القائمة الرئيسية

تقرير توقعات التنمية المائية في آسيا 2025: مؤشر الأمن المائي لآسيا والمحيط الهادئ (5/2)

تقرير توقعات التنمية المائية في آسيا 2025: مؤشر الأمن المائي لآسيا والمحيط الهادئ (5/2)
ملخص الدراسة

يقيّم الفصل الأمن المائي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ من خلال خمسة أبعاد رئيسية: الأمن المائي للأسر الريفية، الاقتصادي، الحضري، البيئي، والأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه. يظهر التقرير تحسناً عاماً في الأمن المائي منذ عام 2013، مدفوعاً بالاستثمارات في البنية التحتية وإصلاحات السياسات، لكن هذا التقدم غير متوازن بشكل كبير بين المناطق والبلدان. التحديات الرئيسية تكمن في جودة الخدمات الآمنة (خاصة الصرف الصحي والنظافة)، وضعف القدرة على الصمود أمام تغير المناخ بسبب نقص خطط التكيف القوية، وقصور الحوكمة والتنفيذ، وفجوات البيانات. كما تؤكد النتائج أن البنية التحتية وحدها لا تضمن النتائج الصحية أو الاستدامة البيئية، وأن الدول الجزرية الصغيرة في المحيط الهادئ تظل الأكثر هشاشة أمام المخاطر المتزايدة. ويوصي التقرير بالتركيز على جودة الخدمات، وتعزيز الحوكمة الشاملة، ودمج التكيف المناخي في التخطيط، وسد فجوات البيانات لتحقيق أمن مائي مستدام ومنصف للجميع.

الفصل الثاني: تقارير الأبعاد الرئيسية

البعد الرئيسي الأول: الأمن المائي للأسر الريفية

البعد في سطور

يركز البعد الرئيسي الأول في تقرير 2025 على حصول الأسر الريفية على خدمات مياه وصرف صحي ونظافة صحية آمنة وموثوقة وقادرة على الصمود أمام تغير المناخ، رابطاً بين البنية التحتية والنتائج الصحية والتكيف المناخي. ويعكس ذلك تحولاً عالمياً من التركيز على البنية التحتية وحدها إلى الاهتمام بجودة الخدمات وعدالة توزيعها. وتشمل مؤشرات هذا البعد: البنية التحتية للمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، والنتائج الصحية، والقدرة على الصمود المناخي.

ورغم تحسن الحصول على البنية التحتية، تظل جودة الخدمات مصدر قلق. فمعدلات الحصول على المياه الأساسية مرتفعة، لكن الصرف الصحي والنظافة الصحية لا يزالان متأخرين، كما أن الحصول على مستويات أعلى من الخدمة غير متكافئ. وفي بلدان كثيرة مثل بنغلاديش وإندونيسيا، يزيد عدد من يحصلون على صرف صحي مُدار بأمان على عدد من يحصلون على مياه شرب مُدارة بأمان، مما يبرز التحديات المتعلقة بجودة المياه وموثوقيتها وتوفيرها الآمن داخل المسكن.

وقد سُجلت أكبر المكاسب، أي أربع نقاط فأكثر، في جمهورية الصين الشعبية ونيبال والفلبين والهند وجمهورية لاو الديمقراطية الشعبية وتركمانستان وتيمور الشرقية، حيث أدت الاستثمارات الكبيرة في خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية الريفية إلى توسيع تغطية إمدادات المياه والصرف الصحي معاً، وتحسين موثوقية الخدمة وجودتها. وحققت ثمانية عشر بلداً مكاسب متوسطة تراوحت بين نقطتين و3.9 نقاط، بدعم من برامج ريفية موجهة، ومشروعات ممولة من المانحين، وإصلاحات في السياسات. وسجل أربعة عشر بلداً مكاسب أصغر تراوحت بين 0.1 و1.9 نقطة، وكثير من هذه البلدان يتمتع أصلاً بأمن مائي ريفي قوي، فلم يكن بوسعها إظهار تحسن كبير. أما في البلدان الجزرية الصغيرة ومحدودة الموارد، فإن العزلة الجغرافية وصغر الحجم وارتفاع التكاليف تبطئ وتيرة التقدم.

وسجلت جمهورية الصين الشعبية أكبر مكسب وأعلى زيادة في درجة هذا البعد بلغت 5.6 نقاط، مدفوعة بالتوسع الواسع في البنية التحتية الريفية للمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، وتحسن تغطية الصرف الصحي، وتعزيز موثوقية الخدمة، مما أفضى إلى درجات مرتفعة في إمدادات المياه والصرف الصحي ونتائج صحية ممتازة.

وتفتقر معظم البلدان إلى أدلة متينة على قدرتها على الصمود المناخي، إذ لم يُدرج كثير منها خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية الريفية في خطط التكيف. ومن دون اتخاذ إجراءات، ستظل المكاسب الحالية معرضة للخطر بفعل الضغوط المناخية المستقبلية كالفيضانات والجفاف وشح المياه.

النتائج والتوصيات

تحسن الأمن المائي الريفي في آسيا والمحيط الهادئ منذ عام 2020، واتسع نطاق الحصول على خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، لكن التحديات لا تزال قائمة، ولا سيما في جودة الخدمات والقدرة على الصمود.

وينبغي لأي تعريف للأمن المائي للأسر الريفية أن يركز على الخدمات لا على البنية التحتية وحدها، أي أن يُعرَّف بأنه استخدام خدمات مياه وصرف صحي ونظافة صحية متاحة وموثوقة وآمنة، تحد من أمراض الإسهال، وتكون مهيأة لمواجهة المخاطر المناخية المستقبلية.

وترتبط المستويات الأعلى من الخدمة بنتائج صحية أفضل. فالبلدان المصنفة في المرحلة الفعّالة ضمن هذا البعد تسجل أيضاً معدلات أعلى في الحصول على إمدادات المياه الأساسية، أي المياه المنقولة بالأنابيب ومياه الشرب المُدارة بأمان، وتتفوق بنسبة 38% في الحصول على الصرف الصحي المُدار بأمان، وبنسبة 16% في الحصول على النظافة الصحية الأساسية، غير أن ذلك مرهون بالاستدامة والموثوقية. ولا يزال أكثر من نصف البلدان التي تمتلك بنية تحتية قوية في هذا المجال يسجل أداءً ضعيفاً في النتائج الصحية، بسبب تدني جودة الخدمات، وضعف الحوكمة، وعدم المساواة في الحصول عليها، وغياب الخدمات خارج المنازل كما في المدارس والمرافق الصحية.

ولجني المنافع الصحية الكاملة للاستثمارات في خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية الريفية، ينبغي للبلدان أن تعزز القدرة على الصمود المناخي بإدراج هذه الخدمات في خطط التكيف الوطنية. كما ينبغي لها أن تركز على جودة الخدمات والحوكمة القوية لتحويل البنية التحتية إلى تحسينات صحية حقيقية، وأن توسع نطاق الحصول على الخدمات خارج المنازل، ولا سيما للفقراء وفي المؤسسات العامة. ومن شأن تعزيز التكامل مع الخدمات الصحية والتعليمية الريفية أن يحقق أقصى النتائج الصحية، خاصة في المجتمعات النائية والمهمشة. ويجسد التقدم الذي أحرزته أوزبكستان ما يمكن تحقيقه بفضل الاستثمار المستدام والتنسيق متعدد القطاعات والإدارة الاستباقية للمخاطر المناخية.

مقدمة

يُعرَّف البعد الرئيسي الأول بأنه استخدام الأسر الريفية لخدمات مياه وصرف صحي ونظافة صحية متاحة وموثوقة وآمنة، تسهم في الحد من عبء أمراض الإسهال، وتحظى بالدعم اللازم للتكيف مع المناخ في المستقبل.

ويعكس هذا التعريف المحدث التغيرات التي شهدها القطاع، إذ يركز البعد الأول في تقرير 2025 على ثلاثة مكونات هي: الحصول على البنية التحتية للمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، والنتائج الصحية، والقدرة على الصمود المناخي. وتمثل سبل العيش الريفية جزءاً أساسياً من الأمن المائي، غير أن نقص البيانات الوطنية القابلة للمقارنة حدّ من إمكانية قياس هذه الجوانب وإدراجها.

وقد تحول النقاش العالمي حول المياه والصحة؛ ففي حقبة الأهداف الإنمائية للألفية، انصب التركيز على بناء البنية التحتية، أما في حقبة أهداف التنمية المستدامة فقد انتقل الاهتمام إلى تقديم الخدمات، وهو ما يعني التركيز على السلامة والموثوقية والإنصاف. وباتت أهداف الصرف الصحي تشمل إدارة الحمأة البرازية، وأصبحت النظافة الصحية والحصول على الخدمات خارج المنزل، كما في المدارس والمرافق الصحية، جزءاً من الأجندة. وتشير التقديرات اليوم إلى أن قصور خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية يتسبب في 69% من أمراض الإسهال، و14% من التهابات الجهاز التنفسي الحادة، و10% من حالات نقص التغذية.

وتطرح منطقة آسيا والمحيط الهادئ تحديات مشتركة وأخرى فريدة. فالبلدان الاثنان والأربعون المشمولة بهذا التقييم تضم 62% من سكان الريف في العالم، ويعيش ما يقارب نصفهم في جنوب آسيا، في حين لا يعيش في المحيط الهادئ سوى 0.6% منهم. ويقود عدد قليل من البلدان ذات الكثافة السكانية الريفية الكبيرة معظم الاتجاهات الإقليمية. وللوضع الاقتصادي أهميته أيضاً، إذ إن ما يقل قليلاً عن نصف البلدان مرتفعة الدخل أو من الشريحة العليا من البلدان متوسطة الدخل، بينما تنتمي البقية إلى الشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل أو إلى البلدان منخفضة الدخل. ورغم تراجع وفيات الأطفال، ويعود ذلك جزئياً إلى تحسن الحصول على هذه الخدمات، فإن أوجه عدم المساواة لا تزال قائمة.

ويتفاوت الأمن المائي الريفي بحسب الزمان والمكان والنوع الاجتماعي. فالتحولات الموسمية في هطول الأمطار تؤثر في توافر المياه وفي جودتها، وتنعكس هذه التغيرات على اختيار مصادر المياه وعلى إنفاق الأسر. كما تشكل أوجه عدم المساواة الاجتماعية وبين الجنسين التجارب المرتبطة بالمياه؛ فالأسر الأكثر ثراءً قد تتمكن من سد الثغرات في الإمدادات العامة بالاستثمار في المياه المعبأة أو في أنظمة خاصة. وداخل المنازل، كثيراً ما تتحمل النساء والفتيات عبء جلب المياه، ويواجهن تحديات إضافية في النظافة الصحية، لا سيما خلال فترة الحيض.

ولا تنعكس كثير من هذه القضايا في مجموعات البيانات العالمية، فالمسوح الممثلة على المستوى الوطني غالباً ما تكون متباعدة ومحدودة بفعل تكلفتها. ونتيجة لذلك، كثيراً ما تعجز الإحصاءات عن رصد التغيرات الموسمية وأوجه عدم المساواة والمخاطر المناخية، مما يصعّب بناء تقييمات قوية وقائمة على الأدلة للأمن المائي الريفي.

ويشكل تغير المناخ تهديداً متصاعداً؛ فالمناطق الساحلية، ولا سيما في الدلتاوات كدلتا نهري الغانج والميكونغ، تواجه مخاطر متزايدة من الملوحة بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر. وفي أرجاء المنطقة، تزداد الفيضانات وموجات الجفاف والأعاصير حدةً وتواتراً. كما تواجه المناطق الجبلية في جنوب آسيا وفي آسيا الوسطى والغربية انكماش الأنهار الجليدية والغطاء الثلجي، مما يهدد الإمدادات الموسمية من مياه الذوبان.

المنهجية

جرى تحديث منهجية تقييم البعد الأول منذ تقرير 2020 لتتوافق مع التعريف المنقح للأمن المائي الريفي. ففي تقرير 2025، أُعيد تصميم المنهجية لتعكس التركيز على تقديم الخدمات والنتائج الصحية والقدرة على الصمود المناخي.

وشمل التحليل 42 من أصل خمسين اقتصاداً في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، إذ استُبعدت ثمانية اقتصادات يعيش أكثر من 80% من سكانها في المناطق الحضرية، وهي: أستراليا، وهونغ كونغ الصين، واليابان، وناورو، ونيوزيلندا، وجمهورية كوريا، وسنغافورة، وتايبيه الصينية.

وأفضى التقييم إلى درجتين رئيسيتين: الأولى درجة الحالة، وتجمع بين مؤشري البنية التحتية والنتائج الصحية لتعكس الوضع الراهن للأمن المائي الريفي، وتُعد هي درجة البعد الأول وتُستخدم في احتساب المؤشر الوطني للأمن المائي. والثانية درجة القدرة على الصمود، وتبني على درجة الحالة بإضافة عامل القدرة على الصمود المناخي لخدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية الريفية.

وتصنف درجة الحالة البلدان في خمس مراحل للأمن المائي الريفي تعكس التقدم استناداً إلى الحصول على الخدمات وما يرتبط بها من نتائج صحية. ففي المرحلة النموذجية، التي تزيد درجتها على 18 من عشرين، تحصل جميع الأسر الريفية تقريباً على مياه شرب وصرف صحي ونظافة صحية مُدارة بأمان، وتكون النتائج الصحية قوية مع انخفاض مستويات أمراض الإسهال. وفي المرحلة الفعّالة، تحصل معظم الأسر الريفية على مياه وصرف صحي ونظافة صحية مُدارة بأمان، وتكون معدلات أمراض الإسهال قد تراجعت. وفي المرحلة القادرة، تنتشر الخدمات الأساسية وتشيع المياه المنقولة بالأنابيب، لكن معايير الإدارة الآمنة لا تُستوفى باستمرار، وتتحسن النتائج الصحية وإن ظلت دون المستوى الأمثل. وفي المرحلة المنخرطة، يشيع الحصول على الخدمات الأساسية لكن مستويات الخدمة متدنية، وتشير النتائج الصحية الضعيفة إلى أن الخدمات الحالية لا تكفي للحد من الأمراض. أما في المرحلة الناشئة، فتفتقر أسر كثيرة حتى إلى الخدمات الأساسية، ويظل التغوط في العراء منتشراً، ويكون عبء أمراض الإسهال مرتفعاً.

البنية التحتية للمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية

يقيس مؤشر البنية التحتية حصول سكان الريف على خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، مستخدماً بيانات عام 2024 الصادرة عن برنامج الرصد المشترك لمنظمة الصحة العالمية واليونيسف. وحين تعذر الحصول على بيانات ريفية حديثة، استُخدمت بيانات ريفية سابقة من دورة التقرير ذاتها دون خصم أي نقاط. أما إذا لم تتوفر سوى بيانات وطنية، سواء من السنة نفسها أو من سنوات سابقة، فقد طُبقت خصومات تعكس انخفاض موثوقيتها في التحليل الريفي.

واستُخدم أسلوب الاحتساب بأثر رجعي لدعم المقارنات عبر الزمن، إذ أُعيد احتساب بيانات الأعوام 2013 و2016 و2020 باستخدام بيانات برنامج الرصد المشترك للأعوام 2011 و2014 و2018 و2024، وفقاً لمنهجية 2025 المحدثة.

ومُنح كل مؤشر فرعي درجة من 1 إلى 5 بناءً على عتبات للحصول على الخدمة، صُممت خصيصاً لكل مؤشر فرعي للمساعدة على التمييز بين مستويات الخدمة.

ويشمل الحصول على المياه ما يلي: مياه الشرب الأساسية، أي مصدر محسّن لا يتجاوز زمن الذهاب إليه والعودة منه ثلاثين دقيقة؛ وإمدادات المياه المنقولة بالأنابيب، التي تعكس التقدم نحو الخدمات الشبكية؛ ومياه الشرب المُدارة بأمان، وتُعرَّف بأنها المياه المستمدة من مصادر محسّنة، المتاحة داخل المسكن عند الحاجة، والخالية من التلوث. والحصول على المياه الأساسية هو المقياس المحوري، لكنه لا يعكس الجودة أو الموثوقية. وقد أُدرجت إمدادات المياه بالأنابيب في تقرير 2016 لكنها لم تُدرج في تقرير 2020، وهي تُظهر إمكانية تقديم خدمة آمنة وقابلة للتوسع. أما المياه المُدارة بأمان، المتوفرة بياناتها لستة وعشرين بلداً، فتشمل الجودة والموثوقية لكنها قد تحجب التباين الموسمي.

ويشمل الحصول على الصرف الصحي: التغوط في العراء، والصرف الصحي الأساسي على الأقل، أي المرافق المحسّنة غير المشتركة، والصرف الصحي المُدار بأمان، الذي يشمل التخلص الآمن من الفضلات أو معالجتها، لكنه لا يأخذ في الحسبان المخاطر على المياه الجوفية. وقد توفرت هذه البيانات لستة وعشرين بلداً.

ويقيس الحصول على النظافة الصحية مدى توفر مرافق أساسية لغسل اليدين بالماء والصابون لدى الأسر، وقد توفرت هذه البيانات لخمسة وثلاثين بلداً.

وتتراوح الدرجة الإجمالية للبنية التحتية بين 1 و10، وهي متوسط المؤشرات الفرعية الثلاثة بعد تعديله لمراعاة البيانات المفقودة واستخدام البيانات الوطنية بديلاً عن البيانات الريفية، إذ يُخصم من المتوسط مقدار يتناسب مع عدد المؤشرات الفرعية التي تنقصها البيانات ومع عدد مجموعات البيانات الوطنية المستخدمة بدلاً من البيانات الريفية، ثم يُضاعف الناتج.

النتائج الصحية

يقيس مؤشر النتائج الصحية مدى نجاح خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في الحد من عبء أمراض الإسهال، مستخدماً بيانات وطنية من دراسة العبء العالمي للأمراض لعام 2021. فهو يقيس أداء هذه الخدمات من خلال أثرها في عبء أمراض الإسهال. وقد انطوت المنهجيات السابقة للتقرير على خطر الاحتساب المزدوج، لأنها استخدمت بيانات صحية مرتبطة أصلاً بالحصول على الخدمات، مما كان يمكن أن يضخم منافع البنية التحتية وحدها.

ويُستخدم مقياسان لقياس الآثار الصحية للإسهال بوصفها نسبة من عبء المرض: الأول وفيات الأطفال دون سن الخامسة الناجمة عن أمراض الإسهال، ويعكس الأهمية البالغة لهذه الخدمات في منع وفيات الأطفال، إذ لا يزال الإسهال ثالث أهم أسباب الوفاة لدى الأطفال دون الخامسة. والثاني سنوات العمر المعدلة حسب الإعاقة لدى الأطفال بين الخامسة والرابعة عشرة، ويرصد الآثار الأوسع لأمراض الإسهال، بما فيها الوقت الضائع بسبب المرض والآثار طويلة الأمد في النمو والتعلم والإنتاجية.

وتتراوح درجات هذا المؤشر بين 1 و10، ويُعطى وزن أكبر لوفيات الأطفال دون الخامسة مقارنة بسنوات العمر المعدلة حسب الإعاقة، تعبيراً عن خطورة وفيات الأطفال.

القدرة على الصمود المناخي

يقيس مؤشر القدرة على الصمود المناخي مدى استعداد أنظمة المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية الريفية لمواجهة الآثار المناخية المستقبلية، ويُستخدم لاحتساب درجة القدرة على الصمود في البعد الأول، التي تعكس الاستدامة طويلة الأمد للأمن المائي الريفي.

ويستند هذا المؤشر إلى خطط التكيف الوطنية المقدمة إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ. وحتى مارس 2025، لم يكن قد قدم خطته سوى ستة عشر بلداً هي: أرمينيا، وأذربيجان، وبنغلاديش، وبوتان، وكمبوديا، وفيجي، وكيريباتي، وجزر مارشال، ونيبال، وباكستان، وبابوا غينيا الجديدة، والفلبين، وسري لانكا، وتايلند، وتيمور الشرقية، وتونغا. وقد قدمت منغوليا خطتها في أبريل 2025 فاستُبعدت، ولا تزال خطة بروناي دار السلام قيد المراجعة. ويعمل ثمانية عشر بلداً على إعداد خططها، ولا تتوفر معلومات علنية عن خمسة بلدان، في حين لم تبدأ جزر سليمان في إعداد خطتها بعد.

وقُيّمت كل خطة باستخدام نظام تسجيل منظم، مقتبس من إرشادات الاتفاقية الإطارية، يضم أربعة مكونات: تقييم المخاطر بوزن 20%، والغايات والأهداف بوزن 40%، والتنفيذ بوزن 20%، والرصد والتقييم بوزن 20%. ومُنح كل مكون درجة من صفر إلى 3، ثم جُمعت في متوسط مرجح. ووُضع سقف للخطط المتقادمة دون الدرجة القصوى، إذ عُدت الخطط التي لا يمتد أفقها إلى ما بعد عام 2024 متقادمة ولا يمكنها الحصول على الدرجة القصوى. وحيث افتقرت البلدان إلى خطط تكيف وطنية، لم تُمنح درجات للقدرة على الصمود المناخي ولا لدرجة الصمود في البعد الأول. ونظراً لافتقار بلدان كثيرة إلى هذه الخطط، اعتُمدت درجة الحالة في تقرير 2025 بوصفها درجة البعد الأول.

النتائج والمناقشة

اتجاهات الأمن المائي الريفي

تحسن الأمن المائي الريفي تحسناً كبيراً في أرجاء المنطقة بين عامي 2013 و2025. ففي المتوسط، شهدت البلدان تحسناً بنسبة 38% في درجات البنية التحتية، من 4.5 إلى 6.2، مما يعكس تقدماً واسعاً في الحصول على الخدمات الأساسية والمُدارة بأمان. ويعني ذلك أن الأسرة المتوسطة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ انتقلت من المرحلة المنخرطة إلى المرحلة القادرة في الأمن المائي للأسر الريفية. وتحسنت النتائج الصحية بنسبة 15%، من 3.9 إلى 4.5، مما يدل على تراجع وفيات الأطفال دون الخامسة وعبء الأمراض المرتبطة بالمياه. وارتفعت درجة الحالة الإجمالية للبعد الأول بنسبة 27%، مما يكشف عن مكاسب مطردة في البنية التحتية والصحة والقدرة على الصمود. وعند الترجيح بحسب عدد السكان، يبدو التقدم أوضح، إذ ارتفعت الدرجات بنسبة 62%، مدفوعة إلى حد كبير بالتحسينات في البلدان ذات الكثافة السكانية العالية كجمهورية الصين الشعبية والهند وبنغلاديش. ويعني ذلك أن ملايين إضافية من سكان الريف باتوا يحصلون على خدمات أكثر أماناً وموثوقية.

وقد تحسن توافر البيانات عموماً، لكن الفجوات لا تزال قائمة؛ فالمعلومات المتعلقة بالخدمات المُدارة بأمان وبالنظافة الصحية تظل محدودة في بعض البلدان، خاصة في المناطق الريفية. وفي عدد من البلدان الأعضاء النامية من الشريحة العليا للدخل المتوسط، مثل ماليزيا وتايلند وكازاخستان، كثيراً ما تغيب البيانات الريفية المصنفة أو يجري الإبلاغ عنها بصورة غير متسقة لقواعد البيانات العالمية كبرنامج الرصد المشترك، رغم أن الأنظمة الوطنية تجمعها، وهو ما يحد من الثقة في درجاتها. وفي البلدان صغيرة السكان كنيوي وتوفالو وجزر كوك وبالاو، يُلاحظ تباين أكبر من عام لآخر بسبب صغر أحجام العينات والاعتماد على مسوح متقطعة، مما يصعّب تفسير الاتجاهات طويلة الأمد. ولا يزال تحسين الشفافية والإبلاغ عن البيانات الريفية، ولا سيما ما يتعلق بالنظافة الصحية والخدمات المُدارة بأمان، أمراً حاسماً لإجراء تقييمات إقليمية دقيقة.

ورغم التقدم المحرز، لم يبلغ أي بلد المرحلة النموذجية في الأمن المائي الريفي عام 2025، إذ تتطلب هذه المرحلة حصولاً شبه شامل على مياه الشرب والصرف الصحي والنظافة الصحية المُدارة بأمان، مع انخفاض عبء أمراض الإسهال، ولم يستوف أي بلد هذه المعايير جميعها.

وصُنفت في المرحلة الفعّالة بلدان من بينها أرمينيا وجمهورية الصين الشعبية وجورجيا وكازاخستان وجمهورية قيرغيزستان وتركمانستان وأوزبكستان وفييت نام، وهي تتمتع بانتشار واسع للخدمات المُدارة بأمان وبتحسن في النتائج الصحية، وإن ظل بعضها يفتقر إلى مجموعات بيانات كاملة. وصُنفت في المرحلة القادرة بلدان من بينها أذربيجان وبوتان وبروناي دار السلام وجزر كوك وفيجي وماليزيا وملديف ومنغوليا ونيبال ونيوي والفلبين وساموا وسري لانكا وتايلند وتونغا وتركيا وتوفالو، وتتمتع بانتشار واسع للخدمات الأساسية مع محدودية في توفير الخدمات المُدارة بأمان، وجاءت مكاسبها الصحية متواضعة. أما المرحلة المنخرطة فضمت أفغانستان وبنغلاديش وكمبوديا والهند وإندونيسيا وجمهورية لاو الديمقراطية الشعبية وجزر مارشال وولايات ميكرونيزيا الموحدة وميانمار وباكستان وبالاو وطاجيكستان وتيمور الشرقية، وهي بلدان يشيع فيها الحصول على الخدمات الأساسية، لكن هذه الخدمات لم تكن كافية للحد من عبء الأمراض.

مؤشر البنية التحتية للمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية

لا يزال الحصول على المياه الأساسية في المناطق الريفية أعلى من الحصول على الصرف الصحي والنظافة الصحية. ففي عام 2025، حصل نحو 91% من سكان الريف، أي 1.9 مليار شخص، على مياه شرب أساسية، مقارنة بنسبة 78% حصلوا على صرف صحي أساسي، أي 1.7 مليار شخص في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ونسبة 76% حصلوا على مرافق نظافة صحية أساسية، أي 1.6 مليار شخص.

وفي معظم البلدان، تجاوز الصرف الصحي المُدار بأمان الآن مياه الشرب المُدارة بأمان؛ فمن بين تسعة عشر بلداً توفرت بياناتها، أفاد اثنا عشر بلداً بارتفاع نسبة الحصول على الصرف الصحي المُدار بأمان. وقد يعكس هذا الاتجاه الطريقة التي تبلغ بها البلدان عن أنظمة الصرف الصحي في الموقع كخزانات التحليل والمراحيض ذات الحفر، إذ تُصنف هذه الأنظمة أحياناً على أنها مُدارة بأمان حتى لو لم تُفرغ الحمأة البرازية بانتظام أو لم تُعالج أو يُتخلص منها بأمان، مما يؤدي إلى المبالغة في تقدير جودة الخدمة. وفي المتوسط، وصلت خدمات الصرف الصحي المُدارة بأمان إلى 52% من سكان الريف، أي 1.1 مليار شخص، في حين لم تصل مياه الشرب المُدارة بأمان إلا إلى 44%، أي مليار شخص.

ولا يزال التغوط في العراء مشكلة جدية تمس الصحة العامة. ففي عام 2025، كان نحو 5% من سكان الريف، أي ما يقارب مئة مليون شخص، لا يزالون يمارسونه. وظلت المعدلات فوق 20% في ثلاثة بلدان، وفوق 5% في عشرة بلدان أخرى. وكانت بابوا غينيا الجديدة البلد الوحيد الذي ازداد فيه التغوط في العراء، إذ ارتفع عدد ممارسيه من مليون شخص عام 2013 إلى 1.9 مليون عام 2025، وارتفعت النسبة ارتفاعاً طفيفاً يعود أساساً إلى النمو السكاني. ولا تزال هذه الممارسة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بوفيات الأطفال دون الخامسة الناجمة عن أمراض الإسهال، مما يكشف عن مخاطرها المستمرة على الصحة العامة.

وفي الفترة من 2020 إلى 2025، انخفض التغوط في العراء بنسبة 6% في أرجاء المنطقة، وهو ما يعادل نحو 240 مليون شخص أقل يمارسونه، مما يعكس تقدماً كبيراً وإن كان متفاوتاً في الصرف الصحي الريفي.

وقد تحسن الحصول على المياه المنقولة بالأنابيب، لكن جودتها متفاوتة. فقد اتسع نطاق هذه الخدمة منذ عام 2013 لتصل إلى 42% من سكان الريف عام 2025، أي أن نحو 800 مليون شخص باتوا يحصلون على إمدادات المياه بالأنابيب. غير أن أنظمة كثيرة لا تزال تفتقر إلى بيانات موثقة عن جودة المياه وموثوقيتها واستمرارية الخدمة، ولذلك لا يمكن افتراض أن الحصول على المياه بالأنابيب وحده يستوفي معايير السلامة.

مؤشر النتائج الصحية

يتراجع عبء أمراض الإسهال في أرجاء آسيا والمحيط الهادئ، لكن ليس بالسرعة التي يتزايد بها الحصول على الخدمات. ففي المتوسط، انخفضت نسبة وفيات الأطفال دون الخامسة المنسوبة إلى أمراض الإسهال من 6.2% عام 2013 إلى 3.5% عام 2025، أي أن أمراض الإسهال باتت مسؤولة عن أكثر بقليل من وفاة واحدة من كل عشرين وفاة بين الأطفال دون الخامسة في المنطقة، بعد أن كانت مسؤولة عن نحو وفاة واحدة من كل ست عشرة وفاة عام 2013. وجاء الانخفاض في سنوات العمر المعدلة حسب الإعاقة المرتبطة بالإسهال أصغر، إذ تراجعت من 4.6% إلى 3.6%، مما يدل على تقدم أكثر تواضعاً في تخفيف العبء الصحي الإجمالي.

وقد أحرزت بعض البلدان تقدماً كبيراً، ولا سيما في خفض وفيات الأطفال. فقد شهدت الهند انخفاضاً بنسبة 4.8% في حصة وفيات الأطفال دون الخامسة الناجمة عن الإسهال، وباكستان انخفاضاً بنسبة 4.9% بين عامي 2013 و2025، وتعكس هذه التحسينات استثمارات عالية الأثر في الصرف الصحي والنظافة الصحية الريفية. كما أحرزت طاجيكستان تقدماً، فخفضت وفيات الإسهال بنسبة 3.4% بين عامي 2013 و2020، لكنها شهدت ركوداً منذ ذلك الحين. وفي المقابل، لا تزال بلدان مثل أذربيجان وتايلند وعدد من بلدان جزر المحيط الهادئ تسجل حصصاً مرتفعة نسبياً من وفيات الأطفال دون الخامسة الناجمة عن أمراض الإسهال.

وجاء التراجع في سنوات العمر المعدلة حسب الإعاقة متفاوتاً في أرجاء المنطقة، وسُجلت أكبر التحسينات في نيبال بنسبة 2.6%، والهند بنسبة 1.4%، وإندونيسيا بنسبة 1.3%. غير أن هذه المستويات ركدت أو ارتفعت منذ عام 2013 في أربعة عشر بلداً، هي جزر كوك وفيجي وكيريباتي وملديف وجزر مارشال وولايات ميكرونيزيا الموحدة ونيوي وبالاو وبابوا غينيا الجديدة وساموا وجزر سليمان وتونغا وتوفالو وفانواتو.

وقد برز من البيانات نمطان واضحان: فمعدلات سنوات العمر المعدلة حسب الإعاقة كانت أعلى في البلدان التي لا يزال التغوط في العراء شائعاً فيها، وفي المقابل سجلت البلدان التي يتسع فيها الحصول على المياه بالأنابيب مستويات أدنى. ويؤكد ذلك أهمية القضاء على ممارسات الصرف الصحي غير الآمنة وتحسين جودة الخدمات معاً للحد من المخاطر الصحية.

القدرة على الصمود المناخي في خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية الريفية

يعرّض تغير المناخ الأمن المائي الريفي لمخاطر متزايدة، فموجات الحر والجفاف واضطراب أنماط هطول الأمطار تؤثر بالفعل في إمدادات المياه الريفية في أرجاء المنطقة. ورغم محدودية البيانات، يوفر مؤشر القدرة على الصمود المناخي منهجية قابلة للتكرار في التقييم، ويبين أن ارتفاع درجات الحالة في البعد الأول لا يعني دائماً أن النظام قادر على الصمود أمام تغير المناخ، مما يؤكد الحاجة إلى تقييم القدرة على الصمود على نحو مستقل ضمن الأمن المائي الريفي.

وفي أرجاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، قدم ستة عشر بلداً من أصل اثنين وأربعين خطط تكيف وطنية، تغطي نحو 665 مليون نسمة من سكان الريف، أي ما يقارب 31% من إجمالي سكان الريف في المنطقة، مما يترك نحو 1.5 مليار من سكان الريف خارج نطاق هذه الخطط.

ويمثل التنفيذ والرصد أضعف العناصر في معظم خطط التكيف الوطنية؛ فرغم أن خططاً كثيرة تحدد المخاطر، فإن قلة منها تتضمن استراتيجيات ملموسة أو أنظمة فعالة لتتبع التقدم. ولم تحصل على الدرجات العليا في التنفيذ والرصد معاً سوى بنغلاديش ونيبال؛ إذ تتضمن خطة بنغلاديش قائمة واضحة بالتدخلات الريفية في مجال المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، وإطاراً للرصد بمؤشرات قابلة للقياس، في حين تحدد خطة نيبال أهدافاً ريفية محددة في هذا المجال وتعرض استراتيجيات البنية التحتية اللازمة لتحقيقها.

أما الخطط ذات الدرجات المنخفضة فكثيراً ما تتناول المخاطر المائية دون التركيز على خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية الريفية. فخطة أرمينيا مثلاً تحدد المياه قطاعاً ذا أولوية لكنها لا تذكر التحديات الخاصة بالمناطق الريفية، وخطة كمبوديا متقادمة وتفتقر إلى التفاصيل اللازمة لدعم العمل.

التقدم في الأمن المائي للأسر الريفية منذ عام 2013

تساعد المقارنة بين البنية التحتية والنتائج الصحية على تقييم أثر الاستثمارات في خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، إذ تكشف ما إذا كان تحسن الحصول على الخدمات يفضي إلى صحة عامة أفضل. وتنقسم البلدان عموماً إلى ثلاث مجموعات: بلدان ضعيفة الخدمات وضعيفة النتائج الصحية، وبلدان جيدة الخدمات وجيدة النتائج الصحية، وبلدان جيدة الخدمات لكن نتائجها الصحية ضعيفة.

وتثير المجموعة الأخيرة مخاوف جدية؛ فخمسة عشر بلداً أحرزت تقدماً كبيراً في البنية التحتية لكنها لا تزال تسجل نتائج صحية ضعيفة، وهي بلدان تمثل جميع المناطق. ويطعن ذلك في الافتراض القائل إن البنية التحتية وحدها كافية للحد من عبء أمراض الإسهال. غير أن التحسينات الصحية قد تكون في طور الظهور في بعض الحالات، فقد تحتاج بلدان هذه المجموعة ببساطة إلى مزيد من الوقت حتى تتبع الآثار الصحية تحديثات البنية التحتية، ولا سيما إذا كانت التغيرات قد حدثت بعد عام 2020.

لكن التقدم توقف في حالات أخرى؛ فملديف وتوفالو مثلاً حافظتا على درجات قوية في البنية التحتية منذ عام 2013، بينما لم تُظهر نتائجهما الصحية تحسناً يُذكر خلال الفترة ذاتها. ويشير ذلك إلى أن عوامل أخرى، كجودة الخدمات والإنصاف والحصول على الخدمات في المدارس والعيادات، أو عوامل تقع خارج نطاق هذه الخدمات، قد تحد من المنافع الصحية للاستثمارات فيها.

وقد حدد تحليل إضافي أربعة عوامل رئيسية تقف وراء الانفصال بين البنية التحتية والنتائج الصحية، وتساعد على تفسير سبب عدم إفضاء تحسن الخدمات دائماً إلى تراجع أمراض الإسهال.

أولها أن المستويات الأعلى من الخدمة تقود إلى نتائج صحية أفضل؛ فالبلدان ذات النتائج الصحية الأقوى تتمتع عادة بحصول أكبر على خدمات عالية الجودة، إذ تتفوق على البلدان ذات النتائج الأضعف بنسبة 29% في الحصول على المياه المنقولة بالأنابيب ومياه الشرب المُدارة بأمان، وبنسبة 38% في الحصول على الصرف الصحي المُدار بأمان، وبنسبة 16% في الحصول على النظافة الصحية الأساسية.

وثانيها أن الحوكمة تُحدث فرقاً كبيراً؛ فبيانات التحليل والتقييم العالمي للصرف الصحي ومياه الشرب في سبعة وعشرين بلداً تبين أن ضعف التنفيذ يحد من التقدم، إذ كثيراً ما تمتلك البلدان ذات النتائج الصحية الضعيفة سياسات قائمة في هذا المجال، لكنها تفتقر إلى التمويل والكوادر المدربة اللازمة لتنفيذها.

وثالثها أن الحصول على الخدمات يجب أن يمتد إلى ما وراء المنزل؛ فكثير من البلدان التي تمتلك بنية تحتية منزلية قوية لا تزال تفتقر إلى الخدمات في المدارس وغيرها من الأماكن العامة، مما يحد من المنافع الصحية الأوسع التي يمكن أن تحققها هذه الخدمات.

ورابعها أن الإنصاف أمر جوهري؛ فعدم المساواة القائم على الثروة يؤدي دوراً واضحاً، إذ تميل البلدان ذات البنية التحتية القوية والنتائج الصحية الضعيفة إلى تسجيل مستويات أعلى من عدم المساواة في الحصول على الخدمات. وتبين بيانات برنامج الرصد المشترك لعام 2025، باستخدام معاملات جيني، أن التوزيع غير المتكافئ للخدمات قد يقوض المكاسب الصحية حتى في البلدان التي يبدو أداؤها جيداً في المجمل.

تمكين المرأة من خلال إدارة المياه الريفية في جنوب آسيا

كثيراً ما تتحمل النساء والفتيات داخل المنازل عبء جلب المياه وغسل الملابس، ويواجهن تحديات في النظافة الصحية خلال فترة الحيض. فهن يقطعن مسافات طويلة، ويتعرضن لمخاطر صحية، بل وللعنف القائم على النوع الاجتماعي في بعض الحالات. ويحد هذا العمل غير المأجور من فرصهن في التعليم أو كسب الدخل، ويرسخ حلقات الفقر والاعتماد على مصادر مياه غير موثوقة. ولذلك فإن تقريب المياه الآمنة والميسورة من المنازل أمر أساسي لتحسين الصحة، وتخفيف أعباء الوقت، وحماية سلامة النساء.

وفي بنغلاديش، يكشف مشروع قطاع الموارد المائية التشاركي صغير النطاق عما يمكن تحقيقه حين تُشرك النساء في إدارة المياه. فقد دعم المشروع 412 مخططاً صغيراً للري والتصريف والسيطرة على الفيضانات، شملت 220 ألف هكتار واستفادت منها نحو 160 ألف أسرة ريفية. وضمنت خطة عمل قوية للنوع الاجتماعي أن تشكل النساء 37% من أعضاء جمعيات إدارة المياه التعاونية، وأن تتولى النساء قيادة لجنة من كل ثلاث لجان.

واكتسبت النساء مهارات تشغيل الأنظمة وصيانتها، وإدارة المدفوعات، وتخطيط المخططات، وأصبح صوتهن أكثر حضوراً في القرارات المحلية. ونتيجة لذلك، اتسعت المساحات المزروعة بنسبة 21%، وازداد إنتاج الحبوب، وتحسنت دخول الأسر. ومن خلال إشراك النساء شريكات في إدارة أنظمة المياه، خفف المشروع أعباء العمل غير المأجور، وعزز الأمن الغذائي، وقوّى القدرة على الصمود أمام الفيضانات والجفاف معاً.

التحليل الإقليمي

تحسن الأمن المائي الريفي في جميع المناطق الفرعية، لكن التقدم لم يكن متساوياً. فبين عامي 2013 و2025، ارتفعت درجات الحالة في البعد الأول في كل المناطق، وحققت شرق آسيا وآسيا الوسطى والغربية أقوى المكاسب، في حين شهدت بلدان كثيرة في المحيط الهادئ وجنوب شرق آسيا تقدماً أبطأ.

آسيا الوسطى والغربية

حققت آسيا الوسطى والغربية مكاسب مطردة في الأمن المائي الريفي خلال العقد الماضي. ففي بلدان المنطقة الأحد عشر، ارتفعت درجة الحالة المرجحة بعدد السكان من 7.1 عام 2013 إلى 10.1 عام 2025، فانتقلت المنطقة من الطرف الأدنى إلى الطرف الأعلى من مرحلة الأمن المائي المنخرطة. وقد دعم ذلك تحسن بنسبة 23% في البنية التحتية وبنسبة 29% في النتائج الصحية، مما يعني أن سكان الريف باتوا يتمتعون بحصول أفضل بكثير على الخدمات إلى جانب نتائج صحية محسنة، بما يتيح التركيز أكثر على جودة الخدمات واستدامتها والوصول إلى آخر جيوب المجتمعات المحرومة.

ويرتفع الحصول على المياه المنقولة بالأنابيب نسبياً في هذه المنطقة، إذ يحصل أكثر من نصف سكان الريف عليها في ثمانية بلدان. ولا تزال البلدان التي ورثت بنية تحتية من الحقبة السوفيتية تحقق أداءً جيداً، وتبرز أوزبكستان بتغطيتها العالية وانخفاض عبء أمراض الإسهال فيها.

غير أن الثغرات في صيانة الأنظمة تعوق بعض البلدان؛ ففي طاجيكستان، يرتفع الحصول على الصرف الصحي لكن الحصول على المياه أضعف، ولا تزال وفيات الأطفال دون الخامسة الناجمة عن أمراض الإسهال مرتفعة، مما يعكس نقص الاستثمار في صيانة أنظمة المياه وتوسيعها. وفي باكستان، تظل البنية التحتية والنتائج الصحية متدنيتين، والتغوط في العراء منتشر أيضاً. وفي أذربيجان، تشير البيانات غير المتسقة عن النظافة الصحية إلى تحديات في الرصد أو الإبلاغ.

والتقدم في المنطقة حقيقي لكنه هش، فثمة صلة واضحة بين الاستثمار في البنية التحتية وتحسن النتائج، غير أن القدرة على الصمود مستقبلاً مصدر قلق. فقلة من بلدان المنطقة لديها خطط تكيف وطنية، وكثيراً ما تحصل الخطط القائمة على درجات متدنية، وتأتي أرمينيا وباكستان ضمن الأضعف أداءً في القدرة على الصمود.

وللحفاظ على هذه المكاسب والبناء عليها، يتعين على المنطقة تعزيز التكيف المناخي والحوكمة. وتقدم طاجيكستان مثالاً مفيداً؛ فتقدمها في الصرف الصحي يبين ما هو ممكن، لكن ضعفها في الحصول على المياه وفي النتائج الصحية يبرز الحاجة إلى استراتيجيات أكثر توازناً وطويلة الأمد. ويُعد توسيع الحصول على الخدمات خارج المنازل، بما في ذلك المدارس، خطوة يمكن أن تساعد على ضمان أن تكون التحسينات منصفة ودائمة.

شرق آسيا

أحرزت شرق آسيا تقدماً قوياً في الأمن المائي الريفي وإن ظلت التحديات قائمة. وتضم المنطقة بلدين هما جمهورية الصين الشعبية ومنغوليا. وبين عامي 2013 و2025، ارتفعت درجتهما المشتركة المرجحة بعدد السكان من المرحلة القادرة إلى المرحلة الفعّالة، أي من 10.7 إلى 16.3، مما يعني أن المجتمعات الريفية، ولا سيما في الصين، باتت تتمتع بحصول مادي أكبر بكثير على خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية.

وقد قادت جمهورية الصين الشعبية مسيرة توسيع هذه الخدمات في الأرياف، إذ ارتفعت درجة بنيتها التحتية من 3.4 عام 2013 إلى 8.7 عام 2025. وبحلول عام 2025، كان 96% من سكان الريف يحصلون على المياه الأساسية، و93% على الصرف الصحي الأساسي، و72% على المياه المنقولة بالأنابيب. وظلت درجة النتائج الصحية في الصين مستقرة عند 7.7، مما يعكس انخفاض العبء الأساسي لأمراض الإسهال.

أما منغوليا فقد تحسنت ببطء أكبر، ولا تزال أمامها فجوات كبيرة. فقد تضاعفت درجة بنيتها التحتية من 2.0 عام 2013 إلى 4.0 عام 2025، أي أنها انتقلت من وضع كانت فيه شرائح واسعة من سكان الريف تفتقر حتى إلى الخدمات الأساسية، إلى وضع باتت فيه معظم الأسر تحصل على خدمات أساسية للمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية. غير أن مستويات الخدمة الأعلى وجودتها لا تزال محدودة، فلا يحصل على مياه الشرب المُدارة بأمان سوى 16% من سكان الريف، ولا تتجاوز نسبة من لديهم إمدادات بالأنابيب 9%، ولا يزال 15% يمارسون التغوط في العراء. ورغم هذه الفجوات، بلغت درجة منغوليا الصحية 7.7، مما يشير إلى أن التدخلات الموجهة، كبرامج التوعية الصحية الريفية والتثقيف في مجال النظافة الصحية، ربما تسهم في تخفيف عبء المرض.

وتشكل الظروف الجغرافية والمناخية قيوداً رئيسية؛ فقسوة الشتاء ومحدودية التدفئة، ولا سيما في منغوليا، تجعل تقديم الخدمات التقليدية أمراً عسيراً، خاصة في المناطق الريفية ومناطق البدو الرحل.

ولا يزال التكيف المناخي يمثل ثغرة في المنطقة؛ فبينما لم تقدم منغوليا خطة تكيف وطنية بعد، وضعت الصين استراتيجيتها الوطنية للتكيف المناخي 2035، التي توفر إطاراً شاملاً طويل الأمد رغم عدم تقديمها رسمياً في إطار الاتفاقية الإطارية. ولا يزال غياب خطة تكيف مقدمة من أي من البلدين يحد من المواءمة الإقليمية مع مسارات التكيف العالمية، حتى مع استمرار تحسن تغطية الخدمات والنتائج الصحية.

المحيط الهادئ

أحرز المحيط الهادئ تقدماً متواضعاً ومتفاوتاً في الأمن المائي الريفي. فبين عامي 2013 و2025، تضاعفت درجة البنية التحتية المرجحة بعدد السكان في المنطقة بأكثر من مرتين، من 1.1 إلى 2.5، في حين ارتفعت درجة الحالة من 2.9 إلى 4.7. ورغم أن هذا تحسن ملموس، لا تزال المنطقة في المرحلة الناشئة. أما النتائج الصحية فلم تشهد سوى تغير طفيف، إذ ارتفعت من 1.9 إلى 2.2 فقط. وتحققت معظم المكاسب بين عامي 2016 و2020، ولم يطرأ تحسن يُذكر منذ ذلك الحين. ويعني ذلك أنه رغم تحسن الحصول على الخدمات الأساسية في بعض البلدان، فإن ضعف النتائج الصحية يشير إلى مشكلات مستمرة في جودة الخدمات، وإلى الحاجة إلى تكامل أقوى بين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية وبرامج تغيير السلوك الصحي.

ويحد صغر حجم السكان وفجوات البيانات من القدرة على التخطيط والرصد؛ فباستثناء بابوا غينيا الجديدة، يقل عدد سكان بلدان المنطقة عن مليون نسمة، وكثيراً ما يكون جمع البيانات متباعداً، وتعتمد أربعة بلدان هي كيريباتي وجزر مارشال وولايات ميكرونيزيا الموحدة وتوفالو على إسقاطات مبنية على بيانات يزيد عمرها على خمس سنوات. ويصعّب هذا النقص في المعلومات الموثوقة تصميم الاستثمارات الفعالة وتوجيهها.

ولا يزال الحصول على الخدمات متدنياً، ولا سيما في الصرف الصحي والنظافة الصحية. ففي أرجاء المنطقة، لا يحصل على خدمات الصرف الصحي والنظافة الصحية المُدارة بأمان سوى 16% من السكان، مما يترك 10.4 ملايين شخص محرومين منها. ولا يزال التغوط في العراء منتشراً في كيريباتي وجزر مارشال وبابوا غينيا الجديدة. ويسجل المحيط الهادئ أدنى مستويات الحصول على الصرف الصحي الأساسي، والصرف الصحي المُدار بأمان، ومرافق النظافة الصحية، والخدمات في المدارس.

وتُظهر بعض البلدان ريادة، بينما يعاني غيرها من الركود أو التراجع. فساموا تحقق أداءً جيداً في مؤشرات هذه الخدمات لكنها لم تشهد مكاسب حديثة، وتوفالو تتمتع بحصول شبه شامل على المياه الأساسية، لكن 5% فقط منها مُدارة بأمان. أما جزر كوك، فرغم كونها بلداً مرتفع الدخل، فإن بياناتها محدودة ونتائجها الصحية في تراجع. وتتفاوت الدرجات الصحية في أنحاء المنطقة، ويعود ذلك غالباً إلى صغر حجم السكان في كل بلد.

ولا تزال القدرة على الصمود المناخي مصدر قلق كبير، إذ لم يقدم خطط تكيف وطنية سوى خمسة من ثلاثة عشر بلداً في المحيط الهادئ هي فيجي وكيريباتي وجزر مارشال وبابوا غينيا الجديدة وتونغا، وهو أمر مقلق بالنظر إلى تعرض المنطقة لارتفاع مستوى سطح البحر. ومع ذلك، تغطي الخطط القائمة 91% من سكان الريف في المنطقة. ويدعم التنسيق الإقليمي القوي عبر منتدى جزر المحيط الهادئ التعاون، لكن التخطيط الوطني للتكيف لا يزال محدوداً.

وتحتاج المنطقة إلى بيانات أفضل، وتخطيط أقوى، وحوكمة مصممة وفق ظروفها. وتشمل الأولويات تحسين أنظمة بيانات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، وتسريع إعداد خطط التكيف الوطنية التي تشمل الأمن المائي الريفي، وتطوير نماذج حوكمة تراعي التشتت الجغرافي وصغر حجم السكان في بلدان المحيط الهادئ. كما يلزم إيلاء اهتمام خاص لضمان حصول موثوق وشامل على الخدمات، ولا سيما في المدارس.

جنوب آسيا

أحرزت جنوب آسيا تقدماً مطرداً وإن كان متفاوتاً في الأمن المائي الريفي. فبين عامي 2013 و2025، ارتفعت درجة البنية التحتية المرجحة بعدد السكان من 2.8 إلى 6.0، منتقلة من تغطية أساسية متوسطة إلى تغطية أساسية واسعة مع بعض الخدمات المُدارة بأمان. وتحسنت النتائج الصحية بوتيرة أسرع، فارتفعت من 1.3 إلى 2.4، مما يعكس انخفاضاً كبيراً في أمراض الإسهال، وإن ظلت متأخرة عن مكاسب البنية التحتية. وعلى مستوى المنطقة، ارتفعت درجة الحالة من 4.1 إلى 8.4، وخرجت بنغلاديش والهند وسري لانكا من المرحلة الناشئة إلى المرحلة المنخرطة أو القادرة.

ولم تتوزع تحسينات البنية التحتية بالتساوي؛ فقد أحرزت بوتان تقدماً سريعاً، وحققت تغطية كاملة بالمياه المنقولة بالأنابيب ودرجات مرتفعة في مياه الشرب المُدارة بأمان. وفي المقابل، تسجل بنغلاديش، التي يبلغ عدد سكانها الريفيين 103 ملايين نسمة، أدنى تغطية بالمياه المنقولة بالأنابيب في المنطقة بنسبة 3% فقط. كما تسجل الهند ونيبال وسري لانكا درجات متدنية في مؤشر مياه الشرب الريفية، إذ تحصل أسر كثيرة على المياه الأساسية، لكن قلة منها تحصل على خدمات مُدارة بأمان أو على إمدادات بالأنابيب. ففي نيبال مثلاً، يحصل 94% من سكان الريف على المياه الأساسية، لكن 14% فقط يحصلون على مياه مُدارة بأمان، مما يعكس مشكلات في الجودة. وتواصل سري لانكا إظهار اختلال، إذ يفوق حصول سكانها على الصرف الصحي حصولهم على المياه.

وتتمتع جنوب آسيا بقدرة قوية على الصمود المناخي، إذ تمتلك بلدان كثيرة في المنطقة خطط تكيف وطنية حاصلة على درجات عالية، وتُظهر استعداداً جيداً لمواجهة المخاطر المناخية المستقبلية.

وقد تراجع التغوط في العراء تراجعاً كبيراً منذ عام 2013، إذ خفضته الهند من 48% إلى 11%، ونيبال من 35% إلى أقل من 1%. وحقق هذان البلدان أيضاً تحسينات قوية جداً في النتائج الصحية، وتبرز هذه المكاسب المنافع الصحية الكبيرة للقضاء على التغوط في العراء.

وفي الهند، أدت البرامج الحكومية دوراً محورياً؛ فقد حسّنت بعثة الهند النظيفة الحصول على المراحيض في الأرياف، وتعمل بعثة جال جيفان على توسيع تغطية المياه المنقولة بالأنابيب، ويُتوقع أن تحقق مكاسب مماثلة حين تتوفر بيانات أحدث. كما تدعم هذه البرامج منافع اجتماعية أوسع، كتخفيف العبء عن النساء في الأرياف. وقد أسفرت مبادرات مثل بعثة جال جيفان وبعثة الهند النظيفة وبعثة أتال للتجديد والتحول الحضري بالفعل عن تحسينات كبيرة، لكن نظراً لأن عام 2024 هو أحدث سنة مرجعية متاحة في تقرير الرصد المشترك لعام 2025 الصادر عن منظمة الصحة العالمية واليونيسف، وحفاظاً على سنة مرجعية موحدة بين البلدان، فقد لا ينعكس المدى الكامل لهذه التحسينات بعد. ويُتوقع أن تُظهر التقارير المقبلة، المستندة إلى بيانات عام 2025 أو ما بعده، تقدماً أكبر وأوضح. وسيتوقف الأثر طويل الأمد على جودة الخدمات، بما في ذلك الموثوقية وسلامة المياه والإنصاف في الحصول عليها. ويُظهر برنامج المياه الآمنة في بنغلاديش كيف يمكن لمقدمي الخدمات المحترفين تحسين النتائج في المدارس من خلال عقود قائمة على النتائج.

ولا تزال الفجوة بين البنية التحتية والنتائج الصحية مصدر قلق، إذ تبرز الحاجة إلى استثمار مستمر في أنظمة لا يقتصر الأمر فيها على التوسع، بل تُصمم وتُدار لتقديم خدمات عالية الجودة ومنصفة.

جنوب شرق آسيا

حققت جنوب شرق آسيا مكاسب متوسطة في الأمن المائي الريفي. فبين عامي 2013 و2025، ارتفعت درجات الحالة المرجحة بعدد السكان في المنطقة من 7.0 إلى 10.1، منتقلة من الطرف الأدنى للمرحلة المنخرطة إلى المرحلة القادرة. وسجلت درجة البنية التحتية أكبر زيادة، من 4.1 إلى 6.5، بينما تحسنت النتائج الصحية ببطء أكبر، من 2.9 إلى 3.6، أي بنسبة 24% إجمالاً.

ويتفاوت الأداء تفاوتاً كبيراً بين بلدان جنوب شرق آسيا التسعة. فرغم تحقيقهما أكبر التحسينات، لا تزال جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية وتيمور الشرقية تسجلان أدنى الدرجات في المنطقة، مع ارتفاع معدلات التغوط في العراء وضعف الحصول على النظافة الصحية. فقد ارتفعت درجة لاو من 3.8 عام 2013 إلى 8.2 عام 2025، ودرجة تيمور الشرقية من 2.4 إلى 6.7، ودخل البلدان المرحلة المنخرطة بين عامي 2020 و2025.

وتتصدر فييت نام المنطقة، إذ تحسنت درجتها من 10.9 عام 2013 إلى 14.4 عام 2025، منتقلة من المرحلة القادرة إلى المرحلة الفعّالة. وارتفعت درجة بنيتها التحتية الريفية من 4.7 إلى 7.3، بينما تحسنت النتائج الصحية من 6.3 إلى 7.0. ويعكس ذلك نهجاً متكاملاً يجمع بين الاستثمار الواسع في البنية التحتية، وتعزيز النظافة الصحية، وبرامج الخدمات في المدارس، والحوكمة المحلية القوية، وقد أسهمت هذه الجهود مجتمعة في الحد بدرجة كبيرة من أمراض الإسهال وتحسين الصحة الريفية عموماً.

وقد وسّع برنامج بامسيماس في إندونيسيا نطاق البنية التحتية، لكن الحوكمة ضرورية للحفاظ على النتائج. وأظهرت الفلبين قفزة كبيرة في درجات البنية التحتية بين عامي 2020 و2025، غير أن هذا الارتفاع يعود أساساً إلى بنية منهجية التسجيل، ولم تواكبه بعد تحسينات في النتائج الصحية.

ولا تزال القدرة على الصمود المناخي نقطة ضعف في جنوب شرق آسيا، إذ لم تقدم عدة بلدان في المنطقة، منها كمبوديا ولاو وميانمار وتيمور الشرقية، خطط تكيف وطنية، ولا تعالج معظم الخطط القائمة الاحتياجات الريفية معالجة كاملة. وتعكس الدرجات المتدنية لكمبوديا بطء التحسن في تغطية الخدمات الريفية، واستمرار التغوط في العراء، وضعف جودة الخدمات. أما تايلند، فتغطية بنيتها التحتية مرتفعة، لكن تدني درجاتها الصحية يشير إلى مشكلات في النظافة الصحية وجودة المياه. وفي أرجاء المنطقة، تظل النظافة الصحية وجودة الخدمات والتغوط في العراء تحديات مستمرة، ولا سيما في البلدان منخفضة الدخل.

تمكين الجيل القادم: عمل الشباب من أجل خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية والقدرة على الصمود المناخي

لا تزال معظم بلدان جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا متأخرة في توفير خدمات كافية للمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية لسكان الريف، ويزيد تغير المناخ هذا الوضع سوءاً. ومؤشرات البعد الرئيسي الأول لا تعكس البنية التحتية فحسب، بل تمثل بوابة إلى الرفاه والتنمية البشرية. ومن الأمثلة البارزة على ذلك في إندونيسيا مقاطعة نوسا تنغارا الشرقية، المعروفة بالجفاف المطول وشح المياه وضعف الخدمات، مما يجعلها من أعلى المقاطعات في معدلات التقزم في إندونيسيا.

وفي المقابل، يتصدى عدد متزايد من الحركات الشبابية لهذه القضايا. ومن أمثلتها منظمة سولار تشابتر، وهي منظمة غير ربحية أسستها عام 2017 شابة إندونيسية تخرجت في الخارج. وبدافع من الشغف بمساعدة المجتمعات الريفية وحل مشكلات المياه في المقاطعة، تجمع المنظمة التبرعات من داخل إندونيسيا وخارجها، وتشرك أبناء الجاليات في المهجر في تركيب مضخات مياه تعمل بالطاقة الشمسية في أرياف المقاطعة. ومن خلال توظيف التكنولوجيا المتقدمة ونهج مبتكر، تقدم المنظمة حلولاً حديثة لإدارة المياه بكفاءة واستدامة في المناطق الريفية، وتستفيد من شبكاتها للحصول على دعم الحكومة ومؤسسات خاصة متعددة لمشروعاتها. وحتى منتصف عام 2025، استفاد نحو 32 ألف شخص في أكثر من عشرين قرية في المقاطعة، وشارك أكثر من أربعمئة شاب في المشروعات، كما تعمل المنظمة على إعداد "الجيل القادم من قادة المياه" من خلال تدريب مئات الشباب المحليين وتمكينهم من إدارة خدمات المياه في مجتمعاتهم. ويبين هذا المثال كيف يمكن للشباب أن يؤدوا دوراً حاسماً في تحسين الأمن المائي للأسر الريفية، وأن يقودوا الابتكار في الحصول على المياه بفضل حماسهم وشبكاتهم وتواصلهم مع الجاليات في المهجر وإلمامهم بالتقنيات الرقمية.

الخلاصة والنتائج

تحسن الأمن المائي الريفي في آسيا والمحيط الهادئ منذ عام 2020، لكن التقدم جاء متفاوتاً ولا تزال هناك تحديات كبيرة. ويبين تقييم 2025 أنه رغم اتساع الحصول على المياه الأساسية في أرجاء المنطقة، لا يزال الصرف الصحي والنظافة الصحية متأخرين، ومع ذلك يحصل 280 مليون شخص على صرف صحي أساسي دون أن يحصلوا على مياه أساسية. ولم تواكب النتائج الصحية مكاسب البنية التحتية. ومنذ عام 2013، تُظهر الدرجات المرجحة بعدد السكان أن الأسر في منطقة آسيا والمحيط الهادئ انتقلت في المتوسط من المرحلة المنخرطة إلى المرحلة القادرة. وارتفعت درجات البنية التحتية بنسبة 37%، وهو ما يقف وراء كثير من هذه التحسينات، كما ارتفعت درجات النتائج الصحية بنسبة 14%. وفي نحو ثلث البلدان، لم تُفضِ البنية التحتية القوية إلى نتائج صحية أفضل، ويعكس هذا الانفصال مزيجاً معقداً من العوامل يشمل تدني مستويات الخدمة، وضعف التنفيذ، ومحدودية الحصول على الخدمات خارج المنازل، وارتفاع عدم المساواة.

فتحسن الخدمات لا يُترجم دائماً إلى تراجع في أمراض الإسهال، والبلدان ذات النتائج الصحية الأقوى تتمتع عادة بمستويات خدمة أعلى، إذ تحظى بحصول أفضل على المياه المنقولة بالأنابيب، ومياه الشرب والصرف الصحي المُدارين بأمان، والنظافة الصحية الأساسية، مقارنة بالبلدان ذات النتائج الأضعف. ويبين ذلك أن جودة البنية التحتية لا تقل أهمية عن نطاق تغطيتها. كما أن قدرات الحوكمة حاسمة، فبيانات مسح التحليل والتقييم العالمي تُظهر أنه رغم امتلاك بلدان كثيرة سياسات قائمة في هذا المجال، فإن البلدان ذات النتائج الصحية الأضعف كثيراً ما تفتقر إلى التمويل والموارد البشرية اللازمة لتنفيذها بفعالية. فلم يتوفر التمويل للتحسينات المخططة في المياه الريفية إلا لدى 38% من هذه البلدان، مقارنة بنسبة 69% في البلدان الأفضل أداءً، ولم يكن لدى سوى 43% منها عدد كافٍ من الكوادر المدربة، مقارنة بنسبة 63%.

ويتعين كذلك أن يمتد الحصول على الخدمات إلى ما وراء المنزل، فكثير من البلدان ذات البنية التحتية المنزلية الجيدة لا تزال تفتقر إلى خدمات موثوقة في المدارس والأماكن العامة، وهذه الفجوة تقوض المنافع الصحية الأوسع. ويمثل عدم المساواة في الحصول على الخدمات قضية رئيسية أخرى، إذ تميل البلدان ذات البنية التحتية القوية والنتائج الصحية الضعيفة إلى تسجيل فوارق أعلى قائمة على الثروة. ويبين التحليل باستخدام معاملات جيني أن عدم المساواة في الحصول على الخدمات الأساسية قد يحول دون وصول مكاسب البنية التحتية إلى أشد الناس حاجة إليها.

وللمرة الأولى، تناول تقييم 2025 أيضاً القدرة على الصمود المناخي في أنظمة الخدمات الريفية، وهو ما يكشف عن مجال قلق رئيسي؛ فمعظم البلدان لا تزال تفتقر إلى بيانات موثوقة أو خطط تكيف وطنية مفصلة. ومن دون تخطيط مناخي أقوى، تظل الأنظمة الحالية عرضة لمخاطر كالفيضانات والجفاف وارتفاع مستوى سطح البحر، وقد تتبدد كثير من المكاسب المحققة خلال العقد الماضي إذا لم تُعالج التهديدات المناخية معالجة مباشرة.

وتوضح نتائج تقرير 2025 أن الاستثمارات في الأمن المائي الريفي يجب أن تتجاوز البنية التحتية. وللحفاظ على التقدم الحالي والبناء عليه، يتعين على البلدان إدماج خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية الريفية في خطط التكيف الوطنية وتعزيز القدرة على الصمود المناخي، وتحسين جودة الخدمات بما يضمن أن تكون الأنظمة آمنة وموثوقة وموزعة بإنصاف. كما تحتاج أنظمة الحوكمة إلى الدعم لسد الفجوة بين السياسات والممارسة، وينبغي للبلدان توسيع الحصول على الخدمات خارج المنازل، ولا سيما في المدارس والمرافق الصحية. ومن دون معالجة هذه المحركات الكامنة لعدم المساواة ولأداء الأنظمة، ستظل المنافع الصحية الكاملة للأمن المائي الريفي بعيدة المنال.

البعد الرئيسي الثاني: الأمن المائي الاقتصادي

البعد في سطور

يقيس البعد الرئيسي الثاني في تقرير 2025 ما إذا كانت بلدان آسيا والمحيط الهادئ تمتلك ما يكفي من المياه الموثوقة لدعم نمو اقتصادي مستدام والحد من المخاطر الاقتصادية المرتبطة بالمياه. ويقيّم هذا البعد أربعة قطاعات رئيسية هي: الاقتصاد العام، والزراعة، والطاقة، والصناعة. ولا يعكس الأمن المائي الاقتصادي مدى توافر المياه فحسب، بل يعكس أيضاً مدى جودة إدارتها وتوزيعها وحوكمتها بما يدعم الإنتاجية والقدرة على الصمود والشمول.

وقد تحسن الأمن المائي الاقتصادي تحسناً متواضعاً في أرجاء المنطقة منذ عام 2013، إذ ارتفع متوسط درجة هذا البعد من 11.1 إلى 13.4 من عشرين، منتقلاً من المرحلة المنخرطة إلى المرحلة القادرة. وجاءت معظم المكاسب من الزراعة، مدفوعة بتحسن كفاءة الري، وزيادة الاكتفاء الذاتي الغذائي، وارتفاع إنتاجية المياه. كما حقق قطاعا الطاقة والصناعة تقدماً متوسطاً من خلال اعتماد الطاقة المتجددة، والتصنيع الموفر للمياه، والتوسع في الاستخدام الدائري للمياه كإعادة تدوير مياه الصرف وإعادة استخدامها صناعياً.

والتقدم متفاوت بين البلدان وفئات الدخل. فقد سُجلت أكبر المكاسب، أي ثلاث نقاط فأكثر، في جمهورية الصين الشعبية وجمهورية لاو الديمقراطية الشعبية ونيوي وتوفالو وتونغا، بدعم من استثمارات موجهة في قطاعات متعددة. إذ حققت نيوي وتوفالو مكسباً بلغ 4.7 نقاط لكل منهما، ولاو 4.3 نقاط، والصين 4.1 نقاط، وتونغا 3.5 نقاط، بفضل الاستثمارات المستدامة في البنية التحتية المائية، وتحسين إنتاجية المياه في الزراعة والصناعة، وتعزيز الحوكمة.

وحقق عشرون بلداً مكاسب متوسطة تراوحت بين نقطة واحدة و2.9 نقطة، من بينها خمسة بلدان في جنوب آسيا هي الهند وبوتان وسري لانكا وبنغلاديش وملديف، وكثيراً ما ارتبطت هذه المكاسب بتحسينات في قطاع الطاقة وبنمو اقتصادي أتاح تحسين البنية التحتية المائية. كما حقق المحيط الهادئ أداءً جيداً ضمن هذه المجموعة، بفضل تحسينات تدريجية في الحوكمة وتغطية البيانات وموثوقية خدمات المياه رغم القيود الجغرافية والاقتصادية.

وسجل خمسة عشر بلداً مكاسب أصغر تراوحت بين 0.1 و0.9 نقطة، وهي إما اقتصادات عالية الأداء انطلقت من مستوى أساسي مرتفع وحافظت على استقرارها، وإما بلدان أخرى تعاني من الركود. فقد حسّنت تيمور الشرقية ونيبال درجاتهما في الزراعة، لكن تراجع درجاتهما في مؤشرات أخرى حال دون أي تغير ملموس في هذا البعد.

وسجلت كمبوديا تراجعاً بمقدار 0.9 نقطة بين عامي 2013 و2025، مما يعكس تشتت حوكمة المياه، وضعف القدرات المؤسسية، وتزايد الضغوط الناجمة عن التحضر السريع والنمو الصناعي والتقلبات المناخية، وهي عوامل قيدت مجتمعة التقدم في الإدارة المتكاملة للموارد المائية.

النتائج والتوصيات

تؤكد نتائج البعد الثاني لعام 2025 أن الإدارة الشاملة والمتكاملة للمياه ضرورية لتحقيق نمو اقتصادي قادر على الصمود، وأن الابتكار والشراكات الإقليمية والدعم الموجه عناصر أساسية لمساعدة جميع بلدان المنطقة على تأمين المياه بوصفها أساساً للتنمية المستدامة.

فآسيا والمحيط الهادئ موطن لأكثر من 4 مليارات نسمة، ويتزايد الطلب على المياه فيها بفعل التحضر السريع والنمو السكاني واتساع النشاط الاقتصادي. وتستأثر الزراعة بنحو 90% من سحب المياه العذبة، وهي نسبة تفوق المتوسط العالمي بكثير، في حين يواصل استخدام المياه في قطاعي الطاقة والصناعة نموه. ويضاعف تغير المناخ هذه الضغوط بتغييره أنماط هطول الأمطار وزيادته تواتر الفيضانات والجفاف.

والأمن المائي الاقتصادي لا يتعلق بكمية المياه التي يمتلكها البلد، بل بمدى فعالية إدارة هذه المياه وحوكمتها واستخدامها لدعم النمو الاقتصادي المستدام. فبعض البلدان ذات الموارد المائية المحدودة، ككازاخستان والصين، حققت أمناً مائياً اقتصادياً فعالاً بفضل مؤسسات قوية وبنية تحتية محكمة التخطيط رغم ارتفاع مستويات الإجهاد المائي لديها. وفي المقابل، يتدنى أداء بلدان أخرى كبابوا غينيا الجديدة ونيبال وجورجيا رغم وفرة مياهها، بسبب تشتت الحوكمة وتقادم الأنظمة. وفي المحيط الهادئ، لا تزال فجوات البيانات عائقاً رئيسياً أمام الاعتراف الكامل بالتقدم المحرز، إذ لا تزال عدة بلدان تظهر بلا بيانات في كثير من المؤشرات، مما يبرز الحاجة إلى تعزيز أنظمة البيانات المائية الوطنية والقدرات الإحصائية.

ولتعزيز الأمن المائي الاقتصادي، ينبغي للبلدان أن تستثمر في بنية تحتية قادرة على الصمود أمام تغير المناخ وفي أنظمة تخزين محلية، بما في ذلك الحلول القائمة على الطبيعة؛ وأن تحسّن رصد المياه وحوكمتها عبر البيانات الآنية والمنصات الرقمية؛ وأن تشجع الممارسات الموفرة للمياه في الزراعة والصناعة والطاقة؛ وأن تعزز التعاون الإقليمي في الأحواض العابرة للحدود والنظم الاقتصادية المشتركة؛ وأن تضمن تخطيطاً شاملاً يعكس احتياجات النساء والمجتمعات الهشة.

مقدمة

يُعرَّف البعد الرئيسي الثاني بأنه ضمان توفر مياه كافية وموثوقة لاستدامة النمو الاقتصادي والحد من الهشاشة أمام الاضطرابات المرتبطة بالمياه.

وقد أصبح الأمن المائي اليوم من أكثر القضايا الاقتصادية والتنموية إلحاحاً في آسيا والمحيط الهادئ. فالنمو السكاني السريع والتحضر واتساع الاقتصادات رفعت الطلب بحدة على موارد مائية محدودة أصلاً. ومع تجاوز عدد سكان المنطقة 4 مليارات نسمة، يتصاعد الإجهاد المائي، وتواجه شرائح واسعة من السكان تعرضاً متزايداً لشح المياه. وتمثل الزراعة المحرك الرئيسي للطلب في آسيا، إذ تستخدم نحو 90% من إجمالي سحب المياه العذبة، وهي نسبة تفوق المتوسط العالمي بكثير، وتعكس الدور المحوري لهذا القطاع في اقتصادات المنطقة، من الأحواض الزراعية في الهند والصين إلى الجزر النائية في المحيط الهادئ.

ويتواصل الضغط على الموارد المائية المحدودة، ولا سيما مع تزايد الطلب على الغذاء والطاقة. ويفاقم تغير المناخ هذا الإجهاد، إذ يزيد تقلب الإمدادات المائية، ويتسبب في موجات جفاف وفيضانات أكثر تواتراً، ويغير الأنماط الموسمية لهطول الأمطار وذوبان الثلوج. وتهدد هذه التغيرات موثوقية المياه للأسر والمزارع والمصانع وأنظمة الطاقة. فالأمن المائي ركيزة للنمو الاقتصادي المستدام والقدرة على الصمود أمام الكوارث والاستقرار الإقليمي.

ويقيّم البعد الثاني مدى فعالية البلدان في إدارة المياه وتوزيعها عبر أربعة قطاعات: الاقتصاد العام، والزراعة، والطاقة، والصناعة. وتحتل هذه القطاعات موقعاً مركزياً في التنمية الوطنية، وتعتمد اعتماداً كبيراً على المياه لاستدامة إنتاجيتها، كما تشكل أساس الأمن الغذائي وتوليد الطاقة والإنتاج الصناعي، وهي جميعها عناصر جوهرية لنمو شامل وقادر على الصمود.

ومنذ تقييم 2020، واجهت المنطقة صدمات متداخلة. فقد أربكت جائحة فيروس كورونا الزراعة والصناعة وسلاسل الإمداد، وكشفت مدى اعتماد النظم الاقتصادية على المياه. وفي الوقت ذاته، شهدت المنطقة تضخماً وتقلباً في أسعار الطاقة وتصاعداً في المخاطر الجيوسياسية. وزادت الآثار المناخية الوضع سوءاً، مع تزايد تقلب الأمطار، ومواسم جفاف غير متوقعة، وفيضانات مدمرة. وتُجهد هذه الآثار إمدادات المياه السطحية والجوفية في مختلف القطاعات، في ظل استمرار الطلب المتنامي من المدن المتوسعة والصناعات النامية والأنماط الغذائية المتغيرة.

ورغم هذه الضغوط، اتخذت بلدان كثيرة خطوات لحماية أمنها المائي وتعزيز قدرتها الاقتصادية على الصمود. ويبني تحديث البعد الثاني لعام 2025 على تقرير 2020 بتنقيح الإطار وتحسين جودة البيانات وزيادة دقة تفاصيلها، ويقدم درجات محدثة لبلدان المنطقة تكشف الاتجاهات الراهنة وأوجه عدم المساواة المستمرة في الأمن المائي الاقتصادي. وضماناً للاتساق، أُعيد احتساب درجات الأعوام 2013 و2016 و2020 باستخدام المنهجية المحدثة.

المنهجية

يبني تقييم البعد الثاني لعام 2025 على الإطار والهيكل اللذين أرساهما تقرير 2020، ويظل النهج العام متسقاً ومنظماً حول أربعة قطاعات: الاقتصاد العام، والزراعة، والطاقة، والصناعة. ويُقيَّم كل قطاع من خلال مجموعة من المؤشرات التي ترصد دور المياه في الأمن الاقتصادي، بما في ذلك جوانب كالإنتاجية والاكتفاء الذاتي والموثوقية.

ويتألف كل مؤشر من مؤشرات فرعية تمثل المستوى الأكثر تفصيلاً للقياس في إطار هذا البعد، وتستمد بياناتها من الإحصاءات الوطنية وأرصاد الأقمار الصناعية ومخرجات النماذج العالمية. وتُحتسب درجات القطاعات بأخذ متوسط ثلاثة إلى أربعة مؤشرات فرعية، يُمنح كل منها درجة من 1 إلى 5. وتمثل درجة البلد في هذا البعد مجموع درجات قطاعاته الأربعة، بحد أقصى قدره عشرون.

ويشمل قطاع الاقتصاد العام مؤشرات تتعلق بالقدرة على الصمود والموثوقية وشح المياه والحوكمة والاستثمار. أما قطاعات الزراعة والطاقة والصناعة فيستخدم كل منها مؤشرات تعكس الإنتاجية والاكتفاء الذاتي والأمن الخاص بكل قطاع. وتجمع هذه المؤشرات بين مقاييس هيدرولوجية واقتصادية وتشغيلية لتقييم مدى فعالية البلدان في إدارة المياه وتوزيعها من أجل تنمية اقتصادية مستدامة.

وكما في الطبعات السابقة، يعتمد تقييم 2025 نهجاً قائماً على البيانات، مستنداً إلى مصادر متاحة عالمياً بما فيها بيانات الاستشعار عن بعد، لضمان تغطية إقليمية كاملة. ولإتاحة المقارنة عبر الزمن، أُعيد احتساب الدرجات التاريخية للأعوام 2013 و2016 و2020 باستخدام منهجية 2025 المحدثة، بما يضمن الاتساق ويتيح تحليلاً أوضح لاتجاهات العقد الماضي.

وتُصنف الدرجات النهائية في خمس مراحل أداء: النموذجية، والفعّالة، والقادرة، والمنخرطة، والناشئة، بناءً على نطاقات للدرجة المركبة تمتد من 8.4 إلى ما يزيد على 19.2. ففي المرحلة النموذجية، التي تتجاوز درجتها 19.2، يكون الأمن المائي الاقتصادي مرتفعاً جداً، إذ تتوفر المياه وتُدار جيداً وتُستخدم بكفاءة في جميع القطاعات؛ فإمدادات المياه تلبي جميع الاحتياجات بما فيها التدفقات البيئية، والتخزين والبنية التحتية كافيان لإدارة الطلب والفيضانات والجفاف، وتستخدم الزراعة والطاقة والصناعة المياه بكفاءة وإنتاجية، ويتمتع البلد باكتفاء ذاتي واسع في السلع الأساسية دون حاجة إلى مياه إضافية لضمان الإمداد، كما توجد أنظمة رصد تُستخدم بياناتها في توجيه الإدارة. وفي المرحلة الفعّالة، يكون الأمن المائي الاقتصادي مرتفعاً، وتُلبى معظم الاحتياجات المرتبطة بالمياه، وتوجد أنظمة لإدارة المخاطر الرئيسية. وفي المرحلة القادرة، يكون الأمن المائي الاقتصادي متوسطاً، وتوجد بعض الأنظمة مع بقاء فجوات مهمة في توافر المياه أو كفاءة استخدامها أو إدارتها. وفي المرحلة المنخرطة، يكون الأمن المائي الاقتصادي منخفضاً، ولا تُستوفى معايير عدة، وتكون أنظمة إدارة المياه غير مكتملة النمو. أما في المرحلة الناشئة، التي تقل درجتها عن 8.6، فيكون الأمن المائي الاقتصادي منخفضاً جداً، ولا توجد سوى أنظمة قليلة أو معدومة لإدارة توافر المياه أو مخاطرها أو الاحتياجات القطاعية.

ورغم بقاء البنية العامة متسقة مع تقييم 2020، يتضمن تحديث 2025 تحسينات مهمة عدة، منها تنقيح طريقة احتساب المؤشرات، وزيادة دقة البيانات الأساسية، وتحسين المواءمة مع الغايات العالمية المتطورة كأهداف التنمية المستدامة. ففي قطاع الاقتصاد العام، حُدّث مؤشر شح المياه ليتوافق مع مؤشر الهدف 6.4.2 من أهداف التنمية المستدامة، بالجمع بين بيانات قاعدة أكواستات التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة وبيانات الاستشعار عن بعد الخاصة بالغطاء الأرضي والتبخر النتحي الفعلي لتحقيق دقة أكبر. وفي مؤشر القدرة على الصمود، باتت مدة الجفاف تُحتسب باستخدام بيانات شهرية للتصريف أعلى دقة، بمستوى كيلومتر واحد، مستمدة من النسخة المحدثة من نموذج PCR GLOBWB. وأُضيف مؤشر جديد لنصيب الفرد من الاستثمار في البنية التحتية المائية، يعكس الاستثمار الوطني في أنظمة المياه نسبةً إلى عدد السكان.

وفي قطاع الزراعة، بات مؤشر إنتاجية المياه يستخدم بيانات سنوية متسقة للناتج المحلي الإجمالي ولاستخدام المياه معاً، مع تحسين رسم خرائط الأراضي الزراعية بدقة عشرة أمتار وتقديرات التبخر النتحي الفعلي. وأصبح مؤشر الأمن التغذوي يُقيَّم وفق معيار مرجعي قدره 2,500 سعرة حرارية يومياً، باستخدام بيانات قاعدة فاوستات، لتقييم توافر الغذاء وكفايته.

وعلى المستوى الشامل لمختلف القطاعات، حُدّثت المؤشرات الفرعية ببيانات الفترة من 2021 إلى 2024 لرصد الآثار اللاحقة للجائحة والآثار المناخية، وعُزز استخدام بيانات الأقمار الصناعية مما حسّن الدقة المكانية والاتساق، وطُبقت تعديلات في التسجيل وبدائل تقريبية لمعالجة البيانات المفقودة، ولا سيما في الدول الجزرية الصغيرة، كما أُعيد احتساب الدرجات التاريخية من 2013 إلى 2020 بأثر رجعي وفق منهجية 2025 لإتاحة تحليل الاتجاهات.

النتائج والمناقشة

نظرة عامة على الأمن المائي الاقتصادي في عام 2025

يتحسن الأمن المائي الاقتصادي، لكن المكاسب متفاوتة وتختلف من قطاع لآخر. فبين عامي 2013 و2025، ارتفع متوسط درجة المنطقة في هذا البعد من 11.1 إلى 13.4 من عشرين، منتقلاً من المرحلة المنخرطة إلى المرحلة القادرة. ويعكس ذلك تقدماً تدريجياً في الزراعة والطاقة والصناعة والاقتصاد العام، لكن مع تفاوتات واسعة بين البلدان وفجوات مستمرة في الحوكمة والاستثمار.

وتحققت أقوى المكاسب في قطاع الزراعة، الذي تحسن بمقدار 0.6 نقطة في المتوسط، مما يعكس زيادات ملموسة في إنتاجية المياه، أي تحقيق قيمة أو غلة أكبر لكل وحدة من المياه المستخدمة، وارتفاع الاكتفاء الذاتي الغذائي المحلي، أي تلبية حصة أكبر من الطلب محلياً، وتحسن الأمن الغذائي من خلال تراجع نقص التغذية واستقرار الإمدادات. غير أن بلداناً كثيرة لا تزال بحاجة إلى استثمارات موجهة في الري الحديث، ونظم الزراعة القادرة على الصمود أمام تغير المناخ، وتحسين شبكات التخزين والتوزيع.

وأظهرت العناصر الأخرى لهذا البعد مكاسب أكثر تواضعاً؛ فقد تحسن قطاع الصناعة من 2.7 عام 2013 إلى 3.0 عام 2025، بفضل تحسن العمليات الموفرة للمياه في التصنيع وغيره من الصناعات كثيفة الاستهلاك للمياه، وإن ظلت المنشآت الصغيرة والمتوسطة تواجه عوائق في الحصول على التمويل والحوافز اللازمة لتحديث تقنياتها. وكسب قطاع الطاقة 0.2 نقطة، من 3.1 عام 2013 إلى 3.3 عام 2025، مدفوعاً أساساً بزيادة توليد الكهرباء ورفع كفاءة استخدام المياه في محطات الطاقة الحرارية والكهرومائية. وارتفعت درجة الاقتصاد العام ارتفاعاً متواضعاً من 2.6 عام 2020 إلى 2.7 عام 2025، والمكاسب في هذا المجال مرهونة بتوفر خدمات مياه موثوقة للنشاط الاقتصادي، لكن بلداناً كثيرة منخفضة ومتوسطة الدخل لا تزال تقصّر في الاستثمار في إعادة تدوير المياه الصناعية وشبكات توزيع المياه.

وتبرز نتائج 2025 مواطن قوة ناشئة ومجالات تحتاج إلى تركيز مستمر، ولا سيما في الحوكمة والاستثمار. وتتباين المنطقة تبايناً واسعاً في الأداء؛ إذ تميل الاقتصادات مرتفعة الدخل إلى تحقيق درجات جيدة باستمرار، بينما أظهرت الاقتصادات متوسطة الدخل تقدماً منذ عام 2013 وإن تباينت مساراتها.

الاتجاهات العامة والتوزيع

يتفاوت الأمن المائي الاقتصادي تفاوتاً واسعاً في أرجاء آسيا والمحيط الهادئ. ففي عام 2025، تراوحت الدرجات المركبة لهذا البعد في الاقتصادات الخمسين بين 8 و17.8 من عشرين، مما يعكس فروقاً كبيرة في حوكمة المياه والبنية التحتية والإنتاجية الاقتصادية. وتدل الدرجات الأعلى على أداء أقوى في تأمين المياه للزراعة والطاقة والصناعة، بدعم من حوكمة وبنية تحتية واكتفاء ذاتي متين، في حين تشير الدرجات الأدنى إلى ضعف القدرات، وتدني الإنتاجية القطاعية، ومحدودية القدرة على الصمود أمام الصدمات.

ولم يبلغ أي اقتصاد المرحلة النموذجية، التي تتطلب أداءً مرتفعاً ومتسقاً في جميع القطاعات الاقتصادية إلى جانب حوكمة وبنية تحتية قويتين. وصُنفت ثمانية اقتصادات فقط في المرحلة الفعّالة لاستيفائها كثيراً من معايير الأمن المائي الاقتصادي، ومنها اقتصادات مرتفعة الدخل كأستراليا وجمهورية كوريا وتايبيه الصينية ونيوزيلندا، فضلاً عن هونغ كونغ الصين ودولة المدينة سنغافورة، حيث تدعم الأداءَ بنيةٌ تحتية متطورة وتنسيق قوي بين القطاعات.

وتُظهر الاقتصادات من الشريحة العليا للدخل المتوسط نتائج أكثر تبايناً؛ فبلدان كالصين وماليزيا تحقق أداءً قوياً، بينما تواجه بلدان أخرى كجورجيا وإندونيسيا وأرمينيا تحديات في توسيع البنية التحتية، وتحديث المؤسسات، ودمج إدارة المياه عبر القطاعات. وتسجل عدة دول جزرية صغيرة نامية ضمن هذه المجموعة درجات أدنى بسبب صغر اقتصاداتها وعزلتها الجغرافية وشدة تعرضها للمخاطر المناخية.

أما الاقتصادات من الشريحة الدنيا للدخل المتوسط فتسجل عموماً درجات بين 10 و14، تمتد من الطرف الأعلى للمرحلة المنخرطة إلى الطرف الأدنى للمرحلة القادرة. ومن أمثلتها بنغلاديش والهند وباكستان والفلبين وفييت نام، حيث يتضح التوسع في الري وتحديث الصناعة وتحسن قطاع الطاقة، غير أن الاختناقات في الحوكمة وموثوقية الخدمات واعتماد التقنيات تحد من المكاسب الإجمالية.

وتواجه الاقتصادات منخفضة الدخل أشد العوائق، إذ تسجل معظمها درجات دون 10، في المرحلتين الناشئة أو المنخرطة، مما يعكس محدودية البنية التحتية، وضعف المؤسسات، وارتفاع التعرض لمخاطر المناخ والنزاعات. وأفغانستان، بدرجة قدرها 8، هي البلد الوحيد المصنف في المرحلة الناشئة، مما يكشف عن تدني الأمن المائي الاقتصادي وقصور النظم الممكّنة. كما تواجه بلدان أخرى، كبابوا غينيا الجديدة وجزر سليمان، ارتفاع تكاليف تقديم الخدمات والعزلة الجغرافية والصدمات المناخية. ولا يزال نحو 34 مليون شخص في أدنى مراحل الأمن المائي الاقتصادي، حيث يلزم اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة مواطن الهشاشة المتجذرة.

ويقع أربعة عشر بلداً في المرحلة القادرة، وتُظهر تحسناً في قطاع واحد أو أكثر لكنها لا تزال تواجه قيوداً كضعف الاستثمار في البنية التحتية المائية، ومحدودية القدرة على الصمود المناخي، والفجوات في إنتاجية المياه الصناعية. ويقع سبعة وعشرون بلداً آخر في المرحلة المنخرطة، حيث تقيد البنية التحتية الضعيفة وتدني الإنتاجية الزراعية وقصور نمو قطاعي الطاقة والصناعة مسيرة التقدم. ويعيش نحو 2.5 مليار شخص، أي 62% من سكان المنطقة، في بلدان تنتمي إلى هاتين المرحلتين، مما يجعل التقدم فيهما حاسماً للنهوض الإقليمي.

التقدم في الأمن المائي الاقتصادي

أحرزت بلدان عدة تقدماً ملحوظاً في الأمن المائي الاقتصادي منذ تقييم 2013، كما يتجلى في تحسن درجاتها في هذا البعد.

فقد سجلت جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية أكبر زيادة، بمكسب قدره 4.3 نقاط، لتصبح الآن في المرحلة القادرة. وقد دفع هذا التقدمَ أداءٌ قوي في قطاع الطاقة، مرتبط بتشغيل مشروعات كبرى للطاقة الكهرومائية مثل سد سايابوري وسد نام ثون، التي وسعت قدرة تخزين المياه وزادت إنتاج الطاقة. غير أن هذه المشروعات هي أيضاً سبب تراجع درجة مؤشر حالة مستجمعات المياه والنظم المائية في البعد الرابع، مما يبرز أهمية الموازنة بين الآثار عبر الأبعاد الرئيسية. كما سجلت ثلاث دول جزرية هي توفالو ونيوي وتونغا زيادات تجاوزت 3.0 نقاط، لكن ذلك يعود أساساً إلى عدم اتساق البيانات؛ ففي هذه الحالات يعكس المكسب بيانات محدثة عن إنتاج الطاقة، ولا سيما من الأنظمة العاملة بالنفط المدعومة بالتوسع في الطاقة الشمسية، فضلاً عن تعديلات منهجية في عام 2025 أعطت وزناً أكبر للمؤشرات ذات البيانات المكتملة. وقد تدل الدرجات الأعلى على توليد أكثر كفاءة للطاقة باستخدام أقل للمياه، لكن الحجم المطلق للمياه الموفرة صغير، وكثيراً ما تظل الزراعة والصناعة غير متطورتين. وتؤكد هذه النتائج أهمية تفسير تغيرات الدرجات في سياقها، والحاجة إلى بيانات قطاعية متينة لتتبع التقدم الحقيقي.

وحققت مجموعة أكبر من البلدان مكاسب متوسطة تراوحت بين نقطة و2.9 نقطة، تضم عشرين بلداً من جميع المناطق. وكان التحسن في درجات قطاع الطاقة شائعاً في كثير منها، ويعود ذلك جزئياً إلى تحديث البيانات وتحسين تقديرات إنتاجية المياه. وفي الاقتصادات الأكبر كبنغلاديش وطاجيكستان وفييت نام، توزعت المكاسب على قطاعات متعددة، وأسهمت زيادات الناتج المحلي الإجمالي في تعزيز الدرجات في مؤشرات الزراعة والصناعة والبنية التحتية. وتعكس هذه المكاسب كيف تدعم التنمية الاقتصادية غالباً الاستثمار في أنظمة المياه وحوكمتها، بما يفضي إلى استخدام أكثر كفاءة وإنتاجية للمياه.

وارتفعت درجة سري لانكا رغم الأزمة الاقتصادية، مما يشير إلى أن إطار التسجيل يركز على الاتجاهات الهيكلية متوسطة الأمد أكثر من الصدمات قصيرة الأمد. كما سجلت ميانمار مكاسب بفضل استمرار تشغيل البنية التحتية والاستثمارات السابقة.

وسجل خمسة عشر بلداً زيادات أصغر تراوحت بين 0.1 ونقطة واحدة، وتضم هذه المجموعة اقتصادات مرتفعة الدخل وبلداناً نامية على حد سواء. ففي هذه الاقتصادات، تكون معظم الأنظمة قد بلغت مرحلة النضج، فيصعب تحقيق مكاسب كبيرة. وارتبطت الزيادات المتواضعة بالتحول التدريجي نحو الطاقة المتجددة، واعتماد عمليات صناعية فعالة، وتحديث الري. كما أسهم التوسع في الاستخدام الدائري للمياه، بما في ذلك إعادة تدوير مياه الصرف وإعادة استخدامها صناعياً، في رفع الإنتاجية القطاعية.

وظلت درجة باكستان مستقرة إلى حد كبير في تقييمات 2016 و2020 و2025، فبقيت في المرحلة المنخرطة. فرغم كونها من أكبر اقتصادات المنطقة وتمتلك قاعدة زراعية كبيرة، فإن أوجه القصور المستمرة في استخدام المياه، وضعف الأداء الصناعي، ومحدودية تحديث البنية التحتية قيدت تقدمها.

ولم تُظهر بعض البلدان تغيراً يُذكر في درجاتها منذ عام 2013. ففي بعض الحالات، يعكس ذلك تحديات هيكلية مستمرة، وفي حالات أخرى يعود إلى محدودية البيانات أو تقادمها. فولايات ميكرونيزيا الموحدة مثلاً تعتمد على بيانات قديمة أو تقريبية لأجزاء من مكونات الزراعة والطاقة والصناعة، مما يصعّب رصد التطورات الأخيرة.

وفي الاقتصادات مرتفعة الدخل، قد يعكس ركود الدرجات أثر الاستقرار عند مستوى معين، حيث تكون المكاسب السابقة من إصلاحات البنية التحتية والحوكمة قد تحققت بالكامل. والأولوية لهذه الاقتصادات الآن هي صون الأنظمة القوية وتكييفها، من خلال تجديد البنية التحتية وتحديثها، والاستثمار في أنظمة الرصد المتقدمة وكشف التسربات، وتحسين الكفاءة في الزراعة كالري الدقيق، وفي الصناعة كأنظمة التبريد ذات الدورة المغلقة، وفي الطاقة كالتوليد المتجدد منخفض الاستهلاك للمياه، إلى جانب تعزيز القدرة على الصمود أمام التقلبات المناخية. أما في الاقتصادات سريعة النمو، فقد يكون تزايد الطلب على المياه والتفاوتات الإقليمية قد أدخلا ضغوطاً جديدة، ولا سيما في قطاعي الزراعة والطاقة، والتحدي هنا هو توسيع التغطية مع موازنة الطلب، مثلاً من خلال الاستثمار في تنويع مصادر المياه، وسياسات إدارة الطلب، وتحسين دمج التخطيط المائي في استراتيجيات النمو الاقتصادي. وفي حالات عدة، ارتبط التراجع الظاهري في الدرجات بفجوات في توافر البيانات لا بتدهور فعلي في الأمن المائي.

ولا تزال عدة بلدان في المحيط الهادئ تظهر بلا بيانات في كثير من مؤشرات هذا البعد، ومنها كيريباتي وتوفالو وناورو ونيوي وجزر مارشال وولايات ميكرونيزيا الموحدة وبالاو. وحيثما استُخدمت بدائل تقريبية أو مدخلات جزئية، تُعرض النتائج مع ملاحظات واضحة حول درجة عدم اليقين. وقد أحرز بعض هذه البلدان تقدماً حقيقياً في البنية التحتية أو تقديم الخدمات، لكن ضعف تغطية البيانات يحول دون الاعتراف الكامل به في الدرجات، مما يبرز الحاجة إلى الاستثمار في أنظمة البيانات المائية والقدرات الإحصائية الوطنية في البلدان التي تشح فيها البيانات.

النتائج الإقليمية

آسيا الوسطى والغربية: درجات مستقرة ومخاطر ناشئة

حافظت آسيا الوسطى والغربية على متوسط درجات يتراوح بين 10.6 و11.4، مع تغير طفيف عبر الزمن. فرغم بقاء البنية التحتية الأساسية قائمة، تباطأ التقدم في الكفاءة القطاعية وإصلاح الحوكمة، وسيلزم مزيد من الإدارة المائية المتقدمة والتنسيق بين القطاعات لتسريع التحسن. وتزداد هشاشة المنطقة أمام ذوبان الأنهار الجليدية في المنابع في جبال تيان شان وبامير، وفقدان الغطاء الثلجي في أحواض رئيسية كحوضي آمو داريا وسير داريا. وتهدد هذه التغيرات تدفقات موسم الجفاف، وقد تؤجج التنافس على المياه بين الدول المتشاطئة، ولا سيما لأغراض الري.

شرق آسيا: أداء مرتفع واستثمار متواصل

تتصدر شرق آسيا المنطقة في الأمن المائي الاقتصادي، إذ بلغت المرحلة الفعّالة عام 2025، بدعم من أطر مؤسسية قوية، وبنية تحتية موثوقة، وإنتاجية مرتفعة في الزراعة والطاقة والصناعة. ومنذ عام 2013، وبقيادة الصين، حسّنت شرق آسيا درجتها في هذا البعد بأكثر من أربع نقاط، كما تحسنت منغوليا بوتيرة أبطأ قليلاً. ويعكس ذلك استثماراً متواصلاً في البنية التحتية المرتبطة بالمياه وحوكمتها؛ فقد استثمرت الصين مثلاً 187.8 مليار دولار في البنية التحتية لصون المياه عام 2024.

المحيط الهادئ: مكاسب في البيانات وتحولات في الطاقة مع تحديات هيكلية عميقة

يظل المحيط الهادئ أكثر المناطق الفرعية هشاشة، وقد انتقلت معظم بلدانه من المرحلة الناشئة إلى المرحلة المنخرطة. وكانت زيادة قدرة الطاقة المتجددة وتحسن توافر البيانات المحركين الرئيسيين لهذا التقدم؛ ففي ناورو مثلاً، ارتفعت قدرة الطاقة المتجددة بين عامي 2013 و2025 بنسبة 30%، من 650 كيلوواط إلى 830 كيلوواط. غير أن القيود الهيكلية لا تزال قائمة، إذ تواجه كثير من الدول الجزرية في المحيط الهادئ عزلة جغرافية ومحدودية في المياه العذبة وتعرضاً شديداً للمخاطر المناخية، وتواصل هذه الظروف الحد من الأمن المائي الاقتصادي رغم المكاسب الأخيرة.

جنوب آسيا: مكاسب تدريجية من نقطة انطلاق متدنية

أظهرت جنوب آسيا تحسناً مطرداً ومتوسطاً منذ عام 2013، إذ ارتفع المتوسط الإقليمي من 9.6 إلى 11.9 عام 2025. وأسهمت بلدان كبنغلاديش والهند بالقسط الأكبر من هذا التقدم من خلال مكاسب في الإنتاجية الزراعية والأمن الغذائي، لكن الفجوات لا تزال قائمة في استخدام المياه الصناعية وموثوقية البنية التحتية والتنسيق المؤسسي.

جنوب شرق آسيا: تقدم قطاعي مع تفاوتات إقليمية

أحرزت جنوب شرق آسيا أيضاً تقدماً متوسطاً خلال العقد الماضي، إذ ارتفعت درجتها من 10.9 إلى 11.8، وصعدت درجاتها في هذا البعد بثبات مع تحسن كفاءة استخدام المياه والتنمية القطاعية الأوسع. غير أن الأداء يتفاوت بين الاقتصادات؛ فبعضها كماليزيا وفييت نام أظهر مكاسب عبر القطاعات، بينما يواصل بعضها الآخر مواجهة تحديات في الحصول على الطاقة وتوافر البيانات وإنتاجية المياه.

آسيا والمحيط الهادئ عموماً: تقدم متفاوت

على مستوى المنطقة، ارتفع متوسط الدرجات من نحو 11.1 عام 2013 إلى ما يزيد قليلاً على 13.4 عام 2025، مما يعكس جهوداً أوسع لتحسين البنية التحتية المائية وحوكمتها، لكن هذا المتوسط يخفي تفاوتات عميقة؛ فبعض البلدان لا يزال دون المتوسط الإقليمي بكثير، في حين لم يحقق غيرها سوى مكاسب تدريجية.

وتؤكد نتائج 2025 مجدداً أن الأمن المائي الاقتصادي لا تحدده وفرة المياه وحدها. فالبلدان الواقعة في المناطق القاحلة وشبه القاحلة، كأجزاء من آسيا الوسطى والغربية، فاقت التوقعات بفضل الاستثمار في تخزين المياه والإنتاجية القطاعية والحوكمة. وفي المقابل، يواصل أداء بلدان مثل نيبال تدنيه رغم وفرة مواردها نسبياً، بسبب تشتت الحوكمة، وعدم إدارة الطلب، وقصور البنية التحتية.

وتعيد هذه النتائج التأكيد على تمييز جوهري: فالأمن المائي الاقتصادي لا يتعلق بالتوافر المطلق للمياه، بل بقدرة الاقتصاد على إدارة المياه وإيصالها على نحو مستدام لدعم القدرة على الصمود في ظروف متقلبة وأحياناً معاكسة.

وفي منطقة كثير من أنهارها الكبرى عابرة للحدود، تبرز نتائج 2025 الأهمية المتزايدة للتعاون الإقليمي. فالبلدان التي تتراجع درجاتها أو تركد يمكنها الاستفادة من التعلم من نظرائها المجاورين الذين حسّنوا أمنهم المائي من خلال إصلاح السياسات والاستثمار الاستراتيجي.

بالنسبة إلى البلدان ذات الدرجات المتوسطة، ولا سيما تلك التي تتشارك أحواض الأنهار أو تعتمد على التجارة العابرة للحدود في الغذاء والطاقة والسلع المرتبطة بالمياه، ثمة حوافز قوية للتعاون. فالجهود المشتركة في البنية التحتية المائية، وأنظمة الإنذار المبكر، وتبادل البيانات، وآليات توزيع المياه، ستكون ضرورية لتفادي الاضطرابات وبناء قدرة مشتركة على الصمود، وهو أمر وثيق الصلة بجنوب آسيا وآسيا الوسطى والغربية خصوصاً.

ويكشف تقييم هذا البعد أيضاً عن فرص لتبادل أعمق للمعرفة؛ فالبلدان ذات التقدم المحدود، الناجم غالباً عن التشتت المؤسسي أو فجوات البيانات، يمكنها التعلم من تلك التي تقدمت بفضل الابتكار والاستثمار وإصلاحات الحوكمة. ويمكن للمنصات الإقليمية ومنظمات أحواض الأنهار أن تؤدي دوراً محورياً في تيسير هذا التبادل وتعزيز مقاربات منسقة لإدارة المياه عبر الحدود والقطاعات.

الري الشامل يعزز الأمن المائي الاقتصادي في نيبال

يُعد الحصول المنصف على مياه الري أمراً أساسياً للأمن المائي الاقتصادي، ولا سيما في المناطق الريفية حيث كثيراً ما تُستبعد النساء من القرارات المتعلقة بالمياه. وفي نيبال، أعاد مشروع الري المجتمعي تأهيل 190 نظاماً يديره المزارعون في اثني عشر إقليماً، تخدم الآن نحو 16 ألف هكتار ويستفيد منها قرابة 160 ألف مزارع.

وركز المشروع تركيزاً قوياً على المساواة بين الجنسين؛ فمن خلال خطة عمل المساواة بين الجنسين والإدماج الاجتماعي، ارتفعت حصة النساء في جمعيات مستخدمي المياه إلى ما بين 25% و33%. وتلقت أكثر من أربعة آلاف امرأة تدريباً على جدولة توزيع المياه، وتحصيل الرسوم، وحفظ السجلات، والتشغيل الأساسي للأنظمة، وهي جميعها مهام كان يتولاها الرجال تقليدياً.

وجعلت المشاركة المتزايدة للنساء الري أكثر موثوقية، إذ حسّنت الشفافية، ورفعت تحصيل الرسوم، وساعدت على ضمان الصيانة في الوقت المناسب. ونتيجة لذلك، اتسعت تغطية الري وارتفعت كثافة المحاصيل بنسبة تتراوح بين 20% و30%، مما حسّن الأمن الغذائي ودخول الأسر. ورغم بقاء بعض العوائق الثقافية أمام تولي النساء مواقع القيادة، يبين المشروع أن التدريب الموجه والحوكمة المائية الشاملة قادران على تعزيز الأدوار الاقتصادية للنساء وتحسين أداء أنظمة المياه.

الاستفادة من طاقات الشباب لتعزيز إنتاجية المياه وكفاءتها

في مسعى تحقيق الأمن المائي الاقتصادي في آسيا والمحيط الهادئ، يمثل الشباب، الذين يشكلون أكثر من نصف سكان المنطقة، قوة هائلة لم تُستثمر بعد إلى حد بعيد. فإذا لم يُوعَّ شباب اليوم بالتحديات العاجلة والمترابطة في تأمين المياه للقطاعات الإنتاجية، فإن المنطقة تخاطر بمواجهة أزمة مزدوجة: شح الموارد ونقص القيادات في المستقبل.

فإنتاجية المياه وكفاءتها، أي تحقيق قيمة اقتصادية أكبر من كل قطرة، ليستا تحدياً فنياً فحسب، بل هما أيضاً تحدٍّ اجتماعي عميق تشكله الطريقة التي تُطبق بها السياسات على المستوى المحلي، وهنا تحديداً يتألق الشباب. ومع ذلك، لا تزال مشاركتهم في الأمن المائي الاقتصادي ضئيلة.

ولنتخيل مجموعة من طلاب التعليم المهني المتمكنين من التقنيات ينتشرون في المناطق المروية، لا بوصفهم متفرجين، بل مراقبين آنيين للكيفية التي تُستخدم بها أنظمة المياه فعلياً. فبفضل الأدوات المحمولة بين أيديهم، يسجلون الحالات الشاذة، ويتتبعون التسربات، ويبلغون عن كيفية ترجمة الخطط المائية إلى واقع ميداني. ولا تقتصر رؤاهم المحلية الدقيقة على سد فجوات البيانات، بل تزود فرق المشروعات بالمعلومات العملية اللازمة لضبط التنفيذ وتحسين النتائج.

وتعبئة الشباب بوصفهم مراقبين ومتواصلين وحلقات وصل ميدانية لا تكتفي بإغلاق حلقات التغذية الراجعة، بل تُنشئ رافداً من الكوادر المائية الماهرة المستعدة لقيادة أنظمة الغد. وفي هذا المشهد، لا تُعد مشاركة الشباب مجاملة، بل ترقية استراتيجية.

الخلاصة والنتائج

يكشف تقييم الأمن المائي الاقتصادي لعام 2025 عن تقدم واضح وإن كان متفاوتاً في أرجاء آسيا والمحيط الهادئ. فقد حسّنت معظم البلدان درجاتها منذ عام 2013، مما يعكس تنامي الاستثمار في البنية التحتية والحوكمة والخدمات المرتبطة بالمياه، غير أن وتيرة التقدم وعمقه يتفاوتان بين البلدان والقطاعات وفئات الدخل.

فقد حققت بعض البلدان من الشريحة العليا للدخل المتوسط، كالصين وماليزيا وتايلند وكازاخستان، مكاسب قوية عبر القطاعات، ولا سيما في إنتاجية المياه الصناعية وكفاءة الطاقة. وفي بلدان الشريحة الدنيا للدخل المتوسط كبنغلاديش والهند وفييت نام ونيبال، ارتبطت التحسينات بالاستثمارات في الري والكهرباء والإنتاجية الزراعية.

وفي المقابل، لا تزال بلدان كثيرة منخفضة الدخل ودول جزرية صغيرة نامية تواجه قيوداً جدية. فرغم أن بعض بلدان جزر المحيط الهادئ تُظهر تحسناً في درجاتها، فإن ذلك يعود غالباً إلى تحسن بيانات الطاقة لا إلى تغير هيكلي. وتبرز هذه الحالات الحاجة إلى دعم موجه يعزز المؤسسات، ويحسّن أنظمة البيانات، ويزيد فرص الحصول على التمويل المناخي.

وعلى مستوى المنطقة، يظل قطاع الاقتصاد العام أضعف مكونات هذا البعد، ولا سيما في الحوكمة والقدرة على الصمود أمام الجفاف. ويُظهر قطاعا الزراعة والطاقة أوضح المكاسب، بدعم من الاستثمارات في الاكتفاء الذاتي الغذائي والطاقة المتجددة. أما قطاع الصناعة فلا تزال نتائجه متباينة، مع اتساع الفجوات في البلدان التي يكون فيها التنويع محدوداً أو تظل إنتاجية المياه منخفضة.

وفي المستقبل، يمكن للبلدان تعزيز أمنها المائي الاقتصادي بالتركيز على بضعة مجالات حاسمة: الاستثمار في بنية تحتية مائية ذكية، تشمل التخزين صغير النطاق والحلول القائمة على الطبيعة التي تحسّن القدرة على الصمود أمام الجفاف وتقلل مخاطر الفيضانات؛ وتحسين أنظمة رصد المياه وبياناتها لدعم تخطيط شفاف وقائم على الأدلة في جميع القطاعات الاقتصادية؛ واعتماد تقنيات وممارسات موفرة للمياه في نظم الزراعة والصناعة والطاقة لزيادة الإنتاجية والحد من الهدر، مع تحسين أنظمة توزيع المياه؛ وضمان حوكمة مائية شاملة، باستثمارات تمكّن النساء والفئات المهمشة من المشاركة في صنع القرارات المتعلقة بالمياه.

ويؤكد تقرير 2025 أن الأمن المائي الاقتصادي لا يتعلق بكمية المياه التي يمتلكها البلد، بل بمدى فعالية إدارة المياه وحوكمتها واستخدامها لدعم النمو الاقتصادي المستدام. وفي نهاية المطاف، فإن بناء الأمن المائي الاقتصادي ليس تحدياً فنياً فحسب، بل هو تحدٍّ يتعلق بالحوكمة والسياسات، ويتطلب مواءمة إدارة المياه مع أهداف التنمية الوطنية واستراتيجيات التكيف المناخي وأولويات النمو الشامل.

البعد الرئيسي الثالث: الأمن المائي الحضري

البعد في سطور

يقيس البعد الرئيسي الثالث قدرة سكان المدن على الحصول على خدمات مياه وصرف صحي شاملة ومُدارة بأمان، مع تعرض منخفض لآثار الفيضانات والعواصف، والحفاظ على أمن مائي بيئي قوي. وخلافاً للبعد الأول الذي يقيس الأمن المائي الريفي، يركز هذا البعد على التصريف والإدارة البيئية، ويتضمن القدرة على تحمل التكاليف مؤشراً سردياً، بما يعكس التحديات الخاصة بالبنية التحتية والحوكمة والمناخ في البيئات الحضرية. وتشمل مؤشراته: إمدادات المياه، والصرف الصحي، والتصريف، والبيئة.

وقد تحسن الأمن المائي الحضري في معظم أرجاء آسيا والمحيط الهادئ منذ عام 2013، وكانت المكاسب أقوى في شرق آسيا وجنوبها وجنوب شرقها، مدفوعة بالاستثمارات في البنية التحتية لإمدادات المياه والصرف الصحي، وإصلاحات السياسات، وتزايد الإبلاغ عن الخدمات المُدارة بأمان. أما أداء التصريف فيُظهر اتجاهات متباينة، إذ أدت المخاطر الناجمة عن تغير المناخ، كارتفاع مستوى سطح البحر والعواصف، إلى تآكل الدرجات في البلدان الهشة.

وسُجلت أكبر المكاسب، أي أربع نقاط فأكثر، في ثمانية بلدان حسّنت فيها الاستثمارات الموجهة في البنية التحتية الحضرية وتوسيع الخدمات إمداداتِ المياه والصرف الصحي معاً. وحققت جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية وكمبوديا أقوى المكاسب في هذا البعد بين عامي 2013 و2025، إذ تحسنت لاو بمقدار 9.2 نقاط من عشرين، وكمبوديا بمقدار 8.3 نقاط، تلتهما تيمور الشرقية بمقدار 6.3 نقاط، ثم أذربيجان وساموا بمقدار 5.4 نقاط لكل منهما. وقد رفع البلدان الأولان تعرفة المياه، في إشارة إلى التحرك نحو نماذج أكثر استدامة لاسترداد التكاليف. وفي كمبوديا، تدعم الأسر الحضرية الأكثر ثراءً المجتمعات الأفقر دعماً متبادلاً، كما يبين التقييم القُطري. وقد دعمت هذه التعرفة المستدامة حلولاً فنية مصممة وفق الاحتياجات، وتوسيع التغطية، وتحسين جودة الخدمات.

وحقق تسعة عشر بلداً مكاسب متوسطة تراوحت بين نقطة و3.9 نقاط، بفضل تحسينات تدريجية في موثوقية الخدمات وإصلاحات في السياسات. ولم تُسجل مكاسب أصغر، بين 0.1 و0.9 نقطة، إلا في بلدين. ففي كثير من الاقتصادات المتقدمة، تكون أنظمة المياه الحضرية متطورة جداً أصلاً، فيعتمد مزيد التقدم على الابتكار وبناء القدرة على الصمود المناخي لا على توسيع البنية التحتية. وفي المقابل، تواجه عدة دول جزرية صغيرة ومحدودة الموارد، ولا سيما في المحيط الهادئ كنيوي وجزر كوك، تحسناً أبطأ بسبب العزلة الجغرافية وارتفاع التكاليف ومحدودية وفورات الحجم. فضلاً عن ذلك، شهدت عدة دول جزرية في المحيط الهادئ ركوداً أو تراجعاً في درجات إمدادات المياه، يعود أساساً إلى محدودية القدرة المالية وارتفاع تكاليف البنية التحتية والتعرض للظواهر الجوية المتطرفة.

النتائج والتوصيات

تُظهر درجات التصريف اتجاهات متباينة؛ فقد شهدت بلدان كثيرة تراجعاً، ولا سيما تلك المعرضة لمخاطر ناجمة عن تغير المناخ كارتفاع مستوى سطح البحر والعواصف، التي قد تفوق قدرة أنظمة التصريف القائمة وتؤدي إلى فيضانات وانقطاعات أكثر تواتراً في الخدمات. في حين أحرزت بلدان أخرى، كتلك التي تنفذ خطط المدن الذكية أو مشروعات المدن الإسفنجية، تقدماً بالاستثمار في بنية تحتية قادرة على الصمود أمام تغير المناخ وفي استراتيجيات وطنية للتصريف. وتبين هذه الأمثلة أن الحوكمة الفعالة والتخطيط الموجه قادران على الحد من المخاطر المستقبلية.

ويتطلب تحسين الأمن المائي الحضري استراتيجيات استشرافية؛ فالنمو السكاني السريع وتزايد مخاطر الكوارث وارتفاع تكاليف الطاقة تفرض ضغوطاً جديدة على أنظمة المياه. ويمكن للاستثمار في التقنيات الموفرة للطاقة، وإعادة استخدام المياه، والحلول اللامركزية كحصاد مياه الأمطار أو مياه العواصف، أن يسهم في خفض التكاليف وبناء القدرة على الصمود. ويكتسب تحديث البنية التحتية للتصريف أهمية خاصة للحد من مخاطر الفيضانات مستقبلاً وحماية خدمات المياه الحضرية.

وينبغي أن تعطي الاستثمارات الأولوية لدعم متكامل للأمن المائي الحضري، يشمل بنية تحتية وخدمات شاملة وقادرة على الصمود أمام تغير المناخ، وإصلاح السياسات، والمساعدة الفنية. ويلزم إيلاء اهتمام خاص للدول الجزرية في المحيط الهادئ، حيث تراجعت درجات إمدادات المياه واستمرت فجوات البيانات، مع تركيز الجهود على تحسين موثوقية الخدمات الأساسية وبناء القدرات المحلية في الرصد والتخطيط.

وثمة هوة بين البلدان القادرة على تقديم خدمات موثوقة وميسورة التكلفة، وتلك العالقة في حلقات من نقص الاستثمار. وحيث تلزم إصلاحات التعرفة لتعزيز الاستدامة المالية، تواجه الحكومات مهمة عسيرة تتمثل في حماية الأسر الهشة من الإقصاء. ويبدو أن انخفاض التعرفة في فيجي حدّ من قدرة المرفق على تمويل توسع مستدام في الخدمات، مما جعلها البلد الوحيد في التقرير الذي شهد تراجعاً في الصرف الصحي الحضري، وأشد انخفاض في الأمن المائي الحضري خارج الاقتصادات المتقدمة.

مقدمة

يُعرَّف البعد الرئيسي الثالث بأنه مدى توفير البلدان لخدمات مياه وصرف صحي وتصريف مُدارة بأمان وشاملة لمجتمعاتها الحضرية، مع الحفاظ على الأمن المائي البيئي.

ويمثل الأمن المائي الحضري أولوية متنامية في أرجاء آسيا والمحيط الهادئ. فحتى عام 2024، كان 55% من سكان العالم يعيشون في المناطق الحضرية، ويُتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 68% بحلول عام 2050. وتتحضر مدن شرق آسيا والمحيط الهادئ بسرعة، إذ بلغ متوسط نمو سكان المدن 1.8% سنوياً بين عامي 2017 و2023.

وتختلف اتجاهات التحضر في بلدان جزر المحيط الهادئ من حيث الحجم لا من حيث الأهمية؛ فمعدل التحضر الأساسي في المنطقة أدنى، إذ يبلغ 21% إجمالاً أو 41% عند استبعاد بابوا غينيا الجديدة، غير أن بلداناً كثيرة تتحضر بسرعة. وفي كلا السياقين، يُعد تقديم خدمات مياه آمنة ومستدامة وقادرة على الصمود أمراً أساسياً لبناء مدن منتجة وصالحة للعيش.

ويفرض تزايد سكان المدن، والتقلبات المناخية، ومحدودية قدرة البنية التحتية ضغوطاً متصاعدة على أنظمة المياه الحضرية، فإمدادات المياه والصرف الصحي والتصريف جميعها تحت الضغط. ومن دون تحرك في الوقت المناسب، ستتعمق تحديات الأمن المائي الحضري التي تواجهها آسيا والمحيط الهادئ.

التحديات المستمرة عبر المؤشرات الأربعة للأمن المائي الحضري

رغم الاستثمارات الكبيرة في البنية التحتية، يبين تقرير 2025 أن فجوات الأمن المائي الحضري قائمة في جميع فئات الدخل. إذ يكشف تحليل جديد أن أكثر من ثلث البلدان تسجل درجات دون المرحلة القادرة في هذا البعد، أي أن جزءاً على الأقل من سكانها الحضريين يفتقر إلى خدمات موثوقة أو آمنة. ويشمل ذلك عدة بلدان من الشريحة العليا للدخل المتوسط توجد فيها البنية التحتية لكن جودة الخدمات تظل متذبذبة. وتؤكد هذه النتائج أن السياسات القوية والحوكمة والابتكار قادرة على صون مستويات عالية من الأمن المائي الحضري حتى في البيئات منخفضة الدخل، كما تبين أن البنية التحتية وحدها لا تسد الفجوة. وتُستكشف هذه التحديات عبر أربعة مؤشرات: إمدادات المياه، والصرف الصحي، والتصريف، والبيئة.

إمدادات المياه

لا يزال الحصول على مياه الشرب المُدارة بأمان متفاوتاً. فقد كان أقل من 80% من سكان المدن يستخدمون خدمات مياه شرب مُدارة بأمان في 36% من بلدان منطقة آسيا والمحيط الهادئ. وتقل التغطية عن 30% في كيريباتي، حيث يفتقر 39 ألف شخص إلى مياه شرب مُدارة بأمان، وفي جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية حيث يفتقر إليها 5.3 ملايين شخص، وفي نيبال حيث يفتقر إليها 21.5 مليون شخص. وفي حالات كثيرة، توقف التقدم بفعل النمو السكاني السريع والكوارث المناخية والنزاعات التي تفرض ضغوطاً إضافية على أنظمة المياه، وسيتطلب عكس هذه الاتجاهات التزاماً سياسياً قوياً واستثماراً مستداماً من شركاء التنمية.

الصرف الصحي

يتأخر الحصول على خدمات الصرف الصحي المُدارة بأمان أيضاً، إذ كانت التغطية الحضرية بهذه الخدمات أقل من 80% في 64% من البلدان. ورغم التقدم المحرز منذ عام 2015، ولا سيما في آسيا الوسطى والغربية وجنوب آسيا وجنوب شرقها، فإن الوتيرة لا تزال أبطأ من أن تلبي الطلب. ويظل توسيع شبكات الصرف المركزية، وتحسين جودة الخدمات، وضمان الإنصاف أولويات رئيسية.

التصريف

تمثل الفيضانات الحضرية خطراً متصاعداً، ولا سيما في الأجزاء سريعة التحضر من جنوب شرق آسيا كإندونيسيا وميانمار والفلبين، حيث تراجع مؤشر التصريف منذ عام 2013. ففي مدن كثيرة، تجاوز التوسع العمراني غير الرسمي وتيرة تطوير البنية التحتية، تاركاً أحياءً بلا تصريف كافٍ وأكثر عرضة لأضرار الفيضانات. ومنذ عام 1985، توسعت المستوطنات الواقعة في مناطق عالية الخطورة من الفيضانات في شرق آسيا بوتيرة أسرع بنسبة 60% من تلك الواقعة في مناطق أكثر أماناً، مما يؤكد تزايد هشاشة المناطق الحضرية.

البيئة وتغير المناخ

تواجه آسيا والمحيط الهادئ ضغوطاً بيئية حرجة؛ فتسعة من أكثر عشرة أنهار تلوثاً في العالم تقع في المنطقة، ومن أبرز مصادر التلوث مياه الصرف غير المعالجة، والجريان السطحي الزراعي، والنفايات الصناعية. ويُعد التعاون العابر للحدود ضرورياً لحماية الأنهار المشتركة، والحد من شح المياه، والحفاظ على الاستقرار البيئي والسياسي. ويزيد تغير المناخ حدة هذه المخاطر؛ فارتفاع مستوى سطح البحر يهدد مدناً ساحلية كثيرة، ولا سيما في المحيط الهادئ، كما تؤدي التغيرات في أنماط هطول الأمطار إلى فيضانات وموجات جفاف أكثر تواتراً. فبين سبعينيات القرن الماضي والعقد الثاني من القرن الحالي، تضاعف عدد الفيضانات في آسيا خمس مرات، وتضاعفت موجات الجفاف بأكثر من مرتين. وستختبر هذه الضغوط قدرة أنظمة المياه الحضرية على الصمود في السنوات المقبلة.

المؤشر السردي: القدرة على تحمل التكاليف

خدمات المياه ميسورة التكلفة نسبياً، لكن علاقتها بالأمن المائي الحضري معقدة؛ فانخفاض تعرفة المياه لا يعني دائماً نتائج أفضل، إذ قد يؤدي انخفاضها المفرط إلى تراجع الصيانة وتوسيع الخدمات وإلى نقص الاستثمار في البنية التحتية.

ويصف المؤشر السردي للقدرة على تحمل التكاليف في تقرير 2025 التكاليف التي تتحملها الأسر، لا الاستدامة المالية للخدمات. ويقيّم هذا النهج هياكل التعرفة في مدن منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مقدّراً ما تدفعه الأسر بوصفه حصة من إنفاقها لاستهلاك 15 كيلولتراً شهرياً. غير أنه لا توجد مجموعة بيانات شاملة تبين ما إذا كانت المرافق تسترد إيرادات كافية لتمويل التشغيل والصيانة والاستثمار المستقبلي. ولذلك لا يستطيع المؤشر أن يؤكد ما إذا كانت التعرفة مستدامة أم منخفضة أكثر من اللازم، وهو ما قد يترك البنية التحتية بلا تمويل كافٍ ويعرّض الأمن المائي الحضري للخطر. وبسبب هذه التحديات، لا يُستخدم مؤشراً أساسياً ولا يسهم في درجة هذا البعد، بل يُحتفظ به مؤشراً سردياً يدعم تفسير النتائج.

المنهجية

يحسّن تقييم 2025 منهجية 2020 في جميع مؤشرات الأمن المائي الحضري، من خلال تنقيح الأوزان واستخدام مصادر بيانات محدثة لتعزيز قابلية المقارنة والدقة. وتتضمن منهجية هذا البعد مؤشرين أساسيين هما إمدادات المياه والصرف الصحي، ومؤشرين ثانويين هما التصريف والبيئة، ومؤشراً سردياً واحداً هو القدرة على تحمل التكاليف.

فمؤشر إمدادات المياه يستند إلى سلالم خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية التابعة لبرنامج الرصد المشترك، ويقيّم الحصول على الخدمات المُدارة بأمان والأساسية والمحدودة. وتعدّل منهجية 2025 الأوزان لتعكس توافر البيانات على نحو أفضل وتتجنب معاقبة البلدان ذات البيانات المحدودة عن الخدمات المُدارة بأمان. وتُحتسب الدرجات بترجيح مستويات الخدمة التي يحصل عليها سكان المدن، ثم تُصنف في نطاقات تتحول إلى درجات للمؤشر.

ويستخدم مؤشر الصرف الصحي، على غرار مؤشر إمدادات المياه، سلالم برنامج الرصد المشترك لتقييم الحصول على الصرف الصحي المُدار بأمان، ويأخذ في الحسبان عوامل كموقع المرافق والتخلص الآمن والمعالجة. ومثل المؤشر السابق، تعدّل منهجية 2025 النطاقات والأوزان لتعكس الحد الأدنى من مستويات الخدمة على نحو أفضل وتحسّن قابلية المقارنة بين البلدان.

ويقدّر مؤشر التصريف مدى حماية سكان المدن من الفيضانات، ويستند إلى مؤشرين من قاعدة بيانات الأحداث الطارئة: نسبة السكان المتضررين من الفيضانات، ومدة الأحداث على مدى خمسة عشر عاماً. ويُجمع المؤشران ويُعاد قياسهما لتوليد درجة لأداء التصريف، وتدل القيم الأعلى على نتائج تصريف أسوأ. ورغم أن المنهجية تستخدم أفضل البيانات المتاحة، تظل هناك قيود بسبب ثغرات الإبلاغ عن الكوارث وتعقيد ديناميكيات الفيضانات.

ويتوافق مؤشر البيئة مع البعد الرابع، إذ يستخدم درجة ذلك البعد مصدراً لبياناته، ومن ثم فهو يأخذ في الحسبان التلوث في البيئات الحضرية، ويشمل متغيرات كجودة مياه الأنهار والتعرض للمخاطر المناخية وهشاشة السواحل.

أما المؤشر السردي فيتناول نسبة إنفاق الأسر على خدمات المياه، أي إمدادات المياه والصرف الصحي معاً، مستخدماً افتراضات مرجعية للاستهلاك وبيانات الإنفاق الأسري الوطنية. وكما سبق بيانه، فإن القدرة على تحمل التكاليف عنصر مهم في هذا البعد، لكن نظراً لأن ارتفاعها ليس دائماً أمراً إيجابياً للأمن المائي الحضري، فإنها لا تدخل في احتساب درجته.

ويسهم كل مؤشر من المؤشرات الأربعة في مجموع أقصاه 12 نقطة، يُعاد قياسه إلى درجة من عشرين. وبالنسبة إلى البلدان التي تنقصها بيانات مؤشر أو أكثر، يُعاد القياس انطلاقاً من الحد الأقصى الممكن من النقاط، فإذا غاب مؤشر واحد مثلاً يصبح الحد الأقصى 11 نقطة، ثم تُصنف الدرجة في مرحلة من مراحل الأمن المائي. ولا تُحتسب درجات هذا البعد إذا توفر أقل من ثلاثة مؤشرات.

ففي المرحلة النموذجية، التي تتجاوز درجتها 18.5، يكون الأمن المائي الحضري مرتفعاً جداً، إذ يحصل سكان المدن على مياه وصرف صحي شاملين ومُدارين بأمان، مع آثار منخفضة للفيضانات والعواصف وأداء بيئي قوي. وفي المرحلة الفعّالة، يكون الأمن المائي الحضري مرتفعاً، ويحصل معظم الناس على الخدمات الأساسية على الأقل، وتكون مخاطر الفيضانات منخفضة والأمن البيئي قوياً. وفي المرحلة القادرة، يكون الأمن المائي الحضري متوسطاً، والخدمات شاملة وأساسية عموماً، مع مخاطر فيضانات وضغوط بيئية يمكن التحكم فيها، وقد يسجل أحد المؤشرات درجة ضعيفة. وفي المرحلة المنخرطة، يكون الأمن المائي الحضري منخفضاً، ويواجه سكان المدن تحديات في الخدمات أو في الحصول عليها، ويتعرضون لآثار فيضانات ومخاطر بيئية متوسطة إلى مرتفعة. أما في المرحلة الناشئة، فيكون الأمن المائي الحضري منخفضاً جداً، وكثيراً ما تكون الخدمات غير متاحة أو غير موجودة، وتكون آثار الفيضانات مرتفعة والظروف البيئية سيئة.

النتائج والمناقشة

يتحسن الأمن المائي الحضري في أرجاء آسيا والمحيط الهادئ، لكن التفاوتات الإقليمية لا تزال قائمة. فشرق آسيا يسجل أعلى الدرجات، بينما تُظهر آسيا الوسطى والغربية وجنوب آسيا وجنوب شرقها مستويات متوسطة، ويسجل المحيط الهادئ أدنى الدرجات إجمالاً. ولا تزال المناطق الحضرية في بلدان مثل كيريباتي وجزر مارشال وجزر سليمان وبابوا غينيا الجديدة من أشد المناطق افتقاراً إلى الأمن المائي.

وقد تحسن الأمن المائي الحضري في معظم البلدان، وإن ظلت هناك انتكاسات في مناطق بعينها. فخلال الأعوام الاثني عشر الماضية، رفعت بلدان كثيرة في جنوب شرق آسيا وجنوب آسيا وأجزاء من آسيا الوسطى والغربية درجاتها، مما يبين أن التقدم السريع ممكن. أما التراجعات فهي أقل شيوعاً، وقد حدثت أساساً في المحيط الهادئ، بما في ذلك جزر سليمان وفانواتو وجزر مارشال وتوفالو وبالاو وفيجي، وكانت أرمينيا الحالة الوحيدة الأخرى. وكثيراً ما تعكس هذه التراجعات تقادم البنية التحتية، وتراجع الاستثمار، وآثار الجفاف أو الظواهر الجوية المتطرفة على موثوقية الخدمات.

وقد تمكنت اقتصادات كثيرة من تحسين جوانب متعددة من الأمن المائي الحضري بالتوازي، لكن التقدم لم يكن دائماً متساوياً عبر المؤشرات. فحتى جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية، صاحبة أكبر التحسينات في هذا البعد، لم ترفع درجاتها في جميع المؤشرات، بل تراجعت في التصريف.

وبينما يدعم ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي عموماً تحسن الأمن المائي، فإنه ليس العامل الوحيد في تشكيل النتائج. فالمقارنة بين درجات هذا البعد ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي تبين أن بعض البلدان منخفضة الدخل تحقق مستويات مرتفعة من الأمن المائي الحضري. وضمن نطاق الدخل بين 5,000 و10,000 دولار، تتفاوت الدرجات تفاوتاً واسعاً بين 7.9 و19.2 من عشرين؛ فتونغا مثلاً تمتلك نصيباً منخفضاً نسبياً من الناتج المحلي الإجمالي للفرد لكنها تسجل 17.1، بينما يبلغ دخل ناورو مرتين ونصفاً من ذلك وتسجل 10.5 فقط. وتبرز هذه الفروق دور السياسات الفعالة والتخطيط والقدرات المؤسسية إلى جانب الظروف المالية والبيئية.

الاتجاهات عبر المؤشرات

تحسنت إمدادات المياه أو ظلت مستقرة في جميع البلدان، ولا سيما في جنوب شرق آسيا. فقد رفعت جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية وتيمور الشرقية درجتيهما بثلاث نقاط، مما يعكس تحركاً وطنياً استراتيجياً شمل توسيع شبكات المياه بالأنابيب، وتحسين قدرات المعالجة، وتعزيز إدارة المرافق. وفي المحيط الهادئ، ظل الأداء راكداً في معظم أنحاء المنطقة، حيث تواجه الدول الجزرية الصغيرة تحديات في تقديم الخدمات ترتبط بالقيود البيئية، كمحدودية توافر المياه العذبة، وبارتفاع تكاليف البنية التحتية. وتحسنت ساموا تحسناً حاداً بثلاث نقاط من خمس، وإن كانت النتيجة قد تعكس عدم يقين في البيانات أكثر من تحديثات مؤكدة في البنية التحتية.

وتعززت خدمات الصرف الصحي في معظم المناطق، لكن التقدم في المحيط الهادئ كان محدوداً. فقد سجلت شرق آسيا وجنوبها وجنوب شرقها بلداناً متعددة ارتفعت درجاتها بنقطتين أو أكثر، دون أن يشهد أي منها تراجعاً. وفي المقابل، جاء أداء المحيط الهادئ ضعيفاً، إذ لم تتحسن سوى ولايات ميكرونيزيا الموحدة، بينما كانت فيجي البلد الوحيد في التقرير الذي سجل تراجعاً في الصرف الصحي الحضري. وقد يعكس تراجع فيجي انخفاض التعرفة الشديد، الذي يحد من قدرة المرفق على جمع الأموال اللازمة لتوسع مستدام في الخدمات.

وتراجعت درجات التصريف في اثني عشر اقتصاداً، منها إندونيسيا وميانمار وكيريباتي وفانواتو وتوفالو، ويعود ذلك أساساً إلى عواصف أكثر تواتراً وشدة تفوق قدرة الأنظمة. وتحسنت ستة اقتصادات هي أذربيجان وتايبيه الصينية وسنغافورة وجمهورية كوريا وتايلند وجورجيا، وسجلت تايبيه الصينية أبرز تحسن بفضل الاستثمار المتواصل في السيطرة على الفيضانات وشبكات مياه العواصف والتصميم الحضري القادر على الصمود أمام تغير المناخ.

ولم يشهد الأمن المائي البيئي تغيراً يُذكر في أرجاء المنطقة؛ فقد سجلت معظم الاقتصادات درجات بين 0.5 و0.75 من واحد، مما يدل على امتثال جزئي لمتطلبات التدفقات البيئية مع قصور في حماية النظم البيئية، ولا سيما في المناطق الحضرية. وجاءت تغيرات الدرجات صغيرة في حدود ربع نقطة صعوداً أو هبوطاً. وحققت أستراليا وساموا أعلى الدرجات، مما يعكس إدارة وإنفاذاً أقوى في مجال المياه البيئية، بينما سجلت أفغانستان ونيوي وتوفالو وجزر مارشال أدنى الدرجات بسبب ضعف أنظمة الإدارة ومحدودية إنفاذ المعايير البيئية.

آسيا الوسطى والغربية

ظلت درجات إمدادات المياه في آسيا الوسطى والغربية مستقرة إلى حد كبير، مع بعض المكاسب اللافتة. فقد حافظت معظم بلدان المنطقة، ومنها أرمينيا وجورجيا وكازاخستان وجمهورية قيرغيزستان وتركمانستان وأوزبكستان، على درجة 5 منذ عام 2013، بينما تقدمت أذربيجان من 4 إلى 5. وحسّنت طاجيكستان درجتها في إمدادات المياه من 3 إلى 4 بين عامي 2020 و2025، في أعقاب زيادة ملحوظة في تعرفة المياه في دوشنبه. أما باكستان فظلت عند مستويات أدنى بسبب تقادم البنية التحتية واستمرار فجوات الخدمة.

وواصلت خدمات الصرف الصحي تحسنها في أرجاء المنطقة؛ فقد تقدمت تركيا من 4 إلى 5، وبلغت مستوى الصرف الصحي الحضري المُدار بأمان. كما تحسنت جورجيا وتركمانستان وأذربيجان، منتقلة من 3 إلى 4 أو 5، مما يعكس توسعات كبيرة في شبكات الصرف ومرافق المعالجة. وارتفعت باكستان من 1 إلى 2، في إشارة إلى تقدم لكن من قاعدة متدنية جداً.

وتفاوت أداء التصريف؛ فقد حسّنت تركيا التصريف من خلال استثمارات المدن الذكية، ودعم مشروع المدينة البيضاء في باكو تحقيق مكاسب في البنية التحتية في أذربيجان. ويرتبط تراجع أرمينيا بتزايد العواصف وتأخر الاستثمار في البنية التحتية بسبب النزاع، في حين كشف فيضان تبليسي عام 2015 عن مواطن ضعف حرجة في جورجيا. وظلت درجة التصريف في باكستان عند أدنى مستوى ممكن بسبب سوء التخطيط ومحدودية الاستثمار وتحويل استخدامات الأراضي.

ولم تشهد درجة البيئة تغيراً إلا في طاجيكستان، التي تراجعت بمقدار ربع نقطة، مما يعكس تراجع حماية التدفقات البيئية وضعف إنفاذ معايير جودة المياه الحضرية.

شرق آسيا

أظهرت شرق آسيا نتائج مرتفعة أو متحسنة في إمدادات المياه والصرف الصحي. فقد تحسنت الصين بنقطتين في الصرف الصحي بفضل استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وإصلاحات وطنية كثورة المراحيض، وتعزيز الرصد، كما تحسنت منغوليا في إمدادات المياه والصرف الصحي معاً.

ولا تزال درجة التصريف في الصين منخفضة لكنها تتحسن بفضل مشروع المدن الإسفنجية الذي أُطلق عام 2015، وهو مبادرة وطنية تهدف إلى ضمان أن تمتص 80% من المناطق الحضرية 70% من مياه الأمطار بحلول عام 2030. وقد أدت الاستثمارات إلى زيادة أطوال الأنابيب والفصل بين أنظمة الصرف الصحي وأنظمة مياه العواصف. وظلت درجات مؤشر البيئة دون تغيير.

المحيط الهادئ

ظلت إمدادات المياه راكدة في معظم بلدان المحيط الهادئ، مما يعكس تحديات هيكلية عميقة؛ فآثار الكوارث وتزايد سكان المدن وعقود من نقص الاستثمار في أنظمة المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية حدّت من التقدم. ففي جزر مارشال، يواصل التعرض الشديد لتغير المناخ والمخاطر الطبيعية إرباك الخدمات. وفي ناورو، أدى الإهمال الطويل للبنية التحتية المائية إلى أنظمة هشة معرضة للأعطال. وسجلت فيجي وكيريباتي وتونغا زيادات متواضعة بنقطة واحدة، بينما حققت ساموا أكبر تحسن في المنطقة بارتفاع قدره ثلاث نقاط.

وظل أداء الصرف الصحي مستقراً إلى حد كبير، وإن شهدت عدة بلدان تغيرات لافتة. فقد تحسنت ولايات ميكرونيزيا الموحدة من 1 إلى 3، مما يعكس مكاسب في التغطية وجودة الخدمة. وفي المقابل، ظلت فانواتو عند 1 لكن درجتها الأساسية تراجعت تراجعاً حاداً، بفعل نمو المستوطنات غير الرسمية في بورت فيلا ولوغانفيل، وأضرار البنية التحتية الناجمة عن الزلازل وتسرب المياه المالحة. وتبرز هذه التحولات الحاجة الملحة إلى بناء أنظمة صرف صحي قادرة على الصمود أمام تغير المناخ، خاصة في ظل اعتماد المنطقة على المرافق الموقعية الجافة والمائية. كما يظل تعزيز أطر السياسات الشاملة، ولا سيما للأشخاص ذوي الإعاقة، أولوية. وتشير الأبحاث في فانواتو إلى فرص لتحسين النتائج من خلال تعزيز مشاركة المجتمع المدني، ومعالجة نقص الكوادر في الوزارات، وإعلاء مكانة النظافة الصحية في السياسات والتخطيط. وتراجعت درجة الصرف الصحي في فيجي أيضاً بنقطة واحدة، وقد يعكس ذلك انخفاض التعرفة الشديد والقيود الهيكلية، إذ لا تحتفظ هيئة المياه في فيجي بإيرادات توصيل المياه، مما يحد من قدرتها على التوسع المستدام في الخدمات رغم انخفاض التكاليف، ويبرز أن تعديل التعرفة وحده لا يكفي ما لم تقترن به إصلاحات هيكلية تعزز الاستقلال المالي للهيئة.

وتراجعت درجات التصريف في ستة بلدان من المحيط الهادئ هي فيجي وجزر مارشال وبالاو وتونغا وتوفالو وفانواتو، مما يعكس تزايد مخاطر العواصف والفيضانات الساحلية الناجمة عن ارتفاع مستوى سطح البحر. وقد انتشر استخدام الجدران البحرية على نطاق واسع، لكنها مكلفة وتتطلب تحديثات مستمرة، أما الخيارات الأكثر استدامة كاستصلاح الأراضي فهي ممكنة لكنها باهظة الكلفة ومحفوفة بمخاطر بيئية.

وحسّنت ساموا وتونغا درجة البيئة بمقدار ربع نقطة، مما يعكس تعزيز تدابير حماية السواحل ومستجمعات المياه، بما في ذلك مشروعات استعادة أشجار المانغروف وخطط الإدارة المتكاملة لمستجمعات المياه التي تدعم أيضاً القدرة على الصمود المناخي. وتراجعت فيجي وجزر سليمان بمقدار ربع نقطة، ويعود ذلك أساساً إلى تزايد الضغط على مصادر المياه الطبيعية بفعل التوسع العمراني، والترسبات الناجمة عن قطع الأشجار، والأحداث المناخية كالأعاصير المدارية التي ألحقت أضراراً بالمناطق المشاطئة ومستجمعات المياه.

جنوب آسيا

سجلت بلدان جنوب آسيا تحسينات مطردة في إمدادات المياه والصرف الصحي، باستثناء واحد. فقد رفعت جميع بلدان المنطقة درجاتها عدا ملديف التي ظلت مستقرة. وحسّنت كل من الهند وبوتان وبنغلاديش درجتها في إمدادات المياه بنقطة واحدة، بينما لم تتغير درجات البقية.

وحققت الهند أكبر تقدم في الصرف الصحي، منتقلة من 1 إلى 3، ويُعزى هذا التحول إلى حد كبير إلى بعثة الهند النظيفة التي أُطلقت عام 2014، وركزت على القضاء على التغوط في العراء من خلال بناء المراحيض على نطاق واسع وحملات تغيير السلوك. كما تضمن بعثة أتال للتجديد والتحول الحضري، التي أُطلقت عام 2015، توفير شبكات صرف صحي كافية.

ولم يشهد التصريف في جنوب آسيا تغيراً يُذكر بين عامي 2013 و2025، إذ لم تتغير درجات التصريف في معظم البلدان خلال هذه الفترة. وحافظت ملديف على درجة 1 طوال الفترة، كما سجلت بوتان درجة 1، غير أن نتيجة بوتان تعكس غياب بيانات قاعدة الأحداث الطارئة عن عدد المتضررين، مما يخلق تبايناً بين الدرجة والظروف الفعلية على الأرض. وفي المقابل، واصلت بنغلاديش والهند وسري لانكا تسجيل درجة صفر، مما يدل على تقدم ضئيل أو معدوم في البنية التحتية للتصريف خلال العقد الماضي. ولم تتغير درجة البيئة في أرجاء جنوب آسيا.

بناء الأمن المائي الحضري عبر القيادة الشبابية

لا يزال الأمن المائي تحدياً ملحاً في مدن كثيرة بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ، إذ كان 453 مليون شخص يفتقرون إلى مياه شرب مُدارة بأمان، و766 مليوناً يفتقرون إلى صرف صحي آمن عام 2022، مما يبرز الحاجة الملحة إلى حلول أكثر شمولاً واستدامة لتسريع التحول في الأمن المائي الحضري. وتضم المنطقة 60% من شباب العالم، مما يمنحها إمكانات غير مستثمرة لتسريع التغيير التحويلي. ومع ذلك، كثيراً ما يُستبعد الشباب من عمليات صنع القرار، مع محدودية حصولهم على القدرات الفنية والموارد والمنصات.

وقد طبق برنامج "المياه رافعةً" مبدأ الشمول من البداية إلى النهاية على امتداد دورة المشروع، فوضع استراتيجية للإدماج الاجتماعي للشباب والنساء والمجتمعات الهشة، تشمل تحديد العوائق، وتصميم إجراءات ملائمة، وتعزيز القدرات، والرصد من خلال معايير للإدماج. وفي مدينة تشيناي الهندية، أشركت مبادرة "مدينة الألف خزان" الشباب والأطفال إشراكاً فعلياً عبر جلسات توليد الأفكار والبرامج التدريبية وورش العمل. كما نفذت مشروعاً تجريبياً للتوازن المائي، يمثل نموذجاً للإدارة المستدامة للمياه على مستوى المدينة وللحلول القائمة على الطبيعة، ويبني في الوقت ذاته القدرات ويرفع وعي أصحاب المصلحة بمن فيهم الشباب.

ويبين هذا المثال أن الشباب قادرون على تقديم إسهامات حقيقية في الأمن المائي الحضري متى توفرت البيئة الداعمة. ويتطلب تعميم مشاركة الشباب أهدافاً ومؤشرات مخصصة، مدعومة بتفويضات سياساتية من الحكومات والجهات المانحة، إلى جانب الحصول على الموارد والتمويل والمنصات التي ترعى الابتكار. ويحتاج الشباب إلى بناء مستدام لقدراتهم من خلال التعليم والتعلم من الأقران والتدريب المصمم لقضايا المياه الحضرية، كما يمكنهم الإسهام عبر البحث وجمع البيانات وتطوير التقنيات.

فالمشاركة الحقيقية للشباب تعزز ملاءمة المشروعات، وانخراط المجتمعات، والاستدامة، وتسرّع التحول في الأمن المائي الحضري. ويتعين على الحكومات وصانعي القرار إشراك الشباب في اللوائح والسياسات والاستراتيجيات وأجندات الاستثمار، من خلال تحديد تفويضات واضحة، واستحداث أدوار استشارية، وإدماج مؤشرات خاصة بالشباب في أنظمة الرصد، وضمان الموارد اللازمة للمبادرات التي يقودونها.

جنوب شرق آسيا

عززت معظم بلدان جنوب شرق آسيا أمنها المائي الحضري، وحقق بعضها مكاسب كبيرة. فقد ارتفعت تيمور الشرقية وجمهورية لاو الديمقراطية الشعبية بثلاث نقاط في إمدادات المياه، بدعم من الاستثمار الدولي، والأولوية الوطنية، وتوسيع التغطية بالأنابيب، وتحسين أداء المرافق، فضلاً عن زيادة تعرفة المياه في فيينتيان في حالة لاو. وتحسنت كمبوديا وميانمار بنقطتين لكل منهما من خلال التحديثات وتوسيع شبكات الإمداد، كما ارتفعت إندونيسيا والفلبين بنقطة واحدة، مما يعكس اتساع الحصول على الخدمات الأساسية على الأقل.

وتقدمت تغطية الصرف الصحي أيضاً، وجاء أقوى تقدم في كمبوديا ولاو، إذ تحسن كل منهما بثلاث نقاط بفضل اللامركزية المالية، وإصلاح الإدارة دون الوطنية، والاستثمار الخارجي في الصرف الصحي. كما سجلت إندونيسيا والفلبين وتيمور الشرقية وفييت نام تحسينات في درجات الصرف الصحي.

وجاءت نتائج التصريف متباينة؛ فقد ارتفعت درجة فييت نام من صفر إلى ربع نقطة، بدعم من التحديثات في مدينة هو تشي منه والمشروعات الحضرية القادرة على الصمود أمام تغير المناخ، بما فيها مبادرات المدن الذكية. وحسّنت كمبوديا وتايلند التصريف دون أن تتغير درجتاهما؛ فقد تحسنت تايلند بمساعدة الاستراتيجيات الوطنية لإدارة الموارد المائية للفترة من 2015 إلى 2026 التي ركزت على تعزيز قدرة التصريف، وأسهمت جهود الحماية من الفيضانات في كمبوديا، بدعم من اليابان بين عامي 2018 و2021، في تحسين البنية التحتية للتصريف. وفي المقابل، تراجع التصريف في إندونيسيا بسبب التحضر السريع والإفراط في استخراج المياه الجوفية في جاكرتا.

وسجلت لاو وتيمور الشرقية وفييت نام تراجعاً بمقدار ربع نقطة في درجة البيئة، يعود أساساً إلى تزايد أحمال التلوث الحضري وتراجع تغطية معالجة مياه الصرف في المدن سريعة النمو، حيث لم يواكب توسع البنية التحتية النمو السكاني.

النتائج والخلاصة

تحسن الأمن المائي الحضري في معظم أرجاء آسيا والمحيط الهادئ، إذ رفعت جميع الاقتصادات تقريباً درجاتها منذ عام 2013، وجاء أكبر تقدم في شرق آسيا وجنوب شرقها. وكانت أنظمة إمدادات المياه والصرف الصحي الأقوى المحركَ الرئيسي لذلك، وتعكس هذه المكاسب الإصلاحات الوطنية والاستثمارات الموجهة والدعم الدولي. ففي الهند، خفّضت بعثة الهند النظيفة التغوط في العراء تخفيضاً كبيراً، وجاء تقدم كمبوديا في أعقاب اللامركزية والتمويل الخارجي. ومع ذلك، لا يزال الصرف الصحي متأخراً عن إمدادات المياه في أماكن كثيرة؛ ففي عام 2021، لم يفد سوى خمسة بلدان بتوفر 75% على الأقل من التمويل اللازم للصرف الصحي الحضري. وليس تدني الأداء في الصرف الصحي أمراً مستغرباً، إذ كثيراً ما تتولى إدارة هذه الخدمات جهات مختلفة أو حكومات محلية تعاني من نقص الموارد.

وقد حققت عدة بلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، كبوتان وتيمور الشرقية وفييت نام، نتائج قوية، وتبرهن هذه الأمثلة على أن ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي ليس شرطاً مسبقاً للأمن المائي، فالحوكمة الملتزمة والدعم الخارجي وإعطاء الأولوية في السياسات قادرة على دفع تقدم كبير حتى في البيئات محدودة الموارد. وفي الوقت ذاته، كثيراً ما عجزت اقتصادات أعلى دخلاً، كبروناي دار السلام وتركمانستان، عن صون التحسينات بسبب ضعف مؤسسات إدارة المياه فيها.

وفي عدة بلدان، أسهمت زيادات التعرفة في تعزيز الأمن المائي الحضري، ولا سيما حين وُجهت الإيرادات الإضافية إلى التشغيل والصيانة. وتبين هذه الحالات أن إصلاحات التعرفة حسنة التصميم قادرة على تحسين تغطية الخدمات وجودتها معاً.

وحيث تكون زيادات التعرفة ضرورية لتمويل التحسينات، يتعين على الحكومات الموازنة بين الاستدامة المالية وخطر إقصاء الأسر الهشة. فإذا رُفعت التعرفة لتغطية تكاليف التشغيل دون أن تتحسن جودة الخدمة، فقد يجد البلد نفسه عاجزاً عن الموازنة بين التعافي المالي والتوسع الشامل في الخدمات. وقد تكشف هذه الديناميكية عن هوة أعمق بين البلدان القادرة على تقديم خدمات موثوقة وشاملة، وتلك العالقة في حلقات من ضعف الصيانة.

وتُظهر درجات التصريف نتائج متباينة، مع تراجعات في كثير من المناطق الهشة. فقد شهدت عدة بلدان انخفاض درجاتها بسبب تغير المناخ، إذ فاق ارتفاع مستوى سطح البحر والعواصف الأشد قدرة البنية التحتية القائمة. في حين حققت بلدان أخرى تقدماً لافتاً بالاستثمار في أنظمة قادرة على الصمود أمام تغير المناخ، بما فيها مبادرات المدن الذكية ومشروعات المدن الإسفنجية والاستراتيجيات الوطنية للتصريف. وتبين هذه الأمثلة أن تخطيط البنية التحتية الموجه، المدعوم بحوكمة قوية، قادر على تحقيق تحسينات ملموسة حتى في مواجهة المخاطر المتزايدة.

وشهدت ستة بلدان في المحيط الهادئ تراجعاً في أمنها المائي الحضري الإجمالي، وكان مرد ذلك في الغالب إلى التصريف. ففي بعض الحالات، فاق ارتفاع تكاليف المياه نمو الدخل، وفي حالات أخرى ترك ركود الاستثمار في البنية التحتية المدن عرضة للفيضانات والعواصف. وتعزز هذه النتائج الحاجة إلى مقاربات منسقة ومتعددة القطاعات لإدارة المياه.

ويتطلب تحسين الأمن المائي الحضري استثماراً متكاملاً واستشرافياً؛ فالنمو السكاني السريع وتزايد المخاطر المناخية ومحدودية الحيز المالي تقيد التقدم في بلدان كثيرة. وكثيراً ما يحظى الصرف الصحي والتصريف باهتمام وتمويل أقل رغم أدوارهما الأساسية. وتمثل تكاليف الطاقة مصدر قلق متنامياً آخر، إذ تشكل الطاقة في بلدان كثيرة عنصراً رئيسياً ومتزايداً في تكلفة تقديم خدمات المياه. ويمكن للاستثمار في أنظمة إمداد موفرة للطاقة، وإعادة استخدام المياه، والبنية التحتية اللامركزية، وحصاد مياه العواصف أو الأمطار، أن يخفض التكاليف على المدى الطويل ويحسّن قدرة الخدمات على الصمود، ويُعد تحديث شبكات التصريف أمراً حاسماً على وجه الخصوص للحد من مخاطر الفيضانات مستقبلاً.

ويتعين أن تعكس إحصاءات الأداء تنوع الظروف الحضرية على نحو أفضل. فمن قيود هذا التحليل أنه يتعامل مع المناطق الحضرية بوصفها متجانسة، بينما تختلف مستويات الخدمة في الواقع اختلافاً كبيراً بين المستوطنات غير الرسمية والمناطق شبه الحضرية والبلدات الصغيرة من جهة ومركز المدينة من جهة أخرى، على غرار التفاوتات الملحوظة بين المناطق الريفية وشبه الحضرية في البعد الأول. وكثير من مجموعات البيانات الوطنية وتعريفات "الحضري" تستبعد المناطق غير الرسمية، مما يؤدي إلى التقليل من تقدير انعدام الأمن المائي. ومن شأن تحسين وضوح هذه التعريفات وشمولها أن يعزز دقة تحليل التقرير وملاءمته لرصد أهداف التنمية المستدامة.

ويمكن للبلدان أن تعطي الأولوية لدعم متكامل للأمن المائي الحضري، يشمل الاستثمار في خدمات قادرة على الصمود أمام تغير المناخ، ولا سيما في الأماكن التي تتراجع فيها درجات إمدادات المياه وتتسع فيها فجوات البيانات. ويجب النظر بعناية في القدرة على تحمل التكاليف في درجات التقرير مستقبلاً، بحيث توازن السياسات واللوائح الملائمة بين تعرفة المياه وقدرة الناس على تحملها لضمان خدمات مستدامة. وبالنسبة إلى المحيط الهادئ خصوصاً، ينبغي أن يركز الدعم على تحسين موثوقية الخدمات الأساسية وبناء القدرات المحلية لرصد الأداء والتخطيط للاحتياجات المستقبلية. وستساعد هذه الإجراءات البلدان على مواجهة التحديات المتصاعدة وتعزيز الأساس اللازم لأمن مائي طويل الأمد.

الاستثمار المراعي للنوع الاجتماعي يحسّن الأمن المائي الحضري في المستوطنات غير الرسمية

يُتوقع أن يعيش نحو ملياري شخص في مستوطنات حضرية غير رسمية بحلول عام 2030، ويفتقر كثير من هذه المجتمعات إلى مياه آمنة ومنصفة، ولا سيما النساء والفتيات اللواتي يتحملن المسؤولية الرئيسية عن جلب المياه وإدارتها داخل الأسرة.

وفي المدن الثانوية سريعة النمو في فييت نام، حسّن مشروع تنمية المدن الثانوية الأمن المائي الحضري لأكثر من 476 ألف شخص، نصفهم تقريباً من النساء والفتيات. فقد حدّث المشروع شبكات إمدادات المياه وأنظمة التصريف والحماية من الفيضانات في مدن مثل بون ما ثوت ولاو كاي، وضمنت هذه التحسينات حصول الأسر الفقيرة والأسر التي تعولها نساء على مياه منقولة بالأنابيب بصورة شاملة وموثوقة.

وكانت خطة عمل قوية للنوع الاجتماعي محوراً لنجاح المشروع، إذ نفذت 94% من الإجراءات المخطط لها، وتولت اتحادات النساء المحلية قيادة التوعية والتثقيف في مجال النظافة الصحية، وشكلت النساء 65% من ميسري التوعية المجتمعية، مما ساعد الأسر على تبني ممارسات أكثر أماناً في المياه والصرف الصحي.

ومن خلال وضع النساء في صميم التخطيط وتقديم الخدمات والتثقيف، خفف المشروع العبء غير المأجور للأعمال المرتبطة بالمياه، وحسّن صحة الأسر، وعزز القدرة على الصمود أمام الفيضانات والمخاطر المنقولة بالمياه. ويبرز هذا المثال كيف يمكن للمقاربات المراعية للنوع الاجتماعي أن توسع الحصول على الخدمات وتحسّن النتائج لصالح الفئات الأشد هشاشة.

البعد الرئيسي الرابع: الأمن المائي البيئي

البعد في سطور

يقيّم البعد الرئيسي الرابع في تقرير 2025 الأمن المائي البيئي في أرجاء آسيا والمحيط الهادئ بقياس حالة النظم البيئية المائية وأنظمة الحوكمة القائمة لحمايتها معاً. ويجمع هذا البعد بين مؤشرين: مؤشر حالة مستجمعات المياه والنظم المائية، الذي يقيس الضغوط البيئية وصحة النظم، ومؤشر الحوكمة البيئية، الذي يقيّم فعالية السياسات واللوائح البيئية الوطنية.

وينبغي تفسير كل مؤشر على حدة عند مراجعة النتائج؛ فرغم أن ارتفاع الدرجات في المؤشرين قد يكون مترابطاً، فإن التحسن في أحدهما لا يعوض التراجع في الآخر. ويقدم تقييم المقياسين معاً صورة أكمل عن أداء البلد، ويساعد على تحديد إجراءات موجهة لتعزيز الأمن المائي البيئي.

وتُظهر جنوب شرق آسيا اتجاهاً هبوطياً واضحاً في مؤشر حالة مستجمعات المياه والنظم المائية، مدفوعاً بتزايد التغيير الهيدرولوجي، واستنزاف المياه الجوفية، وفقدان الغطاء النباتي على ضفاف الأنهار، وتراجع ترابط الأنهار. وتتزايد هذه الضغوط حتى في البلدان التي تحسنت درجات الحوكمة فيها، ومن دون تحرك أقوى، يُرجح أن تشهد هذه المنطقة تراجعات متواصلة في الأمن المائي وفي قدرة النظم البيئية على الصمود.

وسُجلت أكبر المكاسب، أي ثلاث نقاط فأكثر، في تونغا بمقدار 5.5 نقاط، وجزر كوك بمقدار 4.5 نقاط، ونيوي بمقدار 4.4 نقاط، حيث أسهم صغر حجم السكان نسبياً وتدابير الحماية الموجهة للنظم البيئية في تحقيق تحسينات كبيرة في التدفقات البيئية وجودة المياه وصحة التنوع البيولوجي. وتحققت مكاسب متوسطة بين نقطة و2.9 نقطة في بلدان مثل كازاخستان وبابوا غينيا الجديدة وبالاو، مما يعكس تحسينات في إدارة النظم البيئية للمياه العذبة ورصدها، وإن كان ذلك من قاعدة متدنية.

ولوحظت أصغر المكاسب، بين 0.1 و0.9 نقطة، في أربعة عشر بلداً كماليزيا ونيبال، إلى جانب اقتصادات متقدمة تكون أنظمتها متطورة أصلاً. وسجلت سبعة بلدان ركوداً في درجاتها دون أي تغير منذ عام 2013، مما يعكس تحديات مستمرة في النهوض بالأمن المائي البيئي. وسُجلت تراجعات في ما يقارب نصف البلدان المقيّمة، وكانت أكبرها في ولايات ميكرونيزيا الموحدة وناورو وفييت نام، مدفوعة بتصاعد ضغوط التنمية، وضعف إنفاذ الضمانات البيئية، والتعرض للظواهر المناخية المتطرفة.

وجاءت درجات هذا البعد في آسيا الوسطى والغربية متباينة، إذ عوّض التدهور البيئي الناجم عن الإفراط في الاستخراج وتدهور الأراضي والتلوث تحسيناتِ الحوكمة. وأظهرت كازاخستان أقوى المكاسب، مدفوعة بتحسن كفاءة استخدام النيتروجين ومعالجة مياه الصرف، لكن النتائج تؤكد أن النهج المنظومي وحده هو القادر على حماية النظم البيئية المائية وصون منافعها الأوسع.

وفي شرق آسيا، حققت الصين ومنغوليا استقراراً في مؤشر الحوكمة البيئية من خلال تحسين إدارة النيتروجين والمناطق المحمية. غير أن التنمية السريعة والاستخدام المكثف للأراضي والكثافة السكانية العالية لا تزال تدفع التدهور البيئي، مما يؤكد الحاجة إلى توسيع نطاق الاستعادة البيئية ودمج البنية التحتية الخضراء في النمو المستقبلي.

وحسّنت معظم بلدان جنوب آسيا درجاتها في هذا البعد أو حافظت عليها، إذ عوضت مكاسب الحوكمة في إدارة النيتروجين بعض الضغوط البيئية، في حين تراجعت بوتان بسبب انخفاض كفاءة استخدام النيتروجين وفقدان الأشجار على ضفاف الأنهار. ورغم التقدم، تظل المنطقة تحت ضغط شديد من الكثافة السكانية والتلوث البلاستيكي، مما يجعل إدارة النفايات ومكافحة التلوث واستعادة ضفاف الأنهار أولويات حاسمة.

وتظل عدة دول جزرية في المحيط الهادئ ذات قيمة بيئية عالية، كفيجي وجزر سليمان، عرضة لتدهور بيئي سريع إذا توسعت التنمية دون حماية كافية.

النتائج والتوصيات

رغم أن متوسط درجة هذا البعد على مستوى المنطقة ظل مستقراً نسبياً منذ عام 2013، فإن ذلك يخفي فروقاً مهمة بين المناطق الفرعية ومخاطر متزايدة في بعض المناطق.

فللوهلة الأولى، يبدو متوسط الدرجة الإقليمية مستقراً، لكنه يخفي وقائع مختلفة بين المناطق الفرعية؛ فقد أحرزت بعض بلدان شرق آسيا وجنوب شرقها تقدماً، بينما لم تشهد بلدان أخرى في جنوب آسيا والمحيط الهادئ تحسناً يُذكر، بل شهدت تصاعداً في المخاطر. وفي الواقع، تتوازن المكاسب والانتكاسات فيما بينها، فتخلق مظهراً من الاستقرار على المستوى الإقليمي.

وتبين النتائج أن مسارات التنمية يجب أن تتجنب تكرار الأنماط التي تأتي فيها مكاسب البنية التحتية قصيرة الأمد على حساب الأمن المائي طويل الأمد. فالأنهار والأراضي الرطبة وأنظمة المياه الجوفية محورية لإمدادات المياه النظيفة وتنظيم الفيضانات وصحة النظم البيئية، والبنية التحتية التي تخل بأنظمة التدفق، أو تُدهور مستجمعات المياه، أو تجزئ أنظمة الأنهار، قد تلحق بهذه الخدمات ضرراً دائماً.

ولا يمكن حماية الأمن المائي البيئي إلا من خلال بنية تحتية تعمل بالتناغم مع النظم الطبيعية لا ضدها، ويشمل ذلك حماية المناطق المشاطئة، والحفاظ على تقلب التدفقات، وصون الترابط، واستخدام الحلول القائمة على الطبيعة. ومن خلال ترسيخ هذه المبادئ البيئية في التنمية، يمكن للبلدان تعزيز أدائها في هذا البعد مع دعم نمو شامل وقادر على الصمود أمام تغير المناخ.

مقدمة

يُعرَّف البعد الرئيسي الرابع بأنه مؤشر الأمن المائي البيئي الذي يقيّم صحة الأنهار والأراضي الرطبة وأنظمة المياه الجوفية، ويقيس التقدم في استعادة صحة النظم البيئية المائية على المستويين الوطني والإقليمي.

فالنظم البيئية السليمة أساس الأمن المائي. وعلى مدى الأعوام الثلاثين الماضية، تنامى الإدراك للدور الجوهري الذي تؤديه الأنهار والأراضي الرطبة ومستجمعات المياه في تلبية احتياجات البشر من المياه؛ فهذه النظم ترشّح المياه، وتخفف وطأة الفيضانات، وتساعد على إدارة الرواسب، وتطيل عمر البنية التحتية وتزيد فعاليتها، وتديم مصايد الأسماك وغيرها من مصادر الغذاء. وتُقدَّر قيمة هذه الخدمات بتريليونات الدولارات على مستوى العالم.

وتُدهور الأنشطة البشرية النظم البيئية المائية في أرجاء آسيا والمحيط الهادئ. فقد جلبت التنمية السريعة استثمارات كبرى في السدود وشبكات الري والبنية التحتية المائية الحضرية، وحسّن كثير منها حصول الناس والاقتصاد على المياه، وترصد الأبعاد من الأول إلى الثالث هذه التغيرات. والتنمية، إذا أُحسنت إدارتها، يمكن أن تكون مفيدة وأن تتم بالتوازي مع حماية النظم البيئية، غير أن هذه البنية التحتية كثيراً ما تضر بصحة الأنهار وتخلق مخاطر بيئية واجتماعية واقتصادية جديدة. وفي بعض الأماكن، بات التدهور البيئي وحده يمثل تهديداً رئيسياً للأمن المائي.

ويُعد التوفيق بين الأمن المائي للإنسان وحماية النظم البيئية من أكبر التحديات المائية اليوم. فتلبية الاحتياجات المائية مع حماية النظم الطبيعية التي توفر مياهاً نظيفة وموثوقة أمر حاسم للتنمية المستدامة، كما يدعم الأهداف الاقتصادية والاجتماعية طويلة الأمد. ومن دون نظم بيئية مائية سليمة، لا يمكن تحقيق الأمن المائي أو الحفاظ عليه.

ويقيّم البعد الرابع حالة النظم البيئية المائية وهياكل الحوكمة التي تدعمها، ويعرض منهجية على مستوى المنطقة لتقييم الضغوط على الأنهار وأنظمة المياه العذبة في أرجاء آسيا والمحيط الهادئ. كما ينظر التقييم في مدى نجاح البلدان في إدارة هذه النظم عبر القوانين والسياسات وجهود الرصد.

وتعكس صحة النظم البيئية المائية قدرة أنظمة المياه العذبة على أداء وظائفها بمرور الوقت، ويساعد هذا المفهوم على قياس ما إذا كانت الأنهار والأراضي الرطبة قادرة على الحفاظ على التنوع البيولوجي، والتعافي من الإجهاد، ومواصلة تلبية احتياجات البشر. وتؤثر التغيرات في المشهد الطبيعي، كإزالة الغابات والزراعة والتحضر، في تدفق المياه ومستويات الرواسب وبنية الموائل، وتنعكس هذه التغيرات على صحة الأسماك والنباتات وسائر الكائنات المائية.

ويساعد فهم حالة الأنهار على توجيه حوكمة المياه بفعالية؛ فبتتبع التغيرات في صحة النظم البيئية، يستطيع صانعو القرار تحديد المخاطر الناشئة واتخاذ إجراءات لمنع الأضرار طويلة الأمد. وحماية خدمات النظم البيئية ليست شأناً بيئياً فحسب، بل هي أساس لأمن مائي دائم في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

المنهجية

ظلت منهجية البعد الرابع دون تغيير يُذكر منذ تقرير 2020، فهي تجمع بين مؤشرين يقيّمان حالة النظم البيئية المائية والحوكمة القائمة لحمايتها، هما مؤشر حالة مستجمعات المياه والنظم المائية ومؤشر الحوكمة البيئية.

ويتألف كل مؤشر من مؤشرات فرعية متعددة تستخدم بيانات متاحة للعموم ونماذج عالمية هيدرولوجية أو خاصة بالمغذيات، وتقدم صورة إقليمية عن الضغوط على الأنهار والأراضي الرطبة، بما في ذلك تغيير التدفقات وجودة المياه وتجزؤ النظم البيئية، فضلاً عن توزيع المخاطر المرتبطة بالحوكمة. ويُمنح كل من المؤشرين درجة من عشرة، ويشكل مجموعهما درجة البعد الرابع من عشرين.

مؤشر حالة مستجمعات المياه والنظم المائية

يقيس هذا المؤشر الضغوط على الأنهار ومستجمعات المياه وحالتها باستخدام مجموعات بيانات عالمية موحدة، إذ إن استخدام بيانات متسقة وموزعة مكانياً أمر أساسي نظراً لاتساع الاقتصادات الأعضاء في بنك التنمية الآسيوي وتنوعها. ويتضمن المؤشر ثلاثة مؤشرات للضغوط هي: تغير الغطاء الشجري على ضفاف الأنهار، والتغيير الهيدرولوجي، واستنزاف المياه الجوفية؛ ومؤشرين للحالة هما: حمل النيتروجين، وترابط الأنهار.

وتتوفر بيانات السلاسل الزمنية للمؤشرات الخمسة جميعها في تقييم 2025، غير أن تقديرات الخبراء استُخدمت لاستكمال البيانات المحدودة في عدة بلدان من المحيط الهادئ، ولم يكن الاحتساب بأثر رجعي ممكناً حيث اعتمدت التقييمات السابقة على خبراء أو مناهج مختلفة.

مؤشر الحوكمة البيئية

يركز مؤشر الحوكمة البيئية على مخرجات الحوكمة لا على مدخلاتها، إذ يصعب قياس جودة الحوكمة على نحو متسق عبر الزمن. ولذلك يستند المؤشر إلى مؤشر الأداء البيئي الصادر عن جامعة ييل، الذي يوفر مؤشرات قائمة على النتائج، واختيرت منه ثلاثة مؤشرات فرعية هي: معالجة مياه الصرف، والمناطق البرية المحمية، ومؤشر الإدارة المستدامة للنيتروجين.

وتحصل البلدان التي تفتقر إلى بيانات مؤشر فرعي معين على الدرجة الدنيا، تشجيعاً لتعزيز أنظمة الإبلاغ. ويكمّل مؤشر الحوكمة البيئية مؤشرَ حالة مستجمعات المياه بإبراز الأداء البيئي الوطني في مجال صحة النظم البيئية.

المؤشرات السردية

رُوجعت في عام 2025 مجموعتا بيانات إضافيتان بوصفهما مؤشرين سرديين، هما تصدير التلوث البلاستيكي وتصدير الرواسب. ورغم أنهما لا يتيحان بعد تغطية كاملة للبلدان أو احتساباً بأثر رجعي، فإنهما يوفران سياقاً مفيداً لفهم صحة الأنهار إلى جانب درجات البعد الرابع ومؤشريه.

وتُمنح مؤشرات تغير الغطاء الشجري وترابط الأنهار والتغيير الهيدرولوجي وجودة المياه درجات من 1 إلى 5، بينما يُمنح مؤشر المياه الجوفية درجة من 1 إلى 3، ثم يُقسم المجموع على الحد الأقصى الممكن. وفي مؤشر الحوكمة، تُمنح معالجة مياه الصرف درجة من 1 إلى 3، والحماية البرية وإدارة النيتروجين درجة من 1 إلى 5، ثم يُقسم المجموع على 13. ويُعاد قياس المؤشرين ليُمنح كل منهما درجة من عشرة، ثم يُجمعان لتكوين درجة البعد الرابع من عشرين.

وللمساعدة على تفسير النتائج، تُصنف البلدان في خمس مراحل تتدرج من الحوكمة البيئية القوية والضغط البيئي المنخفض إلى المخاطر البيئية الشديدة والحوكمة الضعيفة، وتدعم هذه المراحل إجراء مقارنات إقليمية متسقة وتساعد على تحديد المجالات التي تحتاج إلى اهتمام. ففي المرحلة النموذجية، التي تتجاوز درجتها 19.2، تكون الحوكمة البيئية قوية جداً والضغط على النظم البيئية المائية منخفضاً جداً. وفي المرحلة الفعّالة، تكون مخرجات الحوكمة متوسطة إلى جيدة والضغوط على النظم البيئية المائية محدودة. وفي المرحلة القادرة، تكون مخرجات الحوكمة أو النتائج البيئية متوسطة، أو يكون الأداء قوياً في أحدهما وضعيفاً في الآخر. وفي المرحلة المنخرطة، تكون مخرجات الحوكمة متوسطة إلى ضعيفة والضغط على النظم البيئية المائية مرتفعاً. أما في المرحلة الناشئة، التي تقل درجتها عن 8.6، فتكون مخرجات الحوكمة ضعيفة والضغوط البيئية شديدة.

النتائج والمناقشة

سجلت خمسة اقتصادات درجات تفوق 15.6، فوضعتها في المرحلة الفعّالة للأمن المائي البيئي، وهي أستراليا ونيوزيلندا وفيجي وبروناي دار السلام واليابان. ورغم أن معظم الاقتصادات المتقدمة تقع في هذه الفئة، فقد بلغت المرحلة الفعّالة أيضاً عدة اقتصادات غير متقدمة. وصُنفت معظم البلدان في المرحلتين المنخرطة أو القادرة، بينما صُنفت أربعة بلدان من آسيا الوسطى والغربية والمحيط الهادئ في المرحلة الناشئة هي أفغانستان وجمهورية قيرغيزستان وجزر مارشال وتوفالو.

وصُنف نصف الاقتصادات المقيّمة، أي خمسة وعشرون اقتصاداً، في المرحلة القادرة بدرجات تتراوح بين 12 و15.6، وامتدت هذه المجموعة عبر جميع المناطق، وضمت بلداناً ذات حوكمة بيئية وضغوط بيئية متوسطة.

وفي بعض البلدان، جاءت درجات المؤشرين متوازنة نسبياً، لكنها لم تكن كذلك في بلدان كثيرة. وأظهرت خمسة بلدان جزرية في المحيط الهادئ على وجه الخصوص، هي فانواتو وولايات ميكرونيزيا الموحدة وجزر كوك ونيوي وجزر سليمان، نمطاً مقلقاً؛ إذ سجلت درجات مرتفعة نسبياً في مؤشر حالة مستجمعات المياه لكنها منخفضة في مؤشر الحوكمة البيئية. ويبرز هذا التباين نظماً بيئية لا تزال في حالة جيدة نسبياً لكنها تفتقر إلى هياكل الحوكمة اللازمة لصونها.

وشهد تسعة وعشرون بلداً تغيراً مطلقاً تجاوز نصف وحدة في مؤشر البعد الرابع بين عامي 2013 و2025، إذ أظهر خمسة عشر بلداً اتجاهات صاعدة وأربعة عشر بلداً تراجعات، وكانت جميع المناطق ممثلة في هذه التغيرات.

وكانت التغيرات في هذا البعد مدفوعة أساساً بارتفاع مؤشر الحوكمة البيئية أو انخفاض مؤشر حالة مستجمعات المياه، غير أن معظم البلدان لم تُظهر سوى تغيرات متوسطة في درجاتها بين عامي 2013 و2025. ومنذ تقييم 2013، طرأت تحديثات كبيرة على البيانات الأساسية المستخدمة في المؤشرات الفرعية، ورغم ذلك لم تُلاحظ دائماً تغيرات في المؤشر الإجمالي، إذ لم تكن التحولات في البيانات الأساسية في بعض الحالات كبيرة بما يكفي لنقل الدرجة إلى خُميس جديد، وفقاً لعتبات عام 2016 المستخدمة في تحديد نطاقات التسجيل من 1 إلى 5.

النتائج العامة لمؤشر حالة مستجمعات المياه والنظم المائية

تتسق نتائج المؤشر لعام 2025 عموماً مع تقييمات التقرير السابقة، وتعكس بوجه عام أنماطاً مرتبطة بمستوى التنمية والكثافة السكانية. ووُجدت أعلى الدرجات في الدول الجزرية، ومنها بروناي دار السلام وجزر كوك وفيجي وولايات ميكرونيزيا الموحدة وبالاو وساموا وفانواتو، وتميل هذه الاقتصادات إلى ضغوط أقل على مستجمعات المياه ونظم بيئية سليمة نسبياً.

وفي المقابل، كثيراً ما تقع الاقتصادات ذات الدرجات الأدنى في آسيا الوسطى والغربية، ومن أمثلتها أرمينيا وجمهورية قيرغيزستان وتركيا، إذ سجلت قيماً منخفضة في مؤشرات فرعية متعددة، مما يعكس ضغوطاً بيئية أعلى وظروفاً أكثر تغيراً في مستجمعات المياه.

ولم يُظهر ما يقارب نصف الاقتصادات المقيّمة، أي ثلاثة وعشرون اقتصاداً، تغيراً يُذكر في المؤشر بين عامي 2013 و2025، إذ لم يتجاوز التغير ربع نقطة صعوداً أو هبوطاً من عشرين. ولم يسجل ارتفاعاً في المؤشر خلال هذه الفترة سوى ثلاثة اقتصادات هي اليابان وبالاو وسنغافورة؛ فقد تحسنت بالاو بفضل اتجاهات أفضل في المياه الجوفية، وشهدت سنغافورة تحسناً في المياه الجوفية والغطاء الشجري على ضفاف الأنهار معاً. وفي الاقتصادات ذات الدرجات المرتفعة أصلاً، يعكس هذا الاستقرار أمناً مائياً بيئياً مستداماً، أما في الاقتصادات ذات الدرجات المنخفضة أو المتوسطة، فإنه يشير إلى غياب التقدم في استعادة النظم البيئية المرتبطة بالمياه أو تحسينها.

وكانت معظم الاقتصادات التي شهدت تراجعاً كبيراً في المؤشر، أي أكثر من نصف وحدة، في جنوب شرق آسيا، غير أن عدة اقتصادات متقدمة سجلت أيضاً تراجعات طفيفة. فقد تراجع مؤشر نيوزيلندا بسبب ارتفاع أحمال النيتروجين وتزايد فقدان الغطاء الشجري على ضفاف الأنهار، وكان تراجع فيجي مدفوعاً أساساً بتدهور أوضاع المياه الجوفية وفقدان الأشجار على ضفاف الأنهار مقارنة بعام 2013. وفي جنوب شرق آسيا، شهدت جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية تراجعاً في ترابط الأنهار، كان العامل الرئيسي في خفض درجتها. وانخفض مؤشر أرمينيا بسبب تزايد فقدان الغطاء الشجري على ضفاف الأنهار، أما في جمهورية قيرغيزستان فارتبط التراجع بارتفاع أحمال النيتروجين وتراجع توافر المياه الجوفية معاً.

تمكين المرأة لحماية الغابات والمياه في منغوليا

الغابات السليمة ضرورية لتأمين المياه النظيفة، وصون النظم البيئية للمياه العذبة، وحماية مستجمعات المياه الهشة. وفي منغوليا، بيّن مشروع الإدارة المستدامة للغابات لتحسين سبل عيش المجتمعات المحلية كيف يمكن للإدارة المجتمعية للغابات، المستنيرة بتقييمات هيدرولوجية محلية، أن تحد من المخاطر المناخية، وتحمي تدفقات الأنهار، وتحسّن الأمن المائي البيئي.

وعمل المشروع في خمس مقاطعات ريفية، حيث تلقى 141 عضواً من مجموعات مستخدمي الغابات تدريباً على تخطيط الغابات وإدارتها المستدامة، بما في ذلك ممارسات حماية المناطق المشاطئة ومنع جريان الرواسب إلى المجاري المائية، وشكلت النساء 55% من المشاركين. كما اكتسب 185 عضواً آخر من أعضاء التعاونيات، نصفهم تقريباً من النساء، مهارات فنية وتجارية لمعالجة الأخشاب والمنتجات الحرجية غير الخشبية، مما خفف الضغط على مناطق المنابع الحساسة بيئياً. وقادت النساء المحليات معظم المؤسسات المجتمعية الجديدة للغابات، وشكلن 70% من مشغلي الأعمال الصغيرة الجديدة.

وامتدت قيادتهن إلى ما هو أبعد من الأنشطة الاقتصادية، إذ أدت النساء أدواراً رئيسية في إدارة مخاطر حرائق الغابات، وحماية المناطق المشاطئة، ورصد مصادر المياه. ومن خلال وضع النساء في صميم حوكمة الغابات والمياه، حسّن المشروع سبل العيش، ودعم المساواة بين الجنسين، وأسهم في صون مصادر المياه الحيوية، والحفاظ على التدفقات الموسمية، وتعزيز قدرة النظم البيئية للمياه العذبة على الصمود. ويبين هذا المثال أن تمكين النساء في الإدارة المحلية للموارد يعزز النظم البيئية والأمن المائي المجتمعي معاً.

النتائج العامة لمؤشر الحوكمة البيئية

اتبعت نتائج مؤشر الحوكمة البيئية عموماً نمطاً تنموياً، إذ مالت الاقتصادات ذات الاقتصاد والمؤسسات الأقوى إلى تسجيل درجات أعلى. فقد سجلت الاقتصادات المتقدمة كأستراليا واليابان ونيوزيلندا أعلى الدرجات الإجمالية، كما جاءت جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية ضمن أفضل المؤدين، وتعكس درجتها المرتفعة زيادة كبيرة في المناطق البرية المحمية بين عامي 2020 و2025.

وفي المقابل، سجلت عدة دول جزرية صغيرة أدنى الدرجات في هذا المؤشر، ومنها ولايات ميكرونيزيا الموحدة ونيوي وجزر سليمان وتوفالو وفانواتو. فرغم درجاتها المرتفعة نسبياً في مؤشر حالة مستجمعات المياه، تفتقر هذه الاقتصادات إلى أطر حوكمة بيئية قوية، ويشير هذا التباين إلى الحاجة إلى مزيد من الاستثمار في قدرات الحوكمة لحماية ما تبقى من صحة النظم البيئية.

وقد حافظت معظم اقتصادات المنطقة على درجاتها في هذا المؤشر أو حسّنتها بين عامي 2013 و2025، غير أن ستة اقتصادات أظهرت تراجعاً خلال هذه الفترة هي نيوزيلندا وبوتان وأرمينيا وميانمار وفييت نام وولايات ميكرونيزيا الموحدة. ووقع أكبر تراجع في ميكرونيزيا بسبب انخفاض كفاءة إدارة النيتروجين، وتراجعت نيوزيلندا للسبب ذاته.

وفي المقابل، حسّن سبعة عشر اقتصاداً درجاته في هذا المؤشر بين عامي 2013 و2025، من جميع مناطق آسيا والمحيط الهادئ، ويعود التحسن أساساً إلى تحسين إدارة النيتروجين وتوسيع المناطق البرية المحمية.

إطار المخاطر للبعد الرئيسي الرابع

لتقييم الضغوط الأخيرة على الأمن المائي البيئي، طُبق إطار قائم على المخاطر باستخدام المؤشرين، يساعد على تحديد الاقتصادات التي تحتاج بصورة عاجلة إلى استعادة بيئية، أو إلى حوكمة أقوى، أو إلى كليهما، لصون أمنها المائي البيئي. وتضم فئة "القدرة العالية" الاقتصادات ذات الحوكمة القوية والنظم البيئية الأكثر تدهوراً، وقد تمتلك هذه الاقتصادات الأدوات المؤسسية اللازمة لدعم التعافي إذا طُبقت بفعالية. وتضم فئة "المخاطر المنخفضة" الاقتصادات التي تُظهر عموماً درجات قوية في جميع المؤشرات، وإن كان ينبغي رصد تلك التي تتراجع درجاتها في هذا البعد. أما الاقتصادات ذات الدرجات المنخفضة في المؤشرين معاً فتُصنف في فئة "تحتاج إلى الدعم"، إذ تواجه ضغوطاً بيئية وضغوطاً في الحوكمة على حد سواء. وتضم فئة "المخاطر العالية" الاقتصادات ذات النظم البيئية السليمة نسبياً والحوكمة الضعيفة، ومن دون مؤسسات أقوى، قد تعجز هذه الاقتصادات عن الحفاظ على أمنها المائي البيئي.

وشهدت ثلاثة اقتصادات تحولات كبيرة في مؤشر البعد الرابع وفي فئة تصنيفها بين عامي 2013 و2025. فقد انتقلت فييت نام من فئة المخاطر المنخفضة إلى ما يقارب الحد الفاصل بين فئتي القدرة العالية والحاجة إلى الدعم، وقد يؤدي استمرار تراجعها في المؤشرين إلى وضعها بوضوح في فئة الحاجة إلى الدعم. وفي المقابل، انتقلت بابوا غينيا الجديدة من فئة المخاطر العالية إلى المخاطر المنخفضة بفضل تحسين إدارة النيتروجين، وانتقلت كازاخستان من فئة الحاجة إلى الدعم إلى فئة القدرة العالية، مدفوعة بتحسن استخدام النيتروجين ومعالجة مياه الصرف.

ويُعد الاقتصاد عالي المخاطر إذا سجل درجة مرتفعة في مؤشر حالة مستجمعات المياه ودرجة منخفضة في مؤشر الحوكمة البيئية، وكثيراً ما تفتقر هذه الاقتصادات إلى الحماية الكافية وإدارة التلوث. ففي جزر سليمان مثلاً، تراجع مؤشر حالة مستجمعات المياه من مستوى أساسي مرتفع جداً، بينما ظل مؤشر الحوكمة البيئية منخفضاً للغاية، مما يبرز أهمية فحص المؤشرات الفرعية كل على حدة لفهم الاتجاهات الوطنية فهماً كاملاً. ويظل تعزيز الحوكمة أولوية للاقتصادات عالية المخاطر لدعم قدرة النظم البيئية على الصمود على المدى الطويل.

المؤشرات السردية

التلوث البلاستيكي

استحدث تقييم 2025 مؤشراً جديداً هو كتلة البلاستيك المنطلقة عند مصبات الأنهار، مقيسة بالأطنان سنوياً، وتوفرت بياناته لاثنين وثلاثين اقتصاداً عضواً. ورُصدت أعلى التدفقات الإجمالية في الصين وإندونيسيا وماليزيا وميانمار والفلبين وتايبيه الصينية وفييت نام، فحصلت هذه الاقتصادات على أدنى درجة في هذا المؤشر، وهي واحد. ويثير ذلك قلقاً خاصاً لأن عدداً منها سجل أيضاً درجات منخفضة في البعد الرابع؛ فالصين مثلاً تواجه أصلاً ضغطاً بيئياً كبيراً، وقد تزيد التدفقات البلاستيكية المرتفعة الضغط على نظمها المائية.

وكانت الاقتصادات ذات أدنى تدفقات للتلوث البلاستيكي هي سنغافورة وبالاو ونيوزيلندا وولايات ميكرونيزيا الموحدة وكازاخستان وأذربيجان وأستراليا، وقد مالت هذه الاقتصادات إلى تسجيل درجات متوسطة إلى مرتفعة في البعد الرابع، مما يشير إلى أن الحوكمة البيئية القوية والظروف الجيدة لمستجمعات المياه قد تساعد على الحد من وصول التلوث البلاستيكي إلى الأنهار والسواحل.

تصدير الرواسب

يُعد إمداد الرواسب حيوياً للحفاظ على العمليات الطبيعية للأنهار، غير أن الإفراط في تصدير الرواسب قد يضر بالنظم البيئية المائية ويقصّر عمر البنية التحتية، مما قد يتطلب استثمارات كبيرة في التجريف والصيانة، ولا سيما حين يرتبط ذلك بتغير استخدامات الأراضي أو بالبنية التحتية في المنابع كالسدود. فضلاً عن ذلك، لا يأخذ هذا المؤشر في الحسبان المكان الذي تولدت فيه الرواسب، فقد يكون في نهر عابر للحدود في المنبع. ولأغراض هذا التقييم، رُتبت الاقتصادات وفق متوسط إجمالي تصدير الرواسب لكل بكسل، مقيساً بالأطنان لكل هكتار سنوياً. ورغم افتراض أن ارتفاع تصدير الرواسب له آثار سلبية، فإن انخفاض تدفقات الرواسب قد يخل أيضاً بوظائف الأنهار، ولذلك ينبغي تفسير هذا المؤشر إلى جانب معلومات أخرى كتغير الغطاء الأرضي وتعديل مستجمعات المياه.

وشملت الاقتصادات ذات أعلى متوسط لتصدير الرواسب أفغانستان وطاجيكستان وبوتان وباكستان ونيبال وهونغ كونغ الصين وجمهورية قيرغيزستان وتيمور الشرقية. ويثير هذا النمط القلق بالنسبة إلى جمهورية قيرغيزستان وأفغانستان، اللتين سجلتا أيضاً بعضاً من أدنى الدرجات في مؤشر حالة مستجمعات المياه؛ فارتفاع أحمال الرواسب مقترناً بضعف الحوكمة يضع هذين الاقتصادين أمام مخاطر أكبر، ومن دون تنظيم فعال أو أنظمة لإدارة مستجمعات المياه، قد يؤدي تزايد ضغط الرواسب إلى مزيد من تدهور النظم البيئية.

عبر المناطق

آسيا الوسطى والغربية

سجلت جميع بلدان آسيا الوسطى والغربية تقريباً درجات مستقرة أو متراجعة في مؤشر حالة مستجمعات المياه، ويعود ذلك أساساً إلى ضغوط مستمرة ناجمة عن الإفراط في استخراج المياه وتدهور الأراضي والتلوث الزراعي والصناعي. وفي المقابل، كانت درجات مؤشر الحوكمة البيئية مستقرة أو متحسنة في معظم البلدان باستثناء أرمينيا. ونتيجة لذلك، جاءت الاتجاهات العامة للبعد الرابع في المنطقة متباينة، إذ كثيراً ما قابلت مكاسبَ الحوكمة تدهوراتٌ بيئية مستمرة.

وسجلت كازاخستان أكبر زيادة في هذا البعد، مدفوعة بتحسن الحوكمة، بما في ذلك رفع كفاءة استخدام النيتروجين وتحسين معالجة مياه الصرف. ورغم تراجع الترابط الهيدرولوجي للأنهار، ساعد انخفاض أحمال النيتروجين على الحفاظ على استقرار درجة مؤشر حالة مستجمعات المياه.

وتبرز نتائج هذه المنطقة تعقيد إدارة صحة النظم البيئية المائية؛ فالتغيرات في المؤشرين قد تنجم عن محركات مختلفة، ولا توجد سياسة أو إجراء منفرد يضمن تحسن النتائج. ويجب أن تعالج استراتيجيات التنمية الفعالة مصادر متعددة للضغط البيئي، إذ يلزم نهج منظومي لحماية النظم البيئية المائية وصون المنافع الاقتصادية والاجتماعية الأوسع التي توفرها.

شرق آسيا

أظهرت جميع بلدان شرق آسيا تراجعاً في مؤشر حالة مستجمعات المياه، مع استقرار أو تحسن في مؤشر الحوكمة البيئية. وجاءت معظم التغيرات في المؤشرات الفرعية صغيرة، مما يصعّب تحديد اتجاهات إقليمية قوية.

فقد حسّنت الصين كفاءة إدارة النيتروجين، ووسعت منغوليا مناطقها البرية المحمية، وأسهمت هذه التحسينات في الحوكمة في استقرار درجات مؤشر الحوكمة البيئية حتى مع تراجع حالة النظم البيئية.

وتواجه المنطقة ضغوطاً متصاعدة ناجمة عن التنمية السريعة والاستخدام المكثف للأراضي والكثافة السكانية العالية، وقد أسهمت هذه العوامل في التراجعات الملحوظة في مؤشر حالة مستجمعات المياه، ولا سيما من خلال آثارها في جودة المياه والترابط وحالة مستجمعات المياه. ورغم أن الصين ضخت استثمارات كبيرة في الاستعادة البيئية، فإن هذه الجهود يجب أن تتوسع، وينبغي أن تدمج التنمية المستقبلية البنية التحتية الخضراء والحلول القائمة على الطبيعة لتخفيف الضغط على النظم البيئية وضمان ألا يأتي النمو الاقتصادي على حساب الأمن المائي البيئي.

المحيط الهادئ

كثيراً ما أظهرت بلدان المحيط الهادئ أكبر الفروق بين درجات المؤشرين، ومنها ولايات ميكرونيزيا الموحدة وفانواتو وجزر سليمان. فقد سجلت هذه البلدان درجات تزيد على 8 في مؤشر حالة مستجمعات المياه، مما يدل على مستجمعات سليمة نسبياً، لكنها سجلت أقل من 4 في مؤشر الحوكمة البيئية، مما يعكس ضعف الحوكمة البيئية بسبب محدودية أطر السياسات، ونقص اللوائح، والفجوات في قدرات التنفيذ.

ويثير هذا التباين قلقاً خاصاً حيث تبدأ درجات حالة مستجمعات المياه في التراجع، إذ تُظهر عدة بلدان في المحيط الهادئ اتجاهات هبوطية في حالة نظمها البيئية. فقد شهدت فيجي وجزر سليمان مثلاً تزايداً في فقدان الغطاء الشجري على ضفاف الأنهار وتراجعاً في مستويات المياه الجوفية، وتشير هذه الاتجاهات إلى تصاعد الضغط على نظم بيئية كانت في حالة جيدة سابقاً.

ورغم أن كثيراً من بلدان المحيط الهادئ لا تضم أنظمة الأنهار الكبرى التي يُقيّمها عادة البعد الرابع، فإنها تحتوي على نظم بيئية قيّمة للمياه العذبة، ويخلق ضعف الحوكمة خطر تدهور هذه النظم بمرور الوقت. ويوفر تعزيز الإدارة البيئية بوصفه جزءاً من التخطيط التنموي وسيلة لتجنب النمط الشائع من التدهور البيئي الذي كثيراً ما يرافق النمو الاقتصادي، كما يمكن للاستثمار المبكر في الحوكمة أن يساعد على تأمين الأمن المائي البيئي على المدى الطويل وحماية مكاسب التنمية.

جنوب آسيا

كانت معظم بلدان جنوب آسيا على مسار إيجابي، إذ ارتفعت درجاتها في هذا البعد أو ظلت مستقرة بين عامي 2013 و2025. وكانت بوتان البلد الوحيد في المنطقة الذي تراجعت درجته، مدفوعاً بانخفاض كفاءة إدارة النيتروجين وتزايد فقدان الغطاء الشجري على ضفاف الأنهار.

وفي البلدان التي تحسنت، جاءت التغيرات متواضعة عموماً. ففي سري لانكا، نتج انخفاض حمل النيتروجين وتحسن إدارته عن مكاسب في كفاءة استخدام النيتروجين، مما يبرز كيف يمكن للحوكمة الأقوى أن تدعم التحسينات البيئية. وفي الهند، ارتفعت درجة البعد الرابع رغم تراجع طفيف في مؤشر حالة مستجمعات المياه بسبب فقدان الأشجار على ضفاف الأنهار، ويعود ذلك إلى ارتفاع مؤشر الحوكمة البيئية، ولا سيما بفضل تحسين إدارة النيتروجين. وتتضمن البرامج الوطنية الرائدة، كبعثة أتال للتجديد والتحول الحضري في نسختها الثانية، وبعثة جال جيفان، وبعثة الهند النظيفة، وبرنامج نامامي غانغي، مكونات قوية للتحسين البيئي، إلى جانب مبادرات إصلاح أخرى جارية في توسيع شبكات الصرف، وتحديث محطات معالجة مياه الصرف، وإعادة استخدام المياه، وإدارة الحمأة البرازية، ويُتوقع أن تفضي إلى تحسينات كبيرة في المستقبل.

وقد انطلقت جنوب آسيا من مستوى أساسي متدنٍ نسبياً في هذا البعد، مما يعكس الضغط الشديد على النظم البيئية في واحدة من أكثر مناطق العالم كثافة سكانية. كما تتأثر أنظمة الأنهار في جنوب آسيا تأثراً شديداً بالتلوث البلاستيكي الناجم عن سوء إدارة النفايات الحضرية في مستجمعات المياه المكتظة بالسكان. ويمكن لتعزيز الحوكمة من خلال تحسين إدارة النفايات، وإنفاذ ضوابط التلوث، واستعادة المناطق العازلة على ضفاف الأنهار، أن يحد من تسرب البلاستيك إلى المجاري المائية، مكملاً المكاسب البيئية المتحققة من تحسين إدارة النيتروجين وحماية الغطاء النباتي.

جنوب شرق آسيا

أظهر أكثر من نصف بلدان جنوب شرق آسيا اتجاهاً هبوطياً في البعد الرابع بين عامي 2013 و2025. فقد سجلت كمبوديا وجمهورية لاو الديمقراطية الشعبية والفلبين وتايلند تراجعات ملحوظة في مؤشر حالة مستجمعات المياه، تعكس مزيجاً من تدهور أوضاع المياه الجوفية، وتصاعد الإجهاد الهيدرولوجي، وانخفاض كفاءة إدارة النيتروجين، وتزايد تغيير تدفقات الأنهار بفعل تطوير البنية التحتية. وشهدت فييت نام أشد تراجع، مدفوعاً بانخفاض كفاءة إدارة النيتروجين، وهبوط مستويات المياه الجوفية، وزيادة التغيير الهيدرولوجي للتدفقات السطحية.

وقد يؤدي فقدان المياه الجوفية إلى تقليل توافر المياه السطحية والإضرار بالنظم البيئية المائية، ولا سيما تلك المعتمدة على تدفقات المياه الجوفية. ويثير ذلك قلقاً بالغاً في فييت نام، التي تواجه أصلاً مشكلات في تملح المياه الجوفية وتلوثها، مما يزيد الضغط على الأمن المائي البيئي.

وسجلت ماليزيا أكبر تحسن في هذا البعد في المنطقة، ويعود ذلك إلى أداء أقوى في الحوكمة، ولا سيما في إدارة النيتروجين وتوسيع المناطق البرية المحمية. فرغم تراجع مؤشر حالة مستجمعات المياه في ماليزيا، ارتفع مؤشر الحوكمة البيئية لديها. ويبرز هذا التباين بين ماليزيا وفييت نام الدور الحاسم لكفاءة استخدام الأسمدة في حماية النظم البيئية وتحسين النتائج الزراعية.

الشباب يقودون الحلول المحلية للأمن المائي في الفلبين

في أرجاء آسيا والمحيط الهادئ، يظل انعدام الأمن المائي من أكثر تحديات عصرنا إلحاحاً، إذ يهدد صحة الإنسان وسبل العيش والنظم البيئية. ومع ذلك، تظل قوة الشباب من أقل الموارد استثماراً في التصدي لهذه الأزمة. فرغم أن الشباب كثيراً ما يكونون في الخطوط الأمامية لمواجهة الآثار المرتبطة بالمياه، نادراً ما تُتاح لهم الفرصة أو الأدوات لصياغة الحلول. غير أن الأمثلة في أنحاء المنطقة تبين أن الشباب، متى مُكّنوا، يمكن أن يصبحوا مساهمين حيويين في حوكمة المياه والابتكار وقدرة المجتمعات على الصمود. ومن ذلك دراسة حالة لافتة من سانتو نينيو في مقاطعة بنغيت بالفلبين، تبين كيف ينهض الشباب لحماية النظم البيئية المائية الهشة واستعادتها عبر العلم والمشاركة المجتمعية والمناصرة.

وسانتو نينيو موقع منجم نحاس قديم يقع في توبلاي بمقاطعة بنغيت، على بعد نحو ثلاثمئة كيلومتر شمال مانيلا. وقد هُجر الموقع دون إعادة تأهيل سليمة، ولا تزال المجتمعات المحيطة به تواجه تهديدات بيئية ناجمة عن التلوث بالمعادن الثقيلة، ولا سيما التركيزات العالية من النحاس في أحد روافد النظام النهري المحلي، ويشكل هذا التلوث مخاطر كبيرة على صحة الإنسان والزراعة والتنوع البيولوجي.

وللتصدي لذلك، نفذت مؤسسة بايوبلس ماين إيرث، بالشراكة مع مؤسسات أكاديمية وبحثية، نظام معالجة سلبياً قائماً على الحجر الجيري في موقع معروف لتصريف المناجم الحمضي في سيتيو سانتو نينيو عام 2022. ويعتمد النظام نهجاً قائماً على الطبيعة لمعادلة المياه الحمضية وخفض تركيزات المعادن الثقيلة عبر رفع درجة الحموضة من خلال ترشيح الحجر الجيري.

ومن أبرز مواطن قوة هذه المبادرة المشاركة الفعالة للشباب المحليين؛ فمن خلال التدريب وجهود بناء القدرات المصممة لهم، أصبح الشباب عنصراً أساسياً في نجاح المشروع، إذ يرصدون جودة المياه، ويستخدمون الأدوات العلمية لتتبع درجة الحموضة والتوصيلية ومستويات المعادن، وييسرون تبادل البيانات الآني مع الشركاء البحثيين لرصد أثر المشروع وتقييمه. وإلى جانب أدوارهم الفنية، يعملون أيضاً حلقات وصل موثوقة تضمن أن تظل المشاركة المجتمعية شفافة ومراعية للثقافة المحلية، ولا سيما في الحوارات مع كبار السن وصانعي القرار.

وقد أذكت هذه التجربة الفضول العلمي والوعي البيئي لدى الشباب، وعمّقت إحساسهم بالقدرة على الفعل وارتباطهم بنظامهم البيئي المحلي، وتبين كيف يمكن للشباب، متى حظوا بالدعم، أن يقودوا حلولاً محلية مؤثرة ومستدامة لتحديات بيئية معقدة.

الخلاصة والنتائج

يقدم البعد الرابع صورة إقليمية عن الأمن المائي البيئي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، تجمع بين بيانات حالة النظم البيئية وحوكمتها. فبينما أحرزت بعض البلدان تقدماً في تحسين النتائج البيئية، تواجه بلدان أخرى كثيرة مخاطر متزايدة. ولا تقتصر هذه المخاطر على البلدان منخفضة الدخل أو محدودة البيانات، بل تنشأ في بيئات متنوعة وتعكس التوتر المتنامي بين ضغوط التنمية واستدامة النظم البيئية، ومن أمثلة ذلك توسع مشروعات الطاقة الكهرومائية والري التي تغير تدفقات الأنهار، والنمو الحضري السريع الذي يزيد جريان مياه العواصف، والزراعة المكثفة التي تسهم في التلوث بالمغذيات وفقدان الموائل.

ويوفر الإطار القائم على المخاطر المستخدم في هذا التقييم أداة قيّمة لتحديد مواطن الهشاشة، إذ يكشف أين تمتلك البلدان نظماً بيئية مائية سليمة نسبياً لكنها تبدو مفتقرة إلى أنظمة الحوكمة اللازمة لصونها. ويتجلى ذلك بوضوح في أجزاء من المحيط الهادئ، حيث تنخفض درجات الحوكمة نسبياً، مما قد يعرّض النظم البيئية الهشة لتدهور مستقبلي. ومن دون تدخل في الوقت المناسب، قد تشهد هذه البلدان تراجعات حادة في حالة نظمها البيئية حتى لو كانت الضغوط منخفضة حالياً.

ويظل تطوير البنية التحتية تحدياً محورياً؛ فحين تُخطط مشروعات البنية التحتية تخطيطاً سيئاً أو تُنفذ دون ضمانات بيئية، فإنها قد تُدهور الأنهار والأراضي الرطبة وأنظمة المياه الجوفية تدهوراً شديداً، وكثيراً ما تقوض هذه التغيرات النظم الطبيعية التي توفر المياه النظيفة وتنظم التدفقات وتدعم سبل العيش. والتكاليف طويلة الأمد للنظم البيئية المتدهورة كبيرة، لا من حيث إمدادات المياه وجودتها فحسب، بل أيضاً من حيث ارتفاع مخاطر الكوارث، وتراجع الإنتاجية الزراعية، والإضرار بالتنوع البيولوجي. ففي فييت نام والفلبين مثلاً، أدى تزايد استخراج المياه الجوفية والتغيير الهيدرولوجي إلى تراجعات ملحوظة في حالة النظم البيئية المائية. وتبين تجربة ماليزيا أن تعزيز الحوكمة، بما في ذلك تحسين إدارة النيتروجين وتوسيع المناطق المحمية، لا يمنع دائماً التدهور البيئي.

وعلى مستوى المنطقة، ظلت درجات البعد الرابع مستقرة نسبياً خلال الأعوام الاثني عشر الماضية، غير أن هذا الاستقرار الظاهري يخفي تحولات مهمة في الاتجاهات الكامنة. فقد حققت بلدان كثيرة تحسينات متواضعة في الحوكمة، كما يرصدها مؤشر الحوكمة البيئية، بينما تراجعت المؤشرات البيئية التي يقيسها مؤشر حالة مستجمعات المياه تراجعاً طفيفاً، ولم تكن هذه التغيرات في معظم الحالات كبيرة بما يكفي لنقل المؤشر الإجمالي عبر عتبات التسجيل. وبرزت جنوب شرق آسيا منطقةً تثير قلقاً خاصاً، إذ أظهرت عدة بلدان فيها اتجاهات هبوطية متسقة في حالة مستجمعات المياه، مما يشير إلى أن استمرار التدهور البيئي مرجح ما لم تُتخذ إجراءات أكثر طموحاً.

وتؤكد نتائج هذا التقييم الحاجة إلى ترسيخ المبادئ البيئية في تصميم البنية التحتية وقرارات الاستثمار؛ فالتنمية التي لا تراعي صحة النظم البيئية يُستبعد أن تحقق أمناً مائياً دائماً. وتوفر الحلول القائمة على الطبيعة والتخطيط المتكامل لمستجمعات المياه مسارات أكثر قدرة على الصمود، ولا سيما في المناطق سريعة النمو. وتظل التحديات العابرة للحدود ملحة على وجه الخصوص، كما هو الحال في حوض نهر الميكونغ، حيث تتشكل الآثار في المصب بصورة متزايدة بفعل القرارات المتخذة في المنبع. وسيكون تعزيز التعاون الإقليمي ضرورياً لحماية الموارد المائية المشتركة وضمان ألا تأتي التنمية المستقبلية على حساب الاستدامة طويلة الأمد.

وللمضي قدماً، من الضروري أن تواصل الحكومات تشجيع البنية التحتية التي تعمل مع الطبيعة لا ضدها. وفي الوقت ذاته، يمكن لجهود تعزيز الحوكمة، ولا سيما في البلدان ذات القيمة البيئية العالية والقدرات المؤسسية المحدودة، أن تساعد على إخراج البلدان الهشة من فئة المخاطر العالية. وتقدم هذه المقاربات مجتمعة أوضح طريق نحو تأمين الأمن المائي البيئي في مواجهة الضغوط المتزايدة.

البعد الرئيسي الخامس: الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه

البعد في سطور

يقيّم البعد الرئيسي الخامس في تقرير 2025 قدرة البلدان على استباق الكوارث المرتبطة بالمياه، كالفيضانات والجفاف والعواصف، واستيعابها والتكيف معها والتعافي منها. ويجمع هذا البعد بين مؤشرات التعرض للمخاطر والهشاشة والقدرة على المواجهة ليقدم درجة إجمالية من عشرين تعكس مستويات المخاطر وتدابير بناء القدرة على الصمود معاً. وتشمل مؤشراته: مخاطر الجفاف، ومخاطر الفيضانات، ومخاطر العواصف.

ويعزز تحديث 2025 إطار هذا البعد باستحداث معامل استشرافي لتغير المناخ يعدّل التعرض التاريخي وفقاً للظروف المستقبلية، وإضافة مؤشرات للتماسك الاجتماعي والاستثمار في البنية التحتية وتغطية الإنذار المبكر، مما ينقل التقييم نحو قياس القدرة على الصمود بدلاً من الاكتفاء بالخسائر الماضية.

وتكشف النتائج عن اتساع الفجوات في القدرة على الصمود أمام الكوارث في أرجاء المنطقة. فرغم أن القدرة برزت بوصفها العامل المهيمن في تشكيل درجات هذا البعد، فإن التحسينات متفاوتة؛ إذ تُظهر شرق آسيا وأجزاء من جنوب شرق آسيا مكاسب مطردة، بينما توقف التقدم في آسيا الوسطى والغربية، وتشهد جنوب آسيا تقدماً متقطعاً، ويواصل المحيط الهادئ التخلف عن الركب. وتبين تايلند أن حتى التحديثات الكبرى في البنية التحتية قد تحقق عوائد متناقصة حين تقلّص الإسقاطات المعدلة مناخياً للمخاطر أثرَ خفض التعرض. ويرفع تغير المناخ التعرض للمخاطر بنسبة 19% في المتوسط، وبنسبة 13% في جنوب آسيا و15% في المحيط الهادئ، مما يزيد إلحاح التخطيط الاستشرافي.

وسجلت خمسة بلدان أعلى المكاسب، أي أربع نقاط فأكثر، هي جمهورية الصين الشعبية بمقدار 9.0 نقاط، وطاجيكستان بمقدار 7.4 نقاط، وتايلند بمقدار 7.1 نقاط، وكمبوديا بمقدار 5.1 نقاط، ونيوي بمقدار 4.5 نقاط. وقد دفعت مكاسبَ الصين البنيةُ التحتية الواسعة لإدارة الفيضانات، وتعزيز أنظمة الاستجابة للطوارئ، وتحديث شبكات التصريف الحضري. وتقدمت تايلند بفضل توسيع تغطية الإنذار المبكر والاستثمارات الموجهة في حواجز الفيضانات، بينما استفادت نيوي من حماية السواحل المدعومة من المانحين.

وسجلت الصين أكبر مكسب في هذا البعد بزيادة قدرها 9.0 نقاط منذ عام 2013، مدفوعة بالبنية التحتية الواسعة لإدارة الفيضانات، والاستثمارات في المدن الإسفنجية، وأنظمة الإنذار المبكر المتقدمة، التي خفضت مجتمعة التعرض للمخاطر لمئات الملايين من الناس.

وحقق تسعة عشر بلداً مكاسب متوسطة تراوحت بين نقطة و3.9 نقاط، جاء كثير منها من برامج الإدارة المتكاملة لمخاطر الكوارث والاستثمار في تدابير التكيف المناخي. وسُجلت أصغر المكاسب، بين 0.1 و0.9 نقطة، في ستة عشر بلداً، منها اقتصادات متقدمة يتوقف مزيد تقدمها على الحوكمة والابتكار، ودول جزرية صغيرة نامية تحد القيود الجغرافية والهيكلية من بناء قدرتها على الصمود. وفي المحيط الهادئ، سجلت أربع دول جزرية أصغر المكاسب، مما يعكس عوائق مستمرة رغم الدعم الخارجي الموجه.

ولوحظت تراجعات في عشرة بلدان، كان أشدها في توفالو، التي تواجه تعرضاً مرتفعاً للغاية للمخاطر المرتبطة بالمناخ، ومحدودية في البنية التحتية الواقية، وقيوداً على القدرات المؤسسية. كما شهدت جزر مارشال وبالاو انتكاسات كبيرة.

النتائج والتوصيات

إن أقوى منبئ بالقدرة على الصمود ليس الثروة ولا البنية التحتية، بل التماسك الاجتماعي. فالبلدان التي تتمتع بمستويات عالية من الثقة والشمول والمشاركة المجتمعية تحقق باستمرار أداءً أفضل، إذ يضاعف التماسك الاجتماعي فعالية أنظمة الإنذار المبكر والاستثمارات في البنية التحتية، ويساعد على تحويل التحذيرات إلى إجراءات في الوقت المناسب، مما يجعله رافعة قوية وغير مستغلة في الغالب للحد من مخاطر الكوارث.

والتقدم ممكن إذا التزمت البلدان بخمس أولويات أساسية: إدماج تمويل مخاطر الكوارث في الميزانيات الوطنية، وتوسيع تغطية الإنذار المبكر لتصل إلى أبعد السكان، والاستثمار في صيانة البنية التحتية القائمة وتحديثها، وتعزيز التماسك الاجتماعي من خلال التخطيط الشامل لمواجهة الكوارث، واستكمال خطط التكيف الوطنية وتمويلها. فالأدوات والمعارف باتت متوفرة، والتحدي التالي هو سد فجوة التنفيذ قبل أن يرسّخ تغير المناخ خط أساس أشد خطورة للمخاطر.

ويوجد أعلى مستوى من التعرض في المحيط الهادئ، حيث تواجه أعداد سكانية صغيرة مخاطر مرتفعة بصورة غير متناسبة. ويبدو "تناقض الجزر" لافتاً على نحو خاص، إذ تتمتع كثير من الدول الجزرية في المحيط الهادئ بدخل متوسط لكنها تواجه مخاطر مرتفعة للغاية. فالعزلة الجغرافية ومحدودية المساحة البرية والقيود على القدرات المؤسسية تجعل هذه الدول عاجزة عن توسيع قدرتها على الصمود حتى مع تدفقات المساعدات المنتظمة. وكثيراً ما تخفي المتوسطات الوطنية هشاشة أكبر بكثير في الجزر الخارجية النائية. ومن دون مقاربات منسقة إقليمياً ودعم موجه، تخاطر هذه البلدان بمزيد من التخلف مع اشتداد الظواهر المناخية المتطرفة.

ورغم التحسينات الكبيرة، والفجوات الكبيرة في القدرات بين البلدان، وعدم استغلال التماسك الاجتماعي محركاً للقدرة على الصمود على النحو الكافي، تبين البيانات أن المخاطر قابلة للخفض. ففي عام 2025، لم يسجل أي بلد أدنى مراحل الأمن المائي في هذا البعد، لكن 34 مليون شخص لا يزالون يعيشون في المرحلة المنخرطة، ومن شأن رفع درجات القدرة في جميع البلدان إلى المئين الخمسين الإقليمي الحالي أن يخفض هذا العدد إلى 150 ألف شخص.

مقدمة

يُعرَّف البعد الرئيسي الخامس بأنه مدى حماية السكان من الكوارث المرتبطة بالمياه، بما يعكس قدرتهم على الصمود أمام المخاطر المائية، بما فيها الفيضانات والجفاف والعواصف، وإدارتها والتعافي منها.

ويُعد تأمين القدرة على الصمود أمام الكوارث المرتبطة بالمياه من أكثر التحديات إلحاحاً التي تواجه آسيا والمحيط الهادئ. فمع تسارع المخاطر المناخية، تواجه البلدان تهديدات متزايدة من الجفاف والفيضانات والأعاصير المدارية، وتزداد هذه المخاطر حدة بفعل ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط هطول الأمطار والتنمية غير المستدامة. ولإدارة هذه المخاطر، تحتاج البلدان إلى سياسات أقوى، وبنية تحتية قادرة على الصمود، وحوكمة شاملة. والتعاون الإقليمي ضروري أيضاً، فالكوارث المرتبطة بالمياه تعبر الحدود، ولذلك تُعد الاستراتيجيات المشتركة وانفتاح المعلومات أمرين حاسمين لبناء القدرة على الصمود على المدى الطويل.

ويقيس البعد الخامس الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه، مستنداً إلى إطار المخاطر الصادر عن مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث، الذي يعرّف مخاطر الكوارث بأنها الخسائر المحتملة في الأرواح أو الإصابات أو الأصول المتضررة خلال فترة زمنية معينة. ويرصد هذا البعد تلك المخاطر بالجمع بين بيانات الخطر والتعرض والهشاشة والقدرة، ويركز على ثلاثة أنواع رئيسية من الكوارث المرتبطة بالمياه: الجفاف بوصفه خطراً مناخياً، والفيضانات والانهيارات الأرضية بوصفها مخاطر هيدرولوجية، والأعاصير وعرام العواصف بوصفها مخاطر جوية. وتوفر البيانات التاريخية من مصادر كقاعدة بيانات الأحداث الطارئة أساساً شفافاً وقابلاً للمقارنة لتقييم الآثار الماضية وتوجيه العمل المستقبلي.

ويوسع تقييم 2025 نطاق هذا البعد بإدماج الإسقاطات المناخية، وخطط التكيف الوطنية، وجاهزية البنية التحتية، والتماسك الاجتماعي، مما ينقل الإطار من مجرد مراجعة تاريخية لخسائر الكوارث إلى أداة استشرافية لتقييم القدرة على الصمود. فالإسقاطات المناخية تساعد على رصد البؤر الساخنة الناشئة التي قد لا تبدو عالية المخاطر اليوم وفق السجلات والأدلة التاريخية، وخطط التكيف تبين ما إذا كانت البلدان تحوّل الوعي إلى عمل حقيقي. وتؤثر البنية التحتية كالسدود والحواجز وأنظمة التصريف في كيفية تحول المخاطر إلى آثار، بينما كثيراً ما يحدد التماسك الاجتماعي، المبني على الثقة والشبكات المحلية، قدرة المجتمعات على النجاة خلال الأحداث المتطرفة.

ومن خلال الجمع بين هذه المنظورات، يحدد البعد الخامس أين تكون المخاطر أعلى ولماذا، ويبرز التدخلات الأكثر فعالية في الحد من الخسائر، كإصلاح السياسات أو الاستثمار في البنية التحتية أو التعبئة المجتمعية.

فمخاطر الكوارث لا تنجم عن الأحداث المتطرفة وحدها، بل تتشكل بفعل الخيارات التنموية وعدم المساواة وضعف الحوكمة، وكثيراً ما تُغفل هذه المحركات العميقة. ورغم أن أهداف التنمية المستدامة تشير إلى القدرة على الصمود، لم يكن الحد من مخاطر الكوارث دائماً في صلب جهود التنمية.

ويسهم تقييم البعد الخامس لعام 2025 في سد هذه الفجوة، إذ يمزج بين البيانات التجريبية للكوارث ورؤى حول الهشاشة والقدرة على التكيف والحوكمة المناخية، فيكشف حجم المخاطر ومستوى الاستعداد معاً. ومع ازدياد تواتر الظواهر المناخية المتطرفة وشدتها، يوفر هذا البعد أداة حيوية لتوجيه الأولويات الوطنية والاستراتيجيات الإقليمية، ويدعم اتخاذ قرارات أفضل لحماية الناس والاقتصادات والنظم البيئية في أرجاء آسيا والمحيط الهادئ.

المنهجية

يقيّم البعد الخامس مدى قدرة بلدان آسيا والمحيط الهادئ على إدارة مخاطر الجفاف والفيضانات والعواصف. ويبني تحديث 2025 على إطار 2020، الذي عرّف مخاطر الكوارث بوصفها دالة لثلاثة عوامل: الخطر والتعرض، والهشاشة، والقدرة. واستُخدمت العوامل ذاتها لاحتساب المخاطر، إذ تساوي المخاطر الجذر التكعيبي لحاصل ضرب الخطر والتعرض في الهشاشة في مقدار الواحد مطروحاً منه القدرة.

ويضمن طرح القدرة أن تؤدي المستويات الأعلى من الاستعداد إلى خفض المخاطر الإجمالية. وتُصنف درجات الأنواع الثلاثة من المخاطر المائية، المناخية والهيدرولوجية والجوية، في خمسة نطاقات، ثم يُعاد قياسها لإنتاج درجة للبعد تتراوح بين 4 و20. ويحافظ هذا النهج على الاتساق مع التقييمات السابقة، ويتيح في الوقت ذاته مقارنات أكثر تفصيلاً.

ويتضمن عامل الخطر والتعرض عدد السكان المتضررين والتغير المستقبلي المتوقع في مؤشر الهطول المعياري للجفاف، أو في هطول الأمطار للفيضانات، أو في الغمر الساحلي للعواصف. وتشمل الهشاشة القدرات الاقتصادية والتعليمية وقدرات تقنية المعلومات والاتصالات، والاعتماد على المساعدات، والفئات السكانية الهشة. وتشمل القدرة الحوكمة، والعمل الوطني للحد من مخاطر الكوارث، والموارد المائية، والتخزين والبنية التحتية، والتماسك الاجتماعي، والتكيف مع تغير المناخ، وحالة البنية التحتية المائية.

ويمر احتساب درجة هذا البعد بخمس خطوات: أولاً، توحيد بيانات المصادر على مقياس مشترك، بما في ذلك القيم المحتسبة للفرد ولكل دولار أمريكي من الناتج المحلي الإجمالي، باستخدام القياس بين الحدين الأدنى والأعلى ضمن نطاق من صفر إلى واحد. ثانياً، تجميع المؤشرات الفرعية في درجات مركبة بأوزان متساوية داخل كل مجموعة موضوعية. ثالثاً، تطبيق معامل تغير المناخ على قيم الخطر والتعرض، ثم احتساب المخاطر لكل نوع من المخاطر باستخدام المتوسط الهندسي. رابعاً، تصنيف مخاطر كل فئة من فئات الأخطار في خُميسات، وجمع النتائج، وإعادة قياسها لإنتاج درجة نهائية بين 4 و20. خامساً، تحويل الدرجات النهائية إلى تصنيف من خمس مراتب تتدرج من المرحلة الناشئة، وهي الأدنى أداءً، إلى المرحلة النموذجية، وهي الأعلى أداءً، بما يواءم هذا البعد مع نظام التصنيف المرحلي المستخدم في جميع الأبعاد الرئيسية للتقرير.

ففي المرحلة النموذجية، التي تتجاوز درجتها 19.2، يكون الحد من مخاطر الكوارث مدمجاً بالكامل ومستداماً ومؤسسياً. وفي المرحلة الفعّالة، تُتخذ إجراءات قوية ومتسقة على مستوى السياسات لإدارة مخاطر الكوارث والحد منها. وفي المرحلة القادرة، تكون الأطر المؤسسية قائمة مع تقدم متوسط في الحد من المخاطر. وفي المرحلة المنخرطة، تُتخذ بعض الإجراءات لكن التقدم يظل محدوداً أو غير منهجي بعد. أما في المرحلة الناشئة، التي لا تتجاوز درجتها 7.2، فيكون التقدم ضئيلاً أو معدوماً، ويكون الحد من مخاطر الكوارث في حده الأدنى أو قد شهد تراجعاً.

التحسينات المنهجية في عام 2025

للمرة الأولى، يتضمن تقييم البعد الخامس لعام 2025 تعديلاً لمراعاة تغير المناخ، يستخدم إسقاطات نماذج المناخ من المرحلة السادسة لمشروع المقارنة بين النماذج المقترنة لتقدير كيفية تطور الأمطار الغزيرة والجفاف والفيضانات الساحلية. وتُستخدم التغيرات في هطول الأمطار لتقدير الزيادات المتوقعة في مخاطر الفيضانات، بينما يقدّر مؤشر الهطول المعياري شدة الجفاف مستقبلاً، وتُقيَّم مخاطر الفيضانات الساحلية من خلال التغيرات المتوقعة في مساحة الغمر. وتُدمج هذه الإسقاطات عبر عامل لتغير المناخ يُضرب في قيم التعرض ليعكس شدة المخاطر المستقبلية؛ فدلتا الغانج وبراهمابوترا مثلاً تحصل على معامل يتجاوز 1.3، بينما تقل معاملات أجزاء من شرق آسيا المعتدل عن 1.0. ويساعد اختبار الإجهاد الشفاف هذا على تحديد البؤر الساخنة الناشئة.

وبات التماسك الاجتماعي أيضاً جزءاً من إطار هذا البعد، إذ يحوّل مؤشر جديد خمسة عشر مؤشراً للصحة والمساواة والأمان والحرية والرضا عن الحياة إلى درجة بين صفر وواحد. والبلدان ذات التماسك الاجتماعي الأقوى تستجيب للكوارث عادة على نحو أفضل، مما يقلل هشاشتها.

ويُقاس الاستثمار في البنية التحتية باستخدام مؤشرين تقريبيين هما إجمالي تكوين رأس المال الثابت بوصفه حصة من الناتج المحلي الإجمالي، وسعة الخزانات للفرد، ويقدمان معاً لمحة عن مدى استثمار البلدان في الحماية الهيكلية من المخاطر المرتبطة بالمياه.

وتُستخدم خطط التكيف الوطنية أو الاستراتيجيات المعادلة لها لتتبع استعداد الحكومات لتغير المناخ. وحتى مايو 2025، قدم سبعة عشر بلداً نامياً في آسيا والمحيط الهادئ خططها إلى الاتفاقية الإطارية، كما وضعت اقتصادات نامية ومتقدمة كثيرة أخرى استراتيجيات مماثلة. ويقيّم هذا البعد التقدم باستخدام ثمانية معايير تشمل التشريعات والميزنة والتنفيذ والرصد، وتحصل البلدان التي تترجم التخطيط إلى عمل ملموس على درجات أعلى في قدرات الحوكمة.

واستُخدمت النماذج اللغوية الكبيرة لتقدير القيم المفقودة في مجموعة بيانات هذا البعد، التي بلغت فجوات البيانات فيها نحو 10%. واسترشدت هذه التقديرات بالاتجاهات التاريخية وقُيدت بالمعقولية الفيزيائية، ثم راجع خبراء إقليميون مخرجات النماذج وعدّلوها عند الحاجة. وأكدت اختبارات الحساسية أن هذه القيم كان لها أثر ضئيل في الدرجات النهائية، إذ لم تغير النتائج بأكثر من 0.3 نقطة في المتوسط، وساعد هذا النهج على ضمان تغطية إقليمية كاملة مع الحفاظ على الشفافية والموثوقية.

النتائج والمناقشة

الصورة العامة

سلك الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه في آسيا والمحيط الهادئ مساراً متفاوتاً منذ عام 2013. فقد حققت بلدان كثيرة تحسينات مطردة كما تعكسها درجاتها المتزايدة، وتُظهر هذه المكاسب تنامي الاستثمار في الاستعداد والبنية التحتية والحوكمة، غير أن التقدم لم يكن متجانساً في أرجاء المنطقة.

ولا تزال الاقتصادات المتقدمة تحتل أكثر المواقع أمناً، لكن الفجوة آخذة في الانحسار. ففي شرق آسيا، تُرجم الاستثمار الواسع في الحماية من الكوارث إلى أداء أقوى، كما تتحسن بعض بلدان جنوب شرق آسيا، محولة النمو الاقتصادي إلى إدارة أكثر تنسيقاً للمخاطر.

وعند تفسير المتوسطات الإقليمية، من المهم إدراك أن التركيبة السكانية تؤدي دوراً رئيسياً في تشكيل النتائج؛ فجميع المناطق، باستثناء جنوب شرق آسيا، تضم بلداً واحداً يحتوي على أكثر من 80% من سكان المنطقة، ومن ثم يحظى بوزن كبير في النتائج الإقليمية. فضلاً عن ذلك، كثيراً ما تواجه دول المحيط الهادئ تفاقماً في التعرض للفرد، إذ تتزايد هشاشتها بوصفها دولاً جزرية صغيرة نامية أمام العواصف وارتفاع مستوى سطح البحر، مما يؤدي إلى تراجع درجاتها رغم جهودها لتحسين القدرة على الصمود.

وقد برز تباين واضح في مسارات مخاطر الكوارث عبر المنطقة؛ فاقتصادات شرق آسيا وجنوب شرقها، ومنها الصين وتايلند وكمبوديا، حققت مكاسب قوية في درجات هذا البعد، تعكس استثماراً متواصلاً في البنية التحتية والتكيف المناخي وحوكمة مخاطر الكوارث. وفي المقابل، شهدت عدة بلدان جزرية في المحيط الهادئ، كتوفالو وجزر مارشال وبالاو وولايات ميكرونيزيا الموحدة، تراجعاً أو ركوداً في درجاتها. وتؤكد هذه النتائج الأثر المشترك للقدرات الوطنية والتعرض للمخاطر واختلاف المسارات التنموية بين المناطق الفرعية.

ومن حيث التعرض للمخاطر، لا توجد اتجاهات إقليمية مهيمنة، غير أن التعرض للمخاطر المناخية، ولا سيما الجفاف، يُظهر تبايناً كبيراً. ففي بعض البلدان، يمكن لموجة جفاف واحدة شديدة أن تؤثر تأثيراً كبيراً في إحصاءات التعرض الإجمالية لأنها تطال شرائح واسعة من السكان. وفي المقابل، تميل المخاطر الجوية كالعواصف إلى التوزع بصورة أكثر انتظاماً من حيث الشدة والتواتر، مما يقلل التباين بين البلدان. ولا يزال التعرض للمخاطر الهيدرولوجية كبيراً في عدة مناطق فرعية، لكنه لا يُظهر اتجاهاً صاعداً أو هابطاً متسقاً.

من المخاطر إلى الصمود: الشباب في الخطوط الأمامية

حين غمرت مياه الفيضانات ثلث باكستان عام 2022، لم يفقد كثير من الشباب منازلهم فحسب، بل فقدوا أيضاً مدارسهم وصلاتهم وآمالهم. وبالمثل، لم يسلب إعصار هايان في الفلبين عام 2013 والجفاف في الهند عام 2002 الشباب الغذاء والماء فقط، بل سلباهم الفرص والأحلام أيضاً. ورغم أن الشباب من أكثر الفئات تضرراً، نادراً ما يجلسون إلى طاولات صنع القرار حين توضع خطط مواجهة الكوارث. فالشباب راغبون في الإسهام في بناء القدرة على الصمود، لكنهم كثيراً ما يُتركون في انتظار الإذن والفرصة والتدريب والثقة.

وخلال فيضان عام 2024 في بنغلاديش، برز الشباب أبطالاً في الخطوط الأمامية، موظفين مهاراتهم في جمع التبرعات. فطلاب جامعة دكا لم يكتفوا بإرسال شاحنات وطرود الإغاثة إلى المناطق النائية، بل جمعوا أكثر من 52.3 مليون تاكا، أي نحو 480 ألف دولار، في أربعة أيام فقط، كما أدوا أدواراً في عمليات الإنقاذ ومواساة الأطفال المصدومين. واستفادة من دروس فيضان 2024 المدمر، تعزز بنغلاديش الآن قدرتها على الصمود أمام الفيضانات المستقبلية عبر تمارين المحاكاة، كالتمرين الذي أُقيم في إحدى مدارس غايباندا، والذي يختبر البروتوكول الوطني للعمل المبكر عبر المراحل الرئيسية للكارثة. وتدرب هذه التمارين المجتمعات والشباب والمسؤولين من خلال التمرن على سيناريوهات استجابة آنية، محولة التركيز من الإغاثة التفاعلية إلى الصمود الاستباقي.

ومن شأن الإدماج الفعال للشباب في مشروعات القدرة على الصمود أمام الكوارث أن يدربهم ويمكّنهم من توظيف إبداعهم وشغفهم وجرأتهم وتمكنهم من التقنيات في قيادة حملات التوعية عبر رواية القصص، وتطوير تطبيقات الهاتف المحمول للتثقيف بشأن الكوارث والإنذار المبكر وجمع التبرعات، واستخدام الطائرات المسيّرة في رسم خرائط مخاطر الفيضانات، ودعم المجتمعات خلال الأزمات. وستوسع السياسات المستقبلية لمخاطر الكوارث المرتبطة بالمياه نطاق أثرها وفعاليتها إذا حددت الشباب وأشركتهم بوصفهم شركاء في صياغة المشروعات وقادة لها، بدلاً من تصنيفهم فئةً "هشة".

جاءت التحسينات في الهشاشة متواضعة ومتفرقة جغرافياً. فالمكاسب التدريجية في الدخل ومحو الأمية والحوكمة واضحة في جنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى والغربية، وتحسّن متوسط الهشاشة الإقليمي. أما في أماكن أخرى، فيُبقي الفقر المستمر، وعدم المساواة في الحصول على الخدمات، واضطرابات الحوكمة الهشاشةَ مرتفعة. وتظل هذه المكاسب هشة، إذ يمكن لتباطؤ اقتصادي أو فقدان زخم إصلاح الحوكمة أن يعكسها سريعاً، ولا سيما في المناطق الداخلية المعرضة للجفاف.

وتُظهر القدرة أوضح اتجاه صاعد، وإن كان التقدم متفاوتاً في أرجاء المنطقة. فقد حققت شرق آسيا تقدماً قوياً بإدماج اعتبارات المخاطر في السياسة المالية والبنية التحتية العامة، بينما جاء تقدم جنوب آسيا غير منتظم، وظلت المكاسب في المحيط الهادئ محدودة. ويعكس ذلك كيف يمكن للجغرافيا وقيود الموارد البشرية أن تبطئ التقدم حتى مع توفر التمويل الخارجي. فكمبوديا مثلاً، رغم انخفاض مستوى دخلها، حسّنت قدراتها من خلال إنفاق منتظم ومدرج في الميزانية على الحد من المخاطر، في حين شهدت بالاو، رغم ارتفاع دخلها، نتائج راكدة بسبب اعتمادها على مشروعات قصيرة الأمد يقودها المانحون. ويبرز اتساع الفجوة بين الرواد الإقليميين وغيرهم أن التحسينات لا تتوقف على الثروة وحدها، بل على التخطيط والتمويل المستدامين.

ومن بين جميع مقاييس القدرة، يُظهر التماسك الاجتماعي أقوى ارتباط بانخفاض المخاطر في هذا البعد، مع قلة شديدة في الحالات الشاذة؛ فالمستويات العالية من الثقة والمشاركة والشمول تسهم إسهاماً كبيراً في القدرة على الصمود أمام الكوارث.

ويتسق الدخل أيضاً بصورة عامة مع الأمن من الكوارث، لكن عدة استثناءات لافتة تبرز حدود الاعتماد على المؤشرات الاقتصادية وحدها. فبعض اقتصادات آسيا الوسطى، كطاجيكستان وجمهورية قيرغيزستان، تتفوق على ما يتيحه مستوى دخلها بالجمع بين تحديثات موجهة في البنية التحتية، كسلامة السدود وتعديلها، وبرامج التواصل المجتمعي. وفي المقابل، كثيراً ما يتدنى أداء الدول الجزرية الأعلى دخلاً في المحيط الهادئ، إذ تفرض محدودية المساحة البرية وتشتت السكان وارتفاع تكاليف النقل ضغطاً كبيراً على الميزانيات الوطنية. ويبرز هذا النمط، المعروف غالباً بتناقض الجزر، كيف تؤثر الجغرافيا وتعقيد الأنظمة في نتائج الكوارث.

من أبرز الإضافات إلى إطار التسجيل عامل التعديل لتغير المناخ المطبق على الخطر والتعرض. ففي المتوسط، يرفع هذا العامل التعرض الأساسي بمعامل قدره 1.19، غير أن المعاملات الفردية تتراوح بين 0.9، حيث تشير الإسقاطات إلى استقرار تواتر المخاطر أو حتى تراجعه، وما يزيد على 4 في الدول الساحلية الصغيرة جداً. ويمكن لهذا المعامل أن يرفع التعرض أو يخففه، مما يساعد على تحديد البؤر الساخنة المستقبلية قبل وقوع خسائر كبيرة.

وتميل البلدان التي حولت خطط التكيف الوطنية إلى برامج ممولة إلى تعويض هذا الضغط التصاعدي، في حين كثيراً ما تشهد البلدان التي لا تزال في مرحلة التخطيط انخفاضاً في درجات تصنيفها.

وتجسد مسارات وطنية عدة هذه الاتجاهات الإقليمية الأوسع دون أن تطغى على الصورة العامة. فالارتفاع المتواصل في درجات الصين يبين كيف يمكن لخفض التعرض الهيدرولوجي، بدعم من بنية تحتية كبرى، أن يعزز الأمن من الكوارث، غير أن اتجاه الصين ذاته يبدأ في الاستقرار حين تؤخذ الإسقاطات المناخية المستقبلية في الحسبان. أما ركود درجة تايلند بين عامي 2013 و2016، ثم ارتفاعها الكبير بعد ذلك، فيبرز الانتكاسة التي سببتها الفيضانات المتتالية وموجة الجفاف الكبرى عام 2016، وقد أصبح التحول ممكناً بفضل الاستثمار في البنية التحتية، كنفق تصريف الفيضانات في بانكوك البالغ طوله 13.3 كيلومتراً، والإصلاح المؤسسي بإنشاء المكتب الوطني للموارد المائية.

وعلى مستوى المخاطر المحددة، أظهرت مخاطر فيضانات الأنهار أوضح استجابة للاستثمار في البنية التحتية وضوابط استخدام الأراضي، إذ تحسنت عدة أحواض أنهار كبرى في شرق آسيا وجنوب شرقها. فحوض نهر اليانغتسي في الصين مثلاً خفّض درجة تعرضه الهيدرولوجي بنسبة 65% بين عامي 2013 و2025، من خلال إتاحة 9 مليارات متر مكعب من السعة في سد الخوانق الثلاثة وإزالة آلاف المباني من مجرى الفيضان. وتظل المخاطر الجوية مستمرة في الحزام المداري، حيث يواصل ارتفاع درجات حرارة المحيطات تكثيف الأعاصير، حتى مع تحسن أنظمة الإنذار المبكر.

أما مخاطر الجفاف فتروي قصة مغايرة؛ ففي جنوب شرق آسيا المعتمد على الرياح الموسمية، استقرت الأوضاع إلى حد كبير، بينما تتصاعد مخاطر الجفاف في آسيا الوسطى والغربية، إذ لا يواكب التوسع في الري الخسائر المتزايدة في المياه. وتمهد هذه الأنماط للأقسام التالية التي تتناول عن كثب الاتجاهات بحسب نوع الخطر وتسلط الضوء على ملامح حالات قُطرية في أرجاء المنطقة.

استشراف المخاطر المستقبلية: المؤشرات المناخية والجاهزية الوطنية

يُتوقع أن تزداد الأمطار الغزيرة في جميع بلدان آسيا والمحيط الهادئ بحلول نهاية القرن، أي في الفترة من 2081 إلى 2100، بما يتسق مع الاتجاهات الواردة في تقرير التقييم السادس للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ. ويُتوقع أن يصبح حدث الأمطار الذي يقع مرة كل خمسة وعشرين عاماً أشد حدة، ولا سيما في المناطق ذات خطوط العرض العليا والمحيط الهادئ الاستوائي، في حين يُتوقع أن تشهد آسيا الوسطى والغربية زيادات أصغر. ويُتوقع أن تخف ظروف الجفاف قصير الأمد، المقيسة بمؤشر الهطول المعياري لثلاثة أشهر، في ثلثي البلدان، وتُظهر جزر مارشال أكبر انخفاض متوقع في شدة الجفاف بنسبة 13.2%، غير أنه يُتوقع أن يتفاقم الجفاف في كيريباتي وجزر كوك. ومقارنة بإسقاطات الأمطار، يظل عدم اليقين أعلى بالنسبة إلى نتائج الجفاف. ويُتوقع أن ترتفع مخاطر الفيضانات الساحلية في جميع البلدان الساحلية السبعة والعشرين التي تتوفر بياناتها، وتبرز بروناي دار السلام بزيادة قدرها 317% في المساحة المقدرة المتضررة من الفيضانات، وهي نسبة تفوق كثيراً المتوسط الإقليمي البالغ 50%.

وتؤدي خطط التكيف الوطنية دوراً حاسماً في إدارة هذه المخاطر الناشئة. فحتى مايو 2025، قدم سبعة عشر بلداً نامياً في المنطقة خططها إلى الاتفاقية الإطارية، وتمتلك معظم البلدان الأخرى، بما فيها الاقتصادات المتقدمة، استراتيجيات معادلة للتكيف المناخي، ولم يتبق سوى سبعة بلدان لم تستكمل خطة وطنية وتعلنها بعد. وكثيراً ما تحدد هذه الوثائق خطوات الحد من مخاطر الكوارث وإدارة الموارد المائية، مما يدل على جاهزية البلد للتكيف مع الظواهر المناخية المتطرفة مستقبلاً.

عبر المناطق

آسيا الوسطى والغربية

توقف الحد من المخاطر في آسيا الوسطى والغربية خلال العقد الماضي، إذ لم ترتفع متوسطات الدرجات منذ عام 2013 إلا ارتفاعاً هامشياً لتبلغ 13.3 عام 2025. ورغم تحقيق بعض البلدان مكاسب في البنية التحتية، عانت المنطقة في صون تحسينات واسعة النطاق، وجاء التقدم متفاوتاً، مع تأخر درجات الهشاشة والقدرة في أجزاء من المنطقة، وبقاء التعرض للمخاطر، ولا سيما الفيضانات والجفاف، مرتفعاً باستمرار.

ويقف وراء هذا المتوسط تباعد متزايد؛ فبلدان مثل كازاخستان ودول القوقاز تخفض مخاطرها باطراد، بينما تسير جورجيا وأفغانستان في الاتجاه المعاكس، ونتيجة لذلك يظل المتوسط الإقليمي ثابتاً رغم المسارات الوطنية شديدة الاختلاف.

وتوفر الجغرافيا قدراً من الحماية الطبيعية، فعشرة من البلدان الأحد عشر حبيسة لا تتلقى سوى قدر ضئيل من رطوبة الرياح الموسمية، مما يُبقي التعرض للمخاطر الجوية والهيدرولوجية منخفضاً بالمعايير العالمية. غير أن الجفاف يظل مصدر قلق رئيسي، إذ يبلغ التعرض للمخاطر المناخية ضعف المتوسط العالمي، وهو ثاني أعلى معدل بين جميع المناطق. ومع ذلك، يخف ضغط الجفاف في أجزاء من القوقاز وآسيا الوسطى؛ فأرمينيا وأذربيجان وجمهورية قيرغيزستان تُظهر الآن اتجاهات إيجابية في مؤشر الهطول المعياري، مما يفضي إلى معاملات مناخية تقل عن 1.0 تخفض التعرض المستقبلي للمخاطر. وفي المقابل، تشير الزيادات المتوقعة في الأمطار الغزيرة في طاجيكستان وشمال باكستان إلى تصاعد مخاطر الفيضانات الخاطفة.

وتظل الهشاشة ثابتة، إذ توازن المكاسب في محو الأمية والصحة تحدياتُ الحوكمة والفجوات في المساواة بين الجنسين. وتتفاوت مستويات القدرة تفاوتاً واسعاً؛ فالبلدان المصدرة للنفط تمتلك موارد أكبر للحد من المخاطر، لكن التقدم كثيراً ما يكون متفاوتاً وحساساً لأحداث الكوارث الفردية. ويبلغ متوسط معامل تغير المناخ في المنطقة 1.21، وهو أعلى قليلاً من متوسط منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وقد أظهرت طاجيكستان أسرع تحسن في المنطقة، إذ كسبت أكثر من سبع نقاط منذ عام 2013. ويعود قدر كبير من هذا المكسب إلى خروج جفاف عام 2008 من نافذة التعرض الممتدة عشر سنوات، فقد انخفض إجمالي التعرض للمخاطر بأكثر من 80% خلال الفترة من 2013 إلى 2025. وأسهمت تحسينات متواضعة في القدرات، منها عمليات تدقيق سلامة السدود وأول اختبارات وطنية للتنبيه عبر الرسائل النصية القصيرة في عامي 2023 و2024، في ترسيخ هذا التقدم. غير أن الهشاشة تظل مرتفعة، وقد تعكس الزيادات المتوقعة في أمطار الصيف بعض هذه المكاسب ما لم تتحسن الحماية من الفيضانات.

وأحرزت أرمينيا وأذربيجان تقدماً مطرداً، وباتتا الآن ضمن الثلث الأكثر أمناً من البلدان المقيّمة، بدعم من تراجع التعرض للجفاف والاستثمار في الهيدرولوجيا الرقمية ومراكز الاستجابة للطوارئ.

وتُظهر كازاخستان وأوزبكستان درجات ثابتة، فقد ساعد الاستثمار في البنية التحتية على منع نشوء مخاطر جديدة، لكن المكاسب طويلة الأمد تحدها تحديات الحوكمة المستمرة. وفي أذربيجان، تخف حدة الجفاف، لكن تعثر التخطيط للتكيف وحياد اتجاهات الأمطار أخّرا التقدم في القدرات.

وتظل باكستان مصدر قلق؛ فرغم تحسن أنظمة الإنذار المبكر وتمويل الطوارئ، يواصل النمو الحضري السريع والتنمية في السهول الفيضية رفع التعرض للمخاطر. وتبقى أفغانستان الأضعف أداءً في المنطقة، إذ محا تراجع الأمن والحوكمة منذ عام 2020 مكاسب القدرات السابقة، تاركاً البلد شديد التعرض للمخاطر وضعيف التجهيز للاستجابة.

ولصون التقدم، يتعين على البلدان استكمال خطط التكيف المعلقة، ولا سيما في أوزبكستان وأذربيجان وجمهورية قيرغيزستان، وتوجيه النمو الحضري بعيداً عن مناطق الفيضانات عالية الخطورة. ويوفر انخفاض إجهاد الجفاف لفترة وجيزة فرصة للاستعداد للموجة التالية من المخاطر المرتبطة بالمناخ، بما فيها الفيضانات الخاطفة في المرتفعات.

شرق آسيا

تظل شرق آسيا من أقوى المناطق أداءً في تقييم هذا البعد. فبين عامي 2013 و2025، ارتفع متوسط درجاتها بمقدار 9.0 نقاط، مما يعكس تقدماً في المكونات الثلاثة جميعها: انخفاض التعرض للمخاطر، وتراجع الهشاشة، وزيادة القدرة. وترتبط هذه المكاسب ارتباطاً وثيقاً باستثمارات مقصودة في السيطرة على الفيضانات، وتخطيط أحواض الأنهار، وأنظمة الحماية الاجتماعية التي تحول الإنذارات المبكرة إلى عمل سريع. وقد ساعدت هذه التدابير على تعويض تصاعد شدة الأعاصير وتطرف الأمطار، فأبقت اتجاه المخاطر الإجمالي في المنطقة على مسار هبوطي حتى بعد تطبيق الإسقاطات المناخية.

وتقود الصين معظم هذا التحسن؛ فهي موطن لثلاثة أرباع سكان المنطقة الفرعية، وقد حسّنت درجتها بمقدار 9.0 نقاط، وهو أكبر مكسب سجله أي بلد في التقييم. ومن أبرز استثماراتها في القدرات نظام رادار وطني عالي الكثافة لرصد الأمطار، وتقسيم أحواض الأنهار إلى مناطق فيضان، وتوسيع فرق الطوارئ المجتمعية عشرة أضعاف. ونتيجة لذلك، ارتفع مؤشرها الفرعي للقدرة من 0.39 عام 2013 إلى 0.62 عام 2025. غير أن مساحتها الجغرافية الشاسعة تجعلها أيضاً عرضة لطيف واسع من الضغوط المناخية، فحين يُطبق معامل تغير المناخ، تنخفض درجتها الوطنية مرحلة كاملة، مما يبين أن حتى مكاسب القدرات الكبرى لا تستطيع تعويض الزيادات المستقبلية في المخاطر تعويضاً كاملاً.

وتبرز تجربة منغوليا كيف يمكن لنافذة التعرض المتحركة أن تشكل اتجاهات السلاسل الزمنية؛ فقد ارتفعت درجتها ارتفاعاً كبيراً بين عامي 2013 و2016 حين خرج جفاف الفترة من 2000 إلى 2002 من مجموعة بيانات السنوات العشر. وبحلول عام 2025، دخل حدث جفاف جديد في التقييم، فدفع الدرجة إلى الانخفاض مجدداً رغم المكاسب الحقيقية في إدارة المراعي، والمشروعات التجريبية للتأمين ضد الجفاف، وأنظمة الإنذار المبكر. ويبين هذا المثال كيف يمكن لتحرك نافذة التعرض أن يخفي التقدم أو يضخمه.

ويبلغ متوسط معامل تغير المناخ في شرق آسيا 1.26، وهو الأعلى بين المناطق الفرعية، وتُظهر المناطق الساحلية والدلتاوية أعلى الزيادات، بينما تقترب المناطق الداخلية المعتدلة من 1.03. وتخفض هذه المعاملات صافي المكاسب بنحو الثلث، لكن القدرات القوية للمنطقة وانخفاض هشاشتها يساعدان على الحفاظ على اتجاه إيجابي.

وفي المستقبل، سيتحول تحدي شرق آسيا من الإنشاء إلى الصيانة، فصون الأنظمة القائمة وتحديثها في ظل مناخ متغير بات الأولوية. وسيتوقف مزيد التقدم على الاستثمار في الحلول القائمة على الطبيعة، والتنبؤ الإقليمي بالفيضانات، ومواصلة الجهود لتعزيز التماسك الاجتماعي.

المحيط الهادئ

حين لا يُرجح المتوسط بعدد السكان، يظل المحيط الهادئ المنطقة الأضعف أداءً في كل دورات هذا البعد من 2013 إلى 2025 مقيساً بمتوسط الدرجات الوطنية، وهو المنطقة الوحيدة التي أظهرت تراجعاً صافياً في الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه على مدى الأعوام الاثني عشر. وتهيمن المخاطر الجوية، ولا سيما الأعاصير وعرام العواصف، ويؤدي الجفاف أيضاً دوراً رئيسياً، خاصة في الجزر المرجانية المنخفضة حيث تكون عدسات المياه الجوفية الضحلة عرضة لنقص الأمطار. ونظراً لأن عدة دول في المحيط الهادئ، ولا سيما الجزر الأصغر والجزر المرجانية، لا تضم أنظمة أنهار كبيرة، فإن التعرض الهيدرولوجي في المنطقة منخفض. وأربعة من البلدان الخمسة الأدنى درجة عام 2025، هي بالاو وجزر مارشال وولايات ميكرونيزيا الموحدة وتوفالو، دول جزرية في المحيط الهادئ، ويبرز ترتيبها الهشاشة الهيكلية أمام الظواهر المتطرفة التي يدفعها المناخ.

وبين عامي 2013 و2020، تراجعت الدرجة المركبة للمحيط الهادئ باطراد، متتبعة ارتفاع الآثار المبلغ عنها للأعاصير والفيضانات. وتباطأ هذا الاتجاه بعد عام 2020، ويعود ذلك أساساً إلى مكاسب بابوا غينيا الجديدة التي رفعت درجة قدرتها بنسبة 60%، بفضل مبادرات من قبيل توسيع الملاجئ المجتمعية، وتعديل المدارس لتصبح مقاومة للأعاصير، وإنشاء مركز وطني جديد لعمليات الطوارئ. غير أن هذا التحسن لم يرفع متوسط المحيط الهادئ لأن درجتها ظلت دون المتوسط الإقليمي، إذ ارتفعت من 11.7 عام 2013 إلى 12.8 عام 2025.

وتُظهر فيجي اتجاهاً متبايناً؛ فقد ساعد نقل قرية فونيدوغولوا وتوسيع التأمين ضد الأعاصير على تحسين درجات القدرة، لكن الفيضانات المتكررة في دلتا ريوا وتزايد خسائر الأعاصير أبقيا درجتها الإجمالية ثابتة. وفي المقابل، تراجعت بالاو وجزر مارشال وولايات ميكرونيزيا الموحدة وتوفالو جميعها بين عامي 2013 و2025، بانخفاضات تراوحت بين 3.6 و7.3 نقاط. وتمثل حالة توفالو نموذجاً للمنطقة، إذ يواصل التعرض المستمر ومحدودية القدرات الإدارية جرّ الأداء إلى الأسفل حتى مع مستويات متوسطة من الدخل الوطني.

وخارج بابوا غينيا الجديدة، يستمر التعرض في الارتفاع بينما تظل القدرة والهشاشة دون تغيير. فقد ازداد التعرض لمخاطر الجفاف والعواصف في كيريباتي وجزر مارشال وولايات ميكرونيزيا الموحدة وبالاو وتوفالو، ولم تواكب معظم هذه البلدان ذلك، إذ لم تتغير درجات قدرتها إلا بالكاد منذ عام 2013، وتظل هشاشتها مرتفعة. ويتجلى تناقض الجزر بوضوح، فحتى مع مكاسب صغيرة في الدخل، تعاني الدول الجزرية في خفض مخاطرها، إذ يعوق تركز الأصول على السواحل والفجوات في الخبرات الفنية الاستعداد للكوارث والاستجابة لها بفعالية.

ويرفع تغير المناخ المخاطر أكثر، بما يعكس الزيادات المتوقعة في شدة الأعاصير، وطول فترات الجفاف، وارتفاع البحار الذي يضخم مخاطر الفيضانات. ونظراً لأن معظم نماذج المخاطر العالمية لا تستطيع تمثيل الجزر التي تقل مساحتها عن خمسين كيلومتراً مربعاً، فمن المرجح أن يكون الحجم الحقيقي للمخاطر مقدراً بأقل من حقيقته، إذ تشير الدراسات الخاصة بالجزر المرجانية إلى أن تواتر الفيضانات الساحلية قد يتضاعف ثلاث مرات بحلول منتصف القرن.

وتتخلف الاستجابات السياساتية عن هذه التهديدات المتنامية، فلم يستكمل خطط التكيف الوطنية سوى خمسة بلدان جزرية في المحيط الهادئ، وحتى حيث توجد الخطط يكون التنفيذ بطيئاً. فبحلول مطلع عام 2025، لم يُؤمَّن التمويل لأكثر من نصف إجراءات التكيف المخططة، وفقاً لما قُدم إلى الاتفاقية الإطارية. ومن دون مسارات متينة لمشروعات التكيف، ستشهد معظم البلدان تزايداً في درجات المخاطر في الدورات المقبلة مع امتداد سجلات الأعاصير والجفاف.

ويتطلب عكس مسار المحيط الهادئ جهداً إقليمياً منسقاً، تشمل أولوياته توسيع تغطية الإنذار المبكر، والاستثمار في الحماية الساحلية القائمة على الطبيعة، وتوسيع تمويل المخاطر السيادية المصمم لاقتصادات الدول الصغيرة جداً. وفي هذه المنطقة، حيث يحد حجم السكان والعزلة الجغرافية من الخيارات الوطنية، سيكون تجميع الموارد والخبرات على المستوى الإقليمي حاسماً لتجنب ارتفاع جديد في المخاطر المركبة.

الأمن من الكوارث في الدول الجزرية الصغيرة: مخاطر خفية وراء الدرجات الوطنية

انخفضت درجة بالاو في هذا البعد من 13.9 عام 2013 إلى 9.5 عام 2025، وهو تراجع حاد يعكس تصاعد مخاطر الكوارث التي تواجهها كثير من الدول الجزرية الصغيرة النامية. وتظهر اتجاهات مماثلة في جزر مارشال من 14.0 إلى 9.2، وولايات ميكرونيزيا الموحدة من 11.4 إلى 7.8، وتوفالو من 15.0 إلى 7.8. وبينما تُظهر المتوسطات الإقليمية الأوسع تحولات متواضعة، تشهد دول جزرية صغيرة كثيرة زيادات كبيرة في التعرض للمخاطر، ولا سيما من العواصف والجفاف. ويظل التعرض الهيدرولوجي محدوداً في معظم الجزر، باستثناء أماكن مثل فيجي حيث تضخم التضاريس مخاطر الفيضانات.

وفي المقابل، كثيراً ما ركدت القدرة أو تراجعت، إذ تعكس كثير من هذه الدول "تناقض الجزر": اقتصادات مزدهرة نسبياً تظل شديدة الهشاشة أمام الصدمات. فصغر المساحات البرية ومحدودية البنية التحتية والقيود المؤسسية تصعّب توسيع نطاق الحد من المخاطر حتى حيث تكون مستويات الدخل مرتفعة إلى حد ما.

وكثيراً ما تكون المخاطر دون الوطنية أشد بكثير مما توحي به المتوسطات الوطنية. فملديف مثلاً تضم 186 جزيرة مأهولة يقع جميعها تقريباً على ارتفاع يقل عن خمسة أمتار فوق مستوى سطح البحر، ويقل عدد سكان أكثر من 140 جزيرة منها عن ألف نسمة، مع كثافة سكانية تتجاوز ألف شخص لكل كيلومتر مربع. وبينما ظلت الدرجة الوطنية مستقرة بفضل تحسن القدرة على التكيف، تظل جزر خارجية كثيرة شديدة التعرض للمخاطر، إذ إن عدسات المياه العذبة الرقيقة الشائعة في الجزر المرجانية عرضة للجفاف وتسرب الملوحة معاً.

وتوجد مواطن هشاشة مماثلة في أرجاء المحيط الهادئ؛ ففي توفالو، يتوزع نحو 11 ألف شخص على تسع جزر مرجانية منخفضة، وتتناثر جزر كيريباتي المرجانية الثلاث والثلاثون على مساحة 3.5 ملايين كيلومتر مربع من المحيط، بينما تتألف جزر مارشال وولايات ميكرونيزيا الموحدة من عشرات إلى مئات الجزر الصغيرة المعزولة، ويعاني كثير منها من محدودية خدمات الاتصالات والنقل والطوارئ.

وقد تقلل الدرجات الوطنية من شأن المخاطر في هذه الجغرافيا المجزأة، ولذلك يتطلب التصدي للأمن من الكوارث في الدول الجزرية الصغيرة النامية تقييمات دون وطنية، واستثماراً لامركزياً، وآليات منسقة إقليمياً لحماية سكان الجزر الخارجية الهشة.

جنوب آسيا

تظل جنوب آسيا أكثر المناطق تعرضاً للمخاطر في تقييم هذا البعد. فبين عامي 2013 و2025، اتسعت الفجوة بين متوسط درجتها والوسيط الإقليمي، والمحرك الرئيسي لذلك هو تزايد التعرض للمخاطر، ولا سيما الفيضانات والجفاف. وتضيف جنوب آسيا نحو 6% إلى مؤشر التعرض الإقليمي للمخاطر حتى مع تراجع مستويات التعرض العالمية. فتركز السكان والأصول في السهول الفيضية والأطراف القاحلة يعني أن الأحداث الجوية المحلية كثيراً ما تفضي إلى آثار واسعة النطاق. وبين عامي 2020 و2024، سجلت قاعدة بيانات الأحداث الطارئة موسمين متتاليين من الرياح الموسمية الضعيفة على هضبة الدكن، وموسم فيضانات قياسياً لنهر براهمابوترا، وقد استأثر هذا الحدث وحده بنحو ثلث إجمالي التعرض خلال السنوات العشر، حتى قبل تطبيق المعاملات المناخية.

وتباطأت مكاسب القدرات؛ فمن 2020 إلى 2025، ارتفعت الدرجة المركبة للقدرة في المنطقة الفرعية بأقل من نقطة واحدة، وجاءت معظم التحسينات من بوتان وسري لانكا، مما أوقف التقدم في مؤشرات البنية التحتية والاقتصاد. ويلزم تحسين المشاركة المجتمعية في جنوب آسيا لتعزيز الثقة والمشاركة اللازمتين لتحويل الإنذارات إلى عمل. وتظل الهشاشة مرتفعة، فرغم تحسن محو الأمية ومتوسط العمر المتوقع، تواصل تحديات الحوكمة المستمرة إثقال جهود الحد من المخاطر.

وتهيمن المخاطر الهيدرولوجية على المنطقة الفرعية، إذ تقع أربعة من البلدان الخمسة الأعلى تعرضاً هيدرولوجياً في آسيا في جنوب آسيا. ومع وقوع 93% من مستجمع الغانج وبراهمابوترا وميغنا في المنبع خارج بنغلاديش، تواجه بنغلاديش مخاطر فيضانات كبيرة في دلتا مكتظة بالسكان. وقد زاد التوسع الحضري على امتداد الأنهار الوضع سوءاً، إذ ترفع الأسطح غير المنفذة الجريان السطحي وتضاعف التهديد. ويمتد الجفاف أيضاً غرباً، إذ تُظهر بيانات الاستشعار عن بعد تراجعاً بنسبة 4% في رطوبة التربة في المقاطعات شبه القاحلة منذ عام 2016، حتى حيث تبدو الأمطار مستقرة.

ويضخم تغير المناخ المخاطر الأساسية، إذ يبلغ متوسط عامل تغير المناخ في جنوب آسيا 1.13، وتُظهر الأراضي الدلتاوية المنخفضة في بنغلاديش وفي مجرى نهر السند الأدنى معاملات تتجاوز 1.3 بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر وتزايد عرام العواصف الناجم عن الأعاصير.

وبعض المخاطر القائمة آخذة في التنامي؛ ففي جبال هندوكوش الهيمالايا، يؤدي انحسار الأنهار الجليدية إلى تشكل بحيرات أكبر محتجزة بالركام الجليدي. وقد حدد العمل الميداني للمركز الدولي للتنمية المتكاملة للجبال عام 2024 خمساً وعشرين بحيرة يُحتمل أن تكون خطرة في بوتان ونيبال، أي ضعف العدد المسجل عام 2013. وتشكل هذه البحيرات تهديداً متزايداً بفيضانات انفجار البحيرات الجليدية، التي قد ترفع التعرض الهيدرولوجي لمعظم بلدان جنوب آسيا ارتفاعاً حاداً في حدث واحد.

وتظل بنغلاديش حالة متناقضة؛ فالاستثمار الكبير في ملاجئ الأعاصير وأنظمة الإنذار المبكر المجتمعية خفّض الوفيات الناجمة عن العواصف بأكثر من 90% منذ تسعينيات القرن الماضي، لكن مخاطرها تظل مرتفعة بسبب التعرض المستمر للفيضانات. ورغم أن محادثات إدارة الأحواض مع الهند ونيبال حسّنت تبادل البيانات، لا يوجد حتى الآن نظام مشترك للتنبؤ بالفيضانات، ونتيجة لذلك تواصل بنغلاديش مواجهة مخاطر متبقية مرتفعة.

ورغم التحديات العامة، ثمة مؤشرات على التقدم؛ فقد ارتفعت درجة سري لانكا من 9.0 عام 2013 إلى 12.6 عام 2025، بفضل إعادة تأهيل السدود وتوسيع شبكة مقاييس الأمطار. وحسّنت بوتان قدراتها الاجتماعية بإيصال التثقيف المدرسي بشأن الكوارث إلى 95% من الطلاب. أما في نيبال، فلم يُترجم تزايد التحويلات المالية بعد إلى خفض للمخاطر، إذ يظل الاستثمار الرأسمالي ثابتاً، وتوقفت مكاسب التماسك الاجتماعي.

وسيتوقف التقدم المستدام في جنوب آسيا على الاستثمار المتكامل؛ فالقدرة على الصمود أمام الفيضانات تتطلب هيدرولوجيا تنبؤية، وتمويلاً للعمل المبكر، وتنسيقاً عابراً للحدود، بينما تعتمد القدرة على الصمود أمام الجفاف على أنظمة ري حديثة وتنظيم أقوى للمياه الجوفية. ومع رفع المعامل المناخي للمخاطر الأساسية بالفعل، تضيق نافذة العمل، وسيتوقف قدرة جنوب آسيا على ثني منحنى مخاطرها قبل التقييم المقبل على تخطيط يتخطى القطاعات والحدود.

جنوب شرق آسيا

تأتي جنوب شرق آسيا الآن مباشرة بعد شرق آسيا في درجات هذا البعد. فمنذ عام 2013، خفضت المنطقة مخاطرها باطراد، وتحقق أكبر تقدم بين عامي 2020 و2025، حين فاقت مكاسب القدرات الزيادات المتواضعة في التعرض. وتحتل إندونيسيا، التي تضم نحو 40% من سكان المنطقة، وسط التوزيع، ويميل حجمها إلى حجب التقدم الأسرع في البلدان المجاورة الأصغر. ويتشكل ملف المخاطر في المنطقة بفعل المخاطر الهيدرولوجية والجوية، بينما تظل المخاطر المناخية منخفضة نسبياً، مع فيضانات وعواصف متقطعة تتخللها موجات جفاف أكثر محلية.

وتحمل إندونيسيا درجة متوسطة في هذا البعد؛ فعقد من التحديثات التدريجية، بما في ذلك تقسيم أحواض الأنهار إلى مناطق وشبكة الإنذار المبكر من التسونامي، ساعد على رفع قدرتها فوق الوسيط الإقليمي. غير أن سجلات قاعدة بيانات الأحداث الطارئة تُظهر تعرضاً مستمراً على امتداد ممرات الأنهار في جاوة وفي الشرق المعرض للأعاصير. ويقترب معامل تغير المناخ في البلاد من المتوسط الإقليمي عند 1.19، مما لا يشير إلى ضغط قوي صعوداً أو هبوطاً على المخاطر الأساسية.

وحققت كمبوديا ثاني أكبر تحسن في هذا البعد في جنوب شرق آسيا، وأظهرت تقدماً متواصلاً عبر دورات التقييم الأربع من 2013 إلى 2025. فبين عامي 2020 و2025 وحدهما، ارتفعت درجتها المركبة بأكثر من نقطتين، جاء نصف هذا المكسب من انخفاض الأحداث الخطرة المسجلة، والنصف الآخر من تحسن القدرات. وباتت تغطية الإنذار المبكر تصل إلى أكثر من 80% من المقاطعات عبر خدمات الهاتف المحمول، وتتلقى لجان الكوارث المحلية تمويلاً منتظماً عبر صندوق الكومونات والسانغكات. غير أن المخاطر المستقبلية المتوقعة تظل مرتفعة، فمعاملات الفيضانات الساحلية والنهرية التي تتجاوز 1.78 تشير إلى أن المكاسب الأخيرة قد تكون معرضة للخطر ما لم يستمر الاستثمار في التكيف.

وتُظهر فييت نام تقدماً مماثلاً وإن كان على نطاق أكثر اعتدالاً؛ فقد تراجع التعرض قليلاً مع اقتراب اكتمال بناء السدود الترابية للحماية من الفيضانات، وتخفيف استعادة أشجار المانغروف لآثار عرام العواصف. وبحلول عام 2025، باتت 94% من شبكة السدود الترابية في نهري الميكونغ والأحمر، البالغ طولها 3,200 كيلومتر، تستوفي معيار الحماية من فيضان يقع مرة كل ثلاثين عاماً، بعد أن كانت النسبة 81% عام 2018. كما تحسن الاستعداد بإطلاق تطبيق وطني للإنذار المبكر من المخاطر المتعددة. ومع ذلك، يخفف معامل تغير المناخ في فييت نام البالغ 1.22، المدفوع بالارتفاع المتوقع لمستوى سطح البحر في دلتاها الرئيسيتين، من المكاسب الإجمالية.

وظلت درجة تايلند مستقرة نسبياً قبل عام 2016، مما يعكس الآثار المستمرة لكوارث سابقة، بما فيها الفيضانات وموجات الجفاف المتتالية. لكن البلاد حققت منذ عام 2016 تقدماً مطرداً ومتزايد القوة، بلغ ذروته في أكبر مكسب لها بين عامي 2020 و2025. ويعود هذا التحسن الأخير أساساً إلى انخفاض الأحداث الخطرة المسجلة، رغم تراجع القدرة قليلاً. وفي الوقت ذاته، تشير الإسقاطات المناخية إلى تصاعد المخاطر، ولا سيما المخاطر الجوية والهيدرولوجية بمعاملين قدرهما 1.49 و1.16 على التوالي. وتساعد تدابير البنية التحتية، كأنفاق التصريف في بانكوك والمخطط الرئيسي لنهر تشاو فرايا، على إدارة هذه التهديدات المتنامية.

وتظل جمهورية لاو الديمقراطية الشعبية من أكثر بلدان المنطقة تعرضاً للمخاطر، إذ تحتل المرتبة الرابعة في التعرض الهيدرولوجي في البر الآسيوي بعد بنغلاديش ومنغوليا وباكستان. وتواصل الفيضانات الموسمية على امتداد نهر الميكونغ وروافده ضعيفة الرصد دفع المخاطر، في حين تُبقي محدودية التغطية التأمينية وضعف الاتصال الرقمي درجات القدرة منخفضة. ومن دون تحول كبير في إدارة الفيضانات على مستوى الحوض والحماية الاجتماعية، يُرجح أن تظل لاو على مسار عالي المخاطر.

ويبلغ متوسط معامل تغير المناخ في المنطقة الفرعية 1.19، وتتجاوز الأراضي الساحلية المنخفضة في كمبوديا وفييت نام 1.2، بينما تقترب لاو وشمال ميانمار من 1.05. ويعكس هذا التباين مسارات مستقبلية متباعدة، فالبلدان التي تخفض التعرض وتبني القدرات بسرعة قد تواصل رفع درجاتها، لكن النافذة تضيق، ولا سيما في مناطق الدلتا حيث يتسارع ارتفاع مستوى سطح البحر.

وسيتوقف صون التقدم على توسيع أنظمة الإنذار المبكر، وحماية السواحل من ارتفاع البحار، وضمان أن يدعم النمو الاقتصادي حماية اجتماعية شاملة وقادرة على الصمود أمام تغير المناخ.

تمكين المرأة لتعزيز القدرة على الصمود أمام الكوارث والأمن المائي

كثيراً ما تعطل الكوارث المرتبطة بالمناخ، كالفيضانات والأعاصير والجفاف، أنظمة إمدادات المياه، فتزيد عبء الرعاية غير المأجورة الذي تتحمله النساء وتعرّض المجتمعات لمخاطر صحية أكبر. وفي الفلبين، يبين المشروع الوطني للتنمية المجتمعية المعروف باسم كالاهي سيدس كيف يمكن للمقاربات المراعية للنوع الاجتماعي أن تبني الأمن المائي والقدرة على الصمود أمام الكوارث.

فقد نُفذ المشروع في أكثر من 14 ألف قرية، ودعم بناء أنظمة مياه آمنة، وصنابير جماعية، ومرافق صامدة للمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، ولا سيما في المناطق الفقيرة والمعرضة للكوارث. وأدت النساء دوراً محورياً في تصميم المشروع وتنفيذه، إذ شكلن 60% من اللجان المحلية، وساعدن على تخطيط البنية التحتية المائية وبنائها وإدارتها، كما قدن خطط الاستجابة المحلية للطوارئ.

ومن خلال وضع النساء في صميم صنع القرار، عزز المشروع القدرة على الصمود والحصول على المياه النظيفة معاً، ويبرز كيف يمكن للتخطيط الشامل الذي تقوده المجتمعات أن يحد من آثار الكوارث ويحمي الفئات الهشة.

الخلاصة والنتائج

يبين تقييم البعد الخامس لعام 2025 أن الأمن من الكوارث المرتبطة بالمياه يتحسن في أرجاء آسيا والمحيط الهادئ، لكن التقدم متفاوت. فالقدرة هي أقوى محركات الأداء في هذا البعد، غير أن نموها لا يزال غير منتظم؛ إذ حققت بعض البلدان تقدماً واضحاً، بينما تواجه بلدان أخرى مخاطر متصاعدة دون تحسينات موازية في الاستعداد.

وتتصدر الصين المكاسب الإجمالية في هذا البعد، مدفوعة بالاستثمار في البنية التحتية وأنظمة الإنذار المبكر، لكن حتى هذا النجاح يحدّ منه تصاعد الضغط المناخي، فحين تُطبق الإسقاطات المستقبلية تنخفض درجتها مرحلة كاملة، مما يؤكد التأثير المتنامي للمخاطر المعدلة مناخياً.

وقد حسّنت باكستان أنظمة الإنذار المبكر وتمويل الكوارث، لكن استمرار الزحف العمراني على السهول الفيضية يدفع التعرض للمخاطر إلى الارتفاع، ومن دون إصلاح استخدامات الأراضي تظل هذه المكاسب هشة.

ورفعت كمبوديا درجتها باطراد من خلال استثمار محلي منتظم في الاستعداد، إذ بنت التنبيهات عبر الهاتف المحمول ولجان الكوارث المجتمعية الممولة القدرة على الصمود من القاعدة إلى القمة، حتى مع تصاعد المخاطر المناخية.

وتحسنت قدرة تايلند على الصمود أمام الكوارث تحسناً حاداً في السنوات الأخيرة بفضل استثمارات كبرى في البنية التحتية، لكن تقادم الأنظمة ومحدودية الصيانة يطرحان الآن تحديات مع اشتداد المخاطر المناخية، وتؤكد الإسقاطات المتصاعدة للأمطار والفيضانات الساحلية الحاجة إلى مواصلة التكيف وتحديث الأنظمة.

وتواجه الدول الجزرية الصغيرة النامية أوضح التحديات الهيكلية، إذ يظل "تناقض الجزر" صارخاً: دخل وطني متوسط يتعايش مع مخاطر مرتفعة، بسبب العزلة الجغرافية وصغر المساحات البرية والفجوات في الخبرات الفنية، وكثيراً ما تخفي الدرجات الوطنية هشاشة أكبر بكثير في الجزر الخارجية.

ويرتبط التماسك الاجتماعي بأقوى علاقة بانخفاض مخاطر الكوارث، فالبلدان ذات المستويات العالية من الثقة والشمول والمشاركة المحلية تحقق باستمرار أداءً أفضل، ويساعد رأس المال الاجتماعي على تحويل الإنذارات إلى عمل ويعزز التعافي حتى في البيئات منخفضة القدرة.

ويواصل تغير المناخ تحريك خط الأساس للمخاطر، إذ يبلغ متوسط المعامل الإقليمي 1.19، وستشهد العواصف الساحلية أكبر زيادة في التعرض للمخاطر، بينما يشهد الجفاف الانخفاض الطفيف الوحيد في التعرض المستقبلي. وتبرز هذه التحولات إلحاح التكيف الاستشرافي.

وفي المستقبل، تبرز خمسة إجراءات: إدماج تمويل مخاطر الكوارث في الميزانيات الوطنية، وتوسيع أنظمة الإنذار المبكر لتصل إلى جميع المجتمعات، وإعطاء الأولوية لصيانة البنية التحتية القائمة وتحديثها، وتعزيز التماسك الاجتماعي من خلال برامج شاملة لمخاطر الكوارث، واستكمال خطط التكيف الوطنية وتمويلها للحد من التعرض المتوقع.

وإذا اعتُمدت هذه الإجراءات على نطاق واسع، يمكن للمنطقة أن ترفع درجتها في هذا البعد بنقطتين، وهو ما يكفي لإخراج 34 مليون شخص من المرحلة المنخرطة، قبل أن ترسخ الظواهر المناخية المتطرفة وسجلات المخاطر الأطول خطوط أساس أعلى.

دراسة ذات صلة