وسائل الإعلام الجاهلة
قال توماس جفرسون إنه يفضل العيش في بلد توجد فيه صحافة حرة ولا توجد حكومة على أن يعيش في بلد توجد فيه حكومة ولا توجد صحافة إذ قال: «الضمان الوحيد لنا جميعاً هو الصحافة الحرة. من الضروري أن نحافظ على مياهنا نقية». أنا أوافقه على هذا الرأي تماماً، فبدون وسائل الإعلام التي تطلعنا على تجاوزات الحكومة والمخاطر في الحياة والأفكار الرائعة التي تظهر من كل حدب وصوب في أمريكا تصبح حياتنا ضيقة وتتوارى حريتنا الحكومة الأمريكية الرابعة تنورنا وتحمينا . قال جفرسون عندما تكون الصحافة حرة ويستطيع كل شخص القراءة يستتب الأمن. لكن السنوات الست والثلاثين التي أمضيتها بالعمل في وسائل الإعلام جعلتني مرتاباً في كل ما يصدر عنها. المراسلون المذيعون يحسنون إنباءنا بما يحصل اليوم أي أبنية احترقت، أي جيش غزا، حجم الإعصار القادم. يخاطر هؤلاء المراسلون من أجل نقل تلك الأخبار إلينا. يجدر بنا شكرهم.
ولكن عندما تتعلق الأخبار بالعلم والاقتصاد وبمخاطر الحياة المستقبلية فإن وسائل الإعلام تسيء العمل.
خرافة: وسائل الإعلام تستقصي ثم تعطيكم الحقيقة الموضوعية.
حقيقة: كثير ممن يعملون في وسائل الإعلام جاهلون تماماً ويخيفونكم حتى الموت.
نحن لا نفعل ذلك عن قصد . إنما نريد أن نعطيكم الحقائق وحسب. ثمة أشخاص ينقلون إلينا قصصاً برعب وذعر فنر تعب بدورنا ونسرع لنقل هذه الأخبار إليكم.
نحن نعلم أنه كلما ازدادت القصة التي ننقلها إثارة وإرعاباً طال الوقت الذي يعطينا إياه رئيسنا لبثها على الهواء أو ازداد احتمال نشرها في أول صفحة من الصحيفة. القصة المرعبة، سواء أكانت مهمة أم لا ، تحسن شهرة البرنامج وتزيد مبيعات الصحيفة للخوف سوق رائجة. هذه الفكرة هي سبب الدعابة عن فريق المذيعين في برنامج Insider التي تقول: كل ما ينزف له الأولوية.
إن إثارة الرعب تجعلنا نشعر بأهميتنا أيضاً.
لو أننا واصلنا التنقيب حتى وجدنا خبراء من العلماء الجادين لاستطعنا الحصول على القصة الحقيقية. ولكن يندر أن يعرف المراسلون بمن يتصلون، وعندما نعرف، غالباً ما نجد أن العلماء لا يريدون أن نزعجهم بالاتصال بهم. لم الخوض إذاً بنقاش فوضوي؟ قد يزعج هذا النقاش شخصاً ما يعمل في الحكومة فيقرر إيقاف المنح العلمية.
لقد قال لي أحد العلماء: أفضل أن أترك وشأني على أن أساير وأداهن المراسلين الصحفيين الذين يتصرفون كالأطفال.
العالم د. بروس إيمس من جامعة كاليفورنيا كان موقفه مختلفاً إذ لم يوفر جهداً في حتي على الالتزام بشكوكي فيما يتعلق بالمنطق المزيف الذي يروجه العلماء المزيفون هناك انخفاض ملحوظ عبر السنين في عدد اللقالق في أوروبا إذ انخفض معدل توالدها عبر السنين». يوضح د إيمس: إذا أمعنت النظر في العبارتين تجدهما متوافقتين إلا ان هذا لا يعني أن اللقالق تتوالد.
لقد ابتلعنا قصصاً تشبه في منطقها منطق قصة توالد اللقالق. القصة المفضلة لدي: أرى أشخاصاً بدينين يشربون مشروبات غازية دايت (حمية) هذا يعني أن المشروبات الغازية دايت تسبب البدانة. وعلى سبيل المثال يوجد الكثير من القصص عن أن المبيدات الحشرية تجعل الطعام مسرطناً ، تملأ هذه القصص العديد من صفحات محرك البحث غوغل. وتبدو هذه القصص للشخص الجاهل علمياً منطقية. ففي الواقع يستخدم المزارعون دائماً أنواعاً جديدة من المبيدات الحشرية ثم نستهلكها من خلال الطعام الذي نأكله ثم نسمع عن المزيد من الناس الذين يصابون بالسرطان لا شك أن هذا سبب ونتيجة مهلاً لنخرج الرفش.
خرافة: فضلات المبيدات الحشرية في الأكل تسبب السرطان وأمراضاً أخرى.
حقيقة: هذه الفضلات بشكل عام غير مؤذية.
يضحك إيمس على الادعاءات حول السرطانات المحدثة كيميائياً. وهو يعرف ما يقول لأنه هو الذي اخترع أول اختبار أذعر الناس حول هذه المواد الكيميائية ودعي اختبار إيمس. وقد بث الذعر عام 1970 عندما كشف أن هناك مواد مسرطنة في صبغة الشعر، وفي المواد المضادة للحريق في بيجامات الأطفال. حذر إيمس من استعمال هذه المواد الكيميائية المسرطنة.
قبل اختبار إيمس كانت الطريقة التقليدية في اختبار المواد المعرفة ضررها هي حقنها للحيوانات والانتظار حتى معرفة ما إذا كانت هذه الحيوانات ستصاب بالسرطان أو تلد أطفالاً مشوهين. إلا أن تلك الاختبارات كانت تطول عامين أو ثلاثة وتكلف 100.000 دولار فقال الدكتور إيمس: «عوضاً عن إجراء الاختبار على الحيوانات لماذا لا نجري الاختبار على البكتريا ؟ تستطيعون دراسة بليون بكتريا في صحيفة بتري واحدة فلا تنتظر الأجيال القادمة البكتريا تتكاثر كل عشرين دقيقة.
كان الاختبار ناجحاً وعد اكتشافاً علمياً جديداً. ويعد اليوم اختبار إيمس واحداً من الاختبارات العلمية للكشف إن كانت المادة مسرطنة.
ولكن بعد حظر بيع صبغات الشعر والمواد المضادة للحريق في بيجامات الأطفال استمر د. إيمس وعلماء آخرون باختبار المواد الكيميائية. لقد قال لي: «بدأ الناس باستعامل اختباري فوجدوا مواد مسرطنة في كل مكان في فناجين الشاي، على سطح الخبز، وأماكن قلي الهمبرغراء»
هذا جعله يتساءل إن كانت هذه الاختبارات مفرطة الحساسية، ويشك في الحظر الذي فرضه. وبعد بضعة سنوات حين ذهبت معه إلى السوبر ماركت لم يعد يذكر خطورة المواد.
د. إيمس: إذا نظرت إلى كل شيء في هذا السوبر ماركت لا بد أن يحتوي على جزء في البليون منه على مواد مسرطنة. الخضار مفيدة لك لكن الخضار تصنع مواد كيميائية سامة تبعد الحشرات عنها . فكل نوع من الخضار يحوي 5% من وزنه مواد كيميائية سامة. إنها مضادات الحشرات الطبيعية، الكرفست الفصة، الفطر تملؤها المواد المسرطنة بشكل مدهش.
ستوسل: تقول هذه اللافتة منتجات عضوية، أهي أفضل؟
د. إيمس كلا بالتأكيد لا، لأن الكمية من فضلات مبيدات الحشرات - التي يصنعها البشر والتي يأكلونها - هي كمية زهيدة جداً جداً! هناك مواد مسرطنة في فنجان القهوة أكثر من كل ما هو موجود في فضلات مبيدات الحشرات التي نأكلها في اليوم الواحد.
في فنجان القهوة؟ المعرفة مدى الخطورة حلل إيمس وفريقه نتائج كل اختبارات السرطان المجراة على الفئران والجرذان وقارنوا بين الجرعة التي سببت السرطان عند القوارض والكمية التي يتعرض الناس لها عادة ووضعوا جدولاً يظهر شدة الخطورة تبين أن المبيدات الحشرية مثل DDT و EDD تشكل عامل خطورة أقل بكثير من شاي الأعشاب الساخنة وزبدة الفستق والكحول والفطر. سلطنا كاميراتنا على الفطر لتصويره بينما صرح الدكتور إيمس باعتقاداته الراسخة.
د. إيمس: تعطي فطرة نيئة واحدة مواد مسرطنة أكثر بكثير من أي مياه ملوثة تشربها خلال النهار.
ستوسل: هل تقول إننا يجب أن نمتنع عن تناول المنتجات النيتئة الطازجة.
د. إيمس: كلا المنتجات الطازجة جيدة لك أنا سأكل الفطر النيئ حتى لو كان مليئاً بالمواد المسرطنة.
الدكتور إيمس عالم محترم يقدره جميع العلماء ولكن قد لا يقدره الصحفيون لأنه عالم حقيقي لا يساعدهم في بث الذعر في العناوين الرئيسية.
خرافة: النشاط الإشعاي مميت أبعدوه عن الطعام.
حقيقة: معالجة الطعام بالإشعاع تنقذ الحياة.
إن الاحتجاجات الصارخة التي أطلقها بعض الصحفيين حول خطورة معالجة الطعام بالإشعاع هي مثال واضح على الغباء المدهش في تخويف يتخذ الصفة العلمية.
إن المعالجة بالإشعاع تعطي المستهلكين خيارات رائعة ثمار الفراولة التي تحافظ على غضارتها لثلاثة أسابيع، لحم دجاج دون مستويات مؤذية من السالمونيلا ، التي صرح مركز مراقبة الأمراض والوقاية بأنها تقتل مئات من الأمريكيين كل سنة وتسبب العديد من حالات التسمم الغذائي. ( لعل آخر مرة أصبت فيها بالأنفلونزا كنت في الواقع مرضت من البكتريا الموجودة في الدجاج - هذه ليست خرافة اغسل الحوض ويديك وكل شيء لمس اللحم النيء لأنها جميعاً تمتلئ بجراثيم قد تكون ضارة).
إلا أن المراسلين الصحفيين والمدافعين عن البيئة لا يولون البكتريا اهتماماً كبيراً ولسبب مجهول ومع أن البكتريا تشكل خطراً أكبر من المواد الكيميائية والإشعاع فإن القلق يستحوذ على وسائل الإعلام بشأن هذا الأخير الإشعاع باللأمر المخيف.
لا تقلق وسائل الإعلام كثيراً بشأن البكتريا لأن البكتريا طبيعية. ولكن الإشعاع طبيعي أيضاً. نحن معرضون للإشعاع في كل دقيقة من حياتنا: الإشعاع الكوني من الفضاء، الإشعاع من الأرض، الإشعاع من الرادون في الهواء الذي نتنفسه. في كل سنة يتعرض المواطن الأمريكي العادي لإشعاع طبيعي يعادل نحو 360 دنتال ريز.
المراسلون الصحفيون والمعارضون لا يعلمون ذلك، ولو علموا لبقوا مستائين لأن النباتات المعرضة للإشعاع تمرر الإشعاع للناس عن طريق الطعام.
نقلت الأخبار قول د. والتر برنشتاين، مؤسس مجموعة المستهلكين، وتدعى الطعام والماء: «ستكون هذه كارثة صحية عامة لم نشهد مثل حجمها من قبل».
إني لأعجب حقاً بمهارة المدافعين عن البيئة بتسمية تلك المجموعة الطعام والماء فماذا يناقش المراسل الصحفي مجموعة بمثل هذا الاسم إذ لا بد أنهم أناس طيبون أليس كذلك؟ لقد أجريت مقابلة مع د. برنشتاين و منظمه السياسي، مايكل كولبي.
السيد كولبي: إذا نظرت إلى الدراسات الحالية التي جرت على الناس والحيوانات الذين أطعموا طعاماً ملوثاً بالإشعاع فستجد إصابات بأورام الخصية وتشوهات في الصبيغيات وتخرباً في الكلى وسرطانات وتشوهات ولادية.
ستوسل : أنتجت جميعها عن طعام ملوث بالإشعاع؟
السيد كولبي: بالتأكيد بالتأكيد.
ستوسل: ادعت جمعية الطعام والماء أن دراسة هندية صرحت بتلك النتائج إلا أننا اتصلنا بكاتبة تلك الدراسة وقالت إنها لم تصرح أبداً بذلك لكننا تكلمنا معها لتونا ونفت أن تكون قد صرحت بأن الأطفال قد طوروا سرطانات.
د. برنشتاين: إنها واحدة من مجموعة علماء صرفين لا يحبون إذاعة الأخبار. إننا نحن الذين نحاول المساعدة فنقول للناس لا تجعلوا أبداً من يعمل في المخابر يقتلونكم. أنا لا أريد دليلاً على أن هذه المواد تسبب السرطان أنا أعلم أنها تؤدي إليه.
لقد أعطى المراسلون الصحفيون ادعاءات برنشتاين وكولبي الكثير من الاهتمام والتغطية حتى أن ولاية مين سرعان ما حظرت معالجة الطعام بالإشعاع وتلتها نيويورك ونيوجيرسي وسرى الذعر إلى ولايات أخرى. ذهبت إلى مولبيري في فلوريدا الأغطي قصة الاحتجاج على معمل فانديكاتير الذي يقترح معالجة ثمار الفراولة بالإشعاع لقتل الجراثيم عليها. عندما وصلت وجدت مظاهرات حاشدة من الأشخاص الذين يرفعون لافتات كتب عليها لا تضعوا مواد نووية في طعامنا هذه الحملة أقنعت ولاية فلوريدا بتجميد افتتاح معمل فانديكاتير.
د. برنشتاین: سيفلس معمل فانديكاتير وينهي عمله. ليس فقط هذا المعمل وإنما كل مصانع الإشعاع... عندما نذهب ونتكلم مع الناس حول هذا الموضوع فإننا لا نبذل الكثير من الجهد لإقناعهم بعدم تناول الطعام المعالج بالإشعاع. إننا نقول فقط عبارة «طعام معالج بالإشعاع فيجيبون: ماذا؟ من يريد أن يتناول طعاماً معالجاً بالإشعاع».
لم يكن د. برنشتاین عالماً باحثاً بل معالج عظام وحسب إلا أن ذلك لم يقلل من احترام وسائل الإعلام له. احتلت احتجاجاته العناوين الرئيسية في البرامج التلفازية. كان المراسلون الصحفيون يعلمون أن الإشعاع ضار بالناس وبالتالي فإنه ضار بالطعام.
وقفت امرأة أمام معمل فانديكاتير وصرخت بغضب «كم من التلوث سنضع في أفواهنا؟»
الجواب هو «صفر». يعتقد الناس أن معالجة الطعام بالإشعاع تجعل الطعام هو نفسه مشعاً وهذا خطأ. الإشعاع يقتل البكتريا ثم يخرج من الطعام. ولهذا السبب سمحت FDA و USDA بهذه المعالجة منذ أمد بعيد. تعالج البهارات بالإشعاع منذ أكثر من عشرين سنة. الإشعاع مفيد لنا ، ولو كان أكثر شيوعاً لقلت معاناتنا من حالات التسمم الغذائي ولحصلنا على خضار وفاكهة تحتفظ بغضارتها لأسابيع عديدة. إلا أن الذعر منعنا من المضي قدماً.
أخبرت جماعة الطعام والماء الناس أن AMA ومنظمة الصحة العالمية لم توافقا على الإشعاع. إلا أن ذلك كان كذباً. كلتا المنظمتين وافقت على الإشعاع واعلمتانا أن للإشعاع دوراً مهماً كعامل بسترة.
لقد قابل الناس أيضاً البسترة بالكثير من الشكوك في البداية. اكتشف لويس باستور أن تسخين الحليب بقضي على البكتريا إلا أن النقاد اتهموا البسترة بأنها تغير طبيعة الحليب وخواصه لا بل تلوثه. حالياً تروج صناعة الألبان في الولايات المتحدة الأمريكية لاستهلاك الحليب النيء بدلاً من المبستر. لكن العلماء والخبراء في الطب المواظبين تمكنوا من جعل البسترة عملية أساسية. ويمكن للإشعاع أيضاً أن ينقذ حياة الأشخاص مثل البسترة إذا أزلنا الهلع من طريقهم.
بعد تأخير دام ثلاث سنوات سمح لمعمل فانديكاتير أن يفتح إلا أن الخوف من خطر الإشعاع منع فكرة هذا المعمل الجيدة من الانتشار في أرجاء أمريكا. واليوم تعالج بالإشعاع كمية زهيدة جداً من اللحم في أمريكا. صرحت CDC أنه لو عولج 50 بالمئة من كمية اللحم بالإشعاع لأمكن تجنب مئات من حالات الإنتانات البكترية ولأنقذت حياة 350 شخصاً كل سنة. 350 شخصاً؟ لماذا لا تصرخ وسائل الإعلام حول هذا الموضوع؟ لأن المراسلين الصحفيين وأعضاء الهيئة التشريعية يبحثون عن الخطر في الأماكن الخطأ.
يصدق الكثير من المراسلين الصحفيين الأشخاص المدافعين عن البيئة، فلا بد أن يكون شيء ما هو السبب في وباء السرطان. إن الإضافات الغامضة وغير الطبيعية لبيئتنا تصلح لأن تكون المتهم الرئيسي. لا شك أن الأمريكيين تعرضوا خلال الخمسين سنة الماضية إلى أشكال من الكيميائيات والتلوث الإشعاعي أكثر من أي وقت مضى «لا عجب من أن توجد حالات سرطانية أكثر من السابق». مهلاً لنخرج الرفش.
خرافة: التلوث الكيميائي هو السبب في وباء السرطان.
حقيقة: لا يوجد وباء سرطان.
ليس هناك ارتفاع في معدل حالات السرطان. إلا أنكم لن تعلموا ذلك من وسائل الإعلام. انخفض معدل الوفيات من جراء الإصابة بالسرطان تدريجياً خلال السنوات العشرة الأخيرة. قد تجيبون بأن العدد الأقل من الوفيات بالسرطان ينجم عن تحسين طرق معالجة هذا المرض. ولكن ألقوا النظر على معدل حالات السرطان. لقد ارتفع عدد حالات سرطان البروستات والثدي إلا أن هذه الزيادة ناجمة عن التشخيص المبكر. في الثمانينيات ازداد عدد الرجال الذين يجرون فحص PSA والنساء اللواتي يجرين فحص الثدي mammograms ازداد معدل الإصابة بسرطان الرئة عند النساء بسبب زيادة معدل النساء المدخنات أما معدل الإصابة بسرطان الجلد فلقد ازداد نتيجة لهوس بعض المجانين بأخذ حمامات الشمس ولكن على وجه العموم لم يرتفع معدل الإصابة بالسرطان بل انخفض معدل الإصابة بسرطانات معينة مثل سرطان المعدة، وسرطان المثانة السرطان الكولوني الشرجي.
من الكتاب السنوي لمعدلات السرطان من معهد السرطان الوطني عام 2005
نحن نظن أن هناك وباء سرطانياً لأننا نسمع باستمرار قصصاً عن الإصابة بالسرطان السرطان مرض خاص بالفئات المسنة من الشعب ولحسن الحظ يعمر اليوم عدد أكبر من الناس ليصابوا بالسرطان والكلام على السرطان اليوم أمر مقبول وشائع أما فيما مضى كان المصاب بالسرطان يلتزم الكتمان والصمت.
والسبب الآخر الحقيقي في اعتقادنا بوجود وباء سرطاني هو أن وسائل الإعلام تثير الشكوك دوماً حول المواد الكيميائية وخطورتها .
تظهر قصة كل أسبوع حول احتمال خطر مادة ما. يذعن المراسلون الصحفيون القصص الناشطين في هذا المجال: عندما كنت أعمل مراسلاً صحفياً تلقيت أمراً بأن أحذر من مخاطر صبغات الشعر التنظيف الجاف، العلكة، السكارين السيكلامات محلي نترا سويت النتريت، صباغ أحمر رقم 2 البطانيات الكهربائية، لافتات البوابات التلفازية في المطار، حشوات الأسنان الهواتف الخلوية، رقائق البطاطا ( الشيبس) ، سلمون المزارع التفلون مضادات العرق، وحتى لعبة البط المطاطية.
لقد رفضت تغطية معظم هذه القصص وأسأل نفسي اليوم إن كانت خطورة هذه الأشياء حقيقية فأين هي الجثث اليوم؟ لو أن عشر الأمور التي اقترحها المراسلون كان حقيقياً لكان هناك اليوم موت جماعي العكس هو الصحيح: رغم التعرض للإشعاع وكل تلك المواد الكيميائية السيئة يعيش الأمريكيون اليوم لمدة أطول من أي وقت مضى.
إن جنون وسائل الإعلام أمر خيالي لكن الذعر حقيقي ومعد وقد يميت أحياناً.
خرافة: يسبب DDT جميع أنواع السرطانات وهو يبيد تقريباً كل طير في المعمورة.
حقيقة: ينقد DDT الحياة.
سوف تقتل الملاريا ألف طفل قبل أن تنتهي أنت من قراءة هذا الكتاب. إن الـ DDT الكيميائي هو في لب المشكلة - لا استعمال الـ DDT بل الإخفاق في استعماله. بسبب هستريا وسائل الإعلام. في أوغندا وحدها قال وزير الصحة جيم موهويزي نحن نفقد بين مليونين إلى ثلاثة ملايين من الناس كل سنة، فكر في ذلك تموت الملايين لأن وسائل الإعلام ترتكب أخطاء.
ربما تقول: «عم يتكلم هذا الشخص؟ إن الـ DDT مخيف ولكنه ليس كذلك. إن DDT يمكن أن يكون جيداً أكثر منه مؤذياً لكنك لا تعلم ذلك لأن بعض الناس بمن فيهم المراسلين الصحفيين يهابون DDT .
إليكم ما حدث قبل خمسين عاماً نشر الأمريكيون استعمال DDT في كل مكان. استعمله المزارعون لطرد الحشرات واستعمله موظفو الهيئات الصحية المحاربة البعوض الذي ينقل الملاريا. لم يقلق أحد أنذاك بشأن المواد الكيميائية. لقد أصبت بصدمة حين شاهدت أفلام الفيديو القديمة التي عرضها مخرج برنامجي: كان الناس يجلسون في النزهات ويأكلون ثم تأتي الشاحنات وترش أثناء ذلك سحباً من DDT على رؤؤسهم. وفي الواقع حين كانت الشاحنات تأتي للرش كان بعض الناس يسرعون نحوها - كما لو كانت حافلات المثلجات - كانوا سعيدين جداً أن يباد البعوض. لقد رشت أطنان من DDT على الطعام والناس. وبالرغم من هذا الإفراط في استعماله لم يحصل اشتداد عارم في انتشار مرض السرطان أو أي آفة أخرى تصيب البشر.
لم يجد العلماء دليلاً على أن رش DDT يؤذي الناس بشكل خطير. لقد سبب بعض الأذى مثل ترقق قشر بيوض بعض العصافير.
عام 1962 نشر كتاب راشيل كارسون بعنوان الربيع الصامت Spring Silent فكرة خطورة DDT وعزز الخوف في النفوس من المواد الكيميائية. إلا أن التأكد من حقيقة هذه الشكوك ضاع بين وسائل الإعلام التي كانت تغذي الهلع الذي تبع ذلك. وغدا DDT القاتل الكيميائي، وانطلقت الصحافة في حملة ذعر أخرى.
ثبت في النهاية أن DDT في حد ذاته لم يكن هو المشكلة - كانت المشكلة أنه كان يرش بكثرة. وهذا ينطبق على جميع المواد الكيميائية. إذاً معرفة الجرعة المناسبة هي أمر أساسي. فنحن مثلاً نحتاج إلى الماء إلا أن ستة أقدام منه ستقتلنا.
كنا في الخمسينيات نرش DDT بدون تمييز. ولكن كمية زهيدة منه فقط تمنع انتشار الملاريا. وإذا رش على الجدران في كوخ أفريقي فإنه يبعد البعوض في الخليج نصف سنة وهذا يجعل منه مكافحاً ممتازاً للملاريا. ولكن الآن نادراً ما يستعمل DDT المكافحتة الملاريا لأن صورته الشيطانية التي رسمها البيئيون تسبب نفور الناس منه.
أحبط ذلك الدكتور أمير أتاران الذي كان يبحث هذا الموضوع في جامعة هر فارد يقول: «إذا كانت المادة كيميائية فلا بد أنها مخيفة. هذا أمر رائع للمدافعين عن البيئة الأغنياء البيض. ولكنه ليس أمراً رائعاً بالنسبة لطفل أسود فقير على وشك أن يفقد حياته من مرض الملاريا. لقد سألنا وزير الصحة الأوغندي بغضب: «كم عدد الأشخاص يريدوننا أن نفقد قبل أن نستعمل DDT؟»
سؤال جيد.
صرفت حكومة الولايات المتحدة دولارات ضرائبكم محاولة أن تكافح مرض الملاريا. ولكنها لم تصرف بنساً واحداً على DDT النقود تذهب على أمور مثل ناموسيات البعوض فوق الأسرة ( على حين لا يمتلك كل شخص في أفريقية سريراً).
والمكتب المسؤول عن توزيع تلك المساعدات، وهو وكالة التنمية الدولية، يقر بأن استعمال DDT أمين.
ذهبت إلى وزارة الخارجية لأجري مقابلة مع موظف US Aid المسؤول عن الصحة العالمية. أنكرت الموظفة بوجهها الحصيف الخالي من أي تعبير أن تكون سياستهم في عدم تقديم تمويل DDT لها علاقة بسياسة الصحة البيئية». شعرت انني كنت أتحدث مع إنسان آلي.
د. آن بیترسون: أنا أنصح أولئك الذين يريدون استعمال DDT من أجل الرش داخل المنازل أن بوسعهم فعل ذلك لا بل عليهم فعل ذلك، إنه بلا ريب أقل أذى من الموت والتعرض للملاريا.
ستوسل: ولكن ما كنتم لتدفعوا مالاً من أجل ذلك؟
د. آن بيترسون: حالياً لا ندفع من أجل ذلك.
ستوسل: هذا مفجع ملايين من الناس يموتون وأنتم كي تساندوا التيار السياسي السائد في حماية البيئة تقولون: لا نريد أن ندفع من أجل DDT.
د. آن بیترسون: أعتقد أن الاستراتيجيات التي نستعملها مجدية بقدر جدوى رش الـ DDT ونحن ننفذ هذه الاستراتيجيات بما أمكننا من السرعة، سواء كنا مع التيار السياسي السائد أم لا ، تملؤني الثقة بأن ما نفعله هو النهج الصحيح الصائب.
النهج الصحيح للدكتور أتاران منظور أفضل:« إن كان علي أن أصف ما تصنعه US Aid في مجال الملاريا لكنت أدعو ذلك ممارسة طبية سيئة بل قد أسميها ممارسة قاتلة».
بعد مقابلتي للدكتورة بيترسون قالت الـ US Aid إنها تعيد النظر في سياستها وإنها قد تدعم رش مبيد DDT.
سوف نرى. أما الآن فإن الملايين تموت ريثما تتردد الـ US.
كانت الوكالة تستجيب لهستريا وسائل الإعلام وحسب. فهستريا وسائل الإعلام هي التي تدفع السياسيين لاقتراف الأخطاء. وفي هذه الحالة كانت نتيجة ما فعلت وسائل الإعلام من خطأ هي موت الملايين.
تشوه وسائل الإعلام أيضاً السمعة الطيبة وخاصة عندما يتعلق الأمر بالمواضيع المثيرة وذهنية الدهماء، عندها تعالج الموضوعات الجدية، التي تستحق فحصاً دقيقاً. بنوع من الصحافة السطحية التي تغش القراء والمشاهدين وتقضي على حياة البعض. في المثال الآتي سترون كيف أصبح أطفال أبرياء دمى متحركة جاهلة.
خرافة: «لقد تحرش بي أستاذي لا يمكن للأطفال أن يختلقوا أكاذيب كهذه».
حقيقة: بل يمكنهم ذلك.
هذا الخوف الشائع الذي تبثه وسائل الإعلام أدى إلى سجن العديد من الأشخاص. الكثيرون منهم كانوا بريئين من أي جريمة، إلا أن المحكمة والرأي العام أداناهم. كان شهود الادعاء من الأطفال الذين أدلوا بشهادات الأحداث شنيعة - أحداث لم تجر في الواقع في معظم الأحيان. ولكن عندما تسير عجلة وسائل الإعلام بسرعة فإنها تدهس العديد من الناس.
خرافة: يؤذي الطلاق النساء أكثر من الرجال. والكثير من الرجال يتخلون عن أولادهم.
حقيقة: يتعذب الرجال والنساء على حد سواء في الطلاق والكثير من الرجال يقدمون أشياء لأولادهم أكثر مما تقدم النساء.
تستهدف وسائل الإعلام النيل من الرجال ( حتى الرجال الذين يعملون في وسائل الإعلام يقومون بذلك لأسباب نفسية منها الشعور بالذنب وأسباب أخرى يجدر بي تركها للدكتور فيل).
ينشر الخبراء إحصائيات تزيد من تشويه صورة الرجال وينصت إليهم المراسلون الصحفيون لقد سمعت لمدة سنوات عن الآباء الخاملين البخلاء الذين ينعمون بمسرات الحياة بينما تشقى مطلقاتهم وأولادهم من أجل لقمة العيش. إنها قصة متكررة تعيد وسائل الإعلام بثها بشكل دوري منتظم. إنها أيضاً افتراء جماعي.
عام 1985 نشرت عالمة الاجتماع في هارفرد لنور وايتزمان بيانات وضحت فيها أن الرجال ينتعشون بعد الطلاق بينما يتعذب الأولاد والنساء كثيراً. بدا تقرير وايتزمان شائقاً: ارتفع مستوى معيشة الرجال بنسبة 42% بعد الطلاق بينما انخفض مستوى معيشة النساء بنسبة 73%. وابتهجت وسائل الإعلام لهذه الأخبار وضجت لنقلها. ولم تنشر هذه الأرقام في قصص الأخبار وحسب وإنما في 348 مقالاً في مجلات العلوم الاجتماعية و 250 مقابلة مع المحامين و 24 محكمة استئناف.
وفي نفس الوقت نشر موظفون حكوميون تقارير أشارت إلى أن نصف الآباء المطلقين في أمريكا لا يدفعون نفقات إعالة أطفالهم القانونية.
بث طاقم الأخبار المسائية وكذلك الصحف هذين البيانين دون تفرقة. توافق هذه القصة ميل وسائل الإعلام الدائم إلى الظهور بمظهر منقذي الضحية». ولكن لنتمهل ونخرج الرفش لننقب عن الحقيقة لا تستحق هذه القصص الوقت الذي أهدر لبثها ولا تستحق أن تحتل العناوين الرئيسية أظهر بعض التنقيب نفاق هذه القصص.
إلا أن التنقيب لم يتم بوساطة وسائل الإعلام. بل حدث ذلك عندما عزم عالم النفس سانفورد برافر من جامعة ولاية أريزونا على فحص أسباب تلك البيانات المفاجئة. لماذا يتصرف الآباء بعدم مسؤولية؟ كيف يمكن لأب أن يتخلى عن طفله؟ فوجئ برافر عندما وجد أن النسب التي توصلت إليها وايتزمان كانت خاطئة. وكان الخطاً حسابياً. وأقرت وايتزمان بخطئها. قالت: إن الشخص المسؤول عن تحليل بيانات الحاسوب هو الذي أخطأ - إلا أن هذا الخطأ انتشر في العالم أجمع. أجرى برافر دراسة شملت أربع مئة طلاق وقلبت نتائج دراسته المفاهيم السائدة وقصص وسائل الإعلام رأساً على عقب. لم تكن نسبة 42% تحسن عند الرجال و 73% تنكس عند النساء صحيحة أبداً . قال لقد أوضحت دراستنا أن النساء والرجال يعيشون بعد الطلاق بحالة متشابهة.
وجد برافر أيضاً أن التقارير الحكومية حول نفقات إعالة الأطفال كانت خاطئة أيضاً إذ إن البيانات شملت أسئلة الوصي عن الأطفال فقط. وكان الوصي في معظم الأحيان امرأة. قال لي برافر كل ما عرفناه عن الآباء غير الأوصياء تعلمناه من الأمهات الوصيات.. هل كذبت بعض المطلقات؟ ربما إلا أننا لن نعرف ذلك لأن الموظفين الحكوميين الذين أنجزوا هذا التقرير لم يكلفوا أنفسهم عناء سؤال الآباء.
بعد محادثتي مع برافر ذهبت إلى واشنطن للقاء دان واينبرغ وهو الرجل الذي جمع البيانات. كما هي الحال دائماً في واشنطن شعرت أنني في عالم آخر تماماً :
ستوسل : إذا سأل الموظفون ما مقدار النقود التي يجب أن تتلقيها هذه السنة والمطلقة تذكرت...
دان واينبرغ: نعم.
ستوسل: أنا لا أستطيع أن أصدق ما تقوله هذه النساء فمعظمهن غاضبات غالباً ولن يعطينني إجابة صادقة.
دان واينبرغ: في الواقع قد يساعدهن الغضب في تذكر كمية النقود التي كان يجب أن يتلقينها .
ستوسل: لم لم تذهب إلى الرجل وتسأله إذا كان ذلك صحيحاً؟
دان واينبرغ: لأننا بذلك نخذل ثقة الأم الوصية.
ستوسل: ألا توجد طريقة أخرى للتأكد؟
دان واينبرغ: لا، لا نتأكد من أي شيء يقلنه.
ستوسل: لكن ألا يكذبن من شدة غضبهن على الرجال؟ دان واينبرغ معظم الناس صادقون.
روح الصدق التي نشرها جورج واشنطن ما زالت حية في منطقة نهر البوتوماك. وأنا أيضاً لا أستطيع أن أكذب بل سأقول لكم الحقيقة تشوه وسائل الإعلام المواضيع المتعلقة بالوصاية أو بنفقات إعالة الأولاد وتقلل من شأنها ، وتعزز بذلك خرافة أن الآباء لا يأبهون لرؤية أولادهم بعد الطلاق كما تعزز صورة الآباء الهاربين» التي طالما احتلت العناوين الرئيسة.
هناك العديد من الرجال الذين يستحقون ما تنعتهم به وسائل الإعلام، إلا أن دراسة برافر أوضحت أن معظم الآباء المطلقين يحاولون جهدهم لقاء أولادهم. قال لي برافر إنه في حالات كثيرة منع الآباء من لقاء أطفالهم وقالت الأم بكل بساطة كلا لا يمكنك رؤية ولدك.
لقد سجلنا على الفيديو أحد المشاهد التي تجرح الفؤاد. ذهب أب مطلق لرؤية أولاده الخمسة ظاناً أنه سيمضي كل النهار معهم إذ سمح له بفعل ذلك بأمر من المحكمة، كما أمرت المحكمة الأم بتشجيع أولادها على تمضية الوقت مع أبيهم. إلا أنه من الواضح أن الأم كانت قد غسلت أدمغة أطفالها وقلبتهم ضده. وقف الأب أمام منزل مطلقته وتوسل إلى أطفاله ألا تودون الذهاب معي اليوم؟» «لا» قال الأطفال الواحد تلو الآخر ثم أمرت الأم أطفالها بالدخول إلى المنزل فوراً.
وظهرت الأم في الشريط المسجل راضية مقتنعة بينما بدا الأب يائساً حزيناً. إلا أنك لا ترى هذه الصورة في وسائل الإعلام بل تصور وسائل الإعلام بشكل آلي الآباء المطلقين كأنهم وحوش والأمهات المطلقات بطلات العديد من الأمهات من فعلاً بطلات ولكن هناك أبطال من الرجال أيضاً وهل توجد أمهات وحوش أعوذ بالله. ذلك لا يلائم قانون الضحايا في وسائل الإعلام.
خرافة: المدارس عنيفة.
حقيقة: المدارس آمنة غالباً.
تحب وسائل الإعلام الجرائم والعنف. اختر قناة ما في التلفاز وشاهد الأخبار إنك سترى أن الرعب مستفحل في الحياة اليوم أكثر من أي وقت مضى، تجري حوادث شنيعة والكل يعلم أن هذه الحوادث تزداد كل يوم. ولكن يجدر التنقيب في صحة هذه الحوادث. تخفي الصور المدماة والطبعة المثيرة من الصحيفة الحقيقة الواقعية أمريكا أكثر أمناً من أي بلد في تاريخ الإنسانية.
في التسعينيات أثارت حوادث إطلاق النار في المدارس في مناطق كولومبين وجونسير وبادوكا موجة قصص منتظمة تدور حول انتشار العنف في المدارس». إلا أن العنف في المدارس الأمريكية ينخفض بشكل منتظم مع الوقت لقد انخفضت نسبة الجرائم إلى النصف ما بين 1992 و 2002 إلا أن التقارير عن العنف في المدارس ازدادت.
لقد كانت حوادث إطلاق النار هذه مخيفة. إلا أنه في الحقيقة يموت عدد أكبر من الأمريكيين من الإصابة بالصاعقة وليس من العنف في المدارس. وعدد أكبر من الأطفال يقضون نحبهم في أحواض الاستحمام. إلا أن وسائل الإعلام أصبحت مهووسة بالعنف في المدارس. بعد حادثة كولومبيا بثت شبكة الإعلام التي أعمل بها 383 قصة عن تلك المأساة، وأنذر سام دونالدسون الآباء القلقين بأن العديد من المراهقين الغاضبين سيثورون في ولايات أخرى. دعى مراسل الأخبار في CBS بوب ماكنامارا إطلاق النار في المدارس الكابوس الأمريكي الذي تعرفه جيداً العديد من المدارس.
إلا أنه لم يكن كابوساً تعرفه المدارس جيداً في الواقع الطلاب في المدارس هم أكثر أمناً فيها منهم في المنازل أو في المخازن التجارية. أظهرت الإحصائيات حول الجرائم أن خطر تعرض الأولاد للعنف يتضاعف عندما يكونون بعيدين عن المدرسة.
شجع جنون وسائل الإعلام مديري المدارس على فعل أمور جنونية كلفت آلاف الدولارات مثل وضع الكاميرات وتعيين ضباط الشرطة الحراسة الأبواب. ودب الذعر في قلوب الطلاب في بعض المدارس عندما تم تفتيشهم بشدة إذ اقتحم رجال الشرطة الصفوف وأمروا الطلاب بالجثو على الأرض. فماذا كانت النتيجة؟ شعر الطلاب بالقلق من انعدام الأمان أكثر من ذي قبل. مع أن العنف انخفض إلا أن خوف الطلاب اشتد كما أوضحت الدراسات. قال الدكتور فرانك فارلي الرئيس السابق لجمعية علم النفس الأمريكية: لن يستطيعوا التعلم في مثل هذه الظروف.
قال لي الدكتور فارلي: إذا سمعت وسائل الإعلام فستؤمن بما قاله تشيكن ليتل السماء ستقع على الأرض حتماً. أمريكا تمر بمرحلة ضيق شديد والمدارس في حالة فوضى ويسري فيها العنف. لكن المدارس ليست عنيفة أنا لا أعلم لماذا كل هذه التغطية الصحفية لعل السبب الرئيسي هو الركض خلف قصة شائقة جديدة».
هذا كل ما هنالك، يجب إطعام وحش وسائل الإعلام الهلع يزيد من تداول الصحف كما يزيد من شعبية البرامج.
خرافة: جنون القيادة وباء.
حقيقة: لا ليس وباء.
لا نعلم من اخترع عبارة «جنون القيادة Road Rage ولكن يجدر بذلك الشخص الإجابة عن العديد من الأسئلة. ويجب توجيه معظم الأسئلة إلى وسائل الإعلام . في عام 1997 أصدرت جمعية المواصلات الأمريكية مؤسسة سلامة الطرقات أصدرت تقريراً حول القيادة العدوانية وقالت صحيفة نيوزويك نحن نسوق طريقنا نحو الهلاك. قال ستون فيليبس من NBC إننا نواجه مشكلة أكبر من كل ما مضى وقالت زميلتي في ال ABC بربارة والتر هذا التيار مخيف.
واحتار آخرون في هذه الأمور إذ لم يروا ما قالته وسائل الإعلام صحيحاً. وقال لي روبرت ريختر من مركز العلاقات العامة ووسائل الإعلام في جامعة جورج ماسون وهو المركز المتخصص بدراسات عن التغطية الإعلامية لو كان جنون القيادة يسير نحو التزايد لرأينا زيادة في عدد الموتى من حوادث السير ولكانت هناك تقارير أكثر عن القيادة الجنونية. إلا أن هذه الأمور في تناقص مستمر».
ستيفاني فاول : هذا ما تدل عليه تقاريرنا ، هذا كل ما أستطيع قوله لك، لقد شاهدنا زيادة في تقارير الحوادث.
ستوسل: تقارير في الصحف؟
ستيفاني فاول: نعم تقارير في الصحف
ستوسل: لعل عبارة «جنون القيادة راقت للمراسلين الصحفيين فطفقوا يرددونها دائماً.
ستيفاني فاول: حسناً لقد راقتهم أيضاً فكرة موت عنيف يتسبب به غرباء. إنه أمر شائع جداً في تقارير الأخبار.
ستوسل: مستشهداً بما جاء في الصحف لقد وصل الحد إلى درجة وباء المشكلة أكبر بكثير من قبل هل الدراسات واقعية؟
ستيفاني فاول: نعم ولا.
ستوسل: «وباء مهمل».
ستيفاني فاول: نعم أنت محق هذه مبالغة بعض الشيء.
ستوسل: نفهم من التقارير أن هناك خطراً كبيراً على الطرقات
ستيفاني فاول: نعم لأن ذلك يكثر مبيعات الصحف بالطبع. أنت تعمل في وسائل الإعلام فلا بد أنك تعرف أنك إذا نشرت في الناس الحماسة حول موضوع ما فإن هذا الموضوع يصبح شائقاً.
حسناً لننقب بعض الشيء ونتأمل هذا المنطق الساري بنيت التقارير على قصص وسائل الإعلام حول القيادة العدوانية. نحن العاملين في وسائل الإعلام أحببنا عبارة جنون القيادة كثيراً فأكثرنا من إظهار حوادث عنها.
اقترح روبرت ليشتر أن ما حدث بدأ على هذا النحو: «منذ سنوات والناس يصرخون بعضهم على بعض في سياراتهم ويومئون بغضب لا بل يخرجون من السيارة. ثم وجد الصحفيون العبارة المناسبة لتلك التصرفات. كنا في السنة الماضية نعود إلى المنزل ونقول : لقد صرخ علي أحدهم من سيارته، أما هذه السنة فنقول: لقد كنت ضحية جنون القيادة.
ثم تكتب جمعية AAA تقريراً حول هذه الحالات ويحتل العناوين الرئيسية! لقد جنت وسائل الإعلام تماماً.
ما إن وجدت وسائل الإعلام عبارة مناسبة حتى غدا جنون القيادة وباء.
