الفصل الثالث: دراسات موضوعية معمقة
احتياجات الاستثمار في قطاع المياه في آسيا والمحيط الهادئ
الملخص
تواجه منطقة آسيا والمحيط الهادئ تحدياً مصيرياً يتمثل في الحاجة الملحة إلى سد فجوة مستمرة ومتسعة في الاستثمار المائي. فلتلبية الاحتياجات المتنامية بسرعة في مجال المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية خلال الفترة من 2025 إلى 2040، يتعين على المنطقة حشد ما يقدر بأربعة تريليونات دولار، أي ما يعادل نحو 250 مليار دولار سنوياً. غير أن الاستثمار السنوي الحالي لا يتجاوز نحو 100 مليار دولار، أي أقل من 40% مما هو لازم، مما يخلّف عجزاً سنوياً يزيد على 150 مليار دولار. ويقوض هذا العجز الأمن المائي تقويضاً كبيراً، ويربك التقدم الاجتماعي والاقتصادي، ويهدد تحقيق أهداف التنمية المستدامة في منطقة تعاني أصلاً من تفاوتات حادة في الحصول على المياه وجودتها.
ويبرز التحليل الوارد في هذا الفصل حاجة ماسة إلى مزيد من الابتكار وتطبيقه لتوسيع نطاق الاستثمار، على أن يكون ذلك مستجيباً للاحتياجات المحلية ومراعياً للسياق المحلي. فترتيبات التمويل مثلاً ينبغي أن تراعي عدالة التوزيع، إدراكاً لأهمية تقديم الخدمات على نحو مستدام وشامل وتعزيز القدرة على الصمود في منطقة شديدة التنوع.
وقد عُرضت في فصول أخرى أمثلة عدة على الابتكار والتقدم، ويبرز هذا الفصل أن الاعتماد التقليدي على التمويل الميسر والتجاري ينبغي أن يُستكمل بتركيز أكبر على الكفاءة التشغيلية. وينبغي أن تشمل مجالات التركيز الحد من الفاقد والتسربات، وتحسين تحصيل التعرفة، والتركيز الموجه على استرداد التكاليف. ويدعم التقدم في هذه المجالات نشوء حلقة إيجابية تتيح فيها الكفاءة المحسنة الوصول إلى تمويل إضافي. لكن التقدم على نطاق واسع يتطلب من صانعي السياسات تحديد مواطن القصور المنهجية واستحداث حوافز لمعالجتها، بما في ذلك تشجيع مشاركة القطاع الخاص حيثما كان ذلك مناسباً.
ولم تسهم بنوك التنمية متعددة الأطراف إلا بمبلغ 19.6 مليار دولار في البنية التحتية المائية على مستوى العالم عام 2024، وهي حصة ضئيلة من إجمالي الاحتياجات. ومع ذلك، يمكن حتى للموارد المحدودة أن تحدث أثراً كبيراً حين تُستخدم استخداماً استراتيجياً للحد من مخاطر الاستثمار، وتحسين أداء الخدمات على المدى الطويل، واجتذاب تمويل تجاري إضافي.
مقدمة
يتطلب تحقيق الأمن المائي في أرجاء آسيا والمحيط الهادئ استثماراً مستداماً وواسع النطاق. فخدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية تشكل ركيزة للصحة العامة والنمو الاقتصادي والقدرة على الصمود أمام مخاطر المناخ والكوارث، ومع ذلك لا تزال اقتصادات كثيرة في المنطقة تواجه نقصاً كبيراً في التمويل. ويستجيب هذا الفصل لحاجة ملحة تتمثل في تحسين فهم حجم الاستثمار اللازم لتحقيق الأهداف المائية الإقليمية خلال الأعوام الخمسة عشر المقبلة، وتحديد سبل عملية لسد الفجوة.
المنهجية والاعتبارات المنهجية
نهج التقدير
يقدّر هذا التحليل الاستثمار اللازم في البنية التحتية لخدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في خمسة وأربعين من البلدان الأعضاء النامية لدى بنك التنمية الآسيوي بين عامي 2025 و2040، مع استبعاد أستراليا واليابان ونيوزيلندا وجمهورية كوريا وتركيا. ويستند إلى تقرير البنك "تلبية احتياجات آسيا من البنية التحتية"، الذي توقع احتياجات البنية التحتية من 2016 إلى 2030 باستخدام متغيرات الاقتصاد الكلي. ورغم استخدام بيانات ذلك التقرير لتحديد خط الأساس، يطبق هذا التحليل منهجية مستقلة ويمد الإسقاطات حتى عام 2040، ويحدّث تلك التقديرات بنهج تنازلي مماثل لتعكس الظروف الراهنة والإسقاطات المستقبلية.
وقُدرت احتياجات الاستثمار باستخدام خمسة مؤشرات للاقتصاد الكلي بوصفها بدائل تقريبية للطلب على البنية التحتية، هي: نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وعدد السكان، والتحضر، والإنتاج الصناعي التحويلي، والإنتاج الزراعي. وطُبق لكل بلد استقراء خطي استناداً إلى بيانات تاريخية تمتد حتى عشر سنوات، ثم احتُسب متوسط التغير عبر المتجهات الخمسة لاستخلاص معامل قياس، يُطبق لتوليد إسقاطات لإجمالي احتياجات البنية التحتية من 2025 إلى 2040. واحتُفظ بإسقاطات التقرير المرجعي للفترة من 2025 إلى 2030، وأُضيفت تقديرات جديدة للفترة من 2031 إلى 2040، وجميع القيم معبر عنها بالدولار الأمريكي الثابت لعام 2024.
أما تقدير حصة البنية التحتية المرتبطة بالمياه فهو أكثر تعقيداً، إذ تتباين التعريفات تبايناً واسعاً؛ فبيانات التقرير المرجعي تشير إلى أن المياه تمثل 3.5% من احتياجات البنية التحتية، بينما يورد البنك الدولي أرقاماً تصل إلى 18.5%. ونستخدم القيمة الوسطى، أي 11%، تقديراً إقليمياً، ونطبقها بصورة موحدة لغياب بيانات موثوقة خاصة بكل بلد، رغم أن القيم الفعلية تختلف على الأرجح من بلد لآخر.
الافتراضات والقيود
ينبغي تفسير التقديرات المعروضة هنا بحذر، فهي تستند إلى التغيرات المتوقعة في متغيرات الاقتصاد الكلي بوصفها بدائل تقريبية للاحتياجات الفعلية من البنية التحتية. ويبسّط هذا النهج سياقاً إقليمياً شديد التنوع، ولا يستطيع أن يعكس بالكامل الفروق الهيكلية والقطاعية بين الاقتصادات.
ورغم إجراء التحليل الأساسي على المستوى القُطري، تُعرض النتائج في صورة مجاميع للمناطق الفرعية، باستثناء الصين والهند نظراً لحجم استثماراتهما المتوقعة. ويساعد ذلك على تجنب خلق إحساس زائف بالدقة قد ينجم عن التقديرات القُطرية، ويعكس الهدف الأساسي للدراسة المتمثل في تحديد حجم الاستثمار اللازم على مستوى المنطقة.
ومن القيود الرئيسية أن إسقاطات الاقتصاد الكلي لا تأخذ في الحسبان الفروق في نوع البنية التحتية القائمة أو تكلفتها أو فعاليتها، ولا تعكس التفاوت في كثافة استخدام المياه بين القطاعات الاقتصادية. ورغم مقارنة النتائج بدراسات أخرى ووجود اتساق عام معها، إذ تقدّر إحدى الدراسات احتياجات الاستثمار المائي الإقليمية بما يتراوح بين 120 و330 مليار دولار سنوياً حتى عام 2030، فإن المنهجية لا تقدم سوى تقريب عام.
ويمكن للعمل المستقبلي تعزيز هذا التحليل من خلال نهج تصاعدي مكمّل، قد يشمل حصراً وطنياً للبنية التحتية، وخطط استثمار قطاعية، وتقييمات للأنظمة القائمة. كما سيكون من المفيد دراسة مصادر التمويل وآليات الصرف وطرائق الوصول التي تحدد كيفية حشد الاستثمار.
التقاطع مع الأبعاد الرئيسية للتقرير
يمثل هذا الفصل فصلاً موضوعياً ضمن تقرير 2025، ولا يركز على بعد رئيسي واحد، بل يبين كيف ترتبط احتياجات الاستثمار بالأبعاد الخمسة جميعها.
وتتجلى أقوى الروابط مع البعد الأول (الأمن المائي للأسر الريفية) والبعد الثالث (الأمن المائي الحضري)، إذ تسهم هذه الاستثمارات في نهاية المطاف أيضاً في البعد الثاني (الأمن المائي الاقتصادي). ومع سد فجوة الاستثمار، سيصبح من الضروري على نحو متزايد ضمان القدرة على التكيف مع الضغوط المناخية ومعالجة مخاطر تدهور النظم البيئية، ولذلك يكتسب هذا التحليل أهمية أيضاً للبعد الرابع (الأمن المائي البيئي) والبعد الخامس (القدرة على الصمود أمام الكوارث المرتبطة بالمياه).
وقد تضمن تقرير البنك لعام 2017 تقديرات للاستثمار مع تكاليف التخفيف من تغير المناخ والتكيف معه ومن دونها، ورفع إدراج هذه التكاليف التقديرات الإجمالية بنسبة 13%. ورغم أن هذا الرقم لم يُفصّل للبنية التحتية المائية، فمن المرجح أن يكون بديلاً تقريبياً متحفظاً، إذ تتطلب أنظمة المياه عادة استثماراً أكبر مرتبطاً بالتكيف مقارنة بأنواع البنية التحتية الأخرى. وتجنباً للاحتساب المزدوج، لم تُدرج التكاليف الخاصة بالمناخ في التقديرات الرئيسية، لكن تطبيق زيادة الـ13% على النتائج سيرفع احتياجات الاستثمار السنوية بمقدار 33 مليار دولار، من 250 مليار دولار إلى نحو 290 مليار دولار، مما يشير إلى أن القدرة على الصمود المناخي قد تكون مصدراً مهماً للتقدير الناقص.
وفيما يتعلق بالبعد الأول، استُمدت مجموعة بيانات من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لتحليل تمويل خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية بين عامي 2018 و2023، وهي تغطي جميع البلدان الأعضاء النامية تقريباً، وتتيح التمييز بين الالتزامات والمبالغ المصروفة. ولأغراض التحليل، فُصلت استثمارات بنوك التنمية متعددة الأطراف عن المصادر الأخرى كالمؤسسات الخيرية والمنظمات غير الحكومية، وعُرضت استثمارات بنك التنمية الآسيوي إلى جانب استثمارات بنوك التنمية متعددة الأطراف الأخرى.
وتكشف مجموعة البيانات عن أنماط رئيسية؛ فالفروق في مستويات التمويل بين المناطق الفرعية تعكس عموماً حجم السكان ومستوى الدخل، كما تبين البيانات الدور المحوري للبنك شريكاً في تمويل قطاع المياه في أرجاء المنطقة. ومن الاتجاهات اللافتة الفجوة المستمرة بين المبالغ الملتزم بها والمبالغ المصروفة، مما يشير إلى أن استثمارات كبيرة قد تظل "محتجزة" ضمن الالتزامات القائمة.
الإمداد الذاتي للأسر
قدّرت دراسة أكاديمية حديثة أن أكثر من 760 مليون شخص، أي نحو 32% من سكان شرق آسيا وجنوب شرقها والمحيط الهادئ، اعتمدوا في عام 2018 على الإمداد الذاتي لمياه الشرب بدلاً من المرافق العامة، وأن هذا العدد يزداد بنحو 9 ملايين شخص سنوياً. ومن ثم تمثل الأسر مصدراً رئيسياً، لكنه غالباً غير مقدّر كمياً، لتمويل البنية التحتية المائية، مع تفاوت كبير بين البلدان الأعضاء النامية. غير أن من المهم الإشارة إلى أن الإمداد الذاتي للأسر كثيراً ما لا يستوفي معيار الإدارة الآمنة.
ولا تتضمن نماذج الاستثمار الاستقرائية، كالنموذج المستخدم في هذه الدراسة، الإمداد الذاتي للأسر عادة في تقديرات خط الأساس. فالفروق في حجم الأسر ونوع البنية التحتية واحتياجات الصيانة والاستبدال وعمر الأنظمة والقرب من مصادر المياه تسهم جميعها في تعقيد تقدير الاحتياجات في هذا المجال.
ورغم صعوبة قياسه على نطاق واسع، يُرجح أن يمثل الإمداد الذاتي للأسر حصة كبيرة من إجمالي الاستثمار في البنية التحتية المائية في كثير من البلدان الأعضاء النامية، ويُحتمل أن يكون هذا الشكل من الاستثمار مقدراً بأقل من حقيقته في معظم التقييمات الإقليمية، بما فيها هذا التقييم. وستكون الجهود المستقبلية لرصد مساهمات الأسر بدقة أكبر مهمة لتكوين صورة كاملة عن الأمن المائي الإقليمي.
النتائج
يبين التحليل أن هناك حاجة إلى استثمارات تبلغ نحو 4 تريليونات دولار، أي 250 مليار دولار سنوياً، خلال الفترة من 2025 إلى 2040، وتستأثر الصين بنحو 2.2 تريليون دولار والهند بنحو 0.9 تريليون دولار، أي بأكثر من ثلاثة أرباع هذا الإجمالي. وتستند هذه الأرقام إلى تقديرات فردية لكل من البلدان الأعضاء النامية الخمسة والأربعين المشمولة بالتحليل.
وتقوض فجوة الاستثمار المتسعة أهداف الأمن المائي الإقليمية، إذ تُقدَّر مستويات الاستثمار الحالية بنحو 100 مليار دولار سنوياً، أي أقل من 40% من الاحتياجات المتوقعة. ويتفاوت هذا العجز تفاوتاً كبيراً بين البلدان، ومن المرجح أنه مقدّر بأقل من حقيقته، لأن المنهجية الحالية لا تدرج بصورة منهجية التكاليف الإضافية للتكيف المناخي.
تقدير احتياجات الاستثمار المائي للصين والهند
نظراً لحجم الصين والهند وأهميتهما في المنطقة، تُعرض تقديرات قُطرية محددة لكل منهما، تستند إلى احتساب متدرج يستخدم إسقاطات الاستثمار في البنية التحتية وحصة منسوبة إلى قطاع المياه.
ففي الخطوة الأولى، يُحدد خط الأساس للاحتياجات للفترة من 2016 إلى 2030؛ إذ تشير تقديرات التقرير المرجعي، معبراً عنها بعملة ثابتة لعام 2024، إلى أن احتياجات الصين تبلغ 15,300 مليار دولار إجمالاً، أي 1,021 مليار دولار سنوياً، واحتياجات الهند 6,762 مليار دولار إجمالاً، أي 452 مليار دولار سنوياً.
وفي الخطوة الثانية، تُقدَّر التغيرات للفترة من 2031 إلى 2040، إذ وُضع معامل قياس باستخدام التغيرات المتوقعة في المتغيرات الاقتصادية الرئيسية بين الفترتين.
وفي الخطوة الثالثة، تُقدَّر الاحتياجات السنوية للفترة من 2031 إلى 2040 بتطبيق معامل القياس على خط الأساس السنوي؛ فتبلغ احتياجات الصين 1,021 مضروبة في 1.32، أي 1,350 مليار دولار سنوياً، واحتياجات الهند 452 مضروبة في 1.29، أي 582 مليار دولار سنوياً.
وفي الخطوة الرابعة، تُحتسب الاحتياجات الإجمالية للفترة من 2025 إلى 2040 بالجمع بين تقدير التقرير المرجعي للفترة من 2025 إلى 2030 والأرقام المعدلة للفترة من 2031 إلى 2040، فتبلغ 19,627 مليار دولار للصين و8,527 مليار دولار للهند.
وفي الخطوة الخامسة، تُنسب الحصة إلى قطاع المياه بافتراض أنه يمثل 11% من إجمالي احتياجات الاستثمار في البنية التحتية، فتبلغ احتياجات الصين 2,159 مليار دولار إجمالاً، أي 135 مليار دولار سنوياً، واحتياجات الهند 938 مليار دولار إجمالاً، أي 59 مليار دولار سنوياً، للفترة من 2025 إلى 2040.
المناقشة
تقصر المستويات الحالية للاستثمار المائي في آسيا والمحيط الهادئ كثيراً عما هو مطلوب، إذ يشير هذا التحليل إلى أن ما يُحشد لا يتجاوز 40% من متطلبات الاستثمار السنوية. ولن يتطلب سد هذه الفجوة زيادة التمويل فحسب، بل سيستلزم مقاربات جديدة لتقدير قيمة المياه وتسعيرها.
وتتسق التقديرات مع الدراسات السابقة لاحتياجات الاستثمار؛ إذ تقدّر إحداها الاحتياجات الإقليمية بما يتراوح بين 120 و330 مليار دولار سنوياً حتى عام 2030. كما قدّرت دراسة سابقة للبنك الدولي، استشهدت بها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وأُدرجت في تقرير 2020، متطلبات الاستثمار في المنطقة بنحو 198 مليار دولار سنوياً حتى عام 2030. وتمتد فترة التقدير في هذه الدراسة حتى عام 2040، وتأخذ في الحسبان الاحتياجات الإضافية المرتبطة بالنمو السكاني خلال تلك الفترة.
ويتنامى الزخم حول ضرورة إعادة التفكير في كيفية تقدير قيمة المياه، وتعكس أدبيات الممارسين وصانعي السياسات هذا التحول على نحو متزايد. غير أن جهود إصلاح التسعير كثيراً ما تواجه مقاومة سياسية، ولا سيما حيث يُنظر إلى إصلاح التعرفة على أنه عسير التنفيذ. ومع اتساع الإدراك لإلحاح فجوة الاستثمار، يتزايد الضغط لتحديد حلول قابلة للتوسع وممكنة سياسياً تكسر الوضع القائم.
فالطلب السنوي على تمويل المياه هو دالة للإنفاق اللازم على النفقات الرأسمالية والتشغيلية ونفقات الصيانة، مضافاً إليه تكلفة سداد أصل الدين والفوائد، ويمكن خفض الطلب على التمويل بأي وفورات تتحقق من تحسين الكفاءة. وفي الجهة المقابلة، يأتي عرض التمويل من تعرفة المستخدمين والميزانيات الحكومية والتمويل الميسر والتمويل التجاري. ولكي تكون أنظمة المياه مستدامة، يجب أن يلبي عرض التمويل طويل الأمد الطلب عليه أو يتجاوزه.
ويظل خفض الطلب تحدياً إذا أرادت البلدان بلوغ أهدافها في تحقيق أمن مائي قادر على الصمود أمام تغير المناخ، غير أن المكاسب في الكفاءة التشغيلية وإدارة الأصول والحد من الفاقد يمكن أن تخفف ضغوط التكاليف. وتتيح ابتكارات المياه الرقمية، كأجهزة الاستشعار الذكية والصيانة التنبؤية والذكاء الاصطناعي، فرصاً جديدة، ويدعم البنك هذه الجهود من خلال نهج الابتكار المتسارع وبرامج التوأمة بين المرافق.
ورغم هذه المبادرات، سيتطلب سد الفجوة مصادر جديدة وموسعة للتمويل. وثمة خمس رافعات رئيسية هي: مكاسب الكفاءة، وإيرادات التعرفة، والدعم الحكومي، والتمويل الميسر، والتمويل التجاري، وهذه المصادر ليست قابلة للتبادل فيما بينها. فكثير من خطط الاستثمار الوطنية تركز على التمويل الميسر أو التجاري، لكنها لا تستغل على النحو الكافي فرص تعزيز الإيرادات أو توفير التكاليف. غير أن التمويل التجاري يعتمد على قدرة المشروع على السداد، مما يجعل استراتيجيات استرداد التكاليف بالغة الأهمية.
وتوفر التعرفة المعبرة عن القيمة الحقيقية للمياه وسيلة عملية وفعالة لسد فجوة الاستثمار، إذ تزيد الإيرادات مباشرة وتخلق حوافز للكفاءة، كما تعزز الملاءة المالية للمرافق، مما يتيح لها الحصول على القروض والتمويل المناخي والاستثمار الخاص.
ويتطلب تطبيق هذه التعرفة خطوات عدة؛ إذ تحتاج البلدان إلى آليات لاستكشاف قيمة المياه، وإطار مالي، وأدوات تجريبية لدعم التمايز في التعرفة، ومواءمة مع السياسات الوطنية. كما تُعد مشاورات أصحاب المصلحة والقدرات المؤسسية عناصر حاسمة. وفي حالات كثيرة، تلزم خطوة انتقالية بين استكشاف القيمة والإصلاح الرسمي للتعرفة.
ويمكن للتسعير الظلي أن يؤدي هذا الدور الوسيط، إذ يساعد على تقدير القيمة الاقتصادية الحقيقية للمياه عبر القطاعات، كالزراعة والصناعة والأسر، بناءً على كيفية استخدام المياه ومكانه وزمانه. ومن أساليبه التسعير الهيدوني، الذي يربط هذه الخصائص بالقيمة المدركة أو الفعلية للمياه، مما يوفر أساساً لتصميم هياكل تعرفة أكثر إنصافاً وفعالية.
ويُعد تطبيق أطر مالية كهذه على المستوى الوطني نهجاً مبتكراً، إذ يدعم تصميم التعرفة بتحديد حجم الاستثمار اللازم ومواضعه كمياً. وتظل القرارات النهائية بيد صانعي السياسات، الذين يتعين عليهم الموازنة بين خيارات كمستويات الدعم وآليات الحماية الاجتماعية ودرجة القدرة على الصمود المطلوبة.
الخلاصة والخطوات التالية
ستتطلب تلبية احتياجات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في آسيا والمحيط الهادئ حتى عام 2040 استثمارات تقدر بنحو 4 تريليونات دولار، أي 250 مليار دولار سنوياً، في حين لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً نحو 40% من هذا المبلغ. ويُعد سد هذه الفجوة أمراً أساسياً للنهوض بالأمن المائي عبر الأبعاد الرئيسية الخمسة للتقرير.
ولم تُحدد بعد احتياجات الاستثمار المرتبطة ببعض الأبعاد الرئيسية، كما يُستبعد الإمداد الذاتي للأسر من تقديرات خط الأساس رغم اتساع نطاقه، ويُتوقع أن يمثل كلا المجالين حصة أكبر من إجمالي احتياجات الاستثمار المائي بحلول عام 2040.
ومن القضايا الرئيسية أن أنظمة التمويل الحالية لا تعكس كيف تتفاوت قيمة المياه بحسب من يستخدمها ومتى وأين ولماذا، ومن دون تغيير، قد يظل ملايين الناس في المنطقة حبيسي انعدام الأمن المائي طويل الأمد.
ومن خلال اعتماد التسعير الظلي خطوةً وسيطة، يمكن للبلدان أن تبدأ في الكشف عن القيمة الحقيقية للمياه عبر مختلف الاستخدامات والمستخدمين، بما يدعم تصميم تعرفة معبرة عن القيمة تولّد مزيداً من التمويل، وتعزز الكفاءة، وتوجه الاستثمار المنصف.
ويُقترح ثلاث خطوات تالية لتعزيز التخطيط المستقبلي للاستثمار. أولاها تحسين دقة تقدير احتياجات الاستثمار المائي على المستوى القُطري من خلال تقييم تصاعدي للبنية التحتية القائمة، وتوسيعه ليشمل الاستثمار الأوسع في البنية التحتية المائية، على أن يدمج إسقاطات الطلب بحسب فئات مستخدمي المياه، وإسقاطات العرض التي تتضمن تحليلاً احتمالياً للآثار المحلية لتغير المناخ. وثانيتها تطبيق البيانات ضمن نموذج لاستكشاف القيمة يستنير به إطار للتسعير الظلي للمياه، يراعي لا حجم المياه المستهلكة فحسب، بل أيضاً من يستهلكها ومتى وأين ولأي غرض، بهدف تعزيز الاستدامة المالية للتدخلات التي تنهض بالأمن المائي. وثالثتها تجريب هذا النهج والتحقق منه في عينة من البلدان الأعضاء النامية، ومن المخرجات المتوقعة تسعير ظلي معبر عن القيمة يوجه إصلاحات التعرفة ويحسّن الاستدامة المالية لإدارة الموارد المائية وتقديم الخدمات معاً، مع ترسيخ مشاركة أصحاب المصلحة طوال مراحل التصميم والتنفيذ.
التغيرات في حالة الغلاف الجليدي وآثارها في الأمن المائي
الملخص
يُعد ذوبان الأنهار الجليدية والثلوج عاملاً حيوياً للأمن المائي في أرجاء آسيا. فالغلاف الجليدي الجبلي، بما يضمه من أنهار جليدية وثلوج وتربة صقيعية دائمة، يغذي الأنهار، ويدعم الزراعة وتوليد الطاقة الكهرومائية، ويمد الملايين بمياه الشرب. ومع ارتفاع حرارة المناخ، تنكمش هذه النظم المتجمدة بسرعة، مما يغير كمية المياه المتاحة وتوقيت توافرها معاً.
ويحتوي الغلاف الجليدي على نحو 70% من المياه العذبة على الأرض، ويعتمد عليه أكثر من ملياري شخص في أرجاء آسيا في جزء من إمداداتهم المائية. وحتى لو اقتصر الاحترار العالمي على درجتين مئويتين، يُتوقع أن يختفي ما بين 30% و50% من الأنهار الجليدية في جبال هندوكوش الهيمالايا بحلول نهاية القرن، مما يؤثر تأثيراً كبيراً في إمدادات المياه في المنطقة.
ومن أهم التغيرات الجارية بلوغ ذروة المياه؛ فمع تسارع ذوبان الأنهار الجليدية، تزداد تدفقات الأنهار في البداية، وقد يفيد هذا المكسب قصير الأمد الري وإمدادات المياه الريفية والحضرية وتوليد الطاقة. لكن هذه الزيادة مؤقتة، فبعد بلوغ الذروة يبدأ الجريان السنوي في التراجع مع انكماش كتلة الأنهار الجليدية. وقد تجاوزت بعض أحواض الأنهار هذه العتبة بالفعل، ويُتوقع أن تبلغها أحواض كثيرة أخرى في العقود المقبلة. والتخطيط الذي يعتمد على التدفقات المرتفعة الحالية يخاطر بترسيخ شح المياه مستقبلاً.
ولا يزال التمويل والتنسيق يمثلان فجوتين رئيسيتين في الاستجابة الإقليمية. فكثيراً ما تفتقر المجتمعات الجبلية إلى التمويل اللازم للزراعة القادرة على الصمود أمام تغير المناخ، أو لأنظمة الإنذار المبكر، أو لتحديث البنية التحتية. والاستثمار الخاص محدود، وكثير من البرامج العامة لم تُصمم للمناطق المرتفعة أو النائية، مما يجعل الأدوات المالية المصممة وفق الاحتياجات وخطط الحوافز ومنصات التمويل الإقليمية ضرورة ملحة.
ويُعد تحسين التنسيق أمراً أساسياً كذلك، فالغلاف الجليدي كثيراً ما يمتد عبر الحدود الوطنية، بينما يظل التعاون العابر للحدود ضعيفاً. ويمكن لأنظمة الرصد المشتركة، ووضع السياسات المشتركة، والجهود التعاونية للحد من المخاطر أن تساعد على تجنب سوء التكيف وتحسين حوكمة المياه. وتبين نماذج ناشئة كمبادرة "من الأنهار الجليدية إلى المزارع" كيف يمكن للربط بين احتياجات المنبع والمصب أن يحقق منافع مشتركة.
وستتطلب إدارة التحول إلى عالم ما بعد ذروة المياه تحركاً عاجلاً ومنسقاً على جميع المستويات. ومع السياسات والاستثمارات والشراكات الصحيحة، يمكن للبلدان أن تحد من المخاطر وتعزز أمنها المائي في ظل مناخ متغير.
مقدمة
يُعد الأمن المائي من أكثر التحديات إلحاحاً في العالم، إذ يُختزن نحو 70% من المياه العذبة على كوكب الأرض في الغلاف الجليدي. وتؤدي هذه المناطق المتجمدة دوراً حيوياً في تنظيم إمدادات المياه، بما يترتب على ذلك من عواقب كبيرة على إنتاج الغذاء ومخاطر الكوارث ونظم الطاقة.
ويشير الغلاف الجليدي إلى كل المياه المتجمدة على الأرض، بما فيها التربة الصقيعية الدائمة والأنهار الجليدية والغطاء الثلجي الموسمي. وفي آسيا، تنظم هذه النظم المتجمدة تدفقات الأنهار، وتدعم الزراعة، وتديم إمدادات المياه لمليارات الناس في أرجاء المنطقة، وهي ضرورية لإدارة تدفقات موسم الجفاف، وتغذية المياه الجوفية، وضمان توافر المياه على المدى الطويل في كثير من أحواض الأنهار الكبرى في آسيا.
وتنكمش الأنهار الجليدية الجبلية في كل مكان تقريباً، مساحةً وحجماً، وتتسارع هذه الوتيرة. ورغم أن قدراً من فقدان الأنهار الجليدية بات حتمياً، تبين الأبحاث أنه لا يزال من الممكن الحفاظ على ما يصل إلى ضعف الكتلة الجليدية إذا خُفضت الانبعاثات بسرعة وحُصر الاحترار في حدود 1.5 درجة مئوية، بما يتوافق مع اتفاق باريس.
وبعض الأنهار الجليدية في مناطق معينة صغيرة إلى حد قد تختفي معه تماماً في غضون بضعة عقود. وسيتوقف مستقبل الأنهار الجليدية في آسيا إلى حد كبير على مسار الانبعاثات العالمية؛ فحتى أدنى خسارة ممكنة، كالتراجع بنسبة 15% المتوقع في سيناريو استقرار الاحترار عند 1.5 درجة مئوية في جبال قراقرم وغرب الهيمالايا، ستكون لها عواقب كبيرة. وستؤدي الانبعاثات الأعلى إلى ذوبان أسرع وأوسع نطاقاً، مع أشد الآثار في أحواض الأنهار التي تعاني أصلاً من الإجهاد المائي أو تعتمد على مياه الذوبان الموسمية.
وسيشكل انحسار الأنهار الجليدية ملامح توافر المياه والزراعة والنظم الاقتصادية في المنطقة. فالأنهار الجليدية، والغطاء الثلجي إلى حد ما، تعمل بمثابة مخزن احتياطي للموارد المائية، وتكتسب قيمة خاصة خلال الطقس الحار والجاف حين يزداد الذوبان. والمخاطر جدية، لكنها قد تدفع أيضاً نحو أشكال جديدة من التعاون والاستثمار العابرين للحدود. وستتفاوت طبيعة الآثار وشدتها في أرجاء آسيا؛ فالأراضي الجافة التي تعتمد اعتماداً كبيراً على ذوبان الأنهار الجليدية والثلوج قد تواجه شحاً أكبر في المياه وجفافاً أشد، بينما قد تشهد أنظمة الرياح الموسمية فيضانات وانهيارات ثلجية أكثر تواتراً وشدة مع فقدان الأثر الموازن للغلاف الجليدي. واستجابة لانكماش الغلاف الجليدي وغيره من التغيرات في الموارد المائية، تُبذل جهود في أرجاء آسيا لإنشاء مخازن اصطناعية، تتراوح بين خزانات المياه الكبيرة والأبراج الجليدية الصغيرة وزراعة الانهيارات الثلجية وتخزين الثلوج.
ويلخص هذا الفصل المخاطر والفرص التي تنشأ للأمن المائي في آسيا والمحيط الهادئ عن التغيرات في الغلاف الجليدي، ويبرز كيف ستتوقف الآثار المستقبلية على وتيرة خفض انبعاثات غازات الدفيئة وحجمه، ويستكشف كيف قد تتأثر مختلف الأحواض والقطاعات. ومن خلال فهم هذه الديناميكيات، يمكن للحكومات وشركاء التنمية التخطيط للتكيف على نحو أفضل، وإدارة المخاطر، وحماية أنظمة المياه الحيوية.
وتتفاوت المساهمات النسبية لذوبان الأنهار الجليدية وذوبان الثلوج والأمطار بين أحواض الأنهار الكبرى في آسيا، وكثيراً ما يؤدي ذوبان الثلوج دوراً أكبر من ذوبان الأنهار الجليدية، مما يبرز تعقيد مصادر الجريان وتنوعها في المستجمعات التي تغذيها الأنهار الجليدية والثلوج. وتُعد هذه الديناميكيات أساسية لإدارة توافر المياه الموسمي، وتخطيط البنية التحتية، والحفاظ على صحة النظم البيئية.
التغيرات في الغلاف الجليدي الجبلي في آسيا
الأنهار الجليدية الجبلية: الفقدان والآثار
تُعد آسيا المرتفعة أكثر مناطق العالم تغطية بالجليد خارج القطبين، إذ تضم نحو 30% من الأنهار الجليدية الجبلية في العالم على مساحة 98,752 كيلومتراً مربعاً. وبين عامي 2000 و2019، أظهرت جميع الأنهار الجليدية في المنطقة تقريباً تسارعاً في فقدان الكتلة. وكان بعضها، كأنهار قراقرم، أكثر صموداً بفضل ارتفاعها وشكلها الهندسي، لكن حتى هذه الأنهار الجليدية باتت تفقد الجليد الآن.
جبال هندوكوش الهيمالايا
جاء انحسار الأنهار الجليدية في هندوكوش الهيمالايا أبطأ منه في بعض المناطق الأخرى كالقوقاز، غير أن ثمة تدرجاً واضحاً من الغرب إلى الشرق، والخسائر في تزايد. ونظراً لاعتماد كثير من السكان في المصب على مياه الذوبان، فإن حتى التغيرات الصغيرة قد تُحدث آثاراً كبيرة. ومنذ عام 2000، تسارع فقدان الأنهار الجليدية تسارعاً حاداً، إذ فُقدت في العقد الثاني من القرن كتلة تزيد بنسبة 65% على ما فُقد في العقد الأول.
جبال قراقرم وغرب الهيمالايا
تضم جبال قراقرم وغرب الهيمالايا معاً 30,590 كيلومتراً مربعاً، أي ما يقارب ثلث مساحة الأنهار الجليدية في آسيا المرتفعة، بحجم إجمالي يبلغ 4,874 كيلومتراً مكعباً. وفي مطلع هذا القرن، وصفت "ظاهرة قراقرم الشاذة" استقرار الأنهار الجليدية في المنطقة أو نموها، وهو اتجاه نادر في وقت كانت فيه معظم الأنهار الجليدية في العالم تنحسر. غير أن هذا الاتجاه انعكس الآن، إذ كانت الأنهار الجليدية في هذه المنطقة بين عامي 2010 و2019 إما مستقرة أو منحسرة.
القوقاز
بين عامي 2000 و2020، تراجعت مساحة الأنهار الجليدية في القوقاز الكبرى بنسبة 23%، وانخفض عددها من 2,186 إلى أقل من ألفين. وشهد الجزء الشرقي من السلسلة أكبر الخسائر، لأن الأنهار الجليدية هناك أصغر حجماً وأكثر حساسية. وتسارع فقدان الأنهار الجليدية في القوقاز أكثر من أي منطقة أخرى في العالم خلال الفترة من 2000 إلى 2019، ليبلغ معدلاً قدره غيغا طن واحد سنوياً في الفترة من 2015 إلى 2019.
بامير
تضم جبال بامير أكثر من 13 ألف نهر جليدي تغطي نحو 12 ألف كيلومتر مربع، ويُعد نهر فيدتشينكو الجليدي، البالغ طوله 77 كيلومتراً، أطول نهر جليدي خارج المناطق القطبية. وفي جنوب بامير، يتزايد الذوبان مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الأمطار، كما باتت الأنهار الجليدية في الشمال الغربي، التي كانت تُعد مستقرة بفعل ظاهرة قراقرم الشاذة، تُظهر هي الأخرى علامات على الفقدان.
تيان شان
تضم جبال تيان شان نحو 15 ألف نهر جليدي تغطي قرابة 2,300 كيلومتر مربع. وبين عامي 1990 و2015، تراجعت مساحة الأنهار الجليدية وحجمها بنسبة 16% إجمالاً، مع خسارة بلغت 30% في الأنهار الجليدية الواقعة دون ارتفاع 3,700 متر. وتشير النمذجة الحديثة إلى أن ما يصل إلى 75% من الكتلة الجليدية قد يختفي بحلول عام 2100.
إندونيسيا: "الأنهار الجليدية الأبدية"
يُتوقع أن تختفي الأنهار الجليدية القريبة من قمة بونتشاك جايا في بابوا الإندونيسية خلال هذا العقد، وربما بحلول عام 2026. فقد تقلصت مساحتها إلى ما بين 0.11 و0.16 كيلومتر مربع فقط بحلول أغسطس 2024، بعد أن كانت 0.23 كيلومتر مربع عام 2022. وتحمل هذه الأنهار الجليدية المدارية الأخيرة في آسيا أهمية رمزية بوصفها مؤشرات على تغير المناخ العالمي.
الغطاء الثلجي
الغطاء الثلجي في المناطق الجبلية العالية شديد التقلب وأصعب رصداً من الأنهار الجليدية، إذ تجعل طبيعته قصيرة العمر وتغيراته الموسمية القوية تتبعه على المدى الطويل أمراً عسيراً. غير أن تقنيات الأقمار الصناعية باتت تتيح رصداً أفضل لامتداد الغطاء الثلجي وتوقيته.
فباستخدام بيانات القمر الصناعي للفترة من 2000 إلى 2018، تبين أن 78% من المناطق الجبلية في العالم تُظهر تراجعاً كبيراً في الغطاء الثلجي. وبتمديد مجموعة البيانات إلى عام 1982 وإدماج مصادر أخرى، تبين أن مدة الغطاء الثلجي تراجعت بما يصل إلى 43 يوماً في بعض المناطق، وأن امتداد الغطاء الثلجي انخفض في المتوسط بنسبة 3.6% بهامش يبلغ 2.7% زيادة أو نقصاناً. وتؤكد نتائج مماثلة فقداناً واسع النطاق للغطاء الثلجي الموسمي.
ولهذا التراجع عواقب أوسع، فذوبان الثلوج يدعم كثيراً من النظم البيئية الحرجية في أرجاء آسيا، وقد بيّن أطلس عالمي أن مساحات واسعة تعتمد على تساقط الثلوج مصدراً رئيسياً للرطوبة. ومع تراجع الثلوج وتبكير الذوبان، يُتوقع أن تصبح الغابات أكثر جفافاً، مما يزيد خطر حرائق أكثر تواتراً وشدة.
وتُظهر الدراسات الإقليمية اتجاهات متباينة؛ فقد لوحظ تراجع في عمق الثلوج ومدة الغطاء الثلجي في تيان شان بين عامي 1940 و1991، بينما شهدت أجزاء من شرق تيان شان وبامير مواسم ثلجية أطول، وقد يعكس ذلك تغير أنماط الهطول التي تعوض الاحترار مؤقتاً. كما رُصد تزايد التقلب في شدة تساقط الثلوج وتوزيعه، مما يجعل الإسقاطات المستقبلية أقل يقيناً.
التربة الصقيعية الدائمة
التربة الصقيعية الدائمة هي الأرض التي تظل متجمدة لعامين متتاليين على الأقل، وتمتد تحت أجزاء واسعة من آسيا المرتفعة، بما فيها سلاسل القوقاز وبامير وقراقرم والهيمالايا. ويغطيها نحو 40% من هضبة مقاطعة تشينغهاي ومنطقة التبت ذاتية الحكم. وعلى المستوى العالمي، تمتد التربة الصقيعية الدائمة تحت ما بين 3.6 و5.2 ملايين كيلومتر مربع من التضاريس الجبلية العالية، أي ما يصل إلى 29% من إجماليها العالمي.
ويصعب رصد التربة الصقيعية الدائمة مباشرة، غير أن بيانات الأقمار الصناعية تساعد على اكتشاف التغيرات السطحية الناجمة عن الذوبان، كالانزلاقات والتعرية. ولا تزال القياسات الأرضية متناثرة، ولا سيما خارج الممر الاقتصادي لمقاطعة تشينغهاي ومنطقة التبت، وحيثما توفرت، فإنها تُظهر اتجاهاً واضحاً نحو الاحترار. فقد رُصد احترار متوسط للتربة الصقيعية الدائمة بمقدار 0.19 درجة مئوية لكل عقد، بهامش قدره 0.05 درجة، بين عامي 2007 و2016، وتؤكد البيانات طويلة الأمد استمرار التدهور في تيان شان ومنغوليا وهضبة تشينغهاي والتبت.
ويؤدي ذوبان التربة الصقيعية الدائمة إلى زعزعة استقرار الأرض، فيزيد مخاطر الانهيارات الأرضية والفيضانات وانهيار البنية التحتية، كما يطلق غازات دفيئة كالميثان تعزز الاحترار العالمي. وتبرز أحداث مثل الانهيار الصخري في تشامولي والتدفق الطيني في ميلامتشي هذه المخاطر. وعلى هضبة تشينغهاي والتبت، يتسبب ذوبان التربة الصقيعية الدائمة في 30% من جميع أضرار الطرق. وعلى المستوى العالمي، قد تكلف أضرار البنية التحتية المرتبطة بذوبانها مليارات الدولارات بحلول عام 2100. ومع اتساع التنمية في أرجاء المنطقة، سيكون فهم أماكن وجود التربة الصقيعية الدائمة وكيفية تغيرها أمراً أساسياً لبناء بنية تحتية قادرة على الصمود وحماية المجتمعات.
الآثار في الأمن المائي
لا يؤثر تغير الغلاف الجليدي في كمية المياه المتاحة فحسب، بل في توقيت توافرها أيضاً. فمع انحسار الأنهار الجليدية وانكماش الغطاء الثلجي، تصل مياه الذوبان على نحو متزايد في وقت أبكر من العام، مما يخل بالدورات المائية الموسمية. وفي مناطق كثيرة، يجلب ذلك فيضانات وترسبات خلال موسم الزراعة، يعقبها نقص في المياه وقت الحصاد، وتفرض هذه التغيرات ضغوطاً كبيرة على الأمن الغذائي وسبل العيش وأنظمة إدارة المياه.
وتمتد المخاطر إلى ما هو أبعد من الزراعة، إذ يرفع فقدان الغلاف الجليدي احتمال فيضانات انفجار البحيرات الجليدية والانهيارات الأرضية والتعرية، وتكون هذه المخاطر بالغة الخطورة في المناطق المكتظة بالسكان أو سريعة التحضر. وإلى جانب المخاطر المباشرة، يؤثر تغير الغلاف الجليدي في إنتاج الطاقة والري ومصايد الأسماك ومياه الشرب والسياحة والنقل والهجرة. بل إن المناطق البعيدة تتأثر أيضاً، إذ يسهم فقدان الأنهار الجليدية في ارتفاع مستوى سطح البحر وتسرب المياه المالحة وتآكل السواحل في مناطق بعيدة في المصب.
مياه الشرب وتوافر المياه العذبة: البعدان الأول والثالث
يدعم ذوبان الثلوج والجليد توافر المياه العذبة خلال مواسم الجفاف، ففي أحواض كثيرة يحافظ على جريان الأنهار، ويديم المحاصيل، ويمد الملايين بمياه الشرب. وفي هندوكوش الهيمالايا، تؤثر التغيرات في الثلوج والجليد تأثيراً مباشراً في أكثر من ملياري شخص، منهم 1.65 مليار يعيشون في المصب.
ومع تراجع الأنهار الجليدية، قد تتأثر جودة المياه أيضاً، إذ يمكن للجليد المنحسر أن يخل بأنماط التدفق الراسخة منذ أمد بعيد، وأن يطلق ملوثات طبيعية وبشرية المنشأ كانت محتجزة في الجليد.
وتشكل اتجاهات الانبعاثات الحالية تهديدات جدية لهذه المصادر المائية؛ ففي مسار الانبعاثات المرتفعة، قد يُفقد أكثر من 80% من حجم الأنهار الجليدية في هندوكوش الهيمالايا بحلول عام 2100، وستكون الخسائر أكبر في آسيا الوسطى والقوقاز. أما إذا حُصر الاحترار قرب درجتين مئويتين، فقد ينخفض فقدان الجليد إلى ما بين 30% و50%. ويحدث تراجع الأنهار الجليدية حين يتجاوز الذوبان تراكم الثلوج، مما يفضي إلى ميزان كتلة سالب بمرور الوقت.
وتتفاوت مساهمة ذوبان الأنهار الجليدية والثلوج تفاوتاً واسعاً بين أنظمة الأنهار؛ فذوبان الأنهار الجليدية يوفر ما يصل إلى 60% من مياه الري في حوض السند، رغم إسهامه الأقل في الحجم الكلي للنهر. وفي المقابل، يهيمن ذوبان الثلوج على نهري آمو داريا بنسبة 74.4% وهلمند بنسبة 77.5%. ويعتمد نهرا الغانج وبراهمابوترا بدرجة أقل على مدخلات الغلاف الجليدي، التي لا تتجاوز ما بين 13% و15% من إجمالي التدفق، بينما يتلقى نهر اليانغتسي أقل بقليل من 6%. ومع ذلك، يؤثر الاحترار في جميع هذه الأنظمة، إذ تبين الأبحاث أن نهري اليانغتسي والأصفر قد يفقدان ما يصل إلى 17% من إمدادات مياه الذوبان مع كل درجة مئوية من الاحترار.
فهم ذروة المياه: نقطة تحول حاسمة في الأحواض التي تغذيها الأنهار الجليدية
مع تسارع ذوبان الأنهار الجليدية، يزداد الجريان السنوي في البداية، مما يؤدي إلى زيادة توافر المياه في أحواض الأنهار ويدعم مؤقتاً الزراعة والطاقة وإمدادات المياه الريفية والحضرية. لكن هذا الاتجاه لا يستمر إلى ما لا نهاية، ففي نهاية المطاف ينكمش حجم الأنهار الجليدية إلى حد يبدأ عنده الجريان السنوي في التراجع، وتُعرف هذه اللحظة بذروة المياه.
وسيبلغ كل حوض جليدي ذروة المياه في وقت مختلف؛ فبعض الأحواض التي تغذيها أنهار جليدية أصغر، كنهر كوبان في غرب القوقاز، تجاوزت هذه العتبة بالفعل، بينما يُتوقع أن تبلغ مناطق أخرى، كوسط الهيمالايا وشرقها وشرق تيان شان وجبال هنغدوان، ذروة المياه خلال العقد الحالي.
ويمكن للزيادة قصيرة الأمد في مياه الذوبان أن تعزز إمدادات المياه الريفية والحضرية وتدعم نظم الغذاء والطاقة، لكن التخطيط القائم على هذه المكاسب المؤقتة قد يكون مضللاً، فبعد تجاوز الذروة سيتراجع توافر المياه، مما يزيد خطر الشح طويل الأمد.
وتثير ذروة المياه أيضاً مخاوف تتعلق بجودة المياه، إذ قد يطلق ذوبان الجليد ملوثات ومغذيات محتجزة، فيؤثر في النظم البيئية وصحة الإنسان في المصب، وسيكون رصد هذه التغيرات أساسياً لحماية مياه الشرب والنظم البيئية المائية.
والمخاطر المحيطة بذروة المياه معقدة؛ فذوبان الجليد وعدم استقرار المنحدرات وذوبان التربة الصقيعية الدائمة والأمطار الغزيرة قد تجتمع لترفع مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية. ورغم أن فيضانات انفجار البحيرات الجليدية تنجم عن تشكل البحيرات وبنية الأنهار الجليدية، فإن الجريان الإضافي خلال ذروة المياه قد يضخم أثر الأحداث المتطرفة.
ويجب أن يراعي التخطيط الاقتصادي وتخطيط البنية التحتية ذروة المياه، فمحطات الطاقة الكهرومائية وأنظمة الري ومشروعات إمداد المياه ينبغي أن تُصمم مع مراعاة واقعية لتوافر المياه على المدى الطويل.
وسيتوقف توقيت ذروة المياه وشدتها على انبعاثات غازات الدفيئة مستقبلاً؛ ففي مسار يتسق مع حصر الاحترار عند 1.5 درجة مئوية، قد تستقر أنهار جليدية كبيرة كثيرة نحو عام 2060، مما يساعد على صون بعض تدفقات موسم الجفاف ويجعل التخطيط المائي طويل الأمد أكثر موثوقية.
الأمن الغذائي وأمن الطاقة: البعد الثاني
الأمن الغذائي
لا تزال الزراعة مصدر الرزق الرئيسي في أجزاء كثيرة من المنطقة، ويصدق ذلك على وجه الخصوص في هندوكوش الهيمالايا، حيث يعتمد أكثر من 70% من السكان على الزراعة في دخلهم وأمنهم الغذائي. والمنطقة شديدة الحساسية للتغيرات في ذوبان الثلوج والأنهار الجليدية، ومع ارتفاع حرارة المناخ، يُتوقع أن تخل تحولات الغلاف الجليدي بإنتاج الغذاء والاقتصادات الريفية.
ويُعد توافر المياه من أبرز المخاوف، فذوبان الثلوج والأنهار الجليدية ضروري للري في أواخر الربيع وأوائل الصيف، ولا سيما في المناطق محدودة الأمطار. ويُتوقع أن تبلغ أحواض أنهار كثيرة في هندوكوش الهيمالايا ذروة المياه بحلول منتصف القرن، ليبدأ الجريان بعدها في التراجع.
ويواجه المزارعون في حوضي السند والغانج ضغوطاً متزايدة بالفعل، إذ يعتمد نحو 129 مليوناً منهم جزئياً على الأقل على مياه الذوبان لري حقولهم. وفي الوقت ذاته، يتزايد الطلب على الغذاء بسرعة في أرجاء جنوب آسيا بفعل النمو السكاني والتوسع الاقتصادي، مما يضاعف الضغط على نظم المياه والغذاء المجهدة أصلاً.
ونظم الثروة الحيوانية هشة أيضاً؛ ففي مناطق جبلية كثيرة، توفر الماشية الغذاء والدخل والقدرة على الصمود، وكثيراً ما تدمج هذه النظم بين المراعي والأراضي الزراعية والغابات وإعادة تدوير المغذيات. غير أن تدهور المراعي والجفاف وانكماش مصادر المياه تقلل قدرة القطعان. ففي بوتان والهند ونيبال، تراجع رعي الياك استجابة لهذه الضغوط، وفي إقليم بلوشستان الباكستاني، أدى جفاف مطول بين عامي 1998 و2002 إلى نفوق 1.8 مليون رأس من الماشية وتضرر أكثر من مليوني شخص.
وتمثل مصايد الأسماك مصدراً آخر حيوياً لكنه هش للغذاء والدخل، إذ توفر الأسماك البروتين لأكثر من 3.3 مليارات شخص. وتستأثر آسيا بنسبة 84% من العمالة في مصايد الأسماك عالمياً، وتنتج الصين نحو 60% من الأسماك المستزرعة في العالم. وتخل التغيرات في تدفقات الأنهار وارتفاع درجات الحرارة وتحولات الرواسب بهجرة الأسماك وتكاثرها وجودة المياه، وتضاعف البنية التحتية كالسدود هذه الآثار، فتضر أحياناً بالمحاصيل في المصب، أو تهجّر المجتمعات، أو تقلص الوصول إلى الأراضي الزراعية المنتجة.
أمن الطاقة
ينمو الطلب على الطاقة بسرعة في جنوب آسيا وجنوب شرقها وفي آسيا الوسطى والغربية؛ ففي جنوب شرق آسيا، ازداد الطلب بنسبة 3% سنوياً خلال العقدين الماضيين. ومع ذلك، لا تزال بلدان كثيرة تعتمد اعتماداً كبيراً على الوقود الأحفوري، وتقصر السياسات الحالية عن بلوغ أهداف الاستدامة. وفي الوقت ذاته، ثمة إمكانات قوية للتوسع في الطاقة منخفضة الانبعاثات، بما فيها الطاقة الحيوية والكهرومائية.
وتوفر الطاقة الكهرومائية الجبلية فرصة رئيسية لإزالة الكربون، وقد بدأت بلدان عدة في التحرك بالفعل؛ ففي أواخر عام 2023 ومطلع عام 2024، أطلقت أذربيجان وجورجيا وإيران وكازاخستان وجمهورية قيرغيزستان وأوزبكستان اتفاقيات إقليمية ومشروعات مشتركة.
غير أن الطاقة الكهرومائية تعتمد على غلاف جليدي مستقر، والتقلبات المناخية تؤثر بالفعل في موثوقيتها. ففي جمهورية قيرغيزستان، يوفر خزان توكتوغول 40% من كهرباء البلاد ويدعم الري في كازاخستان الواقعة في المصب. وفي مطلع عام 2024، أدت درجات الحرارة الأبرد إلى تقليل ذوبان الثلوج وخفض مستويات الخزان، فتراجع توليد الكهرباء وأُعيد تشغيل مصادر طاقة أكثر تلويثاً.
الآثار في التنوع البيولوجي والنظم البيئية: البعد الرابع
يعيد انحسار الأنهار الجليدية تشكيل النظم البيئية الجبلية ويهدد التنوع البيولوجي، إذ تغير هذه التحولات توقيت توافر المياه وكميتها. ففي هندوكوش الهيمالايا وحدها، فُقد ما يصل إلى 70% من النباتات والحيوانات خلال القرن الماضي بسبب تغيرات الغلاف الجليدي.
وبعض الآثار مباشرة، كفقدان الموائل أو انقراض الأنواع التي تعتمد على النظم البيئية المتجمدة، وقد تستجيب الأنواع المستوطنة بطرق مختلفة. فالكركي أسود العنق مثلاً تكيّف مع ارتفاع درجات الحرارة بتعديل سلوكه في حضن البيض، بينما يواجه غيره، كالنمر الثلجي، تقلص مصادر الغذاء وتجزؤ الموائل بما قد يدفعه نحو التراجع. كما يتسبب تغير المناخ في إجهاد جيني، فقد لوحظ لدى البرمائيات، كضفدع كشمير وضفدع الهيمالايا، تراجع مرتبط بالطفرات.
ومع انحسار الأنهار الجليدية، يمكن للأنواع غير الأصلية أن تنتشر في المناطق المكشوفة حديثاً، مما يرفع المخاطر على التنوع البيولوجي الأصلي، ولا سيما في المناطق المرتفعة، وتُعد نظم الزراعة الحرجية في أماكن مثل نيبال شديدة الهشاشة أمام هذا التحول.
ويعيد ذوبان الأنهار الجليدية تشكيل أنظمة الأنهار أيضاً؛ فمع انحسار الجليد، تنكشف رواسب جليدية جديدة غير متماسكة قد تزعزع استقرار المنحدرات وتسبب زيادات قصيرة الأمد في نقل الرواسب، بينما سيغير تراجع إمداد الرواسب بمرور الوقت ديناميكيات التعرية. وفي المصب، سيؤدي انخفاض التدفق الناجم عن انكماش الأنهار الجليدية إلى رفع درجات حرارة المياه وتقليل أحمال الرواسب خلال أشهر الصيف.
المخاطر المرتبطة بالغلاف الجليدي: البعد الخامس
فيضانات انفجار البحيرات الجليدية
تُعد فيضانات انفجار البحيرات الجليدية من أخطر المخاطر المرتبطة بالغلاف الجليدي في المناطق الجبلية، إذ يمكن لهذه الفيضانات المفاجئة أن تتسبب في خسائر واسعة في الأرواح، وتدمر البنية التحتية، وتربك المجتمعات في المصب. ويتزايد تواترها مع تسارع انحسار الأنهار الجليدية، مما يؤدي إلى تشكل مزيد من البحيرات الجليدية ويرفع احتمال الانفجارات المفاجئة. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، ازداد عدد البحيرات الجليدية ومساحتها بنحو 50% بفعل الاحترار الجوي.
ويصعب على نحو خاص التنبؤ بهذه الفيضانات والاستعداد لها، فبعضها يقع بإنذار ضئيل أو دون إنذار بسبب الانهيارات المفاجئة للحواجز الركامية أو الأحداث المتتالية، بينما يظل بعضها الآخر غير مرسوم أو غير مرصود جيداً. ويزيد غياب خرائط متسقة للمخاطر على مستوى المنطقة من صعوبة الإنذار المبكر والحد من المخاطر.
وتشير الإسقاطات المستقبلية إلى زيادة كبيرة في هذه الفيضانات في معظم أنحاء المنطقة، إذ قد تتضاعف ثلاث مرات بحلول نهاية القرن في ظل اتجاهات الاحترار الحالية. غير أن التفاوت الإقليمي متوقع، فأجزاء من شرق هندوكوش الهيمالايا قد تشهد تراجعاً في تواترها بحلول منتصف القرن، ربما بسبب اختلاف الظروف المناخية أو الطبوغرافية.
وترتبط الآثار الاقتصادية لهذه الفيضانات ارتباطاً وثيقاً بذوبان التربة الصقيعية الدائمة وبعدم الاستقرار الأوسع للغلاف الجليدي. فعلى هضبة تشينغهاي والتبت وحدها، قد يتطلب ذوبان التربة الصقيعية الدائمة والمخاطر المرتبطة به، بما فيها فيضانات انفجار البحيرات الجليدية، 6.31 مليارات دولار للتكيف في ظل سيناريوهات الاحترار المتوسطة. وقد يُترجم الفارق بين احترار قدره 1.5 درجة مئوية واحترار قدره درجتان إلى تكاليف إضافية تبلغ 1.32 مليار دولار، مما يؤكد أهمية التخفيف.
وتجسد أحداث حديثة المخاطر والتحديات المتزايدة في المنطقة. ففي بوتي كوشي عام 2016، تسبب فيضان بحيرة جليدية صغيرة، أطلقته أمطار غزيرة، في تدفق طيني هائل دمر الطرق والبنية التحتية للطاقة الكهرومائية والجسور، وتجاوزت الخسائر 70 مليون دولار في محطة الطاقة الكهرومائية على نهر بوتي كوشي في نيبال. وكانت البحيرة، المسماة غونغباتونغشا، تقع عبر الحدود في الصين، مما يبرز تحديات الرصد والاستجابة العابرين للحدود بالنسبة إلى البحيرات الصغيرة.
وفي جنوب لوناك بولاية سيكيم الهندية عام 2023، أظهرت تقييمات المخاطر والأبحاث أن البحيرة تنطوي على احتمال مرتفع للانفجار، وقد ألحق الفيضان في أكتوبر 2023 أضراراً بمحطة تيستا الثالثة للطاقة الكهرومائية حديثة الإنشاء بقدرة 1,200 ميغاواط، وتسبب في وفيات متعددة. وكان نظام للإنذار المبكر قد رُكّب قبل الحدث، لكنه لم يكن يعمل وقت وقوعه بسبب مشكلات فنية. غير أن بحيرات جليدية كثيرة قد تبقى سنوات أو حتى عقوداً قبل أن تنفجر، أو قد يتقلص حجمها ببطء، ونادراً ما يكون وضعها ومدى إلحاحها واضحين حتى للخبراء الفنيين.
وفي ثامي بمنطقة خومبو النيبالية عام 2024، أدى فيضان إلى تهجير أكثر من 130 شخصاً وألحق أضراراً بالمنازل ومدرسة ومرافق صحية، وقد نشأ الحدث من بحيرتين صغيرتين لم تكونا تُعدان خطرتين من قبل. ولحسن الحظ، حال إنذار مبكر من أحد السكان المحليين دون وقوع وفيات، لكن الحالة كشفت حدود تقييم احتمالات الخطر في البحيرات الجليدية.
وتبين هذه الأحداث أن حتى البحيرات الجليدية الصغيرة أو المُغفلة قد تتسبب في أضرار جسيمة، وأن التنسيق العابر للحدود والاستعداد المحلي كليهما ضروريان لإدارة مخاطر فيضانات انفجار البحيرات الجليدية بفعالية.
الجفاف
يمثل الجفاف مصدر قلق متزايد في القوقاز وهندوكوش الهيمالايا، حيث يرتفع الطلب على المياه العذبة بينما يتراجع توافرها، ويهدد هذا المزيج الأمن المائي الإقليمي والزراعة والنظم البيئية. ويُتوقع أن يفاقم تغير المناخ تواتر الجفاف وشدته، ولا سيما في المناطق الهشة أصلاً بسبب ظروفها الجغرافية والمناخية. وتساعد الكتل الثلجية والأنهار الجليدية على تخفيف هذه الآثار بإطلاق مياه الذوبان خلال مواسم الجفاف، لكن استقرارها آخذ في التراجع.
وللجفاف أيضاً أبعاد جيوسياسية، ولا سيما في المناطق ذات الأنهار العابرة للحدود، فقد أسهم شح المياه تاريخياً في توترات بين البلدان المتجاورة. ويمكن لضعف البنية التحتية وسوء الإدارة أن يفاقما آثار الجفاف؛ ففي أوزبكستان، التي تضم أكثر من نصف الأراضي المروية في آسيا الوسطى، يُفقد ما يصل إلى 70% من المياه بين النهر والحقل.
الفيضانات
تُعد الفيضانات من أكثر الكوارث المرتبطة بالمناخ تواتراً وتدميراً في المناطق الجبلية حول العالم. فبين عامي 1998 و2017، شهدت آسيا 41% من الفيضانات في العالم، وتضرر منها 1.5 مليار شخص، أي 93% من الإجمالي العالمي. واستأثرت الصين والهند وحدهما بأكثر من نصف المتضررين، إذ بلغ عدد المتضررين فيهما 900 مليون و345 مليون شخص على التوالي.
وتنجم الفيضانات الجبلية عن عوامل متعددة تشمل ذوبان الأنهار الجليدية وتغير الهطول والأحداث المركبة؛ فذوبان الكتل الثلجية والأنهار الجليدية وتكثف الأمطار وأحداث هطول الأمطار على الثلوج جميعها تزيد الجريان، بينما قد يقلل الجفاف قدرة التربة على الامتصاص فيجعل الفيضانات أشد. وستوسع هذه العمليات مخاطر الفيضانات لتشمل مناطق جبلية جديدة، وتزيد تواتر الانهيارات الأرضية والتعرية وانهيار البنية التحتية، وسيضخم انحسار الأنهار الجليدية وعدم استقرار المنحدرات هذه المخاطر أكثر.
ارتفاع مستوى سطح البحر
ينجم ارتفاع مستوى سطح البحر عن احترار المحيطات وذوبان الثلوج والجليد على اليابسة معاً؛ فمع احترار مياه البحر تتمدد، في عملية تُعرف بالتمدد الحراري، وفي الوقت ذاته تضيف الأنهار الجليدية والصفائح الجليدية الذائبة مزيداً من المياه إلى المحيط. ورغم أن الصفيحتين الجليديتين في القارة القطبية الجنوبية وغرينلاند تنطويان على إمكانات أكبر بكثير لرفع مستوى سطح البحر على المدى الطويل، فإن الأنهار الجليدية الجبلية كانت حتى الآن أكبر المساهمين تاريخياً بين مصادر الغلاف الجليدي.
وستكون آثار ارتفاع مستوى سطح البحر شديدة على نحو خاص على الدول الجزرية الصغيرة والمدن الساحلية المنخفضة، إذ تبرز الدراسات هشاشة الجزر في المناطق المدارية الغربية وغرب المحيط الهندي، حيث تهدد البحار المرتفعة البنية التحتية وإمدادات المياه العذبة والسيادة الوطنية. وفي آسيا، تواجه ست مدن ساحلية كبرى في جنوب شرق آسيا وجنوبها مخاطر مرتفعة على نحو خاص، هي بانكوك وتشيناي ومدينة هو تشي منه وكولكاتا ومانيلا ويانغون، كما تواجه مدن أخرى مكتظة بالسكان، ككراتشي ودكا، تهديدات متزايدة من ارتفاع مستوى سطح البحر في العقود المقبلة.
آثار أخرى ذات صلة
تواجه البنية التحتية للنقل في المناطق الجليدية والمناطق الواقعة في مصبها في آسيا مخاطر متصاعدة من الأخطار المرتبطة بالمناخ، إذ تهدد الفيضانات وذوبان التربة الصقيعية الدائمة والرياح الموسمية والانهيارات الأرضية وفيضانات انفجار البحيرات الجليدية والتعرية الطرقَ والسكك الحديدية وأصول الطاقة الكهرومائية. وقد لوحظ أن الطفرة الأخيرة في تطوير البنية التحتية في المنطقة تتزامن مع ارتفاع فيضانات الانفجار، واندفاع الأنهار الجليدية، وضعف الحواجز الركامية، وهي عوامل تعرّض النمو الاقتصادي طويل الأمد للخطر. وتُعد فيضانات انفجار البحيرات الجليدية خطرة على نحو خاص بسبب محدودية رصدها، إذ كثيراً ما تقع بإنذار ضئيل أو دون إنذار. وحين تقع الكوارث، قد تؤخر طرق النقل المتضررة أو المسدودة وصول الإغاثة الطارئة، ولا سيما في التضاريس الجبلية. والنقل النهري هش أيضاً، فكثير من الأنهار الآسيوية يدعم حركة شحن كثيفة للبضائع والأشخاص، لكن تراجع مستويات المياه والترسبات والطلبات المتنافسة تُجهد الملاحة. ويمثل جفاف بحر آرال مثالاً صارخاً على تقاطع النقل والتغير البيئي وسوء الإدارة.
وتفرض السياحة ضغطاً متزايداً على الأمن المائي، ولا سيما في المناطق الجبلية كهندوكوش الهيمالايا، إذ يستهلك السياح عادة كميات من المياه تفوق ما يستهلكه السكان بكثير، تتراوح بين 200 و800 لتر للفرد يومياً، كما تخلق الموسمية العالية ذروات حادة في الطلب تُجهد البنية التحتية، بينما تظل المرافق غير مستغلة بالكامل خارج المواسم. وتجسد هندوكوش الهيمالايا هذه التحديات بوضوح؛ فالأنهار الجليدية والغابات والمناظر الخلابة تجذب ملايين الزوار، لكن الممارسات غير المستدامة أدت إلى ضغوط على الموارد، وتراكم النفايات، والتعرية، وتدهور الأراضي. ويمكن لتزايد الطلب على المياه والطاقة في المناطق السياحية أن يُجهد الموارد في المنبع، بينما يخلق تلوث الهواء العابر للحدود الناجم عن الزراعة والصناعة وحرائق الغابات ضباباً يحجب المناظر الجبلية ويقوض جاذبية المنطقة.
وتتشكل الهجرة في هندوكوش الهيمالايا والقوقاز بفعل ضغوط اقتصادية وبيئية معاً؛ ففي القوقاز، أدت التحولات التي أعقبت الحقبة السوفيتية إلى هجرة كبيرة إلى الخارج، ولا سيما إلى الاتحاد الروسي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. أما في هندوكوش الهيمالايا، فتهيمن الهجرة الداخلية، إذ ينتقل كثير من سكان الريف إلى المدن، ويأتي 72% من سكان المدن في بوتان من المناطق الريفية. ويمثل شح المياه والتعرية والاضطرابات المرتبطة بالمناخ محركات رئيسية لذلك، وكثيراً ما تتجاوز الهجرة وتيرة توفير البنية التحتية والدعم الاجتماعي، تاركة الوافدين الجدد دون خدمات كافية.
وتضاعف حرائق الغابات مواطن هشاشة المنطقة، إذ تحول الغابات من بالوعات للكربون إلى مصادر للانبعاثات، بينما يُعتّم الرماد والسخام الجليد والثلج فيسرّعان الذوبان. كما تفاقم الحرائق تلوث الهواء، وترتبط أعمدة الدخان العابرة للحدود بزيادة ذوبان الأنهار الجليدية وذوبان التربة الصقيعية الدائمة والتعرية وبمخاطر صحية جسيمة.
الاستجابات لتغير الغلاف الجليدي
يتطلب التكيف مع تغير الغلاف الجليدي ما هو أبعد من الحلول الفنية، إذ يستلزم عملاً منسقاً يشمل العلم والسياسات والتمويل والحوكمة. فالروابط بين تغير أحوال الثلوج والجليد وآثارها في المصب كثيراً ما تكون غير مفهومة جيداً، ومع انحسار الأنهار الجليدية وانكماش الكتل الثلجية، تتتالى الآثار عبر الزراعة والطاقة والبنية التحتية والنظم الحضرية. وقد تأتي هذه التغيرات في صورة أحداث مفاجئة كفيضانات انفجار البحيرات الجليدية، أو في صورة مخاطر بطيئة الظهور كالجفاف وذوبان التربة الصقيعية الدائمة وتغير أنماط الهطول. وتعيد الضغوط المناخية تشكيل الطلب على المياه، بينما يظل فهمنا لقدرة الغلاف الجليدي على تلبية هذا الطلب محدوداً.
تحسين الرصد
يُعد رصد الغلاف الجليدي من أكثر الفجوات إلحاحاً في المنطقة؛ ففي أجزاء واسعة من هندوكوش الهيمالايا، ولا سيما في أفغانستان وبوتان وميانمار ونيبال وباكستان، لا تزال الأرصاد الميدانية الأساسية غائبة، إذ يقع كثير من الأنهار الجليدية المرتفعة فوق خمسة آلاف متر، حيث يكون الوصول خطراً والرصد مكلفاً.
وتعوق التقدم فجوتان معرفيتان رئيسيتان؛ الأولى فجوات في فهم العمليات تحد من إدراك كيفية تفاعل نظم الغلاف الجليدي، كالتربة الصقيعية الدائمة، مع الهيدرولوجيا. والثانية فجوات في المعلومات تنبع من شح البيانات، ولا سيما ما يتعلق بتراكم الثلوج وديناميكيات الذوبان وامتداد التربة الصقيعية الدائمة. ومن دون بيانات موثوقة عن ذوبان الثلوج، يكاد يكون من المستحيل نمذجة مساهماتها في تدفق المجاري المائية أو التنبؤ بالتوافر الموسمي، وكثيراً ما تفتقر مجموعات البيانات القائمة إلى الاتساق، مما يصعّب التحليل عبر المناطق.
والتقدم جارٍ؛ فبرامج رصد الأنهار الجليدية في آسيا الوسطى، التي توقف كثير منها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، يُعاد إنشاؤها، ومن خلال الجمع بين البيانات التاريخية وصور الأقمار الصناعية وسجلات الطقس، يعيد العلماء بناء اتجاهات ميزان كتلة الأنهار الجليدية. لكن رصد التربة الصقيعية الدائمة لا يزال متأخراً كثيراً، إذ لا تزال خرائطها في هندوكوش الهيمالايا ضعيفة رغم صلاتها الواضحة بالانهيارات الأرضية وأضرار البنية التحتية واضطراب النظم البيئية.
الحد من المخاطر على الناس والبنية التحتية
تتكشف بعض مخاطر الغلاف الجليدي في ساعات، وبعضها الآخر على مدى عقود؛ ففيضانات انفجار البحيرات الجليدية قادرة على تدمير المجتمعات والبنية التحتية في غضون ساعات، بينما يتراكم الجفاف وذوبان التربة الصقيعية الدائمة ببطء لكن آثارهما قد تدوم طويلاً. ومن دون خفض كافٍ للانبعاثات، سيصبح كثير من هذه المخاطر دائماً.
والخطوة الأولى للحد من المخاطر هي فهم مواضعها، ويشمل ذلك رسم خرائط للتضاريس الإقليمية والبنية التحتية ومناطق الخطر، وتطوير أدوات بيانات تدمج الأرصاد الفضائية والمحلية. وينبغي أن تشمل تقييمات المخاطر التخطيط على مستوى المواقع وعلى مستوى الأحواض.
ويأتي بعد ذلك التخطيط والتخفيف؛ فالتصميم المستنير بالمخاطر، كأنظمة المياه القادرة على الصمود وطرق الإخلاء وتخطيط استخدامات الأراضي، يمكن أن يساعد على حماية المجتمعات، وينبغي توثيق الممارسات الجيدة وتبادلها وتوسيع نطاقها عبر المنصات الإقليمية ومسارات الاستثمار.
والتنفيذ والتمويل أمران حاسمان، فالحد من المخاطر يحتاج إلى دعم مالي واستثمار عام ورصد ليظل فعالاً، ويشمل ذلك سياسات تحفز البنية التحتية القادرة على الصمود أمام تغير المناخ وتشجع مشاركة القطاع الخاص.
وتُعد أنظمة الإنذار المبكر لمخاطر كفيضانات انفجار البحيرات الجليدية والفيضانات وسيلة فعالة من حيث التكلفة للحد من المخاطر، فرغم حاجتها إلى الصيانة وعدم عملها على مدار العام أحياناً، فإنها قادرة على إنقاذ الأرواح وتقليل الخسائر، وينبغي أن يكون توسيعها أولوية إقليمية.
تمويل القدرة على الصمود في الغلاف الجليدي
لا تزال المجتمعات الجبلية تعاني نقصاً في التمويل، إذ يغيب الاستثمار في الاستعداد للكوارث، والزراعة المستدامة، والبنية التحتية القادرة على الصمود أمام تغير المناخ، وصون التربة. وكثيراً ما تخطئ الإعانات الحكومية الاحتياجات المحلية، بينما يظل الاستثمار الخاص منخفضاً بسبب المخاطر المتصورة.
وينبغي أن يُصمم التمويل وفق السياقات المحلية، وأن تعكس خطط الحوافز الواقع الجغرافي والمناخي. ويمكن للتنسيق الإقليمي أيضاً أن يحسّن الكفاءة، ولا سيما في الأحواض العابرة للحدود حيث تكون المخاطر والمنافع مشتركة. ويربط مشروع "من الأنهار الجليدية إلى المزارع" الذي يقوده بنك التنمية الآسيوي، والذي أُطلق عام 2024، بين مصادر المياه في المرتفعات ونظم الغذاء في المصب.
تعزيز التعاون العابر للحدود
يتيح الغلاف الجليدي تحديات وفرصاً للتعاون الإقليمي في آن واحد؛ فنظم الثلوج والأنهار الجليدية كثيراً ما تمتد عبر الحدود الوطنية وتقع بعيداً عن العواصم، وفي بعض الحالات تكون الروابط بين المجتمعات الجبلية عبر الحدود أقوى من روابطها بحكوماتها.
ويظل التعاون ضرورياً لكنه عسير، فالتوترات السياسية كثيراً ما تبطئ التقدم حتى مع وجود الأطر القانونية. ويتطلب المضي قدماً انخراطاً منظماً يشمل أنظمة بيانات مشتركة، وتخطيطاً مشتركاً للسياسات، ومنتديات لتسوية النزاعات. كما يجب أن تحتاط الجهود من سوء التكيف، حين تُلحق إجراءات كتحويل المياه في المنبع ضرراً بالمصب.
سد فجوة التنفيذ
التقنيات موجودة، لكنها كثيراً ما لا تصل إلى من يحتاجون إليها، والعوائق ليست فنية فحسب بل عملية أيضاً. فمن دون كهرباء موثوقة وطرق واتصالات، لا تستطيع المجتمعات الجبلية الوصول إلى الأدوات أو الخدمات الجديدة، وتؤخر هذه الفجوات اعتماد الطاقة النظيفة والنقل العام والزراعة المستدامة، مما يرسخ النظم عالية الانبعاثات.
والحلول متاحة، والمطلوب الآن هو التنفيذ المنسق، بربط التمويل بالمعرفة، وبناء الثقة عبر الحدود، وإعطاء الأولوية للاستثمار حيث تكون آثار الغلاف الجليدي أشد.
الخلاصة
يعيد ذوبان الأنهار الجليدية تشكيل الأمن المائي في أرجاء آسيا المرتفعة وما وراءها بكثير. فمع انحسار الثلوج والجليد، تصبح إمدادات المياه أقل موثوقية، مما يُجهد النظم البيئية والاقتصادات والمجتمعات، وتكون هذه التحديات أكثر إلحاحاً في الزراعة ومياه الشرب ومخاطر الكوارث.
وعلى المدى القصير، قد يزيد انحسار الأنهار الجليدية توافر المياه، ويمكن لهذه "الذروة المائية" أن تدعم الزراعة والطاقة الكهرومائية في الوقت الراهن، لكن مع انكماش الاحتياطيات الجليدية ستتراجع تدفقات موسم الجفاف، مما يخلق إجهاداً طويل الأمد. وقد تختفي بعض الأنهار الجليدية الأصغر تماماً، فتزول معها مخازن احتياطية حيوية خلال الجفاف.
وتشكل هذه الاتجاهات مخاطر جدية على الزراعة، إذ يعتمد أكثر من 129 مليون مزارع في حوضي السند والغانج على الري المغذى بالثلوج والأنهار الجليدية. ويتحول الجريان إلى وقت أبكر من الموسم، تاركاً مياهاً أقل وقت الحصاد. كما يكثّف تغير المناخ الجفاف والتعرية والأمطار المتطرفة، ورغم أن المحاصيل المقاومة للجفاف، كهجن الذرة المحسنة، توفر بعض التخفيف، فإن الأمطار الغزيرة كثيراً ما تجري سريعاً فتُدهور التربة وتحد من احتفاظها بالرطوبة.
وأنظمة مياه الشرب المعتمدة على المياه الجوفية معرضة للخطر أيضاً؛ ففي أجزاء واسعة من جنوب آسيا، تعتمد المجتمعات الريفية على الينابيع ومناطق التغذية المرتفعة، وهي مصادر هشة أمام التغيرات في ذوبان الثلوج والتدفق الموسمي. وتبرز الدراسات صعوبة إدارة المياه في البيئات الجبلية شحيحة الموارد حيث يرتفع الاعتماد الموسمي وتكون البنية التحتية محدودة.
وليست جميع الآثار سلبية، ففي أجزاء من نيبال وباكستان، أتاحت درجات الحرارة الأدفأ زراعة الفاكهة والخضروات في المرتفعات، لكن هذه المنافع لا يُرجح أن تعوض الخسائر طويلة الأمد في مخزون المياه في الغلاف الجليدي.
والتكيف جارٍ، لكن الجهود لا تزال مجزأة، إذ إن معظم المبادرات محلية وتحظى بمستويات متفاوتة من الدعم. ومع عبور آثار الغلاف الجليدي للحدود، سيصبح التعاون الإقليمي أكثر أهمية، فالتعاون لضمان الرصد المشترك والتخطيط المشترك وبناء الثقة أمر أساسي لتجنب النزاعات وضمان الوصول العادل إلى مصادر المياه المشتركة.
وستتطلب إدارة انعدام الأمن المائي المرتبط بالغلاف الجليدي عملاً على كل المستويات، من الحقول الزراعية إلى الاتفاقيات الإقليمية، ويلزم التعاون والابتكار والاستثمار المستدام لإبقاء المياه مصدراً للقدرة على الصمود لا للمخاطر في عالم يزداد احتراراً. وستواصل تغيرات الغلاف الجليدي إعادة تشكيل توافر المياه وموثوقيتها ومخاطرها في أرجاء آسيا، وستكون لهذه التحولات انعكاسات مباشرة على الأمن المائي الوطني وعلى تقييمات التقرير المقبلة، حيث يُرجح أن تعكس درجات المؤشر الوطني للأمن المائي والأبعاد الرئيسية ضغوطاً متزايدة ناجمة عن الغلاف الجليدي.
الآثار الخفية: أبعاد الإجهاد الحراري والمائي من منظور النوع الاجتماعي
الملخص
تتلاقى الحرارة الشديدة وانعدام الأمن المائي في أرجاء آسيا والمحيط الهادئ. ورغم الاعتراف الواسع بهذه الضغوط في الخطاب المناخي، لا يزال تقاطعها مع النوع الاجتماعي غير مستكشف بالقدر الكافي على نحو مقلق. ويكشف هذا القسم عن أزمة مهملة، فالنساء والفتيات يواجهن بعضاً من أقسى آثار ارتفاع درجات الحرارة وتلاشي إمدادات المياه، لا بسبب هشاشة متأصلة فيهن، بل لأن أنظمة الأمن المائي أخفقت في إدراك عدم المساواة بين الجنسين والاستجابة له.
وتتعمق الفوارق بين الجنسين عبر الأبعاد الرئيسية الخمسة للأمن المائي. ففي البعد الأول، تتزايد أهمية الأمن المائي للأسر الريفية، إذ تضطر النساء المحرومات منه إلى السير مسافات أطول لجلب المياه في ظل الحرارة الشديدة، فيواجهن الإنهاك والمرض والعنف. وفي البعد الثاني، يتعرض الأمن المائي الاقتصادي للتهديد مع انهيار الوظائف الحساسة للمناخ، التي تشغلها النساء إلى حد كبير، تحت وطأة الإجهاد الحراري، في ظل حماية أو بدائل قليلة. وفي البعد الثالث، يتوزع الأمن المائي الحضري توزيعاً غير متكافئ بين السكان، وكثيراً ما يخذل النساء منخفضات الدخل، ولا سيما في المستوطنات غير الرسمية حيث تتلاقى الحرارة وضعف الصرف الصحي وأعطال البنية التحتية. وفي البعد الرابع، تؤثر خسائر الأمن المائي البيئي بصورة غير متناسبة في النساء اللواتي يُدرن نظم المياه والغذاء في الأسرة مع تدهور النظم البيئية. وفي البعد الخامس، يقصر الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه حين تُغفل احتياجات النساء في حالات الطوارئ، كالخصوصية والنظافة الصحية وتقديم الرعاية، ويُبخس قدر إسهاماتهن.
وهذه الآثار هيكلية لا عرضية؛ فالنساء محوريات في إدارة المياه على مستوى الأسرة والمجتمع، ومع ذلك تظل احتياجاتهن ومعارفهن وقيادتهن غائبة عن معظم الاستجابات المناخية والمائية. وتعكس هذه الفجوة نماذج متقادمة للأمن المائي تعطي البنية التحتية أولوية على الشمول، ومن دون تغيير ستواصل الصدمات المناخية ترسيخ الإقصاء وتعميق الفقر وتوسيع الفجوة بين الجنسين.
ثمة حاجة ملحة إلى نهج للأمن المائي مراعٍ للنوع الاجتماعي، ويقترح هذا الفصل استراتيجية مرحلية للتصدي للأزمة. فعلى المدى القصير، أي خلال عامين، ينبغي تنفيذ تدابير طارئة موجهة لحماية حصول النساء على المياه الآمنة والصرف الصحي والتبريد خلال موجات الحر والجفاف. وعلى المدى المتوسط، أي بين عامين وخمسة أعوام، ينبغي بناء القدرة على التكيف بتمويل الابتكارات التي تقودها النساء، وإدماج النوع الاجتماعي في الميزنة والحوكمة، وتحسين أنظمة البيانات عبر جميع الأبعاد الرئيسية. وعلى المدى الطويل، أي ما بعد خمسة أعوام، ينبغي إصلاح المؤسسات لضمان حقوق النساء في الأرض والمياه والمشاركة والتمويل، وترسيخ الإنصاف في قطاع المياه بأكمله.
فلا يمكن تحقيق الأمن المائي من دون العدالة بين الجنسين، والدليل واضح على أن كل بعد من أبعاد الأمن المائي يتقاطع مع حياة النساء. وإدراك ذلك ليس خياراً، بل ضرورة لبناء مستقبل قادر على الصمود ومنصف. فالنساء لا يتأثرن بالآثار المناخية فحسب، بل يقدن الحلول أيضاً، وقد آن الأوان لتمويلهن، والسير على خطى قيادتهن، وإعادة تصميم أنظمة المياه لتخدم الجميع.
مقدمة
التطرف المميت لموجات الحر
تتحول الحرارة الشديدة بسرعة إلى واحد من أخطر التهديدات للأمن المائي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، إذ تصبح موجات الحر أطول وأشد حرارة وأكثر تواتراً. وتزيد هذه الأحداث التبخر، وتقلل الأمطار، وتجفف المياه الجوفية، تاركة المجتمعات والنظم البيئية بمياه أقل. وتعاني الزراعة ومصايد الأسماك والثروة الحيوانية أولاً، لكن الآثار تنتشر سريعاً، فتتعرض صحة الإنسان والإمدادات الغذائية والتنوع البيولوجي جميعها للضغط مع شح المياه.
ونادراً ما تقع موجات الحر المتطرفة منفردة، ففي مناطق كثيرة باتت الحرارة الشديدة تتزامن مع الجفاف والفيضانات والأمطار غير المنتظمة. والمناطق الحضرية هشة على نحو خاص، إذ يجعل أثر الجزر الحرارية الحضرية المدن أشد حرارة ولفترات أطول. وقد شهد ما يقارب 60% من سكان المدن في المنطقة بالفعل احتراراً يبلغ ضعف المتوسط العالمي منذ عام 1950، وبحلول عام 2050 قد يواجه نحو 800 مليون شخص في جنوب آسيا تعرضاً خطراً للحرارة.
ومع تجاوز درجات الحرارة العالمية عتبة 1.5 درجة مئوية، ستتصاعد المخاطر بحدة. فالإجهاد الحراري يطال بالفعل 68 مليون شخص، وعند احترار قدره درجتان مئويتان قد يواجه أكثر من مليار شخص ظروفاً تهدد حياتهم. وتستأثر آسيا بنحو نصف الوفيات المرتبطة بالحرارة الشديدة في العالم، إذ توفي فيها أكثر من 220 ألف شخص سنوياً بين عامي 2000 و2019، ويزيد التعرض المطول مخاطر أمراض القلب والرئة والصحة النفسية.
وتعمّق الحرارة الشديدة وشح المياه أيضاً عدم المساواة، فالمجتمعات منخفضة الدخل وسكان المستوطنات غير الرسمية وسكان الريف يواجهون أعلى مستويات التعرض. وتتأثر النساء والفتيات بصورة غير متناسبة؛ ففي آسيا والمحيط الهادئ، يزيد احتمال افتقار النساء إلى وسائل التبريد بنسبة 60%، ويمكن لارتفاع درجة الحرارة درجة مئوية واحدة أن يزيد خطر الإجهاض أو ولادة جنين ميت بنسبة تصل إلى 42%. وتفاقم الفجوات في خدمات المياه والصرف الصحي الأساسية هذه الآثار، فتزيد مخاطر الأمراض، وانعدام النظافة الآمنة خلال الحيض، والعنف أثناء جلب المياه.
وتعيش جنوب آسيا بعضاً من أشد تحديات الحرارة والمياه في العالم؛ فقد سجلت الهند اثني عشر عاماً من أشد أعوامها حرارة منذ عام 2006، بينما ازدادت موجات الحر بنسبة 25%، وباتت أحداث الحر السابقة للرياح الموسمية في المنطقة أرجح بثلاثين مرة بسبب تغير المناخ. وفي بنغلاديش، يهدد تحول أنماط الأمطار 60% من مناطق زراعة الأرز في البلاد رغم وفرة مياهها عموماً.
ودفعت موجات الحر في جنوب شرق آسيا في عامي 2024 و2025 درجات الحرارة إلى ما فوق 40 درجة مئوية في كمبوديا وميانمار والفلبين وتايلند وفييت نام. وباتت أحداث الحر الجاف والرطب هذه أشد حرارة بسبب تغير المناخ، وقد أربكت نظم الغذاء، وألحقت أضراراً بالنظم البيئية، وأجهدت إمدادات الكهرباء والمياه. وفي الوقت ذاته، تواجه مدن مثل بانكوك وجاكرتا ومانيلا طلباً متزايداً على المياه وضغوطاً متصاعدة على البنية التحتية، ولا تزال موجات الجفاف في إندونيسيا والفلبين وتايلند تقوض الأمن الغذائي والمائي.
ودول جزر المحيط الهادئ شديدة الهشاشة أمام الحرارة وارتفاع مستوى سطح البحر معاً، فرغم حصول معظم الأسر على خدمات المياه والصرف الصحي الأساسية، يزيد تغير المناخ الإجهاد المائي من خلال ارتفاع البحار والملوحة وتقادم البنية التحتية والجفاف. ويلوث تسرب المياه المالحة المياه الجوفية، بينما تلحق الأمطار المتطرفة والفيضانات الساحلية أضراراً بأنظمة المياه وتهجّر المجتمعات الهشة.
وفي مارس 2025، واجهت آسيا الوسطى والغربية حرارة قياسية بلغت عشر درجات مئوية فوق المعدل الطبيعي، ويتسبب ذوبان الأنهار الجليدية والثلوج في حلقة خطرة من فيضانات الربيع يعقبها نقص في المياه صيفاً. وتهيمن الزراعة على استخدام المياه، لكن أنظمة الري المتقادمة تهدر ما يقارب نصف الإمدادات.
ولم تعد الحرارة الشديدة تهديداً مستقبلياً، فهي تربك بالفعل أنظمة المياه، وتضر بالصحة، وتعمق عدم المساواة في أرجاء آسيا والمحيط الهادئ. ومن دون حلول متكاملة، ستواصل هذه المخاطر المتقاطعة إجهاد أنظمة المياه وتوسيع الفجوة بين الجنسين.
النساء يتحملن العبء الأكبر لأزمة المياه والحرارة الشديدة
تؤثر الحرارة الشديدة والإجهاد المائي في الجميع، لكن النساء في آسيا والمحيط الهادئ يواجهن مخاطر أكبر بكثير بسبب عدم المساواة في الأدوار والمسؤوليات والحصول على الموارد. فبوصفهن المديرات الرئيسيات لمياه الأسرة وغذائها ورعايتها، تتحمل النساء العبء الأكبر للآثار المناخية. وتزيد مواسم الجفاف الأطول وارتفاع درجات الحرارة الوقت اللازم لجلب المياه، مما يضيف إجهاداً بدنياً ويقلص الوقت المتاح للتعليم أو العمل المأجور أو الراحة. ويكون هذا العبء بالغ الخطورة خلال موجات الحر، حين يصبح الجفاف والأمراض المرتبطة بالحرارة مهددين للحياة. وتواجه الحوامل خطراً متزايداً للإجهاض وولادة جنين ميت بسبب الحرارة الشديدة، بينما كثيراً ما تعاني المسنات من التعرض المطول أثناء تقديم الرعاية أو الطهي.
وتعمل نساء كثيرات في قطاعات غير رسمية كالزراعة والبيع في الشوارع، حيث يرتفع التعرض للحرارة وينخفض الحصول على التبريد، وتتضخم هذه المخاطر بفعل ضعف الصرف الصحي، وغياب البنية التحتية للتبريد، ومحدودية صوتهن في صنع القرار.
وفي المدن والقرى على حد سواء، يجبر غياب المراحيض النساء على تقنين الطعام والماء لتجنب استخدام دورات المياه خلال النهار، مما يؤدي إلى الجفاف والتهابات المسالك البولية والأمراض المرتبطة بالحرارة.
كما تقوض الحرارة والإجهاد المائي سلامة النساء وكرامتهن؛ فحيث لا تتوفر المياه المنقولة بالأنابيب، تصطف النساء أمام صنابير بعيدة أو مصادر غير آمنة، ويواجهن في الغالب أسعاراً استغلالية أو تحرشاً.
وتزيد الكوارث المرتبطة بالمياه، كالجفاف والفيضانات، المخاطر القائمة على النوع الاجتماعي. فالجفاف يطيل الوقت والمسافة اللذين يتعين على النساء قطعهما لجلب المياه، فيرفع تعرضهن للحرارة والإصابات والعنف. أما الفيضانات فتعطل البنية التحتية للصرف الصحي، وتنشر الأمراض، وتهجّر الأسر، فكثيراً ما تجبر النساء والفتيات على اللجوء إلى ملاجئ غير آمنة تفتقر إلى النظافة وتزداد فيها مخاطر الاعتداء. وفي الحالتين، يتسع عمل الرعاية غير المأجور الذي تقوم به النساء اتساعاً كبيراً، بينما يتقلص حصولهن على الدخل والتعليم والرعاية الصحية. وتضاف هذه الصدمات إلى الضغوط القائمة، فتدفع كثيرات نحو استراتيجيات تكيف ضارة، كالزواج المبكر أو الهجرة إلى بيئات حضرية خطرة.
مواطن الهشاشة المتقاطعة والقدرة على التكيف
يتشكل تعرض النساء للحرارة الشديدة وانعدام الأمن المائي بحسب المهنة والدخل والجغرافيا، ويتفاوت تفاوتاً واسعاً تبعاً لعملهن وظروف معيشتهن وحصولهن على الخدمات. فكثير من النساء في آسيا والمحيط الهادئ يتولين أدواراً عالية المخاطر في الزراعة والبيع في الشوارع والعمل المنزلي، وهي وظائف معرضة للحرارة الشديدة وكثيراً ما تفتقر إلى تدابير الحماية كفترات الراحة والظل والحصول على المياه النظيفة. وتشتد هذه الضغوط في المناطق شحيحة المياه أو القاحلة، حيث يصبح جلب المياه، وهو مهمة تتولاها المرأة عادة، أكثر استهلاكاً للوقت وأشد خطورة بدنية مع ارتفاع درجات الحرارة.
وتزيد أوجه الحرمان الاجتماعية والهيكلية هشاشة النساء أمام الإجهاد الحراري، إذ تحد الأدوار الاجتماعية والأعراف الثقافية من قدرتهن على حماية أنفسهن. ففي أماكن كثيرة، تُثبَّط النساء عن استخدام ملاجئ التبريد العامة، بل يُمنعن منها، ولا سيما ليلاً. وتواجه الحوامل مخاطر أعلى للمشكلات الصحية المرتبطة بالحرارة، ويضيف ضعف النظافة خلال الحيض في أوقات شح المياه طبقة أخرى من الضغط. كما يزيد نقص التغذية والأمراض المزمنة، الأكثر شيوعاً أصلاً بين النساء الفقيرات، احتمال الإصابة بالأمراض المرتبطة بالحرارة أو الوفاة بسببها.
وتحد أعباء الرعاية غير المأجورة من قدرة النساء على التكيف مع الحرارة الشديدة، فهن يرعين الأطفال وكبار السن والمرضى، ويتسع هذا العمل غير المأجور خلال موجات الحر مع إصابة مزيد من الناس بالمرض. وإذا أُغلقت المدارس بسبب الحرارة الشديدة، تتحمل النساء مهام إضافية لرعاية الأطفال. وحين يهاجر الرجال بحثاً عن العمل، تُترك النساء لإدارة المزارع والأسر بدعم ضئيل، وهي ظاهرة تُسمى أحياناً تأنيث الزراعة. ومن دون الحصول على الأرض أو الائتمان أو سلطة صنع القرار، تدفع هذه الأعباء الإضافية كثيرات إلى مزيد من الفقر.
وتتفاوت قدرة النساء على التكيف مع الإجهاد الحراري والمائي بحسب حصولهن على الموارد ونظم الدعم، فبعضهن يستطعن التأقلم مع موجات الحر والتعافي منها بسهولة أكبر من غيرهن، ويتوقف ذلك على دخلهن وصحتهن وتعليمهن وصلاتهن الاجتماعية وقدرتهن على التنقل.
ويلزم اتخاذ استجابات موجهة لأن النساء يختبرن المخاطر المناخية على نحو مختلف بحسب ظروفهن؛ فبعضهن يواجهن أوجه حرمان متداخلة تقلل قدرتهن على التكيف مع الظواهر المناخية المتطرفة، بينما قد تمتلك أخريات الموارد والدعم اللازمين للتأقلم، شريطة أن تدرك الأنظمة العوائق التي يواجهنها وتزيلها.
وللحد من الآثار المناخية القائمة على النوع الاجتماعي، يجب أن تُصمم السياسات مع مراعاة هذا التنوع؛ فالعاملات الزراعيات في الريف، والمهاجرات المقيمات في الأحياء الفقيرة، والعاملات في القطاع غير الرسمي سيحتجن إلى أشكال مختلفة من الدعم، تشمل الحماية الاجتماعية، والمياه والصرف الصحي الآمنين، والحصول على الرعاية الصحية، والإدماج الكامل للنساء في التخطيط المناخي وصنع القرار. ومن دون تدخلات موجهة، ستعمّق الظواهر المناخية المتطرفة كموجات الحر والجفاف أوجه عدم المساواة القائمة.
إخفاقات منظومية تترك النساء خلف الركب في عالم يزداد حرارة
تواجه النساء مخاطر متزايدة من الحرارة الشديدة وشح المياه، لكن كثيراً من هذه المخاطر ليس طبيعياً بحتاً، بل هو نتاج إخفاقات منظومية ونقاط عمياء في السياسات. ففي حالات كثيرة، تكون الحكومات والمؤسسات على دراية بالآثار لكنها تعجز عن التحرك أو عن توجيه الدعم إلى حيث تشتد الحاجة إليه، إذ تحول عوائق هيكلية ومؤسسية وثقافية دون حصول النساء على موارد القدرة على الصمود المناخي.
الأمن المائي للأسر الريفية في قرية غامروج: حل تقوده امرأة
في غامروج، وهي قرية ريفية في ولاية هاريانا شمال الهند المعروفة بصيفها اللاهب ونقص المياه المزمن، كان الحصول على المياه الآمنة معاناة يومية. وتحملت النساء، ولا سيما المنتميات إلى المجتمعات المهمشة، العبء الأكبر لهذه الأزمة، إذ كن يسرن مسافات طويلة في الحرارة الشديدة لجلب المياه أو يعتمدن على أقاربهن من الرجال الذين يملكون دراجات نارية، وكثيراً ما كانت المياه غير آمنة فتسبب طفحاً جلدياً والتهابات.
وكانت سادنا راني، التي انتُخبت رئيسة لمجلس القرية، قد عاشت هذه المعاناة بنفسها. وعزماً منها على إحداث التغيير، تعاونت مع مؤسسة نافجيوتي الهند لمعالجة انعدام الأمن المائي من خلال حلول عملية مراعية للنوع الاجتماعي. وأسهمت قيادتها في تركيب أنظمة لامركزية لتنقية المياه، بما فيها الترشيح الفائق والمعالجة بالأشعة فوق البنفسجية والمرشحات الرملية الحيوية، ووُضعت في مواقع مدروسة لتقليل مسافات التنقل، وتولت صيانتها نساء محليات مدربات، مما أنشأ نظاماً مستداماً ومُمكِّناً.
وإدراكاً منها لأوجه عدم الإنصاف في توزيع المياه، دافعت سادنا أيضاً عن تركيب مضخة تعزيز معتمدة حكومياً ونجحت في تأمينها، وضمن هذا التدخل إمدادات مياه أكثر انتظاماً، ولا سيما في ذروة أشهر الصيف، مما خفف الضغط على الأسر والأمراض.
وإلى جانب البنية التحتية، ركزت سادنا على الحوكمة الشاملة، فأعادت تنشيط مجلس النساء، وهو منتدى تطرح فيه النساء مخاوفهن بشأن المياه والصرف الصحي، كما عززت لجنة المياه والصرف الصحي في القرية، مشجعة التخطيط الجماعي والمساءلة. وتشمل خططها المقبلة استعادة بركة القرية لتغذية المياه الجوفية والحماية من الفيضانات، بما يتوافق مع الحلول القائمة على الطبيعة والقدرة على الصمود على المدى الطويل.
وتبين قيادة سادنا كيف يمكن لتمكين النساء في الحوكمة أن يحقق نتائج تحويلية في الأمن المائي للأسر الريفية، ويبرهن نهجها المتكامل، الذي يمزج بين البنية التحتية والإصلاح المؤسسي والمشاركة الشاملة، على قدرة الحلول المحلية على بناء القدرة على التكيف في مواجهة الحرارة الشديدة والإجهاد المائي.
النتائج والمناقشة: أزمة أمن مائي قائمة على النوع الاجتماعي مخفية على مرأى من الجميع
كشف هذا القسم أن الحرارة الشديدة وانعدام الأمن المائي يُظهران أوجهاً عميقة ومنظومية لعدم المساواة بين الجنسين ظلت طويلاً خارج أطر الأمن المائي. فرغم أن النساء والفتيات كن دائماً محوريات في أنظمة المياه بأدوارهن مستخدمات ومديرات وراعيات، لا تزال تجاربهن منعكسة على نحو ضعيف في التقييمات الإقليمية والاستجابات الوطنية. ويوفر التقرير أساساً متيناً لفهم الأمن المائي، لكن هذه الأزمة تبين لماذا يجب إدماج النوع الاجتماعي على نحو أكثر صراحة في كل بعد من أبعاد الأمن المائي.
ففي البعد الأول، الأمن المائي للأسر الريفية، يتزايد التعرض والعبء؛ إذ تجلب النساء الريفيات المياه من مصادر أبعد أو أقل أماناً على نحو متزايد، ولا سيما خلال موجات الحر أو الجفاف، مما يزيد الإجهاد البدني والأمراض المرتبطة بالحرارة وفقر الوقت.
وفي البعد الثاني، الأمن المائي الاقتصادي، تنهار سبل عيش النساء تحت وطأة الحرارة؛ فالنساء يهيمن على القطاعات غير الرسمية والعمل في الهواء الطلق كالزراعة والبيع والعمل المنزلي، وهي وظائف شديدة التعرض للحرارة لكنها لا توفر سوى حماية ضئيلة، ولا تبريد، وحقوقاً قليلة. كما يقلل انعدام الأمن المائي الإنتاجية الزراعية ويرفع تكاليف الغذاء، مما يؤثر في الدخل وتغذية الأسرة معاً.
وفي البعد الثالث، الأمن المائي الحضري، لم تُصمم البنية التحتية الحضرية مع مراعاة النساء؛ ففي المدن، كثيراً ما تفتقر النساء الفقيرات في المستوطنات غير الرسمية إلى المياه المنقولة بالأنابيب والمراحيض الآمنة، ويؤدي الإجهاد المائي إلى طوابير طويلة ونقاط جلب غير آمنة وتعرض متزايد للعنف. وخلال موجات الحر الحضرية، يقوض غياب التبريد، مقترناً بعدم موثوقية الحصول على المياه، الصحة والكرامة.
وفي البعد الرابع، الأمن المائي البيئي، تواجه النساء تبعات تدهور النظم؛ فمع تدهور جودة المياه والنظم البيئية بفعل الحرارة والجفاف، تتحمل النساء العبء الأكبر في التأقلم، إذ يُدرن مياه الأسرة حتى مع جفاف الينابيع وتراجع المخزون السمكي، وهذه الخسائر ليست بيئية فحسب بل اجتماعية في عمقها.
وفي البعد الخامس، الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه، تكون النساء الأقل حماية والأخيرات في تلقي الدعم؛ فالفيضانات والجفاف تهجّر الأسر، وتدمر البنية التحتية المائية، وتنشر الأمراض، وكثيراً ما تُترك النساء والفتيات خارج تخطيط الاستجابة للكوارث، فيواجهن ملاجئ غير آمنة ونظافة رديئة ومخاطر متزايدة للاعتداء، كما يتحملن عبء تقديم الرعاية خلال مرحلة التعافي.
والمطلوب الآن استجابة مرحلية مراعية للنوع الاجتماعي تستند إلى إطار التقرير. فعلى المدى القصير، خلال عامين، ينبغي إعطاء الأولوية للحماية الفورية عبر جميع الأبعاد الرئيسية، بتقديم خدمات المياه والتبريد والصرف الصحي الموجهة لاحتياجات النساء، وإنشاء نقاط مياه آمنة ومساحات مخصصة للنساء في الملاجئ، وتوزيع مستلزمات النظافة الصحية خلال الحيض والإمدادات الصحية أثناء موجات الحر والجفاف. وعلى المدى المتوسط، بين عامين وخمسة أعوام، ينبغي تعزيز النظم التي تبني قدرة النساء على التكيف، بإدماج النوع الاجتماعي في الميزنة المناخية والمائية، ودعم الابتكارات التي تقودها النساء في تقنيات المياه، وضمان مشاركة النساء في حوكمة المياه الحضرية، وتحسين أنظمة البيانات لتتبع الآثار القائمة على النوع الاجتماعي عبر جميع الأبعاد. وعلى المدى الطويل، أي ما بعد خمسة أعوام، ينبغي إصلاح المؤسسات لترسيخ المساواة بين الجنسين في جميع أبعاد الأمن المائي، بالنهوض بحقوق النساء في الأرض والمياه، والاستثمار في البنية التحتية للرعاية التي تحرر وقتهن للمشاركة، وإقرار حصص قانونية أو تفويضات لإشراك النساء في هيئات حوكمة المياه، مع ضرورة إدماج التمويل المباشر لمنظمات النساء القاعدية في كل تخطيط لبناء القدرة على الصمود.
فلن يتحقق الأمن المائي في عالم يزداد حرارة من دون الإدماج الكامل للنساء. فكل بعد من أبعاد الأمن المائي يتقاطع مع النوع الاجتماعي، وما لم تدرك الأنظمة من يتحمل العبء، ومن يُقصى، ومن يقود التغيير على الأرض، ستظل الحلول جزئية وغير منصفة. فالنساء يتكيفن وينظمن صفوفهن ويبتكرن بالفعل، وقد آن الأوان لأن تلحق بهن السياسات.
حوكمة المياه لتعزيز الأمن المائي في سياق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة
الملخص
يتناول هذا الفصل كيف تؤثر حوكمة المياه في الأمن المائي في آسيا والمحيط الهادئ، مستنداً إلى بيانات التقرير وإلى مؤشر الهدف 6.5.1 من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالإدارة المتكاملة للموارد المائية. ويقدم التحليل أول مقارنة إقليمية بين درجات الحوكمة والأبعاد الرئيسية الخمسة للأمن المائي في التقرير، مدعومة بتقييمات مفصلة في خمسة بلدان هي بنغلاديش وكمبوديا ونيبال وباكستان وطاجيكستان.
وترتبط حوكمة المياه والأمن المائي ارتباطاً وثيقاً، لكن العلاقة بينهما ليست علاقة مباشرة متطابقة. ففي حالات كثيرة، أفضت إصلاحات الحوكمة إلى تحسينات في الأمن المائي، لكن ليس دائماً على الفور أو بصورة متسقة. فالنتائج تتشكل بفعل طائفة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وقد يتفاوت التقدم بين البلدان والمناطق الفرعية، مما يؤكد أن حوكمة المياه عامل تمكين أساسي، لكنها ليست المحرك الوحيد.
ويُعد التمويل وأدوات الإدارة من أقوى الرافعات لتحسين الأمن المائي. فهذه الأدوات، كأطر توزيع المياه وخطط إدارة الأحواض وهياكل التعرفة وأنظمة الرصد، تُظهر أوثق ارتباط بدرجات الأمن المائي بين أبعاد الحوكمة الأربعة التي يقيّمها المؤشر 6.5.1، وهي تحدد كيفية ترجمة السياسات إلى عمل، إذ يوفر التمويل الموارد اللازمة لتنفيذ الخطط، وتوجه أدوات الإدارة الاستخدام الفعال والمنصف لهذه الموارد. ورغم أهميتها، تظل هذه المجالات الأقل تطوراً في بلدان كثيرة، ويمكن لتعزيزها أن يحقق مكاسب سريعة وفعالة من حيث التكلفة، ولا سيما حين يدعمها إطار تمكيني قوي ومؤسسات جيدة التنسيق. وتقدم التقييمات القُطرية أمثلة واضحة على كيفية تسريع الأمن المائي بالتركيز على هذه المجالات.
والأمن المائي الحضري والاقتصادي هما الأكثر استجابة لتحسن الحوكمة، إذ كثيراً ما يعكسان قرارات مركزية واستثمارات وطنية، مما يجعلهما أسرع تأثراً بتغيرات الحوكمة، بينما قد يستجيب الأمن المائي الريفي والبيئي ببطء أكبر ويتطلبان تكاملاً أوسع عبر القطاعات ومستويات الحوكمة. ويبين التحليل أيضاً أن تحسن الحوكمة يسهم في تعزيز القدرة على التكيف، ويساعد البلدان على إدارة المخاطر المائية المرتبطة بالمناخ، سريعة الظهور منها وبطيئته.
والإرادة السياسية حاسمة لتحقيق التقدم وصونه؛ فحيثما أعطت القيادة الوطنية الأولوية لحوكمة المياه واستثمرت في إصلاح طويل الأمد، تحققت النتائج. ويمكن لإدماج أهداف الحوكمة في استراتيجيات الأمن المائي الوطنية والخطط المناخية وأطر التنمية، كاستراتيجيات الشراكة القُطرية لبنك التنمية الآسيوي، أن يواءم الجهود ويعزز المساءلة.
ولكل الأطراف دور في تسريع حوكمة مائية قادرة على الصمود أمام تغير المناخ؛ إذ ينبغي لشركاء التنمية والحكومات والقطاع الخاص استخدام أطر حوكمة المياه، كالمؤشر 6.5.1، لتوجيه الإصلاحات، ومواءمة الاستثمار، والحد من المفاضلات بين القطاعات. ويمكن لتعزيز التنسيق عبر المنصات الإقليمية أن يدعم تبادل المعرفة، ويبني الزخم السياسي، ويساعد على تحويل الخطط إلى تحسينات دائمة للناس والنظم البيئية.
مقدمة
تُعد حوكمة المياه الفعالة أساسية لتحقيق الأمن المائي، غير أن الحوكمة وحدها لا تكفي، إذ تؤثر في النتائج عوامل أخرى كثيرة كالنمو السكاني والتحضر والبنية التحتية والمناخ وتوافر المياه. ويستكشف هذا الفصل العلاقة بين حوكمة المياه والأمن المائي، مع الإقرار بأن إحداهما لا تفضي دائماً مباشرة إلى الأخرى.
ولدراسة هذه العلاقة، نستخدم مؤشرين تقريبيين؛ إذ يُقيَّم الأمن المائي باستخدام الأبعاد الرئيسية الخمسة للتقرير، التي طُبقت على نحو متسق عبر أربع طبعات في الأعوام 2013 و2016 و2020 و2025، وتُدرس حوكمة المياه من خلال المؤشر 6.5.1، المستخدم ضمن مؤشرات أهداف التنمية المستدامة لتقييم درجة تنفيذ الإدارة المتكاملة للموارد المائية. ولأغراض هذا الفصل، تُستخدم هذه الإدارة بديلاً تقريبياً للحوكمة الرشيدة للمياه.
ويهدف الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة إلى ضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي وإدارتها المستدامة للجميع، وتركز الغاية 6.5 تحديداً على الإدارة المتكاملة للموارد المائية، ويُقاس التقدم فيها عبر المؤشر 6.5.1. وتبلغ البلدان عن تقدمها بإكمال مسح موحد يتضمن ثلاثة وثلاثين سؤالاً موزعة على أربعة أبعاد هي: البيئة التمكينية، أي السياسات والقوانين والخطط الداعمة للإدارة المتكاملة؛ والمؤسسات والمشاركة، أي أدوار الجهات الفاعلة والتنسيق بينها؛ وأدوات الإدارة، أي الأدوات والأطر اللازمة لصنع القرار والإدارة؛ والتمويل، أي الميزانيات والتخطيط المالي لإدارة المياه.
وتشكل هذه الأبعاد الأربعة أساس إطار للحوكمة يوفر، حين يُقرن بالأبعاد الرئيسية الخمسة للتقرير، مصفوفة من خمسة في أربعة. وتتيح هذه المصفوفة المقارنة المتقاطعة بين الحوكمة والأمن المائي، كاشفة عن جوانب الحوكمة الأكثر دعماً للتحسن في كل بعد رئيسي، كما تساعد على تحديد الفجوات ومواءمة الجهود المستقبلية. ويقوم هذا التأطير المفاهيمي على النظر إلى الإدارة المتكاملة للموارد المائية بوصفها وسيلة لتحقيق الأمن المائي، ومن خلاله الإسهام في التنمية المستدامة بأبعادها الثلاثة: الكفاءة الاقتصادية، والإنصاف الاجتماعي، والاستدامة البيئية.
ورغم أن التقدم العالمي والإقليمي في المؤشر 6.5.1 كان مطرداً، فإنه ليس سريعاً بما يكفي. ففي آسيا والمحيط الهادئ، ارتفع متوسط مستوى التنفيذ من 46% عام 2017 إلى 57% عام 2023، وبالوتيرة الحالية لن تتحقق غاية عام 2030 قبل عام 2049. وقد حققت مناطق فرعية كجنوب آسيا وجنوب شرقها مكاسب أسرع، مقدمة دروساً للآخرين.
ويعرض هذا الفصل أول تحليل إقليمي يقارن بين بيانات الأمن المائي في التقرير ونتائج الحوكمة في المؤشر 6.5.1، ويستند أيضاً إلى التقييمات القُطرية لبنغلاديش وكمبوديا ونيبال وباكستان وطاجيكستان، بهدف تحديد إصلاحات للحوكمة قابلة للتنفيذ يمكنها تسريع الأمن المائي في أرجاء آسيا والمحيط الهادئ.
المنهجية
يعتمد هذا الفصل نهجاً مختلطاً يجمع بين التحليل الكمي والرؤى النوعية، إذ لم يكن أي من نوعي البيانات وحده ليقدم صورة كاملة؛ فالنتائج الكمية المجردة من السياق تخاطر بالوصول إلى استنتاجات مضللة، والتفسير النوعي المجرد من البيانات قد يفتقر إلى الدقة. وقد سعى التحليل إلى الموازنة بينهما، بما يتيح فهماً أكثر رسوخاً لكيفية تفاعل حوكمة المياه والأمن المائي.
واعتمد التحليل الكمي على بيانات المؤشر 6.5.1 للأعوام 2017 و2020 و2023، وبيانات التقرير للأعوام 2013 و2016 و2020 و2025. وفُحصت درجات المؤشرات والمؤشرات الفرعية لكليهما على المستويات الوطنية والإقليمية ودون الإقليمية، ورُجحت المتوسطات الإقليمية ودون الإقليمية بحسب عدد السكان لتعكس الفروق السكانية. وأُجري تحليل الارتباط بين الأبعاد الرئيسية الخمسة والمكونات الأربعة للإدارة المتكاملة باستخدام بيئة التطوير المتكاملة للغة R، وحدد هذا التحليل أنماطاً وعلاقات على مستوى آسيا والمحيط الهادئ والمناطق الفرعية، مبرزاً عناصر الحوكمة الأوثق ارتباطاً بنتائج الأمن المائي.
ولاستكشاف العلاقات السببية المحتملة، طُوّر نموذج خطي معمم للتنبؤ بدرجات التقرير لعام 2025، وشملت المتغيرات التفسيرية درجات المؤشر 6.5.1، وعدد السكان، والتعليم، والأراضي المروية، والتحضر، ونصيب الفرد من المياه المتجددة، ومؤشر التنمية البشرية، ومؤشر جيني. وأُجريت جميع التحليلات الإحصائية باستخدام لغة R.
وجاءت البيانات النوعية من خمس دراسات حالة قُطرية في تقرير 2025، هي بنغلاديش وكمبوديا ونيبال وباكستان وطاجيكستان، وشملت مشاورات وتعقيبات مع البعثات المقيمة لبنك التنمية الآسيوي وخبراء إقليميين. وأثرت التحليلَ وثائقُ السياسات الوطنية، وخطط عمل الإدارة المتكاملة للموارد المائية، والمساهمات المحددة وطنياً، ودراسات حالة تسريع الهدف السادس، وتقارير أصحاب المصلحة، كما وفرت الإجابات المفتوحة في مسح المؤشر 6.5.1 سياقاً ورؤى إضافية.
ورغم أن المؤشر 6.5.1 يستند إلى مسح للتقييم الذاتي، مما يُدخل قدراً من الذاتية، فإن منهجية المؤشر ومشاورات أصحاب المصلحة مصممة لضمان إبلاغ متين على المستويات الوطنية ودون الإقليمية والإقليمية. وفي دراسات الحالة القُطرية الخمس، أُجريت مشاورات واسعة مع أصحاب المصلحة مرتين على الأقل، مما ساعد على تحسين الدقة والفهم المشترك. ويسّر هذه المشاورات برنامج دعم الإدارة المتكاملة للموارد المائية في إطار الهدف السادس، ويوصى بها لجميع البلدان لتعزيز موثوقية البيانات المبلغ عنها.
وأخيراً، راعى التحليل الاتجاهات الجغرافية والزمنية معاً، إذ رُوجع التقدم عبر المناطق الفرعية الست لبنك التنمية الآسيوي: آسيا الوسطى والغربية، وشرق آسيا، وجنوب آسيا، وجنوب شرق آسيا، والمحيط الهادئ، والاقتصادات المتقدمة. كما درست الدراسة كيف تواءمت إصلاحات حوكمة المياه مع تحسينات الأمن المائي عبر فترات زمنية مختلفة، مما ساعد على تحديد التوقيت الذي تبدأ فيه هذه التغيرات في إظهار أثرها.
النتائج والمناقشة
تتضح علاقة إيجابية بين حوكمة المياه والأمن المائي في أرجاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، إذ يبرز التحليل الإقليمي ارتباطاً قوياً بين تحسن تنفيذ الإدارة المتكاملة للموارد المائية وتعزز الأداء عبر الأبعاد الرئيسية الخمسة للتقرير، ويُظهر البعدان الثاني (الأمن المائي الاقتصادي) والثالث (الأمن المائي الحضري) أعلى ارتباط بحوكمة المياه.
وفي البعد الثاني، تساعد الحوكمة الأفضل على الحد من المفاضلات بين الاستخدامات المتنافسة للمياه؛ فتزايد التحضر والطلب على المياه في أرجاء المنطقة يضغط على الموارد اللازمة للاستهلاك والغذاء والطاقة والنظم البيئية، وتشير البيانات إلى أن أدوات الإدارة والأطر القانونية الأقوى قادرة على تنسيق هذه الطلبات بفعالية أكبر.
وتجسد بنغلاديش مثلاً كيف يمكن لتعزيز أدوات الإدارة والتمويل أن يدفع التقدم؛ ففي السنوات الأخيرة، حسّنت الحكومة استراتيجياتها المائية الوطنية وأطر إدارة الأحواض، مما وفر أساساً أوضح للعمل المنسق عبر القطاعات. وفي الوقت ذاته، وسّع الاستثمار العام المستدام والدعم القوي من المانحين نطاق الحصول على إمدادات المياه والصرف الصحي، وأتاحا إعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية. ولم تسهم هذه التحسينات مجتمعة في النهوض بالأمن المائي فحسب، بل ساعدت بنغلاديش أيضاً على بناء قدرة أكبر على الصمود أمام الصدمات المناخية كالفيضانات والأعاصير.
وفي الأمن المائي الحضري، حيث تكون البنية التحتية والحضور المؤسسي أقوى في الغالب، تميل إصلاحات الحوكمة، كخطط التمويل الجديدة أو الأدوات القانونية، إلى إظهار نتائج أسرع. وفي المقابل، قد يستجيب الأمن المائي للأسر الريفية ببطء أكبر بسبب فجوات القدرات في التنفيذ. ويرتبط البعد الرابع (الأمن المائي البيئي) أيضاً ارتباطاً إيجابياً بتحسينات الحوكمة، ولا سيما حين تركز الإدارة المتكاملة على الإدارة المتكاملة للموارد، غير أن محركات أخرى، كتغير استخدامات الأراضي أو سياسات الطاقة، تظل مؤثرة.
ومن بين أبعاد الحوكمة، يُظهر التمويل وأدوات الإدارة أقوى الروابط بنتائج الأمن المائي، مما يشير إلى أن الاستثمارات المستقبلية في حوكمة المياه ينبغي أن تعطي الأولوية لهذين المجالين. ورغم أن البيئات التمكينية والمؤسسات أكثر تطوراً، فإنها لا تزال تحتاج إلى دعم مستمر.
ويظل التمويل البعد الأضعف أداءً على مستوى المنطقة والعالم، ويمكن لتوسيع مخصصات الميزانية العامة، ومواءمة تمويل شركاء التنمية مع الاستراتيجيات الوطنية كاستراتيجيات الشراكة القُطرية للبنك، واستقطاب التمويل الخاص عبر تقاسم المخاطر، أن يساعد على توسيع نطاق التقدم. وتحدد التقييمات القُطرية الخمسة مداخل محتملة في استراتيجيات الشراكة القُطرية تربط تحسينات الحوكمة بمكاسب الأمن المائي طويلة الأمد.
وتبني الحوكمة المائية المحسنة أيضاً القدرة على التكيف؛ فقد قوضت الظواهر المناخية المتطرفة مؤخراً مكاسب الأمن المائي، كالحرارة المسببة لذوبان الأنهار الجليدية في طاجيكستان، والفيضانات في باكستان، والجفاف في نيبال. ويبين تحليل الارتباط في البعد الخامس (الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه) أن الحوكمة ترتبط بالقدرة على الصمود ارتباطاً أقوى حين يُستبعد التعرض للمخاطر من احتساب هذا البعد، مما يشير إلى أنه بينما يكون التعرض للمخاطر ثابتاً، تستطيع الحوكمة أن تشكل قدرة البلد على إدارة المخاطر والتكيف معها.
وطُبق أيضاً نموذج خطي معمم لدراسة كيفية تأثير عوامل التنمية الأخرى في الأمن المائي، فتبين أن مؤشر التنمية البشرية وتنفيذ الإدارة المتكاملة للموارد المائية يرتبطان كلاهما ارتباطاً ذا دلالة بنتائج أفضل للأمن المائي، وظلت هذه العلاقة قائمة حتى بعد مراعاة الدخل والنمو السكاني والتعليم. وفي حالات عدة، أظهرت بلدان ذات ملامح اقتصادية وديموغرافية متشابهة نتائج مختلفة بحسب ممارساتها في الحوكمة.
ويتسق ارتفاع مؤشر التنمية البشرية عموماً مع قوة حوكمة المياه والأمن المائي، وإن وُجدت استثناءات. فبالاو مثلاً تتمتع بأمن مائي وتنمية بشرية مرتفعين لكن درجات حوكمتها أدنى، بينما تمتلك باكستان حوكمة قوية نسبياً لكن تنميتها البشرية وأمنها المائي منخفضان. وتشير هذه التباينات إما إلى فاصل زمني بين إصلاحات الحوكمة ونتائجها، وإما إلى تناقضات محتملة في البيانات.
تفاصيل من التقييمات القُطرية
على المستوى دون الإقليمي، تكشف الحالتان المتباينتان لجنوب شرق آسيا وجنوب آسيا عن رؤى مهمة. ففي جنوب شرق آسيا، تحسنت حوكمة المياه تحسناً كبيراً، إذ ارتفعت درجات المؤشر 6.5.1 من 46% عام 2017 إلى 62% عام 2023، وخلال فترة مماثلة ارتفعت درجات الأمن المائي في الأبعاد الرئيسية الخمسة جميعها، لكن المكاسب جاءت متواضعة وغير منتظمة، وتفاوت التقدم بين الأبعاد والسنوات ولم يكن مستداماً دائماً. ويشير هذا النمط غير الخطي إلى أن تحسينات الحوكمة قد تستغرق وقتاً لتتحول إلى نتائج ملموسة في الأمن المائي، وأن محركات أخرى، كالبنية التحتية والاستثمار والعوامل الاجتماعية والسياسية، قد تشكل هذه النتائج على نحو مستقل.
فليست هناك علاقة متطابقة بين حوكمة المياه والأمن المائي؛ فحتى حيث تتحسن الحوكمة، قد تتأخر آثارها في الأمن المائي، أو تتذبذب، أو تطغى عليها صدمات خارجية كالجفاف أو الفيضانات. ويتجلى ذلك بوضوح في جنوب شرق آسيا، حيث ظلت تحسينات الأمن المائي الإجمالية محدودة رغم المكاسب القوية في الحوكمة.
أما جنوب آسيا فيقدم نمطاً مختلفاً، إذ ارتفعت درجات الحوكمة من 37% عام 2017 إلى 56% عام 2023، واقترن ذلك بمكاسب كبيرة في درجات الأمن المائي عبر أبعاد متعددة، مما يشير إلى مواءمة أوثق بين إصلاحات الحوكمة ونتائج القطاع في هذه المنطقة الفرعية. وقد يعكس ذلك أيضاً ظروفاً تمكينية أكثر ملاءمة، كمؤسسات أقوى، أو استثمارات موجهة، أو أولوية سياسية أعلى لإصلاح قطاع المياه.
وتؤكد هذه الأمثلة المتباينة أن حوكمة المياه مهمة، لكن أثرها ليس فورياً ولا تلقائياً، فآثار إصلاحات الحوكمة تتوقف على التوقيت والسياق ووجود عوامل مكملة. وتبين التجربة في أرجاء آسيا والمحيط الهادئ أن تعزيز الحوكمة أساسي لتحقيق الأمن المائي، لكنه يجب أن يُدعم بجهود موازية في البنية التحتية، وبإرادة سياسية واستثمار معززين ومنسقين من أعلى المستويات.
فقد عززت بنغلاديش أمنها المائي الاقتصادي من خلال التخطيط طويل الأمد والاستثمارات الموجهة؛ إذ حدّثت خطة الدلتا 2100 وبرامج هيئة باريند للتنمية متعددة الأغراض أنظمة الري، وشجعت الاستخدام الذكي مناخياً للمياه الجوفية، وعززت التنسيق بين القطاعات. ودعمت هذه الجهودَ استراتيجياتُ استثمار مسترشدة بالسياسات وشراكاتٌ بين القطاعين العام والخاص، ولا سيما في المناطق المعرضة للجفاف، مما ساعد على تحسين بعدي أدوات الإدارة والتمويل في حوكمة المياه.
وحققت كمبوديا مكاسب كبيرة في الأمن المائي الحضري بتوسيع تغطية الخدمات، إذ طبقت هيئة إمدادات المياه في بنوم بنه آلية للتجميع المالي تستخدم إيرادات الأحياء المركزية الأكثر ثراءً لدعم تقديم الخدمة في المناطق الأفقر، وقد حسّن هذا النهج الحصول على الخدمات والإنصاف فيها.
وزادت نيبال الزخم السياسي لإصلاح قطاع المياه من خلال عمليات تشاركية متعددة الأطراف؛ فقد أرست خطة عمل الإدارة المتكاملة للموارد المائية لعام 2022 واستراتيجية الاستجابة لإدارة الموارد المائية لعام 2024 الأساس لمشروع قانون جديد للموارد المائية، يُتوقع عند إقراره أن يفيد الأبعاد الرئيسية الخمسة جميعها بتعزيز الأطر القانونية والمؤسسية للحوكمة المائية المتكاملة.
وحسّنت باكستان الأمن المائي للأسر الريفية من خلال تعزيز الرصد واستخدام البيانات، إذ أنتج برنامج لرصد جودة المياه الريفية تقييمات مفصلة لمياه الشرب في المناطق الريفية والحضرية، استُرشد بها في قرارات السياسات وتحديث الأنظمة، ولا سيما في الصرف الصحي والنظافة الصحية، مما أسهم في التقدم في المؤشرات الفرعية الصحية للبعد الأول.
وطورت طاجيكستان أمنها من الكوارث المرتبطة بالمياه بالاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر والاستعداد للمخاطر، إذ عزز تنفيذ مبادرة "الإنذار المبكر للجميع" وخريطة طريق وطنية لأنظمة الإنذار المبكر من المخاطر المتعددة البيئةَ التمكينية للحد من مخاطر الكوارث. غير أن الإنفاذ عبر القطاعات والتنسيق المؤسسي يظلان مجالين حاسمين يحتاجان إلى مزيد من التحسين.
وتبين هذه الأمثلة القُطرية أن إصلاحات الحوكمة الموجهة، ولا سيما حين تدعمها إرادة سياسية قوية، قادرة على تسريع التقدم في مختلف جوانب الأمن المائي، كما تبرز إمكانات التعاون دون الإقليمي في تعزيز التعلم المشترك وتوسيع نطاق الاستثمار.
الخلاصة
يؤكد التحليل وجود صلة إيجابية بين حوكمة المياه والأمن المائي في أرجاء آسيا والمحيط الهادئ، غير أن هذه العلاقة ليست متطابقة. فرغم أن البلدان ذات الحوكمة الأقوى تُظهر عموماً أمناً مائياً أعلى، تؤثر في النتائج عوامل أخرى كثيرة كالبنية التحتية والمناخ والقدرة الاقتصادية. ففي بعض المناطق الفرعية، كجنوب آسيا، تواءمت مكاسب الحوكمة مع تحسينات كبيرة في الأمن المائي، وفي مناطق أخرى، كجنوب شرق آسيا، جاء التقدم أكثر تفاوتاً وغير خطي.
وتمثل المؤسسات والتمويل مجالين رئيسيين للتعزيز؛ فمن بين مكونات الحوكمة الأربعة التي يقيّمها المؤشر 6.5.1، يرتبط التمويل وأدوات الإدارة أقوى ارتباط بمكاسب الأمن المائي، في حين أن البيئات التمكينية والمشاركة المؤسسية أكثر تقدماً، لكنها لا تزال تحتاج إلى دعم مستمر لضمان الاتساق والقدرة على جميع المستويات.
ويمكن لتحسين الحوكمة أيضاً أن يعزز قدرة البلدان على التكيف مع المخاطر المائية المرتبطة بالمناخ، إذ يبين التحليل أن المؤسسات وأنظمة التخطيط وهياكل التمويل الأقوى تساعد البلدان على الاستجابة بفعالية أكبر للفيضانات والجفاف معاً. وتدعم الحوكمة التكيفية إدارة أفضل على المدى الطويل للدورة الهيدرولوجية المتغيرة، مما يجعل أنظمة المياه أكثر قدرة على الصمود.
والإرادة السياسية محرك حاسم للتقدم، فالبلدان التي أظهرت قيادة مدعومة باستثمارات مستدامة وزخم إصلاحي حققت مكاسب أكبر. ويجب حشد الإرادة السياسية وصونها، لا عبر الإعلانات رفيعة المستوى فحسب، بل من خلال إدماجها في الاستراتيجيات الوطنية والتشريعات وأطر التمويل، وتدعم التقييمات القُطرية، ولا سيما تقييم نيبال، هذه النقطة.
وللمضي قدماً في هذا العمل، ينبغي دعم البلدان في وضع أهداف وطنية تتوافق مع التقرير والمؤشر 6.5.1 معاً، إذ يمكن لهذه الأهداف أن تساعد على ترجمة أطر الحوكمة إلى أولويات واضحة عبر القطاعات وعلى المستوى المحلي. وسيضمن إدماج هذه الأهداف في استراتيجيات الأمن المائي الوطنية واستراتيجيات الشراكة القُطرية للبنك وخطط التنمية المستدامة مواءمة أفضل للسياسات والميزانيات وآليات المساءلة.
وتوفر أطر الحوكمة، كالمؤشر 6.5.1، أدوات قيّمة لمواءمة الاستثمار والتخطيط، واستخدامها في صياغة أهداف الأمن المائي الوطنية يتيح تمويلاً أكثر استهدافاً، ويتجنب المفاضلات القطاعية، ويطلق منافع مشتركة في مجالات المناخ والزراعة والطاقة والصحة.
ولتسريع التقدم، يلزم تنسيق إقليمي أقوى، إذ توفر منصات كقمة المياه لآسيا والمحيط الهادئ ورابطة أمم جنوب شرق آسيا وبرنامج التعاون الاقتصادي الإقليمي لآسيا الوسطى فرصاً للتعلم والاستثمار والإصلاح المشترك، وستستفيد هذه الجهود من مواءمة أكثر قصداً.
