توظيف الأساتذة وانتقاؤهم
عندما يتعلق الأمر بالعقارات، فالمهم هو الموقع والموقع ثم الموقع. وعند الحديث عن إنتاجية البحوث، فالمهم هو الأفراد والأفراد ثم الأفراد.
(Horace Loh, Pharmacology)
ملخص لما جاء في المؤلفات والدراسات
تبذل الأقسام الجامعية المنتجة للبحوث وقتاً وجهداً استثنائيين عند توظيف أساتذة يكون تدريبهم الخاص وتكيفهم مع الحاجات الداخلية، والتزامهم وأهدافهم متوافقة مع احتياجات القسم.
الممارسات المتبعة في الأقسام التي يتناولها هذا الفصل
1- ما الخواص الفردية التي تبحث عنها الأقسام عند المرشحين للعمل؟
2- ما مقدار شيوع توظيف الأقسام لأساتذة تتوافق خبرتهم مع احتياجات معينة، أو تتواءم هذه الخبرة مع أولويات معينة لديها؟ وكيف يجري انتقاء هذه المجالات؟
-3- ما الإستراتيجيات المتبعة عند تحديد أفضل المرشحين للعمل؟
-4- ما الإستراتيجيات المتبعة لجذب أفضل المرشحين للعمل؟
5- ما قوة نجاح الأقسام في الاحتفاظ بأساتذة لديها جرى توظيفهم لدى مؤسسات أخرى؟
ماذا جاء في المؤلفات والدراسات؟
تشير الدراسات أن الخاصية البيئية للمؤسسات المنتجة للبحوث هي التزامها ببذل وقت وجهد استثنائيين في توظيف أعضاء جدد في الهيئة التدريسية (1986 1985 ,Dill 19866). وما يجدر ذكره على وجه الخصوص أن هذه المؤسسات; Zuckerman, 1977 تذهب مسافات طويلة لكي توظف أفراداً يمتلكون تلك الصفات عينها والدالة على إنتاجية في البحوث (مثلاً ، لديهم حافز قوي للقيام بالبحوث، ولديهم مهارات ممتازة للبحث ويحسنون التكيف والانسجام مع البيئة الأكاديمية). وهنا يأتي دور قيادة الأقسام كون التوظيف الناجح للمرشحين المرغوبين، يعتمد اعتماداً كبيراً على سمعة رئيس القسم في مجال البحوث، ويعتمد أيضاً على مقدرته الظاهرة في توفير الموارد للبحوث، وجعل أهداف البحث ظاهرة للعيان، ويتبع أسلوب الحوكمة التشاركية. للمزيد من التفاصيل فيما يتعلق بتلك المؤلفات التي تناولت أثر القيادة في إنتاجية المؤسسة للبحوث، انظر . )14( الفصل
توضح هذه الاستنتاجات نقطة على جانب كبير من الأهمية فيما يتعلق بالتوظيف. حيث يوجد تفاعل حيوي بين ثلاثة مكونات في النموذج المستند إلى ما جاء في المؤلفات المنشورة للمؤسسة المنتجة للبحوث التي تحدثنا عنها في الفصل الأول. لذلك، ليس من المستغرب أن نجد عملية توظيف الأساتذة وانتقائهم قد برزت موضوعاً مهيمناً في دراستنا النوعية للأقسام الجامعية ذات الإنتاجية العليا للبحوث. عندما سئل رؤساء الأقسام، في أثناء قيامنا بهذه الدراسة، تسمية ثلاثة عوامل رئيسة أسهمت في إنتاجية وحدتهم، كان الجواب الأكثر تواتراً منهم هو الانتقاء الصحيح والملائم الأساتذة جدد. وقد قال أحدهم: هذا هو الشيء الذي كان هاجساً لنا أكثر من أي شيء آخر». وقال آخر: «عندما يكون خيارنا شخصاً ليس جيداً، فإنه لن يصبح جيداً مهما فعلنا».
يتمثل هدفنا الرئيس في هذا الفصل بتوصيف عدد لا بأس به من الإستراتيجيات الخاصة، التي تتبعها هذه الأقسام ذات الإنتاجية العالية للبحوث في توظيف باحثين واعدين وانتقائهم. ومن هذا المنطلق تركز على التوظيف من حيث كونه خاصية بيئية. ومع ذلك، قد يكون تشخيصنا هذه الممارسات ناقصاً إن لم نقدم للقارئ تلخيصاً الأبرز المؤلفات التي عرفت وحددت العديد من الخواص الفردية للباحث المنتج. لماذا ؟ لأن العنصر المؤثر في من تقرر المؤسسة توظيفه لديها هو تقديرها: هل المرشح يمتلك مؤشرات النجاح في البحوث (1986 ,Bland & Schmitz). وهذا يعني أن الأقسام الجامعية الراغبة في أن تستقدم إليها باحثين أقوياء تريد أن تعرف مايلي:
. هل يتكيف المرشحون وينسجمون مع القيم والأعراف الأكاديمية؟
. هل لديهم الحافز القوي للقيام بالبحوث؟
. هل لديهم معرفة معمقة في مجال بحوثهم، بالإضافة إلى المهارات الأساسية والمتطورة في البحوث؟
. هل لديهم خطة ما للانخراط في مشروعات بحثية متزامنة؟
. هل أظهروا تكيفاً داخليا وخارجيا، أي أظهروا التزاماً بنشاطات داخل المؤسسة وخارجها ؟
. هل يمارسون استقلاليتهم في عملهم، ولكن لديهم أيضاً التزام نحو مؤسستهم الأم؟
. هل لديهم عادات عمل منتجة؟
هذا هو الفصل الوحيد الذي يسلط الأضواء على تلك الخصائص الفردية المستمدة من نموذج إنتاجية العمل البحثي لذلك فإن استعراض ما جاء في المؤلفات من أجل هذا الفصل سيكون الأطول. ومع ذلك نقترح على القارئ أن يخصص وقتاً كافياً لدراسة هذا الملخص العام، ذلك أنه يمثل نقطة البداية للجزء المتعلق بممارسة الأقسام الجامعية اللاحق. ففي ذلك الجزء سنقدم وصفاً لتنوع واسع من أفضل الممارسات التي يمكن تطبيقها في معرض البحث عن أعضاء لهيئة التدريس يمتلكون تلك الصفات المرغوبة وجذبهم والاحتفاظ بهم، وذلك بالاستعانة ببياناتنا الوصفية التي جمعناها من أقوال رؤساء الأقسام الذين قابلناهم.
الانسجام مع المحيط
الأستاذ الناجح، وخاصة الباحث الناجح، قد تعلم قيم المهنة الأكاديمية وأعرافها وتوقعاتها وقوانينها واعتنقها. وإحدى هذه القيم السائدة على سبيل المثال، خدمة المجتمع بموضوعية وصدق وحب الخير والحرية الأكاديمية. وقد رأت دراسات عدة أن مستوى الانسجام الأكاديمي عند عضو هيئة التدريس هو المؤشر الأساسي والقوي الدال على إنتاجيته البحثية (1985 ,Wheeler & Creswell). وعلى سبيل المثال، أجرى كوركوران Corcoran وكلارك (1984) Clark) دراسة شملت مجموعتين من الأساتذة الجامعيين - مجموعة مؤلفة من 63 أستاذاً عرف عنهم نشاطهم القوي في التدريس والبحوث والخدمة، ومجموعة مؤلفة من 66 عضواً اختيروا عشوائيا من أساتذة حصلوا على تثبيتهم في الجامعة، وتتوافر فيهم صفات الأستاذ القوي النشاط من حيث المرتبة والسن. ولوحظ وجود فروق مهمة بين هاتين المجموعتين فيما يخص الانسجام مع المحيط. فمثلاً، عندما سئلوا عما يبعث السرور والرضا في النفس فيما يتعلق بالعمل أجاب أفراد المجموعة الأولى إن ثمة شيئين هما الحرية الأكاديمية والقدرة على الإسهام عبر البحوث. لكن هذه الجوانب من عمل الأساتذة لم تذكر كثيراً من جانب المجموعة التمثيلية. وفي الوقت نفسه لا يمكن الإقلال من أهمية أثر القيم المهنية في الإنتاجية. ففي المهن المتطورة جدا تعد تلك القواعد غير المكتوبة، وكذلك المفاهيم والقيم والسلوكيات أشياء أساسية في كل عمل وفعل.
الحافز الشخصي
لدى الباحث المنتج حافز قوي للاستكشاف والفهم ومتابعة أفكاره وآرائه، ويعتقد أنه يتحمل مسؤولية تحسين المجتمع والارتقاء به عبر الابتكار والاكتشاف والعمل المبدع. وقد خلصت الدراسات التي شملت العلماء إلى أن الحافز الداخلي يلعب دوراً محوريا في إنتاجيتهم. وأولئك الباحثون الذين تحفزهم في أعمالهم رغبة شخصية كامنة هم .)Tschannen - Moran, Firestone, Hoy & Johnson )2000( الأكثر إنتاجاً وقد اتضح ذلك بقوة في دراسة أجريت أخيراً وشملت 465 أستاذاً في كلية طب ذات تركيز عال على وكان من الأسئلة الواردة ،)Bland, Seaquist, Pacala, Center, & Finstad, 2002( البحوث في تلك الدراسة سؤال يخص مدى قوة موافقة الأستاذ على العبارة القائلة: لدي حافز الإجراء البحوث (1) = أخالفها بقوة 5 = أوافق بقوة ) . وكان الجواب الأكثر تواتراً لدى هذه الجماعة هو 4. من الجدير بالذكر أن الأساتذة الذين نصفهم بأصحاب إنتاجية عالية (نشروا ما يزيد على خمس مقالات في أثناء العامين المنصرمين كانوا دوماً يرون حافزهم للبحث «قويا جداء، وقد أجابوا عن هذه الفقرة بإعطاء أنفسهم «5» نقاط. إن هذا الاختلاف في الحماسة للبحوث كان ثابتاً فيما يخص الأساتذة ذوي الإنتاجية العالية وبالمقارنة بالأساتذة الآخرين، حتى إن الإجابة بالنقاط التي وضعها الأساتذة لأنفسهم لهذه الفقرة عينها من بين جميع الفقرات التي تضمنتها الدراسة تبين أنه أفضل مؤشر المستوى إنتاجية هذا الأستاذ. إن تطوير حافز داخلي قوي أمر مهم جدا الضمان الإنتاجية مدى حياة هذا العضو. يقول بلز Pelz وأندروز (1966) Andrews) : إن العلماء الأكبر سنا الذين حافظوا على مستوى إنتاجيتهم قد احتفظوا أيضاً بمستوى رفيع الحوافزهم.
المعرفة المعمقة في مجال البحث والمهارات الأساسية والمتطورة في مجال البحث
ليس ثمة أدنى شك أن المرء لكي يكون عضواً قوي التأثير في الهيئة التدريسية يجب أن تكون لديه معرفة جيدة ومواكبة لأي تحديث في محتوى المجال البحثي، وكذلك Lee, Ognibene, & Schwartz( مهاراته ذات الصلة بالتدريس والبحوث والخدمة 1991). وأعضاء الهيئة التدريسية المنتجون ملمون إلماماً جيداً( Taylor et al., 2001 بجميع الأعمال الرئيسة التي نشرت في مجال تخصصهم، وبكبرى المشروعات الجاري تنفيذها حالياً، وبالنظريات المختلفة، وبالباحثين المهمين ومصادر التمويل السائدة. وهم، إلى جانب ذلك يجيدون العمل بالإحصاءات الأساسية ومخطط الدراسة وطرائق جمع البيانات وبالإستراتيجيات المتطورة للتصميمات وجمع البيانات المتبعة عموماً في مجالات بحوثهم. والدراسات التي اطلعنا عليها لا ترى أن عمر الباحث مؤشر على ضعف في متابعته آخر المستجدات بل تدل هذه الدراسات على أن العمر مؤشر إيجابي لإنتاجية البحوث، وأنه فيما يتعلق بالمقدرة الفكرية ومتابعة ما هو متداول والتحفيز لا يوجد ما يسوغ الاعتقاد بضعف الإنتاجية بسبب عمر الباحث (Bland & Bergquist, 1997; Lawrence & Blackburn, 1998; Perry, Clifton, Menec, ومع ذلك من الملاحظ ،)Struthers & Menges, 2000; Tosti-Vasey & Willis, 1997 أن المصاعب تتزايد أمام الأساتذة جميعاً فيما يخص متابعة آخر مستجدات الانفجار المعرفي في معظم الميادين ومتابعة تلك التغيرات الهائلة والمتوالية في التكنولوجيا. ففي سنين معدودة ومهما كان عمره قد يجد المرء نفسه متخلفاً بعض الشيء عن المتابعة في حقل تخصصه. لذلك، فهذه حالة تثير شيئاً من القلق فيما يخص حيوية الأساتذة ونشاطهم جميعاً. لذلك فمن الأهمية بمكان الحفاظ على الزخم والنمو لدى أعضاء الهيئة التدريسية؛ لكي يمكن تفادي وضع برامج مستقبلاً فيما يتعلق بمعالجة أمور ناجمة عن حالات انعدام الترابط، والابتعاد عن آخر التطورات وتبدد النشاط.
المشروعات المتزامنة
الباحثون المنتجون يشغلون أنفسهم بمشروعات متعددة ومتزامنة. تشير الدلائل أن الأساتذة يزداد إنتاجهم إن عملوا بمشروعات بحثية عدة في وقت واحد. وإن تعثر مشروع ما أو أخفق قد ينجح آخر، وبذلك يجد الأساتذة أنفسهم في مأمن من الإحباط الذي قد يحدث إن ظهرت حواجز أو مطبات في الطريق عند العمل في مشروع ليس سهلاً (Hargens, 1978; Stinchcombe, 1966; Taylor, Locke, Lee, & Gist, 1984)
التكيف مع الظروف
يلتزم الأساتذة المنتجون بأنشطة داخلية وخارجية على السواء. والتكيف مع الأنشطة الخارجية يقتضي حضور اللقاءات على الصعيدين الإقليمي والوطني والتعاون مع زملاء على المستوى الوطني. أما التكيف مع الأنشطة الداخلية فيقتضي المشاركة داخل المؤسسة، وفي ذلك تخطيط المناهج والحوكمة في المؤسسة وغيرها من الأنشطة المماثلة. وتشير البحوث المبكرة في هذا الصدد، أن الباحثين غزيري الإنتاج هم أكثر انسجاماً مع الأنشطة الخارجية مما هم مع الأنشطة الداخلية، لكن الدراسات الحديثة تدل على أن هؤلاء الأساتذة برغم قوة نشاطهم في أعمال بمؤسسات خارجية مثل الجمعيات العلمية Blackburn & Lawrence, 1986( والمؤتمرات إلا أنهم ليسوا أقل نشاطاً في الداخل 1984 ,Finkelstein). وفي هذا السياق نفسه أظهرت دراسة أجراها كوركوران Corcoran وكلارك (1984) Clark)، على سبيل المثال، أن الأساتذة الأكثر نشاطاً يشاركون بقوة في القرارات الرئيسة داخل الجامعة مثل الحوكمة وتخطيط المناهج.
الاستقلالية والالتزام نحو المؤسسة
من الملاحظ أن الأساتذة المنتجين يتمتعون بحرية أكاديمية ويتحلون بالقدرة على العمل بطريقة مستقلة في التخطيط لوقتهم وفي وضع أهدافهم الخاصة. وهم أيضاً يقومون بأدوار جيدة داخل مؤسساتهم، ويلقون التقدير العالي لما يقدمونه من إسهامات مهمة المؤسستهم. فالاستقلالية وعدم الاعتماد على غيرهم جانبان عظيما الأهمية في الحياة الأكاديمية. وفي الوقت نفسه يبقى الالتزام نحو المؤسسة وشعور المرء بأنه جزء من مؤسسته سمة من سمات الأستاذ المنتج مهما كان عمره، وخاصة عند المتقدمين بالسن (1982 ,Braskamp & Associates). فهذا الترتيب القائم على الارتباط بحرية تحرك بين المؤسسة والأستاذ الجامعي حظيت باهتمام العديد من الكتاب في مجالي وعلى ،)Cole & Cole, 1967, Peters & Waterman )1982( الأعمال والتعليم العالي سبيل المثال، بينت الدراسات التي تناولت الالتزام بالعمل والمشاركة بقوة فيه أن العاملين الذين يواصلون صعودهم للأعلى على سلم المراتب لديهم مستوى في الالتزام أقوى وأعلى Baldwin, 1990; Howard 1984: Kanter( من أولئك الذين ليس لديهم هذا الالتزام (1979). ومن كتاب 1990 Votruba نقتطف ما يلي:
…..الأساتذة الذين يرون أنفسهم في عداد المتحركين لا في عداد العاجزين عن الحركة. هم الذين لهم تطلعات عليا، ولديهم تقدير إيجابي للذات، ويعملون بجد ويجازفون عن علم ومعرفة، ويظلون مشغولين بما يهتمون به، وصلاتهم قوية بطلابهم وزملائهم، وينادون بالتغيير البناء في مؤسساتهم. (812p).
ولكن هناك استثناء واحد للأثر الإيجابي للاستقلالية، ألا وهو استثناء يخص الأساتذة الجدد. وجد كاتز (1978) Katz) أن وجود استقلالية تامة في أثناء السنة الأولى من عمل الباحث له أثر سلبي كبير جدا».
هذا وقد ركزت الكتب الصادرة حديثاً في مجال الشركات على تلك العلاقة بين الإنتاجية والالتزام، وخاصة في كتاب بعنوان (1996) The Loyalty Effect) تأليف Reichheld and Teal. يتحدث المؤلفان عن دراسة أجريت للمقارنة بين الشركات الناجحة المزدهرة والشركات التي أخفقت في عصر متقلب شهدناه. وقد تبين أن الشركات ذات النسبة الأعلى في الاحتفاظ بالموظفين هي التي كسبت أعلى الأرباح. والجدير بالذكر أن الاحتفاظ بالموظفين يفسر الأرباح أكثر مما تفسره حصة الشركة في السوق أو السلم القياسي أو التكلفة أو غيرها من المتغيرات المترافقة عادة مع الفائدة التنافسية.
عادات العمل
من الضروري أن يكون الأستاذ الجامعي لنفسه عادات علمية منتجة في وقت مبكر من حياته العملية. تشير الدلائل أنه ما لم تثبت عادات العمل المنتج في أثناء السنوات الخمس الأولى من تعيين المرء عضواً في الهيئة التدريسية، فإن هذه العادات لن تتكون فيما بعد. وقد درس لا يتفيلد (1971 Lightfield) البحوث المنشورة عن علماء اجتماع شباب بعد خمس سنين وعشر سنين تلت حصولهم على شهادة الدكتوراه. ووجد أن تعدد البحوث وغيرها من شهادات التقدير المتعددة الصادرة في السنوات الخمس الأولى تنبأت بالإنتاج في السنوات الخمس الآتية. وعلى نحو مماثل تبين من دراسات في اختصاصات أخرى مثل الفيزياء والكيمياء أن قلة قليلة من الباحثين الذين يظهرون البطء في أوائل حياتهم )Cole & Cole, 1967 Reskin )1977( المهنية يصبحون في مستوى عال من الإنتاجية
ممارسات الأقسام الجامعية
نحن نعلم من الكتب التي قرأناها والتي ذكرت أنفاً أن تميز القسم الجامعي في مجال البحوث يعتمد اعتماداً كبيراً على جودة ما لديه من أساتذة ومدرسين. وهذا ما أكدته المقابلات التي أجريناها مع رؤساء الأقسام المنتجة للبحوث، الذين صرحوا بصوت عال يخلو من أي لبس أن توظيف المرشحين المناسبين هو العامل الرئيس لتطوير بيئة منتجة للبحوث والمحافظة عليها. وانظر إلى ما يقوله هيوستن Houston قسم إدارة التسويق واللوجستية ) :
أقضي الكثير من الوقت في توظيف الأساتذة، ذلك أن تكوين قسم جامعي عظيم يبدأ بهذه الخطوة، وأنا لا أتحدث عن قسم يكون جيداً بضع سنوات، بل أتحدث عن قسم يحافظ على إنتاجيته في البحوث عقوداً طويلة من السنين والقسم المتميز بالبحوث يكون لديه أساتذة كبار يحظون باحترام الجميع ومعروفون جيداً، وبعدئذ يستقدم أساتذة أصغر سنا هم أفضل منهم.
والسؤال الذي يطرح نفسه كيف تقارب الأقسام المنتجة للبحوث عملية التوظيف لتكون على ثقة بأنها تجذب إليها أساتذة يتمتعون بخصائص تنبئ بإنتاجيتهم العالية في البحوث؟ الجواب عن هذا السؤال يمتد إلى ما وراء الآليات العادية المعروفة التي تمثل أساساً لكل عملية توظيف (مثلاً ، إنشاء لجنة بحث، ووضع توصيف للمنصب المطلوب ونشر الإعلان عن الوظائف. لكن الشيء الصانع للفرق، كما سنبين أدناه، هو أن هذه الأقسام تطبق معايير صارمة عند تقويم المرشحين. وهي تحرص على أن تحدد سابقاً المجالات التي تريد استقدام أساتذة لها. وتتبنى إستراتيجيات متعددة لمعرفة أفضل المرشحين ومن ثم جذبهم إليها. وهي أقسام تضع مسألة الاحتفاظ بالأساتذة في صدر أولوياتها؛ وذلك بغية الحفاظ على الأساتذة الحاليين الذين لهم سجلات بحث ناجح وتحول دون أن تأخذهم منها مؤسسات أخرى.
ما هي المزايا الفردية التي تشترط الأقسام توافرها لدى المرشحين؟
لا يختلف اثنان أن المعرفة الجيدة في الاختصاص والمهارات البحثية المشترط توافرها عند المرشحين الجدد تختلف باختلاف القسم والمنصب. ولكن ثمة معايير مشتركة تشترطها الأقسام ذات الإنتاجية العالية للبحوث وليس مستغرباً أن نجد أن قسماً كبيراً من هذه المعايير يظهر ما جاء في المؤلفات التي تناولت هذه الخصائص بالبحث، والتي تعد مترافقة مع إنتاجية البحوث. وفيما يلي أهم هذه المعايير التي ذكرها رؤساء الأقسام الذين قابلناهم:
. حافز قوي لإجراء البحوث
. وجود كفاءة صقلتها الخبرة والتجربة ( الباحث المجرب)
. التلاؤم الجيد بين المرشح والقسم.
. المقدرة على التعاون
. مستوى رفيع للتميز
. مهارات تدريس قوية.
الحافز القوي لإجراء البحوث جميع الأقسام بلا استثناء عندما تريد أن تملأ شاغراً في هيئتها التدريسية يتضمن مسؤوليات بحثية تجعل «الحافز العالي للبحوث» واحداً من معايير التوظيف لديها. وفي الأقسام ذات الإنتاجية العالية للبحوث تبحث لجان الانتقاء عن الاختلاف المهم في درجة شدة شغف المرشح بالبحوث. وقد ذكر رئيس أحد الأقسام وكان مشاركاً في دراستنا هذه أنه حين يسأل الأعضاء المرشحين للعمل في قسمه عن أهدافهم المستقبلية فهو يتوقع أن يسمعهم يتحدثون عن رغبتهم في أن يصبح الواحد منهم من رواد الباحثين في العالم، أو يخطط لإيجاد حل لمشكلة في مجال اختصاصه. وبالمقابل، فهو لا يجد المرشحين مدفوعين إلى البحوث ومن ثم غير لائقين بقسمه إن قالوا إنهم فقط يريدون أن يكونوا جيدين في البحوث أو يريدون أن يحققوا توازناً في فاعليتهم بين البحث والتدريس. وقال رافدين Ravdin (قسم الأدوية) ما يلي: أنا لا أوظف في قسمي إلا من لديه اهتمام وحافز والتزام بالبحوث كما لدي». وهذه الميزة الأساسية في مرشح للعمل بالقسم تكرر ذكرها كثيراً في أقوال رؤساء الأقسام في دراستنا كما يتضح من المقتطفات الآتية من اختصاصات مختلفة:
. الشغف بالبحوث أمر غاية في الأهمية (علم اجتماع الأسرة).
. العامل الرئيس أن يكون لدينا عضو في هيئة التدريس لديه الحوافز والطموح. (علم الحشرات).
. هذا القسم يبحث عن أساتذة جدد مبدعين ومفكرين يثيرون الاهتمام بالدرجة الأولى، ولديهم نشاط قوي وشغف بما يفعلون». (تنمية الطفل)
. العامل الأكثر أهمية أن نستقدم إلى قسمنا أفراداً جيدين جدا، لديهم الحافز الإجراء البحوث». (الاقتصاد التطبيقي).
الباحث المتمرس. ليس ثمة شك في أن وجود الحافز القوي للبحث عند فرد يدخل في عداد هيئة التدريس أمر ضروري جدا لإنتاجية هذا الشخص. ولكن ينبغي أن يترافق هذا الحافز بالقدرة على المثابرة والداب وتنمية هذا الحافز، وهذا يعني ترجمة هذه الطاقة والإبداع إلى خطة بحث ملموسة ومشروعات منجزة، وتقديم معرفة جيدة ومنح ومقالات بحثية، وكتب وبراءات اختراع وما إلى ذلك. وقد تحدث العديد من رؤساء الأقسام الذين قابلناهم أنهم تعلموا الطريقة الصعبة في توظيف الأساتذة الذين لديهم إمكانات بحثية، ولكن لديهم سجل محدود لنجاحهم في العمل البحثي تذكر هوغان Hogan ( علم اجتماع الأسرة) أنها مرة استقدمت إلى قسمها شخصاً حديث التخرج من برنامج متميز في مؤسسة ذات توجه قوي للبحوث لكنه لم ينشر الكثير من البحوث ولم يحصل على المنح. فوجدت أن هذا العضو الجديد في قسمها لم يستطع أن يجاري أعضاء جدداً جاؤوا إلى قسمها ولديهم خبرة تفوق ما لديه. وقالت: إنها تعلمت درساً جعلها تغير طريقتها في التوظيف: نحن الآن أكثر حذراً إزاء افتراضاتنا أنهم قد ينجحون لمجرد أنهم جاؤوا من مؤسسة ( جيدة ) ... نحن الآن نبحث عن الخبرة.
فالأقسام ذات الإنتاجية العالية للبحوث تريد في معظم الأحيان مرشحين لديهم خبرة في البحوث، كما يتبين ذلك من دور فعلي لهم لا مجرد عملهم في الدراسات العليا. يقول ماك إيفوي McEvoy ( علم النفس التربوي): «نحن نفضل أن نوظف أشخاصاً ذوي مستوى متوسط في عملهم المهني، أي نحو ثلاث أو أربع سنين ... وأظهروا مقدرة على توفير تمويل خارجي، ولديهم خط واضح في العمل البحثي». لكن هذا القول لا يعني أن تلك الأقسام لا تقبل توظيف أساتذة حديثي العهد في العمل. بل إن هذه الحالة أقل حدوثاً، ولكن حين تحدث فإنهم يبدون الكثير من الحرص والعناية. وعلى سبيل المثال، يقول ماك إيفوي: إنهم إن وظفوا شخصاً حديث العهد، فيجب أن يكون ممن أظهروا مقدرة على النجاح في حدود مطالب مؤسسة ذات توجه نحو البحوث.
التلاؤم الجيد بين المرشح والقسم. تحدث رؤساء الأقسام مؤكدين أهمية إجراء تقويم مدى انسجام المرشح للعمل داخل مؤسستهم. يقول ليبيرت Leppert (دراسات ثقافية وأدب مقارن): إنه يؤكد أهمية هذا الانسجام ووضوحه في أثناء عملية ما قبل المقابلة. وبالطريقة التي بها يكلف لجنة الانتقاء: «تعليماتي إلى اللجنة، وفي جميع المستويات، أن عليهم أن يبحثوا عما يدل على انتماء للكلية. وقد أعرب آخرون عن وجهة نظر مماثلة:
. نحن نريد أشخاصاً يكونون محفزين للآخرين يوجد قدر معين من المواطنة يدل على كون المرء عضواً في هيئة التدريس. ونحاول أن نوظف أشخاصاً مدة طويلة، ويكونون مواطنين صالحين - لهم تأثيرهم ودعمهم ! للآخرين ومعاونتهم. الثروة الحرجية).
. في إحدى المرات لم نول اهتماماً كبيراً هل كانوا أعضاء الهيئة التدريسية لاعبين في فريق عمل، وداعمين لأقرانهم. بعدئذ تعرضنا لتجربتين في التوظيف كانتا مؤسفتين. كان هذان الشخصان جيدي العلم والمعرفة، لكنهما لم يكونا داعمين الطلبة الدراسات العليا وزملائهم في الكلية. لحسن الحظ أنهما غادرا هذا القسم عندما تلقيا عروضاً من مؤسسات أخرى. علم النفس، جامعة Twin Cities).
. في مرحلة المقابلة أخذنا أشخاصاً كانت لهم أفضل سجلات مكتوبة، ورأينا أنهم غير مقبولين لأنهم لا يتفاعلون مع الآخرين بما يكفي ... كنت أسأل كل من أقابله: ( ما الذي تريده في الجامعة ؟ ) فإن لم يجيبوا أنهم يحبون التفاعل مع الآخرين، أو وجود زملاء متنوعين، أو لم يقولوا شيئاً من هذا القبيل، فهم يحصلون على أدنى الدرجات في دفتري ( البيئة والتطور والسلوك ) .
تجري بعض الأقسام تقويماً لهذا الانسجام عبر مقابلة المرشحين في لقاءات على المستوى الوطني، وبعدئذ على مستوى الجامعة نفسها. زيارة الموقع تتيح فرصاً إضافية المراقبة المرشح شخصيا وفي أماكن مختلفة. وفي أقسام عديدة يعطى المرشحون الفرصة لتقديم بحث قاموا به وللتدريس في حلقة بحث، حيث يمكن مشاهدة تفاعلاتهم مع الطلبة والأساتذة والمعتاد أن تتضمن هكذا زيارة فاعلية اجتماعية، حيث يتمكن الأساتذة من التعرف أكثر إلى المرشح، ومن ثم يقدرون مدى ملاءمته.
وحيث إن الملاءمة تقتضي وجود طرفين هما المرشح والقسم، فمن الضروري أن يوضح القسم للمرشح الثقافة السائدة في القسم والتوقعات العلمية. فهذه المناقشات تساعد المرشح على اتخاذ قراره فيما يخص هل المنصب مناسب له أو لها. يقول سليفان Sullivan ( القانون) إنه عندما يجري مقابلة مع مرشح ما ويقدم له عرضاً، يوضح له ما هي قيم الكلية وتوقعات السلوك لديها فيما يخص الأساتذة:
إني صريح جدا في قولي: إن لم تعجبك هذه الصورة التي أرسمها لك، فقد يكون هذا المكان هو المكان الخطأ لـ ... فالانسجام له أهميته البالغة لعلنا نحن لسنا المكان الصحيح، وفي الحد الأدنى قلنا ذلك مباشرة منذ البداية.
وقد أشار المشاركون في هذه الدراسة إلى أنه من الصعوبة بمكان أن يبحث المرء عمن يملأ شاغراً في الهيئة التدريسية، ويكون في وضعية تلاؤم جيد مع ثقافة القسم وبيئته. علماً أن لديهم رغبة أكيدة في استقدام من لديه الشغف والإبداع والمهارات والتوقعات المستقبلية غير الموجودة في القسم. يقول فاربر Farber (القانون):
إنها مؤسسة الزملاء فيها متساوون ... ونحن لا نريد لأحد أن يخرب ذلك. ومن جهة أخرى. نحن لسنا نادياً اجتماعيا. إذا كان الشخص جيداً فعلاً، فإنك تجد في البحث عن السبل الكفيلة بانضمامه.
المقدرة على التعاون. روح الزمالة ميزة مرغوبة في أعضاء الهيئة التدريسية العاملين في أقسام ذات إنتاجية بحثية عالية. وكذلك الأمر فإن الرغبة الأكيدة في التعاون مع الباحثين الآخرين هي أيضاً ميزة مرغوبة. وقد سمعنا أمثلة كثيرة لهذا الرأي في أثناء المقابلات، نذكر منها ما يلي:
. عندما نوظف شخصاً، أجل، نريد أن نوظف شخصاً من أجل برنامجنا، ومن أجل تعزيز هذا البرنامج. لكننا في الوقت عينه يجب أن نفكر بشمولية أكثر. من هم الأشخاص في هذه الجامعة الذين سوف يتعامل معهم هذا الشخص؟ أعتقد أن هذا الأمر على جانب كبير من الأهمية. (علوم الفم). .
. أقول للأساتذة الجدد إن هذا مكان جيد للعمل والتعاون مع الآخرين. ونحن قادرون على تأسيس مجموعة عمل، وهذا ما يجعلنا في موقف تنافسي جيد للحصول على - وقد تحدث عدد قليل من رؤساء الأقسام تحديداً حول فوائد التعاون في التمويل وعن أهمية وجود هذه الميزة عند المرشحين للعمل في هيئة التدريس. فمثلاً، تعمد بعض الأقسام إلى التوظيف المشترك مع أقسام أو مراكز بحوث أخرى في الجامعة. وعبر هذه التشاركية تستطيع الوحدات الأكاديمية أن تمثل رافعة للموارد، وأن تزيد من جاذبيتها لمناصب في الهيئة التدريسية. منح كبرى. وإن كنت تريد أن تظل في إحدى الزوايا وتفعل ما لديك فقط، فهنالك الكثير من المواقع في الجامعات حيث تستطيع أن تفعل ذلك، وسيكافئونك على ذلك. لكن هذا لن ينجح في هذا المكان. (علم الأوبئة).
وقد تحدث عدد قليل من رؤساء الأقسام تحديداً حول فوائد التعاون في التمويل وعن أهمية وجود هذه الميزة عند المرشحين للعمل في هيئة التدريس، فمثلاً، تعمد بعض الأقسام إلى التوظيف المشترك مع أقسام أو مراكز بحوث أخرى في الجامعة. وعبر هذه التشاركية تستطيع الوحدات الأكاديمية أن تمثل رافعة للموارد، وأن تزيد من جاذبيتها لمناصب في الهيئة التدريسية.
حتى عند غياب تشاركية رسمية، يمكن للجان الانتقاء أن تقوم بعمل غير رسمي لتسهيل التعاون المستقبلي فيما يخص القادمين الجدد من الأساتذة ومجرد التعرف ( في أثناء عملية التوظيف) إلى باحثين محليين آخرين لديهم اهتمامات علمية مشتركة مع المرشح قد يفضي إلى نتائج مثمرة في نهاية المطاف. ويبدو أن بعض الأقسام والكليات صغيرة الحجم تستجيب لهذه الممارسة وتجدها مناسبة لها، ولا سيما أن أعضاء هيئة التدريس فيها عادة قلما يكون لديهم اهتمامات بحثية مماثلة لزملائهم الأقربين. ولذلك تبدي هذه الأقسام عناية فائقة في البحث عن متعاونين محتملين داخل المؤسسة أو خارجها، وتربط بينهم وبين الموظفين الجدد لديها. انظر إلى ما قاله هيكس Hicks ( بيولوجيا ) :
نحن قسم جامعي صغير الحجم وقد لا يجدون [الأساتذة من يتعاونون معهم من داخل القسم. لذلك، نبحث عن أشخاص يستطيعون أن يجدوا متعاونين معهم داخل هذه المدينة الجامعية - في معهد بحوث الثروات الطبيعية، على سبيل المثال، أو داخل أسرة بحثية أكبر حجماً مثل المعهد الوطني للصحة، أو المختبر الإقليمي لوكالة حماية البيئة EPA، لذلك نحن نريد شخصاً ملائماً لا من أجل سد حاجة في هذا القسم فقط، بل وأيضاً يكون منسجماً داخل أسرة من الباحثين أكبر حجماً».
وقد رأى القادة الأكاديميون المشاركون في هذه الدراسة أن التعاون له أهميته الكبرى في إنتاجية أقسامهم، فبات التعاون فكرة مهيمنة في مجموعة البيانات لدينا، على الرغم من غياب هذه الميزة عن نموذج الإنتاجية البحثية الأصلي القائم على ما جاء في المؤلفات المنشورة، وعن استمارة الاستبانة للمقابلات. وقد خصص الفصل السادس برمته لهذه الميزة البيئية المهمة لتحسين إنتاجية البحوث.
مستوى رفيع للتميز. قد يبدو توظيف أفضل المرشحين إستراتيجية واضحة معروفة لدى الجميع. فمن لا يريد أن يوظف الأفضل؟ ولكن عندما تقول هذه الأقسام: إنها تبحث عن التميز لدى الأساتذة الجدد فإنها تعني الأفضل في العالم. يقول بن نير Ben-Ner ( العلاقات الصناعية):
التميز الذي نريده يتحقق عبر معيارين - مدى اجتهادنا في توظيف أفضل الأفراد، ومدى اجتهادنا في العمل على إزالة كل ما هو ضار في أثناء عملية تثبيت الأساتذة .... نحن نريد التميز، وتوظف الأشخاص استناداً إلى هذا المعيار ونحتفظ بالأشخاص استناداً إلى هذا المعيار بالدرجة الأولى.
إحدى علامات التميز التي تريد أقسام عديدة توافرها في من توظفهم هي خبرتهم ومشاركتهم في بحوث لها أهميتها . يقول هيوستن Houston ( إدارة التسويق واللوجستية ) : نحن نريد شخصاً يحقق ويبحث في شيء له معناه المفيد وله جدارته ... جدارته في كونه يثير الاهتمام، نريد شخصاً نأمل أن يكون له تأثيره في حقل تخصصه. وردد ليبيرت Leppert ( الدراسات الثقافية والأدب المقارن) قولاً مماثلاً ، حين قال: «المعيار الأول هو ما يجلبه لنا هؤلاء الأشخاص فكرياً .... ليس ما إذا كانت بحوثهم سوف تنتج معرفة جيدة فقط، بل وأيضاً المعرفة الجديدة التي ستكون ذات أهمية فعلية لشخص ماء.
وعندما تقوم هذه الأقسام ذات الإنتاجية العالية للبحوث في توظيف أساتذة جدد. فإنها تضع معياراً عالياً فيما تريده أي درجة أعلى مما تضعه الأقسام الأخرى. فتوقعاتها فيما يخص الإنتاجية البحثية لعضو الهيئة التدريسية كثيرة المطالب، لذلك فهي توظف مرشحين يشاركونها في هذه الأهداف ويتطلعون إلى تحقيقها. يقول كامبل Campbell ( علم النفس في جامعة Twin Cities) : إن نجاح القسم في البحوث يعتمد على توظيف أشخاص يريدون أن يكونوا باحثين من صنف عالمي ممتاز. ويعرفون ذلك من أول يوم يدخلون فيه من باب القسم. وبعد ست سنوات من الآن وحين تنعقد جلسة تثبيت الأساتذة سيكونون معروفين على مستوى العالم أنهم قدموا شيئاً».
مهارات تدريس قوية. لا يختلف اثنان أن الأستاذ الجامعي ليس باحثاً فحسب. فهو، أو هي، لديه اهتمامات أيضاً ومسؤوليات في التدريس والوصول إلى الخارج وخدمة المجتمع. ومع أن دراستنا هذه تركز على دور الأستاذ في البحوث حصراً، إلا أنه من الواضح أيضاً أن هذه الأقسام ذات الإنتاجية العالية في البحوث تريد أيضاً مرشحين لديهم مهارات جيدة في التدريس. فعلى سبيل المثال، كامبل الذي أوردنا أنفاً ما قاله فيما يخص رغبته في أنه يريد توظيف باحثين من صنف عالمي ممتاز، يقول أيضاً: ونحن ننتظر من هؤلاء المرشحين أن يكونوا مدرسين جيدين مقرراتنا جميعاً يقوم بتدريسها أساتذة مثبتون أو في طريقهم إلى التثبيت. ونرى هيوستون إدارة التسويق واللوجستية) يتفق مع هذا الرأي فيما يخص تدريساً عالي الجودة، حيث قال: «إن التركيز الرئيس في عملية التوظيف التي نتبعها يقتصر على مؤهلات المرشح البحثية، لكن هذا لا يكون أبداً على حساب التدريس.
وكما سنتحدث في الفصلين التاسع والعاشر تستخدم معظم الأقسام ذات الإنتاجية العالية للبحوث إستراتيجيات خاصة تهتم بالجانب التعليمي من مهمتها. وهي تعمل جاهدة في إدارة وقت أساتذتها في البحوث والتدريس، بحيث تضطلع بهذين الدورين معاً على الرغم من التحديات المصاحبة لذلك.
ما مدى شيوع قيام الأقسام بتوظيف مرشحين تحقق خبرتهم حاجات معينة أو تتواءم مع مجالات أولويات معينة ؟ وكيف يتم انتقاء هذه المجالات؟
علمنا من المقابلات التي أجريناها أن عملية انتقاء المرشح تبدأ غالباً بسؤال رئيس واحد هو: هل يركز القسم على توظيف شخص له خبرة بمجال اختصاص معين أم أن التركيز أكثر عمومية فيكون انتقاء مفتوحاً ضمن أوسع وأفضل مقاربة لاختصاص معين؟
غير أن الانتقاء الهادف في بعض الأماكن ليس القاعدة. ففي كلية القانون، تركز لجان الانتقاء على مجالات معينة، خاصة إذا كان ثمة حاجات محددة في المنهاج فتفضل كما يقول سليفان Sullivan، أن يكون أكثر تركيزها على الحصول على نجم، وفي الوقت نفسه يكون منسجماً وملائماً لما سوف يدرسه أو تدرسه وبالمثل، كما يقول رئيس قسم الهندسة الكيميائية وعلم المواد، بيتس Bates تكون عملية التوظيف لدينا عموماً مفتوحة. فنحن نريد أشخاصاً أذكياء واعدين. ونفضل ألا نحدد مجال التخصص».
ولكن برغم ما قيل في هذه الأمثلة، فإن الممارسة السائدة لدى الأقسام التي كانت موضع دراستنا هي توظيف أساتذة في مجال الاختصاص المطلوب. لكن تحديد هذه المجالات قد يكون عسيراً والتوصل إلى اتفاق بشأنها ليس بالأمر السهل. حتى لو تم الاتفاق على أولويات التوظيف، فقلما يوجد التمويل الكافي لتغطيتها جميعاً. وقد تحدث رؤساء الأقسام عن بعض الطرق التي بها يحددون مجالات الأولويات، فبرزت في مجموعة بياناتنا النوعية ثلاث إستراتيجيات ومعايير مشتركة نبينها فيما يلي:
. التخطيط الإستراتيجي البعيد المدى.
. إمكانات التمويل الخارجي.
. احتياجات المناهج.
التخطيط الإستراتيجي البعيد المدى. كانت المقاربة الأكثر شيوعاً في العينة التي كانت موضع دراستنا لتحديد مجال التوظيف التخطيط الإستراتيجي البعيد المدى، وعلى وجه الدقة كيف يجري هذا التخطيط والعوامل التي تؤخذ بالحسبان، والتي قد تتباين باختلاف الاختصاص المعرفي وبحسب الموقف الراهن؟
وضعت خطط التوظيف البعيدة المدى في قسم العقاقير وفق عوامل تنفرد فيها البيئة المحلية. وقد تضمنت هذه العوامل مجالات بحوث ذات أولويات حددت أخيراً طبقاً الحاجات الوحدات الأكبر حجماً في المؤسسة، مثل كلية الطب التابعة للجامعة، وكذلك المركز الصحي الأكاديمي)، كما تحددت أيضاً بمدخلات جمعت من أطباء مقيمين في هذا المجتمع.
أما مجالات التوظيف ذات الأولوية في الكلية العامة، فكانت تحددها عوامل خارجية. فهذه الكلية التي وجدت نفسها مدفوعة نحو خطة إعادة التنظيم في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، وتواجه تهديداً بالإغلاق في منتصف تسعينيات ذلك القرن توجهت بكل أساتذتها نحو المزيد من مجالات البحوث. وحيث إن لديها التزامها نحو طلبة يحتاجون إلى التدريب والإعداد، فقد ركزت خططها للتوظيف ليس فقط على المهرة في البحوث بل وأيضاً وتحديداً على أولئك الذين تسهم بحوثهم في التعليم التنموي.
وأما أولويات قسم علم اجتماع الأسرة في خطته الإستراتيجية، فقد تأثرت بتوقعاتها إزاء تقاعد بعض الأساتذة والحاجة المستقبلية إلى برامج جديدة لشهادة الماجستير. وبعد أن حدد القسم أولويات التوظيف في الخطة البعيدة المدى سعى إلى اجتناب حصول أي تضارب فيما يخص مجالات معينة قد تحتاج إلى مرشح جديد عندما يتقاعد عضو في الهيئة التدريسية. وقد أتاحت هذه الطريقة للقسم أن يفيد من وجود شخص متاح مبكراً، ذلك أنهم يعلمون سابقاً المجالات التي سيحتاجون إلى ملء شاعر لها مستقبلاً .
وفي قسم علم النفس في جامعة Twin Cities) وضع رئيس القسم واللجنة التنفيذية ورقة عمل حددوا فيها الأهداف والمبادرات التي سيعمل عليها القسم في أثناء السنوات العشر أو الخمس عشرة القادمة. وقد ساعدت هذه الورقة في تحفيز الأحاديث فيما بين الأساتذة، ومن ثم تستخدم النتائج النهائية لتلك المناقشات في تحديد المجالات التي تحتاج إلى ملء الشواغر في المستقبل. لكن هذه الإستراتيجية ينبغي أن ينجم عنها معرفة لدى الهيئة التدريسية حول الاحتياجات المستقبلية من الأساتذة في السنوات المقبلة. ومن ثم يجتنب القسم مشكلة تنافس بين مختلف الفروع لملء الشواغر عندما يتقاعد بعض الأفراد.
إمكانات التمويل الخارجي. إن توافر تمويل من خارج المؤسسة في مجال ملء شاغر لباحث موضوع آخر مهم بحاجة إلى أن يؤخذ بالحسبان. ففي بعض الأقسام تولي لجان الانتقاء اهتماماً شديداً لما إذا كان الاهتمام الرئيس في البحوث عند مرشح متقدم لها قابل للتمويل
. إذا كان المرشحون يعملون في مجالات قررها المجتمع ولا تحصل على تمويل لأي سبب من الأسباب، أو إذا كان الشخص غير قادر على تحديد من يمكنه أن يمول المجال البحثي الذي يريده، فهذا يجب أن يؤخذ بالحسبان، والمؤسف أن جودة الفكرة ليست مهمة إن لم يمكن تمويلها، لذلك يجب أن نكون حريصين جدا. (علم الأغذية والتغذية).
. إذا وظفت شخصاً في مجال علمي تظن أنت أن المجتمع بحاجة إليه، ولكن لا يوجد تمويل له من الخارج، فمصيرك الفشل. علم الحشرات).
وبحسب أسير نو Ascerno ( علم الحشرات) من المهم أيضاً أن يظل القسم في حالة توازن معقول، فيما يخص الاهتمامات البحثية عند الأساتذة. فهو يقول: «هذا الأمر يشبه حقيبة ملأى بالأسهم. ومن المفيد أن تتضمن التنوع. فمثلاً في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين كان اختصاص علم السموم مجالاً ساخناً، لكن المجالات الساخنة تتبدل، لذلك يتعين على القسم أن تكون لديه تخصصات متنوعة، وبذلك تظل التكاليف غير المباشرة تأتي للقسم فتتيح للأفراد أن يبدلوا قليلاً في اهتماماتهم حين يحصل فتور في مجال معين. يجد القارئ مزيداً من التفاصيل حول التنوع في أعضاء الهيئة التدريسية فيما يخص اهتماماتهم البحثية ومهاراتهم وخبرتهم في الفصل الثالث عشر.
احتياجات المناهج. ليس ثمة شك في أن المجالات التي توظف الأقسام أساتذة لها تتأثر كثيراً بمناهج التدريس لديها. ففي العينة موضوع دراستنا هذه تبين لنا ذلك بوضوح وعلى وجه الخصوص في كليات الاختصاص مثل الطب والقانون والعلوم البيطرية. يقول إيمز Ames علم السكان والطب السريري: نحن مرتبطون بقوة بالمنهاج الدراسي وبضرورات اعتماده من قبل AVMQ ، لذلك إذا وجد شاعر الجراح، فيجب أن توظف جراحاً ... ويمكنني القول: إن الكثيرين ممن وظفناهم في قسمنا هذا مدفوعون إلى عملهم بقوة مطالب تدريس الطب السريري.
ما هي الإستراتيجيات المتبعة في تحديد أفضل المرشحين
لملء شاغر في الهيئة التدريسية ؟
عندما تخطط لملء شاغر في الهيئة التدريسية تتخذ هذه الأقسام المعروفة بإنتاجيتها العالية للبحوث الخطوات المعتادة في التوظيف. فهي أولاً تضع وصفاً لهذا الشاغر، وتؤلف لجنة انتقاء، وتضع الإعلانات اللازمة في النشرات والدوريات المختصة. لكن اللافت في مقاربتها للتوظيف هو قيامها بعمل استباقي لوضع إستراتيجيات إضافية تهدف جميعاً إلى تحديد أفضل المرشحين. وهذه الإستراتيجيات كما تبين دراستنا هي:
. استخدام واسع للشبكات.
. استخدام آليات التوظيف على المستوى الوطني.
. استضافة علماء زائرين التوظيف بالجملة.
. تبني مقاربات متعددة.
. تخصيص الكثير من الاهتمام والوقت للتوظيف.
الاستخدام الواسع للشبكات لجميع الباحثين الناجحين شبكة واسعة من زملاء يتواصلون معهم بانتظام. وتستطيع الأقسام استعمال هذه الشبكات بحيث تدخل إليها للتعرف إلى من يصلح لتوظفه لديها. وفي هذا السياق يقول كامبل Campbell ( علم النفس، جامعة Twin Cities: نحن بالطبع مخولون باستخدام منافذ إعلان معينة لكننا نقوم بالاتصال بأي مكان وأي شخص قد يكون لديه مرشحون محتملون داخل مؤسساتهم، أو قد يعرفون مرشحاً محتملاً. ومن أجل انتقاء أخير في قسم البيولوجيا أرسل هذا القسم نحو 375 رسالة بالبريد الإلكتروني إلى زملاء وأشخاص آخرين ممن يسهل الاتصال بهم. ويحاول رئيس قسم الهندسة الكيميائية وعلم المواد أن يتتبع تاريخ المرشحين الواعدين حتى المراحل الأولى من عملهم المهني ( أي حين كانوا طلبة في المرحلة الجامعية الأولى وفي مرحلة الدراسات العليا). وهذه طريقة تساعد بعد سنوات قادمة حين يحين الوقت لتوظيف أساتذة مستجدين.
وقد يوفر استعمال الشبكات فائدة جيدة حين البحث عن خصائص محددة في عضو هيئة التدريس. فمثلاً، في مرحلة معينة كان قسم علم اجتماع الأسرة يبحث عن طبيب معالج في مجال الزواج والأسرة، بحيث يكون المرشح أنثى ملونة، لديها مقدرة وإمكانات عالية في البحوث. وقد سهل على القسم البحث عن مرشحة لملء هذا الشاغر بسبب علاقات الزمالة التي كانت للقسم مع أساتذة ملونين في كافة أنحاء البلاد (وقد تكونت هذه العلاقات وتطورت بفعل برامج التدريس الصيفية التي تجلب أعضاء هيئة تدريس من خارج المؤسسة بصفة مدرسين أو علماء متمرسين فسألوهم عن أسماء أشخاص تتوافق مواصفاتهم مع المطلوب. ويتم الاتصال فيما بعد بهؤلاء الأشخاص، فإن لم يكونوا مهتمين بالعمل كان يطلب إليهم اقتراح مرشحين محتملين.
استخدام آليات التوظيف على المستوى الوطني. بعض الأقسام موجودة في تخصصات علمية لديها آليات على المستوى الوطني تساعد في أعمال التوظيف. الجمعية الأمريكية لكليات القانون، على سبيل المثال، لديها آلية توظيف مركزية للمبتدئين بالعمل الجامعي. وجميع المرشحين المتقدمين للعمل المرة الأولى والراغبين في وظيفة في هيئة تدريس يملؤون نموذج طلب واحد، ويمكن لجميع كليات القانون الوصول إلى مجموعة كاملة من هذه الطلبات ) عن طريق قاعدة بيانات إلكترونية لهذه الوثائق المطبوعة يسهل البحث فيها ) . ثم تلتقي جميع كليات القانون التي لديها شواغر مع المرشحين في إحدى أيام نهاية الأسبوع في أحد الفنادق بمدينة واشنطن العاصمة. وتنتهي هذه اللقاءات بدعوة عدد قليل من المرشحين وجدت الكليات اهتماماً بهم لزيارة مقراتها.
وقد تستخدم اختصاصات أخرى مقاربات مماثلة، حيث تجري لجان الانتقاء مقابلات مع المرشحين في لقاءات تعقد على المستوى الوطني مثل مؤتمر جمعية أساتذة التسويق أو الجمعية الحديثة للغات. إن هذه الطريقة تعمل على تصغير أعداد المرشحين قبل توجيه الدعوة لهم لزيارة مقر القسم.
استضافة علماء زائرين تحدث عدد لا بأس به من رؤساء الأقسام عن قيامهم باستقدام علماء زائرين إلى أقسامهم بطريقة دورية. وهذه الطريقة لا تغذي الشبكة بالمعلومات فحسب بل تساعد أيضاً في التعرف إلى مرشحين للعمل في القسم مستقبلاً. وفي بعض الأقسام يتم إعلام الأساتذة الخارجيين، الذين يدعون لإلقاء المحاضرات أو للتشاور مع أعضاء الهيئة التدريسية باحتمالات وجود شواغر في الجامعة. فهذه الطريقة تمثل آلية آمنة للأقسام وللمرشحين ليجرب الواحد منهما الآخر.
التوظيف بالجملة. تعد عملية توظيف عدد من المرشحين معاً إستراتيجية جيدة في التوظيف تستخدمها الكلية العامة، وقد وصف كولينز Collins فوائد هذه المقاربة بقوله:
نحن نوظف الأشخاص بالجملة، أربعة أو خمسة أفراد في المرة الواحدة، ثم تسهل لهم العمل في مجموعات وذلك لكي يكون لديهم من فورهم تواصل اجتماعي حيوي. ونحن نضع أسماءهم في جدول الرواتب في وقت مبكر أسبوعاً أو أسبوعين لكي يعرفوا ما يريدون معرفته فيما يخص المؤسسة وفيما يخص بعضهم بعضاً قبل حضور باقي أعضاء الهيئة وبدء الدراسة.
تبني المقاربات المتعددة تبين لنا من دراستنا أن جميع الأقسام المشاركة تتمتع بالمرونة في مقاربتها لعملية التوظيف، فتستعين بمقاربات مختلفة حين يوجد أمامها، على سبيل المثال، عدد كبير من المرشحين مقابل عدد محدود من الشواغر، أو عندما يكون الوقت ضيقاً. يوضح بيرنلوهر Bernlohr أن قسمه الكيمياء الحيوية وبيولوجيا الجزيئات والفيزياء الحيوية) يتبع نموذجين للانتقاء، أحدهما نموذج تقليدي حيث يجري فيه تعيين لجنة الانتقاء في فصل الخريف، وتنشر الإعلانات، ويتقدم المرشحون في أثناء العام، ثم يملأ الشاغر في الصيف. وفي الحالة الأخرى يقومون بعملية بحث مفتوح حيث يذهبون، وينقبون كثيراً، يتحدثون مع الآخرين، ويستدعون الأشخاص إلى القسم، وذلك إلى أن يعثروا على الشخص المناسب.
تخصيص الكثير من الاهتمام والوقت للتوظيف. والشيء المشترك الوحيد والمهم أخيراً هو تبني تلك الأقسام ذات الإنتاجية العالية للبحوث مقاربة مكثفة وشاملة لعملية التوظيف. تقتضي هذه المقاربة جهوداً تعاونية بين الأساتذة أعضاء لجنة الانتقاء ورئيس القسم. وفيما يلي مثال ذكره بيتس Bates ( الهندسة الكيميائية وعلم المواد فيما يخص نوع الاهتمام الذي يوليه القسم للمرشحين الواعدين جدا، حيث قال:
في أثناء عملية توظيف شخص ما، وحين جاء إلينا في المرة الأخيرة كانت تصحبه زوجته. وقضيت معهما أربعة أيام كاملة - أريتهما المنازل ودعوتهما إلى بيتي، وذهبنا معاً إلى منازل أساتذة آخرين وذلك بهدف مساعدتهم على التعرف إلينا وإلى ثقافتنا. كان هذا الجزء من المقابلة جزءاً شديد الكثافة الزمنية، ويفعل المرء ذلك مع الجميع. قد لا ينجح هذا النوع من الاهتمام دوماً، لكنه يعطيك الفرصة للتأثير في قرار المرشح، وفي قرار زوجته أيضاً».
هذه المشاركة القوية وشبه الدائمة لرئيس القسم في عملية التوظيف لوحظت أيضاً في الأقسام الكبيرة الحجم. فمثلاً في الطب يقوم رئيس الفرع ولجنة الانتقاء معاً بعملية الانتقاء وبتوجيه من رئيس القسم ومكتب الموارد البشرية. ولكن عندما يطلب إلى عدد صغير من المرشحين زيارة القسم يلتقي هذا الرئيس بهم فرداً فرداً. وقد استغرق هذا العمل نحو 400 مقابلة في أثناء السنوات الخمس الماضية لملء 50 شاغراً.
ثم إن التوثق من المراجع واحدة من التفاصيل الجديرة بالزمن والجهد المخصصين لها، كما يقول سليفان Sullivan ( القانون):
نحن لا نوظف أحداً، أمين سر كان أم أستاذاً، دون أن نتوثق جيداً من المراجع التي تعرفه. ثقافتنا في هذا القسم تقتضي أن نكون دقيقين جدا. إذا تخلى المرشح عن ترتيبات السرية. نقوم بالتوثق من مراجع السند الخمسة كافة التي زودنا به هذا الشخص، وكذلك من الأشخاص الآخرين الذين يعرفون هذا الشخص في أثناء عمله الوظيفي السابق. وإذا عرفنا أنه لا يوجد سوى 581 كلية قانون متضمنة أساتذة وموظفين، فنحن نعرف أشخاصاً كثيرين في كل مؤسسة، ونحاول أن نسأل أسئلة دقيقة جدا لنتحقق أنه لن تواجهنا أي مفاجئات. وعندما أجري مكالمات هاتفية أسأل سؤالين عامين أطرحهما دوماً قبيل انتهاء المكالمة، وهما (هل لديكم شيء مهم فيما يخص هذا الشخص لم أسأله ويجب أن أعرفه؟ وحيث إنكم تعرفون كل شيء عن هذا الشخص، هل توظفونه لديكم لهذا الشاعر ؟ ) وفي كثير من الأحيان، أجد أنه إن لم أستنتج من أسئلتي السابقة وصفاً دقيقاً لنقاط قوة هذا الشخص أو نقاط ضعفه، فهذان السؤالان يقدمان الإجابة والإنسان بدافع حسن النية لن يتوانى عن تقديم إجابة صحيحة ودقيقة لشمولية هذين السؤالين.
ما هي الإستراتيجيات المتبعة لجذب أفضل المرشحين؟
في الوقت الذي يبحث فيه القسم الأكاديمي عن أستاذ جديد كفاءته عالية، يبحث المرشحون المحتملون أيضاً عن أفضل قسم يبدؤون منه عملهم المهني أو يواصلون عملهم هذا. لهذا فإن الخطوة الأساسية الأخرى في عملية التوظيف تتمثل بعملية تسويق فاعلة لهذا المنصب الشاغر أمام المرشحين الذين وقعت رغبة القسم عليهم. وفي هذا السياق قدم لنا رؤساء الأقسام الذين قابلناهم أربع إستراتيجيات أساسية لجذب الأساتذة الاستثنائيين وتوظيفهم، وهذه الإستراتيجيات هي:
. إبراز سمعة القسم.
. تأكيد المزايا التي ينفرد بها القسم.
. تأكيد المزايا التي ينفرد بها المجتمع المحلي.
. تقديم كتاب عرض محدد وواضح وسخي وكثير التفاصيل.
إبراز سمعة القسم. لا شيء مثل سمعة القسم الجامعي يجذب إليه بقوة أساتذة ذوي منزلة رفيعة. يقول بيتس Bates: «نحن في قسم الهندسة الكيميائية معروفون بأننا القسم الأول في هذه البلاد، لذلك تسهل علينا عملية التوظيف. فهذه السمعة، كما يقول ساعدتهم في أن أصبح قسمهم قوي المنافسة أمام مؤسسات تدفع رواتب عالية.
أما مولر Moller ( طب الأطفال) فقد وجد أيضاً أنه من الممكن التغلب على مشكلة الرواتب الضئيلة بجودة البرامج والأفراد والفرص التي يتيحها القسم للموظفين الجدد للعمل مع باحثين يتمتعون بأعلى درجات الاحترام. واستذكر قولاً جعل واحدة من هؤلاء المرشحات للعمل في هيئة التدريس تنضم إلى القسم أخيراً، حيث قالت: «إن ما جذبها إلينا هو برنامجنا المتطور جدا فيما يخص اليافعين، حيث يوجد أشخاص يعاونونها في موضوع بحثها، بالإضافة إلى الدعم من أمانة السر ومن شبكة متعاونة».
وفي هذا السياق نفسه ذكر بن نير Ben-Ner نقطة عظيمة الأهمية فيما يخص السمعة حيث قال: لا ينبغي لك أن تفترض أن الأفضل في هذا الميدان لن يأتوا إلى مؤسستك. وقد قدم مركز العلاقات الصناعية عروضاً لاثنين من المرشحين للعمل في الهيئة التدريسية صنفا بمرتبة رفيعة. ومع أن هذين المرشحين الاستثنائيين لم ينضما إلى الجامعة، إلا أن مجرد كونهما درسا العرض قد عزز قدرة المركز على توظيف أول شخص قادم.
تأكيد المزايا التي ينفرد بها القسم. لكل قسم جامعي مزاياه الإيجابية التي يمكن إبرازها وتسليط الضوء عليها في أثناء عملية التوظيف. ففي الأقسام المشاركة في دراستنا كانت ثقافة القسم وروح الزمالة لديه ميزتين مهمتين بصفة خاصة - فقد أحس المرشحون بالسعادة لهذه الفرصة للعمل في مكان ممتع وللتعاون مع زملاء متميزين وأن يقدرهم هؤلاء الزملاء ويساعدونهم. وهذا ما توضحه العبارة الآتية التي قالتها ماستن Masten (تنمية الطفل):
سمعتنا تفعل الكثير من أجلنا، إذ إن قسمنا هذا ليس قسماً يتصف بمرتبة رفيعة فحسب، بل هو أيضاً مكان مريح للعمل. عندما يأتي الناس إلينا يخبروننا شيئاً واحداً حين يقولون: لديكم مجموعة من الطلبة الممتازين في الدراسات العليا، وهذا مكان رائع يستحق الزيارة). فيه الدفء وفيه الانفتاح الفكري، وهذا ما يشعر به الكثيرون فيرسلون أبناءهم من طلبة المرحلة الجامعية الأولى إلينا. وعلى هذا النحو تجذب الثقافة الأفراد الذين يكرسونها.
تعمل أقسام عديدة على تسويق جودة طلبتها ولا سيما أن الطلبة المتفوقين يسهمون في إضفاء المتعة في التدريس، ويعززون قدرة المرء على القيام بالبحوث. وعلى سبيل المثال تقول غار افازو Garavaso رئيس قسم الفلسفة للأساتذة الجدد لديها: «يجب أن تكونوا منتجين؛ وأنتم قادرون على ذلك؛ لأن لدينا طلبة ممتازين». وفي قسمها الجامعي أيضاً يقدم برنامج شركاء أكاديميون راتباً شهريًا للطلبة ليعملوا إلى جانب الأساتذة في البحوث والحق يقال: إن أقساماً عدة تقدم الدعم لطلبة الدراسات العليا على شكل جزء من رزمة لبداية عمل أكاديمي فوجود مساعدين من الطلبة الخريجين ومساعدين في التدريس وغير ذلك من الموارد الحيوية - مثل هيئة دعم وأفراد فنيين وتدفق تمويل مرن هو بحد ذاته سمة مميزة للأقسام ذات الإنتاجية العالية في البحوث، ويمكن للقارئ الرجوع إلى الفصل الثامن للاطلاع على ما توصلنا إليه في دراستنا النوعية عن هذه الميزة البيئية المهمة.
تأكيد المزايا التي ينفرد بها المجتمع المحلي. كل قسم جامعي يوجد وسط بيئة أكبر منه. سواء كانت القسم العلمي أو الكلية أو الجامعة أو البيئة الضيقة التي تحيط به. والأقسام ذات الإنتاجية العالية للبحوث تحصي ما في بيئتها الواسعة وتحرص على الإشارة إلى مزاياها الجذابة أمام المرشحين للعمل فيها. وكما قال ما هيسواران Maheswaran ( علم الأمراض البيطرية): نحن نسوق قسمنا وبرنامجنا وكليتنا، وكوننا جزءاً من المركز الصحي الأكاديمي، وجامعة مينسوتا ، وقرب موقع جامعة Twin Cities Campus وسط المدينة. باختصار تركز على كل ما هو إيجابي.
وتحدث هيكس Hicks ( بيولوجيا ) أيضاً عن التسويق، فقال:
تقع جامعة Duluth في موقع فريد. يشعر بعض الناس بأنها في نهاية العالم. لكننا نحاول أن تغير هذه الصورة الذهنية لديهم - فهي في حقيقة الأمر في ساحل خليج كندا. يأتي الناس من كندا إلى هذا الموقع للتسوق وقضاء الإجازة والسباحة في بحيرة سوبيريور. فالموقع ثروة لنا وللناس الذين يرغبون هذه البيئة، ويحبون أن يسكنوا في مدينة بحجم مدينتنا، بدلاً من العيش في مدينة كبيرة.
وثمة أقسام عدة تركز على فرص التعاون التي تتيحها الجامعة. ويتحدث آخرون عن سياساتها والمنافع التي تقدمها مثل السياسة الخاصة بإجازات أعضاء الهيئة التدريسية وفرص توظيف الأزواج ودعمها، وإمكانية تخطي مسار التثبيت لأسباب مثل ولادة طفل في الأسرة أو ضرورة رعاية أب أو أم مسنين. فهذه المزايا الجذابة وغيرها موجودة في كل مؤسسة. لكن اللافت في المقاربة التي تتبناها الأقسام ذات الإنتاجية العالية في البحث هو أنها تعرف الجوانب الإيجابية لموقعها وتوظفها إستراتيجيا في جهودها التوظيفية مهما كانت الكلية أو الجامعة التي ينتمي القسم إليها.
تقديم كتاب عرض محدد وواضح وسخي وكثير التفاصيل. إن وضع اللمسات الأخيرة للصفقة هو بلا شك الخطوة الختامية في عملية توظيف أعضاء الهيئة التدريسية. لذلك ينبغي الحرص على أن يتضمن عرض التوظيف للمرشح كل ما هو جذاب ومشجع في رزمة التوظيف. وكما قال بويد Boyd (المالية) : لقد تم اختيار هؤلاء الأشخاص في سوق على مستوى البلاد بأسرها، لا بل في سوق عالمي. لذلك ينبغي أن يكون ثمة من يعطيك المال ( سواء كان عميد كلية أو وحدة إدارية ) ...
وبالإضافة إلى الراتب الشهري تعرض جميع الأقسام التي شاركت في دراستنا تقريباً نوعاً من رزمة مخصصة للانطلاق بالعمل. قد تتضمن هذه الرزمة حوافز مالية للمرشحين المتوقع توظيفهم، كما تزودهم أيضاً بموارد مهمة تلزمهم للانطلاق ببرامج بحوثهم. يقول هيكس Hicks ( بيولوجيا ) : «نحن نحاول فعلاً أن نهيئ الأفراد للربح .... ولا سيما أنه في المحصلة تكون برامجهم مزيداً من العمل لنا إن لم يحصلوا على التثبيت. لذلك نسألهم عما يحتاجون في مجال البدء في البحوث وذلك ليفعلوا ما يريدون أن ينجزوه. وإذا كان ذلك في مقدورنا فإننا نحاول أن نلبي احتياجاتهم.
وقد تختلف محتويات الرزمة باختلاف الاختصاص العلمي واحتياجات كل عضو جديد في هيئة التدريس، لكنها في معظم الأحوال تتضمن إمكانية الوصول إلى مساعد باحث، وتمويل للسفر، وتجهيزات حاسوب، ونصاب مخفض في التدريس مدة محدودة. وفيما يلي بعض الأمثلة التي زودنا بها رؤساء الأقسام الذين قابلناهم:
. الأساتذة الجدد في قسم اللغة الإنكليزية يعطون حاسوبات ومبلغاً محدوداً من المال للسفر، وأحياناً إعفاء من التدريس بغية إجراء مراجعة للأطروحة المقدمة لنيل الدكتوراه لتحويلها إلى مقالة أو كتاب.
. في معهد الشؤون العامة تتضمن رزمة الانطلاق بالعمل بعض المال وجهاز حاسوب ومساعد باحث
. بمساعدة من أموال محطة التجارب الزراعية يحصل جميع الأساتذة الجدد في قسم علم اجتماع الأسرة على تخفيض في نصاب التدريس (تخفيض صف واحد ) ، ومساعد باحث غير متفرغ، وبرمجيات وتجهيزات حاسوب، وفي معظم الأحيان يحصلون على دعم للراتب الصيفي مدة عامين.
أما في أقسام العلوم والطب، خاصة أولئك الأساتذة الذين يقضون جل وقتهم في العمل داخل المختبرات أو في البحوث المكثفة، فيجب أن تكون رزمة الانطلاق بالعمل كبيرة بما يكفي فيما يخص التمويل والمكان والموارد)، ليتمكن هذا العضو الجديد في القسم من إطلاق عمله البحثي. وفيما يلي بعض الأمثلة التي وردت في دراستنا :
. كنا نتحدث في ذلك اليوم عن شخص نريد أن نوظفه لدينا في منصب أستاذ مساعد. ومن المحتمل أن يكلفنا ذلك رزمة انطلاق بالعمل تقدر بـ 300000 دولار.
وهذا ما يتوقعه أشخاص يعملون في العلوم الأساسية». (طب الأطفال).
. من أجل أحد الأساتذة الجدد أجرينا عملية تجديد للمختبر برمته، وزودناه بدعم من فريق فنيين مدة ثلاثة أعوام، بالإضافة إلى دعم في التجهيزات. (علم الأمراض البيطرية).
. نحن نزودهم بأموال تراوح بين 200000 - 300000 دولار. ويستخدمون هذا المال ليستعينوا بالمساعدين، ولشراء بعض الأجهزة البسيطة. ونحن نقدم المختبر والأجهزة الكبيرة». (علم العقاقير).
الجدير بالذكر أن الاستبانة التي قدمناها للمقابلات لم تتضمن أسئلة تتعلق بمصادر التمويل الخاصة برزم الانطلاق بالعمل، لكن بعض رؤساء الأقسام تطوعوا بتزويدنا بهذه المعلومات. وتحدث أحد رؤساء الأقسام عن وجوب أن تتضمن الرزمة أموالاً الدعم عام للأساتذة في إطار حملة لجمع الأموال. وتحدث آخرون عن جهود يبذلونها في سبيل توظيف أساتذة تكون اهتماماتهم في البحوث متوافقة مع مجالات الأولويات في جامعتهم أو كليتهم مثل علم الأحياء المجهرية وبحوث الترجمة). وبهذه الطريقة يتاح لهم الحصول على أموال مخصصة لهذه المبادرات.
وقد يكون من العسير وضع رزمة جذابة ومزاحمة من أجل الانطلاق بالعمل، ولكن في جميع الحالات تقريباً وجدنا أن رؤساء الأقسام يعتقدون أن هكذا استثمارات تسدد تكاليفها في نهاية المطاف. وهذا ما عبر عنه جيداً هيكس Hicks ( بيولوجيا ) حين قال: هؤلاء [الأساتذة] عادة يسددون هذه الرزم عبر تكاليف غير مباشرة قبل أن يصلوا إلى مرحلة التثبيت.
هذا، وقد أشار العديد من رؤساء الأقسام إلى نقطتين أخريين على جانب كبير من الأهمية. أولاً، إن كتاب العرض يجب أن يكون واضحاً وصريحاً في تحديد التوقعات الماثلة أمام هذا العضو الجديد والترتيبات والموارد التي ستقدم له، وثانياً، يجب على هذه الأقسام أن تفي بالتزاماتها دون لبس أو غموض. وفي كلية القانون، يعيد العميد تأكيد قيم الكلية وثقافتها في كتاب العرض، وكذلك يركز على التوقعات العلمية لكل مرتبة من مراتب أعضاء الهيئة التدريسية. وفي قسم الأدوية يتلقى كل عضو جديد كتاباً يتضمن خطة كاملة توضح الأهداف والطريقة التي بها سوف يقضي وقته كله في أثناء السنوات الثلاث الأولى، ومن سيكون معلمه المرشد والموارد المالية والمكان وما هي الموارد التنموية وما إلى ذلك. كما يقول رافدين Ravdin مضيفاً: «نحن نعد مسودة الكتاب ويراجعها الكثيرون ومنهم المرشح لذلك عندما يقدم الكتاب أخيراً للتوقيع يكون أمراً واقعاً». وأكد أيضاً أهمية التمسك بهذا العرض الخطي، قائلاً: ونحن نفي بكل التزام تضمنه الكتاب. من المهم جدا ... أن نفي بالتزاماتنا نحو الأساتذة الذين وظفناهم. وإن لم تفعل، فهو السم عينه.
كيف تحافظ الأقسام وتنجح في الاحتفاظ بأساتذة جاءتهم عروض عمل من مؤسسات أخرى ؟
الأقسام الجامعية التي تفلح في توظيف أساتذة استثنائيين لا تستطيع بالطبع أن تتوقف عند هذا الحد. تشير المؤلفات والدراسات التي أجريت بهذا الصدد أن الأقسام يجب أن تعمل أيضاً للتحقق أن المزايا البيئية الأخرى التي تسهل إنتاجية البحوث - وجميعها موضوع دراسة تفصيلية في الفصول القادمة - يجري تنفيذها والاهتمام بها دوماً وعلى نحو دوري. ولكي تفعل هذه الأقسام ذلك ينبغي لها أن توجد بداخلها بيئة تجعل الباحثين المنتجين يريدون البقاء فيها حتى لو جاءتهم عروض مغرية من مؤسسات أخرى.
وكذلك الأمر، بينما يشعر الأساتذة الذين لا يزالون في المراحل الابتدائية من عملهم بأنهم يواصلون نموهم، ويحققون الشهرة والسمعة الطيبة، فإن هنالك احتمالات تتزايد مع الأيام أن يتلقوا عروضاً جيدة للانتقال إلى مؤسسات أخرى. والمؤسسات التي تحاول جذب أساتذة لهم شهرتهم وتميزهم تطبق دون شك الكثير من الإستراتيجيات التي تحدثنا عنها أنفاً. وقد أجريت دراسة إحصائية توضح انتشار هذه الظاهرة في جامعة متشغن Michigan، حيث أظهرت أن نحو %62% من الأساتذة الذين استطلعت آراؤهم قد تلقوا عرضاً واحداً على الأقل للبقاء في متشغن ( مركز الدراسات الخاصة بالتعليم العالي والتعليم بعد الثانوي والمركز الخاص بتعليم المرأة، 1999) . لذلك يتعين على الأقسام التي تريد الاحتفاظ بما لديها من أساتذة، وتحول دون توجههم نحو العمل مع مؤسسات أخرى أن تقدم عروضاً للاحتفاظ بالأساتذة تكون جذابة ومغرية وبمقدار الحاجة.
وفي دراستنا هذه كرر أساتذة الأقسام ذات الإنتاجية العالية للبحوث القول وأكدوا أهمية حماية استثماراتهم الأولية في التوظيف. يقول غلاد فلتر Gladfelter ( الكيمياء ) : إن أكبر تحد نواجهه هو احتفاظنا بالأساتذة الذين يحققون نمواً صاروخيا، وأولئك الذين تسعى المؤسسات الأخرى إلى جذبهم إليها هم علماء ومربون متميزون. ولكن لا بد من القول: إن استقدام البديل المكافئ أكثر كلفة من الاحتفاظ بالأستاذ». والمهم أيضاً أن عروض الاحتفاظ ليست من أجل الأساتذة فقط، فقد تحدث العديد من رؤساء الأقسام عن جهودهم الحثيثة للاحتفاظ بالموظفين الأكفاء الذين لهم أهميتهم في إنتاجية بحوث أعضاء الهيئة التدريسية ( انظر الفصل الثامن).
تتوقع جامعة مينسوتا أن يتلقى عضو الهيئة التدريسية كتاباً رسميا تعرض فيه مؤسسة أخرى عليه العمل لديها قبل أن تقدم كتاب عرض للاحتفاظ به، لكن ذلك قد يسبب مشكلة، إذ إنه في الوقت الذي يتلقى فيه الأستاذ عرضاً خطيا، يكون الأستاذ مستغرقاً في مفاوضات مع الكلية الأخرى، ويكون الأوان قد فات؛ كما يقول لوه Loh ( علم العقاقير). ومن حسن الطالع أن رؤساء الأقسام الذين قابلناهم لديهم بالتأكيد إستراتيجيات للاحتفاظ بالمبرزين من الأساتذة أثبتت نجاحها في أحيان كثيرة. يحدثنا ليبرت Leppert الدراسات الثقافية والأدب المقارن عن كيفية معالجة كليته هذه الظاهرة، فيقول:
في بعض الأحيان، يقوم عميد كليتنا بعمل يمكن وصفه بأنه ضربة استباقية، وذلك عندما يراوده إحساس بأن شخصاً من قدماء الأساتذة الممتازين أو شخصاً ممتازاً في بداية عمله الجامعي يتلقى عرضاً مغرباً ... فهو يعلم جيداً أن ذلك ربما يكون منحدراً زلقاً. ولكن في حالات معينة يتصرف بأسلوب استباقي لإيقاف هذه العملية، التي قد تمضي قدماً وتصبح قوية الإغراء، وبصراحة القول أكثر كلفة، وهذا الأسلوب متبع أيضاً في أقسام أخرى.
أما شتيرنر Sterner ( البيئة والتطور والسلوك ) فقد تحدث أيضاً عن القيام بعمل استباقي لشيء متوقع حدوثه فيما يخص الاحتفاظ، وضرورة فتح الخزانة» بحسب الحاجة. فقد قال: توجد منافسات قوية في الخارج ونحن نعرف ذلك. وهؤلاء الأشخاص لديهم احتياجات ورغبات وأشياء يريدونها، ومعظمها باهظة الثمن. ولكن إذا أردنا شخصاً، فإننا نحاول أن نبقيه لدينا». وقال سليفان Sullivan ( القانون) قولاً مماثلاً :
لدي فلسفة - وقد أخبرت الأساتذة بها هي أنني لن أخسر عضواً واحداً لمصلحة مؤسسة أخرى بسبب الراتب، نقطة أول السطر. وإذا كنا نريد الاحتفاظ بعضو من أعضاء هذه الهيئة التدريسية، فإنني أزايد على ما تقدمه تلك الكلية ... وفي جميع الحالات يعرف عميد الكلية الأخرى أنه لن يغلبني في مجال الرواتب أو الدعم المالي لأنني أخبرت عضو الهيئة التدريسية بذلك وهم لم يخبروه.
ولكن طريقة حصول الأقسام على الموارد المعالجة الاحتفاظ بالأساتذة تختلف باختلاف الكلية وبحسب الحالة. فإذا تمت الموافقة على عرض الاحتفاظ في كلية الفنون العقلية، على سبيل المثال، تتحمل الكلية %66% حتى 75% من التكلفة، وما تبقى أي %25 حتى 33% فيمكن تغطيته من استحقاقات القسم. يقول ليبرت Leppert ( الدراسات الثقافية والأدب المقارن) : «أعتقد أن هذه سياسة جيدة في نهاية المطاف. وجعل الأقسام تتحمل إسهاماً جيداً في ذلك، يساعدها على أن تزن أمور الاحتفاظ بدقة». هذا، وقد استخدمت أقسام أخرى دعم المانحين في سبيل الحصول على التمويل. وفي بعض الأحيان، استخدمت الأقسام مخصصات رواتب لم تدفع أو جزءاً من أموال غير مباشرة من المنح. وفي هذا السياق يرى رافدين Ravdin ( الأدوية) أن عروض الاحتفاظ فرصة جيدة للفرد والمؤسسة على السواء. وهو يستخدم الأفكار الواردة في عروض المؤسسات الأخرى المنافسة لوضع عرض مضاد، ويعمل بتعاون وثيق مع العميد ورؤساء المراكز وقادة الفروع، وفي إحدى الحالات، مع رئيس الجامعة فقد قال: «إنه الاحتفاظ مفيد للمشروع البحثي، ونحن نحتفظ بهم الأساتذة المنتجين، فإذا فكرت في ما قد يكلفه توفير البديل. فهو في المحصلة عمل اقتصادي مربح.
مراجعة للفصل الثاني : توظيف الأساتذة وانتقاؤهم
. تبدأ عملية بناء قسم جامعي منتج للبحوث بتوظيف أساتذة يتمتعون بخصائص شخصية عديدة، مثل المعرفة والمهارات وأخلاق العمل والتكيف مع المحيط والانسجام مع الاحتياجات والالتزام، وهي مزايا تعد مؤشراً على نجاح في البحث. والمعيار الأكثر أهمية الذي تؤكد الأقسام وجوب توافره في المرشحين للعمل لديها هو وجود حافز قوي، أو هو الدافع لإجراء البحوث والخبرة في هذا المجال ( أن يكون باحثاً متمرساً ، وأن يكون حسن الانسجام مع القسم، ولديه المقدرة على التعاون، بالإضافة إلى مهارات عالية في التدريس
. تفضل كثير من الأقسام المنتجة للبحوث، وليست جميعها، إجراء عملية انتقاء مركزة الأعضاء الهيئة التدريسية، ويقصد بذلك توظيف مرشحين لديهم خبرة جيدة في مجال اختصاص معين. وعند تحديد الأقسام لهذه المجالات تريد التوظيف فيها فإنها تتمسك بخطط إستراتيجية طويلة المدى، وتأخذ بالحسبان إمكانات تمويل مجال بحث هذا المرشح، وتوازن بين أهداف البحث واحتياجات مناهجها.
. تتضمن إستراتيجيات معرفة أفضل المرشحين استخدام شبكات الزمالة والمشاركة في الآليات الخاصة بالتوظيف المتبعة على المستوى الوطني. وقد تبنت بعض الأقسام إستراتيجيات خاصة، مثل دعوة المرشحين الذين لديها رغبة فيهم إلى الجامعة بصفة علماء زائرين، أو توظيف عدد من المرشحين معاً على شكل جماعة متماسكة. لكن الإستراتيجيات جميعاً تركز على المرونة وعلى استخدام إستراتيجيات متعددة في التوظيف، وتخصيص الكثير من الوقت والاهتمام لعملية التوظيف.
. تستفيد الأقسام الجامعية المنتجة للبحوث مما لديها من نقاط قوة لتجذب أفضل المرشحين إليها. وقد اكتسب بعضها سمعة على الصعيد الوطني، أو قد تبرز صورة جودتها. والأقسام جميعاً تركز على المزايا الجذابة التي تنفرد فيها أو ينفرد فيها قسمها أو المجتمع المحيط بها، مثل ما لديها من موارد فنية ممتازة أو فرص للتعاون مع الجامعة بأسرها. وهذه الأقسام، أخيراً، تعرض رزمة منافسة للانطلاق بالعمل، وتذكر تفاصيل هذه الموارد بكتاب عرض رسمي، بالإضافة إلى ذكر توقعاتها من عمل هذا الأستاذ الجديد.
. والأقسام المنتجة للبحوث لا تنأى بنفسها عن تقديم عروض للاحتفاظ بل هي ترى الاحتفاظ وسيلة لحماية استثماراتها الأولية في الأساتذة. ولعل أهم ما تفعله أنها تحاول القيام بعمل استباقي عبر إيجاد بيئة يستطيع الأساتذة فيها أن يحققوا النجاح والتفوق في عملهم، وأما الوسائل التي تستخدمها الأقسام لبناء هذه البيئة واستدامتها ، فسوف يجري الحديث عنها في الفصول اللاحقة من هذا الكتاب.
الفصل السابق