القائمة الرئيسية

كتاب التغيير داخل المدارس : خلق ثقافة التحسن المستمر (1-2)

كتاب التغيير داخل المدارس : خلق ثقافة التحسن المستمر (1-2)
ملخص الكتاب

يتناول هذا الجزء من الكتاب كيفية جعل تطوير المعلمين جهدًا ذا قيمة وفعالية ضمن خطة مستمرة لتحسين الأداء في المدارس. يوضح أن تطوير المعلمين يجب أن يكون جزءًا من ثقافة مدرسية تعتمد على التعاون الجماعي والمساءلة المشتركة لتحقيق التحسن المستمر. يركز على أهمية العمل الجماعي بين المعلمين وإدارة المدرسة لتحقيق أهداف مشتركة وتحسين النظام التعليمي بشكل عام. يتطرق الكتاب إلى الخطوات الأساسية لتحقيق ذلك، بما في ذلك تحديد المعتقدات الأساسية، وضع رؤية مشتركة، جمع البيانات والتحليل، واختيار البرامج المناسبة لسد الفجوات بين الواقع الحالي والرؤية المستقبلية.

جعل تطوير المعلمين جهداً جديراً بالمحاولة 

 

السؤال الأساسي

إن كنا نعرف الأفضل فلماذا لا يكون عملنا أفضل مما هو؟ 

مبادئ العمل 

  • لكي يكون تطوير المعلمين عملاً مجدياً وفاعلاً يجب أن يكون جزءاً لا يتجزأ من جهد للتحسن المستمر أمكن تصميمه وتطويره بشكل مدروس جيداً. 
  • في النظام الكفاء يعتقد أعضاء الهيئة التدريسية كلهم أن ما اتفقوا عليه جميعاً هو أمر يحمل التحدي وممكن وجدير بالمحاولة. 

الفكرة العامة للفصل 

المدرسة الوهمية التي هي محور مناقشتنا في هذا الكتاب هي نظام مليء بالمربين القادرين والموهوبين ذوي المؤهلات الذين اعتادوا على الوضع الراهن من الانعزالية والاستقلالية. ومع أنه من غير الإنصاف وصف المعلمين في هذه المدرسة بأنهم عدائيون إلا أنهم بالتأكيد يشعرون بعدم ارتباطهم بالنظام، فهم يكرسون طاقاتهم نحو تلامذتهم لكنهم قلما يشاركون في التطوير الجماعي للهيئة التعليمية. أما المدير فهو ذو نية طيبة ويكافح بقوة ضد ذاك الشعور باللامبالاة إزاء التغيير الجماعي المشترك. 

إن الارتقاء فوق هذا الوضع الراهن من العزلة والتحرك باتجاه نظام كفء يقتضي خطة للتحسن المستمر مكونة من ست خطوات أساسية للتطوير الهادف والشامل للهيئة التعليمية، وهي:

  1. تحديد وتوضيح المعتقدات الأساسية التي تعرف ماهية ثقافة المدرسة.
  2. وضع رؤية مشتركة عبر التعريف الواضح والصريح لكيف ستبدو هذه المعتقدات الجوهرية من الناحية العملية.
  3. جمع البيانات الدقيقة والمفصلة واستخدام تحليل هذه البيانات لتحديد أين هي المدرسة الآن وتحديد الثغرات الموجودة بين الواقع الحالي والرؤية المشتركة.
  4. التعرف على البرامج التي يحتمل لها أن تسد الثغرات بين الواقع الحالي والرؤية المشتركة.
  5. وضع خطة عمل وتنفيذها في سبيل دعم المعلمين أثناء عملية التغيير ودمج ذاك البرنامج داخل كل صف على حدة ومن ثم في المدرسة بأسرها.
  6. القبول بفكرة أن الاستقلالية الجماعية المشتركة هي السبيل الوحيد لسد الثغرات بين الواقع الحالي والرؤية المشتركة والأخذ بفكرة المساءلة والمحاسبة الجماعية في تحديد المسؤولية بخصوص سد الثغرات.

الوضع الراهن لتطوير المعلمين 

حوار المعلمين (1) 

في باديء الأمر عائد المقعد في ذاك المدرج ثم أصدر صوتاً حاداً وطويلاً عندما ضغطت سوزان هذا المقعد لكي تجلس عليه. ومع صدور ذلك الصوت الحاد قالت متمتمة بصوت يكاد لا يسمع الماريا وروب الجالسين بجوارها لعل هذا الصوت يختزل شعوري هذا الصباح. كان أمام أولئك المعلمين الثلاثة بضع دقائق للحديث قبل أن تعلن مديرة المدرسة بدء العمل ببرنامج تطوير المعلمين لهذا العام. وقالت المديرة هل أنت مستعد اليوم يا روب لتعمل على التحسين المستمرة، رد روب بابتسامة ممسكاً جريدة الصباح بیده و كوب قهوة كبير في اليد الأخرى. وماذا عنك أنت يا ماريا جحظت عينا ماريا ولم تدر ما تقول ثم أشارت إلى مسائل أكثر أهمية، كانت في يدها وهي قائمة بأسماء التلاميذ ودفتر جديد جداً لدرجات الطلبة أثناء الامتحان. أما سوزان فكانت تشعر بسرور عظيم لرؤية روب وماريا ثانية. لقد افتقدت إلى أحاديثهما اليومية حول الحياة. وعن التعلم كما افتقدت المضايقات المحببة لقد كانت سوزان قادمة جديدة إلى هذه المدرسة. بعد أن قضت نحو 18 عاماً في عالم الأعمال قررت العمل في سلك التعليم وها هي الآن في السنة الثالثة بالعمل التعليمي الجميع يحترمونها لما لها من قدرات في حل المشكلات، ولحماستها التي لا تحدها حدود لما لدى المعلمين من إمكانات في إحداث الأثر الإيجابي في حياة الطلبة. 

أما روب فهو الآن يمضي السنة الخامسة في التعليم، وقد كان له أثر كبير لدى الطلبة لشغفه بالتعليم وشغفه بالحياة. وأما ماريا فقد مضى على وجودها في الهيئة التعليمية لهذه المدرسة ما يزيد عن 20 عاماً. وقد حققت لنفسها سمعة جيدة بين زملائها وطلبتها لتحفيز الآخرين دوماً في فكرهم وفي أعمالهم وبطريقة تجعلهم يشعرون أن كل شيء تحت السيطرة. 

وسط هذه الأجواء كانت سوزان تعد نفسها لليوم الأول من ثلاثة أيام خصصتها الإدارة لجعل عمليات التحسين في المدرسة تظهر على أرض الواقع في غرف الصف في أنحاء المنطقة كافة. وخلافاً لما قام به كل من روب وماريا لم تجلب معها إلى الاجتماع أنشطة لا صفية، والسبب في ذلك أنها لم يكن لديها الوقت الكافي للتوقف قليلاً في مكتبها وهي في طريقها إلى هذا المدرج، أضف إلى ذلك أنها كانت تأمل أن يكون لهذا البرنامج الجديد صلة مهمة جداً بالعمل الذي تقوم به داخل غرفة الصف. وجاءت جوان مديرة المدرسة، ووقفت أمام المنبر لتعلن ترحيبها بالجميع ومجيئهم إلى ما هو بالتأكيد فرصة جيدة جداً لهم وامتزجت أنات مسموعة مع إطراءات تتم عن تهذيب راق تنهدت سوزان وتساءلت في نفسها : كيف يمكن للتفاؤل والحماس بعام دراسي جديد أن يلغيه تشكيك بدور التحسن المستمر. لم تمض سوى 15 دقيقة من ذاك الصباح ومع ذلك أحست سوزان كما لو أن لحظة المغادرة قد حانت. 

وحين خفتت الأنوار بدأ المتحدثون يلقون خطبهم ومداخلاتهم ولاحظت ماريا أن جوان انسحبت بهدوء من القاعة، فقالت في نفسها بصوت يكاد لا يسمع: هذه واحدة من مباهج كون المرء مديراً للمدرسة، وعادت تركز اهتمامها في الأشياء التي كانت بيدها (دفتر العلامات، وليس المداخلة من الخطيب). لم يبق سوى ثلاث ساعات وثماني دقائق ليحين موعد الغداء.

حوار المعلمين رقم (1) 

إن هذا السلوك الذي اتسم به ذاك السرد الافتتاحي ليس مجرد أمر عادي يحدث دوماً فقط بل هو أيضاً أمر متوقع كثيراً في الأيام التي تكرس لتطوير المعلمين والسبب في ذلك هذه العداوة الصريحة التي يشعر بها العديد من المعلمين نحو أي برنامج يفرض من القمة إلى القاعدة. ومع أن هؤلاء المعلمين لا يبدون بمظهر أركان الاحترافية إلا أن سمعتهم في الأوساط الطلابية وأوساط الزملاء تشير إلى أنهم بعض من أولئك التربويين الأكثر دينامية وأكثر تفانياً في هذه المدرسة، فكيف يمكن أن يشعر المعلمون الذين يرون أنفسهم ويراهم الآخرون مخلصين أشد الإخلاص لطلبتهم بأنهم بعيدون كل البعد عن أعمال تطوير المعلمين؟ ولماذا تبدو مهنة معينة تهدف إلى تشجيع حب التعلم مدى الحياة، مليئة باختصاصيين وحرفيين يظهر عليهم أنهم لا يحبون التعلم من زملائهم (166 .Wasel 1991, p فتصور هذه الحالة العامة للمعلمين في هذا المدرج إنهم على قناعة أكيدة بأن عليهم أن يتحملوا عبء الاستماع طوال يوم كامل إلى شعارات وخطب لا ترتبط إلا ها مشياً بعملهم التعليمي بدلاً من أن يؤدوا عملاً حقيقياً في سبيل إعداد الطلبة. 

إن سألت المعلمين عن واجبهم فسوف يقولون جميعاً ما يؤكد أهمية عملهم داخل غرفة الصف، ألا وهو تعليم الطلبة المعرفة والمهارات الأساسية للوصول إلى الإتقان في ميدان معين وتعزيز المواقف اللازمة لتهيئتهم ليكونوا عاملين منتجين وطالبي علم مدى الحياة ومواطنين لديهم شعور بالمسؤولية.

في كل ساعة وفي كل يوم يسعى المعلمون جاهدين مستخدمين ما لديهم من حيلة وفن لخلق بيئة داعمة وآمنة للتعلم مع ضغط شديد هادف إلى إنجاز أكاديمي والحاجة إلى الاعتناء بالطلبة جميعاً وكل على حدة ناهيك عن الاعتناء بمطالب الجماعة وتحديات متابعة التوجيهات المتعددة للعمل وذلك كله ليتمكن الطلبة المقيمون في أماكن مختلفة للتعلم من التحرك قدماً ولا يتخلف منهم أحد». (Darling-Hammond, 1997, p.69) 

 

لقد تعلم الكثيرون من المربين من خبرتهم أنه في كل مرة تظهر فيها موجة جديدة للإصلاح، وتهدد... فهم يستطيعون الانتظار لكي تمر ثم )Schlechty, 2001, p.39( يعودون لمتابعة ما توظفوا لأجل القيام به فمن من هؤلاء المتواجدين في المدرسة سوف يحضر تلك الجلسة المنعقدة في المدرج لو أن الحضور كان اختيارياً؟ وغني عن القول: إن بعضاً من أكثر المعلمين إخلاصاً وتفانياً في العمل سوف يختارون عدم المشاركة في أعمال تطوير الهيئة التعليمية، وليس السبب في ذلك أن البرنامج نفسه أمر يبعث على الملل أو لأنه لا فائدة ترتجى منه، بل لأنهم يضعون في أولى أولوياتهم الاحتياجات الملموسة والآنية للطلبة في صفوفهم التي تعلو فوق تلك الطبيعة المجردة والفانية للعمل الجماعي. 

وبدلاً من الاعتماد على لجنة تطوير المعلمين أو الخطة الخاصة بتحسين المدرسة لغرض رسم مسار تطوير المعلمين يقوم المعلمون ببذل جهود فردية أو جماعية من جماعات صغيرة العدد تستهدف الاحتياجات التعليمية الآنية في مقاربة منهم تكون شخصية بحتة هم يبحثون عن طرائق لتطورهم المهني... والنجاح في نظرهم يعني تزايد الفاعلية مع الطلبة وهم عادة يسلكون سيل التطوير التي تحترم ،)Wasley 1991, p. 18( الأولويات الفردية بأسلوب يسهل وصولهم ويكون مريحاً لهم. والمعلمون الثلاثة الذين نتحدث عنهم في هذا الفصل مثال واضح لهذه النزعة: 

  • ماريا عضو في الجمعية العلمية للولاية وتحضر مؤتمراً واحداً في السنة على الأقل يكون على مستوى الولاية أو المستوى القومي، وتقرأ أحدث ما يكتب حول كيفية مساعدة الطلاب ليكونوا أكثر مشاركة وأكثر فاعلية داخل غرفة الصف. 
  • روب مسجل في برنامج لنيل درجة الماجستير في جامعة محلية، وقد انتقى عن سابق تصميم المقررات التي تساعده في إغناء معارفه في مجالات تخصصه في المنهاج، وذلك لكي تكون المصادر والمهام التي يأتي بها إلى غرفة الصف أكثر قوة. 
  • سوزان تعمل مع زملائها وزميلاتها بعد المدرسة وعلى أساس منتظم ودوري لتطوير مهام واقعية يمكنهم استخدامها لتدعيم مسائل التمارين الواردة في الكتاب المدرسي. 

ومع أن المبادرة التي يقوم بها كل واحد من المعلمين جيدة وتلقى الاستحسان فإن هذا التنوع في أنشطة تطوير المعلمين يزيد من العزلة بين هؤلاء المعلمين في المدرسة أو المنطقة عن بعضهم بعضاً، فالمعلمون من ثم استبدلوا نموذج التحسين المستمر الجماعي بهيكلية دنيا تؤكد على استقلالية المعلمين في متابعة أفضل الممارسات لديهم بدلاً من الوصول إلى الإجماع والتوافق وهذا ما يؤكده البحث الذي أجراه المور (2000) Elmore كما يتضح من قوله: الممارسة المنفردة تتيح العزلة والعزلة عدو التحسين 20). فالنتيجة النهائية لهذه المقاربة الوظيفية ومع ذلك هي مجزأة هي أن يصبح تطوير المعلمين مرادفاً للتحسن الذاتي، وهذا ما يجعل من المستحيل على النظام كله أن يصبح نظاماً كفئاً. 

وعلى الرغم من وجود دلائل تبدو أنها تشير إلى أن المعلمين يفضلون استقلالية غرفة الصف، إلا أن البحوث التي أجريت على المؤسسات المدرسية تثبت أن العكس هو الصحيح. فقد وجد فولان (2001) Fullan من خلال بحوث أجراها و استشارات قام بها بخصوص المدارس والشركات في سائر أنحاء المعمورة أن معظم الأفراد يرغبون بأن يكونوا جزءاً من المؤسسة التي يعملون فيها، يريدون أن يعرفوا غاية هذه المؤسسة ويريدون أن يصنعوا الفرق (52). ومع ذلك يلاحظ أن الفردية المتعاظمة الموجودة في المدارس تحول دون النقاء المعلمين معاً بوصفهم زملاء لديهم إحساس مشترك بالهدف والتزام نحو تحسين النظام. 

ومع أن هذه الفردية قد تشل الزمالة والتعاون على المستوى المحلي إلا أن المعلمين جميعاً على وجه التقريب يشعرون بعلاقات قربي قوية جداً. فهم يعملون معاً لتحسين جودة حياة الطلبة ولإعدادهم ليكونوا طلبة علم مدى الحياة ومواطنين مسؤولين في مستقبل سيكون مفعماً بالابتكار والإمكانات والتغيير والنتيجة أننا نجد المعلمين يشعرون بعلاقة قوية تربطهم بالمعلمين الآخرين في سائر أنحاء البلاد، كما تلك العلاقة التي تربطهم بزملائهم في تلك القاعة. والشيء الذي يجعل هذا الترابط العام والكبير مصدراً للإلهام والإحباط على السواء هو أن المعلمين قد يكونون أكثر جاهزية للانخراط في أحاديث حقيقية وواقعية حول المنهاج وحول التعليم عموماً مع معلمين من خارج منظومتهم ذلك أنهم ينؤون بأنفسهم عن قضايا السياسة المحلية والأشخاص المحليين وقد تكون هذه الأحاديث غنية بمادتها لكنها تبقى عقيمة وعديمة الفاعلية من منظور التغيير. فالحرية التي أتاحت لمثل هذه الأحاديث أن تحدث تنبع في المقام الأول من ينبوع العزلة الذي فيه نفسه يختفي الحديث حين ينتهي، وتكثر التعليقات والملاحظات القائلة: ليتني أجد معلمين أكثر من أمثالك، حتى لو أن هذا المعلم نفسه قلما يفتح حديثاً من هذا النوع مع زملاء أو زميلات له من النظام نفسه. 

فالتحدي يتجسد في أن يقوم القادة باستثمار الرغبة في الانتماء إلى الجماعة دون التعريض للخطر تلك الحرية الفردية في أداء العمل وفق الطريقة التي يراها الفرد مناسبة. غير أن هذا التحدي يوقع القادة في فخ التناقض غير المنتج الذي لا يمكن حله. فمن المستحيل أن يقود المرء جهداً جماعياً ومستمراً للتحسين دون أن يجبر المعلمين على طرح أسئلة حول المعتقدات الأساسية الحالية والممارسات بحكم العادة (وهذا ما سوف تتناوله بمزيد من البحث والمناقشة في الفصل (2) ويبقى السؤال المهم: إذا كنا نعرف أكثر فلماذا لا تفعل أفضل؟ لكن الجواب يكمن في كوننا لا تستطيع التمسك باستقلاليتنا الفردية وفي الوقت نفسه نؤمن باستقلالية الجماعة ( وسوف نتناول ذلك بمزيد من المنافشة في الفصل (3). يتعين على أعضاء الهيئة التعليمية أن يواجهوا الحقيقة التي لا مناص منها بأن نموذجهم للتحسن الذاتي من أجل النمو والتطور المهني لن يحقق النتائج المرغوبة في سبيل تحسين إنجاز الطلبة في المدرسة بأسرها.

كتب ذات صلة