القائمة الرئيسية

كتاب سرعة الثقة

كتاب سرعة الثقة
ملخص الكتاب

 إن الثقة تلعب دورًا أساسيًا في التأثير على النتائج الاقتصادية والاجتماعية، حيث إن انخفاض الثقة يؤدي إلى زيادة التكاليف وتقليل السرعة في تنفيذ الأعمال، بينما تؤدي الثقة المرتفعة إلى تحسين السرعة وتقليل التكاليف. يتضح هذا من خلال أمثلة متعددة في مختلف المجالات، مثل تأثير الأحداث الأمنية على السفر أو تكاليف قوانين الشركات، فضلاً عن تأثير الثقة على المعاملات التجارية بين الشركات. علاوة على ذلك، تظهر دراسات متعددة أن المؤسسات التي تتمتع بمستوى عالٍ من الثقة تحقق نتائج أفضل في الأداء المالي والعمليات اليومية مقارنة بتلك التي تعاني من انخفاض الثقة.

لا سرعة تعادل سرعة الثقة

لن أنسى مطلقا تجربة مررت بها قبل سنوات عدة، حين عملت في مهمة قصيرة محددة في شركة كبرى للاستثمار المصرفية في مدينة نيويورك. كنا قد خرجنا لتونا من اجتماع مجهد للغاية، اتضح في أثنائه أن هناك مسائل خطيرة تتعلق بالثقة الداخلية. وكانت هذه المسائل تبطئ سير الأمور، وتؤثر على التنفيذ تأثيرا سلبيا، وقد أسر إلى أكبر المسؤولين أن هذه الاجتماعات خلل وظيفي ومضيعة للوقت فإنني لا أثق في مايك، ولا أثق في إيلين في الواقع، أجد صعوبة في الثقة بأي شخص في هذه المجموعة. قلت: حسنا، لماذا لا تحاول العمل على زيادة الثقة، فالتفت إلي، وأجاب بجدية اسمع يا ستيفن، يجب أن تفهم شيئا: إنك إما تثق أو لا تثق، ونحن لا ثقة بيننا، وهذا أمر ليس بوسعنا ما تفعله حياله... إنني لا أوافق على ذلك مطلقا، ففي الواقع، أقنعتني حياتي الشخصية وممارسة العمل التجاري، على حد سواء، طوال العشرين عاما الماضية، أن بوسعنا فعل الكثير حيال ذلك. فيوسعناء زيادة الثقة - أسرع كثيرا مما نتصور - وسيكون لذلك أثر هائل على جودة حياتنا والنتائج التي يمكننا تحقيقها، في أن واحد.

قضايا الثقة تؤثر على كل فرد

عندما أتحدث إلى الجمهور في أنحاء العالم عن سرعة الثقة، أسمع باستمرار عبارات تعبر عن الإحباط والتثبيط مثل:

  • لا يمكنني تحمل سياسات العمل، وأشعر بأن أقراني يعرقلونني. ويبدو الأمر كان كل شخص لا يعنيه إلا نفسه، وسيفعل أي شيء ليتقدم. 
  •  لقد عانيت حقا في الماضي، فكيف يمكنني أن أثق في أي شخص لدرجة أن يكون لي علاقة حقيقية به؟ 
  • إنني أعمل في مؤسسة تغوص في مستنقع من البيروقراطية، وتستغرق الأمور دهرا لتتم، فلكي أشتري قلم رصاص علي أن أحصل على تصريح كلما كبر أبنائي، قل إصغاؤهم لما أقول ماذا يمكن أن أفعل؟
  •  أشعر بأن إسهاماتي في العمل نادرا ما يعترف بها أو تقدر. 
  • بسبب حماقتي خنت ثقة شخص يهمني للغاية، فإذا كان في مقدوري أن أضغط على زر الرجوع إلى الخلف، وأتخذ قرارًا مختلفًا ، فسأفعل في لحظة، لكنني لا أستطيع ذلك ، فهل ستكون لدي ذات يوم القدرة على إعادة بناء العلاقات؟
  •  علي أن أسير فوق قشر بيض في العمل، فإذا قلت ما أعتقده حقا ، فسيفصلونني.... أو على الأقل سيستبعدونني. - رئيسي يدقق في التفاصيل جدا بالنسبة إلي ولغيري في العمل. ويعاملنا كأننا لسنا أهلاً للثقة. 
  •  مع كل الفضائح والفساد والانتهاكات الأخلاقية في مجتمعنا اليوم، أشعر كأن شخصا ما قد سحب البساط من تحت قدمي، ولا أعرف فيما - أو فيمن - أثق بعد الآن.
وهكذا ، ماذا ستفعل إذا مررت بواحد من هذه المواقف - أو بأي موقف يسبب فيه انعدام الثقة سياسات وبيروقراطية أو حتى مجرد إبطاء سير الأمور.هل ستقبل هذا بوصفه ثمن ممارسة العمل التجاري؟ أم أن بإمكانك فعل شيء المواجهة ذلك أو حتى تغييره؟ إنني أؤكد أنك تستطيع أن تفعل شيئًا حيال ذلك. وفي الواقع، بتعلم كيفية بناء الثقة وتنميتها ومنحها واستعادتها ، يمكن أن تحوّل مسار ذلك وكل لحظة مقبلة في حياتك على نحو إيجابي وفعال. فهم الثقةإذن، ما الثقة بدلاً من تقديم تعريف معقد ، أفضّل استخدام كلمات جاك ويلش، المدير التنفيذي السابق لشركة جنرال موتورز، إذ قال: «إنك تعرفها حين تشعر بها».بعبارة أبسط: «الثقة تعني الائتمان، أي الطمأنينة، ونقيض الثقة - أي عدم الثقة - هو الشك. وعندما تشق في الناس فإنك تأتمنهم، وتؤمن بأمانتهم وقدراتهم. وحين لا تثق في الناس فإنك تشك فيهم - في أمانتهم أو في أجنداتهم أو في قدراتهم، أو في سجلهم الشخصي. فالأمر في غاية البساطة، ونحن جميعا لدينا خبرات تثبت الاختلاف بين العلاقات التي تبنى على الثقة، والعلاقات التي تبنى على عدم الثقة. وتوضح لنا هذه الخبرات أن الفرق ليس بسيطا، بل شاسعا.فكر الآن مدة دقيقة في شخص تربطك به علاقة ثقة شديدة - ربما يكون رئيسا في العمل أو زميلاً أو عميلاً أو زوجا أو أحد الوالدين أو أخا أو ابنا أو صديقا. صف هذه العلاقة، ما شكلها ؟ ما إحساسك بها ؟ وكيف تتواصل فيها على نحو جيد؟ ومدى السرعة التي يمكنك بها إنجاز الأمور ؟ وإلى أي حد تستمتع بهذه العلاقة؟والآن فكر في شخص تتسم علاقتك به بضعف الثقة. مرة أخرى يمكن أن يكون هذا الشخص أي شخص في العمل أو في البيت. صف هذه العلاقة، ما شكلها ؟ ما إحساسك بها؟ ماذا عن التواصل ؟ هل يتم بسرعة وحرية... أم أنك تشعر كأنك تسير باستمرار في حقل ألغام، ويساء فهمك دائما ؟ هل بعملكما معا تنجز الأعمال بسرعة، أم أن الأمور تستغرق وقتا أطول وطاقة أكبر من اللازم للوصول إلى اتفاق والتنفيذ في آخر الأمر؟ هل تستمتع بهذه العلاقة... أم تراها علاقة مملة ومزعجة ومرهقة؟إن الفرق بين علاقة الثقة المرتفعة وعلاقة الثقة المنخفضة فرق واضح ملموس!ولنأخذ التواصل بوصفه مثالاً : ففي العلاقة التي ترتفع فيها الثقة يمكن أن تخطئ فيما تقول، ومع ذلك سيفهم الناس مقصدك. أما في العلاقة التي تنخفض فيها الثقة، فيمكن أن تكون محددًا ، بل شديد الدقة، لكنهم يسيئون تفسير ما تقول. هل يمكنك أن تبدأ تصور ما سيحدث من اختلاف، لو كنت قادرا على أن تزيد قدر الثقة في العلاقات الشخصية والمهنية المهمة في حياتك؟ البوتقةكانت إحدى الخبرات المكونة للشخصية إلى حد بعيد هي تلك التي مررت بها شخصيا فيما يتصل بتنمية الثقة قبل سنوات عدة نتيجة للدمج بين شركة فرانكلين كويست و «مركز كوفي للقيادة» لتكوين شركة فرانكلين كوفي. وكما يعرف كل من مر بعملية دمج أو بعملية ضم هذه الأمور ليست سهلة على الإطلاق فللشركة المدمجة مواطن قوة هائلة، فلدينا أناس ممتازون ومحتوى ممتاز وعملاء مخلصون وأدوات غزيرة الإنتاج، لكن ثبت أن اختلاط الثقافتين تحد هائل.وبوصفي رئيس وحدة التدريب والتعليم بالشركة ، سافرت إلى واشنطن العاصمة لأتحدث إلى نحو ثلث مستشارينا عن إستراتيجية القسم، لكن الاجتماع الذي كان ينبغي أن يجعلني أتطلع للمستقبل بأمل، جعل معدتي تضطرب فعلاً. قبل ذلك بأسابيع عدة، قام المدير التنفيذي الجديد للشركة - وكان محبطا ( مثلنا جميعا ) بسبب المشكلات والخلافات التي لا حصر لها ، والتي هاجمت من جميع النواحي ما يبدو دمجا واعدًا بعقد اجتماع لكل مستشاري الشركة. وفي محاولة «الإخراج كل فرد من همومه، حدد صيغة يكون علينا فيها ، بوصفنا كبار المسؤولين، أن نصغي، من دون تعليق، إلى أي شيء يريد أي شخص أن يقوله. فتحول الاجتماع المحدد له أربع ساعات إلى جلسة «كئيبة استمرت عشر ساعات. وعلى الرغم من أنه لم يكن مسموحا لأحد بأن يعدل أو يصحح أو يذكر السياق أو يجلب معلومات مفقودة، أو يناقش الجانب الآخر من القضايا المطروحة، أو حتى يبين ما في الموضوع من أزمات، كانت نسبة ضئيلة فقط مما قيل تتسم بدقة سياق حقيقية. فقد كان معظم ما يقال يساء تفسيره، أو ينطوي على تلاعب مبدئي بالحقائق، وكان بعضه أخطاء صريحة، وكانت هناك افتراضات وشكوك واتهامات وإحباطات، وبوصفنا كبار المسؤولين كنا نوافق على مضض على صيغة لا يسمح لنا فيها بأن تنطق كلمة واحدة.في النهاية، عقدنا أكثر من عشرة اجتماعات من هذا النوع، وكانت التجربة برمتها قاسية، وبحكم منصبي القيادي، توليت مسؤوليتها كاملة بصفة شخصية. وبسبب خبرتي في وول ستريت، كنت أعرف أن عملية الدمج تكون دائما صعبة. لكنني كنت أرى أن بوسعنا أن نقوم بما يجب عمله لإنجاح عملية الدمج هذه.كانت المشكلة أنني وضعت افتراضات أكثر من اللازم، وفشلت، بطريق الخطأ، في التركيز على بناء الثقة في الشركة المدمجة حديثا، وذلك لاعتقادي أن سمعتي ومصداقيتي أمر مفروغ منه بالفعل. لكن الواقع كان مختلفا ، ونتيجة لذلك كان نصف عدد الناس يثقون بي والنصف الآخر لا يثق بي. وكان الأمر منقسما تقريبا بين حزبي» كوفي وفرانكلين. فكان التابعون لحزب كوفي، الذين يعرفونني جيدا وعملوا معي، يرون قراراتي في الأساس محاولة مخلصة لاستخدام معايير خارجية موضوعية في كل قرار، وللأداء الأفضل للعمل - وليس محاولة لفرض أجندة كوفي .... التي كنت في الواقع، أتراجع أحيانًا عن أمور معينة لأتجنبها. أما من لا يعرفونني، ولم يعملوا معي، ولا يثقون بي، فكانوا يفسرون كل قرار على محمل عكسي تماما.في إحدى الحالات، على سبيل المثال، أثير سؤال يتعلق باستخدام منتجع صندانس» في أحد برامجنا الخاصة بتطوير القيادة. وكان من الصعب نوعا ما العمل في «صندانس» ما جعل البعض يشعر بأن علينا نقل البرنامج إلى موقع آخر. وكان مدير البرنامج يرغب بشدة في الإبقاء عليه في «صندانس» لأن المكان يروق للعملاء، وإن البيانات المالية أظهرت أن دخلنا في كل برنامج أقيم هناك زاد بنحو 40% عن أي موقع آخر. فقلت: لأن ذلك أفضل من الناحية الاقتصادية ولأن مدير البرنامج يوصي بشدة بالإبقاء عليه هناك، فسنجد وسائل أفضل للعمل فيه». وكان ذلك مثالاً لقرار العمل الحاسم الذي افترضت أن الناس سيفهمونه.لكن هؤلاء الذين لا يثقون لم يفهموا ، فظنوا أنني أحاول فرض أسلوب «كوفي» بل لقد كان البعض يتساءل إذا كنت أنفذ نوعا من الاتفاقات السرية لأنني، بوصفي مسؤولا كبيرا ، طلب مني أن أقوم بدور بلا مقابل مادي في الهيئة الاستشارية المسرح الأطفال في «صندانس»، وشك عدد كبير منهم في دوافعي. وبسبب قلة الثقة، كان الشعور هو لا بد أن هناك أجندة خفية في الأمر».في موقف آخر، اتخذت قرارا بنقل «رون»، وهو قائد موهوب للغاية ينتمي إلى شركة كوفي، إلى منصب مختلف لأنه مثل كثير منا ، حاصرته سياسات الدمج فساعد على انقسام المعسكرين. فقررت أن أتجه إلى خارج المؤسسة، بحثا عن بديل لرون، حتى لا يكون ثمة توجه لأن يكون المدير الجديد شخصا ينتمي إلى كوفي أو إلى فرانكلين.حينما أعلنت ذلك، تصورت أن محاولتي لإيجاد موهبة جديدة ستروق للناس، لكن لم يسمع أحد من بين هؤلاء الذين لا يثقون بي حتى الجزء بإحضار شخص من الخارج ليحل محل رون بوصفه مديرا ، وكان كل ما سمعوه هو أنه سيبقى في الشركة، وكانوا يرغبون في رحيله عنها .كان يساء تفسير أفعالي مرة تلو المرة، وكانت دوافعي محل شك، على الرغم من أنني كنت أشرك أناسًا من كلا المعسكرين كوفي وفرانكلين - في اتخاذ القرارات. وكما يمكن أن تتصور، افترض البعض ممن لا يعرفون أي شيء عن سجلي المهني ونتائجي، أن السبب الوحيد الذي جعلني في موقع القيادة هو مجرد أنني ابن ستيفن آر. كوفي، أما أنا فليس لي مصداقية خاصة.نتيجة لكل هذا كان علي أن أتخذ قراراتي على نحو أبطأ كثيرا. وكنت أحاول أن أضع تصورا لاحتمالات تفسير أي قرار وفقا لإحدى الثقافتين. وبدأ القلق يساورني بشأن النظريات والعادات البالية والمخاطرة. فبدأت ألعب لعبة سياسية لم ألعبها قط من قبل؛ لأن ذلك لم يكن من أساليبي آنذاك.عندما فكرت في كل ما حدث، أدركت أنني إن لم أعالج القضايا الصعبة بحسم، فسيستمر الموقف الراهن إلى الأبد - وربما يزداد سوءا. وكان لا بد أن يكون كل قرار أتخذه متوقعا وسياسيا، وكان تنفيذ أي شيء يشبه محاولة السير فوق مواد لزجة. كنا نواجه بيروقراطية وسياسات وعدم التزام، وكان هذا يبدد قدرا هائلاً من الوقت والطاقة والمال، وكان الثمن فادحا.إضافة إلى ذلك، سألت نفسي: ما الذي لا بد أن أفقده، بالنظر إلى سير الأمور على هذا النحو من السوء؟ومن ثم، حين توجهت إلى اجتماع المستشارين، في ذلك اليوم في واشنطن العاصمة، قلت بادئ ذي بدء: «اسمعوا ، لقد جئنا إلى هذا الاجتماع لنتحدث عن الإستراتيجية. فإذا كان هذا هو ما تريدون الحديث عنه، فسنتحدث عنه. أما إذا كنتم تريدون الحديث عن مشكلات الدمج التي تشغل أذهانكم ، فسنتحدث عنها . وسنتحدث عن أي أسئلة صعبة تراودكم من سيبقى، ومن سيرحل؟ من سيتخذ القرارات وما هي؟ ما المعايير التي سيتم استخدامها ؟ ما سبب أننا لسنا على اطلاع كاف؟ ما العمل إن لم نثق في صانعي القرار؟ ما العمل إن لم نثق بك أنت يا ستيفن في اتخاذ بعض القرارات؟في البداية، ذهل الناس لأنني أثرت هذه المسائل الشائكة، بما فيها نظرتهم لي شخصيا ... وكان كثير منهم يتساءلون عن أجندتي الحقيقية؟ لكنهم سرعان ما أدركوا أنني لم أكن أخفي أي شيء، وأنني كنت شفافا وغير متحيز كان بوسعهم أن يقولوا : إنني أردت أن أوضح الأمور في الأساس. وفي أثناء سير الاجتماع استطاعوا أن يدركوا أنني لم أكن أعمل طبقا لأي أجندة خفية، وأنني كنت أحاول مخلصا أن أفعل ما في صالح العمل.وكما ظهر في النهاية، تحول الاجتماع المحدد له ساعة واحدة إلى مناقشة استغرقت يوما كاملاً لما يشغلهم: أي المباني سنستخدمها ؟ أي سياسة أجور سنتبعها؟ أي نموذج مبيعات سنتبناه؟ هل أنت يا ستيفن، قادر بالفعل على اتخاذ هذه القرارات؟ ما سجلك الشخصي؟ ما معاييرك؟اعترفت بصراحة أن هذه الأمور تمثل تحديا. وأشركتهم بلا تحيز في التفكير في القرارات وأساسها المنطقي وعملية صنعها أو اتخاذها، وأشركتهم في كل البيانات التي استطعت أن أشركهم فيها ، وإذا لم يمكن إشراكهم فيها ، كنت أشرح سبب ذلك، وأصغي إلى آرائهم، وأحاول فهمها، وقد تعهدت بإجراء بعض التعديلات بناء على توصياتهم.في نهاية اليوم، كان هناك شعور متجدد بالأمل والإثارة. وقد قال لي أحد المشاركين: إنني في يوم واحد حزت ثقة أكبر مما حدث في الشهور الكثيرة السابقة. وأدركت أن ذلك، أكثر من أي شيء آخر، كان نقطة انطلاق، واعتراف بقيمة تواصلنا الشفاف. كذلك أدركت أن الاختبار الحقيقي، مع ذلك، يمكن أن يكون كيفية متابعة الأمر من جانبي، وعلى الأقل الآن، تمكن الناس من رؤية سلوكي بعين جديدة، لا تفسدها عدسات قلة الثقة. ذاع أمر ما ورد في هذا الاجتماع، وخلال الشهور القليلة اللاحقة، تمكنت من الاجتماع بمستشارين آخرين، وخضت العملية نفسها، وحصلت على النتائج نفسها. فاتبعت إجراء مماثلاً مع مجموعات وأقسام أخرى. وفي غضون مدة قصيرة جدا، استطعنا بناء الثقة في وحدة عملنا بأسرها. وبقدر اهتمام وحدتي غيرت هذه الثقة المتزايدة كل شيء تغييرا شديدًا. وصار بوسعنا زيادة السرعة وخفض التكلفة وتحسين النتائج في كل المجالات.وعلى الرغم من أنني في آخر الأمر تركت شركة فرانكلين كوفي لأبدأ نشاط شركتي الخاصة وتأليف هذا الكتاب، يسعدني أن أقول: إنهم واجهوا العواصف التي سببها دمج الشركتين، وإن الأمور تسير اليوم على خير ما يرام. وعلى المستوى الشخصي، ساعدتني التجربة برمتها على فهم الثقة بدرجة أكثر وضوحًا من مدة ما قبل الدمج، حين كانت الثقة مرتفعة، والأحوال طيبة.أولاً: عرفت أنني بالغت في افتراضاتي، فقد افترضت أنني أثق بالناس في حين أنني لم أكن أثق بهم في الواقع. وافترضت أن الناس على علم بسجلي الشخصي وسجل مركز كوفي للقيادة، ولم يكن ذلك صحيحًا. وافترضت أنني عند إثارة المسائل الشائكة في اجتماعاتي الخاصة وباتخاذ القرارات على أساس معيار موضوعي خاص بالعمل التجاري، سيعد ذلك من مناقبي، ولم يكن ذلك صحيحًا. كذلك أدركت أنني كنت ساذجا على المستوى السياسي. نعم، اقترفت أخطاء لكنني لم أرتكب الأخطاء التي كنت أتهم بارتكابها. وكان أفدح ما ارتكبت من أخطاء هو أنني لم أكن أكثر فاعلية في بناء الثقة وتنميتها. ونتيجة لذلك، كانت خبرتي مباشرة في عواقب انخفاض الثقة، والنتائج الاقتصادية والاجتماعية العصيبة الخاصة بالربح والخسارة. إضافة إلى ذلك، عرفت أن الثقة بالفعل تغير كل شيء. فما أن تبنى الثقة - بوصفها صفة أصيلة - وتبنى الثقة القائمة على الكفاية، حتى توضع كل الأمور في نصابها. أزمة ثقةلست في حاجة إلى بحث مضن لتدرك أن لدينا ، بوصفنا مجتمعا عالميا، أزمة ثقة واضحة. تأمل عناوين هذه الصحف الصادرة حديثا:
  • . موظفو «نيوموتو»: لا تثق بأحد».
  •  حثت الشركات على إعادة بناء الثقة. 
  •  كل طرف يخون ثقة الآخر». 
  •  توجيه الاتهام إلى عشرين من المضاربين في سوق الأوراق المالية بنيويورك». 
  • يجب تعزيز الأخلاق لإعادة بناء ثقة الناس». 
  • العلاقات تنهار حين تتضاءل الثقة. 
  •  بمن تثق اليوم؟
تكشف عناوين الصحف علامات الحقيقة الواضحة ضعف الثقة في كل مكان. وهي تتوغل في مجتمعنا العالمي، وأسواقنا ومؤسساتنا وعلاقاتنا، وحياتنا الشخصية، وتولد الشك والارتياب، وتصبح دائمة الوجود، وينتج عنها دورة انحدارية باهظة التكلفة. تأمل مجتمعنا بصفة عامة، تجد أن الثقة في كل المؤسسات المجتمعية تقريبا الحكومية والإعلامية والتجارية ومؤسسات الرعاية الصحية ودور العبادة والأحزاب السياسية أضعف إلى درجة خطيرة مما كانت عليه في الجيل السابق وفي حالات عدة تظل عند معدلات منخفضة انخفاضا حادا، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، أظهر استطلاع «هاريس» عام 2005 أن 22% فقط ممن شملهم الاستطلاع يميلون للثقة بوسائل الإعلام، و 8% فقط يثقون بالأحزاب السياسية و 27% فقط يثقون بالحكومة، و12% فقط يثقون بالشركات الكبرى. وربما كان الأكثر دلالة من ذلك هو فقدان الثقة بين الناس بعضهم بعضا . فقد أجرى عالم الاجتماع البريطاني ديفيد هالبيرن أخيرًا مسحا أظهر أن 34% فقط من الأمريكيين يعتقدون أن بإمكانهم أن يثقوا بالآخرين. وفي أمريكا اللاتينية تنخفض النسبة إلى 23%، وفي إفريقيا إلى 18%. ويبين بحث هالبيرن أيضًا أنه منذ أربعة عقود، كان 60% من السكان في بريطانيا العظمى يرون أن بإمكانهم الثقة بالآخرين، وقد انخفضت هذه النسبة اليوم إلى 29%.أما الخبر «السعيد» - نسبيا - الذي تقدمه لنا هذه الدراسة، فهو أن 68% من سكان الدول الإسكندنافية ( الدانمارك والسويد والترويج ) و 60% من سكان هولندا يرون أن من الممكن الثقة بالآخرين، في إشارة إلى أن هناك مجتمعات لديها قدر أعلى من الثقة. أما المعدل المكسيكي، على الرغم من أنه لا يتعدى 31%. فقد ارتفع عما كان عام 1983 حيث لم يكن يتجاوز 19%، ما يدل على إمكانية زيادة الثقة المجتمعية.  على المستوى المؤسسي، انخفضت الثقة بصورة حادة داخل الشركات أيضًا. ولنر ما يبينه البحث: 
  • %51 فقط من العاملين لديهم ثقة بالإدارة العليا. 
  •  %36 فقط من العاملين يرون أن رؤساءهم يتصرفون بأمانة ونزاهة. 
  •  خلال الشهور الاثني عشر الماضية، لاحظ %76% من العاملين تصرفات غير مشروعة أو غير أخلاقية تتعلق بوظائفهم - وهي تصرفات، إن تم الكشف عنها، فستعد انتهاكا حادا للثقة العامة.
وماذا عن الثقة على مستوى العلاقات الشخصية على الرغم من أن هذا الأمر يختلف بطبيعته من علاقة لأخرى، فإن الثقة مسألة مهمة بالنسبة إلى معظم الناس في بعض العلاقات على الأقل ( وفي معظم الأحيان في أشد علاقاتهم أهمية - مثل علاقاتهم مع رئيس في العمل أو زميل أو زوج أو ابن في البيت). فكر فيما يأتي: 
  • السبب الأول لترك الناس وظائفهم هو علاقتهم السيئة برؤسائهم. 
  •  تنتهي واحدة من كل زيجتين بالطلاق.
إن العلاقات أيا كان نوعها تقوم على الثقة، وتدعمها الثقة. كذلك يمكن أن تنفصم العلاقات أو تنهار بسبب فقدان الثقة. وفي الواقع، إن ضعف الثقة هو تعريف مناسب تماما للعلاقة السيئة. فماذا عن الثقة على المستوى الفردي؟ تأمل النسبة المئوية للطلاب الذين أقروا بأنهم قاموا بالغش لكي تزيد أفضليتهم للالتحاق بالدراسات العليا : 
  • طلاب الفنون العقلية 43% . 
  • طلاب التربية %52.
  • طلاب الطب %63
  • طلاب القانون %63
  • طلاب التجارة %75 
ماذا سيكون شعورك إذا علمت أن هناك احتمالا يتجاوز 50% أن الطبيب الذي سيجري لك جراحة معينة كان يغش في المدرسة؟ أو أن هناك احتمالا 75% أن الشركة التي ستعمل بها يديرها شخص لا يعد الأمانة عنصرا مهما؟ حين عرضت هذه المعلومات أخيرا على مجموعة من المحامين، وقد أذهلهم اكتشاف أنهم لم يحتلوا المرتبة الأخيرة وعنفوني لأنني كنت في هذه المرتبة - بحصولي على ماجستير إدارة الأعمال ( ولم يغير في الأمر شيئًا أن أشرت بعد ذلك إلى أن %76% من حملة ماجستير إدارة الأعمال كانوا يرغبون في فهم التكاليف التي تستقطع من أرباحهم، وأن المدانين في السجون التي لا تطبق القيود الأمنية المشددة، كانوا على مستوى طلاب ماجستير إدارة الأعمال نفسه في اختبارات الأزمة الأخلاقية التي أجريت لهم.إننا نتكلم عن أزمة ثقة!وإذا وضعنا المجتمع والمؤسسات والعلاقات جانبا، سنجد بعدا أشد قوة وجوهرية للثقة بالنفس، فإننا كثيرًا ما نلزم أنفسنا بأمور - مثل وضع أهداف أو اتخاذ قرارات العام الجديد - نخفق في تحقيقها. ومن ثم، نصل إلى الشعور بأننا لا يمكن أن نثق بأنفسنا ثقة تامة، فإن لم نستطع أن نثق بأنفسنا ، فستكون الثقة بالآخرين أمرا عسيرا. هذا التناقض الشخصي يكون دائما مصدر شكوكنا في الآخرين. وكما يقول والدي دائما : إننا نحكم على أنفسنا حسب نياتنا ونحكم على الآخرين حسب سلوكهم. وهذا هو السبب، كما سنناقش لاحقا، في أن أحد أسرع الطرق لاستعادة الثقة هو أن تلتزم ، وتفي بالتزاماتك - حتى الالتزامات البسيطة جدا - تجاه نفسك وتجاه الآخرين. إننا، في الحقيقة، نعيش أزمة ثقة، وهي تؤثر علينا على جميع المستويات - المجتمعية والمؤسسية والتنظيمية والشخصية وعلى مستوى العلاقات - ولها أثر دائم. وعلى الرغم من أن كثيرًا منا قد يكون مرنا ، إلى حد ما، مع كل خيانة ثقة أو فضيحة للشركات، فإننا نميل إلى التعافي على نحو أبطأ. وإننا نتساءل ماذا سيحدث أيضًا غير ذلك؟ ونصبح أشد ارتيابا في الآخرين. ونبدأ إسقاط سلوك الأقلية على الأغلبية، وندفع ثمن ذلك غاليا.  اقتصاديات الثقة قد يسأل المتشكك: وماذا بعد؟»، «هل الثقة حقًا أكثر من مجرد امتلاك فضيلة اجتماعية مرغوبة، أو ما يسمى بالعامل الصحي؟»، «هل يمكنك أن توضح بصورة محددة أن الثقة عامل اقتصادي قوي ؟ فقررت أن أجيب عن هذه الأسئلة على نحو حاسم في هذا الكتاب، وذلك بأن أبين بوضوح الوضع التجاري القوي للثقة.  إليك صيغة بسيطة ستساعدك على أن تحول الثقة من متغير غير ملموس ولا يمكن قياسه، إلى عامل لا غنى عنه، ويمكن إدراكه وتحديده. وتقوم تلك الصيغة على هذه الرؤية المحددة تؤثر الثقة دائما على نتيجتين - السرعة والتكلفة. فعندما تنخفض الثقة تنخفض السرعة أيضًا، وترتفع التكلفة. والأمر بهذه البساطة، وهذه الواقعية وهذه القابلية للتنبؤ، وسأعرض عليكم بضعة أمثلة. في أعقاب هجمات 9/11 الإرهابية، انخفضت ثقتنا في الطيران في الولايات المتحدة انخفاضا حادا . فقد أدركنا أن هناك إرهابيين يصممون على إيذائنا، وأن منظومة ضمان أمن الركاب ليست قوية كما يجب.  كنت قبل 9/11 معتادًا على الوصول إلى مطار مدينتي قبل نحو نصف الساعة من الإقلاع. وكان بوسعي المرور عبر إجراءات الأمن بسرعة. ولكن بعد 9/11 اتخذت إجراءات وأنظمة أشد صرامة لزيادة الأمن والثقة في الطيران. وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات حققت تأثيرها المنشود، فاليوم تستغرق مني إجراءات السفر وقتا أطول وتتكلف نفقات أكبر. فبصفة عامة أصل إلى المطار قبل موعد الرحلات الداخلية بنحو ساعة ونصف الساعة، ومن ساعتين إلى ثلاث ساعات قبل الرحلات الدولية لضمان توافر الوقت لإنهاء الإجراءات الأمنية. كذلك، فإنني أدفع ضريبة أمن جديدة بعد 9/11 على كل تذكرة أشتريها ، وهكذا ، حين تنخفض الثقة تنخفض السرعة أيضًا، وترتفع التكلفة. منذ عهد قريب، سافرت من مدينة كبرى في منطقة بالغة الخطورة في الشرق الأوسط، وكانت الثقة في تلك المنطقة منخفضة تماما لأسباب جغرافية سياسية. وكان علي الحضور إلى المطار قبل أربع ساعات من موعد الإقلاع، ومررت على شاشات عدة للفحص، وقام أناس متعددون بتفريغ محتويات حقيبتي وتفتيشها مرات عدة، وتم التعامل مع كل الركاب بالطريقة نفسها. إن الإجراءات الأمنية المشددة ضرورية بالتأكيد، وفي تلك الحالة كنت ممتنا لهم، لكن بيت القصيد يظل كما هو بسبب انخفاض الثقة تنخفض السرعة وترتفع التكلفة. ولنتأمل مثالاً آخر، تم إقرار قانون ساربينيس - أوكسلي ("") بوصفه رد فعل الفضائح شركة إنرون وشركة وورلدكوم وغيرهما. وعلى الرغم مما يظهر لهذا القانون من أثر إيجابي في تحسين أو على الأقل دعم الثقة في الأسواق العامة، فإن من الواضح أيضًا أن ذلك قد تحقق بثمن فادح. فاسأل أي مدير تنفيذي أو مسؤول مالي أو أي موظف في الإدارة المالية في أي شركة تطبق بنود قانون ساربينيس أوكسلي، عن قدر الوقت الذي يستغرقونه لاتباع تنظيمات هذا القانون، وكذلك التكلفة الإضافية لاتباعها ، إنها تكلفة باهظة في كلا الجانبين ( الوقت والمال) . وفي الواقع، حددت دراسة حديثة تكلفة تنفيذ فقرة واحدة فقط من القانون عند 35 مليار دولار - وذلك يفوق تقديرات لجنة مراقبة عمليات البورصة الأصلية بثمان وعشرين مرة وصارت تنظيمات الخضوع إلى القانون بمنزلة جراحة ترقيعية الفقدان الثقة - لكنها جراحة ترقيعية بطيئة ومكلفة لذلك الأمر. ومرة أخرى وصلنا إلى الدرس الأساسي: حين تنخفض الثقة تنخفض السرعة، وترتفع التكلفة .من ناحية أخرى، حين تزيد الثقة ترتفع السرعة، وتنخفض التكلفة. فلتتأمل مثال وارين بوفيت - المدير التنفيذي لشركة بيركشاير هاثاواي ويعد بصفة عامة أكثر كبار الموظفين جدارة بالثقة في العالم الذي انتهى أخيرا من دمج ضخم لشركة ماكلين ديستريبيوشن وهي شركة رأسمالها 23 مليار دولار . وكانت إحدى شركات مؤسسة وول - مارت. وكانت شركتا بيركشاير هاثاواي ووول - مارت، بوصفهما من الشركات الحكومية، تخضعان لجميع أنواع الفحص التنظيمي والتسويقي. وكانت عملية دمج بهذا الحجم في المعتاد يستغرق إتمامها أشهرا عدة، وتتكلف ملايين دولار عدة تدفع للمحاسبين وفاحصي الحسابات والمحامين للتأكد من صلاحية كل أنواع المعلومات ودقتها . لكن في هذا المثال، نظرًا لأن كلا الجانبين يعملان بمستوى ثقة مرتفع، تمت الصفقة خلال اجتماع واحد استغرق ساعتين، وبمصافحة بين الطرفين، وفي أقل من شهرين انتهى الأمر. في خطاب إداري كان مرفقا بتقريره السنوي لعام 2004، كتب وارين بوفيت إننا لم نقم بأي من الجهود المعتادة؛ فقد كنا نعرف أن كل شيء سيسير كما قالت وول - مارت تماما ، وقد كان تصور - في أقل من شهر واحد ( بدلاً من ستة أشهر أو أكثر ) ومن دون تكلفة الجهود المعتادة، أي بدلاً من إنفاق الملايين كالمعتاد) ثقة مرتفعة، سرعة مرتفعة، تكلفة منخفضة.  إليك مثالا عن مسؤول أسطوري آخر هو هيرب كيللر ، رئيس شركة الخطوط الجوية ساوث ويست ومديرها التنفيذي السابق. ففي كتاب روبرت كيه كوبر وأيمن صواف إي كيو التنفيذي يقدم المؤلفان قصة رائعة. فذات يوم حين كان جاري بارون - وهو أنذاك نائب الرئيس التنفيذي في مؤسسة للصيانة رأسمالها 700 مليون دولار تخدم ساوث ويست بأسرها - يهبط إلى الردهة، ويقدم مذكرة موجزة من ثلاث صفحات إلى كيللر ، يلخص فيها خطة لإعادة تنظيم شامل. فقرأ كيللر المذكرة في الحال، وسأل سؤالاً واحدًا ، وكانت إجابة بارون عليه أنه يشاركه الاهتمام وأنه كان يعالج الأمر. فرد كيللر: «إذن فأنا أوافق على ذلك، ابدأ». وقد استغرقت هذه العملية برمتها نحو أربع دقائق. لم يكن كيللر مجرد موظف كبير موثوق به وحسب، وإنما منح الآخرين الثقة أيضًا. وقد كان يثق ببارون وقدراته، ولأنه كان يثق بأن بارون يعرف ما سيفعله كان يمكن للشركة أن تتحرك بسرعة لا تصدق. وهذا مثال آخر على نطاق أضيق كثيرا . كان «جيم» وهو بائع في مدينة نيويورك، قد افتتح محلا لبيع الفطائر المحلاة والقهوة للعابرين، حين يدخلون إلى مباني مكاتبهم أو يخرجون منها . وكان لدى جيم في وقت الإفطار والغداء صفوف طويلة من الزبائن المنتظرين. وقد لاحظ أن وقت الانتظار يثبط عددًا كبيرا من الزبائن، فيتركون المكان، ويذهبون إلى محال أخرى. ولاحظ أن كونه العامل الوحيد في المحل، فإن عنق الزجاجة الذي يمنعه من بيع عدد أكبر من الفطائر المحلاة وأكواب القهوة هو قدر ما يستغرقه من وقت في توفير العملات الصغيرة ( الفكة لزبائنه )وفي النهاية، كان ما فعله جيم هو أنه وضع إلى جواره سلة صغيرة مملوءة بأوراق نقدية من فئة الدولار والعملات المعدنية الصغيرة، واثقا من أن زبائنهم سيأخذون بقية نقودهم من العملات الصغيرة بأمانة. وربما نتصور أن الزبائن قد يخطئون في العد عرضًا أو يأخذون عملات أكثر مما يحق لهم عمدًا من السلة لكن كان ما وجده جيم هو العكس؛ فقد كان رد فعل معظم الزبائن هو الأمانة التامة، وغالبا ما كانوا يتركون له أكثر من «البقشيش المعتاد. واستطاع جيم أيضًا أن يلبي طلبات الزبائن على نحو أسرع مرتين؛ لأنه لم يكن مضطرا إلى إعطاء الفكة، إضافة إلى ذلك ، وجد أن الزبائن أحبوا كونهم مؤتمنين، وظلوا يترددون على محله. وبمنح الثقة بهذه الطريقة كان جيم قادرًا على زيادة دخله من دون إضافة أي تكلفة جديدة. مرة أخرى، حين تنخفض الثقة، تنخفض السرعة، وترتفع التكلفة. وحين تزيد الثقة ترتفع السرعة، وتنخفض التكلفة. حين كنت أقوم بتدريس هذا المفهوم أخيرًا ، جاءني أحد المسؤولين الماليين الذي كان يتعامل مع الأرقام طوال الوقت، وقال لي: «هذا رائع، كنت دائما أعد امتلاك الثقة شيئًا جميلا ، لكنني لم أفكر مطلقا فيها من ناحية تأثيرها على الاقتصاد والسرعة. والآن بعدما ذكرت ذلك، يمكنني أن ألاحظه في كل شيء من حولي. واستطرد قائلاً: «على سبيل المثال، لدينا مورد نثق فيه ثقة كاملة، وقد حدث كل شيء بسرعة مع هذه المجموعة، ولم تكلفنا العلاقة أي شيء للحفاظ عليها. لكن مع مورد آخر، كانت ثقتنا فيه ضعيفة للغاية، يستغرق إتمام كل شيء وقتا طويلاً جداً ، ويكلفنا ذلك كثيرا من الوقت والجهد للحفاظ على العلاقة، وهذا يكلفنا المال - كثيرا من المال. ذهل هذا المسؤول المالي حين وجد كل شيء فجأة يستقر في مكانه في ذهنه. فعلى الرغم من أنه رجل أرقام، فإنه لم يصل بين النقاط فيما يتعلق بالثقة. وبمجرد أن أدرك ذلك، أصبح كل شيء معقولاً فجأة. واستطاع على الفور إدراك أن الثقة كانت تؤثر في كل شيء في المؤسسة، وكيف كانت فكرة العلاقة بين الثقة والسرعة والتكلفة قوية وصارمة في تحليل ما يحدث في عمله التجاري، وفي اتخاذ خطوات لزيادة مطردة في نمو الأرباح. إنني أعرف مؤسسات بارزة تسأل موظفيها السؤال البسيط الآتي، بصورة مباشرة ورسمية، وهي عمليات تغذية راجعة قدرها 360 درجة: «هل تثق برئيسك ؟ فلقد أدركت هذه الشركات أن الإجابة عن هذا السؤال الوحيد أصدق إنباء عن أداء الفريق والمؤسسة من أي سؤال آخر قد يسألونه. إنك بمجرد أن تفهم حقا اقتصاديات السوق الصعبة القابلة للقياس، تكون كمن وضع نظارات جديدة على عينيه، فحيثما تنظر ، يمكنك أن ترى التأثير في العمل، وفي البيت وفي كل علاقة وفي كل جهد. ويمكنك أن تبدأ إدراك الفرق المذهل الذي يمكن أن تصنعه الثقة المرتفعة في كل بعد من أبعاد الحياة.  ضريبة الثقة إن التأثير العملي الخطير لاقتصاديات الثقة هو أننا في كثير من العلاقات وكثير من التفاعلات تدفع ضريبة خفية من المنبع بسبب قلة الثقة، ولا نعرف حتى إننا ندفعها. ذات صيف قبل ثلاث سنوات، حين بلغ ابني ستيفن السادسة عشرة من عمره، حصل على وظيفته الأولى، وكان متحمسا للغاية، إذ كان سيعمل مديرا المحل يبيع أقماع الثلج. سارت الأمور معه على ما يرام خلال الأسابيع القلائل الأولى للعمل، لكنه ذهل حين تسلم أول شيك بمرتبه ، فض المظروف، ونظر إلى الشيك بترقب، وفجأة غطى الغضب ملامح وجهه، وقال متعجبا: أبي، هذا ليس صحيحًا، ومد يده بالورقة لي قائلاً: «انظر إن كل عملياتهم الحسابية خاطئة. فسألته وعيناي تجريان على الورقة: «ماذا تعني؟». فأشار بإصبعه: «انظر هنا المفروض أنني أحصل على ثمانية دولارات في الساعة، وقد عملت مدة أربعين ساعة، إذن يجب أن أحصل على 320 دولارًا ، صح ؟ فنظرت إلى الورقة، وكان المؤكد أنه عمل مدة أربعين ساعة، ولم يكن بالشيك سوی 260 دولارًا تقريبا . فقلت: هذا صحيح يا ستيفن، لكن انظر إلى أعلى قليلاً - هناك في كعب الشيك، هل ترى هذه الكلمات - ضريبة الدخل الفيدرالية؟. فقال متشككا: «ماذا؟ أتعني أنني أدفع ضرائب؟». فأجبت: «نعم، أنت تدفع ضرائب، وهناك ما هو أكثر من ذلك، انظر : هناك ضريبة الدخل الخاصة بالولاية، وضريبة الأمن الاجتماعي، وضريبة الرعاية الطبية. فقال، وهو ينتحب بالفعل: إنني لا أحتاج إلى الرعاية الطبية. فقلت: لا، يا بني، إنك لا تحتاج إليها، لكن جدك يحتاج إليها! مرحبا بك في عالم الحياة الواقعية.  ربما يكون هناك من لا يحب فعلاً دفع الضرائب، لكننا ندفعها لأنها تخدم دواعي اجتماعية أكبر وأيضًا لأن القانون يوجب ذلك  لكن ماذا لو أنك لم تعرف أنك تدفع ضرائب؟ ماذا لو كانت ضرائب خفية تخصم من المنبع مباشرة، دون حتى أن تدري؟ وماذا لو كانت ضرائب ضائعة تمامًا - أي إذا كانت ستذهب هباء ولن يستفيد بها أي شخص في أي مكان مطلقا ؟ ولسوء الحظ، لا تظهر ضرائب انخفاض الثقة بصورة مناسبة في بيان دخلك بوصفها تكلفة انخفاض الثقة. ولكن مجرد كونها خفية لا يعني عدم وجودها . فما أن تعرف أين تبحث وعن ماذا تبحث، يمكنك أن ترى أن هذه الضرائب موجودة في كل مكان - في المؤسسات وفي العلاقات، ويمكن تحديدها ، وهي في معظم الأحيان باهظة.  لا شك في أنك رأيت هذه الضريبة مرات عدة في أثناء تحصيلها - لعلك رأيتها في محادثة، حيث يمكنك أن تقول: إن رئيسك في العمل، أو ابنك المراهق أو غيرهما يخصمون بصورة آلية 25 أو 30% وربما أكثر من كل رقم تذكره. وهذا ما مررت به کخبرة مباشرة في الأيام العصيبة لدمج فرانكلين كوفي. فإذا فكرت في الأمر، يحتمل أن تكون أنت الذي تحصل ضريبة تلك التفاعلات بنفسك، وتخصم ما تسمعه من الآخرين؛ لأنك لا تثق بهم. في بعض المواقف، قد تضطر إلى دفع ضريبة تراثية، عندما تشغل منصبا كان يعمل به شخص آخر أوجد عدم ثقة قبلك. وعندما تدخل في علاقة شخصية أو علاقة عمل جديدة، أو عندما تتولى منصبا رئيسًا جديدا في ثقافة تتسم بانخفاض الثقة، يمكن أن يستقطع منك 30 أو 40 أو 50% ، أو أكثر لشيء لم تفعله! فلقد كنت أتشاور مع مدير تنفيذي كانت تشعر بالأسى لأن المدير الذي حلت محله دمر الثقة مع المؤسسة بصورة حادة لدرجة أن الثقافة السائدة كانت تحاسبها على كل تصرفات سلفها، على الرغم من أنها التحقت بالمؤسسة حديثا. وكما قال فرانسيس فوكوياما صاحب أكثر الكتب مبيعا: «إن انتشار انعدام الثقة في مجتمع ما ... يفترض نوعا من الضرائب على أشكال النشاط الاقتصادي كافة، وهي ضريبة لا تدفعها المجتمعات التي تتمتع بمستوى مرتفع من الثقة». وأنا أؤكد أن ضريبة انخفاض الثقة هذه لا تكون على النشاط الاقتصادي وحسب وإنما على جميع الأنشطة، وفي كل علاقة، وفي كل تفاعل، وفي كل اتصال، وفي كل قرار، وفي كل أبعاد الحياة.  عائد الثقة إنني أرى أن العوائد الناتجة عن ارتفاع الثقة حقيقية ومحددة ومرتفعة إلى حد مذهل، تماما مثلما أن الضرائب التي تنشأ عن انخفاض الثقة حقيقية وقابلة للقياس وباهظة. انظر إلى السرعة التي أنهى بها وارين بوفيت ضم شركة ماكلين، ومدى السرعة التي تم بها التصديق على خطة جاري بارون لإعادة التنظيم الشامل. وفكر في تضاعف دخل جيم بائع الفطائر المحلاة والقهوة، وتأمل السرعة التي يمكنك بها أن تتواصل في علاقاتك التي تتسم بمستوى مرتفع من الثقة على المستويين الشخصي والمهني. حين يرتفع مستوى الثقة، فإن مكان ما تتلقاه من عائد يضاعف الأداء، إذ يرفع مستوى كل أبعاد مؤسستك وحياتك ويحسنها. والثقة المرتفعة تشبه الخميرة في الخبز، إذ ترفع كل ما يحيط بها. وفي أي شركة تحسن الثقة المرتفعة كل شيء على نحو ملموس الاتصال، والتعاون والتنفيذ، والتجديد، والإستراتيجية والتكافل، والمشاركة، والعلاقات مع كل من يتولى زمام الأمور. وفي حياتك الشخصية، تحسن الثقة المرتفعة إلى حد بعيد نشاطك وطاقتك ومشاعرك وإبداعك والبهجة في علاقاتك مع الأسرة والأصدقاء والمجتمع الذي تعيش فيه. والعوائد، كما هو واضح، لا تكون في مجرد زيادة السرعة والاقتصاد المتحسن وإنما تكون أيضًا في استمتاع أكبر ونوعية أفضل للحياة.  المتغير الخفي قمت ذات يوم باستئجار دليل للذهاب جوا إلى مونتانا لصيد الأسماك. وحين كنت أنظر إلى النهر عبر النافذة، قال لي: أخبرني بما تراه». وكان ما قلته في الأساس هو أنني أرى نهرا رائعا تنعكس أشعة الشمس على مياهه. فسألني: «هل ترى أي أسماك. فأجبته بالنفي. فأعطاني الرجل نظارات شمسية مستقطبة وقال لي: «ضع هذه على عينيك ؟ فلما وضعتها ظهر كل شيء على نحو مختلف تمام الاختلاف. فحين نظرت إلى النهر، اكتشفت أنني أستطيع رؤية «ما تحت» المياه. واستطعت أن أرى أسماكا - كما كبيرا من الأسماك اشتدت إثارتي، وفجأة استطعت أن أحس بقدرة هائلة لم أرها من قبل. ففي الواقع، كانت تلك الأسماك موجودة طوال الوقت، لكنها كانت خافية عن نظري حتى وضعت النظارات.  وبالطريقة نفسها ، تختفي الثقة عن الأنظار بالنسبة إلى معظم الناس، ولا يدرون كيف أن تأثير الثقة موجود ومنتشر في كل علاقة وكل مؤسسة وكل تفاعل، وفي كل لحظة في الحياة. لكن ما إن يضعوا نظارات الثقة ويروا ما يجري تحت السطح. حتى يؤثر ذلك على قدرتهم على زيادة فاعليتهم في كل بعد من أبعاد الحياة. وسواء كانت الثقة مرتفعة أم منخفضة، فإنها تمثل المتغير الخفي في معادلة النجاح المؤسسي. ومعادلة العمل التجاري التقليدية تقول: إن النتائج هي حاصل ضرب الإستراتيجية في التنفيذ: الإستراتيجية (س) × التنفيذ (ت) = النتائج (ن).أي:س × ت = نلكن هناك متغيرا خفيا في هذه الصيغة الثقة - إما ضريبة الثقة المنخفضة التي تقلص المخرجات، أو عائد الثقة المرتفعة التي تضاعفها : الإستراتيجية (س) X التنفيذ (ت) الثقة (ث) = النتائج (ن) أي:〈 س X ت〉 ث = نيمكن أن تكون لديك إستراتيجية جيدة وتنفيذ جيد ( عشرة على عشرة). لكنك تخرج عن مسارك بسبب انخفاض الثقة، أو يمكن أن تقوم الثقة المرتفعة بمضاعفة الأداء، وإيجاد التكافل، حيث يكون الكل أكبر من مجموع الأجزاء. انظر إلى هذه العمليات الحسابية:يمكن أن تكون لدى الشركة إستراتيجية ممتازة، وقدرة قوية على التنفيذ لكن الناتج الصافي يمكن أن تدمره ضريبة انخفاض الثقة، أو يتضاعف بعائد ارتفاع الثقة. وكما قال أحد المستشارين البارزين في هذا الموضوع، روبرت شو قبل كل شيء، يتطلب النجاح في العمل التجاري أمرين: إستراتيجية ربح تنافسية، وتنفيذ مؤسسي ممتاز، وانعدام الثقة هي عدو الاثنين. وأنا أؤكد أن الثقة المرتفعة لا تنقذ الإستراتيجية الضعيفة بالضرورة، أما الثقة المنخفضة فدائما تفسد الإستراتيجية الجيدة .ربما كان تأثير هذا المتغير الخفي هو أكثر ما يثبت أهمية الثقة في مجال الأعمال. فطبقا لدراسة قامت بها كلية تجارة وورويك في المملكة المتحدة، فإن عقود العمالة الخارجية التي تقوم إدارتها على الثقة أكثر منها على اتفاقيات صارمة، وعقوبات أقرب إلى تحقيق عوائد للثقة لكل من الطرفين - ما يعادل 40% من القيمة الإجمالية لكل عقد. وتظهر دراسة قام بها واطسون وايت عام 2002 أن العائد الإجمالي للمساهمين في المؤسسة التي يرتفع فيها مستوى الثقة يبلغ تقريبا ثلاثة أمثال العائد في المؤسسات التي ينخفض فيها مستوى الثقة، وذلك بفارق يقارب 300%1 وتبين دراسة تربوية أجراها طوني بريك الأستاذ بجامعة ستانفورد، أن المدارس التي يرتفع فيها مستوى الثقة تتمتع بفرصة تبلغ ثلاثة أمثال المدارس التي ينخفض فيها مستوى الثقة، في تحسين درجات الاختبارات. وعلى المستوى الشخصي، يرجح أن يترقى الأفراد الذين يتمتعون بمستوى ثقة مرتفع بمعدل أعلى، ويجنون المزيد من المال، وينالون أفضل الفرص، ويتمتعون بدرجة أكبر من العلاقات الناجحة السعيدة. إن أحد أسباب أهمية متغير الثقة الخفي وحيويته في عالمنا المعاصر، هو أننا قد دخلنا إلى اقتصاد عامل المعرفة العالمي. فكما يذكر توماس فريدمان كاتب عمود الرأي في صحيفة نيويورك تايمز»، في كتابه «العالم مسطح»، فإن هذا الاقتصاد المسطح الجديد يدور حول المشاركة والعلاقات. ويتوقف ازدهار المشاركة والعلاقات أو انتهاؤها على الثقة. فكما يقول فريدمان من دون الثقة لا يوجد مجتمع مفتوح لأنه لا يوجد عدد كاف من رجال الشرطة الحراسة كل انفتاح في أي مجتمع مفتوح. ومن دون الثقة، لن يكون هناك أيضًا عالم مسطح؛ لأن الثقة هي ما تسمح لنا بتحطيم الجدران، وإزالة الحواجز وإنهاء الخلافات على الحدود، فالثقة أمر جوهري للعالم المسطح....لهذا أؤكد مرة أخرى أن القدرة على بناء الثقة وتنميتها ومنحها واستعادتها مع كل المعنيين بالأمر - الزبائن وشركاء التجارة والمستثمرين وزملاء العمل - هي قدرة القيادة الأساسية للاقتصاد العالمي الجديد. وفيما يأتي ملخص لتأثير ضرائب الثقة وعوائدها على كل من العلاقات المؤسسية والشخصية. عندما تنظر إلى هذا الملخص، أقترح عليك أن تسأل نفسك: هل تدفع مؤسستي ضرائب أم تتلقى عوائد ؟ وماذا عني أنا - هل أنا ضريبة حية أم عائد حي؟ فكر كذلك في علاقاتك داخل العمل وخارجه، واسأل نفسك: أين يمكن أن توضع هذه العلاقات داخل هذا الملخص؟ وأين يمكنني أن أركز جهدي لأصنع أكبر اختلاف في حياتي؟

كتب ذات صلة