القائمة الرئيسية

كتاب هزيمة الإدمان : سبع خطوات للتخلص من الإدمان

كتاب هزيمة الإدمان : سبع خطوات للتخلص من الإدمان
ملخص الكتاب

يناقش الكتاب تطور الممارسات الإصلاحية في مجال التعليم، مع التركيز على العلاقة بين المكونات الرئيسة لنظام التعليم، مثل المحتوى التعليمي، والطرائق التدريسية، والتقويم، ودورها في إحداث التغيير المجتمعي. كما يتناول أثر هذه الإصلاحات على تحسين الجودة والفاعلية في النظام التعليمي، ويعرض طرقاً لتطوير الفهم الشامل للتعليم ودوره في تأهيل الأفراد وتطوير المجتمع.

طريقة جديدة لفهم الإدمان

يدرك الناس جميعهم أن سلوك الإدمان غير مقبول، لذا، فالذين يعانونه يعرفون ذلك أكثر من غيرهم؛ لأنهم يعيشونه يومياً. لكن الإدمان يستمرا وعلى الرغم من غرابة الوضع، فإنه يخدم هدفاً ما يتعلق بهم. 

في الواقع، فإن هدف (هزيمة الإدمان) لا بد من أن يكون على قدر كبير من الأهمية، بحيث تتخطى آثاره الإدمان وتبعاته السلبية المترتبة عليه، فهي لا بد من أن تكون أكثر أهمية من فقدان الزواج، والعائلة والأصدقاء، والوظيفة، وحتى الصحة نفسها، لا بل أكثر أهمية من فقدان رخصة القيادة، وفقدان القدرة على ممارسة المهنة التي ترغب فيها، حتى إنها أكثر أهمية من إيذاء كل من نحب من حولنا! 

ولكن ما الذي قد يستحق هذه الخسارة كلها ؟ لا يوجد في العالم كله ما يستحق أن نخسر عالمنا الخارجي من حولنا لأجله، وأعني بذلك المهنة والعائلة والنجاح، إذن، لا بد من أن الهدف الإدمان، يكمن في عالم الشخص الداخلي لا في عالمه الخارجي، وما يكون على المحك في هذه الحالة، هو المشاعر المرتكزة على الرغبة العاطفية بالبقاء. إذا كانت هذه هي الحال، فلا عجب إذا عرفنا أن الإدمان يتخطى أكثر الأسباب الخارجية أهمية، والآن لنعد إلى رون المعرفة كيفية عمل كل هذا. 

رون 

كان رون البالغ من العمر سبعة أعوام، يلعب في غرفته التي يشاركه فيها أخوه الأكبر، عندما سمع صراحاً يعلو من والديه، وهذا ما كان يحدث بينهما غالباً. كان يسمع كثيراً من الألفاظ عندما يكون الصوت عالياً، ولم يكن يفهم جلها، لكن أكثرها كان يتعلق بالنقود عادة. وهنا شعر بالحيرة بسبب انحيازه في الولاء بينهما : أما أن لهذا الجدال أن يتوقف؟ 

توقف الصوت، وبعد لحظات جاءت أمه إلى الغرفة قائلة: رون، إنني أعاني صداعاً وسأستلقي قليلاً، لذا ، رتب غرفة الجلوس فلدينا ضيوف اليوم، ولا تنس أن تضع المناشف في الغسالة، إذا سمحت. 

  • لكنني منهمك في إنجاز قلعة ( الليجو) يا أمي. 
  • قم بذلك من أجلي يا بني. 
  • هل أستطيع إنجاز هذا الجزء فقط؟ انظري، لقد أكملت الجدار في هذه الناحية. و.... 
  • رونالد، قم بهذا فوراً. 
  • لكن، هلا شاهدت ما أنجزت في قلعتي؟ لكن والدته في هذه الأثناء كانت قد مضت عبر الصالة نحو غرفتها، وبعد أن نظف رون ما أخبرته به والدته لمحه والده عندما كان متوجها إلى غرفته. 
  • مرحباً يا رونالد، تعال إلى هنا. 
  • مضى رون باتجاه والده، ونظر إليه. 
  • اسمع، على إحضار أخيك من تمرين ( البيسبول)، لذا أريدك أن تأخذ الكلب في جولة. 
  • أوه، ولكن يا أبي أنا منهمك في إنجاز بناء القلعة. 
  • آسف يا بني، ولكن طراً تغيير على بعض الخطط، كان من المفترض أن تصحب والدتك أخاك إلى التمرين، ولكن الآن علي أن أقوم بهذا بنفسي.
  • ولكن هل عليك أن تفعل هذا الآن؟ فالقلعة مبنية وكل ما أحتاج إليه هو 

قاطعه والده، وهو يتناول مفاتيحه من الخزانة الجانبية قبل ذهابه لإحضار بن تحدث إلى والدتك عن هذا. 

عندما بلغ رون اثني عشر عاماً، ازداد الشجار بين والديه، وعندما بلغ أربعة عشر عاماً، كان نادراً ما يستمع إلى والديه، وظهرت لديه مشكلة بدت أنها تجعل الأمور تسير نحو الأسوأ للأسرة جميعها. وكثيراً ما تشاجر على مر السنين مع أخيه بن مثلما يفعل الإخوة عادة، لكن الأمور الآن أسوأ من ذي قبل، فلا شجار يدور بينهما لأن بن يتجاهله ببساطة لقد فعل رون كل ما في وسعه، ليثير اهتمام أخيه لكن ذلك لم يجد نفعاً! 

ازدادت حاجة والدة رون - على ما يبدو - إلى أن يساعدها في المنزل حيث إنها تقضي جل وقتها في الفراش، أما والده فقد أصبح عصبي المزاج أكثر فأكثر. وهنا، كان رون يحاول دائما المحافظة على السكينة والهدوء في البيت، لكن تحقيق هذه المهمة كان مستحيلاً. كان يغسل الأطباق نيابة عن والدته عندما استدعاه والده من المرآب: 

  • رون، أحتاج إليك في الخارج، هنا. 
  • إنني أغسل الأطباق يا أبت. 
  • عن والدتك ؟ 
  • نعم، فهي تشعر بتوعك. 
  • هذا هراء ومتى كانت لا تشعر بتوعك أصلاً؟ هيا اخرج وساعدني على جر آلة جز العشب من الزاوية، فالفوضى تعم المكان. 
  • لكن أمي قالت إنها تحتاج ....
  • ومن قال: إنني أكترث لما تحتاج إليه، هيا اخرج وساعدني. 

جفف رون يديه، وخرج من الباب الخلفي، كان يفكر حينئذ في ممارسة لعبة كرة السلة في الساحة المجاورة، وتسجيل بعض الأهداف، والجري نحو عارضة المرمى، والتسكع بالجوار، وممارسة ضربة الخطاف في الملاكمة التي تمرن عليها كثيراً، كان ذلك كل ما أراد عمله لو تسنّى له ذلك! 

وعندما تلقى بعد مرور عشرين عاماً، هذه الحزمة من نماذج الأوراق التي يفترض إنجازها قبل الخامسة مساءً، كان غاضباً جداً، مع أن آخرين تلقوا كمية الأوراق نفسها ، ولم يظهر عليهم مثل هذا الاستياء وهنا نتساءل: ما الذي أغضبه؟ وما علاقة قراره بتناول الكحول بإنجاز أي مهمة يطلب إليه تنفيذها ؟ 

إن معرفتنا المسبقة لظروفه تساعدنا على الإجابة عن هذا التساؤل، فقد كبر، وما زالت آثار بعض الندوب الدائمة في جسمه، ولكنها ليست هي التي جعلت منه شخصاً غير طبيعي نادراً ما يجتاز أي شخص مرحلة الطفولة من دون وجود بعض الآثار الجسدية أو العاطفية. ولعلك تستطيع من خلال الحدثين اللذين ذكرا قبل قليل في قصة طفولته، أن تخمن ماذا كانت تعني هذه الآثار في نظره. لقد شعر بأنه غير مسموع من أحد على الرغم من محبة والديه له، لكنهما كانا في الغالب منشغلين بمشكلاتهما الشخصية، والتشاجر معاً. 

إن حقيقة محبة والديه له، جعلته ينمو بصورة صحية من وجهة نظر عاطفية ولكن كونه محبوباً منهما لم يكن كافياً من دون أن يظهرا له أنهما يهتمان بما يهتم به، وأنهما مهتمان بشيء لأنه يحبه فقط. وقد احتاج رون - مثل باقي الأطفال - إلى أن يرى نفسه على قمة سلم أولويات والديه واهتمامهما، ولكن كان من الواضح له، أن أولوياتهما كانت تتعلق بحاجاتهما الذاتية، على الرغم من عدم استطاعته أن يصوغ هذا بكلماته الخاصة حينئذ . لقد كان في أدنى سلم الأولويات في نظر أهله ولأنه أراد السلام والطمأنينة، فقد عمل بجد لينصاع امتثالاً لرغبات والديه ومتطلباتهما، وإرضاء لهما على الرغم من التباين فيما يطلبانه. 

أخيراً، استطاع رون أن يتأقلم مع الواقع بأن يعامل نفسه بطريقة معاملة أهله نفسها، لقد ضحى بحاجاته الشخصية لأجلهما بسبب حبه لهما، وأملاً في أن يسمعاه. لقد ساعده هذا الأسلوب على تخطي سنوات عمره، ولكنه ترك لديه جرحاً غائراً. 

وقد نما معه بمرور السنوات شعور بالغضب والسخط تجاه أهله لتجاهلهم له. وهو غضب لم يكن من السهل أن يعبر عنه تجاه من يحب أو ربما لأنه فقد الأمل في أن يستمع إليه أحد أبداً. 

كان يحاول جاهداً إحلال السلم الداخلي بين أفراد عائلته، على عكس أخيه الذي كان يفتعل المشكلات. لقد كان مقيداً وغير مسموع الكلمة، وفاقداً للحيلة في الحصول على انتباه أحد في المنزل، إن محاولاته المستمرة في أن يكون عند توقعات أهله، وانصياعه لكل ما يطلب إليه، جعلته جزءاً من النظام الذي كان يعيش فيه نظام جعله يحس بالعجز عن غير قصد. إذن ما الذي حدث عندما تلقى أكوام الأوراق بعد مرور عشرين عاماً على هذا كله؟ 

لا بد من أن ينجز أوراق الشركة في الخامسة تماماً، ويتم ملخص العمل بحلول الغد، في حين أن زوجته وأبناءه في حاجة إليه في المنزل. فكيف يمكن إرضاء الأطراف جميعاً؟ لقد كان هذا مستحيلاً، وبالمناسبة، هل سأل أحد نفسه: ما الذي يحتاج إليه هو؟ وهل فكر أحدهم في حجم القيود التي يفرضونها عليه؟ لقد وقع في المصيدة بالطريقة نفسها التي جعلته يشعر بالعجز طوال حياته، وكان هذا عندما فكر في تناول الكحول.

هدف الإدمان 

لقد تساءلت سابقاً: ما السبب الذي يدفع أشخاصاً أذكياء إلى تدمير حياتهم بأنفسهم، بممارسة سلوك الإدمان بصورة متكررة؟ 

إن قصة رون هنا تجيب عن هذا التساؤل، فقد شعر بتحسن عندما فكر في تناول الكحول، والجدير بالذكر هنا أن هذا لم يحصل لأن الكحول موجود في جسمه، بل كان كافياً له أن يستشعر فكرة تناولها، ولفهم هذا، يجب أن نلقي نظرة إلى مشاعر اللحظة الحاسمة التي اتخذ فيها قرار الشرب. إن فكرة التوقف في الحانة وهو في طريقه إلى المنزل، جعلته قادراً على إنجاز ما طلب إليه، وقد شعر فوراً بالارتياح، ولكن لماذا ؟ 

يكمن الجواب في أن قرار رون البدء بتناول المشروب قد حرر مشاعره من حالة العجز التي يعيشها، واستطاع أن يتخذ قراراً ذاتياً جعله يشعر بالارتياح، إنه الآن سيد نفسه، ومشاعره، وحياته الخاصة؛ لأنه كان يعاني شعوراً بالعجز الكلي والاضطراب العاطفي، وما لا شك فيه، أنه ما زال متعلقاً بصورة واقعية، بمتطلبات العالم الخارجي الإجبارية بين المنزل والعمل. 

لكن ما يهمه في هذه اللحظات بالذات، هو أن يظهر هذا الشعور بالعجز. الذي كان ولا يزال شيئاً لا يمكن احتماله بالنسبة إليه. هذا صحيح، ولو أنه اضطر إلى العمل حتى ساعة متأخرة، ولكنه قرر أنه لن يكون بيدق شطرنج تحركه طلبات الآخرين في ذلك اليوم في الأقل.

الإدمان سلوك يُقصد به إظهار الشعور العميق وغير المحتمل بالعجز، وهذا العجز متجذر دائما في أمر مهم جداً عند الفرد.

ما أهمية فهم هدف الإدمان؟ 

  • إن قدرة المدمن على تحمل الشعور بالعجز ليست أقل من غيره من الناس غير المدمنين، ما دام ذلك الشعور لا ينطوي على القضايا الرئيسة لديهم وهذا ما يفسر لماذا لا يعد المدمنون أضعف من غير المدمنين، فإن كنت مدمناً ستدرك هذا جيداً ، وستقدر على تحمل صور الإحباط اليومية من دون الشعور بالحاجة إلى اللجوء إلى المشروب أو القمار، أو تناول الطعام. وستتعامل مع الإهانات اليومية كأي إنسان آخر، من دون العودة إلى الإدمان، إن فهم هذا - وهو أن هدف الإدمان يتضمن التحكم في المشاعر العميقة والمهمة - يساعدنا على التخلي عن الفكرة غير الصحيحة، وهي أن المد من ضعيف. ( سأعود إلى هذه الفكرة في الخطوة الثانية ) 
  • ليس ضرورياً أن يكون الشخص المدمن متهوراً - وهذه إحدى الخرافات عن الإدمان بل على العكس من ذلك، فقد أظهر المدمنون قدرة على التحكم في ردة الفعل أكثر من غيرهم، حتى عندما يسعون إلى الإدمان. وبعد تحكم رون في ردة فعله قبل خروجه لاحتساء الكحول مثالاً واضحاً على هذا ( سأتطرق إلى هذه النقطة المهمة بتوسع في الجزء الثاني) 
  • يعد التعامل مع مشاعر العجز المفتاح الأساس في معالجة الإدمان وحيث إن الأشياء التي تحفز إلى القيام بنشاط إدماني تكون مرتبطة بشيء مهم جداً في نظرك دائماً : فقد ثبت أنه إذا استطعنا فهم هذا المغزى الخفي، فإننا نكون قد اكتشفنا شيئاً مهماً عن أنفسنا.
  • إن المثيرات التي تحفز الإدمان، تشبه تماماً المشكلات العاطفية الأساسية التي واجهتك في حياتك أيضاً، قد يبدو هذا مفاجئاً في البداية، ولا سيما إذا فكرت في الإدمان بصفته شيئاً (منفصلاً) عن بقية حياتك. لكن الحقيقة هي أن هذا حتمي الحدوث؛ لأنك شخص واحد بذاتك لا أشخاص كثيرون إن أعراض الإدمان - على نحو ما . تنشأ من مصادر المثيرات التي قد تجعلك مخبطاً ومتوتراً، أو تواجه مشكلات في علاقاتك مع الآخرين. ولما كانت حالات الإدمان مرتبطة بحقيقة من أنت، فإن فهمها يستحق المحاولة حتى إلى ما بعد التحكم في السلوك، وعليه، فإن محاولة فهمك المصدر الحقيقي لإدمانك يمهد الطريق المثالي لفهم حقيقة ذاتك. 
  • بسبب إدراكنا الأساس العاطفي للمحفز الإدماني، يصبح من الجلي لنا أن المخدرات - وأثرها في الدماغ - تؤدي دوراً ثانوياً في عملية الإدمان نفسها، ولا ريب، فإن كثيراً من حالات الإدمان تتضمن المخدرات التي تعد بدورها مهمة لغاياته، حيث إن تغيير حالتك العاطفية الداخلية بطريقة تكون فيها أنت المسيطر، هو ما تفعله هذه المخدرات تماماً. 

تعد المخدرات، إلى حد ما مثالية بصفتها حلاً (مؤقتاً) للمشاعر الغامرة. وعليه، فإن أنواع المخدرات كلها تستعمل على صورة إدمان ( أي إنها تستعمل بطريقة هروبية مفرطة) . لكن كثيراً من حالات الإدمان لا تتضمن المخدرات بتاتاً، ويستطيع الناس استبدال ممارستهم نشاطاً مفرطاً من نوع آخر خالياً من المخدرات بالاستعمال المفرط للمخدرات، مثل: ممارسة الرياضة، أو تنظيف المنزل. ويعد هذا مؤشراً جيداً على أن الآثار المادية للمخدرات بذاتها ، ليس لها أي علاقة بجذور الإدمان (وسأتناول هذه النقطة المهمة في الفصل الآتي. ) يعد فهم هدف الإدمان جزءاً واحداً فقط من مهمتنا لفهم كيفية عمله، ولا يقل الجزء الثاني أهمية عن هذا الفهم. ونحن نعرف أنه عندما يتوق الناس إلى ممارسة الإدمان، فإن هذا - ببساطة - ليس قراراً عقلياً، إذ يوجد مقدار هائل من الطاقة خلف أي نشاط إدماني، مثلما يوجد دافع قوي للإدمان. ومن ثم، فنحن في حاجة إلى معرفة الدافع وراء الإدمان.

الدافع وراء الإدمان: ما الذي يعطيه ذلك الشعور القوي؟ 

لنعد إلى قصة رون: 

لقد مضى الوقت، والساعة الآن السادسة والربع، وقد أنهى ملء نماذج المحاسبة والتقرير الأولي لمديره في العمل، نهض رون، وارتدى معطفه، وتوجه إلى باب مكتبه مفكراً في الحانة وفي مشروبه الأول، وصل المصعد وهبط به إلى الطابق السفلي حيث سيارته، وسرعان ما أخذ يسوق سيارته في غمرة زحمة السير: لقد كانت زحمة خانقة. 

كان رون دائم التنقل بين المنزل والعمل وبالعكس، فقد كان يقطن في المدينة، ويعمل في الضواحي، لهذا كان يتفادى من زحمة السير الخانقة في بداية اليوم ونهايته غالباً، لكنه نسي أنه كلما غادر متأخراً فإنه يواجه حركة السير للقادمين إلى المدينة مساءً.

ويوجد شيء آخر كان قد نسيه، وهو أن فريق كرة ( البيسبول) المحلي كان في المدينة، حيث شاهد أمامه خطاً لمصابيح السيارات الخلفية بعضها خلف بعض، فأبطأ السرعة كما لو كان في حالة وقوف تام، محاطاً ببضعة آلاف من مشجعي الفريق المحلي ومعجبيه، وهم متوجهون إلى مباراة الساعة السابعة. 

كان رون صبوراً ، لكنه شعر الليلة بالغضب يتنامى في داخله، إن الحانة في هذه اللحظات ليست بعيدة عنه كثيراً ، ولكنه وفقاً لهذه السرعة التي تقارب الصفر، يبدو كأنه في المريخ. أطلق بوق سيارته عندما حاولت سيارة عن يساره الانحراف إلى خط مساره، لكن السيارة واصلت المحاولة لاختراق خط المسارات وهنا أطلق صوت البوق مرة أخرى باستمرار، وصاح من داخل سيارته وقد استشاط غضباً: ما الذي تحاول فعله؟ عليك اللعنة، لقد بدا السائق الآخر غير مبال بما يدور من حوله، وهنا بدأ بالضرب بشدة على لوحة العدادات وهو يصرخ تجاه السائق الآخر، في هذه اللحظات، بدت الأوردة الدموية في رقبته كأنها حبال زرقاء اللون بسبب شدة غضبه، ويبدو أن السائق الآخر أدرك ما يدور، فتراجع إلى مساره معتذرا إليه بالتحية المألوفة عندئذ، قاوم رون رغبته في أن يعبر بإيماءة سيئة للسائق، واستمر بالتنفس بتثاقل مدة من الوقت، وقد لاحظ أن يديه ترتجفان. إن ردة فعله هنا كانت الغضب، ولكن علام الغضب؟ فقد مر باختناقات مرورية أشد من هذه كثيراً، وحاول آخرون أن يأخذوا مسار سيره آلاف المرات، إنها المرة الأولى التي تكون فيها ردة فعله على هذا النحوا لكنها هذه المرة كانت مختلفة؛ لأنه كان متوجها ليحتسي المشروب، وما من شيء أو شخص في العالم قد يحول بينه وبين مسعاه هذا لا شيء يمكن أن يقف في طريقه! 

لم يكن ما شعر به رون يتعلق بسائق عابر ، بل كان بدافع الغضب القوي لتناول المشروب لقد تميزت ردة فعله بصورة مطلقة بذلك الشعور الذي يقود الناس نحو نشاطهم الإدماني، وفي الواقع، إذا فكرت في كيفية إظهار الغضب لذاته وطبيعته، فستلاحظ أنه يبدو بوضوح، كالإدمان، إن الناس في سورة غضبهم. يغمرهم الغضب ويسيطر عليهم فيتغير تفكيرهم العقلاني، ويفقدون السيطرة على أنفسهم، ولا يهتمون نهائياً بالعواقب المترتبة على أفعالهم. 

إن ما يهمهم في حياتهم كثيراً ، يصبح ثانوياً عند التعبير عن الغضب، ألا يبدو هذا بنظركم كالإدمان؟ وهذه ليست مصادفة لأنها نوع من الغضب الذي يحرك الإدمان، ويبرر فقدان السيطرة والعقلانية في السلوك. إنها سطوة الغضب التي تقود الأفراد المدمنين إلى القيام بسلوكات من شأنها تدمير حياتهم وخططهم المستقبلية، إنه الشيء الذي غالباً ما سيندمون على فعله في المستقبل القريب. وهذا ما يدركه كل مدمن. 

ومن شأن هذا كله أن يقودنا إلى السؤال الآتي: إذا كان الغضب هو الدافع والمحفز إلى الإدمان، فما الذي يعتمد عليه هذا الغضب؟ وللإجابة عن هذا السؤال: علينا أن نعود إلى حقيقة أن هدف الإدمان هو القيام بعكس الشعور بالعجز ، فالعجز عادة ينتج شعوراً بالغضب، وفي حالات العجز الشديد، يكون الناتج ثورة غضب عارمة. فكر في اللحظات التي شعرت فيها بالعجز والحصار. إنها اللحظات التي تستفزك عاطفياً، وهو ما ينبغي لها أن تفعل، تلجأ الحيوانات إلى سلوكات عدوانية إذا شعرت بأنها محاصرة، وهي غريزة بقاء أساسية، إن الإجابة عن سؤالنا تكمن هنا: 

إن الدافع وراء أي سلوك إدماني هو الغضب من حالة الشعور بالعجز، وهذا النوع من الغضب هو الذي يعطي الإدمان هذا الحجم الملحوظ من الحدة وفقدان القدرة على السيطرة.

وهذا الغضب الشديد في حالات الإدمان، هو في الحقيقة أمر طبيعي جداً. وأنا أشبهه أحياناً بالحالة التي يجد فيها الإنسان نفسه محاصراً تحت ركام منزل منهار، فعندما تجد نفسك محتجزاً في مكان ضيق ومعتم، فستلتزم الصمت في البداية، ولكن سرعان ما ستبدأ بالقرع على الجدران محاولاً التسلق للخروج، وقد تتسبب في أثناء هذا كله بجرح يديك، أو كسر معصمك في محاولاتك البائسة للنجاة، وهذا كله لن يغير شيئاً من حقيقة أن الغضب الطبيعي هو القوة المسيطرة الآن في هذه اللحظات. 

إن الخرافة التي يتناقلها الناس عن تدمير الشخص المد من نفسه ذاتياً، هي شيء غير واقعي ولا منطقي لأن هذه الفكرة تنظر إلى نتائج الإدمان وما يترتب عليه، ولا تبحث في أسبابه، فمحاولة خروجك من تحت ركام المنزل، وجرح يدك أو كسر معصمك، لا شأن له بكونك مدمناً أم لا، بخلاف أي شخص آخرا فالسبب وراء النتائج السيئة التي يخلفها الإدمان لا يكمن في الطاقة العاطفية التي تحركه بل لأن هذه القوة المحركة تنشأ في المواقف المهيمنة التي يشعر بها الشخص الذي يعاني الإدمان، وليس في الظروف الواقعية كالاحتجاز تحت الركام مثلاً. 

كيف يتخذ الإدمان أشكاله المحددة التي تعرفها ؟ عندما شعر رون بأنه عالق بالالتزام الوظيفي، أراد أن يقوم بعكس إحساس قديم بالعجز قد سيطر عليه في ذلك الموقف. ولكن ما علاقة الكحول بهذا كله؟ وما شأن تناول مخدرات أخرى، أو تناول الطعام بشراهة، أو استعمال الشبكة العنكبوتية ( الإنترنت) ، أو إتفاق النقود. أو حتى ممارسة الرياضة بهدف الإدمان ودافعه؟ ما الذي يجعل الإدمان يتخذ هذه الصورة ?

لنعد إلى رون للتفكير في هذا، عندما كان يجلس على مقعده حائراً غاضباً في العاشرة مساء، كان يعلم بوجود متطلبات يجب عليه القيام بها، وأن من المستحيل التهرب منها، وكان لا بد له من القيام بشيء ما إنه احتساء الخمر، فلو كان مدمن قمار : التوجه إلى أقرب متنزه، أو اشترى بطاقات بانصيب. والمقصود هنا أنه عندما لا يوجد شيء مباشر للقيام به تجاه العجز المسيطر في مواقف معينة فإن البحث عن بديل لتغطية هذا العجز هو الخيار الوحيد، إن هذا ما يجعل الإدمان يبدو على ما هو عليه. 

إن أنواع الإدمان جميعها، ما هي إلا أبدال تأخذ مكان ردود فعل مباشرة للشعور بالعجز في مواقف معينة. 

وفي الحقيقة أننا نستخدم هذه الأبدال بوصفها أسماء لأنواع الإدمان نفسها. فأنت باستبد الك شرب الخمر مضطراً إلى ذلك، يجعلنا نقول: إنك مدمن كحول واستيدالك القمار يخبرنا بأنك مدمن قمار، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالتناول المفرط للطعام أيضاً، وهلم جرا. 

والسؤال المهم هنا : لماذا ينجرف أشخاص نحو صورة ما من صور الإدمان دون غيره؟ لأن ذلك التصرف يكون أحياناً مهماً للشخص وذا معنى، إن بعض الأنشطة الجنسية المفرطة قد يكون لها معنى خاص للشخص مثلاً، ولكن. ليس بالضرورة أن يكون الصورة الإدمان معنى للمدمن، مثلما هي الحال في أغلب حالات الإدمان. وفي حالة إدمان الكحول، فإن هذا البديل يكون مشتركاً بين كثير من الناس الذين لا يربطهم رابط معين ببعضهم. إن تركيز هؤلاء على الكحول، قد يكون له علاقة بالتعاطي الشائع للكحول في المجتمع، وقد يكون نوعاً من تقليد أشخاص ذوي مكانة يتعاطون الكحول أيضاً للهروب من تعاستهم.

ما الحاجة إلى الإدمان بصفته بديلا عن الواقع ؟

 يمارس الناس النشاط الإدماني لمواجهة الشعور الغامر بالعجز، كونهم يشعرون بالاحتجاز، ولا يجدون خيارات مباشرة للتعامل مع المواقف المطروحة أمامهم. 

ومع ذلك، فالخيارات موجودة غالباً في كل ما من شأنه تحفيز الفكر الإدمانية. وبالعودة إلى قصة رون ما الخيارات التي كانت أمامه؟ حسناً ، ماذا لو أنه ذهب مباشرة لمقابلة رئيسه في العمل حال تسلمه النماذج؟ ربما قال شيئاً ما، مثل: انظر لاري، لقد تسلمت توا هذه النماذج التي يريد قسم المحاسبة مني تسليمها اليوم، وهذا ما لا أستطيع إنجازه، وكذلك ما زال لدي تلك المسودة التي طلبت إلى إنجازها بحلول الغدا هلا ساعدتني على الخروج من هذا المأزق؟ اتصل بالمحاسبة، أو أجل المسودة التي طلبت إلى وقت متأخر من يوم الغد، لقد وعدت أطفالي بقضاء بعض الوقت معهم ، لذا لا أستطيع التأخر في العمل الليلة. ما الذي سيحدث لو أن رون فعل هذا؟ 

يوجد احتمالان، فهذا العالم ليس مثالياً يستطيع لاري أن يجيب ، أنا أسف. ولكن اتصالي بالمحاسبة لن يغير من الأمر شيئاً، ومن المؤكد أنني أنا في حاجة إلى أن يكون التقرير على مكتبي صباح الغد.. وقد يكون هذا أسوأ ما يمكن توقعه من ردة فعل، ولو حصل هذا الشعر رون بقليل من العجز وخيبة الأمل: لأنه حاول من دون جدوى، وقد يشعر أيضاً بأنه قد ربح شيئاً من التجربة، كأن يكون قد جعل لاري يشعر بأنه مدين له بعد هذا الرفض، وبعد قبول رون هذا العمل الشاق، ولعل لاري في المرة القادمة يكون أكثر مرونة، ولعل رون كان سيتوصل إلى اتفاقية ومساومة مع لاري، كأن يسلمه المسودة على صورة خلاصة، وليست نسخة نهائية.

إضافة إلى هذا، فإن الذهاب إلى لاري لم يستنفد خيارات رون، فلعله كان سيقوم بعمل نسخة سريعة غير مصقولة للمسودة على طريقته، ويعود إلى منزله كي يلعب مع الأطفال، ثم يحضر مبكراً إلى العمل في اليوم اللاحق، حتى إنه كان يستطيع إهمال النماذج، وتحمل شكاوى المحاسبة بشأنها، إن رون لم يضع نصب عينيه أياً من هذه الخيارات على الإطلاق، ولكن لماذا لم يفعل ذلك؟ 

إن الإجابة ذات علاقة بأهمية البديل في حالة الإدمان، فهو في الواقع، لم يفكر في أي من الخيارات العملية المباشرة، وهي المصيدة القديمة التي نصبها لنفسه، فهو حينئذ ثائر، ويشعر في الوقت نفسه بضرورة احتواء غضبه والمحافظة على الهدوء. وإرضاء (والديه الجديدين في العمل، وهما المحاسبة والرئيس، وكان قد هيمن عليه من دون أدنى تفكير - الشعور بالرغبة في المشروب دون النظر إلى أي بديل آخر. 

ولكن عندما يدرك الناس كيفية تأثير الإدمان، يستطيعون عادة الإقدام على تصرف مباشر للتعامل مع العجز من دون اللجوء إلى الإدمان نفسه، وبفعلهم هذا، يصبحون سادة إدمانهم لا عبيداً له. أما رون المعروف بميله إلى الشرب، فكان سيشدد على البحث عن ذلك التصرف المباشر، بدلاً من اللجوء إلى الإدمان، ولكن هذا لم يحدث. 

وبلا ريب، فإن هذا يبدو أصعب مما هو عليه أحياناً، وفي حالة رون، فإن شعوره بالانغماس في التناقضات المركزية القديمة في حياته، لم يحجبه عن التفكير من خلال حلوله المنطقية فحسب، بل ساعده في الواقع على الابتعاد عن هذه الحلول ولنتذكر أنه شق طريقه الخاص بوصفه طفلاً للتعامل مع مطالب والديه المتناقضة، والتوتر البغيض الذي كان ينشأ بينهما، وقد كان الحل في نظره هو أن يتجاهل مشاعره الذاتية في سبيل المحافظة على السلام، ومن هناء فإن ذهابه إلى مديره ليريحه من المهام الملقاة على عاتقه، كان يعني أن يتحدى المطالب المفروضة عليه، أما رون الذي اعتاد ألا يلح كثيراً، فإن الذهاب إلى مديره لم يكن أحد الخيارات، ومن المثير للسخرية أن رون نفسه كان في النهاية السبب المباشر في شعوره بالعجز، وهو الذي أضاع على نفسه الخيارات الممكنة في العمل مثلما كان يفعل دائماً. 

إن تقييد الشخص نفسه أمر مألوف في حالات الإدمان، فقد احتاج رون إلى أن يحافظ على السلم في حياته، ولكن مدمنين آخرين قد يقيدون أنفسهم بأبدال أخرى. قد يقلقون من أن تكون ردة فعلهم المباشرة غير لائقة، أو أن تصرفهم حيال ما يشعرون به قد يجعل منهم أشخاصاً غير مرغوب فيهم. فكل شخص يعاني الإدمان هو شخص مختلف، إن فهمك كيف قد تمنعك مشكلاتك الشخصية من التصرف المباشر، يعد جزءاً مهماً في التخلص من أي إدمان ( سأعرض كثيراً من الأمثلة لاحقاً. ) 

إن حقيقة أن الناس يسهمون في تعزيز معاناتهم الشخصية هو خبر جيد وسين في آن واحد، فالجانب السيئ هو أنه لم يوجد حدث مهم في الواقع يثير إدمان رون، فهو لم يكن في حاجة إلى أن يشعر بأنه مقيد، وهو مثل غيره ممن يعانون الإدمان، كانت لديه القابلية بأن يختبر مراراً وتكراراً نوع العجز الذي تهياً له، لقد مارس شخصياً أفعالاً كانت هي المحفز الأساسي لحالته. 

أما فيما يتعلق بالجانب الجيد فإنه إذا كان الإدمان يعتمد بصورة كبيرة على المؤثرات الخارجية فلا حيلة لأي مدمن في السيطرة عليه، ولما كان الإدمان بعد عرضاً وطريقة للتعامل مع بعض المشاعر العارمة للعجز، فإنك عندما تعرف القضايا الأساسية لديك: تكون في موقع يؤهلك للتحكم في سلوكك الإدماني وإيقافه. ففي حالة رون، ربما كان باستطاعته اكتشاف كل شيء منطقي بشأن الموقف الذي وجد نفسه فيه في ذلك اليوم، ولماذا شعر بالضيق في الوقت الذي لم يشعر فيه بذلك زملاؤه الذين يواجهون الموقف نفسه، وكان لا بد له كي يقوم بعمل كهذا من أن يتعلم من الأمثلة السابقة عندما يتنامى هذا المحفز إلى الشرب لديه وكان يستطيع أن يعرف أي نوع من العجز الذي لا يستطيع احتماله. ومن ثم، كان يستطيع أن يدرك ما الذي كان يجري في الساعة الواحدة من ذلك اليوم ويمتنع عن تناول الخمر، لنلق الآن نظرة عن كتب إلى كيفية التخلص من الإدمان في سبع خطوات.

كتب ذات صلة