حوار المعلمين (2)
جلست ماريا تحاول تمضية الوقت من خلال قيامها بعمل ليس بذي أهمية تذكر فأخذت تسجل أسماء طلبتها في تلك القائمة الجديدة التي جلبتها، وترفع رأسها بين الفينة والفينة متظاهرة بإبداء اهتمام مهذب بالمتحدث. ثم تميل قليلاً نحو روب، ويجري بينهما الحوار الآتي:
ماريا : هل تشعر بالضجر كما أشعر؟
روب: لست أدري، لم أصغ بما فيه الكفاية لأخبرك ما إذا كان المتحدثون يقولون شيئاً يثير الاهتمام أم لا. وما إن تحدثت جوان وقدمت الموضوعها حتى أحسست بأنني قد أتعلم من الصحيفة المحلية أكثر مما أتعلم منهم.
ماريا : أنت جديد في هذه المهنة ولم يتح لك الوقت الكافي ليتكون لديك هذا الموقف أما أنا فقد اكتسبت ذلك مع الزمن.
روب: كم سنة يجب أن يقضي المرء في المهنة ليتعرف على الفرق بين تجربة جديرة ومضيعة للوقت؟
سوزان: المحزن في الأمر أنني ما برحت أستمع طوال هذا الوقت ولا أعتقد أنني أدركت أكثر مما عرفتم عن اتجاه سير هذه المداخلات. ما المبلغ الذي تظنان أن المنطقة التعليمية قد دفعته لتأتي بهذه البرامج إلى المدرسة؟ أقصد لكي تقوم أنت بقراءة الجريدة ولتعملي أنت على إنجاز دفتر العلامات. وينبغي على جوان في العام القادم أن تنتقل إلى بند تطوير المناهج خلال فصل الصيف.
وبينما تقوم جوان بقضاء ما تبقى من وقت الصباح في إدارة المدرسة يبرز سؤالان لدى المعلمين الحاضرين جلسة تطوير المعلمين في هذه القاعة، وهما:
- لماذا لم تأت جوان؟
- وهل تعرف جوان أين تذهب المدرسة في العام القادم؟
وبعد انتهاء ذلك الصباح الذي غص بعرض الشرائح الضوئية PowerPoint وبما من شأنه أن يكسر الجليد وكذلك النوادر والحكايا. أفرج عن هؤلاء المعلمين ليخرجوا لتناول الغداء. كان المزاج العام في الكافتيريا خفيفاً نسبياً حيث دارت الأحاديث المعروفة بينهم حول آمالهم للسنة القادمة، التي تنوعت بين أحاديث فلسفية ( أي الهدف الذي يحس به كل واحد منهم لنفسه كمعلم) والأحاديث التي ليس لها أهمية تذكر (كم مرة يتعين على الواحد منهم أن يغير منزله. معظم المعلمين يتناولون طعامهم سريعاً لكي يختلسوا لحظات قليلة للتمتع بشمس الصيف أو قضاء بعض الوقت أمام آلة تصوير المستندات قبل أن يطول صف الانتظار. أما سوزان و ماريا وروب فما يزالون يستمتعون بتناول البسكويت بالشوكولا حين جاءت جوان و جلست قريباً منهم. لقد سارت الأمور معها على نحو جيد وهي تبذل جهوداً مضنية في إنجاز ملايين الأشياء الدقيقة قبل افتتاج المدرسة، وذلك فيما عدا تلك الحقيقة القائلة بأنها حين تذكرت أن تأتي التناول الغداء لم يتبق أمامها سوى طبق الفواكه وطبق البسكويت وهؤلاء الثلاثة من معلمي مدرستها.
جوان : جميل أن أراكم أمل أن غداءكم كان أفضل من غدائي.
روب: إن العاملين في هذه الكافيريا يصنعون المعكرونة بالجين جيداً. آسف لأنها فاتتك. جوان كيف سارت الأمور هذا الصباح؟ لقد أردت أن أشارككم لكنه كان يوماً لا يختلف عن زوبعة. وأنا على قناعة الآن مع ذلك أن الحافلات سوف تنقل الطلبة جميعاً، وأن بطاقات الترميز للخزائن تحمل الأرقام الصحيحة، وأن المعلمين سوف يستطيعون تناول الغداء بين لحظة وأخرى بعد الساعة العاشرة.
سوزان: سارت الأمور على نحو جيد هذا الصباح، والواضح أنه يفترض بنا أن نطبق هذا البرنامج لكنني غير واثقة بأن أي واحد فينا يفهم ما يعنيه هذا لنا على وجه الدقة.
جوان: لست واثقة بأنني أدرك ما تقولين.
سوزان: إنني أتفق مع معظم ما يقوله هؤلاء المتحدثون نظرياً، لكنهم لم يترجموا ذلك إلى ممارسة، فكيف يمكن لقولهم هذا أن يغير ما نحن نفعله حالياً؟ وكيف سوف يبدو ذلك مختلفاً، أو غير مختلف. داخل غرف الصف؟
ماريا : هل أنت جادة يا سوزان؟ إن فكرت بالأمر ملياً فأنت تفعلين معظم ما يقولون الشيء الوحيد الجديد الآن هو المفردات المستخدمة.
روب: كل ما أعرفه هو أنني أفضل العمل وفق ما أعرف بدل الاستماع الوصفة سحرية من شخص آخر تجعل الصف الذي أعلمه أفضل مما هو، فأنا أعرف ما يصلح للأطفال، لكنني بحاجة لبعض الوقت كي أخطط مسبقاً ليكون التنفيذ أكثر فاعلية.
سوزان: أعتقد أن إجازة الصيف هي من أجل ذلك.
روب: عن أي صيف تتحدثين؟
( يضحكون)
جوان: ومع ذلك لنأخذ الأمر على محمل الجد، ألا ترون أن ما يقوله هؤلاء المتحدثون مهم جداً لعملنا مع الطلبة؟
ماريا: ماذا تقولين يا جوان وهل يوم واحد كهذا اليوم سوف يحقق ذلك؟
جوان: بل سوف يفعل ذلك إذا كان لدى المعلمين ذهن منفتح
ماريا: دعونا نأخذ سيناريو أفضل حالة، ولنقل: إننا جميعاً منفتحو الذهن ومبتهجون بإمكانات هذه المقاربة، ومع ذلك فسوف تنتهي إلى سلة المهملات مع كل تلك البرامج التي دارت في هذه المدرسة. فما الذي تغير منذ مجيئي إلى هذه المدرسة قبل عشرين عاماً غير الملابس التي يرتديها الأطفال؟
مزيد من الضحك، ثم صمت. وقرع الجرس ليعود المعلمون إلى ذاك المدرج، بينما قطعت ماريا وعداً لهم بأن تكمل هذا الحديث فيما بعد.
حوار المعلمين رقم (2)
أقرت جوان ودون أن تدري بمناخ يكون تعريف الرضا بالعمل فيه فقط من خلال عمل المرء داخل غرفة الصف. يقول شموكر(1996) Schmoker شارحاً كيف أن ممارسات التعليم والتعلم تبقى في حالة سكون دون تغيير بالرغم من البرامج السنوية الخاصة بالتغيير:
إن الثقافة داخل المدرسة هي تلك التي تفوز فيها النزعة المحافظة على الدوام تقريباً بالرغم من اعتزام المدرسة تطبيق الإصلاحات أو المنهاج الجديد. وثقافة الانعزال والخصوصية تضمن عموماً ألا يجري تطبيق البرامج فعلاً. وبالرغم من تبني المدرسة رسمياً لبرامج جديدة إلا أن الواقع خلف أبواب غرف الصف ليس واقعاً مبتكراً. وقد دلت الشواهد على أن التنفيذ الجزئي والسطحي يحدث حين يجد المعلمون لتحويل البرنامج إلى ما هم يفعلونه.
إن هذا التحويل الذي يقوم به المعلمون يخفض منزلة الإصلاح إلى ما هو أكثر قليلاً من تزيين للنافذة حين يلتقط المعلمون تلك الألفاظ المعجمية ويملؤون الاستمارات اللازمة ليفسروا كيف أن صفوفهم نظرياً (وليس عملياً) تبدو مختلفة فالتربويون ذوو الخبرة الجيدة لا يستطيعون أن يتوقعوا إدخال برنامج جديد دون أن يفكروا في الوقت عينه بتلك البرامج التي تخلو عنها نتيجة للخطط الجديدة لتحسين المدرسة، أو التغير في القيادة، أو استخدام أحدث العبارات الطنانة في دورة المؤتمرات، وهنا نجد بيرو (200226 Yero يلخص عقم الإصلاحات الظاهرة بسؤال واحد له مغزاه: لماذا نبذل جهداً في شيء لا يتوقع له حياة أطول من حياة ورقة عشب في معرض مخصص لجزازات الأعشاب؟
ومع أن جوان تدرك جيداً الموقف العام للمعلمين العاملين في مدرستها تجاه برامج تطوير المعلمين، إلا أنها تعتقد أنها قائد تربوي في هذه المدرسة تضع خططاً ذات فائدة تساعد المعلمين في الانتقال بعملهم داخل غرفة الصف إلى مستوى أعلى. وبالرغم من كدها ومثابرتها في مواكبة أحدث ما يكتب في التربية والتعليم واستمزاج آراء كل من لهم مصلحة وعلاقة بهذا الميدان حول التوجهات المستقبلية، إلا أنها لم تستطع أن تخلق المناخ المهني الذي ينمو ويزدهر انطلاقاً من التقويم المستمر والتجريب والتطور. ومع أنها تعرض بشكل دوري ومنتظم عزمها على تغطية النفقات وأن تجد الأموال اللازمة لتطوير المعلمين وتمويل أعمال مجموعة النظراء الأنداد زيارات لغرف الصفوف مشروعات متعددة الاختصاصات العلمية، بروتوكولات التناغم والتألف فقد أصابتها دهشة بالغة بسبب افتقار معلميها للمتابعة. ولم يكن ذلك . بسبب ضعف أخلاق العمل - بعض المعلمين يعملون لأوقات طويلة في اليوم كما تفعل هي - وإنما بسبب الافتقار إلى دعم برامج تطوير المعلمين في المنطقة. ولم تكن علائقية البرنامج هي السبب في إخفاق جوان بهذا الإطار، بل الطريقة التي بها أدخل التغيير ونفذ التي كانت السبب في قصر عمره كانت مقاربة جوان في تطوير المعلمين حتى هذه اللحظة تسير وفق الدورة الآتية:
- تعريف المعلمين بالأفكار الجديدة.
- تشجيعهم على تطبيق هذه الأفكار داخل غرفة الصف.
- استدراج معلومات راجعة منهم حول كيف سارت الأمور، لأغراض وضع التقارير.
- التعرف على برنامج آخر للمضي بالعمل قدماً إلى الأمام.
ولكن لكل واحدة من هذه الخطوات بعض المساوئ التي من شأنها أن تفسد ما لدى جوان من حسن النية.
- تعريف المعلمين بالأفكار الجديدة، تتمثل نتيجة هذه المقاربة في احتمال أن تتحرك البرامج عبر هذه المدرسة ولا يكون لها أثر يذكر على الوضع الراهن يفسر ليبرمان وميلر (1999) Lieberman and Miller أسباب حصول القليل جداً من التقدم لهذا التعريف بقولهما:
إن هذا التعريف في أفضل حالاته يضع المعلمين أمام الأفكار والإمكانيات الجديدة، وفي أسوأ حالاته يضع افتراضات خاطئة حول إعطاء وتلقي المعرفة والمهارات دون توجيه الانتباه إلى ضرورات الممارسة والدعم والمعلومات الراجعة (69 .p).
ففي كثير من الأحيان يقدم البرنامج إلى المعلمين على شكل جواب السؤال (1) لم تعط تفاصيله للمعلمين قط، و (2) قد لا يكون سؤالاً جوهرياً، في أذهان المعلمين أصلاً. ولكي تنتقل الفكرة الجديدة من مجرد بدعة جديدة إلى استخدام وظائفي ينبغي لجميع المعلمين بلا استثناء أن يكونوا على قناعة أكيدة بأنهم إن استثمروا هذا البرنامج بأنفسهم فسوف يكونون أكثر نجاحاً مع الطلبة.
- تشجيعهم على تطبيق هذه الأفكار داخل غرفة الصف، يعول الإداريون والمعلمون على السواء على أهمية تلقي شيء ملموس يمكن استخدامه داخل غرفة الصف، ولكن ماذا يعني هذا الأمر حقاً؟ إن لدى معظم العاملين في الحقل التربوي ملفات تضم بين دفتيها أفكاراً تطويرية ومذكرات تذهب مباشرة من قاعة المحاضرات إلى خزانة الملفات.
