ فرغم تعزز أطر التخطيط ومشاركة أصحاب المصلحة، لا يزال الاستخدام الاقتصادي للمياه مقيداً بفجوات البنية التحتية، وعدم كفاءة ممارسات الري، والضغوط المناخية. وقد أبطأت محدودية التمويل، ولا سيما لأنظمة المياه في الزراعة والصناعة والطاقة، التقدم، مما يبرز الحاجة إلى دمج أفضل لإصلاحات الحوكمة مع استثمارات موجهة في البنية التحتية الصلبة والقدرات المؤسسية معاً.
ويُظهر الأمن المائي الحضري صلة قوية بتحسن الحوكمة، إذ أسهمت الإصلاحات القانونية الوطنية ومرافق المياه المركزية وتزايد مشاركة القطاع الخاص في دفع مكاسب تقديم الخدمات الحضرية، كما وسّعت ابتكارات كالدعم المتبادل والصناديق الاجتماعية الحصول على الخدمات في المناطق منخفضة الدخل. غير أن القدرة على الصمود الحضري لا تزال تواجه فجوات تنظيمية في إدارة مياه الصرف، وغياب آليات تنظيمية كتراخيص استخراج المياه الجوفية، وهي مجالات يمكن لمزيد تطوير الحوكمة فيها أن يحقق مكاسب كبيرة.
ولم يشهد الأمن المائي البيئي سوى تحسن هامشي، مما يعكس ضعف توافقه مع جهود الحوكمة حتى الآن. فرغم وجود حماية قانونية للموارد المائية، فإن إنفاذها غير متسق، ولا تُدمج الأهداف البيئية دائماً في عمليات التخطيط والتنظيم. وتشير التهديدات المستمرة الناجمة عن تحويل الأراضي وإزالة الغابات واستخراج المياه الجوفية إلى الحاجة إلى تنسيق أقوى عبر القطاعات وأنظمة رصد أفضل، وتظل القدرات دون الوطنية والحصول على البيانات المائية ضعيفين على نحو خاص، مما يحد من فعالية الحوكمة البيئية.
ورغم التحسينات، جاء ارتباط الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه بإصلاحات الحوكمة المتصلة بالإدارة المتكاملة محدوداً، إذ تتولى إدارة الكوارث مؤسسات منفصلة لها استراتيجياتها الخاصة، كاللجنة الوطنية لإدارة الكوارث. ورغم إنشاء شبكات مجتمعية قوية وأنظمة للإنذار المبكر، كثيراً ما يكون التنسيق بين الجهات الوطنية والمحلية مجزأً، وتعوق تأخيرات الاتصال ومحدودية التمويل القدرة على الصمود. ويمكن لمواءمة إدارة مخاطر الكوارث على نحو أوثق مع تخطيط الإدارة المتكاملة أن يساعد على سد هذه الفجوة ودعم تكيف أكثر فعالية.
وتوفر خطة العمل الجديدة للإدارة المتكاملة للموارد المائية في كمبوديا للفترة من 2026 إلى 2030 منصة لتعزيز الصلة بين حوكمة المياه والأمن المائي، إذ تحدد مجالات رئيسية للإصلاح تشمل التحديثات القانونية وبناء القدرات المؤسسية وتحسين أنظمة البيانات. وسيكون ترسيخ هذه الأولويات في التخطيط التنموي الوطني أساسياً لبناء نظام حوكمة مائية أكثر تكاملاً وقدرة على الصمود.
النتائج والتوصيات
لا يتمثل التحدي الرئيسي للحوكمة في كمبوديا في غياب الأطر، بل في الفجوة بين القانون والممارسة؛ فالهياكل القانونية والمؤسسية قائمة إلى حد كبير، لكن ضعف الإنفاذ وغياب المراسيم الفرعية، ولا سيما ما يتعلق بالمياه الجوفية وترخيص المياه، يواصلان الحد من التقدم. وسيتطلب سد هذه الفجوة آليات مساءلة أقوى، وبناء قدرات موجهاً، وتحسين التنسيق عبر القطاعات ومستويات الحكومة، فالتكامل الأفقي والرأسي ضروري لكي تحقق الإصلاحات نتائج على الأرض.
ويلزم توسيع الأدوات القانونية وإنفاذها لمواجهة الضغوط الناشئة؛ فمن شأن استحداث مراسيم فرعية بشأن ترخيص المياه وإدارة المياه الجوفية أن يوفر الأدوات اللازمة لتنظيم توزيع المياه السطحية وتجنب الإفراط في الاستخراج في المناطق الحضرية والزراعية سريعة النمو، بما يعزز الشفافية ويقلل المخاطر على إمدادات المياه ويحسّن النتائج للمدن والأسر الريفية على حد سواء. وبالمثل، يجب تسريع التخطيط على مستوى الأحواض؛ فرغم اعتماد مرسوم فرعي بشأن إدارة أحواض الأنهار عام 2015، لم يُنفذ تنفيذاً كاملاً بعد، ومن شأن وضع خطط لأحواض الأنهار على المستويين الوطني ودون الوطني، بمشاركة شاملة ومتعددة القطاعات، أن يساعد على تفعيل الإدارة المتكاملة وضمان اتساق الحوكمة عبر جميع أبعاد الأمن المائي.
وقد استفاد الإنصاف في الحصول على الخدمات من آليات الدعم المتبادل، التي تقدم دروساً للمنطقة الأوسع؛ فقد نجح مرفق بنوم بنه في تجميع إيرادات المناطق مرتفعة الدخل لتوسيع الخدمات إلى الأحياء الأفقر، إلى جانب إنشاء صندوق اجتماعي، وأسهم هذا النموذج في مكاسب ملموسة في الأمن المائي الريفي والحضري معاً. ويمكن لمواصلة تحسينه وتوسيعه المحتمل إلى مراكز حضرية أخرى أن يساعد على صون تقديم الخدمات مع تقليل الاعتماد على التمويل الخارجي.
ولا يزال ضعف نظم المعلومات قيداً جدياً على فعالية حوكمة المياه، إذ تحد البيانات المجزأة وغير المكتملة من قدرة المؤسسات على التخطيط والرصد والاستجابة للمخاطر. ويمثل إنشاء المركز الوطني لبيانات إدارة الموارد المائية فرصة مهمة لمركزة المعلومات وتحسين تبادل البيانات بين الجهات، ويمكن لهذه المنصة، متى بدأت العمل، أن تعزز الاستجابة للجفاف والتنبؤ بالفيضانات وقرارات التوزيع وحماية النظم البيئية، وسيكون ضمان تحديثها المنتظم وربطها بعمليات صنع القرار حاسماً لنجاحها.
ولا تزال فجوات التمويل تبطئ التقدم؛ فرغم نمو المخصصات الوطنية لقطاع المياه، فإنها تظل أدنى بكثير مما هو مطلوب، ولا سيما على المستويات دون الوطنية حيث تكون الميزانيات المحلية مقيدة للغاية. وقد سد الاعتماد الكبير على المانحين والجهات الخاصة جزءاً من الفجوة، لكنه لم يوفر استقراراً طويل الأمد. ويلزم مزيد من الاستثمار العام، مدعوماً بآليات شفافة قائمة على النتائج لتتبع المخرجات، كما أن توسيع قدرات التمويل المحلي سيقلل الاعتماد على الخارج ويبني قدرة مؤسسية على الصمود.
وتتطلب مخاطر المناخ والكوارث استثمارات إضافية كبيرة؛ فقد طورت كمبوديا استراتيجيات كالخطة الاستراتيجية لتغير المناخ للفترة من 2024 إلى 2033، وتشارك في أطر إقليمية في إطار لجنة نهر الميكونغ، لكن التنفيذ متأخر. وسيكون توسيع الاستثمار في البنية التحتية المائية والجوية، بما يتوافق مع هذه الاستراتيجيات، أساسياً للحد من مخاطر الفيضانات والجفاف وغيرها من الآثار المناخية، كما أن ترسيخ أنظمة رصد لتتبع الأداء وضمان دعم الاستثمارات لأهداف التكيف سيساعد على ترجمة الخطط إلى قدرة ملموسة على الصمود.
وخلاصة القول إن كمبوديا بنت أساساً متيناً من الأطر القانونية والسياساتية، لكنها لا تزال تواجه تحديات في التنفيذ والإنفاذ والتمويل. ومن شأن توسيع المراسيم الفرعية، وتسريع التخطيط على مستوى الأحواض، وتعزيز أنظمة البيانات، وتوسيع الاستثمار، مع البناء على النجاحات كالدعم المتبادل في بنوم بنه، أن يخلق الزخم اللازم لسد فجوة التنفيذ والنهوض بالأمن المائي عبر الأبعاد الخمسة جميعها.
التقييم القُطري لنيبال
الملخص
يقدم تقييم الأمن المائي في نيبال لمحة عامة عن التقدم المحرز بين عامي 2013 و2025، إلى جانب أداء حوكمة المياه من 2017 إلى 2023، مستنداً إلى إطار التقرير والمؤشر 6.5.1 لاستكشاف العلاقة بين الحوكمة والنتائج المائية.
وقد أحرزت نيبال بعض التقدم في توسيع إمدادات المياه والصرف الصحي، ولا سيما في المناطق الريفية، لكن التحديات المنظومية لا تزال تقوض الأمن المائي الإجمالي. فجودة المياه لا تزال رديئة، والبنية التحتية كثيراً ما تكون غير موثوقة، والأنظمة الحضرية تحت ضغط النمو السريع مع محدودية التصريف وشبه انعدام معالجة مياه الصرف. ويظل الاستخدام الاقتصادي للمياه منخفضاً، ولم تحقق البلاد بعد إمكانات مواردها في الري والطاقة الكهرومائية. وتتدهور الأوضاع البيئية بسبب التلوث وضعف الإنفاذ واضطراب التدفقات، وتتزايد المخاطر المرتبطة بالكوارث، بما فيها الفيضانات والانهيارات الأرضية وفيضانات انفجار البحيرات الجليدية، وكثيراً ما تتجاوز قدرة الاستجابة المحلية.
وتعود جذور هذه التحديات إلى فجوات مستمرة في الحوكمة؛ فقد أوجد انتقال نيبال إلى النظام الاتحادي ولايات متداخلة وأدواراً غير واضحة عبر مستويات الحكومة. ولا يزال تنفيذ الإدارة المتكاملة للموارد المائية محدوداً، إذ جاءت درجة عام 2023 أدنى بكثير من المتوسط الإقليمي. وتعمل معظم الجهات المعنية بالمياه في جزر منعزلة، والتنسيق ظرفي، وتقتصر مشاركة أصحاب المصلحة على تقديم الخدمات مع فرص قليلة للإسهام الحقيقي في التخطيط أو السياسات. وقد تراجعت مخصصات الميزانية للمياه بالقيمة الحقيقية، ولا تزال أدوات التمويل لاسترداد التكاليف أو الاستثمار غير مكتملة النمو.
وتحسنت البيئة التمكينية في نيبال بفضل سياسات ومعايير جديدة مرتبطة بالمياه، وإن ظل الإنفاذ تحدياً، كما بدأت جهود التخطيط على مستوى الأحواض. غير أن التنفيذ متأخر، ولا تزال الإصلاحات القانونية، ولا سيما إقرار مشروع قانون الموارد المائية، متعثرة. وستحدد قدرة البلاد على الانتقال من التخطيط إلى العمل نتائج الأمن المائي مستقبلاً.
ومع حوكمة أقوى، يمكن لنيبال أن تحول وفرة مياهها إلى أساس للقدرة على الصمود والتنمية. ويتطلب ذلك توضيح الأدوار المؤسسية، وتمكين الحكومات المحلية، وتحسين التنسيق، كما يُعد بناء القدرات والدعم الفني لجمعيات مستخدمي المياه والجهات دون الوطنية أمرين أساسيين. وسيساعد التخطيط على مستوى الأحواض وصنع القرار عبر القطاعات على معالجة التقلب الموسمي والمطالب المتنافسة، وستحسّن الممارسات المستدامة، بما فيها الحلول القائمة على الطبيعة ومكافحة التلوث، القدرة على الصمود البيئي وأمام الكوارث. كما تلزم مقاربات تمويل حديثة، تشمل استرداد التكاليف والسندات الخضراء والشراكات بين القطاعين العام والخاص، لصون التقدم.
وتوفر خطة عمل الإدارة المتكاملة للموارد المائية في نيبال وبرنامج القيادة العالمية للمياه مساراً للمضي قدماً، ومع الالتزام السياسي والدعم الموجه، يمكن لهذه الإصلاحات أن تعزز حوكمة المياه وتطلق التقدم عبر أبعاد الأمن المائي الخمسة جميعها.
مراجعة درجة الأمن المائي في نيبال
تزخر نيبال بالموارد المائية، إذ يُقدَّر حجم المياه السطحية المتاحة سنوياً بنحو 225 مليار متر مكعب. وتنبع أنهار رئيسية كغانداكي وكارنالي وكوشي من جبال الهيمالايا وتسهم إسهاماً كبيراً في منظومة نهر الغانج، وتحمل هذه الأنهار العابرة للحدود أهمية جيوسياسية بالنسبة إلى الهند وبنغلاديش. وتتوفر المياه الجوفية في الوديان ومنطقة تيراي، وتُقدَّر أحجامها المتجددة سنوياً بما يتراوح بين 8.8 و14.3 مليار متر مكعب.
ورغم هذه الوفرة الطبيعية، يظل الأمن المائي تحدياً، إذ يفرض تغير المناخ والتلوث وتزايد التحضر وقصور البنية التحتية جميعها ضغوطاً على أنظمة المياه. فذوبان الأنهار الجليدية يتسارع، مما يزيد خطر فيضانات انفجار البحيرات الجليدية، وأصبحت أنماط الرياح الموسمية أكثر اضطراباً، مما يؤدي إلى فيضانات وانهيارات أرضية متكررة. وفي المناطق الحضرية، تعاني أنهار كباغماتي من تلوث شديد بمياه الصرف غير المعالجة والنفايات الصناعية، كما استنزف الضخ المفرط في وادي كاتماندو طبقات المياه الجوفية وجفف الينابيع التقليدية. وفي التلال والجبال، تراجعت ينابيع كثيرة أو اختفت.
وفي منطقة تيراي، تُستغل طبقات المياه الجوفية الضحلة استغلالاً مفرطاً، مما يؤدي إلى نقص موسمي في المياه، ويلوث الزرنيخ الموجود طبيعياً في الرواسب الغرينية المياه الجوفية في بعض المناطق، مشكلاً مخاطر صحية جسيمة. ولا يحصل على أنظمة مياه شرب تعمل بكامل طاقتها سوى نحو 25% من السكان، ولهذه الضغوط آثار مباشرة عبر أبعاد الأمن المائي الرئيسية الخمسة جميعها.
فقد تحسن الأمن المائي للأسر الريفية من 4.8 عام 2013 إلى 10.3 عام 2025، إذ يستخدم الآن أكثر من 91% من الأسر الريفية مصادر منقولة بالأنابيب أو محمية، لكن نصفها تقريباً يواجه التلوث. وكثيراً ما تتعطل البنية التحتية، ولا يزال الصرف الصحي يمثل تحدياً، إذ كثيراً ما تلوث النفايات المياه الجوفية والأنهار. وآليات استرداد التكاليف ضعيفة، فمعظم الأنظمة تفرض رسوماً ثابتة لكل صنبور دون تسعير حجمي، ولا يُخصص سوى قدر ضئيل من الأموال للصيانة. ومع ذلك، يُرجح أن يكون التقدم الأخير في الصرف الصحي والنظافة الصحية، بدعم من الوعي الذي أعقب جائحة كورونا، قد أسهم في تحسن درجة هذا البعد.
وارتفع الأمن المائي الاقتصادي ارتفاعاً طفيفاً من 10.1 عام 2013 إلى 10.5 عام 2025، إذ لا يزال الاستخدام السنوي للمياه أقل من 8% رغم الفرص الكبيرة في الطاقة الكهرومائية والري. ويتوزع توافر المياه على نحو غير متكافئ على مدار العام، متركزاً في موسم الرياح الموسمية. وتغطي البنية التحتية للري 1.53 مليون هكتار، لكن ثلث هذه المساحة فقط يتلقى إمدادات موثوقة على مدار العام، ولا تزال إنتاجية المحاصيل وكثافتها منخفضتين. وقد ازدادت قدرة الطاقة الكهرومائية في السنوات الأخيرة لتبلغ 2,765 ميغاواط عام 2024.
وارتفع الأمن المائي الحضري ارتفاعاً متواضعاً من 8.3 عام 2013 إلى 11.7 عام 2025، لكنه لا يزال تحت ضغط التحضر السريع والتنمية غير المخططة. فسكان المدن يتزايدون بأكثر من 4.5% سنوياً، وفي مدن ككاتماندو تُوفر المياه على نحو متقطع لمدة ثلاث إلى أربع ساعات فقط كل يومين. وخلال الفيضانات، يؤدي إيقاف نظام ميلامتشي إلى خفض الإمدادات إلى نحو 30% من المستويات العادية، تاركاً أسراً كثيرة معتمدة على التخزين أو الترشيح أو المياه المعبأة باهظة التكلفة. ولا تزال أنظمة التصريف قاصرة، مما يؤدي إلى فيضانات حضرية متكررة، بينما تكاد معالجة مياه الصرف تكون منعدمة، إذ لا يُعالج سوى 2.1% من مياه الصرف وأقل من 1% من الحمأة البرازية، وتواصل المصارف المكشوفة والشبكات المسدودة تشكيل مخاطر صحية كبيرة. وقد عززت تحسينات تشغيل المرافق عبر شركة مياه وادي كاتماندو قدرات تقديم الخدمات، ويدعم التقدم نحو الامتثال التنظيمي لجنة تحديد تعرفة إمدادات المياه والصرف الصحي، التي تتولى الإشراف على تحديد التعرفة ومعايير التشغيل.
وتحسن الأمن المائي البيئي تحسناً طفيفاً من 12.9 عام 2013 إلى 13.7 عام 2025، لكنه لا يزال تحت ضغط متزايد؛ فقد أدى بناء محطات الطاقة الكهرومائية والتحويلات وضعف الحوكمة إلى تقليل التدفقات البيئية وتدهور مستجمعات المياه، وألحق التلوث الحضري وتغير استخدامات الأراضي واستخراج مواد قيعان الأنهار أضراراً بالنظم البيئية المائية. وظل مؤشر حالة مستجمعات المياه مستقراً عموماً، مع تدهور موضعي في مناطق كمستجمع روشي خولا، حيث تسببت فيضانات عام 2024 في أضرار كبيرة. وجاء أداء مؤشر الحوكمة البيئية أفضل، مما يعكس انتشار الحماية البرية في المناطق الريفية، ومع ذلك تظل معالجة مياه الصرف محدودة.
وتحسن الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه تحسناً متواضعاً بين عامي 2013 و2025، من 11.8 إلى 13.0، مما يعكس تقدماً تدريجياً في القدرة على الصمود أمام الكوارث. وقد أسهمت السياسة الوطنية لإدارة الكوارث لعام 2023 وتوسيع أنظمة الإنذار المبكر في هذه المكاسب، غير أن لوائح تقسيم المناطق وإنفاذها لا تزال ضعيفة، والتنسيق بين مؤسسات المياه والكوارث محدود. وسيتطلب مزيد التحسن تخطيطاً أكثر تكاملاً عبر إطار الإدارة المتكاملة للموارد المائية ومشاركة أقوى لأصحاب المصلحة.
حالة حوكمة المياه في نيبال
لا يزال تنفيذ الإدارة المتكاملة للموارد المائية في نيبال في مراحله الأولى، ففي عام 2023 بلغت درجة المؤشر 6.5.1 نحو 37 من مئة، وهي أدنى بكثير من متوسط آسيا الوسطى والجنوبية البالغ 55، بينما تبلغ الغاية العالمية لعام 2030 نحو 91، ومن دون إصلاح أسرع يُستبعد أن تبلغ نيبال هذا المعيار.
وقد أوجد الهيكل الاتحادي الذي اعتمدته البلاد عام 2015 سبع حكومات إقليمية و753 حكومة محلية، تتقاسم هذه المستويات ولايات متداخلة بشأن المياه، مما أدى إلى الالتباس والفجوات والازدواجية. ولا تزال حوكمة المياه قطاعية، مع ضعف التنسيق بين المؤسسات ومحدودية مشاركة أصحاب المصلحة.
ففي البيئة التمكينية، يكفل دستور نيبال الحق في بيئة نظيفة وصحية، ويلزم الدولة بإدارة الموارد المائية للاستخدامات المتعددة والطاقة والري والحد من الكوارث، غير أن الأطر القانونية لا تزال تحاول اللحاق بهذه الرؤية. فقانون الموارد المائية لعام 1992 يظل الأداة القانونية الرئيسية رغم تقادمه، ويخضع مشروع قانون جديد للموارد المائية للمراجعة البرلمانية، من شأنه، إذا أُقر وطُبق، أن يجعل الإدارة المتكاملة إلزامية، ويحدد الأدوار عبر مستويات الحكومة، وينشئ مكاتب للأحواض، كما يتضمن لوائح صارمة لاستخراج المياه ومكافحة التلوث ورصد المياه الجوفية والتدفقات البيئية. وإلى أن يصبح هذا المشروع قانوناً، تظل سياسات دون وطنية كثيرة متعثرة لغياب التوجيه الاتحادي.
وفي المؤسسات والمشاركة، توجد جهات كثيرة معنية بالمياه على المستويين الاتحادي والإقليمي، لكن لا توجد جهة رائدة واحدة تنسق الإدارة المتكاملة. فالتعاون بين الجهات ضعيف، والتنسيق الرأسي عبر مستويات الحكومة محدود، والتواصل ظرفي وكثيراً ما يقتصر على مشروعات بعينها. وتتوزع مسؤوليات المياه على وزارات متعددة، إذ تتولى وزارة الطاقة والموارد المائية والري وأمانة لجنة المياه والطاقة القيادة على المستوى الاتحادي، بينما تضطلع وزارات أخرى، منها المعنية بالزراعة وإمدادات المياه والبيئة والتنمية الحضرية والتخطيط، بأدوار متداخلة.
والمشاركة في تنفيذ المشروعات أقوى منها في السياسات أو التخطيط؛ فانخراط المجتمعات مرتفع في إمدادات المياه الريفية والري، لكن صنع السياسات الوطنية لا يزال يسير من الأعلى إلى الأسفل، وعادة ما يُموَّل تحديد أصحاب المصلحة وإشراكهم عبر مشروعات فردية بدلاً من ترسيخه في أنظمة الحوكمة المعتادة.
وقد تراجع الأداء المؤسسي، إذ انخفضت درجة المؤسسات والمشاركة من 51 عام 2020 إلى 40 عام 2023. ومن أبرز الانتكاسات التأخر في تشكيل منظمات أحواض الأنهار، وحل مجلس تنمية موارد المياه الجوفية، واستمرار الالتباس بشأن المسؤوليات عبر مستويات الحكومة.
وفي أدوات الإدارة، تتحسن أدوات إدارة المياه في نيبال ببطء، إذ ارتفعت درجة هذا البعد من 36 عام 2020 إلى 41 عام 2023. وقد وضعت أمانة لجنة المياه والطاقة خططاً عدة لأحواض الأنهار، وإن ظل تنفيذها محدوداً، ولا تزال أدوات كالتدقيق المائي ونماذج التخطيط المتكامل غير مكتملة النمو.
وتحسن جمع البيانات الهيدرولوجية والجوية لكن تغطيته متناثرة؛ إذ تشغّل إدارة الهيدرولوجيا والأرصاد الجوية أكثر من 150 محطة هيدرولوجية و330 محطة لقياس الهطول و68 محطة مناخية، غير أن أنهاراً موسمية ومستجمعات كثيرة لا تزال دون رصد. ولا يزال رصد المياه الجوفية يدوياً في معظمه، ولم تُعمم بعد التجارب الحديثة التي تستخدم أنظمة آلية.
وتلقى رصد جودة المياه دفعة بفضل معايير عامي 2022 و2023، لكن الإنفاذ لا يزال ضعيفاً، ونادراً ما تُتخذ إجراءات تنظيمية بحق الملوثين. كما تفتقر البلاد إلى البيانات الاجتماعية والاقتصادية وتقييمات المخاطر، مما يصعّب استهداف التدخلات أو تقييم المفاضلات بين استخدامات المياه.
وتقتصر جهود تعزيز كفاءة استخدام المياه في الغالب على مشروعات صغيرة، إذ تستخدم بعض مخططات الري أساليب التناوب أو أنظمة التنقيط، وتجري مشروعات لحصاد مياه الأمطار وتغذية المياه الجوفية في أجزاء من البلاد، لكنها تفتقر إلى الدعم أو التمويل الواسع.
وفي التمويل، يمثل تمويل حوكمة المياه والإدارة المتكاملة قيداً رئيسياً، إذ انخفضت درجة هذا المكون من 32 عام 2020 إلى 30 عام 2023. ولا تمتلك نيبال آلية تمويل مخصصة للإدارة المتكاملة، بل تُمول المشروعات ذات الصلة عبر الاستثمار العام أو منح المانحين، ومعظم البنية التحتية المائية ممولة من القطاع العام، باستثناء رئيسي هو الطاقة الكهرومائية، حيث يجمع بعض المنتجين المستقلين رأس مال خاصاً. ولا تُفرض رسوم على المستخدمين مقابل سحب مياه الري أو الشرب، وتحصيل رسوم خدمات الري ضعيف ولا يغطي تكاليف التشغيل. ويُدمج الصرف الصحي والتصريف في تعرفة المياه حيثما توجد خدمات بالأنابيب، وتُرخص الاستخدامات الترفيهية للمياه، لكن رسوم التلوث غير مطبقة. ولم تُستخدم بعد رسوم إضافية على المنتجات البترولية، فُرضت في الأصل لتمويل مشروع بودي غانداكي للطاقة الكهرومائية، في تمويل البنية التحتية المائية.
وإجمالاً، تراجع الاستثمار في المياه بالقيمة الحقيقية، ومخصصات الميزانية غير كافية لاستدامة العمليات، ولا سيما لمقدمي الخدمات المحليين، وبينما ازداد الإنفاق على التعليم والصحة، لم يواكبه الإنفاق على المياه.
العلاقة بين تقدم الأمن المائي وحوكمة المياه في نيبال
تُظهر اتجاهات الأمن المائي والحوكمة في نيبال نمطاً تدريجياً ومتفاوتاً من التقدم؛ فقد تحسنت درجات الأبعاد الريفية والاقتصادية والحضرية تحسناً طفيفاً بين عامي 2013 و2025، بينما ظلت المكاسب البيئية محدودة وتراجع الأمن من الكوارث. وخلال الفترة ذاتها، ظلت درجات المؤشر 6.5.1 منخفضة، فلم ترتفع إلا هامشياً في معظم الأبعاد وتراجعت في غيرها. ويستكشف هذا القسم كيف تواصل فجوات حوكمة المياه تقييد تحسينات الأمن المائي.
فالهيكل المشتت للحوكمة عقبة رئيسية، إذ تجعل الولايات المتداخلة بين الحكومات الاتحادية والإقليمية والمحلية تقديم الخدمات غير متسق، ويضعف غياب التنسيق مكافحة التلوث والاستعداد للكوارث وصيانة البنية التحتية. وتشير هذه التحديات إلى أهمية الوضوح القانوني والمؤسسات القوية والتخطيط المنسق، وهي عناصر جوهرية للإدارة المتكاملة لا تزال نيبال تعمل على تطويرها.
ويمكن لتحسين تنفيذ الإدارة المتكاملة أن يدعم إدارة مائية أكثر تكاملاً وكفاءة وشمولاً، إذ يقدم التخطيط على مستوى الأحواض والنماذج التشاركية مساراً واضحاً للمضي قدماً، ولا سيما إذا حُددت الأدوار والمسؤوليات وأُمّن التمويل. ويوفر التقدم السياساتي في نيبال أساساً، لكن الإنفاذ والتنسيق والتمويل لا تزال ضعيفة.
ويبدو أن البيئة التمكينية وأدوات الإدارة تدعمان التحسينات في البعدين الأول والثالث، إذ يُرجح أن الإصلاحات القانونية والسياساتية أسهمت في توسيع إمدادات المياه الريفية وخدمات النظافة الصحية، وفي مكاسب متواضعة في الصرف الصحي الحضري، غير أن هذه التحسينات تظل هشة من دون قدرات مؤسسية وتمويل.
ويقدم البعد الثاني صورة متباينة؛ فقد تحسن الأمن المائي الاقتصادي تحسناً طفيفاً رغم تراجع بعدي المؤسسات والمشاركة والتمويل في الإدارة المتكاملة، وقد يعكس ذلك الأثر الإيجابي للأدوات القانونية والتخطيطية، ولا سيما في تطوير الطاقة الكهرومائية. ومع صنع قرار أكثر استنارة، يمكن لنيبال إدارة المفاضلات بين القطاعات وزيادة العوائد الاقتصادية المرتبطة بالمياه.
ويظل البعد الرابع دون تغيير يُذكر رغم الارتفاع في البيئة التمكينية وأدوات الإدارة، وأحد التفسيرات أن التحسينات الأخيرة لم تُنفذ بعد على نطاق واسع بما يكفي للتأثير في النتائج البيئية، كما قد يحد تراجع المشاركة والتمويل من الأثر، مما يشير إلى أن الأمن المائي البيئي يتطلب إنفاذاً أقوى واستثماراً أكبر معاً لتصبح المكاسب ملموسة.
وتحسن البعد الخامس بفضل سياسات إدارة الكوارث كالسياسة الوطنية لإدارة الكوارث لعام 2023، وتوسعت أنظمة الإنذار المبكر، لكن لوائح تقسيم المناطق وإنفاذها لا تزال ضعيفة، والتنسيق بين مؤسسات الكوارث والمياه محدود. وسيتطلب مزيد التحسن في هذا البعد مشاركة أوسع وتخطيطاً أكثر تكاملاً عبر إطار الإدارة المتكاملة.
وخلاصة القول إن تجربة نيبال تبين أن تحسين حوكمة المياه قادر على تحسين الأمن المائي، لكن بشرط أن يتحقق التقدم عبر ركائز الحوكمة الأربع جميعها: البيئة التمكينية، والمؤسسات والمشاركة، وأدوات الإدارة، والتمويل. ومن دون قيادة أقوى وولايات أوضح وتمويل أكثر انتظاماً، قد تظل مكاسب الأمن المائي المستقبلية محدودة.
النتائج والتوصيات
تواجه نيبال مفارقة الوفرة والشح؛ فرغم غزارة مواردها المائية، تعاني البلاد من النقص والفيضانات معاً، إذ تحد فجوات البنية التحتية وتشتت الحوكمة والضغوط المناخية من الحصول الموثوق والمنصف على المياه. وقد تحسنت خدمات المياه والصرف الصحي، ولا سيما في المناطق الريفية، لكن جودة المياه والتقلب الموسمي ومخاطر الكوارث تظل مخاوف مستمرة.
ولا تزال الحوكمة الضعيفة وغير الواضحة تعوق التقدم؛ فكثيراً ما تتقاسم الجهات الاتحادية والإقليمية والمحلية أدواراً متداخلة، تاركة القيادة غير محددة. وتوجد جهات كثيرة على المستويين الاتحادي والإقليمي، لكن لا توجد مؤسسة رائدة واحدة تنسق الإدارة المتكاملة، إذ تتوزع المسؤوليات على وزارات تشمل الطاقة والزراعة وإمدادات المياه والبيئة والتنمية الحضرية والتخطيط، مما يحد من التنسيق الأفقي والرأسي معاً. وتتولى وزارة الطاقة والموارد المائية والري وأمانة لجنة المياه والطاقة القيادة اسمياً على المستوى الاتحادي، لكن التعاون مع الجهات الأخرى يظل ضعيفاً. كما تراجع الأداء المؤسسي في السنوات الأخيرة، مع التأخر في تشكيل منظمات أحواض الأنهار، وحل مجلس تنمية موارد المياه الجوفية، واستمرار عدم اليقين بشأن الأدوار والولايات. وقد وفرت لجنة تحديد التعرفة قدراً من الإشراف التنظيمي، لكن أثرها يظل محدوداً في غياب آليات أقوى للتنسيق والإنفاذ. وتقوض هذه الفجوات الإنفاذ، وتضعف المساءلة، وتحول دون إدارة متسقة للاستخراج والتلوث والتدفقات البيئية، ومن شأن تعزيز الوضوح المؤسسي ومنح الحكومات المحلية مزيداً من السلطة أن يحسّن التنسيق والاستجابة وتقديم الخدمات عبر أبعاد الأمن المائي الخمسة جميعها.
ولا يزال تنفيذ الإدارة المتكاملة محدوداً؛ فالدعم السياسي للمياه غير منتظم، ولا يحظى القطاع بعد بالاهتمام السياساتي ذاته الذي تحظى به مجالات البنية التحتية الأخرى. وتوفر خطة عمل الإدارة المتكاملة لعام 2022 إطاراً قوياً، لكن أثرها سيتوقف على توضيح الولايات، وتعزيز الإنفاذ، ومواءمة الأدوات القانونية والمالية مع أهداف الأمن المائي. ويتطلب بناء الزخم قدرات أكبر على المستويين المحلي والإقليمي، حيث تحتاج جمعيات مستخدمي المياه والجهات الحكومية إلى التدريب والتمويل وأنظمة الرصد لتحسين أدائها. ورغم انخراط بعض المجتمعات في الري وإمدادات المياه الريفية، نادراً ما تُشرك في التخطيط طويل الأمد، ويلزم توفير بيانات موثوقة وأدوات ميسرة لتمكين مشاركة حقيقية في صنع القرار. ومن شأن توسيع المشاركة ضمن عملية الإدارة المتكاملة أن يعزز الحوكمة ويحسّن قدرة أنظمة المياه على الصمود أمام الصدمات المناخية.
ويضيف التقلب الموسمي والإقليمي إلى التحدي؛ فالأمطار الموسمية تجلب تدفقات غزيرة ومخاطر فيضانات، بينما تترك أشهر الشتاء الإمدادات شحيحة. وتنطوي البنية التحتية اللازمة لاحتجاز المياه وتنظيمها، كالتخزين ونقل المياه بين الأحواض، على مخاطر هندسية وبيئية واجتماعية، ويُعد التخطيط على مستوى الأحواض بأكملها، ونمذجة السيناريوهات، والتنسيق عبر القطاعات أموراً أساسية للموازنة بين هذه المفاضلات، والحد من النزاعات، وتأمين احتياجات النظم البيئية.
ويقوض ضعف أداء البنية التحتية الأمن المائي؛ فأنظمة الري والإمداد تتعطل كثيراً، ومعالجة مياه الصرف تكاد تكون منعدمة في المناطق الحضرية، وتطوير الطاقة الكهرومائية لا يزال دون إمكاناته، مما يفرض استيراد الكهرباء. وتفتقر الأنظمة إلى البدائل الاحتياطية وتظل هشة أمام الصدمات. والتمويل المستدام حاسم لعكس هذه الاتجاهات، إذ يمكن لآليات حديثة كالسندات الخضراء وضرائب التلوث والشراكات بين القطاعين العام والخاص أن تزيد الاستثمار في البنية التحتية الصامدة، كما ستعزز هياكل التعرفة التي توازن بين استرداد التكاليف وشمول المستخدمين منخفضي الدخل الاستدامة المالية.
ويتفاقم التدهور البيئي؛ فالتلوث وإزالة الغابات والتعدي على الأنهار تهدد التنوع البيولوجي وخدمات النظم البيئية، ونادراً ما تُنفذ التدفقات البيئية الإلزامية، ولا يواجه معظم الملوثين أي عواقب. ويزيد تغير المناخ هذه الضغوط حدة بزيادة الفيضانات والجفاف والانهيارات الأرضية، وسيكون تقسيم استخدامات الأراضي، ورسم خرائط مخاطر الفيضانات، ومكافحة التلوث، والحلول القائمة على الطبيعة أموراً أساسية لحماية النظم البيئية، والحد من مخاطر الكوارث، وتعزيز قدرة تخزين المياه.
وتتراجع الينابيع واحتياطيات المياه الجوفية، مما يهدد الأمن المائي الريفي؛ فالمجتمعات المعتمدة على هذه المصادر تواجه نقصاً متفاقماً، واضطرت بعض الأسر إلى الانتقال بسبب تعطل الأنظمة المحلية، وتهدد هذه الخسائر سبل العيش والتراث الثقافي والاستقرار الاجتماعي. وتتطلب معالجة نضوب الينابيع إدارة متكاملة لمستجمعات المياه، وإعادة التشجير، وحماية مناطق التغذية.
وخلاصة القول إن وفرة المياه في نيبال يمكن أن تصبح مصدراً للقدرة على الصمود والنمو إذا عولجت فجوات الحوكمة والتمويل. ومن شأن تعزيز المؤسسات، وتوضيح الأدوار، وتمكين الحكومات المحلية، وتحديث التمويل، وترسيخ الإدارة المتكاملة في التخطيط على مستوى الأحواض أن يتيح لنيبال إدارة التقلبات، وصون النظم البيئية، وبناء أمن مائي شامل للمستقبل.
التقييم القُطري لباكستان
الملخص
يقدم تقييم الأمن المائي في باكستان لمحة عامة عن التقدم المحرز بين عامي 2013 و2025، إلى جانب أداء حوكمة المياه من 2017 إلى 2023، مستنداً إلى إطار التقرير والمؤشر 6.5.1 لاستكشاف العلاقة بين الحوكمة والنتائج المائية.
ولا يزال الأمن المائي للأسر الريفية في باكستان تحت الضغط بسبب نماذج الخدمة غير الفعالة، ومحدودية المراقبة، واستمرار التلوث، وإن لوحظت تحسينات في النظافة الصحية والنتائج الصحية. ويتقيد الأمن المائي الاقتصادي بتراجع نصيب الفرد من المياه، وعدم كفاية التخزين، والاعتماد الكبير على موارد مياه جوفية ضعيفة الرصد في النشاط الصناعي. ولم يُظهر الأمن المائي الحضري سوى مكاسب متواضعة، إذ يُجهد تزايد الطلب ومياه الصرف غير المعالجة والفيضانات الحضرية البنية التحتية وتقديم الخدمات. وتراجع الأمن المائي البيئي تراجعاً طفيفاً، مع استمرار النمو السكاني السريع والنشاط الصناعي ومياه الصرف غير المعالجة في تدهور النظم البيئية المائية. أما الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه فقد انخفض في الجزء الأول من الفترة وظل راكداً، إذ شهدت باكستان فيضانات وموجات جفاف كبرى، بما فيها فيضانات انفجار البحيرات الجليدية.
وإجمالاً، تحسنت الدرجة الوطنية للأمن المائي في باكستان تحسناً متوسطاً بين عامي 2013 و2025 بمقدار 6.4 نقاط. وفي الوقت ذاته، ارتفع أداء حوكمة المياه، مقيساً بالمؤشر 6.5.1، من 50% عام 2017 إلى 63% عام 2023. ويعكس هذا التقدم أساساً قانونياً وسياساتياً متيناً يتوافق مع مبادئ الإدارة المتكاملة للموارد المائية، لكن التنفيذ لا يزال ضعيفاً؛ إذ يواصل التشتت المؤسسي ومحدودية التنسيق وتدني القدرات الفنية ونقص الاستثمار تقييد التقدم، ولا سيما في ضوء تزايد الضغوط السكانية والمخاطر المناخية وأوجه القصور المنظومية في إدارة المياه.
وترتبط حوكمة المياه ونتائج الأمن المائي ارتباطاً وثيقاً؛ فالسياسة الوطنية للمياه وغيرها من الأطر تدعم الإدارة المتكاملة، لكن الفجوة بين التخطيط والتنفيذ حدّت من الأثر. والجهود جارية لتحسين الإنصاف والمشاركة والقدرة على الصمود، لكنها تتطلب تكاملاً أقوى عبر القطاعات ومستويات الحكومة، ومن دون حوكمة أكثر تنسيقاً وأفضل تمويلاً، ستظل مكاسب الأمن المائي متفاوتة ويصعب صونها.
ولتحسين الأمن المائي، يوصي هذا الفصل بتعزيز التنسيق المؤسسي في إطار المجلس الوطني للمياه، واعتماد التسعير الحجمي لتشجيع الكفاءة والاستثمار، وترسيخ اعتبارات النوع الاجتماعي والإنصاف والإدماج الاجتماعي في صنع القرار، وإنشاء هيئة مستقلة لجودة المياه، وتوسيع التنظيم البيئي وحماية النظم البيئية. وستساعد هذه الخطوات على تحقيق ما يعد به الأساس السياساتي القائم، وتدعم تنفيذ استراتيجية الشراكة القُطرية لبنك التنمية الآسيوي مع باكستان للفترة من 2026 إلى 2030.
مراجعة درجة الأمن المائي في باكستان
تواجه باكستان ضغطاً متزايداً على مواردها المائية بسبب النمو السكاني السريع وتغير المناخ وسوء إدارة المياه. فقد انخفض نصيب الفرد من المياه المتاحة من 3,500 متر مكعب عام 1972 إلى 1,100 متر مكعب فقط عام 2020، ويفتقر أكثر من 80% من السكان إلى مياه الشرب الآمنة، مما يسهم في انتشار الأمراض المنقولة بالمياه. وأدى الإفراط في استخدام المياه الجوفية في الزراعة إلى استنزافها وتلوثها بالزرنيخ. وتضيف المخاطر المرتبطة بالمناخ، كاضطراب الرياح الموسمية وذوبان الأنهار الجليدية والفيضانات، مزيداً من الضغط، إذ شردت فيضانات عام 2022 الملايين. وفي الوقت ذاته، تواصل السيطرة على المياه في المنبع وتحديات البنية التحتية تهديد منظومة نهر السند، شريان الحياة في باكستان.
وتحسن الأمن المائي للأسر الريفية من 4.1 عام 2013 إلى 7.6 عام 2025، لكن الحصول على الخدمات الأساسية لا يزال منخفضاً. وتركزت المكاسب أساساً في النظافة الصحية والنتائج الصحية، بدعم من برامج موجهة للمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، وربما عززتها حملات غسل اليدين خلال جائحة كورونا. غير أن نماذج إمداد المياه الريفية لا تزال غير فعالة، والمراقبة محدودة، والتلوث الميكروبيولوجي والجيولوجي واسع الانتشار، ولم تواكب السياسات تزايد الطلب الريفي.
وظل الأمن المائي الاقتصادي دون تغيير يُذكر، إذ ارتفع ارتفاعاً طفيفاً من 9.1 عام 2013 إلى 10.0 عام 2025. فرغم بعض التقدم في القدرة الاقتصادية الأوسع على الصمود، قابل شح المياه وعدم كفاءة الأنظمة هذه المكاسب، وتواجه قطاعات الزراعة والصناعة والطاقة جميعها قيوداً مرتبطة بالمياه. ويعتمد استخدام المياه الصناعية بالكامل تقريباً على المياه الجوفية، بينما تقلل فجوات البنية التحتية ورداءة جودة المياه السطحية من الموثوقية، وتضاعف محدودية قدرة التخزين وتقادم ممارسات الري الإجهاد المائي، تاركة المستخدمين الاقتصاديين للمياه عرضة للجفاف والإفراط في الاستخراج معاً.
وأظهر الأمن المائي الحضري مكاسب أقوى، إذ ارتفع من 7.5 عام 2013 إلى 9.2 عام 2025، وتحسن الحصول على الخدمات ببطء، ولا تزال المرافق الحضرية تحت ضغط زيادة سنوية في الطلب تبلغ 10%. ويلزم التصدي المستمر للمشكلات الكامنة، كضعف البنية التحتية وانخفاض التعرفة وضعف استرداد التكاليف، كما تواصل مياه الصرف غير المعالجة والفيضانات الحضرية المتكررة التأثير في الصحة وتقديم الخدمات. ورغم استقرار الجودة البيئية في المدن، تظل القدرة على الصمود محدودة، ولا سيما في المستوطنات منخفضة الدخل.
وتحسن الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه تحسناً طفيفاً بين عامي 2013 و2025، من 10.8 إلى 11.5، متجاوزاً إلى مرحلة أعلى من مراحل الأمن المائي. ويأتي هذا المكسب المتواضع رغم أحداث جسيمة كفيضانات عام 2022، التي طالت أكثر من 24 مليون شخص وكشفت عن فجوات حرجة في القدرة على الصمود. وقد تعززت أنظمة الإنذار المبكر، لكن الاستثمار في البنية التحتية التكيفية والحد المحلي من المخاطر لا يزال غير كافٍ، وتواصل موجات الجفاف المطولة تهديد الأمن الغذائي، ولا سيما لصغار المزارعين.
وتراجع الأمن المائي البيئي تراجعاً طفيفاً من 9.6 عام 2013 إلى 9.2 عام 2025، إذ يعرّض النمو السكاني والتوسع الحضري ومياه الصرف غير المعالجة النظمَ البيئية للمياه العذبة للخطر. ورغم تعزز الأطر القانونية، لا يزال الإنفاذ ضعيفاً، وتواجه النظم البيئية المائية، بما فيها نهر السند والأراضي الرطبة والمناطق البحرية، تدهوراً متزايداً بسبب التلوث وتراجع التدفقات البيئية، وتعوق الفجوات المؤسسية وضعف التنسيق جهود استعادة هذه النظم أو حمايتها.
حالة حوكمة المياه في باكستان
أحرزت باكستان تقدماً في إضفاء الطابع الرسمي على إطار حوكمة المياه، لكن التنفيذ لا يزال متفاوتاً. فقد تحسنت درجتها في المؤشر 6.5.1 من 50% عام 2017 إلى 63% عام 2023، مما يعكس مستوى تقدم متوسطاً إلى مرتفع، غير أن الأبعاد الأربعة للإدارة المتكاملة جميعها تواجه تحديات مستمرة.
ففي البيئة التمكينية، تتمتع باكستان ببيئة قوية قانونياً لكنها ضعيفة تشغيلياً؛ إذ تشجع السياسة الوطنية للمياه لعام 2018 التخطيط على مستوى الأحواض والحصول المنصف على المياه والقدرة على الصمود المناخي، ومن السياسات ذات الصلة الأخرى السياسة الوطنية لتغير المناخ لعام 2021 والسياسة الوطنية للصرف الصحي لعام 2006. ورغم توافق هذه الأطر مع مبادئ الإدارة المتكاملة، نادراً ما تُنفذ تنفيذاً كاملاً لغياب المبادئ التوجيهية التشغيلية والوضوح، كما تحد العزلة القطاعية والولايات المتداخلة من التنسيق عبر قطاعات المياه والمناخ والكوارث والتنمية الحضرية، ومن دون تخطيط متكامل تظل إمكانات هذه السياسات غير مستثمرة.
وفي المؤسسات والمشاركة، يقوض التشتت المؤسسي فعالية حوكمة المياه؛ فعلى المستوى الاتحادي، تتوزع المسؤوليات على جهات متعددة، منها وزارة الموارد المائية، ووزارة تغير المناخ، وهيئة منظومة نهر السند، والمجلس الباكستاني لأبحاث الموارد المائية، والهيئة الوطنية لإدارة الكوارث. وعلى مستوى الأقاليم، تتولى التنفيذ إدارات الري وهيئات المياه والصرف الصحي ووكالات حماية البيئة. غير أن التنسيق ضعيف، ولا يزال المجلس الوطني للمياه غير مستغل بالقدر الكافي، مما أدى إلى الازدواجية وعدم الكفاءة والفجوات في تقديم الخدمات. ورغم تزايد مشاركة شركاء التنمية ومجموعات المجتمع المدني، لا تزال المجتمعات المحلية والنساء والفئات المهمشة ممثلة تمثيلاً ناقصاً في صنع القرار، وتفتقر إلى القدرات الفنية اللازمة للتأثير في التخطيط.
وفي أدوات الإدارة، استحدثت باكستان طائفة من أدوات الإدارة، لكن استخدامها مجزأ وغير متسق. فالخطط الوطنية الرئيسية، كرؤية 2025 والسياسة الوطنية للمياه ومبادرة عقد السدود، تهدف إلى توسيع التخزين وتحسين الكفاءة الزراعية وتشجيع التخطيط على مستوى الأحواض، كما توجد أدوات رصد وأنظمة إنذار مبكر تقودها إدارة الأرصاد الجوية الباكستانية والهيئة الوطنية لإدارة الكوارث. غير أن ضعف القدرات الفنية ورداءة تبادل البيانات يقللان من فعاليتها، وتعاني المرافق الحضرية من تقادم الأنظمة ومحدودية الاستثمار الخاص وارتفاع المياه غير المدرة للإيرادات.
وفي التمويل، يظل تمويل حوكمة المياه غير كافٍ وضعيف التنسيق؛ فرغم ارتفاع تمويل خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية بنسبة 152% بين عامي 2019 و2023، يظل إجمالي المخصصات في إطار برنامج التنمية للقطاع العام، البالغ 1.5 تريليون روبية أي نحو 5.3 مليارات دولار، أدنى بكثير من المبلغ المقدر اللازم خلال العقد المقبل، الذي يتراوح بين 10 و12 تريليون روبية، أي ما بين 35 و42 مليار دولار. وتُحدد التعرفة بمستويات أدنى بكثير من مستويات استرداد التكاليف، ولا سيما في المناطق الحضرية حيث يحد ارتفاع الفاقد المائي وضعف الفوترة من الاستدامة. ويميل الاستثمار إلى تفضيل مشروعات البنية التحتية الكبيرة، بينما يظل الإصلاح المؤسسي والتكيف المناخي دون تمويل كافٍ، ويحد غياب استراتيجية وطنية متماسكة لتمويل المياه من قدرة البلاد على بناء أنظمة حوكمة صامدة وفعالة.
وإجمالاً، أرست باكستان أسس الحوكمة المائية المتكاملة، لكن التقدم الحقيقي يتوقف على تعزيز المؤسسات والتنفيذ، ومن دون تحسين التنسيق والقدرات الفنية والتخطيط المالي، ستواصل الفجوة بين السياسات والممارسة إبطاء مكاسب الأمن المائي.
العلاقة بين الأمن المائي وحوكمة المياه في باكستان
لم يُترجم التقدم في حوكمة المياه بعد إلى تحسينات متسقة في الأمن المائي. فبين عامي 2017 و2023، ارتفعت درجة باكستان في المؤشر 6.5.1 من 50% إلى 63%، ويعكس هذا الارتفاع أطراً سياساتية أقوى، بما فيها السياسة الوطنية للمياه وقوانين المياه الإقليمية، غير أن التنفيذ لا يزال مجزأً، ونتيجة لذلك لم تحقق مكاسب الحوكمة سوى تحسينات متواضعة في الأبعاد الرئيسية للأمن المائي.
فقد استفاد الأمن المائي للأسر الريفية من الاستثمارات في خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، لكنه يفتقر إلى التخطيط المتكامل. فالسياسات الوطنية تدعم الحصول المنصف والقدرة على الصمود المناخي، لكن ضعف التنسيق بين الوزارات وتدني القدرات المحلية يواصلان إعاقة تقديم الخدمات. ورغم دعم شركاء خارجيين كاليونيسف والبنك الدولي لمبادرات الخدمات الريفية، لا تزال المشاركة المحلية محدودة. وعلى الرغم من الزيادة البالغة 152% في التمويل بين عامي 2019 و2023، لا تزال باكستان تواجه فجوة كبيرة، إذ تقصر عن بلوغ المبلغ المقدر بنحو 12.3 مليار دولار اللازم لتحقيق الغايتين 6.1 و6.2 من أهداف التنمية المستدامة. ومن دون أطر مؤسسية أقوى ومشاركة مجتمعية، ستظل المكاسب الريفية متفاوتة وهشة.
ويُظهر الأمن المائي الاقتصادي توافقاً مع الإدارة المتكاملة على الورق مع ضعف في المتابعة؛ فالسياسة الوطنية للمياه ومسودة الاستراتيجية الوطنية لصون المياه تؤكدان التنسيق عبر القطاعات، وتدعم مؤسسات رئيسية كهيئة منظومة نهر السند والهيئات الإقليمية المقترحة توزيعاً أكثر إنصافاً. غير أن البنية التحتية لا تزال غير متطورة، وأنظمة التوزيع غير فعالة، وقدرة التخزين منخفضة على نحو حرج. ورغم حشد أكثر من 1.5 تريليون روبية، أي نحو 5.3 مليارات دولار، من الأموال العامة، و200 مليار روبية، أي نحو 700 مليون دولار، من تمويل المانحين، فإن هذه الاستثمارات تقصر كثيراً عن الاحتياجات طويلة الأمد. ومن دون إصلاحات في تنظيم المياه الجوفية وحوكمة الري وحوافز الكفاءة وأنظمة التعرفة، سيواصل الاستخدام الاقتصادي للمياه إجهاد الموارد.
ويعكس الأمن المائي الحضري حوكمة مجزأة واستدامة مالية محدودة، إذ تظل درجاته منخفضة رغم التحسينات القوية نسبياً. فالسياسة الوطنية للمياه وحملة "باكستان نظيفة وخضراء" تشجعان خدمات المياه الحضرية المستدامة، وتتيح أدوات كمؤشر باكستان النظيفة والخضراء تتبع الأداء، لكن المسؤوليات المؤسسية تتوزع على جهات متعددة ذات ولايات متداخلة ومساءلة محدودة. وفي خيبر بختونخوا، يبين إنشاء شركات خدمات المياه والصرف الصحي إمكانات الخدمات المحلية القائمة على المرافق، كما تمثل هيئة "آب إي باك" في البنجاب خطوة أخرى نحو التخطيط المنسق. ومع ذلك، لا تزال معظم المرافق الحضرية تعمل وفق نماذج مالية غير مستدامة، تتسم بانخفاض التعرفة وارتفاع المياه غير المدرة للإيرادات وتقادم البنية التحتية، وكثيراً ما تلجأ الأسر إلى الباعة الخاصين، مما يزيد العبء على الأسر منخفضة الدخل. فالنية السياساتية موجودة، لكن من دون إصلاح تنظيمي واستثمار عبر القطاعات ستظل الحوكمة الحضرية عنق زجاجة.
ويحظى الأمن المائي البيئي بدعم السياسات الوطنية لكن يقيده ضعف الإنفاذ؛ فالسياسة الوطنية للمياه وسياسة تغير المناخ تؤكدان كلتاهما أهمية التدفقات البيئية وحماية النظم البيئية، وتُكلف مؤسسات كهيئة منظومة نهر السند وإدارات الري الإقليمية بإدارة هذه التدفقات، لكن التنسيق ضعيف وفجوات البيانات مستمرة. وتُظهر مبادرات الاستعادة، كبرنامج "السند الحي"، تزايد انخراط المجتمع المدني والجهات الدولية، غير أن التنفيذ يظل محدوداً. ويوفر قانون حماية البيئة أساساً قانونياً لمكافحة التلوث، لكن لوائحه ضعيفة الإنفاذ، مع فجوة واسعة في الحماية والإدارة البيئية، ولا يزال التمويل المستدام وأنظمة رصد صحة الأنهار غائبين، مما يحد من التقدم.
ويحظى الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه بدعم سياساتي لكنه يفتقر إلى التكامل مع التخطيط المناخي والمائي؛ فقد اعتمدت باكستان أدوات رئيسية كقانون إدارة الكوارث الوطني لعام 2010، والخطة الوطنية للحماية من الفيضانات، والسياسة الوطنية للمياه. غير أن القدرات الفنية مستنزفة، والتنسيق بين الهيئة الوطنية لإدارة الكوارث وهيئات إدارة الكوارث الإقليمية وإدارة الأرصاد الجوية وجهات المياه لا يزال غير كافٍ. وكثيراً ما يكون التمويل تفاعلياً وقصير الأمد، ويحد ضعف البنية التحتية ومشاركة أصحاب المصلحة من الاستعداد المحلي. ومع اشتداد الآثار المناخية، سيكون دمج إدارة مخاطر الكوارث في حوكمة المياه الأوسع حاسماً لبناء القدرة على الصمود.
وإجمالاً، بدأت إصلاحات الحوكمة في إعادة تشكيل إدارة المياه في باكستان، لكن النتائج تظل مقيدة بتجزؤ التنفيذ ونقص الاستثمار المنظومي. وسيكون تعزيز المواءمة بين السياسات الوطنية والتنفيذ دون الوطني، وتحسين القدرات المؤسسية، والتخطيط الأكثر شمولاً أموراً أساسية لتحويل الأطر السياساتية إلى مكاسب مستدامة في الأمن المائي.
النتائج والتوصيات
بنت باكستان أساساً سياساتياً قوياً، لكن مواطن الضعف المنظومية تواصل الحد من التقدم عبر أبعاد الأمن المائي الخمسة جميعها. فقد أدخلت السياسة الوطنية للمياه لعام 2018 مبادئ الإدارة المتكاملة، وعززتها أطر المناخ والكوارث، وتتوافق هذه الاستراتيجيات مع أفضل الممارسات الدولية في مجالات التوزيع والقدرة على الصمود ومخاطر الكوارث والنظم البيئية، غير أن التنفيذ لا يزال متفاوتاً. فالمسؤوليات مشتتة بين المستويات الاتحادية والإقليمية والبلدية، وكثيراً ما تعمل المؤسسات الرئيسية في عزلة. وأدى غياب آلية تنسيق واضحة، ولا سيما في تقديم الخدمات الريفية وإدارة المياه الحضرية، إلى تدني درجات الأمن رغم التحسينات في السنوات الأخيرة. ومن شأن إنشاء منصة تنسيق فاعلة في إطار المجلس الوطني للمياه، مدعومة بهيئات إقليمية ممكَّنة ذات ولايات واضحة، أن يحسّن التكامل ويسرّع الإصلاح.
ولا يزال نقص التمويل يقيد حوكمة المياه؛ فرغم ازدياد الاستثمار العام، ولا سيما في خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، يظل التمويل أدنى بكثير من الحجم المطلوب. وتواجه المرافق الحضرية ضعف استرداد التكاليف، وارتفاع المياه غير المدرة للإيرادات، ومحدودية القدرة على صيانة البنية التحتية، ولا تزال المستوطنات غير الرسمية في المدن الكبرى محرومة من الخدمات الكافية، مما يضاعف انعدام الأمن المائي. ويتأثر الأمن المائي الاقتصادي وإدارة المياه الحضرية على نحو خاص، حيث تستمر العجوزات الهيكلية والتشغيلية. ومن شأن اعتماد التسعير الحجمي للمياه أن يحسّن الكفاءة في الزراعة، ويولد إيرادات لإعادة الاستثمار، ويعزز استدامة العمليات عبر القطاعات.
ويتدهور الأمن المائي البيئي رغم الاعتراف السياساتي القوي به؛ فالنظم البيئية للمياه العذبة والبحرية تحت ضغط التلوث وتراجع التدفقات وفقدان الموائل. ورغم أن الأدوات القانونية تقر بالاحتياجات البيئية، فإن الإنفاذ غير متسق وأنظمة الرصد غير مكتملة النمو، كما يقوض غياب التمويل المخصص التقدم. ومن شأن نظام وطني لرصد صحة الأنهار، وتطبيق معايير التدفقات البيئية، وضوابط أقوى للتلوث أن تساعد على استعادة التوازن البيئي، وسيكون توسيع التنسيق بين جهات المياه والبيئة والتخطيط أساسياً لضمان ترجمة الالتزامات السياساتية إلى ممارسة.
ويظل الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه شديد الهشاشة؛ إذ تواجه باكستان فيضانات وموجات جفاف متكررة، بينما يظل التكامل بين إدارة الكوارث والتخطيط المائي ضعيفاً، ويهيمن التداخل المؤسسي والتمويل التفاعلي، تاركين المجتمعات معرضة للخطر. ورغم تزايد الوعي بالمخاطر، تظل القدرات الفنية والعمل المبكر محدودين، ويمكن للتمويل القائم على التنبؤات، والاستعداد المجتمعي، ودمج الاعتبارات المائية في استراتيجيات الكوارث أن تساعد على الحد من الهشاشة.
ويتعين أن تصبح حوكمة المياه أكثر شمولاً؛ فالمشاركة والتمثيل لا يزالان محدودين، ولا سيما للنساء والأقليات والفئات المهمشة. ومن شأن ترسيخ مبادئ الإدماج بصورة منهجية في التخطيط وصنع القرار أن يعزز القدرة على الصمود، ويواءم الاستثمارات مع الاحتياجات المحلية، ويقوي أبعاد الإنصاف في الأمن المائي، وتوفر عمليات الإدارة المتكاملة فرصة واضحة لإضفاء الطابع المؤسسي على هذه المشاركة.
ويلزم إشراف مستقل لتعزيز المساءلة وتقديم الخدمات؛ فرصد جودة المياه متفاوت، ولا توجد سلطة واحدة مخولة بإنفاذ المعايير على المستوى الوطني. ومن شأن إنشاء هيئة اتحادية مستقلة لرصد جودة المياه أن يتيح تقييم أداء مقدمي الخدمات وتنظيمه، ويحسّن الشفافية، ويبني ثقة الجمهور، كما أن الإشراف القائم على البيانات سيعزز على وجه الخصوص الأبعاد الأول والثالث والرابع، بضمان مياه شرب آمنة، ودعم الإنفاذ، وتوجيه أولويات الاستثمار.
وخلاصة القول إن السياسات القوية في باكستان توفر أساساً، لكن التقدم يتوقف على تحويل الأطر إلى عمل. فالتنسيق الأقوى، والتمويل المستدام، والحوكمة الشاملة، والحماية البيئية، والاستعداد للكوارث، والإشراف المستقل عناصر أساسية لترجمة الالتزامات إلى تحسينات ملموسة عبر أبعاد الأمن المائي الخمسة جميعها.
التقييم القُطري لطاجيكستان
الملخص
يقدم تقييم الأمن المائي في طاجيكستان لمحة عامة عن التقدم المحرز بين عامي 2013 و2025، إلى جانب أداء حوكمة المياه من 2017 إلى 2023، مستنداً إلى إطار التقرير والمؤشر 6.5.1 لاستكشاف العلاقة بين عمليات الحوكمة والنتائج المائية.
وقد أحرزت طاجيكستان تقدماً ملموساً في أبعاد عدة من الأمن المائي، إذ لوحظت تحسينات لافتة في الأمن المائي للأسر الريفية والأمن المائي الاقتصادي والأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه. ففي المناطق الريفية، أسهم توسع الاستثمار في أنظمة إمدادات المياه في زيادة الحصول على الخدمات، وإن ظلت موثوقيتها متفاوتة. كما تحسن الأمن المائي الاقتصادي تحسناً طفيفاً بدعم من إصلاحات تخطيط الأحواض والترتيبات المؤسسية. وتعززت قدرة طاجيكستان على إدارة الكوارث المرتبطة بالمياه، إذ أسهمت الأنظمة المحسنة للاستجابة للفيضانات والعواصف في زيادة القدرة على الصمود، رغم استمرار الهشاشة أمام المخاطر الجليدية والطقس المتطرف.
غير أن التقدم جاء متفاوتاً بين الأبعاد؛ فقد تراجع الأمن المائي الحضري خلال العقد الماضي، ويعود ذلك أساساً إلى تدهور البنية التحتية، وارتفاع الفاقد المادي، ومحدودية الاستثمار في التشغيل والصيانة. ورغم الزيادات الأخيرة في تعرفة المياه، لم تتحسن مستويات الخدمة بعد، وهو تأخر كثيراً ما يستغرق سنوات عدة لتجاوزه. ويفرض تزايد سكان المدن، مقترناً بتقادم الأنظمة، ضغطاً كبيراً على موارد مستنزفة أصلاً. كما ظل الأمن المائي البيئي راكداً إلى حد كبير، فرغم تحسن الأطر التنظيمية، تواصل النظم البيئية تدهورها بسبب تراجع جودة المياه وتدهور الأراضي ومحدودية إنفاذ الحماية البيئية.
وقد تعززت حوكمة المياه منذ عام 2020، كما يعكسه ارتفاع الدرجات في المؤشر 6.5.1، إذ تعكس الأطر القانونية والسياساتية على نحو متزايد مبادئ الإدارة المتكاملة للموارد المائية، ويجري تطوير نظام وطني للمعلومات المائية. وتحسن التنسيق المؤسسي، ولا سيما من خلال إنشاء لجان أحواض الأنهار، وإن ظلت تهيمن عليها الحكومة إلى حد كبير وتعاني نقص الموارد. وازداد تمويل البنية التحتية المائية، مع التزام بأكثر من 278 مليون دولار عبر مشروعات متعددة، غير أن تمويل مكونات الحوكمة والتشغيل والتكامل عبر القطاعات لا يزال محدوداً، مع استمرار الاعتماد على شركاء التنمية.
وتبرز العلاقة بين حوكمة المياه والأمن المائي في طاجيكستان أوجه التقدم والفجوات معاً؛ فحيث اقترنت تحسينات الحوكمة بالاستثمار والقدرات المؤسسية، كما في المياه الريفية والحد من مخاطر الكوارث، تحققت مكاسب واضحة. وفي المقابل، تبين الأبعاد الحضرية والبيئية أن التقدم القانوني والسياساتي وحده لا يكفي، إذ يواصل ضعف التنفيذ ومحدودية البيانات ونقص تمويل الأنظمة تقييد النتائج.
وللنهوض بالأمن المائي، ستحتاج طاجيكستان إلى التركيز على تحقيق مزيج تمويلي أكثر فعالية، ولا سيما في أنظمة الإمداد الحضرية والريفية، وإلى تسريع الإصلاحات الزراعية لتحسين إنتاجية المياه، والاستثمار في تقنيات أذكى للحد من المياه غير المدرة للإيرادات، وتحديث اللوائح البيئية لتحسين حماية النظم البيئية المرتبطة بالمياه. كما سيكون إضفاء الطابع المؤسسي على أنظمة الإنذار المبكر وزيادة القدرات المحلية لإدارة مخاطر الكوارث أمرين حاسمين. وسيتوقف التقدم أيضاً على تعزيز التعاون المائي العابر للحدود، الحيوي في أرجاء آسيا الوسطى لكنه غير متطور حالياً. فضلاً عن ذلك، سيؤثر ذوبان الأنهار الجليدية والثلوج، ولا سيما خلال موسم الصيف، في جميع أبعاد الأمن المائي، مما يتطلب تخطيطاً متكاملاً. ومع استمرار الالتزام والدعم، يمكن لطاجيكستان أن تبني على إصلاحات الحوكمة لتحقيق نتائج مائية أكثر شمولاً وقدرة على الصمود واستدامة.
مراجعة درجة الأمن المائي في طاجيكستان
يعكس الأمن المائي في طاجيكستان مفارقة الوفرة والهشاشة؛ فبوصفها مصدر المنبع لأكثر من 60% من المياه العذبة في آسيا الوسطى، تؤدي البلاد دوراً إقليمياً حيوياً، لكنها تواجه تحديات محلية مزمنة، منها تقادم البنية التحتية، ومحدودية الحصول على مياه الشرب الآمنة، وتكرار انقطاعات إمدادات المياه الريفية، والتعرض للمخاطر المرتبطة بالمناخ. وتتضاعف هذه الضغوط بفعل انحسار الأنهار الجليدية، وتكرار الفيضانات والجفاف، واتساع تدهور الأراضي، مما يهدد الأمن المائي الوطني والتنمية المستدامة معاً.
فقد تحسن الأمن المائي للأسر الريفية من 6.3 عام 2013 إلى 8.2 عام 2025، مدفوعاً بزيادة الحصول على مياه الشرب في المناطق الريفية وتحسن طفيف في النتائج الصحية. ويعكس التقدم الاستثمار في برامج إمدادات المياه الريفية، وإن كان الصرف الصحي الآمن مرتفعاً أصلاً ولم يشهد تغيراً يُذكر. غير أن ضعف البنية التحتية وتزايد الطلب على المياه ومشكلات إمدادات الطاقة لا تزال تحد من الحصول الموثوق على المياه في المناطق الريفية.
وارتفع الأمن المائي الاقتصادي ارتفاعاً طفيفاً من 9.6 عام 2013 إلى 11.0 عام 2025، لكن التحديات مستمرة؛ فتوافر المياه للاستخدام الاقتصادي لا يزال قوياً نسبياً، بينما تظل مؤشرات الزراعة والطاقة متأخرة. ويعوق تدني الربحية وتقادم البنية التحتية ومحدودية القدرات المؤسسية التوزيع الفعال، وقد تعكس التذبذبات في المؤشر الزراعي التقلبات المناخية وتغير مستويات الدعم القائم على المشروعات. ويُظهر الاستخدام الصناعي للمياه بعض التحسن لكنه لا يزال غير متطور.
وارتفع الأمن المائي الحضري من 12.1 عام 2013 إلى 13.8 عام 2025، وقد رُفعت التعرفة مؤخراً في المناطق الحضرية، وتشير النتائج الأخيرة إلى أن ذلك قد يكون عاملاً في تحسن خدمات المياه الحضرية. وتحدد استراتيجية قطاع المياه وبرامجها الداعمة أهدافاً لزيادة تغطية الخدمات الحضرية والحد من الفاقد.
وظل الأمن المائي البيئي مستقراً إلى حد كبير، إذ انخفض انخفاضاً طفيفاً من 12.0 عام 2013 إلى 11.8 عام 2025. فرغم أن طاجيكستان تسجل درجات جيدة نسبياً في الحوكمة البيئية، تواصل صحة النظم البيئية للمياه العذبة تدهورها، ويمثل تدهور الأراضي وتراجع جودة المياه وعدم كفاية حماية النظم المائية مخاوف رئيسية. وانخفض مؤشر حالة مستجمعات المياه والنظم المائية انخفاضاً طفيفاً عام 2025، بينما لم تُظهر مؤشرات جودة المياه الجوفية والترابط تحسناً ذا دلالة.
وشهد الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه أكبر تحسن، إذ ارتفع من 8.8 عام 2013 إلى 16.2 عام 2025، مما يعكس تراجع التعرض للجفاف وتعزيز الأنظمة الوطنية لإدارة الفيضانات والعواصف. غير أن التضاريس الجبلية لطاجيكستان تجعلها شديدة الهشاشة أمام الكوارث المرتبطة بالمياه التي يكثفها تغير المناخ، بما فيها ذوبان الأنهار الجليدية والانهيارات الأرضية وتآكل ضفاف الأنهار. ورغم وجود أنظمة وطنية، تظل إدارة مخاطر الكوارث على مستوى الأحواض مجزأة ومعتمدة اعتماداً كبيراً على الدعم الخارجي.
حالة حوكمة المياه في طاجيكستان
أحرزت طاجيكستان تقدماً مطرداً في تنفيذ الإدارة المتكاملة للموارد المائية عبر أبعاد الحوكمة الأربعة جميعها بين عامي 2020 و2023، إذ تحسنت درجتها الإجمالية في المؤشر 6.5.1 من 46% عام 2020 إلى 54% عام 2023. ويعكس هذا التقدم جهداً أوسع لتعزيز الأسس القانونية والمؤسسية والمالية لحوكمة المياه، وإن ظلت هناك فجوات كبيرة في القدرات والتنسيق والإنفاذ.
ففي البيئة التمكينية، ارتفعت الدرجة من 49% عام 2020 إلى 61% عام 2023، مما يعكس اعتماد قوانين وسياسات شاملة مرتبطة بالمياه تتوافق على نحو أوثق مع مبادئ الإدارة المتكاملة. وقد أسهمت الاستراتيجيات الوطنية الرئيسية، ومنها قانون المياه والاستراتيجية الوطنية للمياه حتى عام 2040، في إرساء أساس قانوني أقوى. غير أن مجالات عدة لا تزال تحتاج إلى تعزيز، ولا سيما وضع مراسيم فرعية لاستخدام الخزانات وإنفاذ الأطر القانونية، كما يلزم تعزيز توعية مستخدمي المياه والمستفيدين على جميع المستويات بالاستخدام المنصف للمياه.
وفي المؤسسات والمشاركة، تحسنت الترتيبات المؤسسية والمشاركة من 43% إلى 48%. فقد قادت الجهات الحكومية تنفيذ الإدارة المتكاملة، وشُكلت لجان أحواض الأنهار على المستويين الوطني ودون الوطني، ويُفترض أن تضم طيفاً واسعاً من أصحاب المصلحة، لكنها تظل في الممارسة خاضعة لهيمنة الحكومة. ويُشجع انخراط القطاع الخاص لكن تحده القيود المالية وضعف آليات التنسيق، كما تزيد الولايات المؤسسية المتداخلة ونقص القدرات الحوكمة تعقيداً.
وفي أدوات الإدارة، ارتفعت الدرجة من 48% إلى 54%، ويشمل التقدم تطوير نظام وطني للمعلومات المائية ضمن مركز البيانات الوطني، واعتماد خطط لإدارة الموارد المائية على مستوى الأحواض، كخطة نهر زرافشان. غير أن نظام البيانات لا يعمل بكامل طاقته بعد، ولا تزال مصادر المعلومات مجزأة، كما تواصل محدودية تكامل البيانات وضعف قواعد المعرفة إعاقة صنع القرار في الوقت المناسب والتخطيط المستنير بالمخاطر.
وفي التمويل، تحسنت الدرجة من 42% إلى 52%، إذ يجري تنفيذ عدد متزايد من المشروعات في قطاع إمدادات المياه والصرف الصحي باستثمارات إجمالية تبلغ نحو 278 مليون دولار، تركز بدرجة كبيرة على إعادة تأهيل البنية التحتية وإنشائها. غير أن تمويل مكونات الحوكمة لا يزال ضعيفاً، ويحد محدودية التكامل عبر القطاعات وتدني عوائد الاستثمارات القائمة من مشاركة القطاع الخاص ويقللان فعالية التمويل المتاح.
وإجمالاً، ورغم التقدم الواضح الذي أحرزته طاجيكستان في مواءمة إطار حوكمة المياه مع الإدارة المتكاملة، يلزم مزيد من العمل لسد فجوة التنفيذ، وستكون الإصلاحات المؤسسية وأنظمة البيانات الأفضل والتمويل الأكثر استدامة مفاتيح تحقيق تحسينات دائمة في النتائج المائية.
العلاقة بين الأمن المائي وحوكمة المياه في طاجيكستان
أحرزت طاجيكستان تقدماً متوسطاً لكنه مطرد في حوكمة المياه والأمن المائي معاً، ورغم أن هذه الاتجاهات تسير في منحى إيجابي، تظل العلاقة بين تحسن الحوكمة وتحسن النتائج المائية متفاوتة عبر الأبعاد الرئيسية الخمسة.
فقد تحسن الأمن المائي للأسر الريفية بالتوازي مع ترتيبات قانونية ومؤسسية أوضح؛ إذ أرست قوانين كقانون المياه والسياسة الوطنية لأمن إمدادات المياه الريفية إطاراً أقوى لتقديم الخدمات، ودعمت الاستثمارات المحلية والخارجية البرامج القطاعية، ويتتبع نظام رصد الآن توافر المياه الريفية واستخدامها. وتستند هذه المكاسب إلى أدوات إدارة محسنة، كالنظام الوطني للمعلومات المائية، وإلى عمليات المشاركة، غير أن مستويات الاستثمار لا تزال منخفضة قياساً بالاحتياجات، مما يحد من قدرة القطاع على تلبية الطلب الريفي المتنامي.
واستفاد الأمن المائي الاقتصادي من إصلاحات قطاع المياه المستندة إلى مبادئ الإدارة المتكاملة، إذ أنشأت طاجيكستان منظمات للأحواض ذات ولايات وخطط تمويل لإدارة المياه. ورغم وجود جهات وطنية ولامركزية الآن، يعمل كثير منها في جزر منعزلة، ولم تُدمج المخاطر المائية بعد في التخطيط الاقتصادي. وقد دعمت منصة تمويل وزيادة الإنفاق العام تطوير البنية التحتية، لكن مساهمات القطاع الخاص والجهات غير الحكومية لا تزال محدودة، إذ لا يزال نحو 60% من استثمارات القطاع يعتمد على قروض ومنح شركاء التنمية، مما يؤكد الحاجة إلى استراتيجيات مالية أكثر استدامة.
وتحسن الأمن المائي الحضري مع خلق السياسات والاستثمارات بيئة تمكينية أقوى؛ فقد ساعدت زيادات التعرفة الأخيرة المرافق على تعزيز خدماتها وتوسيع التغطية، وتحدد استراتيجية قطاع المياه وبرامجها الداعمة أهدافاً واضحة لزيادة الحصول على الخدمات الحضرية والحد من الفاقد. ويُتوقع أيضاً أن يجتذب الإنفاق العام مزيداً من الاستثمار الخاص واستثمار المانحين، الذي يمكن، إذا أُحسن توجيهه، أن يساعد على معالجة التحديات المتبقية.
ويظل الأمن المائي البيئي من أضعف الروابط بين الحوكمة والنتائج؛ فقد استحدث قانون حماية البيئة لعام 2022 وبرامج قطاعية أخرى أدوات تنظيمية أفضل، لكن إدارة النظم البيئية لا تزال أولية، ونظم المعلومات غير مكتملة النمو، والتنسيق عبر القطاعات ضعيف. والاستثمارات في الإدارة البيئية للمياه في تزايد، لكنها غير كافية لعكس اتجاهات التدهور، وتواصل النظم البيئية للمياه العذبة مواجهة تهديدات جدية تحد من تحسينات هذا البعد.
وشهد الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه تحسناً قوياً، بدعم من إطار حوكمة متنامٍ للحد من مخاطر الكوارث؛ إذ توجد أدوات تنظيمية وآليات مالية ونظام وطني للتخفيف من الكوارث المرتبطة بالمياه، لكن التنفيذ غير متسق. فقد أُنشئ نظام للتخفيف من الكوارث المائية على المستوى الوطني لكنه لا يزال مجزأً، أما على مستوى الأحواض فلم يُدمج بعد في إطار منتظم لحوكمة المياه، ومن ثم يعتمد اعتماداً كبيراً على الدعم الخارجي. ويقيد غياب التمويل المحلي المستقر ومحدودية انخراط القطاع الخاص جهود بناء القدرة على الصمود، وسيكون إضفاء الطابع المؤسسي على أنظمة الإنذار المبكر وتخطيط الحد من المخاطر حاسماً لصون مكاسب هذا البعد.
وإجمالاً، تبين تجربة طاجيكستان أن أطر الحوكمة الأقوى لا تُترجم تلقائياً إلى أمن مائي أفضل، إذ يجب أن تقترن الإصلاحات القانونية والمؤسسية بالقدرات التشغيلية والتمويل والتنفيذ الفعال، وحيثما تواءمت هذه العناصر، كان التقدم ملموساً.
النتائج والتوصيات
يقدم الأمن المائي في طاجيكستان صورة متباينة؛ فالأطر الوطنية تحسنت والاستثمارات في تزايد، لكن التحديات المنظومية لا تزال تحد من التقدم عبر الأبعاد الرئيسية.
فقد تحسن الأمن المائي للأسر الريفية لكنه يظل هشاً، إذ تواصل مناطق ريفية كثيرة مواجهة حصول غير موثوق على المياه بسبب تقادم البنية التحتية وضعف إمدادات الطاقة وبعد مصادر المياه ومحدودية الموارد المالية، وتضيف مشكلات جودة المياه الموسمية والنمو السكاني مزيداً من الضغط. ويمكن لتوسيع نماذج التمويل المختلط التي تجمع بين التمويل العام والخاص أن يساعد على تقليص فجوات البنية التحتية وتحسين تقديم الخدمات، كما ستدعم التعرفة المستدامة والأنظمة الضريبية المنقحة للقطاعات المستخدمة للمياه استرداد التكاليف، بما يجعل الأنظمة الريفية أكثر قدرة على الصمود وموثوقية.
ولا يزال الأمن المائي الاقتصادي مقيداً بعدم الكفاءة وضعف الحوافز؛ فكفاءة استخدام المياه في الزراعة والصناعة منخفضة، تحدها البنية التحتية المتقادمة وعدم كفاية التمويل، كما يقلل التشتت المؤسسي وغياب حوافز قوية للصون الإنتاجية. ومن شأن تشجيع الزراعة الموفرة للمياه، والمحاصيل المقاومة للجفاف، والزراعة الحرجية، والتقنيات الخضراء أن يساعد على الحد من الهشاشة، وستلزم مقاربات شاملة ومراعية للنوع الاجتماعي لضمان مشاركة واسعة في إصلاحات المياه الزراعية.
ويتعرض الأمن المائي الحضري لضغط متزايد، إذ أدى التحضر السريع وتقادم البنية التحتية إلى رداءة جودة المياه وكثرة التسربات وضعف موثوقية الخدمات. وقد رُفعت التعرفة عام 2018، لكن التحسينات في تقديم الخدمات لم تتحقق بعد، مما يعكس الفاصل الزمني بين الاستثمار والنتائج. ويمكن للاستثمار الموجه في الحد من المياه غير المدرة للإيرادات، وكشف التسربات، وتحسين المحاسبة المائية أن يحسّن الكفاءة ويواءم توقعات الجمهور مع التحسينات المستقبلية في الخدمات.
والأمن المائي البيئي راكد ومعرض للخطر؛ فرغم أن خطط أحواض الأنهار والقوانين البيئية عززت الإطار التنظيمي، تواصل النظم البيئية تدهورها بسبب التلوث ومحدودية المخصصات للاحتياجات البيئية وضعف الرصد. ويعود كثير من قواعد إدارة الأحواض إلى الحقبة السوفيتية ولم يعد يعكس الاحتياجات الراهنة. ومن شأن تحديث معايير جودة المياه، وإنفاذ اللوائح، وتحسين الرصد أن يصون النظم البيئية للمياه العذبة، كما يمكن لحوافز الامتثال وعقوبات الملوثين ودعم الناشطين البيئيين المحليين أن تحسّن النتائج.
وتعزز الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه على المستوى الوطني لكنه يظل ضعيفاً محلياً؛ إذ تواصل طاجيكستان مواجهة مخاطر مرتفعة من الفيضانات والمخاطر الجليدية والجفاف. وتوجد أطر قانونية ومؤسسية، لكن أنظمة الإنذار المبكر والبنية التحتية الواقية متفاوتة ومعتمدة اعتماداً كبيراً على الدعم الخارجي. ومن شأن توسيع قدرات الإنذار المبكر وإضفاء الطابع المؤسسي عليها، بدعم من إصلاحات قانونية وفنية ومالية ومؤسسية، أن يحد من مخاطر الكوارث ويحسّن القدرة على الصمود أمام تغير المناخ.
وخلاصة القول إن طاجيكستان طورت أطرها وتتزايد استثماراتها، لكن نتائج الأمن المائي تتوقف على تحويل الالتزامات إلى ممارسة. وسيكون التمويل المختلط، وكفاءة استخدام المياه، والاستثمار الموجه في الأنظمة الحضرية، وتحديث المعايير البيئية، وتعزيز الاستعداد للكوارث عناصر حاسمة لتحقيق أمن مائي موثوق ومستدام عبر جميع الأبعاد.
الدراسة الإقليمية للمحيط الهادئ
الملخص
يفتقر المحيط الهادئ حالياً إلى إطار متين ومقبول على نطاق واسع لتقييم الأمن المائي خارج نهج هذا التقرير. وتواجه الدول الجزرية في المحيط الهادئ تحديات مميزة، منها صغر الكتل البرية، ومحدودية مستجمعات المياه العذبة، وشدة التعرض لآثار تغير المناخ كارتفاع مستوى سطح البحر والظواهر الجوية المتطرفة. غير أن تساؤلات قد أُثيرت حول مدى تعبير التقرير عن الوضع الفعلي للأمن المائي في بلدان جزر المحيط الهادئ. واستخدمت هذه الدراسة مشاورات الخبراء ومراجعة الأدبيات لتقييم مدى ملاءمة منهجية تقرير 2025 لسياقات جزر المحيط الهادئ تقييماً منهجياً.
وقد حُددت أربعة تحديات رئيسية: أولها أن موثوقية البيانات منخفضة، إذ كثيراً ما تباينت تقييمات الخبراء عن درجات التقرير في معظم الأبعاد الرئيسية. وثانيها أن توافر البيانات محدود، إذ تغيب بيانات أكثر من 20% من المؤشرات في البلدان المقيّمة. وثالثها أن بعض المؤشرات تفتقر إلى الصلة بالواقع، لأنها لا تعكس الحقائق المحلية؛ فالبعد الثاني يشمل قطاعات كالصناعة والطاقة، كثيراً ما تكون أقل أهمية أو أقل اعتماداً على المياه في سياقات المحيط الهادئ، بينما لا تنعكس على النحو الكافي قطاعات أهم كالسياحة ومصايد الأسماك. والبعد الرابع يركز على النظم البيئية للمياه العذبة وحدها، رغم أن أهم النظم البيئية المرتبطة بالمياه في المحيط الهادئ كثيراً ما تكون مالحة، بما فيها البحيرات الشاطئية والمناطق الساحلية. والبعد الخامس لا يشمل المخاطر الجيوفيزيائية كالزلازل والثورات البركانية وأمواج التسونامي، رغم آثارها الكبيرة في أنظمة المياه في المنطقة. ورابعها أن الإطار قُيّم بأنه أقل ملاءمة للجزر الصغيرة والدول المرجانية منه للجزر الكبيرة.
وتُقترح تعديلات موجهة لتحسين صلاحية المنهجية وملاءمتها. فالبعد الأول، الأمن المائي للأسر الريفية، ملائم عموماً لكن ينبغي مواصلة مراجعته لضمان توافقه الثقافي والسياقي. وينبغي أن تعكس المؤشرات القطاعية للبعد الثاني، الأمن المائي الاقتصادي، اقتصادات المحيط الهادئ، بما يتيح للبلدان تعديل قطاعات كمصايد الأسماك والسياحة أو ترجيحها. ويشير ضعف موثوقية البعد الثالث، الأمن المائي الحضري، إلى الحاجة إلى مزيد من البحث قبل إجراء أي تغييرات. وينبغي توسيع البعد الرابع، الأمن المائي البيئي، ليشمل النظم البيئية للبحيرات الشاطئية والنظم البحرية، مع ترجيح مرن بين نظم المياه العذبة والمالحة، ويمكن لأطر فرعية أن تمثل أنواع الجزر المختلفة على نحو أفضل. وينبغي توسيع البعد الخامس، الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه، ليشمل مخاطر كالزلازل وأمواج التسونامي والثورات البركانية، التي تؤثر تأثيراً كبيراً في أنظمة المياه في المنطقة.
ومن شأن هذه التنقيحات أن تجعل التقرير أكثر تعبيراً عن الاحتياجات الفعلية لبلدان جزر المحيط الهادئ في تعزيز أمنها المائي، وهي الخطوة الأولى نحو تحسين العمليات والتخطيط في المنطقة. ورغم أن القابلية الكاملة للمقارنة الإقليمية قد لا تكون ممكنة، فإن إطاراً أكثر مرونة وشمولاً سيدعم صنع القرار المحلي على نحو أفضل ويعزز رصد الأمن المائي في المحيط الهادئ.
المقدمة والمنهجية
قد لا تعكس منهجية التقرير الحالية الوقائع الفريدة للدول الجزرية في المحيط الهادئ تعبيراً كاملاً، فالتقرير مصمم لتقييم الأمن المائي في معظم البلدان الأعضاء النامية لدى بنك التنمية الآسيوي، ويعطي الأولوية للصلاحية وقابلية المقارنة على مستوى منطقة آسيا والمحيط الهادئ الأوسع. ونتيجة لذلك، قد تكون بعض الخيارات المنهجية التي تصلح لغالبية البلدان أقل ملاءمة للبلدان ذات السياقات الجغرافية والثقافية الفريدة. فالدول الجزرية في المحيط الهادئ تواجه تحديات مميزة، منها صغر الكتل البرية، ومحدودية مستجمعات المياه العذبة، وشدة التعرض لآثار تغير المناخ كارتفاع مستوى سطح البحر والظواهر الجوية المتطرفة.
ولا يوجد حالياً تقييم كمي متين ومقبول على نطاق واسع للأمن المائي مصمم خصيصاً للمحيط الهادئ؛ فرغم وجود بعض التقييمات العالمية والإقليمية للأمن المائي التي شملت المحيط الهادئ، فإنها انطوت على فجوات كثيرة في البيانات ولم تُستخدم على نطاق واسع. وتبرز التحديات المذكورة الحاجة إلى إطار للتقرير أكثر صلاحية من حيث السياق في المحيط الهادئ.
وهدفت هذه الدراسة إلى اختبار مدى ملاءمة منهجية تقرير 2025 لسياقات جزر المحيط الهادئ، وبوصفها خطوة أولى نحو إطار إقليمي أكثر صلاحية، ركزت على تقييم ما إذا كانت المنهجية تعكس أوضاع الأمن المائي في المحيط الهادئ بدقة. واسترشدت هذه العملية بثلاثة أهداف فرعية: اختيار عينة تمثيلية من الدول الجزرية في المحيط الهادئ تعكس التنوع الجغرافي والثقافي والاقتصادي للمنطقة؛ وتقييم مدى ملاءمة مناهج التقرير وأهدافه وتعريفاته في البلدان المختارة؛ وتقييم دقة نتائج الأمن المائي في تقرير 2025 وملاءمتها لمنطقة المحيط الهادئ.
ويُعد فهم مدى ملاءمة منهجية تقرير 2025 في المحيط الهادئ خطوة أولى حاسمة نحو تحسين عمليات البنك وتخطيط مشروعاته في المنطقة، إذ يساعد هذا التقييم على تحديد مواضع توافق النهج الحالي مع سياقات المحيط الهادئ ومواضع قصوره. وبالبناء على هذه النتائج، يمكن تطوير مناهج كمية أكثر ملاءمة لتوجيه تخطيط الأمن المائي وقرارات الاستثمار واستراتيجيات القدرة على الصمود طويلة الأمد في أرجاء الدول الجزرية في المحيط الهادئ.
واستُخدم نهج منظم لتحديد عينة تمثيلية من بلدان جزر المحيط الهادئ، إذ صُنفت البلدان في خمس فئات بناءً على خصائص مشتركة تشمل العرق والتضاريس والصناعات الرئيسية ومصادر الطاقة، ثم اختير بلد ممثل لكل فئة: الجزر الكبيرة ذات الطاقة الكهرومائية وتمثلها فيجي، والجزر الكبيرة بلا طاقة كهرومائية وتمثلها جزر سليمان، والجزر الصغيرة ذات النشاط الزراعي وتمثلها تونغا، والجزر الصغيرة ذات الزراعة المحدودة أو المعيشية وتمثلها جزر كوك، والدول المرجانية وتمثلها كيريباتي وناورو، علماً بأن ناورو ليست جزيرة مرجانية لكن صغر حجمها الشديد يمنحها الخصائص ذات الصلة نفسها.
واستند تقييم مدى ملاءمة التقرير إلى مشاورات الخبراء ومراجعة الأدبيات؛ فبعد اختيار البلدان الممثلة، عُقدت مشاورات مع خبراء رئيسيين في البنك لتقييم أداء مؤشرات التقرير في سياقات المحيط الهادئ، وقدم الخبراء تصنيفات رقمية لكل مؤشر مع مبررات نوعية لدرجاتهم، كما حددوا فجوات البيانات وقيّموا دقة المعلومات المتاحة وملاءمتها لكل بعد من أبعاد الأمن المائي. وبالتوازي مع ذلك، أُجريت مراجعة موجهة للأدبيات لاستكشاف تقييمات الأمن المائي السابقة في بلدان جزر المحيط الهادئ، مما وفر سياقاً إضافياً وتحققاً من النتائج.
النتائج والمناقشة
قُيّمت موثوقية البيانات بمقارنة درجات الخبراء بدرجات التقرير عبر الأبعاد الرئيسية؛ فلتقييم موثوقية البيانات المستخدمة في التقرير، احتُسب الانحراف المعياري للفروق بين الدرجات التي منحها الخبراء ودرجات التقرير لكل بعد. ويركز هذا النهج على التباين بين الدرجات لا على قيمها المطلقة، إدراكاً لتأثير تحيز الخبراء. ويدل الانحراف المعياري الأدنى على موثوقية أعلى للبيانات، بينما تشير القيم التي تتجاوز اثنين إلى خلاف كبير وتراجع الثقة في البيانات. واستناداً إلى هذه العتبة، أظهرت جميع الأبعاد باستثناء البعد الأول موثوقية منخفضة للبيانات في الدول الجزرية المختارة، مما يبرز قيوداً كبيرة في مجموعة البيانات الحالية.
ووُجدت فجوات في البيانات في جميع الأبعاد في الدول الجزرية المدروسة، وفي جميعها باستثناء البعدين الأول والثالث تجاوز متوسط نسبة نقاط البيانات المفقودة 25%. ويدل ذلك على نقص متسق في توافر البيانات عبر المؤشرات الرئيسية، مما يحد من قابلية تطبيق منهجية التقرير في سياق المحيط الهادئ، ويقلل صلاحية التقييم والثقة في الدرجات الناتجة.
ويُعد البعد الأول الجزء الأكثر صلاحية في تقييم التقرير بالنسبة إلى المحيط الهادئ، إذ حُدد من بين الأبعاد الخمسة بوصفه الأكثر قابلية للتطبيق في سياق المنطقة، وأشارت ملاحظات الخبراء إلى أن مؤشراته ذات دلالة وأن توافر البيانات قوي. غير أن بعض المخاوف أُثيرت بشأن المقاييس الصحية، إذ قد تعكس التباينات في معدلات الوفيات فروقاً في أنظمة الرعاية الصحية أو في دقة الإبلاغ، لا الأداء الفعلي للبنية التحتية للمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، مما قد يُدخل تحيزاً في التقييم ويقلل دقته.
ويواجه البعد الثاني مشكلات كبيرة في الملاءمة في بلدان جزر المحيط الهادئ الأصغر؛ فرغم أنه وُجد صالحاً إلى حد ما في الدول الجزرية الأكبر، تراجعت ملاءمته تراجعاً كبيراً في الجزر الأصغر والجزر المرجانية، وحُددت تحديات عدة. فتخزين المياه، وهو محور رئيسي لهذا البعد، كثيراً ما يكون محدوداً للغاية في البلدان الأصغر التي لا تستطيع غالباً الاعتماد على المياه السطحية المخزنة، كما أن تخزين المياه في طبقات المياه الجوفية المعرضة لخطر تسرب الملوحة لا يُؤخذ في الحسبان في المنهجية الحالية. والزراعة والصناعة ليستا قطاعين اقتصاديين رئيسيين في كثير من دول المحيط الهادئ، بل تكون القطاعات المرتبطة بالمياه كمصايد الأسماك والسياحة أكثر أهمية دون أن ترصدها المنهجية. وينبغي أيضاً صياغة العلاقة بين المياه والطاقة على نحو مختلف في المحيط الهادئ؛ فبينما يشيع توليد الكهرباء الحرارية، الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على المياه، في معظم أنحاء آسيا، فإنه نادر في المحيط الهادئ، حيث تمثل طاقة الديزل والطاقة الشمسية والكهرومائية المصادر الرئيسية. وتظل الطاقة ضرورية لإنتاج المياه، ولا سيما في الجزر المرجانية والجزر الصغيرة حيث تشيع تحلية المياه وضخ المياه الجوفية، مما يشير إلى ضرورة إعادة صياغة هذه العلاقة في المحيط الهادئ، فبدلاً من الحاجة إلى المياه لتوليد الطاقة، كثيراً ما تكون الطاقة لازمة لإنتاج مياه الشرب.
ويقدم البعد الثالث نمطاً غير معتاد يجمع بين انخفاض الموثوقية وجودة الملاءمة وتوافر البيانات؛ فقد برز بتوافر بيانات مرتفع نسبياً وملاءمة متوسطة، لكنه أظهر أدنى موثوقية عند مقارنة درجات الخبراء بدرجات التقرير. وفي عدة بلدان من جزر المحيط الهادئ، يغير الاعتماد على تحلية المياه مصدراً رئيسياً لمياه الشرب الآمنة اقتصاديات الأمن المائي واستدامته، مضاعفاً التحديات المعقدة أصلاً في المنطقة. ورغم أن هذه المسائل تقلل موثوقية هذا البعد، فإنها ليست بالضرورة فريدة في المحيط الهادئ، وقد تشير إلى قيود أوسع.
وواجه البعد الرابع أكبر التحديات من حيث الملاءمة وتوافر البيانات معاً؛ فهذا البعد، الذي يركز على الأمن المائي البيئي، موجه بدرجة كبيرة نحو الأنهار والبحيرات والنظم البيئية للمياه العذبة، وهي سمات محدودة أو غائبة في كثير من بلدان المحيط الهادئ، مما يؤدي إلى عدم توافق كبير مع الواقع البيئي للمنطقة. ولا يتضمن الإطار الحالي النظم البيئية البحرية والمالحة، الحيوية لبيئات جزر المحيط الهادئ، وكما هو متوقع، تزداد مشكلات الملاءمة هذه وضوحاً في الدول الجزرية الأصغر، حيث تكون أنظمة المياه العذبة محدودة أو منعدمة.
ولا يأخذ البعد الخامس في الحسبان على النحو الكافي مخاطر الكوارث ذات الصلة بالدول الجزرية في المحيط الهادئ؛ فهو يقيّم الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه لكنه يُغفل مخاطر رئيسية عدة بالغة الأهمية للمحيط الهادئ، منها الزلازل والانهيارات الأرضية والثورات البركانية وأمواج التسونامي، وهذا الإغفال يحد بشدة من ملاءمته للمنطقة. فضلاً عن ذلك، تنطوي قاعدة بيانات الأحداث الطارئة، وهي المصدر الرئيسي لبيانات التعرض للمخاطر، على فجوات ملحوظة بالنسبة إلى بلدان المحيط الهادئ، إذ لم ترصد كوارث عدة كبيرة وموثقة جيداً. ولا يحظى ارتفاع مستوى سطح البحر، الذي يُعد على الأرجح أشد التهديدات طويلة الأمد إلحاحاً للأمن المائي في كثير من دول المحيط الهادئ، إلا باعتبار محدود في هذا البعد رغم أهميته المتزايدة.
دراسات الحالة
لاستكشاف كيف قد تُغفل منهجية تقرير 2025 جوانب رئيسية من الأمن المائي في الدول الجزرية في المحيط الهادئ، أُعدت سلسلة من دراسات الحالة، تسلط كل منها الضوء على قضية محورية في سياق المحيط الهادئ لكنها غائبة عن التقييم الكمي الحالي. وتجسد هذه الحالات فجوات مهمة في الملاءمة، ولا سيما بالنسبة إلى الدول الجزرية التي تؤدي فيها العوامل البيئية والمرتبطة بالكوارث دوراً رئيسياً في تحديد الأمن المائي.
تلوث البحيرات الشاطئية
البحيرات الشاطئية نظم بيئية مائية ساحلية ضحلة تدعم التنوع البيولوجي، وتوفر ترشيحاً طبيعياً، وتسهم في استقرار المناخ، وهي في المحيط الهادئ ركيزة أيضاً لمصايد الأسماك والسياحة، مما يجعلها محورية لسبل العيش والأمن الغذائي معاً. غير أن التلوث في هذه البحيرات قد يؤدي إلى تراجع حاد في المخزون السمكي وتدهور الموائل، مما يؤثر في صيد الأسماك المعيشي والتجاري، كما تعاني السياحة الساحلية مع تراجع القيمة الجمالية والترفيهية للشواطئ والشعاب المرجانية، وكثيراً ما تواجه الحكومات تكاليف متزايدة تتعلق بمكافحة التعرية ومعالجة المياه واستيراد الغذاء حين تتضرر النظم المحلية.
ولا يدرج التقرير النظم البيئية للبحيرات الشاطئية أو النظم البحرية في مؤشراته البيئية، إذ يركز البعد الرابع على أنظمة المياه البرية كالأنهار والبحيرات، مستبعداً البيئات البحرية والساحلية. ويحد هذا الاستبعاد من ملاءمة الإطار لدول المحيط الهادئ التي تحتل فيها أنظمة البحيرات الشاطئية موقعاً محورياً في رفاه الإنسان والبيئة، كما يُغفل الترابط الوثيق بين أنظمة المياه العذبة والبحرية في سياقات الجزر.
وبالنسبة إلى الدول المرجانية، تُعد سلامة البحيرات الشاطئية أساسية للأمن المائي؛ ففي كثير من بلدان المحيط الهادئ، تتجاوز المساحة البحرية الكتلة البرية بكثير، وقد تغيب الأنهار تماماً، وفي هذه السياقات يجب أن يراعي الأمن المائي صحة النظم البيئية للبحيرات الشاطئية التي تدعم إنتاج الغذاء والممارسات الثقافية والقدرة على الصمود أمام الآثار المناخية، وهو واقع لا يعكسه إطار التقرير الحالي.
الزلازل
في ديسمبر 2024، ضرب زلزال بقوة 7.3 درجات مدينة بورت فيلا في فانواتو، متسبباً في أضرار واسعة بالمباني والبنية التحتية، ودُمر الخزانان الرئيسيان للمياه في المدينة، مما قطع إمدادات المياه النظيفة عن آلاف السكان. وألحقت الانهيارات الأرضية والهزات الارتدادية أضراراً بمزيد من البنية التحتية المائية، وتشكلت طوابير طويلة للحصول على المياه المعبأة، وصدر إشعار بغلي المياه، لكن أسراً كثيرة افتقرت إلى الموارد اللازمة للامتثال له.
وكانت الآثار الصحية العامة للزلزال فورية وشديدة؛ فمع تدهور الحصول على المياه النظيفة، ازداد خطر الأمراض، وأفادت اليونيسف بارتفاع حاد في حالات الإسهال، ولا سيما بين الأطفال. كما تضرر المرفق الطبي الرئيسي في بورت فيلا، مما أجبر على نقل المرضى إلى موقع عسكري وزاد الضغط على خدمات الطوارئ الصحية.
ولا يدرج التقرير حالياً الزلازل في تقييمه للقدرة على الصمود أمام الكوارث؛ فرغم أن البعد الخامس يغطي الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه، فإنه يتناول أساساً الفيضانات والجفاف والعواصف، ولا يشمل المخاطر الزلزالية رغم قدرتها على تدمير البنية التحتية المائية، وتلويث الإمدادات، وإطلاق حالات طوارئ صحية عامة كبرى. وبالنسبة إلى البلدان الواقعة في مناطق نشطة زلزالياً، ككثير من بلدان المحيط الهادئ، تمثل هذه فجوة حرجة.
أمواج التسونامي والثورات البركانية
بين ديسمبر 2021 ويناير 2022، ثار بركان هونغا تونغا هونغا هاباي البحري ثلاث مرات، وأطلق الثوران الأخير أمواج تسونامي تسببت في دمار واسع في أرجاء تونغا، إذ بلغ ارتفاع الأمواج عشرين متراً، وطالت آثارها أكثر من 80% من السكان، فدُمرت المنازل، وتضررت البنية التحتية، وتعطل الحصول على الخدمات الأساسية تعطلاً شديداً.
ولوثت أمواج التسونامي مصادر المياه الرئيسية وقوضت إمدادات المياه على المدى الطويل؛ فمعظم المجتمعات في تونغا تعتمد على أنظمة حصاد مياه الأمطار للشرب، وقد غمرتها المياه المالحة خلال التسونامي، فأصبحت الإمدادات المخزنة غير آمنة. كما لوث الرماد البركاني مناطق التجميع وأسطح الجمع، وشهدت طبقات المياه الجوفية الساحلية تسرباً للمياه المالحة، وكان يُتوقع أن يستغرق تعافي هذه المصادر الجوفية ما بين ستة أشهر وأربعة وعشرين شهراً، بحسب الأمطار وغيرها من العوامل البيئية.
ويحد استبعاد المخاطر الجيوفيزيائية من التقرير من ملاءمته للدول الجزرية؛ فرغم حجم الحدث وآثاره المطولة في جودة المياه وتوافرها، لا يدرج التقرير أمواج التسونامي أو الثورات البركانية في تقييمه، إذ تقتصر مؤشرات مخاطر الكوارث في الإطار على الأحداث الهيدرولوجية والجوية، رغم أن المخاطر الجيوفيزيائية قد تُحدث آثاراً لا تقل شدة في أنظمة المياه. ويمثل هذا الإغفال إشكالية خاصة للدول الجزرية الصغيرة، حيث تتضخم عواقب هذه الكوارث بفعل العزلة الجغرافية ومحدودية البنية التحتية.
الاستنتاجات والتوصيات
رغم أن إطار التقرير يوفر معياراً إقليمياً قيّماً لتقييم الأمن المائي في أرجاء آسيا والمحيط الهادئ، وجدت هذه الدراسة أنه لا يمثل السياقات الفريدة للدول الجزرية في المحيط الهادئ تمثيلاً كافياً. فهذه البلدان تواجه تحديات مميزة، كصغر الكتل البرية، والاعتماد على النظم البيئية البحرية، والتعرض المتكرر للمخاطر الجيوفيزيائية، وهي تحديات لا يرصدها الهيكل الحالي، ونتيجة لذلك تظل عناصر رئيسية من الأمن المائي غير مقيّمة على النحو الكافي في معظم أنحاء المنطقة.
وقد برزت خلال التقييم أربع قضايا رئيسية: انخفاض موثوقية البيانات، الذي يتجلى بوضوح في التباين بين درجات الخبراء ونتائج التقرير في معظم الأبعاد الرئيسية؛ وضعف توافر البيانات، مع غياب أكثر من 20% من المؤشرات في بلدان المحيط الهادئ المقيّمة؛ وفجوات الملاءمة، ولا سيما في الأبعاد الثاني والرابع والخامس، حيث لم تعكس المؤشرات الأولويات أو الظروف الإقليمية؛ والانفصال عن الواقع المعاش، إذ يعجز الإطار عن رصد جوانب رئيسية من الأمن المائي في الدول الجزرية الصغيرة والمرجانية.
ولتعزيز قابلية تطبيق التقرير في المحيط الهادئ، تُقترح التعديلات التالية لكل بعد رئيسي:
فالبعد الأول، الأمن المائي للأسر، صالح إلى حد كبير في المحيط الهادئ، ولا يتطلب تعديلات كبيرة، وإن كان يُشجَّع على مراجعته المستمرة لضمان بقاء مقاييسه ملائمة ثقافياً وسياقياً.
وفي البعد الثاني، يجب تعديل ملاءمة القطاعات بما يناسب اقتصادات المحيط الهادئ، إذ ينبغي أن تتيح المنهجية للبلدان اختيار القطاعات الاقتصادية أو ترجيحها بحسب أهميتها؛ فمصايد الأسماك والسياحة مثلاً قد تكون أهم من الزراعة أو الصناعة في بعض سياقات المحيط الهادئ. وستحسّن هذه التعديلات القطاعية الصلاحية لكنها قد تقلل قابلية المقارنة بين البلدان، ويُستبعد تطوير تقييم قابل للمقارنة في المحيط الهادئ.
وفي البعد الثالث، يلزم مزيد من البحث لفهم مشكلات الموثوقية؛ فرغم عدم اقتراح تغييرات فورية، سجل هذا البعد أدنى موثوقية بين جميع الأبعاد، ويلزم بحث مركز لمعرفة ما إذا كانت المقاييس أو الافتراضات الأساسية غير متوافقة مع واقع المحيط الهادئ.
وفي البعد الرابع، يجب إدراج النظم البيئية البحرية والبحيرات الشاطئية، إذ ينبغي توسيعه ليشمل صحة البحيرات الشاطئية وجودة المياه البحرية وخدمات النظم البيئية الساحلية، وهي مؤشرات محورية للأمن المائي البيئي في المحيط الهادئ. وتشمل التوصيات الإضافية إتاحة ترجيح متغير بين البيئات العذبة والمالحة بحسب السياق الوطني، وإنشاء ثلاثة أطر فرعية قابلة للمقارنة مصممة للجزر الكبيرة والجزر الصغيرة والجزر المرجانية، والاعتراف بالتباين داخل البلد الواحد، ولا سيما في البلدان التي تضم جزراً رئيسية كبيرة وجزراً خارجية نائية.
وفي البعد الخامس، ينبغي إضافة المخاطر الجيوفيزيائية إلى مقاييس القدرة على الصمود أمام الكوارث، بتوسيعه ليشمل الزلازل والثورات البركانية وأمواج التسونامي، التي لها آثار كبيرة وموثقة جيداً في أنظمة المياه في المحيط الهادئ. ويُرجح أن يظل هذا النهج المعدل قابلاً للمقارنة على مستوى المنطقة، نظراً للتعرض المشترك لهذه الأنواع من المخاطر.
ومن خلال إدماج هذه التعديلات الموجهة، يمكن للتقرير أن يتطور إلى أداة تقييم أكثر شمولاً وحساسية للسياق، إذ ستعكس المنهجية المنقحة تحديات الأمن المائي المتنوعة في الدول الجزرية في المحيط الهادئ بدقة أكبر، وستسهم في تعزيز الرصد الإقليمي والعالمي للقدرة على الصمود المائي.
