تعريف الموهبة
قام «إيثان البالغ من العمر عشرة أعوام بحل مجموعة أخرى من المسائل الحسابية التي لا تنتهي، التي يستمتع بحلها ليتحدى نفسه والآخرين أما براندون البالغ من العمر ست سنوات فإنه يقضي ساعات طويلة في بناء عالم لعبه الخيالي من الحيوانات المحشوة، بما في ذلك الأحزاب السياسية والمشاريع التجارية المصاحبة لهذا العالم. وعندما سئلت روزاه است سنوات عن وجه الشبه بين القطار والطائرة قالت: كلاهما مركبتان للنقل العام أما شاميكا تسع سنوات، فهي مولعة بالموسيقى وتترنم أحيانا بألحان معقدة، في حين يتلمس «رولاندوء البالغ من العمر أربع سنوات المواد التي في يده بأصابعه بشدة في محاولة لبناء التصميم المعقد الذي يتخيله؛ كما أنه يعرف الولايات الأمريكية كلها وعواصمها. ويصر الأمونت» ذو الأعوام الخمسة على أنه لا يعرف القراءة، أنا فقط أعرف الكلمات التي تكونها الحروف وتميز «مايكا» سنتان بين الألوان مثل الرمادي والأسود، وتغني أهزوجة الحروف الهجائية وتستطيع تعرف حروف الهجاء على الأغلب أما سانجي» البالغ من العمر خمس عشرة سنة، فقد أتقن الرياضيات كلها التي تقدمها مدرسته الثانوية. وهو في حيرة ماذا سيفعل السنة القادمة. أما أخته الصغرى - أحد عشر عاماً، فهي منشغلة جدا في حوار مع زميلاتها حول السبب الذي يجعل من يقتل شخصا آخر قائلاً: في حين بعد قائد الجيش الذي يأمر جنوده بإلقاء القنابل ويقتل الأعداء بطلاً.
هؤلاء الأطفال يفكرون ويتصرفون بطرق متقدمة ومختلفة عن الأطفال الآخرين الذين هم في سنهم. وتسمي هؤلاء الأطفال الموهوبين» «النابغين» أو "" المبدعين وجميعها مصطلحات غير دقيقة تماما لا ينكر أحد وجود مثل هؤلاء الأطفال، لكن الكثيرين من الناس يعتقدون أن الأطفال الموهوبين الحقيقيين نادرون جداً. والحقيقة هي أن الأطفال الموهوبين موجودون بصورة أكبر مما يعتقد كثير من الناس، وهم موجودون تقريباً في كل مدرسة وفي كل حي وربما لا يعرف الناس ذلك. لكنهم موجودون هناك فعلاً.
فلم لا يعرف الناس أن الأطفال موجودون فعلاً؟ وفي الواقع أن المربين لا يعرفون دائماً كيف يبحثون عن أولئك الأطفال أو كيف يتعرفون إليهم. وقد يختلف بعض العلماء في كيفية التعرف إلى الأطفال الموهوبين، أو حول المسمى الصحيح لهم (موهوبين»، «نابغين» متعلمين» ، قادرين على التعلم» «عباقرة. الخ)، أو تحديد مدى حاجاتهم التربوية الفعلية وغيرها التي تتطلب من المدرسة توفير أي نوع من الخدمات الخاصة أو التجهيزات.
ماذا تعني الموهبة بالتحديد؟
إن هذا السؤال يولد عدة أسئلة منها: ما الذي يعرف الطفل الموهوب؟ ما أنواع الموهبة المختلفة؟ هل يملك الأطفال الموهوبون قدرات عالية في المجالات كلها؟ كيف تحدد المدرسة الأطفال الموهوبين؟ هل الأطفال الموهوبون كلهم مبدعون؟ كيف يمكن أن يكون الطفل موهوباً ويعاني من صعوبة في التعلم في الوقت نفسه؟ هذه كلها أسئلة مهمة للآباء الذين عرفوا مفهوم الطفل الموهوب حديثا.
تختلف الولايات الأمريكية في تعريفاتها ومعاييرها لتحديد الأطفال الموهوبين، لكن معظم التعريفات تتركز على تحديد أعلى ٣-٥% تقريباً من الأطفال موهوبون، اعتمادا على تقرير مارلاند الذي أصدرته وزارة التربية والتعليم في الولايات المتحدة عام ۱۹۷۲، ويشار أحيانا إلى تعريف تقرير مارلاند الوارد أدناه بالتعريف الفدرالي، وهو يسجل مجالات متعددة يمكن أن يكون فيها الفرد موهوباً. وقد جاء فيه:
الأطفال الموهوبون هم الذين تعرف إليهم أشخاص مؤهلون مهنياً، وهم قادرون. يفضل قدراتهم المميزة على الأداء العالي، هؤلاء أطفال يتطلبون برامج وخدمات تربوية متمايزة أكثر مما تقدمه البرامج المدرسية العادية، حتى يحققوا إسهاماتهم لأنفسهم وللمجتمع ويشمل الأطفال القادرون على الأداء العالي أولئك الأطفال من ذوي الإنجازات الواضحة ولأو القدرات الكامنة في أي من المجالات التالية: القدرة العقلية العامة، استعداد أكاديمي معين التفكير الإبداعي أو المنتج، القدرة القيادية والفنون البصرية والأدائية والقدرة النفسحركية.
وتعطي الجمعية الوطنية للأطفال الموهوبين The National Association for Gifted Children وصفاً مشابهاً إذ تعرف الشخص الموهوب بأنه ذلك الشخص الذي ،)www.nage.org) - NAGC- يظهر، أو لديه الإمكانية لإظهار، مستوى استثنائياً من الأداء في مجال واحد أو أكثر من المجالات الآتية:
القدرة العقلية العامة
استعداد أكاديمي معين
التفكير الإبداعي
القدرة القيادية، الفنون البصرية أو الأدائية
ويشتمل كل من تعريفي ""مارلاند، والجمعية الوطنية للأطفال الموهوبين على مجال واسع من القدرات يمتد إلى ما هو أبعد من الذكاء الأكاديمي البسيط، ويعترف كل منهما أن الطفل يمكن أن يكون موهوباً في مجال أو أكثر من المجالات المذكورة أعلاه. لكن معظم المدارس ركزت بصورة واسعة على الفئتين الأوليتين ، أي القدرة العقلية والاستعداد الأكاديمي المعين. ويتعامل الناس مع الموهبة على أنها مرادفة لدرجات اختبار الذكاء أو درجات اختبار التحصيل الأكاديمي، أو الإنجازات التعلمية. ربما نظرا لأنه لا تتوفر لدى المجالات الأخرى اختبارات مقننة أو قياسات القلم والورقة التي يمكن تطبيقها بسهولة لتحديد الموهبة في تلك المجالات.
وتجدر الإشارة إلى أن تعریفات تقریر مارلاند و والجمعية الوطنية للأطفال الموهوبين محدودة من حيث إنها تنطبق على الأطفال في سن المدرسة أكثر من انطباقها على أطفال ما قبل المدرسة، فليس من المعقول أن تتحدث عن التحصيل الأكاديمي الفعلي لطفل ما قبل المدرسة أو إبداعه، أو قيادته أو مهارته في الفنون الأدائية والبصرية ومع ذلك، يمكن رؤية الموهبة عند أطفال ما قبل المدرسة في حماسهم للتعلم وإتقانهم السريع للواجبات وشدة تركيزهم والسن المبكرة التي يصلون فيها إلى المراحل النمائية.
هل القدرات العقلية موروثة؟
بحار الوالدان في الأغلب إن كان طفلهم قد ولد بقدرات غير طبيعية أو أن هذه القدرات تطورت نتيجة رعايتهما له. ولهذا، فإن حالة الجدل حول ما إذا كان الذكاء موروثاً أم أنه يتأثر أساسا ببيئة الشخص سوف لن تتوقف. فقد قارنت الدراسات التي أجراها الباحثون في مناطق مختلفة من العالم منذ ستينيات القرن العشرين إلى الآن بين توائم متطابقة فصلوا عن بعضهم بعضا، ونشأ كل منهم، في بيئات مختلفة تماما. وقد وجد الباحثون تشابهاً عالياً في الذكاء عند هذه التوائم - مقيما على الأقل بنسبة الذكاء - مما يدل على وجود عامل وراثة قوي يكون مسؤولاً عن ٦٠٠٥٠٪ من التشابه في نسبة الذكاء. كما أشارت بعض دراسات التوائم إلى أن الخصائص الشخصية والمزاج تشتمل على عنصر وراثي ربما يؤثر في الدافعية التي غالبا ما ترافق الذكاء العالي. ففي بعض الحالات اختار التوائم الذين عاشوا منفصلين بعضهم عن بعض دون أن يعرف أحدهما الآخر، المهنة نفسها، وحتى نمط شريك الحياة نفسه.
وتلعب البيئة دوراً مهما كذلك، فالأطفال الموهوبون، مثل أي طفل آخر، تزيد دافعيتهم في البيئة المشجعة، وتقل في البيئة غير المشجعة، ويمكن أن يبدي الأطفال الصغار زيادة في الذكاء المقيس إذا توفر لهم إثراء عاطفي وتعليمي قوي وقد تزداد علامات نسبة الذكاء من ١٠ إلى ٢٠ نقطة بإثراء بيئة الطفل حتى عندما يكون في سن السابعة أو الثامنة.
قياس الموهبة
يرى كثير من القادة في هذا المجال أن الموهبة خبرة ناشئة، بمعنى أن الموهبة ليست ببساطة شيئاً يولد مع الإنسان ويعبر عنه بصورة دائمة، وإنما تجري رعاية القدرات وتنميتها والكشف عنها بالتعرض للخبرات والممارسة وتوفير الفرص. وتشير التعريفات السابقة إلى أن الأطفال الموهوبين يشملون الأطفال الذين لديهم إمكانات كامنة، لكنها تستثني الشباب الأقل إنجازاً أو الأقل حظاء الذين قد لا يظهرون موهبتهم لسبب أو لآخر. وهكذا، فإن الموهبة ليست محصورة في من حقق إنجازات باهرة، وإنما تشمل أيضًا أولئك الذين لو توفر لهم التدريب والفرصة المناسبة، فربما يكون أداؤهم عند مستويات عالية استثنائية، وهذا يعني أن الموهبة ربما تصبح أكثر بروزاً عند بعض الأفراد مع بلوغ الإنسان من النضج.
تدلنا تعريفات الموهبة على أن الأطفال يمكن أن يكونوا موهوبين ونابخين في الإبداع والقيادة والفنون، بالإضافة إلى المجالات الأكاديمية والعقلية، ويكون هناك على الأغلب ارتباط ما بين هذه المجالات من الموهبة، مع أن هناك أيضا قدراً من الاختلاف والتباين فالأطفال الموهوبون في القيادة والإبداع والفنون، مثلاً، يكونون عادة - وليس دائماً موهوبين عقلياً.
ولا يعد الذكاء والموهبة مجرد مفاهيم يسهل تعريفهما على نحو دقيق، بل إن معناهما يستمر في التطور كلما تعلمنا المزيد حولهما. ففي بدايات القرن العشرين، كان الذكاء يحدد بصورة أساسية بنسبة الذكاء التي يعكسها أحد الاختبارات المقننة الذي عادة ما يقيس المهارات اللفظية وحل المشكلات الأكاديمية. أما هذه الأيام فقد توسع مفهوم الذكاء ليشمل مجالات أخرى عديدة مثل سرعة المعالجة والتركيز، بالإضافة إلى المهارات اللفظية وحل المشكلات.
وحتى مع استمرار علماء النفس في تطوير اختبارات جديدة إلى مقاييس أدق تعكس القدرات العقلية المتنوعة (انظر الفصل الثالث عشر لمعرفة المزيد عن بعض هذه الاختبارات)، إلا أن كثيرا من المختصين، كالمربين وعلماء النفس وعلماء النفس العصبي ما زالوا يستخدمون نتائج اختبارات نسبة الذكاء على نحو واسع.
ما مدى انتشار الأطفال الموهوبين بين مجموع السكان؟ افترض الخبراء على مر السنين أن القدرات العقلية تقع عادة على شكل منحنى جرسي طبيعي. ويبين شكل ۱ توزيع القدرات العقلية كما يصورها المنحنى الجرسي.
يبين شكل 1، أن ثلثي الناس يحصلون على درجات نسبة ذكاء متوسطة على اختبارات الذكاء تتراوح من ٨٥-١١٥ ، وأنه يمكن أن يعد ٣ تقريباً منهم بدرجات ۱۳۰ أو أكثر من الموهوبين، ويمكن أن تعد نسبة أقل من ذلك بكثير موهوبين جداً بنسبة ذكاء أعلى من (١٤٥). ويبقى هناك نسبة أقل من ذلك كله يمكن تصنيفهم على أنهم شديد و الموهبة، وهم من يحصلون على أكثر من (١٥٠-١٦٠) درجة ذكاء، وتبلغ نسبتهم عادة 1% تقريباً.
تقيس جل اختبارات الذكاء نسبة الذكاء IQ حتى أربعة انحرافات معيارية فوق الوسط الحسابي حيث تصل درجات نسبة الذكاء إلى ١٥٠ أو ١٦٠ درجة). وتعد نسبة الذكاء ۱۲۵-۱۳۰ ( أعلى ٣ ٥ على اختبار متوسطه ۱۰۰، وانحرافه المعياري ١٥ درجة هي الدرجة التي يتطلبها النظام المدرسي المحلي لاعتبار الطفل موهوباً في معظم الولايات الأمريكية. وعلى الرغم من أن الولايات أو الأنظمة المدرسية تستعمل اختبارات مختلفة، إلا أنها في الغالب تستعمل درجات متشابهة على المقاييس المقننة للقدرة أو التحصيل الأكاديمي. ويشير الجزء المظلل في أقصى يمين شكل 1 إلى النسبة التي يتكرر استعمالها في الولايات الأمريكية المختلفة والأنظمة المدرسية المحلية لتمثيل الموهبة العقلية.
ويزداد معنى نسبة ذكاء ۱۳۰ عندما ندرك أن متوسط نسبة الذكاء المحسوبة لأي شخص هي ۱۰۰ مهما كان عمره، وقد وجد أن الدرجة ۱۲۰ هي متوسط الدرجات على اختبارات الذكاء الخريجي الجامعات عبر التاريخ أما الذين يصبحون مديرين تنفيذيين أو قضاة أو علماء أو أطباء. فإن متوسط نسبة ذكائهم هي ١٣٥. وتشير هذه البيانات إلى أن الشخص الذي يحصل في اختبار الذكاء على ١٢٠ ١٢٥ درجة يمكنه أن ينجح في أنشطة معقدة وفي معظم المهن.
هناك بعض الجدل حول ما إذا كان المنحنى الطبيعي طريقة مناسبة لتمثيل الذكاء، وقد قال كثير من الخبراء"" أن المنحنى الجرسي المنتظم هو طريقة تبسيط مفرطة، على حين قال خبراء آخرون إن المنحنى يجب ألا يكون ذا نهايات منتظمة، واقترحوا بدلاً من ذلك وضع هضبة كبيرة عند الدرجات ١٥٠ ١٦٠ على منحنى اختبار الذكاء العادي للإشارة إلى أن الأفراد الذين لديهم مثل هذه القدرات أكثر وجوداً مما يظن معظم المختصين. ومن الواضح أن هناك أشخاصاً في المستويات العليا من الذكاء أكثر بكثير مما يقترح المنحنى الطبيعي، وأن قدراتهم ربما تتجاوز معايير الاختبار.
يحصل بعض الأفراد على درجات تصل إلى سقف اختبار نسبة الذكاء أو أحد اختباراته الفرعية وقد يحصل هؤلاء الأفراد على درجات أعلى لو كان الاختبار يسمح بذلك. قدرجاتهم توزع بصورة مصطنعة بسبب سقف الاختبار، لا سيما في اختبارات الذكاء الحديثة. لكن هناك طرقا الاستنتاج درجات أعلى من هذه المستويات، حيث قدرت نتائج نسبة الذكاء لبعض الأشخاص بـ ۱۸۰ درجة تقريبا، وأعلى من ذلك في بعض الأحيان. هذا التنوع في الأداء بين الأطفال الموهوبين في اختبارات الذكاء يلفت الانتباه إلى عدم دقة مصطلح «موهوب»، ويظهر أن هذا المصطلح يصف فقط مجموعة. غير متجانسة من الناس.
وبما أن هناك تنوعا كبيرا بين الأطفال الموهوبين، لذا فإن مصطلح «موهوب» لا يحقق العدالة في وصف المهارات والمواهب الرائعة التي يمكن أن تحدث، وهو حتما يفرض تحديات على رعاية هؤلاء الأطفال وتعليمهم. ونظراً إلى المدى الواسع من القدرات في فئة الموهوبين، فإن بعض المربين وعلماء النفس يتحدثون الآن عن درجات من الموهبة مستخدمين مصطلحات مثل «خفيفة. أو معتدلة أو عميقة». ويبدي الأطفال ذوو المواهب العميقة أو العالية أنماطا تطورية وسلوكاً مختلفاً أرقى مما يبديه ذوو المواهب المعتدلة أو البسيطة.
إن قياس الموهبة، سواءا كان ذلك من خلال نسبة الذكاء أو التحصيل الأكاديمي أو أية وسائل أخرى، سوف يتضمن دائما أدوات وتقنيات ناقصة وغير دقيقة والخط الفاصل الذي يرسمه المختصون التحديد الموهبة، سيقود حتما إلى عدم اتفاق، وسوف تختلف المعايير المستخدمة في تحديد الموهبة من ولاية إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى لذا، فإن عدم الاتفاق على تعريف الموهبة. ووجود الأنواع المتعددة من المواهب والتقنيات المتعددة المستخدمة في تحديدها، سوف تسهم في صعوبة تعريف الأطفال الموهوبين وفي إجراء البحث الضروري لاستكشاف هذه القضايا المهمة.
وعلى الرغم من الجدل والفوضى المتعلقين باستعمال اختبارات الذكاء الفردية، إلا أنها تبقى أحسن متنبئ بالدرجات والنجاح الأكاديمي في المستقبل، مع أنها لا تتنبأ بالنجاح في الحياة"". ويمكن لهذه الاختبارات إذا استعملت على نحو مناسب أن تقدم معلومات قيمة عن قدرات الطلاب، بما فيها نقاط القوة وأوجه الضعف. كما تزودنا درجات اختبار الذكاء بطريقة مناسبة لوصف بعض الجوانب الأساسية للأطفال الموهوبين.
لكن درجات الأطفال في اختبار الذكاء تخبرنا، في أحسن الأحوال، بجزء من الصورة الكلية فقط. فالموهبة تتطلب توفر أكثر من مجرد الحصول على درجات عالية في اختبارات الذكاء فسلوكات الأطفال الموهوبين تعد مؤشراً مهما على القدرات العالية للطفل، ولا يستطيع المرء أن يفترض أن الأطفال المتشابهين في درجات الذكاء ستكون شخصياتهم واهتماماتهم، وقدراتهم وأمزجتهم متشابهة أيضا. فالأطفال الموهوبون يختلفون جوهريا في القدرات ويطورون مجالات المهارات المختلفة على نحو غير متساو"". فهم مثلاً، يمكن أن يكونوا متفوقين في القراءة وضعافا في الرياضيات، أو ربما يظهرون مقدرة مبكرة في الألغاز والآلات على حين تكون قدراتهم متوسطة في التطور اللفظي. وفي بعض الأحيان تكون مهاراتهم العقلية متقدمة، لكن مهاراتهم الحركية والاجتماعية تكون متخلفة إلى حد كبير أو قد تكون معرفتهم متقدمة، لكن حكمهم على بعض المجالات الاجتماعية كاللباقة تكون متأخرة. هذا النموذج غير المتكافئ في السلوك يدعى بالتطور اللامتزامن. ونظراً إلى وجود هذا التطور اللامتزامن عند كثير من الأطفال الموهوبين، فإن بعض المختصين يعتقدون أنه هو - لا الإمكانات الكامنة أو القدرات - الصفة المحددة للموهبة.
هذا التطور اللامتزامن يجعل الطلاب الموهوبين مجموعة غير متجانسة ومختلفة أكثر من أي مجموعة أطفال عاديين إذ تكون السمات الفردية الطفل موهوب وسلوكاته على الأغلب مختلفة كثيراً عن سمات وسلوكات غيره من الأطفال"". وهذا يجب ألا يثير الدهشة، فكثير من الآباء والمختصين يميزون بسهولة التباين بين الأطفال عند أدنى نهاية الطيف العقلي (Intellectual Spectrum). الذين يتلقون خططا تعليمية فردية بسبب الطبيعة الفردية لاحتياجاتهم. وإذا أخذنا في الحسبان المجالات الواسعة من الفروق الموجودة بين الأطفال المتفوقين، كما تفعل عادة مع الأطفال المتأخرين تطوريا. فإن اللاتزامن الداخلي عند الطفل الموهوب يمكن فهمه بسهولة. وكلما كان الطفل موهوبا أكثر. كان أكثر بعدا عن التزامن الداخلي، حيث تكون الفروق واسعة بين جوانب القوة وجوانب الضعف النسبي"". وهكذا، فإنه ليس من غير الطبيعي، على سبيل المثال، أن يقرأ طفل ذو موهبة عالية في سن السابعة بمستوى الصف السادس، وأن يحل مسائل رياضية في مستوى الصف الرابع، وأن يمتلك مهارات حركية في مستوى الصف الثاني فقط وهو عمره الزمني إن لهذا المدى الواسع من القدرات والمهارات تطبيقات رئيسة في منهاج الطفل ومستواه الصفي. كما أن النمط اللامتزامن من الأطفال يحتاج إلى خطة تعليمية فردية، على الرغم من أنه موهوب.
الذكاءات المتعددة
يختلف الذكاء ليس في الدرجة فقط بل في النوع أيضاً. وتستمر برامج المدارس للأطفال الموهوبين في التركيز أساساً على النواحي الأكاديمية من المواهب، لكن هناك أنواعاً أخرى من الذكاء تكون على الأغلب مهملة في المدارس.
لقد اثر کتاب هوارد جاردنر Howard Gardner وعنوانه « أطر العقل» Frames of (1983) Mind، في كيفية تعامل المدارس مع برامج تعليم الأطفال الذين يتمتعون بقدرات عالية. وقد أعلن ""جاردنر"" أنه من غير المناسب النظر إلى الذكاء باعتباره (entity) كينونة واحدة. وطور حالة قوية "" للذكاءات المتعددة، التي اقترح أن تكون مستقلة بعضها عن بعض. وقد تطورت في السنوات التي تلت كتابه، صناعة واسعة للمواد التي يتطلبها تعليم هذه الذكاءات المتعددة. وقد حدد جاردنر في البداية سبعة من هذه الذكاءات، لكنه أضاف إليها ذكاءات أخرى فيما بعد. وهذه الذكاءات السبعة متضمنة في جدول 1.
تركز البرامج المدرسية، من بين هذه الذكاءات السبعة لجاردنر، على ذكاءين فقط، بهدف تحديد الأطفال الموهوبين، هما: الذكاء اللغوي، والذكاء المنطقي الرياضي. وقد أجرت بعض المدارس تجارب شملت المجالات السبعة في تدريسها، ولكن الذكاءات الأخرى نادراً ما تدخل في عملية التحديد بسبب صعوبة تحديد المعايير التي تكون السلوك الموهوب في هذه الذكاءات، إذ لا توجد اختبارات سريعة وسهلة لاكتشاف هذه المجالات الأخرى من الذكاء.
عادة ما يشبع الصغار ذوو الذكاء الجسمي الحركي والذكاء الموسيقي غير العاديين حاجاتهم خارج المدرسة من خلال الرياضة أو البرامج الموسيقية"". ويمكن ملاحظة الذكاء البصري الفراغي خاصة في الصفوف العليا، على صورة استعداد فني أو ميكانيكي. وفي المدارس المتوسطة والعلياء يمكن توفير مساقات اختيارية بصرية أو ميكانيكية في مجالات الفن أو التصوير، أو الرسم التخطيطي. أو الفنون الصناعية أو التصميم الداخلي، ويمكن أن يتمثل الذكاء الاجتماعي في القدرة على القيادة. وتشجع عليه المدارس من خلال النوادي والأنشطة المدرسية. أما الذكاء الشخصي الفهم الخاص جداً للنفس - فنادراً ما يلاحظ باستثناء المواقف التي يناقش فيها المرشدون أو المدرسون المشاعر، ومفهوم الذات، وتقدير الذات.
تكمن الفائدة من الذكاءات المتعددة في أنها توسع مفاهيم الذكاء والموهبة، وتزيد من إمكانية شمولية تعليم الموهوبين ويقول بعض المدافعين عن الأطفال الموهوبين بأن تضمين أنواع الموهبة كلها سوف يجعل تحقيق احتياجات الموهوبين أمراً في غاية الصعوبة، على حين يقترح آخرون بأننا سوف تجد طلابا أكثر ذوي قدرات عالية إذا نظرنا إلى هذه الجوانب كلها من الذكاء. ولا شك في أن التركيز على هذه الذكاءات السبعة جميعها يتطلب من المدارس أن تفرد مناهجها وتحسن خدماتها للأطفال الموهوبين كلهم. وفي الوقت الذي لا يوجد فيه اتفاق كبير على التأثيرات المحتملة لتوسيع مفاهيم الذكاء في المدارس، فإن هناك اتفاقا عاما على أن الأطفال الموهوبين كلهم لا يبدون استعداداً عالياً في المجالات التقليدية مثل الاختبارات اللفظية أو اختبارات التحصيل في الرياضيات، وأن كثيراً من الأطفال لديهم مواهب خاصة يمكن أن يستفيد منها العالم الذي نعيش فيه. فهل سنركز بالمقدار نفسه على تعزيز أنواع الذكاء كلها، أم أن بعض هذه الذكاءات أقل ملاءمة للتعليم العام؟ إن الجواب عن هذا السؤال يحتم علينا، بوصفنا مجتمعا أن تقرر إلى أي مدى يجب أن نضمن مجالات الذكاء هذه في المناهج المدرسية، ولا سيما في التعليم العام.
