سوف يأتي أحمد لكل الأمم
(سفر حجي 7/2)
سقطت مملكة إسرائيل وعاصمتها شكيم نابلس الحالية) بيد الآشوريين عام (721 ق م)، ونفي سكانها من بقايا أسباط إسرائيل العشرة إلى بلاد الآشوريين، ثم بعد ذلك بأقل من قرن ونصف (586 ق م) سقطت مملكة يهوذا ، وعاصمتها القدس بيد الكلدانيين بقيادة نبوخذ نصر، ودمر معبد سليمان تدميراً تاماً، وأعمل القتل في سلالة سبطي يهوذا وبنيامين اللذين كان يشكلان مملكة يهوذا ونفي من سلم منهم إلى بلاد بابل حيث بقوا في المنفى حتى سيطر قورش ملك الفرس على بابل عام ( 538 ق م) ، وسمح لليهود بالعودة إلى فلسطين كما سمح لهم بإعادة بناء القدس والهيكل.
وعندما وضعت الأساسات لبناء المعبد الجديد ارتفعت صيحات الفرح بين اليهود، بينما استولى النحيب والبكاء المرير على كبار السن الذين سبق أن شاهدوا معبد سليمان قبل تدميره. وفي تلك المناسبة بعث الله النبي (حجي) ليعزي المجتمعين بهذه الرسالة المهمة:
وسوف أزلزل كل الأمم، وسوف يأتي ( حمده) لكل الأمم، وسوف أملأ هذا البيت بالمجد، كذلك قال رب الجموع، لي الفضة ولي الذهب هكذا قال رب الجموع، وإن مجد ذلك البيت الأخير يكون أعظم من مجد الأول، هكذا قال رب الجموع، وفي هذا المكان أعطى ال (شالوم)، هكذا قال رب الجموع) ( سفر حجي 7/9-9).
وقد ترجمت هذه الفقرة من النسخة الوحيدة من الكتاب المقدس التي كانت تحت تصرفي باللغة المحلية والتي أعارتني إياها ابنة عمي الآشورية، وبالمقارنة مع ذلك نلاحظ أن الترجمة للكتاب المقدس ترجمت الكلمتين العبريتين (حمده) و (شالوم) إلى (الأمنية) و (السلام) على التوالي.
لقد أعطى المعلقون اليهود والنصارى أهمية قصوى للوعد المزدوج الذي احتوته النبوءة المذكورة آنفاً ، وكلاهما يفهمان من كلمة (حمده) نبوءة مسيحانية Messianic ، فلو فسرت هذه النبوءة بالمعنى المجرد لكلمتي ( حمده) و (شالوم) على أنهما (الأمنية) والسلام) لأصبحت النبوءة لا شيء سوى أمنيات مبهمة غير ذات مغزى، ولكن لو فهمنا معنى كلمة (حمده) أنها شخصية حقيقية ومن كلمة (شالوم) أنها ديانة منزلة وقوة فعالة، عندئذ لأصبحت هذه النبوءة صادقة ومتحققة في شخصية أحمد ودين الإسلام ذلك لأن كلمتي (حمده) و (شالوم) تؤديان بدقة معنى كلمتي (أحمد) و (الإسلام).
ومن المفيد قبل إثبات تحقق هذه النبوءة في (أحمد) و (الإسلام) إيضاح أصول هاتين الكلمتين:
1- لنأخذ كلمة (حمده) : يُقرأ النص بالعبرية الأصلية هكذا (في يافو حمدَه كُول ها جوييم مما يعني حرفياً : (وسوف يأتي حمده لكل الأمم والكلمة مأخوذة من اللغة العبرية القديمة أو الآرامية، وأصلها (حمد) وتلفظ دون التسكين (حمد) مما يعني في العبرية الأمنية الكبيرة) أو (المشتهى) أو ما يتوق إليه المرء، وفي اللغة العربية يأتي الفعل (حَمِدَ) من جذر الكلمة نفسها ح م د) بمعنى الإطراء والمديح.
ومن هنالك أكثر استحقاقاً للمديح من الشخص الذي يتاق إليه ويرغب فيه؟ ومهما تكن المعاني المشتقة من جذر الكلمة تبق الحقيقة الحاسمة التي لا جدال فيها هي أن كلمة (أحمد) هي الصيغة العربية لكلمة (حمده).
وفي قوله تعالى في سورة الصف في الآية السادسة: ﴿وَإِذْ قَالَ عیسی ابن . مريم يا بني إسرائيل إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُصَدِّقًا لما . بين يدي مِنَ التَّوْرَاةِ ومُبَشِّرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد وفي إنجيل يوحنا الذي كتب باليونانية ورد اسم (باراكليتوس Para cletos) وهو صيغة غير معروفة في الأدب الإغريقي، ولكن كلمة (بيريكليتوس Periqlytos) هي التي توافق وتطابق تماماً كلمة (أحمد) في معناها ومغزاها، ولا بد أنها كانت الترجمة اليونانية الأصلية لكلمة (حمده) الآرامية كما لفظها عيسى المسيح.
2- أما أصل كلمة (شالوم) و (شلاما) بالعبرية، وفي العربية (سلام) و (إسلام) فلا حاجة لأن أثقل على القارئ بتفاصيل لغوية؛ لأن أي متخصص في اللغات السامية يعرف أن كلمتي (شالوم) و (شلام) مشتقتان من أصل واحد وكلاهما تؤديان معنى السلام أو الاستسلام.
ونستشهد بنبوءة أخرى من سفر (ملاخي) وهو الكتاب الأخير من العهد القديم : (سوف أرسل رسولي فيمهد الطريق أمامي، وفجأة سوف يأتي إلى هيكله السيد الذي تطلبونه، رسول العهد الذي تسرون به، إنه سوف يأتي، هكذا قال رب الجموع) (سفر ملاخي 1/3).
ولنقارن بين هذا الوحي الغامض وبين قوله تعالى في الآية الأولى من سورة الإسراء : سُبْحَانَ الَّذي أَسْرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنَّه هو السميع البصير مما يعني أن الشخص القادم فجأة إلى الهيكل حسب سفر حجي وسفر ملاخي هو محمد، وليس المسيح، وإليكم الأدلة على ذلك:
1- أن العلاقة والتشابه بين كلمتي (حمده) و(أحمد) وبين جذر الكلمة (حمد) التي اشتقتا منها لا تترك أدنى شك بأن الفاعل في عبارة (وسوف يأتي حمده لكل الأمم) إنما هو (أحمد) أي (محمد) كما أنه لا يوجد أدنى صلة في الأصل السامي بين كلمة (حمد) وبين أسماء عيسى وألقابه مثل ( عيسى أو يسوع أو المسيح أو المخلص حتى في أي حرف من حروفها .
2- حتى لو قال بعضهم إنَّ الجذر العبري ( ح م د هـ ) يقرأ (حمده) هو اسم اعتباري معناه : أمنية، أو مشتهى، أو مدح، فإن ذلك يؤيد ما نقول؛ لأن الصيغة العبرية في أصلها متطابقة تماماً مع الصيغة العربية، وأياً من المعاني تختار لكلمة ( ح م د هـ ) فإن صلتها بـ ( أحمد ) قاطعة، ولا علاقة لها بـ (عيسى).
ولو حافظ القديس جيروم، ومترجمو النسخة السبعينية قبله على الصيغة العبرية لكلمة ( حـم دهـ ) بدلاً من استخدام الكلمة اللاتينية Cupiditas ، أو الكلمة الإغريقية Euthymia، لكان من المحتمل أن يحتفظ بها أيضاً مترجمو الملك جيمس الأول الذين أنجزوا الترجمة المجازة (Authorizwd Version) ولا حتفظت بها أيضاً جمعية الإنجيل في الترجمات إلى اللغات الإسلامية.
3- لقد أعاد هيرودس الكبير ترميم وبناء معبد (زوروبابل) الذي قدر له أن يكون أعظم مجداً من هيكل سليمان؛ لأن (ملاخي) تنبأ بأن الرسول العظيم أي رسول العهد أي: (السيد) أي: سيد الرسل سيزوره فجأة، وهذا ما حصل فعلاً عندما زاره (محمد) في رحلة الليل المعجزة المذكورة في القرآن الكريم في سورة الإسراء.
ولقد زار (عيسى) أيضاً المعبد مرات عديدة وشرفه بوجوده ومع ذلك فإن الأناجيل التي سجلت زيارات ومواعظ المسيح في المعبد لم تذكر هداية شخص واحد بين مستمعيه بل روت أن جميع زياراته كانت تنتهي بالجدل والنقاش المرير مع الكهنة والفريسيين.
ولو كانت نبوءة حجي وفي هذا المكان أعطي الشالوم) تشير إلى السلام لوجب أن نذكر أن عيسى لم يجلب السلام إلى العالم وقد صرح بهذا متعمداً إنجيل متى 34/10..)، كما أنه تنبأ بالخراب الكامل للمعبد (متى 24 / 2 ومرقس 2/13 ولوقا 6/21) وقد تحقق ذلك بعد أربعين عاماً تقريباً على أيدي الرومان عندما تم تشتيت اليهود بصورة نهائية.
4- لقد أسري بمحمد - وهو صيغة أخرى لاسم (أحمد) ومن المصدر والجذر نفسيهما - من مكة إلى بيت المقدس حيث زار البقعة المقدسة عند بقايا المسجد كما نص القرآن الكريم وهناك أدى الصلاة بحضور جميع الأنبياء، وقد بارك الله تعالى حول المسجد الأقصى وأطلع آخر أنبيائه على آياته كما وردت في سورة الإسراء.
وإذا كان لموسى وإلياس أن يظهرا بحضورهما الجسدي على (جبل التجلي) فقد أمكن لهما ولألوف الأنبياء - عليهم السلام - أن يظهروا حول الهيكل في بيت المقدس خلال الحضور المفاجئ المحمد إلى (مسجده) (سفر ملاخي (1/3) عندما عززه الله بالمجد )9-7/2 سفر حجي.
لقد اختارت السيدة آمنة بنت وهب أرملة عبد الله بن عبد المطلب لولدها اليتيم أول اسم علم في تاريخ البشرية (حمد) أو (أحمد) وهذا بحسب اعتقادي المتواضع أعظم معجزة لصالح الإسلام.
وقد أعاد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بناء المسجد العظيم الذي ما زال باقياً في القدس، وسوف يبقى حتى نهاية العالم دليلاً على صدق العهد الذي عقده الله تعالى مع إبراهيم وإسماعيل سفر التكوين 17-16/15
