القائمة الرئيسية

كتاب الإبداع

كتاب الإبداع
ملخص الكتاب

هذا الكتاب يناقش العلاقة بين الإبداع والذكاء وكيفية تأثير العمليات العقلية والبيئية المختلفة على التفكير الإبداعي. يستعرض الكتاب بشكل موسع النظريات والمفاهيم المرتبطة بالإبداع، مثل التفكير التباعدي والتقاربي، وأهمية البيئة والمرونة الذهنية، ودور الحدس والمعالجة اللاشعورية في الإبداع. كما يتناول نماذج المراحل والمكونات التي تسعى لفهم المعرفة الإبداعية، مثل نموذج جيلفورد ونظرية العتبة التي تفترض وجود مستوى معين من الذكاء الضروري للإبداع، وأثر الخبرة والتخصص في تشكيل القدرات الإبداعية. يناقش الكتاب أيضًا كيفية التعامل مع المشكلات، سواء من حيث إيجادها أو حلها، ويربطها بمهارات التفكير الإبداعي. كما يسلط الضوء على أهمية الانفتاح الذهني والتنبه لاستكشاف أفكار جديدة وتطوير مهارات معرفية تساهم في الإبداع.

الإبداع والذكاء CREATIVITY AND INTELLIGENCE

 كانت العلاقة بين معامل الذكاء والطاقة الإبداعية الكامنة مادة للجدل قبل حوالي 10 أو ٥٠ سنة. وقد كانت العلاقة بين الذكاء والإبداع موضوع الجدل الأهم عندما كانت دراسة الإبداع في مهدها، لأن عيدان الإبداع كان بحاجة إلى فصل نفسه عن المواضيع العلمية الأخرى والاهتمامات البحثية التي سادت في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، مما تطلب وجود أدلة تجريبية تثبت أن الإبداع يختلف عن الذكاء. وقد أعطى إثبات انفصال الإبداع عن الذكاء التقليدي هذا الميدان الهوية والاحترام الملاثنين به. 

وقد صممت بعض البحوث الأولى التي أجريت على الإبداع لاختيار إمكانية أن يكون الإبداع شيئًا منفصلاً عن الذكاء. فإذا كان الإبداع، في نهاية المطاف معتمدا على الذكاء فلن يكون هناك سبب وجيه الدراسته أو حتى تشجيعه، وبدلا من ذلك. يمكن تشجيع الذكاء ودراسته فيتيمه الإبداع تلقائيا. لكن البحوث الأولى أكدت أن الإبداع ( كما حدده التفكير التباعدي في تلك البحوث أو كما حددته بعض مقاييس القلم والورقة) لا يعتمد على الذكاء التقليدي. 

وقد عانى ميدان البحوث الإبداعية من بدايك غير مستقرة فقد ذكر ""جنسيلز"" و ""جاكسون"" (1962 Getzels and Jackson) . مثلا أن الإبداع لا يختلف اختلافا واضحا عن الذكاء وقد كانت هذه النتيجة مبنية على بحوث تجريبية أجريت على مجموعات معقولة من الطلاب تقدم كل منهم الاختبارات متعددة تقيس قدرته الإبداعية الكامنة، إضافة إلى معلومات جمعت عن الطاقة الذكائية التقليدية لكل منهم، ولتبسيط بعض النتائج، نقول إن مقاييس القدرة الإبداعية الكاملة ومؤشرات الذكاء التقليدي كانت مترابطة ولم يرد في النتائج أن هذين المفهومين مستقلان عن بعضهما بعضاً.

 )Wallach and Kogan, 1965( ""وقد شكل ""والاش"" و ""كوجان ) في هذه النتيجة، وناقشا تحديدا المنهجية التي أفضت إليها وشعرا أن الاختبارات التي استعملها ""جنيلز"" و ""جاكسون كانت متنوعة جدا وكشفت عن مهارات غير إبداعية إضافة إلى المواهب الإبداعية ووجدا أن الإبداع يمكن قمعه سهولة في بيئات التعليم أو بيئات الاختيار. وقد انطلقا من هذه -Modes of Thinking in Young Children - الفكرة إلى إجراء بحثهما عن أساليب التفكير لدى الأطفال الصفار ) وهذا هو عنوان كتابهما)، واعتمدا في بحثهما ذاك على اختبارات التفكير التباعدي وهي اختيارات تحتوي، كما سنصفها الاحدا على أسئلة مفتوحة النهاية ( مثلاً: ""ما الأشياء التي تتحرك على عجلاتة"")، مما يسهل على الطالب التوصل إلى إجابات أصيلة. 

كما اهتم ""والاش"" و ""كومان"" اهتماما كبيرا في بيئة الاختبار، وقضيا وقتا طويلاً في المدارس قبل جمع البيانات البناء علاقة من الألفة مع الطلاب، وعندما طبقت مقاييس التفكير التباعدي في النهاية، أخيرا الطلاب أنها كانت مجرد تمارين وليست اختبارات، وأنها لا تعطى درجات وأن الإملاء فيها غير مهم، وأن التفكير في إجابات صحيحة ليس هو المهم وانما عليهم أن يسردوا الأفكار المتعددة بدلاً من ذلك، وطلبا منهم أن يستمتعوا بأوقاتهم، ولا شك أنهم فعلوا ذلك. لقد نجحت البيئة الشبيهة باللعب أو البيئة المتسامحة، وأبدى الأطفال درجات عالية من الأصالة، واقترحوا إجابات متعددة في العاب التفكير التباعدي، عكست أنماطا من التفكير لا يمكن التنبؤ بها من خلال الذكاء التقليدي، وكان الاستنتاج أن درجة الذكاء. والمعدل التراكمي، والتفكير التقاربي اللازم لهما ( أنظر المربع (۱۰۱) مستقلة عن التفكير التباعدي والتفكير الأصيل قد تبدو هذه النتيجة نتيجة إحصائية وعلمية - وهي فعلا كذلك - لكن علينا أن تفكر فيما يطلبه هذا الاستنتاج نفسه من منظور التعرف على الأطفال المبدعين، فذلك يعني أنه إذا كانت المدارس تهتم بالإبداع وتعطي الطلاب تمارين واختبارات لتحديد قدراتهم الإبداعية، في جو أكاديمي يشبه جو الاختبار، فسيكون الطلاب المتفوقون دائما هم الذين يحصلون على درجات عالية في هذه الاختبارات، وأما الطلاب الذين يحصلون على درجات متواضعة أو متدنية في الاختبارات التقليدية فسيكون أداؤهم متواضعا أو متدنيا أيضاً.

ولو طبقت هذه الاختبارات في جو متساهل، كغرفة الصف المضبوطة جيدًا، فقد يحرز الأطفال ذوو الأداء المتواضع أو حتى المتدني في الاختبارات الأكاديمية، أداء عاليا عليها، وقد تظهر لنا هذه الأجواء أطفالاً مبدعين يمكن تجاهلهم في الأجواء الأخرى. 

وقد وسع والاش"" و ""وينج"" (1969 ,Wallach and Wing) هذا الخط البحثي ليشمل طلاب الجامعة، واستعملا اختبارات للتفكير التباعدي تختلف عن سابقاتها، وجمعا بيانات عن أنشطة وإنجازات لا منهجية إضافة إلى الاختبارات. وقد مكنهما ذلك من التحقق من الصدق التنبؤي (Predictive validity) لاختبارات التفكير التباعدي و تطلق تسمية الصدق التنبؤي على الاختبارات التي تزودنا بمعلومات عن المستقبل، أو عن الأداء في ما هو أبعد من بيئة الاختبار. ومن الأمور المثيرة التي وجدها ""والاش"" و ""وينج"" ارتباط اختبارات التفكير التباعدي ارتباطا معقولاً بأنشطة الطلاب وإنجازاتهم اللامنهجية ) أي أنها تتنبأ بها ) ، بينما لم ترتبط مقاييس الذكاء التقليدية بهذه الأنشطة والانجازات، وقد تكررت هذه النتيجة ذاتها عدة فهي تنطبق على بعض مجالات ،) Kogan & Pankove, 1974;Milgram, 1978; Runco )1986( مرات فيما بعد الإنجاز أكثر من غيرها، وهذا متوقع لاختلاف القدرات الإبداعية في المجالات المختلفة. ولا شك أن هذا الفرق مهم جدا فهو يوحي بأن التفكير الإبداعي، كما تعكسه اختبارات التفكير التباعدي، أكثر أهمية في البيئة الطبيعية من اختبارات الذكاء أو الاختبارات الأكاديمية. تأمل في الآتي: ما الذي تريد أن تكون قادرا على التنبؤ به المعدل التراكمي أم الأداء في البيئة الطبيعية؟ لو كان لديك طفل في المدرسة، فهل تفضل أن يكون أداؤه عاليا في المدرسة أم في البيئة الطبيعية؟ 

وقد عرضت توضيحات كثيرة للصدق التنبؤي لاختبارات الإبداع ( امتحانات التفكير التباعدي واختبارات أخرى كثيرة في أماكن متفرقة من هذا الكتاب. لكن ما يهمني هنا هو أن التفكير الإبداعي قد يكون مختلفا جدا عن الذكاء التقليدي. وعندما نمارس أحدهما، فليس من الضروري أن يطرأ تحسن مماثل على الآخر. 

ما الذي تمارسه في نظامنا التربوي؟ هل هو الذكاء التقليدي أم الحل الإبداعي للمشكلات؟ إن التمييز بين التفكير التباعدي ( توليد عدد كبير من الأفكار والتفكير التقاربي ( تذكر إجابة صحيحة أو تقليدية واحدة أو التوصل إليها ) يبين لنا بوضوح أن معظم الجهود التربوية تركز على التفكير التقاربي، وهذا يعني أنها لا تقدم شيئًا يذكر للطاقات الإبداعية الكامنة.

لا تخبرنا اختبارات الذكاء أكثر من النتائج التي يفرزها الاختبار، فهي تمكننا من التنبؤ بالنجاح في المدرسة، ومع أن ذلك مهم في جوانب كثيرة، إلا أن الطلاب في الولايات المتحدة يقضون ۱۲ سنة، أو نحوها في المدرسة. فكم من الوقت يقضون خارج المدرسة وفي البيئات الطبيعية؟ 

كما تقتصر اختبارات القدرة الإبداعية على المهارات التي يتطلبها اختبار معين فالاختبارات دائما محدودة في جوانب معينة ( أنظر الفصل (٦). فقد لا يكون المتقدمون للاختبار مهتمين به، فلا يبذلون كل ما لديهم من طاقة، وإذا حدث ذلك فإن الطفل سيحصل على درجة تخبرنا أنه لم يكن مهتما بتطبيق ذلك الاختبار على نفسه فلا غرابة إذن أن تكون قدرة الإختبارات على التنبؤ محدودة. ولهذا السبب فإن من الأفضل أن تنظر إلى الاختبارات على أنها مؤشرات على الطاقة الكامنة. فإذا كان أداء الطالب جيدا في الاختبار، فإن أداءه في البيئة الطبيعية قد يكون جيدا، وقد لا يكون، ويكون الاختبار دقيقا جدا إذا اهتم الفرد به ) فبذل تبعا لذلك جهدًا كبيرًا في الاستعداد له واهتم كذلك بالأداء الجيد في البيئة الطبيعية. ن

ظرية العتبة Threshold Theory 

دحض سبيرمان (1927 ,Spearman)، الإحصائي الذي كتب كثيرا عن العامل ""9"" وعن القدرة العامة ( وهي أساس الذكاء ) ، فكرة الإبداع بكل وضوح. وقال "" إن كل الدلائل تشير إلى أنه لا وجود للقوة الإبداعية الخاصة. فكل العمليات ""الوراثية  الجديدة الثلاث التي وصفت في بداية هذا الفصل نتجت عن محتوى عقلي جديد وعن معرفة جديدة؛ ولا يمكن الحصول على أي جيل معرفي جديد بغير هذه العمليات ولا يمكن حتى لأشخاص من طراز ""شكسبير""، ونابليون"" و ""دارون"" أن يحصلوا على أي منها. ويمكن ببساطة تفسير ما يعزى عادة إلى مثل هذه العمليات الابتكارية أو الخيالية الخاصة من خلال الجمع بين خبرات الشخص وإعادة إنتاجها ذهنيا. ويمكن أن نتنباً، من هذا الموقف التحليلي، أن كل القوى الإبداعية - سواء كانت تتم تحت مسمى الخيال أم لا - سوف تتضمن في كل مستوياتها العامل العام "" ( ص (۱۸۷) . وقد أشار ""سبيرمان إلى بحوث أقدم من بحثه كالبحث الذي نشره ""مارجريفز"" (1927 ,Hargreaves) في مجلة British Journal of psychologyical monograph supplement ووجد فيه ارتباطات كبيرة بين الاختبارات والقدرة العامة من جهة وبين ما يأتي: بقع الحبر واختبار التكميل الحر، والصور غير الكاملة، والقصص غير الكاملة. ففي اختبار بقع الحبر، مثلاً ، يجب على المفحوصين أن ينظروا إلى بقعة حبر ويكتبوا كل الأشياء التي يرونها فيها. لاحظ أن هذا الاختبار كان محددا بزمن، ولكنه لم يكن مختلفا عن أي اختبار شكلي من اختبارات التفكير التباعدي. ويكلف اختبار التكميل الحر المفحوصين بإكمال ""الفراغات الموجودة في النصوص النثرية"" ( ص (۱۸۷) . ويقال للمفوضين في اختبار الصور غير المكتملة أن ""فنانا قد بدأ لتوه برسم صورة ولكنه لم يكلمها وأن عليهم كتابة كل الأشياء التي يرغبون بإضافتها إلى الصورة لو كان عليهم إكمالها "" (ص ۱۲۷). وطرح اختبار القصص غير المكتملة على المفحوصين شيئا كالآتي: ""رأت فتاة صغيرة، بعد ذهابها إلى حديقة الحيوان، حلما غريبا. حلمت أن ..... "" ( ص ص ۱۸۷-۱۸۸ ) . وسمح للمفحوصين بعشرين دقيقة لكتابة القصة.

لكن الذكاء لا يمكن أن يكون مستقلا عن الطاقة الإبداعية الكامنة بشكل كامل، وتفيد إحدى وجهات النظر الشائعة اليوم بأن هناك عتبة من الذكاء ( مستوى أدنى غالبا ) ضرورية للإنجازات الإبداعية. وربما كان من الأنسب أن نشير إلى وجود عتبة من الذكاء "" التقليدي""، لأن الذكاء يعني أشياء عديدة لكثير من الناس ( أنظر المربع (۲:۱). فبعض الناس يساوون بين الذكاء والأداء الأكاديمي، بينما يساوي آخرون بينه وبين الاستعداد اللفظي أو الفطنة. وغالبا ما ينظر إلى الأطفال المتعلمين جيدا على أنهم أذكياء. وهذا بحد ذاته ليس أمرًا سيئا ولكن النتيجة الطبيعية لهذا هي أن الأطفال غير المتعلمين جيدا لا يكونون لأن المعلومات ،)Runco et al, 2006) - experiential bias - أذكياء. وهذه مشكلة حقيقية تسمى التحيز التجريبي تجمع عادة من التجارب، وبالتالي فإن الربط بين الذكاء والمعلومات يقود مباشرة إلى تحيزات ضد الأطفال الذين يمكن أن يكونوا مقتدرين ولكنهم يفتقرون إلى الخبرات الأساسية. 

يشير الذكاء عادة إلى نسبة تسمى معامل الذكاء (IQ) أو أية أنواع مماثلة من القدرات، ولكن من الأفضل، حتى في هذه الحالات الإشارة إلى اختبار بعينه. فالاختبارات المختلفة تقيس مهارات عقلية مختلفة. كما أن هناك إمكانية عدم القدرة على قياس الذكاء باختبارات الورقة والقلم. 

تقول نظرية العتبة أن هناك حدا أدنى من الذكاء ( العتبة الدنيا ) لا يستطيع الشخص أن يكون مبدعا إذا كان ذكاؤه أقل منها. وبدلاً من الاستنتاج بأن الذكاء والإبداع شيء واحد، أو أن الذكاء والإبداع شيئان مختلفان تماما، تميل نظرية العتبة إلى الاعتقاد بأنهما مترابطان، لكن عند مستويات معينة من القدرة، وتتلخص إحدى المضامين المهمة لنظرية العتبة في أن الذكاء ضروري ولكنه غير كاف للإنجازات الإبداعية، ولذلك، إذا كان ذكاء شخص ما تحت مستوى العتبة، فإنه لن يستطيع التفكير جيداً بحيث يتمكن من إبداع أعمال خلاقة بنفسه. أما فوق مستوى العتبة، فتكون القدرة على الإبداع متوفرة، ولكنها ليست مضمونة على أي حال فقد يكون الشخص مبدعا وقد لا يكون. 

ويوضح شكل الانتشار البياني ١:١ أدناه مثلثا وعتبة دنيا من الذكاء، وترى إحدى المضامين المهمة الأخرى لهذه النظرية أن بعض الأشخاص قد يمتلكون مستويات عالية من الذكاء، إلا أنهم يمتلكون مستويات متدنية من الطاقة الإبداعية، فالذكاء والإبداع إذن، غير معتمدين على بعضهما بعضًا. لاحظ أنه لا يمكن أن يمتلك الشخص مستوى متدنيا من الذكاء ومستوى عاليا من الطاقة الإبداعية، ولاحظ أيضًا، أن هذه البيانات جمعت من اختبارات الإبداع واختبارات الذكاء. وقد بنيت هذه النظرية على القدرات التي تكشف عنها الاختبارات، وليس على الأداء الإبداعي أو الذكي في البيئة الطبيعية.

ولا شك في أن نظرية العتبة تنطبق على اختبارات معينة للذكاء ولا تنطبق على اختبارات أخرى (2005) .Sligh et al 1986 ,Ruco & Albert) ، ولكنها نظرية منطقية ومتسقة تماما مع البحث التجريبي، ومع المبدأ العام للإنجازات الإبداعية أيضًا باعتبارها أشكالاً من الأداء الأمثل. وكما أوضحت في الفصل ۱۱ ، يتطلب كل شيء عن الإبداع مستوى أمثل من نوع ما.

وهناك عدة عوامل تؤثر في الإبداع، كالتفكير التباعدي، مثلاً، لكن قليلاً منها فقط يسهم في تشكيل هذه القدرة الكامنة. وتبدأ الأداءات الإبداعية بالتضاؤل بعد وصول هذا التفكير إلى نقطة معينة، فعندما يطلب مني تسمية كل الأشياء المربعة تكون ""موسيقى والدي أصلية ومناسبة - أي تكون فكرة تباعدية مثلى - لكن ""كرة السلة"" ستكون أبعد من مستوى الأصالة الأمثل وبالتالي لا تكون مناسبة ولا إبداعية. وسنعود مرارا للحديث عن فكرة المستوى الأمثل في هذا الكتاب ( أنظر أيضا .(Runco & Sakamoto, 1996

بنية العقل Structure of Intellect 

كان أول . من اقترح التمييز بين التفكير التباعدي والتفكير التقاربي هو ج، ب، جيلفورد .. فقد كان رئيسا لجمعية علم النفس الأمريكية وكرس خطابه الرئاسي عام ١٩٤٩ لموضوع الإبداع (1950 ,Guilford). وقال ""جيلفورد"" إن الإبداع ثروة طبيعية وإن الجهود المبذولة لتشجيعه ستعود بالنفع العميم على المجتمع كله، كما أكد أنه يمكن دراسة الإبداع دراسة موضوعية. وحاول في السنوات ال ٣٥ التي تلت ذلك أن يثبت صحة هذه الفكرة.

استطاع ""جيلفورد"" (1968,1986 ,Guilford) أن يحدد ۱۸۰ مظهرا مختلفًا للعقل. وكانت وجهة نظره، بهذا المعنى بعيدة كل البعد عن كافة نظريات الذكاء فاختبارات الذكاء تفترض عادة وجود ذكاء عام واحد (9) تقوم عليه كافة التصرفات الذكية - أي أن كل فعل ذكي يحتاج إلى هذا الذكاء العام. لكننا نعرف أن نموذج ""جليفورد"" في بنية العقل تعرض لعدة انتقادات بسبب الطرق الإحصائية التي استعملها للفصل بين الخلايا المئة والثمانين (1968 ,Carroll). لكن أفكار ""جيلفورد"" عن التفكير التباعدي والتفكير التقاربي كانت مفيدة جدا ، حتى لو أن طرقه في الإحصاء تعرضت للانتقاد. والحقيقة أن معظم ما كتبه عن الإبداع كان وما زال مؤثرًا جدًا في هذا الميدان ( انظر 1999 ,Runco).

يوظف الإنسان التفكير التباعدي عندما تطرح عليه مهمة مفتوحة النهاية ( كالأمثلة التي ضربناها سابقا حول "" استعمالات الطوب، مثلاً ""). ويكون التفكير التباعدي، وفق هذا المنظور، شكلاً من أشكال حل المشكلة. فهو يقود الشخص إلى استجابات متعددة ومختلفة، على العكس من التفكير التقاربي، حيث يقدم الفرد الإجابة الصحيحة أو التقليدية ("" من الذي فاز بكأس العالم عام ١٩٨٨؟"" ) . وعندما نستخدم التفكير التباعدي للكشف عن الإبداع، فإن الفروق الفردية يمكن أن تكون في الطلاقة (عدد الأفكار المطروحة)، والأصالة عدد الأفكار الفريدة أو غير المألوفة)، والمرونة ( عدد الفئات المختلفة التي يمكن أن تصنف فيها الأفكار).

متصل التقارب - التباعد Convergence-Divergence Continuum 

يشير التمييز بين التفكير التقاربي والتفكير التباعدي إلى وجود قطب ثنائي لكن من المحتمل أن يكون التفكير التباعدي والتقاربي نهايتين لمتصل واحد (2003 ,Eysenck). وهذا معقول جدا عندما نعرف أن الفروق الفردية تميل لأن تقع على متصل، ويتضح لنا ذلك بجلاء عند تفحص أسئلة التفكير التباعدي المختلفة. وسنكون أكثر دقة أيضًا لو اعتقدنا أن حل المشكلة يتضمن كلا من التفكير التقاربي والتباعدي، فمن الصعب أن تجد في البيئة الطبيعية مشكلة يعتمد حلها كليا على أي واحد منهما دون الآخر، ففي معظم الأحيان تجد أن كلاً من التفكير التقاربي والتفكير التباعدي مفيدان في حل المشكلة. 

لا يعد التفكير التباعدي مرادفا للتفكير الإبداعي، لكنه يخبرنا عن العمليات المعرفية التي قد تقود إلى حلول وأفكار أصيلة، فلا عجب إذن أن تكون اختبارات التفكير التباعدي هي الأكثر استخداما لتقدير الأفكار الإبداعية الكامنة. فلهذه الاختبارات قاعدة نظرية صلبة سواء في نموذج بنية العقل، أم في النظرية الترابطية ( التي سنتحدث عنها بعد قليل)، كما أنها تتمتع بصدق وموثوقية عالية، ويمكن تفسير نتائجها استنادًا إلى كم وافر من الأدب المتعلق بها. 

ويمكن تعديل اختبارات التفكير التباعدي بحيث تستعمل كتمارين وليس كاختبارات في البرامج التدريبية والصفوف الدراسية والمؤسسات (1993 ,Runco & Rasadyr). ونقدم في الفصل السادس عددا من التمارين والأساليب المستعملة في حلها. 

وسوف نقدم المزيد عن صدق التفكير التباعدي وموثوقيته في الفصل ، لكن العمليات الأكثر ارتباطا بالمعرفة هي العمليات الترابطية ودورها في التفكير التباعدي والإبداعي.

النظرية الترابطية Associative Theory

تهتم نظريات معرفية إبداعية كثيرة بالعمليات الترابطية، وتركز على كيفية توليد الأفكار وتجميعها معا، وإذا نظرت إلى الوراء قليلاً في تاريخ علم النفس، فإنك ستجد أن النظرة الترابطية تعود إلى مئات السنين في أعمال ""جون لوك"" (John Locke)، و""الكساندر باين"" (Alexander Bain) و دافيد هيوم"" 1987 Marx Hilli). ويوصف هؤلاء المنظرون عادة بأنهم فلاسفة ولم يكونوا علماء بالتأكيد. فقد طرحوا فرضيات لكنهم لم يختبروها بالمعنى العلمي الحديث. لكن الذي أدخل النظرة الارتباطية إلى علم النفس الحديث هو ""ميدنك"" ""النظرية الارتباطية للعملية الإبداعية (process) وقدم عدة اختبارات تجريبية لفحصها. 

وربما كانت إحدى أهم نتائجه أن الأفكار الأصيلة تميل لأن تكون بعيدة عن الواقع، فأول شيء نفكر فيه لا يكون أصيلاً في العادة بل إن الأفكار الأصيلة تظهر عادة بعد استنفاد الأفكار شديدة الوضوح. الذي اقترح )Mednick, 1962( (the associative theory of the creative""a ويتضمن أحد الأساليب التجريبية البسيطة لفحص الترابطات البعيدة والأنماط التصورية - وهو أسلوب قد ترغب في تجريبه بنفسك - احتساب استجابات المفحوص على مهمة مفتوحة النهاية سؤال في أحد اختبارات التفكير التباعدي مثلاً) ، وتحديد نقطة الوسط في هذه الاستجابات. فإذا أعطى المفحوص ۲۰ فكرة في إجابته على السؤال "" اكتب كل الأشياء التي تعتقد أنها مربعة الشكل""، فإن بإمكانك تقسيمها إلى مجموعتين من ١٠ أفكار لكل منهما وتقارن بين المجموعتين من حيث عدد الأفكار الأصيلة والمرونة الفكرية في كل منهما.

 تشير نتائج دراسات ومشاريع كثيرة استعملت هذه الأسلوب إلى أن الأفكار الأصيلة تأتي في نهاية مجموعة الاستجابات، وأن الأفكار لا تعود مرنة ومتنوعة في النصف الثاني مقارنة مع النصف )Mednick, 1962; Milgram, 1978; Runco )1985( الأول يؤكد هذا الخط البحثي، إذن، أنه يمكن عد الأفكار بطريقة موثوقة وموضوعية، ويمكن استعمال الأفكار على كيفية توليد الحلول للمشكلات ويوحي توارد الأفكار الأصيلة في نهاية السلسلة الترابطية بأن علينا أن لا تتسرع عندما تواجهنا مشكلة حتى نضمن الوصول إلى هذه الأفكار البعيدة. وذكر ""ميدنك"" (١٩٦٢) أن الأفراد المبدعين يتفوقون في التوصل إلى الأفكار البعيدة. واستعمل لقياس التفكير الإبداعي اختبار الترابطات البعيدة Remote Associates Test - RAT). ويتضمن هذا الاختبار تحديد الشبه بين ثلاثة عناصر تعطى للمفحوص وعنصر آخر يترك فارغا ( مثال، نهر: دم: ملاحظة:) . لكن البحوث التجريبية على هذا الاختبار أشارت إلى أنه يفتقر إلى الصدق التمييزي، وأن درجاته ترتبط ارتباطا متواضعا بدرجات اختبارات التفكير التقاربي أو القدرة اللفظية، ومع ذلك فإن نظرية ""ميدنك"" في الترابطات البعيدة تستحق الثناء لأنها توفر تنبؤات قابلة للفحص عن المعرفة الإبداعية. ومن الأمثلة عليها فكرة ""ميدنك"" التي تقول إنه ""كلما زاد عدد الحالات التي يحل فيها الفرد المشكلات بمواد معينة وبطريقة معينة، قل احتمال توصله إلى حل إبداعي باستعمال هذه المواد"" (ص۲۲۲).

 يطرح اختبار (RAT) الأسئلة لفظيا، ويجيب عنها المفحوص لفظيا كذلك. ومن هنا فإن الاختبار معرض للتحيز اللفظي. لقد تحدثنا عن التحيزات التجريبية لاختبارات الذكاء سابقا ، والتحيز اللفظي لا يختلف عنها ، بمعنى أن الدرجات الناتجة عن الاختبار تتأثر بشيء ما ( كالقدرة اللفظية مثلاً ) لا يرتبط بالمهارة التي يهدف الاختبار إلى قياسها ( وهي الإبداع، مثلاً). وهذا يعني من الناحية السلوكية أن كل الأطفال ذوي القدرات اللفظية المتوسطة والعليا سيحصلون على درجات عالية في اختبار (RAT). وكل الأطفال ذوي القدرات اللفظية المتدنية سيحصلون على درجات متدنية في هذا الاختبار، رغم أن الاختبار مصمم أصلاً لفحص الطاقة الإبداعية والترابطية الكامنة وليس القدرة اللفظية.

المجاز والتفكير القياسي ANALOGICAL THINKING AND METAPHOR 

لا يتفق الناس جميعا على أن الأفكار الأصيلة تكتشف بالعمليات الترابطية فيوجد نظريات تؤكد دور القياس والتفكير القياسي ويوجد أمثلة كثيرة على ،)Hofstadter, 1985; Harrington, 1981; Gick & Holyoak 1980 :بدلا من ذلك ( مثلا استعمال القياس في الاكتشافات منها ( الآلة البخارية وإبريق الشاي والمثبت الصناعي - الفيلكرو - والبذور البرية اللاصقة)، لم يعتمد اكتشافها على الحقائق. وكثير منها - بما في ذلك اكتشاف كيكولية لتركيب حلقة ""بنزن""، وأرخميدس، أو حتى تشبيه الذرات تقوم على استدلالات من يكتب سيرة حياة المبدعين )Finke, 1995; Gruber, 1988; Welling, inpress( - )بنظام الكواكب أو على التأمل الذاتي الاسترجاعي الذي يقوم به المبدع أو المكتشف نفسه، وفي كلتا الحالتين نشاهد مشكلات أساسية في الذاكرة. 

والأمانة، والشخصنة ومدح الذات والتحيز. وقد حدد ""ويز بيرغ"" (1995 ,Weisberg) عددًا من الأفكار والحلول الإبداعية حيث تنتقل المعلومات من موقف سابق إلى الموقف الجديد الذي يشبه الموقف القديم"" (ص ٦٢) . ويبدو أن الفنان ""بيكاسو""، مثلاً، قد اعتمد كثيرا على أعمال )Miller, 1996; Weisberg, 1995, 1995b( سابقة، كان بعضها من إنتاجه وبعضها الآخر من إنتاج فنانين آخرين وقد رأى ""ويز بيرغ"" أن معظم الاستبصارات نتجت إما عن تغير في كيفية تأويل المشكلة الأولية، أو عن استعمال أسلوب غير تقليدي أو تمثيل غير مألوف للمشكلة. 

أما ""ويلينغ"" (تحت الطبع Welling) فقد رأى أن التفكير القياسي يتضمن نقل مفهوم معين من سياق اعتيادي إلى سياق إبداعي آخر، بحيث تكون العلاقة المجردة بين عناصر أحد الموقفين مشابهة للعلاقة الموجودة في السياق الإبداعي"". 

وركز ""دنبار"" (1995 ,Dunbar) على القياسات العلمية وميز ثلاثة أنواع مختلفة منها، وهي:

 (۱) القياسات المحلية ( جزء من إحدى التجارب يرتبط بتجربة لاحقة).

 (۲) القياسات الإقليمية ( وتتضمن أنظمة العلاقات"" التي تطبق . في مجال معين ولكنها تستعمل . في مجالات أخرى مشابهة ) .

(۲) القياسات بعيدة المدى ( يوجد نظام ما في مجال معين ولكنه ينطبق على مجالات جديدة لا تشبهه)، ويمكن أن تفسر لنا هذه القياسات فوائد ما يسمى الهامشية. لقد كان كل من ""فرويد"" و ""داروين"" و ""بياجية"" هامشيين مهنيًا، بمعنى أنهم كانوا خارج التيار العلمي الدقيق، وسوف تناقش الهامشية بالتفصيل في الفصل 7 من هذا الكتاب. 

قارن ""ويلينج"" مؤخرا بين التفكير القياسي، والترابطي والتجمعيي من جهة وبين التفكير المجرد من جهة ثانية. وأشار بعمله ذاك إلى أن القياسات تتفرد بأنها "" لا تتطلب بنية معرفية جديدة "" Welling in press). ورأى أن بعض الاستبصارات ليست أكثر من تحولات جذرية يمكن تفسيرها في ضوء إعادة تنظيم البناء المعرفي. فتفكير الشخص يتغير بسرعة، مما يفسر لنا فجائية الاستبصارات. وسنعود إلى هذه النقطة لاحقا. 

واحد جديد كما ميز "" ولينج"" التفكير القياسي عن العمليات التجميعية، فقال: ""إن التجميع هو دمج مفهومين أو أكثر في مفهوم يد"". ويختلف الدمج عن القياس في أن هذه العملية تتطلب إنشاء بنية مفاهيمية جديدة. ويمكن تجميع المفاهيم زمانيا ( حيث تطبق في زمن واحد ( أو مكانيًا حيث ينتج التجميع من التطبيقات المتسلسلة للأفكار المتوفرة"". وقد أورد نموذج التباين الأعمى والاحتفاظ الانتقائي عند "" كاميل"" ( ١٩٦٠) ، ونظرية "" ميدنك"" الترابطية (١٩٦٢) ونظرية "" فينك"" وزملائه الإبداعية (۱۹۹۲) . ونظرية الربط الثنائية لدى "" كوستلر"" ( ١٩٦٤) كأمثلة على العمليات الإبداعية التجميعية. كما ذكر سكوت وزملاؤه (۲۰۰۵) سلسلة من الدراسات حول العمليات الإبداعية التجميعية.

وميز ""ويلينج"" كذلك بين التفكير القياسي والتفكير المجرد. وعرف التجريد بأنه ""اكتشاف أي بنية أو نظام أو نمط أو تنظيم في النظام الموجود في عدد من الإدراكات المختلفة ويمكن أن يكون ماديًا أو عقليا. وينتج عن هذا الاكتشاف كينونة مفاهيمية تحدد العلاقة بين العناصر التي تشير إليها على مستوى متدن من التجريد. وهذا ليس مجرد تحديد للأنماط وإنما هو خلق مفاهيم جديدة وفئات جديدة ومعلومات جديدة. وضرب ""ويلينج"" أفكار ""أينشتاين"" في استمرارية الفضاء والزمان كأمثلة على التجريد، فهي تمثل مستوى من التجريد أعلى مما كان موجودًا في السابق. ولا شك أن التجريد يعمل في مجال الفن أيضًا، تأمل، مثلاً، أعمال كل من ""أندي وارهول"" و ""روي لشتنشتاين""، اللذين وقفا بعيدا عن أعمالهما الفنية وطلبا من المشاهد أن يسأل نفسه : "" ما هو الفن؟ "" هل هو علبة من حساء الطماطم أم هو مجرد شخصية كرتونية؟

هناك عدة مسائل تحتاج إلى بحث، أولاها استنتاج ""ويلينج"" ( تحت الطبع أن "" ما يسمى الإبداع المرتفع يرتبط بشكل واضح بعمليتي التجريد والتجميع، بينما يعتمد الإبداع العادي على عمليتي القياس والتطبيق . وهذا تبسيط شديد للفكرة. لكن ""ويلينج"" يعترف أنه "" . "" يمكن تفسير بعض النتائج المتضاربة بحقيقة أن الإبداع المرتفع لا ينتج عادة عن عملية واحدة وإنما ينتج بعد فترة طويلة من الزمن تستعمل فيها عمليات متعددة في أثناء عملية الاكتشاف"". أما المسألة الثانية فتدور حول إمكانية أنه "" ليس هناك أي عملية ( معرفية ) تولد معرفة جديدة بالكامل لأن النتائج تعتمد دائما على المعرفة السابقة أو ترتبط بها. ويمكن الإفتراض أن الأفكار الناتجة عن التجريد هي أيضا أكثر الأفكار إثارة وثورية، ولكن لا يكون الحال هكذا دائما"". والسؤال الأكثر عمومية حول التفكير القياسي يتعلق بالأصالة الحقيقية. فهل يكون الشيء أصيلاً حقا إذا كان يشبه ما جاء قبله من أشياء؟ سوف نعود لهذا السؤال في الفصل الأخير من هذا الكتاب. 

تفترض كثير من نظريات التفكير الإبداعي، بما في ذلك النظريات التي تصف عمليات التفكير التباعدي والعمليات الترابطية، أن الأفكار الإبداعية تنتج عن حل المشكلات، فيكون الإبداع، على ما يبدو، في الأفكار التي يقدمها الشخص لحل مشكلة تواجهه. فهل الإبداع دائما نوع من أنواع حل المشكلة؟ 

حل المشكلة PROBLEM SOLVING

تركز نظريات الإبداع المعرفية غالبا على عملية حل المشكلة. ويمكن تعريف المشكلة بأنها موقف يتميز بوجود هدف وعقبة تحول دون تحقيق هذا الهدف. يحتاج الشخص إلى شيء ما، أو يريد الحصول عليه (هدف)، لكن عليه أولاً أن يتغلب على العقبة، وهناك، بالطبع، أنواع مختلفة من المشكلات. لقد عرفنا التفكير التباعدي والتفكير التقاربي سابقا، وقد يكون من السهل المقارنة بينهما عندما تفكر في نوع المشكلات التي يستوجبها كل منهما. فالمشكلات مفتوحة النهاية تسمح باستعمال التفكير التباعدي، بينما تتطلب المشكلات مغلقة النهاية استعمال التفكير التقاربي. ويمكن التفريق بالطريقة ذاتها بين المشكلات المحددة جيدا والمشكلات غير المحددة جيدا. وقد تمثل المشكلات نوعا من المعضلة التي هي في نهاية المطاف نوع من المشكلات. فإذا كنت يوما تقف على "" قرني معضلة "" ( كما في العبارة الشائعة القديمة) فإنك تعرف بلا شك أن لديك خيارين اثنين ( ومن هنا جاء المقطع di في أول الكلمة dilemma وهو يعني اثنين)، لا يحل أي منهما المشكلة بشكل كامل. فعندما تختار أحد الخيارين - أيا كان ذلك الخيار - فإنك ستفقد ما يقدمه لك الخيار الآخر. وقد وضع "" ويكفيلد"" (1992 ,Wakefield) وكثيرون غيره جهدًا واضحا في تصنيف الأنواع المختلفة من المشكلات. 

لا يؤمن الناس جميعا بأن الإبداع نوع من أنواع حل المشكلة، فقد تبنى بعض الأشخاص وجهة نظر معاكسة مقترحين أن حل المشكلة هو أحد أنواع الإبداع وبناء على هذا المنظور، توجد أفعال إبداعية وإنجازات خلاقة ليست مجرد محاولات لحل المشكلة والقضية ليست محسومة تماما، على أية حال، ويعتمد أي رأي فيها على تعريف ""المشكلة"". فنحن نعرف مثلاً، أن الفنانين لا يحلون مشكلات، ولكنهم يعبرون عن أنفسهم. ومع ذلك فإن الفنان يحاول أحيانًا إيجاد أفضل طريقة للتعبير عن نفسه، مما يوحي بأن لديه مشكلة. كما يمكن أن يصارع مسألة عانى منها سابقا وقد أشار ""سيكزنتميهالي"" إلى ذلك بمصطلح التنفيس لتذكر .)Jones et al, 1997; Csikzentmihalyi, 1988( الخبرات المكبوتة، وقال إن الجهود الإبداعية هي غالبا جهود تنفيسية، بمعنى أن الإنسان، عندما ينشغل في الجهد الإبداعي يتخلص من التوتر .

ويعتمد كثير من هذه الأمور على كيفية تعريفنا للمشكلة. فقد ذكر ""رنكو"" (1994 ,Runco) ما يلي: 

ليس الإبداع مجرد حل للمشكلات صحيح أن التفكير الإبداعي يمكن أن يساعدنا في حل المشكلات ) وتحديدها والعثور عليها ) ، لكنه يحتوي على أكثر من الحل، فالفن الإبداعي (وهو نوع من الحشو والتكرار)، تعبير عن الذات وهو نشاط استكشافي وجمالي أكثر من كونه حلا المشكلة ما، ومع ذلك فإن التمييز بين الإبداع وحل المشكلة يعتمد على تعريف المشكلة. فإذا عرفنا المشكلة بأنها عقبة بين الإنسان وهدفه فإن معظم الأنشطة التي يقوم بها الفنانون هي من قبيل حل المشكلة. فقد يحاول الفنانون حل مشكلة تحديد الطريقة المناسبة للتعبير عن فكرتهم أو تحسين أسلوبهم. ولن يرى أي شخص ذلك على أنه مشكلة، خاصة وأنه النشاط المفضل عند الفنان وقد يكون مبتسما أو يشعر بسعادة غامرة وهو يمارس ذلك الفن. وقد لا يبدو ذلك كجهد أيضًا: فقد لا يشعر الفنان بوجود أي مشكلة مهما كانت هذه حالة مناقضة لما وصفناه في الفقرة السابقة إذ لم ينظر المبدع إلى ما يراه غيره مشكلة على أنه مشكلة فعلا بينما هنا لا يرى المشكلة أحد سوى المبدع ذاته، وتسمى هذه الحالة الثانية في العادة إيجاد المشكلة. هكذا تكون المشكلات دائما إنها جميعها تفسيرات ذاتية، فهي حتما لیست مسلمات وليست حقائق موضوعية . 

يبين لنا كل ذلك قيمة الإبداع - إنه مفيد جدا لحل المشكلة، ولكنه يتسبب في غموض نحن في غنى عنه: فالإبداع إذن شكل من أشكال حل المشكلات في بعض الأحيان، ولكنه ليس كذلك في أحيان أخرى. 

لكن "" جيلفورد "" اقترح رأيا مختلفًا تماما (١٩٦٥) : "" لقد توصلت إلى : نتيجة مفادها أنه كلما وجدت مشكلة حقيقية مارس من يحاول حلها سلوكا فريدا ، وبالتالي كان هناك قدر من الإبداع. وبناء على ذلك، أقول إن كل حل للمشكلات هو إبداع، وأترك السؤال مفتوحا لتقرير فيما إذا كان كل التفكير الإبداعي حلاً للمشكلات"". 

وربما كان من الأفضل أن نقبل الرأي الذي يفيد بأن الإبداع ليس شرطا لكافة أنواع حل المشكلات، وأن الإنجازات الإبداعية ليست دائما حلولا للمشكلات، ومع ذلك، فإن العمل على حل المشكلة يسهم في فهممنا لبعض الإنجازات الإبداعية. ويكون ذلك صحيحًا على وجه الخصوص إذا علمنا أن بإمكاننا تقسيم المشكلات إلى مشكلات محددة وأخرى غير محددة. وأن النوع الثاني هو الأكثر انتشارًا في الحياة الواقعية. وهذا يعني ببساطة أن مشكلات البيئة الطبيعية تكون عادة غامضة، وهي بهذا المعنى تختلف عن المشكلات التي نواجهها في المدرسة أو في الاختبارات، مثلا، فالاختبارات تقدم المشكلة بطريقة واضحة تماما حتى تضمن أن يركز المفحوص على المعلومات الصحيحة. لكن المشكلات في البيئة الطبيعية تحتاج إلى تحديد بطريقة علمية والنظريات التي تهتم بعمليتي التحديد والتعريف هي نظريات إيجاد المشكلة. وسنرى بعد قليل أنه يمكن فصل عملية إيجاد المشكلة عن عملية الحل، ولكن نوعية الحلول تعتمد أحيانًا على نوع المشكلة.

تحديد المشكلة PROBLEM FINDING 

لا بد أن يحدث شيء ما في معظم الأحيان قبل أن تكون المشكلة جاهزة للحل. وكما اقترحنا سابقا، قد يكون من الضروري تحديد المشكلة ذاتها أحيانا. وقد يبدو هذا الكلام سخيفا فأنا أعرف أن كثيرا من مشكلاتي تصفعني على وجهي ويبدو أنها لن تبتعد عني مطلقا - لكننا قد نشعر أحيانًا "" أن شيئًا ما غير صحيح"" دون أن نعرف هذا الشيء تماما، ويفسر القلق والتوتر اللذان نشعر بهما على أنهما مؤشرات لوجود مشكلات، حتى لو كنا لا نفكر فيها (1996 ,May). وقد نعتقد أحيانا أخرى أننا نعرف المشكلة لكننا نكون مخطئين. ( لماذا أفكر الآن بالمشكلات التي تحدث في العلاقات الاجتماعية؟) قد تعرف المشكلة تعريفا عاما جدا أو تعريفا خاصًا جدًا، فتكون بذلك قد ابتعدنا عن تحديد المشكلة، فتكون عندئذ وكأننا لم نعثر عليها، أو لم نعيتها جيدا. 

لقد اتفق الباحثون على تحديد كثير من مهارات إيجاد المشكلة، بما في ذلك بناء المشكلة، وتحديد المشكلة (إدراك المهمة لكن دون معالجتها أو تفعيلها)، وتعريف المشكلة تجهيز المشكلة للحل)، واكتشاف المشكلة، وإدراك المشكلة وقد يكون من ،)Getzels & Smilansky 1983; Mumford et al., 1991; Runco 1994( وتعميم المشكلة المناسب هنا أيضًا استعمال متصل نضع على أحد طرفيه المشكلات التي تطرح علينا ( حيث لا تحتاج إلى تحديد أو تعريف) ونضع على الطرف الآخر المشكلات التي تتطلب منا أن نكتشفها، ثم نضع كافة الاحتمالات الأخرى بين هذين الطرفين (Runco et al., in press; Wakefield, 1992)

وتشير بحوث كثيرة حاليا إلى وجود فروق فردية في إيجاد المشكلة؛ حيث يتميز بعض الناس بتحديد المشكلات أو تعريفها، ولكنهم لا يتميزون في حلها، فبعضهم ممتازون في حل المشكلات، لكنهم بحاجة إلى أن تقدم لهم هذه المشكلات بصورة واضحة تماما. ومن المثير للاهتمام أن معظم الناس الذين يدرسون عملية إيجاد المشكلة، ويمارسونها، يعتقدون أنها أهم من مهارات حل المشكلة. فقد ادعى ""جيتسيلز"" (١٩٧٥) ، مثلاً، أن نوع المشكلة يحدد نوع الحل، وأنا أقول هنا "" يدرسون أو يمارسون"" لأن ""اينشتاين"" نفسه كان يتبنى هذا الرأي، فكثيرا ما نقل عنه قوله: ""إن صياغة المشكلة غالبا ما تكون أهم فطرح أسئلة جديدة، واحتمالات جديدة، والنظر إلى المشكلات القديمة من زاوية جديدة، يتطلب قدرا من من حلها. .)Einstein & Infeld, 1938.83( الخيال ويمهد لظهور التقدم في العلوم وقد أشار ""فيرثيمر"" 1982 ,Wertheimer)، بعد ذلك بوقت قصير، إلى ""أن أهم ما في الاكتشافات الكبرى غالبا ما يكون العثور على سؤال معين، وإن تصور السؤال وصوغه صياغة منتجة يعد إنجازا أعظم من حل سؤال مطروح"" (ص ۱۲۳) كما أضاف ""جيلفورد"" إلى ذلك "" الحساسية للمشكلات"". "" في خطابه الرئاسي الذي أ ألقاه في جمعية علم النفس الأمريكية عام ١٩٤٩ ، وأكد "" تورانس"" (1962 ,Torrance) أهمية ""الإحساس بالفجوات أو العناصر المفقودة المزعجة وصوغ الفرضيات"" في تعريفه للإبداع (ص ١٦).

ويكون إيجاد المشكلة في مجال الفنون على صورة التعبير عن المشكلة، التي لا تكون هنا خارجية، وإنما تتمثل في إيجاد طريقة للتعبير عن حاجة أو إحساس تذكر هنا المشكلات المتضمنة ة . في تعريف "" المشكلة"" ) وأنا ) أتعمد هذه التورية . هنا). وقد ضربنا على ذلك مثال الفنان الذي قد لا يكون واعيًا بالمشكلة التي يعالجها عمله الفني. فقد يبدو العمل نفسه شارحًا المشاعر الفنان، أو معبرا عن ذاته، أو محاولة لتحسين أسلوبه الفني الفن إذن انعكاس للفنان، وقد يكون الفنان باحثا عن الفن.

وهنا أيضًا، نجد أن الفنانين يكونون أحيانًا على وعي بأنهم يحددون المشكلات. فقد شعر الروائي ""كيرت فونيجوت"" Jr) .Kurt Vonnegut الابن، مثلاً "" برغبة في أن يكون مواد مواطنا صالحا، وأن يجذب انتباه الناس إلى الأشياء الحميدة وأن يكون كعصفور الكناري في منجم للفحم (2005.1 ,Ulin) . وقد أعاد "" أولين"" صياغة هذه العبارة ووصف ما أسماه ""التزام الكاتب ببناء الارتباطات، وتقديم الاستبصارات وطرح الأسئلة الأساسية حتى لو كانت الإجابة غير معروفة"". وأنا أؤكد هذه العبارة لأنها تعكس فكرة التمييز بين عمليتي إيجاد المشكلة وحل المشكلة.

وقد دخلت عملية إيجاد المشكلة في الجدل الدائر حول الحواسيب والإبداع. فقد بذلت جهود كبيرة وعديدة لبرمجة الحواسيب حتى تكون مبدعة، وحتى تستطيع التوصل إلى حلول عالية الجودة للمشكلات، كما يفعل الإنسان (1988 ,Simon). وهذا لا يعد إبداعا، على أيه حال، لأن الحواسيب بخلاف الإنسان، تحتاج إلى من يعطيها المشكلات: فهي حتما تفتقر إلى مهارات إيجاد المشكلة. 

هل يتطلب الحل الإبداعي وجود مشكلة إبداعية؟ إن من الممكن تقويم المشكلات وتحديد مدى جودتها، فبعضها يقوم على أساس أصالته، تماما كما تقوم الأفكار من خلال مهام التفكير التباعدي، أي بدلالة ندرة تكرارها إحصائيا .يعرض الجدول ١:١ أمثلة على المهام التي تتناولها بحوث توليد المشكلات ،)Runco & Chand, 1995; Okuda et al, 1991( 

يمكننا كذلك اختيار المنظور الطولي كما هو الحال عادة في البحوث التي تتناول المبدعين المشهورين. ويمكننا أن نترك الحكم على ذلك للأجيال، يبدو أن "" أينشتاين"" . قد حدد مشكلة ممتازة للبحث، وكذلك فعل "" بيكاسو"" و"" ""فرويد"" و ""فرانك لويد رايت وغيرهم من العلماء المشهورين.

النماذج المرحلية للمعرفة الإبداعية STAGE MODELS OF CREATIVE COGNITION 

توحي فكرة إيجاد المشكلة بإمكانية وصف التفكير الإبداعي بدقة. وهذه نقطة جدلية، مع أنها تنسجم مع خطوط متعددة من البحث المعرفي (1988 ,Shepard)، وهذا الافتراض الذي يفيد بإمكانية وصف التفكير الإبداعي هو الذي قاد "" والاس"" منذ فترة طويلة (1926) Wallas) إلى وصف العملية الإبداعية في أربع مراحل. فقد اقترح أن العملية الإبداعية تتضمن "" الإعداد""، و""الحضانة""، و""التنوير"" و""التحقق"". وتتضمن مرحلة الإعداد كلاً من تحديد المشكلة وتعريفها، إضافة إلى جمع المعلومات وغيرها. ولا شك أن إضافة مرحلة التحقق تستحق التقدير لأنها تسمح للشخص المبدع بالتفكير والتفحص. وتزداد أهمية التحقق عندما نعرف أن الإبداع يتطلب كلاً من الأصالة والفاعلية. فقد تكون المشكلات أكثر فاعلية خلال بعض صور التحقق. وقد أضافت التطبيقات الحديثة لهذه النظرية المرحلية الاستدعاء الذاتي، حيث أن الفرد قد يعود عدة مرات إلى المراحل الأولى، ويسير في هذه العملية بشكل دائري كلما احتاج إلى ذلك. فالمسألة ليست مسألة خطية أبدا.

وتتضمن المرحلة الثانية، أي الحضانة المعالجة اللاشعورية للمعلومات، وهو متطلب عام نسبيا في نماذج العملية وتعد الحضانة مرحلة مهمة لأنها تفسر كيفية إحراز ،)Rothenberg, 1990; Smith & Amner, 1997( الإبداعية التقدم في المهمة، حتى لو كنا لا تفكر في المشكلة على مستوى الوعي وتفسر الحضانة عادة بأن العمليات الترابطية تكون في قمة نشاطها متحررة من الرقابة التي يفرضها عليها العقل الواعي. 

والحضانة ليست مسألة يقدرها علماء التحليل النفسي ومحبو التنويم المغناطيسي فحسب، فقد كان جيلفورد ، وهو من علماء القياس النفسي، يحترم الحضانة، فقد كتب يقول تنصب فرضيتي الأساسية على تفسير التقدم الفعلي الذي نحرزه في فترة حضانة لا تبدو نشطة ظاهريا، فهي تنسب هذا النوع من التقدم إلى تحويل المعلومات لأشكال جديدة"" (ص (۲). لقد أدرك ""ج جيلفورد"" أن الحضانة تسمح للترابطات الواعدة أن تتشكل من خلال تزويدها بالوقت اللازم للتحولات المعرفية، ولم يكن من الغريب، عندئذ أن يوجه جيلفورد جهوده التجريبية نحو الفترات الزمنية التي تفصل بين الأفكار التي يطرحها )Fulgosi & Guilford 1968 1973( المفحوصون استجابة لمهام التفكير التباعدي

أوضح ""سميث"" و ""دودس"" (1999 ,Smith and Dodds) عدة تفسيرات للحضانة، منها:

 (1) تحدث بعض الأعمال الشعورية المتقطعة في أثناء فترة الحضانة.

 (2) تسمح الحضانة بالتخلص من الإجهاد الذي أصاب الفرد نتيجة للعمل الواعي.

 (3) تنسى الحالات العقلية غير المناسبة ولا تعود تؤثر في التفكير أو في حل المشكلة.

 (4) يمكن التوصل إلى الترابطات البعيدة بكل سهولة.

 (5) يمكن أن يصبح الفرد قادرا على إيجاد تلميحات سارة وعلى تمثل البيانات التي يعثر عليها صدفة في مرحلة الحضانة.

 (6) تصبح الترابطات أوسع وأشمل لأن العقل الواعي يكون مسترخيا أو مركزا على مجالات أخرى. 

وقد عرف ""سميث"" و ""دودس"" الحضانة ( ۱۹۹۹ ، ص (۲۹۰) بأنها ""مرحلة من مراحل الحل الإبداعي للمشكلة تترك فيها المشكلة جانبا بعد مرور فترة من العمل الأولي عليها. "" أما المرحلة الأكثر شهرة في نموذج ""والاس"" (١٩٦٢) فهي مرحلة وجدتها"" (1988 1981 ,Gruber)، وتعرف مرحلة التنوير كذلك ""بالاستبصار"". ويكون التنوير لأنها تقود إلى خبرة الاستبصار في معظم الحالات أحاديا، فقد نواجه مشكلة، فيقفز أحد الحلول إلى أذهاننا كمصباح كهربائي تم تشغيله، يكون التفكير الاستبصاري، في ذلك الضوء، وهنا تورية أخرى مختلفا عن التفكير التباعدي، حيث تنشأ الأفكار المتنوعة. أما الاستبصار، فيقود عادة إلى حل واحد فقط انظر مثلاً إلى المشكلتين الاستبصاريتين اللتين أوردتهما ""شيلينغ"" (Schilling) (قيد النشر والمعروضتين على الصفحة التالية، هما مشكلة النقاط التسع الشكل (٤:١) ومشكلة الحبلين ( الشكل ٥:١).

يقارن الاستبصار عادة بالمحاولة والخطأ. فالمحاولة والخطأ طريقة لحل المشكلة خطوة خطوة، حيث ترتكب الأخطاء ولكنها تصحح بخطوة صغيرة أخرى إلى الأمام نحو الحل. لكن الاستبصار، بالمقارنة، عملية مفاجئة، أو تبدو هكذا. ولهذا السبب يرمز دائما إلى الاستبصار بالمصباح الصغير، فهناك إضاءة مفاجئة، ومع ذلك فإن الاستبصار لا يعتمد فعلا على عملية غير متصلة، إذ يوجد بعض الجدل حول هذا الموضوع. فقد كتب "" ويسبرغ"" (١٩٨٦)، مثلاً، يقول: ""ليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن حلول المشكلات الجديدة تبرز من قفزات استبصارية، لكن هذه العملية تتضمن عند كل خطوة على الطريق، حركة صغيرة تبتعد بها عما كان معروفاً"" ( ص ٥٠).

قد يبدو الاستبصار مفاجئا لأن المعالجة التي تقود إليه أبعد من مجال وعينا فقد وجد "" باورز"" وزملاؤه شبها دلاليا بين التخمينات والإجابات، مما يوحي بأن هناك استمرارية لهذه العملية عند المستوى الدلالي، وهذا يعني أن العملية اللاشعورية التي تقود إلى الاستبصار هي عملية متصلة ومستمرة، ويكمن عنصر المفاجأة في الوعي بالحل وليس في عملية اكتشافه. لقد حاولت مؤخرا وصف احتمالية أن تكون العمليات التي تحدث في مرحلة الحضانة أبعد من استيعاب عقولنا الواعية عندما قلت:

 .... اللاشعور أقل عرضة للرقابة، وبذلك فإن له احتمالية أكبر لتوليد الترابطات البعيدة والأفكار الأصيلة، طريقة أخرى لوصف الفائدة من هذه المرحلة هي أن استعمال عمليات ما قبل الشعور، وعمليات اللاشعور، تسمح للفرد بتوظيف عمليات استدلال مختلفة، وهي عمليات قادرة على تقويم واستطلاع الأمور التي تسمح للتفكير الأصيل بالظهور، لأنها تقع وراء منطقة الشعور ولا يكون ما قبل الشعور واللاشعور بهذا المعنى، عمليتين غير عقلانيتين لكن لهما منطقاً خاصا بهما

 

تساعدنا هذه النظرية في تفسير الحدس والإحساس بالمعرفة"" الذي يحدث عندما نعرف شيئًا ولكننا لا نعرف كيف تعرفه (1986 ,Metcalf). فقد نعرف شيئا، أو نمتلك فكرة جيدة، ولكن هذه الفكرة تتناقض مع المنطق العقلاني الواعي. ولكننا قد نمتلك فكرة وتستجيب لها انفعاليا، مما يولد لدينا إحساسا بالمعرفة. 

اعتقد "" فيرتيمر"" (۱۹۹۱) أن الاستبصار يمثل "" اكتشافا لإمكانية تطبيق مخطط معرفي راهن على موقف جديد (ص ۱۹۰)، وعرفت "" شيلينج"" الاستبصار بأنه ربط غير متوقع بين تمثيلات عقلية متباينة، وحددت خمسة تفسيرات للاستبصار، يتضمن كل منها نوعا من العمليات اللاشعورية، ورأت أن الاستبصار يمكن أن يحدث في أحد هذه المواقف:

 (۱) اكتمال المخطط المعرفي الذي يشير إلى بنية معرفية أو معلومات ذات معنى نظمها الشخص بصورة ذاتية.

 (۲) إعادة تنظيم معلومات بصرية.

 (۳) تجاوز أحد المعيقات العقلية.

 (٤) اكتشاف "" نظير للمشكلة "".

 (٥) إعادة تجميع المعلومات عشوائيا. 

لكن آخر هذه المواقف لا يبدو علميا، ويدور حوله جدل كبير. فقد ذكر هیربرت سايمون"" ، الحائز على جائزة نوبل (۱۹۷۲) أن تفكيرنا يتبع عمليات منظمة، ومنطقية وعقلانية تماما كالحاسوب الذي يبحث عن كافة التوليفات المحتملة. لذلك، لم يكن غريبا أننا أشرنا إلى "" سايمون"" في بداية هذا الفصل من حيث إيمانه بأن الحاسوب يمكن أن يكون مبدعا.

لكن الجانب الآخر من الجدل هو الأكثر شيوعًا. فنظرية "" كامبل"" (1960 ,Campbell) عن التباين الأعمى والاحتفاظ الانتقائي، مثلا ، تفترض أن تباينات الأفكار ( أي الخيارات التي يفكر فيها الشخص يتم توليدها بشكل أعمى، ويحمل كثيرون أفكارا مشابهة حول عشوائية التفكير الإبداعي، أو على الأقل حول طبيعته غير المنتظمة (2006 ,Simonton) . لكن لا تنسى أننا نتحدث هنا عن الحضانة، وليس عن العملية الإبداعية برمتها. صحيح أن جزءا من عملية التفكير الإبداعي يمكن أن يتسبب في بعض العمليات الفرعية العشوائية، لكن المراحل الأخرى قد تكون منتظمة تماما. ويبين المربعان ۸:۱ و ۹:۱ وصفين تاريخيين للتفكير.

إعادة البناء والاستبصار RESTRUCTURING AND INSIGHT 

يوضح الاستبصار، غالبا، من خلال مفهوم إعادة البناء (1984 1984 Ohlsson) . ويحدث ذلك عندما لا يفهم الشخص شيئًا معينا في بداية الأمر لأنه يعتمد على تمثيل واحد للمشكلة، ثم يغير الشخص ذلك التمثيل - أو يعيد بناءه - بحيث يأخذ في الحسبان المعلومات الجديدة ويسمح بفهم أفضل واستبصار أعمق ( التمثيلات هي مرادفات معرفية للفهم، فتقول مثلاً، إن المعلومات أو الخبرات تمثل في العقل، فتتكون لدى الشخص تمثيلات معينة). افرض أنك بنيت نموذجا لشيء ما من ألعاب معدنية قديمة. قد يكون نموذجك خريطة من نوع ما، أو قد يمثل شيئًا فعليا. ثم افرض أنك اكتشفت معلومات جديدة عن الخريطة التي رسمتها أو الشيء الذي مثلته قد تحذف بعض القطع المعدنية أو تضيف أخرى. ولا تكون مضطرا للبدء من نقطة الصفر، وغالبا ما تكون عملية إعادة البناء سريعة جدا. ومن المحتمل حدوث تغيرات سريعة ولكنها جذرية، فقد تكون قد بنيت نموذجا لمبنى مرتفع، لكنك قررت أن يكون أكثر ارتفاعًا، فتضيف أرجلاً طويلة للنموذج. قد يتطلب ذلك عملاً بسيطا، لكن النتيجة تكون مختلفة جذريًا، فقد يتضاعف ارتفاع المبنى، مثلا. إن إعادة التنظيم تشبه إلى حد ما تغيير هذا النموذج، وتؤدي التغيرات السريعة أحيانا إلى تمثيل مختلف اختلافا شديدا، أي أنها تؤدي إلى الاستبصار. 

ويرتبط .)e.g., Duncker, 1945; Kohler, 1925; Wertheimer, 1982( وفكرة إعادة التنظيم ذات تاريخ طويل هذا المفهوم عادة بنظرية الجشتالت (Gestalt) . والجشتالت في جوهره هو النتيجة، إنه الكل ذو المعنى، كما في حالة الفهم الكلي المكتمل. وقد استعمل علم النفس الجشتالتي لوصف العملية الإدراكية، وتتلخص فكرته الرئيسة في ميل الناس إلى تكوين معنى لخبراتهم وغالبا ما يستطيعون بناء المعنى من معلومات جزئية، فقد نرى مجموعة من النجوم، مثلا، فتضفي عليها معنى معينا، كأن نقول إننا نرى دبا أو إنسانا، أو الدب ( الأكبر أو الأصغر ) . إن الذي يكمل الجشتالت هو نظامنا الإدراكي.

وقد اعتقد علماء الجشتالت ذوو التوجه الإكلينكي (1978) perts) أن الناس يحتاجون إلى المعنى ولا يكونون سعداء بدونه. ويمكننا أن نضفي معنى معينا على حياتنا حتى عندما لا يتوفر لنا ما يوحي بذلك إن وظيفة المعالج النفسي هي أن يساعد المريض على اكتشاف المعنى والوصول إلى السعادة. وقد يتطلب ذلك استبصارا بالمعنى الذي يستعمل فيه هذا المفهوم في حل المشكلة وأدب الإبداع، وقد يحصل المريص على الفهم بسرعة ولكن النتائج تكون جذرية. 

وهناك تفسير بديل يعتمد على نظرية معالجة المعلومات والطريقة التتابعية في ايجاد المعلومة (Linear Search) وقد وصف "" أولسن"" (ص (١٥) هذا ،)Newell & Simon, 1962; Ohlsson, 1984a; Weisberg & Alba, 1981( المنظور بقوله: ""حتى تحل مشكلة عليك أن تتقدم إلى فضاء البدائل خطوة خطوة، إلى أن تتكون لديك سلسلة أفعال تقودك من المشكلة إلى الحل""، وقد اختبر "" ويسبرغ"" و "" ألبا"" (۱۹۸۱) أفراد الدراسة مستخدمين ثلاث مشكلات استبصارية تتضمن فيما بينها مشكلة النقاط التسع المشهورة (الشكل (٤:١) وتوصلا إلى أن ""إعادة التنظيم التلقائي (إعادة البناء أو الاستبصار) لا يحدث في أثناء عملية حل المشكلة"" (ص (٣٢٦)، وقد رفضا أفكار الاستبصار، وإعادة التنظيم، والتثبيت حيث تكون إعادة البناء صعبة بسبب صعوبة إعادة البناء).

رأت أولسن"" (1984,19846) أن منظوري الجشتالت ومعالجة المعلومات منظوران متوائمان، واعترفت أن - المنظور الجشتالي غير قابل للقياس كما ينبغي، خاصة في مجال العلوم، وأنه لا يساعدنا في فهم الفروق الفردية أو كما تقول التفكير ""الجيد"" و ""الرديء"" (72.p 1984)، إذ يمكن توضيح الفروق الفردية من خلال الخبرة السابقة (1990 ,Epstein). وقدمت ""شيلينج"" (في بحث قيد النشر) تفسيرا للاستبصار يقوم على أساس نظرية الشبكة الصغيرة"".

 وعرفت الاستبصار بأنه "" تحول جذري أو زيادة في التمثيل ناتجة عن الإضافة أو التغيير على العقدتين (عناصر المعلومات، أو مجموعات المعلومات أو الوصلات والروابط (الترابطات أو العلاقات بين عقدتي المعلومات ويكون هذا التحول غالبا نتيجة تدفق الترابطات عبر مسار يعتبره الفرد لا نمطيا. وقد تكون الأهمية المدركة أو سعة التحول دالة على كل من عدم توقع الترابطات، وحجم التغير الذي تحدثه في شبكة التمثيلات"". وقد اعتمدت ""شيلينج"" على نظرية الشبكة الصغيرة، التي كانت موجودة منذ الخمسينات من القرن الماضي واندثرت معالمها في السبعينيات من القرن نفسه (Watts & strogatz (1998

ويبدو أن الاستبصار يكون سريعا وتلقائيا، وهذا أحد الأسباب التي تجعلنا نستعمل المصباح الكهربائي لتمثيل لحظة ""وجدتها "" : فهو يضيء بسرعة وكأنما يضيء دفعة واحدة، ولكن الأدلة توحي مع ذلك، بإمكانية تأجيل الاستبصار أو إبطائه فوريا، وإنما يتطور مع الزمن، فقد وجد جروبر ذاته في كتابات "" دوروثي ريتشاردسون""، وهي أحد الكتاب الذين طوروا أسلوب "" منحنى اللاوعي"" في مجال القصة.

الخبرة والاحتراف والمعلومات والاستبصار EXPERIENCE, EXPERTISE, INFORMATION, AND INSIGHT

فقد يتأثر الفرد بالخبرة السابقة (1942 ,Luchins)، بمعنى أنه سيواجه نوعا من السد العقلي الذي يمنعه من التفكير في إيجاد أفكار جديدة وأصيلة. وهذا يشبه التثبيت الوظيفي الذي يحدث عندما يلتصق الفرد بخبرته السابقة وتفكيره التقليدي في المشكلة أو الموقف الذي بين يديه (1945 ,Duncker). 

ومن المحير أحيانا أن يفهم الخبراء أشياء معينة لا يستطيع الآخرون فهمها، ومع ذلك يجدون في الوقت ذاته صعوبة في )Rubenson & Runco )1995( التفكير بأسلوب أصيل تفسر فوائد الخبرة عادة بدلالة المعرفة، إذ يطور الخبراء قواعد ضخمة من المعرفة، ويكون معظمها معرفة خاصة بمجال معين، ولكن الأهم من ذلك هو العدد الكبير من الترابطات الداخلية التي يطورونها بين عناصر هذه المعرفة، وتفعل المعرفة الخاصة بالمجال المعين، على ما يبدو بشكل تلقائي في أثناء حل المشكلات المتعلقة بهذا المجال، وتكون معرفة الخبراء في الغالب أكثر تنظيما من معرفة المبتدئين، حيث ينظمونها هرميا فتكون المعرفة المحسوسة في أسفل الهرم والمعرفة المجردة في أعلاه. تذكر أن خصائص معرفة الخبراء تتعلق بمجال بعينه فالخبراء يميلون إلى التفوق على المبتدئين في داخل مجالهم فقط وليس خارجه.

يفترض الخبراء، في الغالب، مسلمات معينة لأنهم يعرفون أمورا كثيرة وهذا من شأنه أن يعيق التفكير الإبداعي والأصيل. ولهذا السبب اقترح "" بياجيه"" (Gruber, 1996) (Piaget) و ""سكنر"" (1956 ,Skinner) أن من الحكمة أن يقرأ الإنسان نصوصا خارج نطاق تخصصه، لأن هذا النوع من القراءة يزود الفرد بمنظور جديد لتخصصه أو مجاله ويساعد الخبير على تجنب الإشباع أو الجمود الذي قد ينشأ من زيادة المعرفة والخبرة (1995 ,Martinsen). 

إن التحرك من مجال التخصص إلى مجال آخر يولد نوعا من الهامشية المهنية، وقد فعل كثير من المبدعين المشهورين ذلك عمدا، فقد فعله "" بياجيه"" حيث استفاد من علم البيولوجيا في أعماله حول النمو المعرفي، واعتمد "" فرويد"" اعتمادا علم وظائف الأعضاء في تطوير نظريته في التحليل النفسي ودرس "" دارون"" علم الجيولوجيا ولكنه استفاد منه كبيرا على في تطوير نظريته في البيولوجيا التطورية. 

لقد أوضح كل من مارتنسين (1995 ,Martinsen) و ""اییستاین"" (1990 ,Epstein) أن الخيرات والمعلومات الخاصة. إما أن تساعد التفكير الاستبصاري أو تعيقه. وتشير بحوث مارتنسين في هذا المجال، إلى أنه يوجد الكثيرين منا مستوى ملائم من المعلومات يمكن أن يساعدنا على التفكير الإبداعي، ولكن يصبح تفكيرنا، عند تجاوز هذا المستوى، أقل استبصارا.

الحدس INTUITION

بعد الحدس أفضل مثال على المعالجة غير الواعية. وقد أشارت التقارير البحثية إلى وجود الحدس في الاستبصارات الإبداعية، كما ذكرت دراسات الحالة وجود طاقة حدسية عند الأشخاص المشهورين، فقد استنتج "" ميلر"" (۱۹۹۲) من دراسته "" لألبرت اينشتاين"" و "" هنري بوينكير"" أن "" الجماليات والحدس أفكار يمكن مناقشتها بأسلوب محدد جيدا، وهي أفكار مهمة للبحث العلمي كأهمية التخيل العقلي في الأساليب الوصفية والتصورية"".

وقد قدم "" ها سنفوس"" و"" مارتندايت "" و "" بيرنيوم"" (1983 ,Hasenfus, Martindate, & Birnbaum) أدلة تجريبية حول ضرورة الحدس وأهميته فقد بينوا أن بإمكان طلاب الجامعة أن يستنتجوا أوجه الشبه بين الأعمال الموسيقية أو المعمارية أو الفنية في فترات زمنية مختلفة من التاريخ، وحتى إذا لم يدرس الطالب تاريخ الفن أو ما يشبهه، فإنه سيتمكن من إدراك أن موسيقى "" باروك"" ترتبط بمعمار ورسومات ""الباروك""، وأن الفن الكلاسيكي يرتبط بالمعمار الكلاسيكي والموسيقى الكلاسيكية والطلاب يعرفون ذلك ولكنهم لا يعرفون كيف يعرفونه

ويرتبط الكم الكبير من البحوث حول الاستبصار بهذه الفكرة. فقد أوضح "" جروبر"" (۱۹۸۸)، مثلاً، أن الاستبصارات الإبداعية غالبا ما تكون بطيئة، بمعنى أنها تغطي فترة زمنية طويلة. إنها ليست مفاجئة أو فورية أو سريعة. بل إن المبدع يتعامل مع المشكلة أو المسألة، ولو أنه يفعل ذلك عادة على مستوى اللاشعور. وفي حقيقة الأمر، هذا ما تشير إليه كل البحوث التي نتحدث عنها إن اللاشعور يعمل بنشاط في كافة أوجه الإبداع، بما في ذلك تلك التي تعمل على المستويات التاريخية والاجتماعية. 

لقد وجد ""لانجان فوكس"" و ""شيرلي"" 3 ,2003 ,Langan Fox & Shirley) أن المناقشات التي دارت حول الحدس عبر التاريخ، تعود، على الأقل، إلى أفكار ""سبينوزا"" الذي شعر أن الحدس هو ""أعلى أشكال المعرفة"". أما، كانت (Kant) فرأى أن الحدس عملية داخلية"" يطلقها العقل نفسه، وقارن ""بيرجسون بين الاستبصار والذكاء وأكد أنه تعبير يرتبط )cf.Barron, 1995( بالغريزة ومما يثير الانتباه أنه : يمكن دراسة الحدس باستخدام المنهج التجريبي، فقد اعتقد "" باورز"" وزملاؤه (۱۹۹۰) أنا الحدس مثال على الحكم القائم على معلومات علمية، ووصفوا مرحلتين يتضمنهما الحدس المرحلة الأولى هي مرحلة التوجيه حيث يتم التعرف على بنية معينة متماسكة ومن ثم استعمالها، والثانية هي المرحلة التكاملية حيث تواصل هذه البنية المتماسكة طريقها نحو مستوى الشعور والانتقال بين المرحلتين هو الذي يقود عادة إلى خبرة ""وجدتها "".. كما أنه قد يفسر الإغلاق المفاجئ، كما يحدث في مهام الإدراك الجشتالتية.

طور ""باورز"" وزملاؤه مهمتين حدسيتين (۱۹۹۰). كانت أولاهما مهمة الأزواج الثلاثية (dyads of triads task - DOT). وكانت الثانية مهمة إغلاق واترلو الجشتالثية. وأضافوا مهمة ثالثة هي مهمة التلميحات المتراكمة (accumulated clues task - ACT). وتحتوي مهمة (ACT) على ١٦ فقرة، في كل منها كلمة مفتاحية ترتبط بالكلمة التي تمثل الحل. وكان المقياس الأخير يمثل اعترافا بمقياس التقرير الذاتي للحدس وتحاول فقرات هذا المقياس، كما يوحي الاسم بذلك، التركيز على ثقة الفرد بمشاعره وبالأفعال التي تستند إليها قراراته ومثال ذلك سؤال الفرد عن "" المشاعر الجريئة"" التي يحس بها، ومثال آخر هو أن يقدر الفرد عدد المرات التي شعر فيها أن ما فعله صحيح أم خطأ حتى لو لم يكن قادرا على تفسير ذلك. 

وقد بني المؤشر النمطي ""لمايرز بريجز (Myers-Briggs type indicator - MBTI) على أعمال ""يونج"" (1960 ,Jung) في الإحساس والتفكير والمشاعر والحدس ويطلب هذا المقياس من المفحوصين أن يحددوا كيفية شعورهم وأفعالهم، ويفسر عادة على أنه مقياس سلوكي، وليس مقياسا معرفيا، للحدس، وهو يقوم إدراك الفرد "" للاحتمالات. )Myers & Mcaulley 1985.207( والأنماط، والرموز، والتجريدات & Holton, 1973( ""

وألمح ""بريجز"" و ""هولتون Briggs) إلى دور الحدس القوي في كافة العلوم، وأشارا بشكل خاص إلى ما أسمياها الأفكار الرئيسة، وهي موضوعات وموجهات ذاتية في صميم التفكير العلمي والأعمال العلمية. كما قد تلعب الفوارق الدقيقة دورا مهما في الاكتشافات العلمية، وهي أيضًا موجهات ذاتية تشبه الشعور بالشجاعة والجرأة. وهذه المواجهات ليست مؤقتة، على أي حال، مما يجعل المبدع يشعر بإحساس ثابت بوجه عمله (مثال ذلك Curie, Telga Darwin). ومن الواضح أن الفوارق الدقيقة تزود الفرد بقاعدة معرفية للحكم على قيمة الأفكار الجديدة، سواء كانت أفكاره أم أفكار الآخرين، وهي تمثل بهذا المعنى المعايير التي تسمح للفرد بالحكم على مدى سلامة الأفكار الجديدة وأصالتها ( أي الحكم فيما إذا كانت الأفكار الجديدة توسع الخط الفكري نحو اتجاه مفيد ). وتنسجم هذه الأفكار تماما مع العلوم المعرفية الكبيرة، وترتبط على وجه الخصوص بنظريات المعرفة التكتيكية، والنظريات الضمنية، وروح العصر، و معرفة أكثر مما ""نظن أننا نعرف )Wilson, 1975(.

العمليات اللاشعورية والمعرفة الإبداعية UNCONSCIOUS PROCESSES AND CREATIVE COGNITION 

تقترح نظريات الحضانة والحدس وجود فوائد للاشعور. وهناك فائدة لم تذكرها حتى الآن، وهي احتمالية التقريب بين المتضادات والمتناقضات والأفكار المتعارضة ظاهريا، وقد أشار ""آرياتي"" (1976 ,Arieti) إلى هذا النوع من التفكير الإبداعي بمصطلح التركيب السحري (a magic synthesis). كما اعتقد ""كوستلر"" (1964 ,Koestler) أن الاستبصارات المبدعة تنتج من العملية الترابطية الثنائية التي تقوم على أساس إمكانية جمع الأفكار المتضاربة معا. ومن المثير للاهتمام أن "" هوب "" و ""كايل"" (1990 ,Hoppe & Kyle) استعملا هذه النظرية لتفسير حاجاتنا إلى نصفي الكرة الدماغية للقيام بالتفكير الإبداعي، كما يفترض المنظور الترابطي للتفكير الإبداعي (1962 ,1979 ,Mednick Guilford) وجود نوع إجرائي من اللاشعور ( أنظر أيضًا: 1980 ,Suler).

ولعل أكثر البحوث إثارة في هذا المجال هي بحوث ""روزنبرغ"" (1999 1990 Rothenberg): فقد عالج عمليتين كانت متعلقتين باللاشعور سمى إحداهما الجانوسية (Janusian) (نسبة إلى إله الرومان ""جانوس"" الذي تقول الإسطورة أنه : له القدرة على النظر في اتجاهين مختلفين في آن واحد، والأخرى عملية الإزدواج الفراغي (homospatial process) حيث يمكن أن يحتل جسمان حيزا واحدا في الوقت نفسه. وقد أظهرت بحوث ""روزنبرغ"" نواحي ايجابية لهاتين العمليتين بالإضافة إلى وجود فروق فردية في القدرة على امتلاكهما، وقد أورد الفلسفة الوجودية ( سخافة الحياة مع احتمالية السعادة فيها ) ومبدأ الشك عند "" هايزنبرغ"" ) حيث لا يمكن تحديد موقع الجسم وسرعته في أن واحد) كأمثلة على الاستبصارات التي تنشأ عن تفكير الشخص المبدع في المتناقضات والمتضادات. وأنا أضيف هنا أن نظرية الفوضى (chaos theory) تعد هي الأخرى مثالاً على هذا المفهوم، لأن الفوضى ""اضطراب منظم"" (15.Gleick, 1987 p).

ولا يستطيع الأطفال غالبا توظيف هذه العمليات. فهم يجدون صعوبة حقيقية في الفكر الديالكتيكي & Smolucha 1986,Smolucha)، وهو فكر يماثل عمليتي الجانوسية والإزدواج الفراغي، بمعنى أنها تتعامل مع متناقضات في آن واحد. وتبدأ العملية الديالكتيكية بمنظور معين ( فرضية) ومنظور مضاد ( الفرضية المضادة). وتقود في النهاية إلى مزج الفرضيتين معا (تركيب)، على الرغم من أن الفرضيتين متضادتان ظاهريًا. إن الجمع بين المتناقضات ليس أمرا سهلا فهو يتطلب نشاطا معرفيا كبيرا، وليس من السهل حدوث ذلك قبل مرحلة المراهقة المتأخرة (1986,Smolucha&Smolucha).

نظريات المكونات Componential Theories 

توضح نظريات المكونات المعرفة الإبداعية، كما تفعل نظريات المراحل، لكن نظريات المكونات لا تتطلب التحرك خطوة خطوة أو مرحلة مرحلة، وبشكل عام لا تكون المكونات متداخلة كما هو الحال في المراحل. ففي نماذج المراحل يكون الافتراض أن المرحلة المعينة يجب أن تسبق المرحلة التالية لها، لكن نماذج المكونات تسمح بالتفاعلات دون أن تتطلب النوع نفسه من التقدم الخطي. وقد عرض "" أمابيل""، مثلاً، نظرية مكونات تشمل: (أ) الدافعية نحوا المهمة و (ب) مهارات خاصة بمجال معين و (ج) عمليات مرتبطة بالإبداع. وغالبا ما تكون الدافعية داخلية (انظر الفصل (۹) ، مع أنها قد تكون خارجية عند بعض الناس، أو في بعض الأحيان، وتكون المهارات الخاصة بمجال معين فنية في غالب الأحيان (مثلا، معرفة العالم كيفية إجراء البحوث). وتكون المهارات المرتبطة بالإبداع عامة إلى حد كبير ) ومثالها الأسلوب المعرفي الذي يناسب مجالا معينا ويسمح بالأصالة والاستكشاف). 

اقترح ""ستيرنبرغ"" و ""لوبارت"" (1996 ,Sternberg & Lubart) نموذجا استثماريًا يتضمن ستة أنواع من المصادر: الذكاء، والمعرفة، والأسلوب المعرفي، والدافعية، والشخصية والسياق البيئي. وعرقا كل واحد من هذه المصادر، فالقدرات العقلية، مثلاً، تسمح بحدوث التركيب والتحليل، وتشمل القدرات العملية مثل الترويج للفكرة الجديدة). وذكر ""وودمان"" و ""شونفيلدت"" (1990 ,Woodman & Schoenfeldt) أن العملية الإبداعية تعتمد على التفاعل بين الظروف التمهيدية. والخصائص الشخصية والظروف الموقفية، وسوف نصف هذا النموذج في الفصل الخامس.

كما تحدث ممفورد وزملاؤه (1991) .Mumford et al) عما أسموه بناء المشكلة، وترميز المعلومات، والبحث عن الفئات، وتحديد الفئة التي تناسب الموقف. وتجميع الفئات وإعادة تجميعها، وتقويم الأفكار وتوظيفها ومراقبة العملية الإبداعية. ورسم ""فينك"" (1997 ,Finke) النموذج الذي أسماه الاكتشاف التوليدي Genoplore ( حيث gen مشتقة من يولد. و plore مشتقة من يكتشف). وبناء على هذا النموذج تولد المرحلة الأولى صورة تسبق الابتكار، وهي نوع من البنية العقلية الأولية تصاغ بشكل عام، ثم تقوم هذه الأفكار، ويقوم الشخص بتوسيعها وتفصيلها وفحصها خلال مرحلة الاستكشاف.

وقدم "" رونكو"" و "" تشاند"" (١٩٩٥) نظرية ذات طبقتين من المكونات، تضم الأولى ما يمكن تسميته مؤثرات الإبداع وهي بالتحديد الدافعية ( الداخلية والخارجية والمعرفة ( التقريرية / الحقائق / المفاهيم / الإجرائية)، وتضم الثانية مهارات إيجاد المشكلة والتصور والتقويم. ويمكن تقسيم كل مكون من مكونات هذا النموذج ثنائي الطبقة إلى أقسام فرعية، فإيجاد المشكلة، مثلا، يمثل عائلة من المهارات بما في ذلك المهارات التي ذكرناها سابقا (تحديد المشكلة، وتعريف المشكلة. كما أن التصور يمثل عائلة أخرى من المهارات كما حددها "" جيلفورد"" (١٩٦٨) و "" تورانس"" (١٩٩٥) في نظريات التفكير التباعدي، ويمكن استعمال الطلاقة الفكرية، والأصالة الفكرية والمرونة الفكرية في هذا المجال.

يجب أن نبرز هنا عدة جوانب لهذا النموذج، أولها أن المرونة التي ذكرناها قبل قليل يمكن أن تكون مفيدة في التفكير الإبداعي، مع الأخذ بالاعتبار ما قلناه عن التثبيت الوظيفي، لأن هناك فائدة للمرونة التي تنعكس في استعمال مخزون واسع من الأساليب المعرفية"" (77.Guastello et al. 1998, p) . وقد عرفنا الأساليب المعرفية في المربع ٩:١. 

وهناك جانب آخر مهم للنموذج ذي الطبقتين وهو أنه يصف أثر المعلومات والدافعية على عملية التفكير الإبداعي، وكما أشرنا سابقا، يمكن أن تكون الدافعية داخلية ( ذات معنى للشخص نفسه ) أو خارجية ( الحوافز والمكافآت). ويجب الاعتراف بأثر الدافعية، لأن الأفراد لن يبذلوا الجهد اللازم لحل المشكلة ما لم يكونوا مندفعين لعمل ذلك. 

وترتبط المعلومات التي قد تكون تصريحية ( حقائق ومفاهيم) أو إجرائية بالعملية الإبداعية بطرق عديدة، كما يتضح من أثر الخبرة على الاستبصار ومن حديثنا السابق عن أثر الخبرة ومما سنرى لاحقا). ويمكن أن توفر المعلومات للفرد كيفية الإبداع وكيفية حل المشكلات بأسلوب إبداعي. تبدو معرفة الكيفية مشابهة لمصطلح السببية، لكنها تناسب المعلومات الإجرائية أكثر من غيرها فهي تعكس معرفتنا حول كيفية إنجاز الأعمال ( كمعرفة كيفية إيجاد الأفكار والحلول الإبداعية في هذه الحالة). ويمكن طرح هذه الفكرة بشكل آخر، وهو أن المعرفة الإجرائية تزود الشخص بحيل متنوعة للقيام بالتفكير الإبداعي.

وتعتمد الحيل على ما وراء المعرفة، وما وراء المعرفة تعني المعرفة عن المعرفة وتعكس تفكير الفرد حول تفكيره وتسمح له بمراقبة أفعاله الخاصة، وتعكس الأفعال المقصودة التي تهدف إلى تنمية الإبداع لدى الفرد. أما الحيل فهي عملية جدا لأنه يمكن استعمالها بشكل مقصود بل إنها يجب أن تستعمل بقصد. ويختار الفرد عادة الحيلة التي يريد أن يوظفها، ومتى يوظفها . هذا إذا كان سيوظف حيلة على أية حال، ومن هنا فإن ما وراء المعرفة تشكل أساس أي جهود إبداعية أو تكتيكية واستراتيجية؟ 

وإذا التزمنا بالمعنى الحرفي للكلمة، فإن "" التكتيكات"" تعني إجراءات أو مناورات قصيرة المدى تستعمل لزيادة احتمالية الوصول إلى الهدف. وهي تختلف عن الاستراتيجيات التي تتميز بأنها عامة وطويلة المدى، فالاستراتيجيات تقود غالبا إلى تكتيكات محددة (انظر المربع (۱۰:۱). وسنقدم عدداً من التكتيكات في الفصل العاشر الذي يتناول تنمية الإبداع. 

وتتطور ما وراء المعرفة في مرحلة المراهقة (1981 ,Elkind) ولذلك لا يستطيع الأطفال الاعتماد على التكتيكات لأنهم تلقائيون ولا يستعملون افتراضات وأفعالاً روتينية كما يفعل الكبار، أما الكبار فيعتمدون على الروتين وقد يحتاجون إلى التكتيكات لحل المشكلات بطريقة إبداعية ولتجنب التشبث بطريقة روتينية في الحل.

الإدراك والإبداع PERCEPTION AND CREATIVITY 

لقد قدمنا حتى الآن وجهتي نظر مختلفتين حول المعرفة الإبداعية، تسمح إحداهما للمبدع أن يتحكم بعمله من خلال التكتيكات التي يستعملها، وتعتمد الثانية على علميات عشوائية وغير مقصودة، وهاتان النظرتان ليستا متضادتين، فيمكن أن يكون جزء من العملية الإبداعية لا شعوريا ولا عشوائيا ) أو على الأقل أبعد من استدلال عقلنا الواعي)، بينما تكون المرحلة الأخرى مقصودة ويمكن التحكم بها. وسنقول المزيد عن العمليات المقصودة في الأقسام المخصصة لإصدار الحكم، والتأمل العقلي والإبداع الذاتي. 

وهناك وجهة نظر أخرى تميز بين العملية العشوائية اللاشعورية ( "" التباين الأعمى"" ) والعمليات المنظمة غير المقصودة. فالعمليات الإدراكية، مثلا، تلعب دورا مهما في بعض أنواع التفكير الإبداعي، وهي بلا شك أبعد ما تكون عن العشوائية، ومع ذلك فهي ليست موجهة بعقلنا الواعي وهي بالتأكيد ليست مقصودة، تأمل في هذا الصدد عملية نشأة الإدراك، لقد أعطى Smith) هذه التسمية للعملية التي ندرك بها المعلومات خطوة خطوة. وهي شبيهة بنموذج المعالجة الذي يتجه من الأعلى إلى الأسفل (1977 ,Lindsay & Norman)، والذي يرى أن معالجة المعلومات يوجهها سميث & Amner, 1997( ""د تفكير الشخص وتوقعاته.

أما المعالجة التي تتجه من الأسفل إلى الأعلى فتبدأ من الخبرة ويستجيب لها العقل بتحديد ما تعنيه تلك الخبرة، وغالبا ما تكون هذه المعالجة نوعا من التعرف حيث تدرك شيئًا وتستجيب له بالبحث في ذاكرتنا عن أشياء أو خبرات تشبهه، ثم نسمي الخبرة الجديدة استنادا إلى ما وجدناه في ذاكرتنا طويلة المدى، وقد تتطلب المعالجة التي تتجه من أعلى إلى أسفل، بالمقابل، معلومات أقل لأن الفرد يخصص معاني الخبرة بناء على توقعاته وليس على خبرته. 

ونحن بالطبع تجد ما نبحث عنه، مما يفسر لنا وجود كثير من المشكلات عندما نعتمد على التوقعات والمعالجة التي نتجه من الأعلى إلى الأسفل (1991 ,Rosenthal).

يناقش الفصل ""٦"" عدة مشكلات تظهر عند التعامل مع الأطفال المبدعين فهم قد لا يلبيون توقعاتنا عن الأطفال المثاليين). وتوفر بحوث "" سميت"" من نشأة الإدراك مثالاً ممتازا من كيفية فحص العملية الإبداعية تجريبيا. ولعل أهم النتائج في هذه البحوث أن الأشخاص المبدعين يحددون المعاني بطرق تختلف عما يستعمله الأشخاص غير المبدعين أو الأقل إبداعا، فالمبدعون يميلون إلى استعمال مثيرات غامضة أو مثيرات لم يتم الكشف عنها تماما. وهم يستطيعون بناء المعنى استنادا إلى معلومات قليلة جدا. ونحن نتحدث هنا عن الإبداع الحرفي وهي خلق المعاني. وقد زودنا ""كيشيك"" و ""رنكو"" بتفاصيل كثيرة حول كيفية تأثير النظام الإدراكي البشري في التفكير الإبداعي. فالإدراك يمثل إحدى العمليات التعميمية التي ذكرناها باختصار في مقدمة هذا الفصل. 

الحس المتزامن SYNAESTHESIA 

يمثل الحس المتزامن عملية أخرى غير مقصودة ولكنها عملية معرفية وإدراكية منظمة ويحدث الحس المتزامن عندما تترجم المعلومات من وسيلة حسية معينة ( كالسمع) إلى وسيلة حسية أخرى ( كالذوق). وقد وجد "" دومينو"" (۱۹۸۹) أن ۲۳٪ من عينة طلابه البالغة ٣٥٨ طالبا في كلية الفنون الجميلة يمارسون الحس المتزامن، وهم يفعلون ذلك باستمرار وبتلقائية، فقد ربط هؤلاء الطلاب بوضوح بين كل من الألوان والموسيقى، والأذواق وبعض الحروف المتحركة، والألوان والأعداد، وتوصل إلى أن الطلاب الذين يمارسون الحس المتزامن يتفوقون على مجموعة ضابطة في أربعة اختبارات إبداعية. 

التنبه الذهني MINDFULNESS 

تعتقد "" لا نجر"" أننا نستطيع التحكم في عملياتنا الإدراكية، فتحقق بذلك إمكاناتنا الإبداعية، بل حتى إمكاناتنا الصحية. وترى أن الإبداع والصحة سوف يزدهران إذا استطعنا تجنب السلوكات المتهورة (الأوتوماتيكية). كما يجب علينا تجنب الروتين الماضي في حياتنا وأنماط الخبرة التي استعملناها في تاريخنا الشخصي، وأن نبحث، بدلاً من ذلك، عن خبراتنا الجديدة وتشكل فئات جديدة لها. ويجب علينا تجنب الاعتماد على منظور واحد، وأن نكون على وعي بكافة البدائل المتاحة.

ويبين لنا هذا الاقتراح الأخير سبب ارتباط التنبه الذهني بالسلوك الإبداعي. فمن الواضح أن كلاً من التنبه الذهني والإبداع يرتبط بالمرونة، فالمرونة تسمح لنا مثلاً، يتجنب الاعتماد على الروتين والافتراضات المسبقة وتساعدنا على التفكير في وجهات النظر الأخرى، واقترحت "" لانجر"" (1989 ,Langer) أن نبقى منفتحين على المعلومات الجديدة، وقالت إن "" الانفتاح على الخبرة""، هو الآخر كالمرونة، يرتبط بالطاقة الإبداعية (1987 ,McCrae). وقد أوضحت "" لانجر"" فوائد التنبه الذهني في غرفة الصف (1989 .Langer et al)، وفي المؤسسات التربوية الأخرى، ويمكن تحسين التنبه الذهني، إما بالجهد الذاتي أو بجهد الآخرين ( كالمعلمين والمشرفين)، ويترك ذلك آثارا عميقة على الإبداع والصحة. 

ولا شك أن هناك مستوى ملائما من التنبه الذهني لا بد من توفره، فالافتراضات المسبقة تساهم أحيانا في تسهيل أمور حياتنا، وعندما نفترض افتراضا معينا، فإننا نحرر المصادر التي يمكن أن تخصص لاهتمامات أخرى، فالتنبه الذهني، إذن، أمر مهم في معظم الأحيان. 

التفكير الشامل OVERINCLUSIVE THINKING 

يمكننا أن نبحث فكرة التنبه الذهني بمزيد من التفصيل، لا سيما إذا توقفنا قليلا وتفحصنا مفهوم التصنيف. إنها طريقة لتنظيم تفكيرنا وتسهيل حياتنا. فنحن نصنف الناس والأشياء والخبرات في فئات وتراكيب معرفية مختلفة 1976 Piaget). ويؤدي هذا التصنيف، في غالب الأحيان، إلى تحسين كفاءة تفكيرنا بشكل جذري. لكننا يمكن أن نتعامل معه أبعد من ذلك، فإذا اعتمدنا على الفئات، فإننا قد نقع في الخطأ عندما نفترض أن كل عنصر من عناصر الفئة يماثل العناصر الأخرى، ويبدو ذلك جليا عندما نصنف الناس أو المجموعات وتفترض أن كل شخص في المجموعة يشبه الأشخاص الآخرين فيها. ("" كل المحامين .......). كما يمكننا أن نخطئ، كما أوضحت "" لانجر"" (۱۹۸۹)، عندما نعتمد كثيرا على الفئات التي بنيناها في خبراتنا السابقة دون أن نلاحظ أصالة الخبرات الجديدة وأهميتها.

ومما يثير الاهتمام أن هناك نظرية أخرى من النظريات المعرفية، تقترح أن أخطاء التصنيف، تسهم، أحيانًا، في الاستبصارات الإبداعية، وأنا أشير هنا إلى نظرية "" آيزنك"" (۱۹۹۷)، (۲۰۰۲) في التفكير الشمولي، فقد ادعى ""آيزيك"" أن التفكير الشمولي يزود الشخص بالتباينات والخيارات التي يختار من بينها أفكاره الإبداعية المفيدة. لقد حظي إنتاج التباينات والخيارات بكثير من الاهتمام (2006 ,Campbell, 1960; Simonton)، ولا شك أن استعمال الحدود المفاهيمية الواسعة وتصنيف أشياء معينة في فئة ما بخلاف ما يفعل الآخرون، يمكن أن يوسع مدى هذه الخيارات. كما أن قليلا من البحوث التجريبية تشير إلى أن الاستبصارات الإبداعية تنتج أحيانا من توسيع الحدود المفاهيمية (Martindale, 1990)

كتب ذات صلة