القائمة الرئيسية

توقعات المهارات لدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 2025: بناء مهارات القرن الحادي والعشرين للجميع (4/1)

توقعات المهارات لدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 2025: بناء مهارات القرن الحادي والعشرين للجميع (4/1)
ملخص الدراسة

يستعرض الفصل كيفية توسيع الفرص من خلال الاستثمار في مهارات القرن الحادي والعشرين، في ظل تأثير الأزمات الجيوسياسية وتغير المناخ والتحولات الديموغرافية والتطور التكنولوجي المتسارع في سوق العمل والمهارات. ويؤكد أن الفوارق في المهارات تتأثر بعوامل اجتماعية وديموغرافية خارجة عن سيطرة الأفراد، مثل النوع الاجتماعي وتعليم الوالدين والخلفية الاجتماعية والاقتصادية والهجرة ومكان النشأة، مما قد يؤدي إلى نقص المهارات وتراجع الإنتاجية والنمو. ويحدد التقرير مهارات أساسية تشمل القرائية والحساب وحل المشكلات التكيفي، إلى جانب الاستعداد لتأجيل الإشباع والمهارات الاجتماعية والعاطفية، مع تزايد أهمية هذه المهارات في مواجهة التحولات التكنولوجية والاقتصادية. كما يوضح أن التحول الأخضر والذكاء الاصطناعي والتغيرات الديموغرافية ستعيد تشكيل الطلب على المهارات، مما يجعل رفع المهارات وإعادة التأهيل والتعلم مدى الحياة أموراً ضرورية. ولتقليص الفوارق، يدعو الفصل إلى حوكمة مرنة قائمة على البيانات، والاستثمار في التعليم والرعاية عالية الجودة منذ الطفولة، وتوسيع فرص التعليم والتدريب المهني وتعلم الكبار، وتعزيز التوجيه المهني والتوظيف القائم على المهارات، مع التركيز على الفئات المحرومة، بما يضمن تكافؤ الفرص ويعزز الإنتاجية والابتكار والحراك الاجتماعي والقدرة على التكيف مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.

الفصل الأول: توسيع الفرص عبر الاستثمار في مهارات القرن الحادي والعشرين

يُعاد تشكيل القرن الحادي والعشرين بفعل أزمات واتجاهات كبرى، من بينها الجوائح وعدم الاستقرار الجيوسياسي وتغير المناخ والتحولات الديموغرافية والابتكار التكنولوجي المتسارع. وتولّد هذه القوى حالة من عدم اليقين وتغيّر الطلب على المهارات، فتوسّع الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والإقليمية القائمة في الوصول إلى الفرص. ويحدد هذا الفصل مجموعة المهارات اللازمة للازدهار في أسواق العمل في القرن الحادي والعشرين، ويسلط الضوء على أهمية تقليص الفوارق في تنمية المهارات. فالعوامل الخارجة عن سيطرة الأفراد، كالنوع الاجتماعي ووضع الهجرة والخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والسكنية، تترك أثراً كبيراً في اكتساب المهارات وفي العوائد المتحققة منها. وقد تفاقم هذه العوامل نقص المهارات، فتقيّد فرص النمو الاقتصادي وربما تؤجج التوترات الاجتماعية. وفي الوقت ذاته، تُضيّق التغيرات السريعة في التكنولوجيا والاقتصادات والمجتمعات النافذة الزمنية المتاحة لتكييف السياسات. ويبيّن هذا الفصل كيف يمكن للاستجابات المرنة في سياسات التعلم مدى الحياة، حين تكون قائمة على الأدلة وتشرك أصحاب المصلحة وتأتي في الوقت المناسب وتستجيب لتحديات القرن الحادي والعشرين، أن تحوّل ما يبدو قيوداً إلى فرص تتيح للأفراد الازدهار.

موجز الفصل

تتطلب تحديات القرن الحادي والعشرين حلولاً سياسية تأتي في وقتها ويمكن تكييفها للاستجابة لظروف سريعة التطور. ويتمثل أحد الأهداف المحورية في تقليص الفوارق في المهارات الناجمة عن ظروف خارجة عن إرادة الأفراد، كالنوع الاجتماعي والمستوى التعليمي للوالدين ومهنتهما والخلفية المهاجرة والعمر وسياق السكن في الطفولة. فمعالجة هذه الفوارق تدعم النمو الاقتصادي والابتكار والتوزيع الأكثر عدلاً للمنافع. ويتطلب تحديد التدخلات السياسية اللازمة لتقليص الفوارق في المهارات أولاً رسم خريطة لتوزيع المهارات بين الأفراد ذوي الخصائص الاجتماعية والديموغرافية المختلفة، وتحديد العوامل المسببة لهذه الفوارق. ومن خلال تنفيذ المبادرات المفصلة في هذا التقرير، يستطيع صانعو السياسات أن يُحدثوا فرقاً ملموساً في حياة مواطنيهم عبر تقليص الفوارق في المهارات وفي العوائد المتحققة منها.

الحوكمة المرنة أمر جوهري. إذ يمكن لسياسات التعلم مدى الحياة أن تخفف من الفوارق بين المجموعات. وينبغي أن تكون هذه السياسات مرنة وقائمة على البيانات وتكرارية، بما يتيح إجراء تعديلات سريعة لمواكبة الظروف المتغيرة بسرعة استناداً إلى آليات متواصلة للرصد والتغذية الراجعة. وتعتمد النظم الفعالة على التعاون الاستراتيجي بين الحكومات الوطنية والمحلية والشركاء الاجتماعيين والمتعلمين.

ينبغي ترسيخ التعلم مدى الحياة ترسيخاً متيناً ضمن الاستراتيجيات الأوسع للتنمية الاقتصادية والابتكار. فأُطر التعلم مدى الحياة الفعالة تدمج التعليم في جميع مراحله، من الطفولة المبكرة مروراً بالتعليم الإلزامي والتعليم العالي ووصولاً إلى التدريب المستمر للكبار. ويؤدي التعاون بين الوزارات إلى مواءمة أهداف التعليم والتدريب مع استراتيجيات الحوكمة الأوسع، كتلك المتعلقة بالتحول الرقمي أو الصحة والرفاه أو الإدماج، مما يرفع الكفاءة ويحسّن نتائج البرامج والسياسات.

ينبغي الاستثمار في المبادرات التي تعزز الحراك التعليمي والمهني. وينبغي أن ينعكس التعاون مع أصحاب المصلحة في الاستثمارات الرامية إلى تعزيز الحراك التعليمي والمهني، كإتاحة مسارات تعليمية ميسّرة تدعم الانتقال الأفقي والرأسي بين التعليم والتدريب المهني والبرامج الأكاديمية ومبادرات رفع مهارات الكبار وإعادة تأهيلهم. ويساعد هذا النهج على الحفاظ على قدرة القوى العاملة على التكيف، ويضمن بقاء المعروض من المهارات متسقاً مع متطلبات سوق العمل المتغيرة.

من الضروري تقليص الفوارق المرتبطة بالخصائص الاجتماعية والديموغرافية منذ المراحل التعليمية الأولى. فالفوارق في المهارات تبدأ في التشكل مبكراً بفعل الاختلافات في الوصول إلى خدمات التعليم والرعاية في الطفولة المبكرة وجودتها، ثم تتسع آثارها على مهارات الأفراد بمرور الوقت. ومن شأن الاستثمار في نظم تعليم ورعاية للطفولة المبكرة عالية الجودة وشاملة ومتاحة للجميع، مقترنة بتدابير دعم موجهة، أن يحد من نشوء فجوات المهارات الناجمة عن ظروف خارجة عن إرادة الأفراد. كما أن دمج خدمات كالصحة والتغذية ودعم توظيف الوالدين ضمن برامج التعليم المبكر يزيد هذه التدخلات قوة، ولا سيما في المجتمعات المحرومة.

يجب أن توازن نظم التعليم الإلزامي بين التميز والإنصاف والملاءمة لسوق العمل. فينبغي أن تراعي صيغ التمويل الفوارق في المهارات، وأن تضمن المناهج الكفاءة الأكاديمية في المهارات الجوهرية للقرن الحادي والعشرين والمهارات الاجتماعية والعاطفية والجاهزية المهنية. وتساعد المبادرات التي تعزز التعليم الشامل الخالي من الصور النمطية، ولا سيما تلك المتعلقة بالنوع الاجتماعي والحراك الاجتماعي، على الحد من الفصل المهني وتحسين نتائج التوظيف على المدى الطويل.

يجب أن توازن برامج تدريب الكبار بين إتاحة الوصول والجودة والملاءمة لسوق العمل. إذ يواجه البالغون العاملون أو من يتحملون مسؤوليات رعاية قيوداً كبيرة على الوقت والمال تحول دون التحاقهم بالتدريب، مما يخلق عوائق أمام الإقبال عليه ويفاقمها. وكثيراً ما تميل نظم تعليم الكبار القائمة إلى محاباة من يتمتعون أصلاً بميزة التحصيل التعليمي السابق، فتفاقم بذلك انقسامات المهارات. ومن الضروري ضمان الجودة والملاءمة من خلال عمليات اعتماد صارمة وآليات تمويل موجهة نحو النتائج وأطر متينة لمساءلة مقدمي الخدمات. كما ينبغي إعطاء الأولوية للدعم الموجه للفئات المحرومة من الخدمات، بمن فيهم كبار السن والمهاجرون والأفراد ذوو المهارات المنخفضة أو المستوى المتدني من التعليم النظامي.

يمكن أن يكون التوجيه المهني طريقاً مهماً نحو فرص ونتائج أفضل للأفراد، وأن يسهم في الوقت ذاته في سد النقص المتزايد في المهارات والأيدي العاملة. وينبغي توسيع التوجيه المهني الشامل الخالي من التحيز، بما في ذلك المعلومات والإرشاد، وتحديثه لسد فجوات المعلومات ومعالجة الصور النمطية الراسخة. ويمكن تعزيز قدرات الإرشاد المهني، ولا سيما في المدارس المحرومة وخدمات التوظيف العامة، عبر استخدام خدمات دعم رقمية ومخصصة توجّه الناس نحو التدريب وتيسّر دخولهم سوق العمل.

يمكن لنهج "المهارات أولاً" في أسواق العمل أن يساعد على تقليص نقص المهارات وتعزيز الإدماج. إذ تستطيع الحكومات أن تكون قدوة، بأن تدمج مثلاً أساليب التوظيف القائمة على المهارات في ممارسات التعيين في القطاع العام. كما تستطيع تشجيع أصحاب العمل على تبني نماذج التوظيف القائمة على المهارات عبر الحوافز. وينبغي تطوير أطر موحدة لتقييم المهارات والاعتراف بها وقابلية نقل الشهادات لضمان الشفافية وتيسير التنقل الوظيفي. ويمكن لممارسات إدارة المواهب القائمة على المهارات أولاً داخل المنشآت، مقترنة بسياسات تدريب الكبار، أن تعزز التعلم مدى الحياة والأهداف السياسية الأوسع المتعلقة بالابتكار ومعالجة نقص الأيدي العاملة.

الصدمات والتحولات والمشهد المتطور للمهارات في القرن الحادي والعشرين

تميز الربع الأول من القرن الحادي والعشرين بسلسلة من الأزمات الحادة، منها الجوائح العالمية والصراعات الجيوسياسية والاضطرابات الاقتصادية، وبتحولات منهجية طويلة الأمد يُشار إليها غالباً بالاتجاهات الكبرى، كتغير المناخ والتحولات الديموغرافية والابتكارات الرقمية. ويخلق التفاعل بين هذه الأزمات والاتجاهات الكبرى تحديات معقدة أمام تنمية المهارات، إذ تضخّم الاضطرابات المفاجئة الفوارق القائمة، بينما تعيد التغيرات الهيكلية تعريف الطلب على المهارات وتغيّر سوق العمل.

فعلى سبيل المثال، ورغم أن التقدم التكنولوجي قادر على دفع النمو الاقتصادي، فإنه قد يفاقم أيضاً الفوارق في الدخل وفي فرص سوق العمل، إذ يعني التفاوت في الوصول إلى الأدوات الرقمية وفرص التعليم أن بعض الأفراد سيكونون أقل قدرة على رفع إنتاجيتهم باستخدام التكنولوجيا. وقد تنشأ الفوارق كذلك من اختلاف مدى ملاءمة التكنولوجيا لتعزيز إنتاجية العمل البشري في بعض القطاعات والمهن دون غيرها، مما يؤدي إلى أنماط متباعدة في الفرص الاقتصادية وفرص سوق العمل المتاحة للعاملين. أما تغير المناخ وسياسات التخفيف من آثاره فيزيدان الطلب على مهارات معينة ويقللان الطلب على مهارات أخرى، كما أن التحولات اللازمة لبلوغ أهداف الحياد الكربوني تخلق فرصاً للابتكار وخلق الوظائف والتقدم الاجتماعي. غير أن تغير المناخ ينطوي أيضاً على خطر تعميق الفوارق الإقليمية، إذ كثيراً ما تتحمل المناطق ذات الدخل المنخفض أعباء بيئية غير متناسبة وتفتقر إلى الموارد اللازمة للتكيف الفعال. وتزيد التحولات الديموغرافية، ولا سيما شيخوخة السكان في البلدان مرتفعة الدخل، من الضغوط على أسواق العمل، مما يؤكد الحاجة الملحة إلى سياسات تعالج فجوات المهارات الناشئة. ومن الضروري فهم هذه القوى وعلاقاتها المتبادلة وأثرها في الطلب على المهارات لتصميم سياسات مهارات تستجيب للمتطلبات المتطورة لاقتصادات القرن الحادي والعشرين. فالاستجابة الفعالة لهذه التحديات كفيلة بتقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية في فرص الحياة بين الدول وداخلها.

بيد أن سرعة التغيرات تُضيّق النافذة المتاحة لتكييف السياسات، وتضغط على دورات الحوكمة التقليدية. ففي الواقع العملي، تجد نظم التعليم والتدريب، التي كثيراً ما تحدد المناهج وأطر المؤهلات واتفاقيات التمويل قبل سنوات عدة، صعوبة في إعادة تصميم البرامج ورفع مهارات المدربين وتوسيع نطاق التنفيذ بالسرعة الكافية لتلبية متطلبات المهارات الناشئة حديثاً. وتواجه خدمات التوظيف والاستراتيجيات الصناعية وأدوات الحماية الاجتماعية تحديات مماثلة؛ فعليها أن تعالج معلومات سوق العمل وتواءم الحوافز وتنشر الموارد بسرعة، لكنها كثيراً ما تعتمد على بيانات وهياكل صنع قرار غير مهيأة لاتخاذ القرارات السريعة وتغيير أنماط تقديم الخدمات. ويهدد عدم التزامن هذا بخلق نقص في المهارات وتقليص إمكانات النمو الاقتصادي وخفض العائد على الاستثمارات العامة والخاصة. وإذا أريد لسياسات المهارات أن تواكب التغيرات الاقتصادية والمجتمعية السريعة في القرن الحادي والعشرين، فلا بد من تطوير هياكل سياسات أكثر مرونة، تستند إلى بيانات آنية وتقييم تكراري وتعاون وثيق بين الحكومة وأصحاب العمل والشركاء الاجتماعيين ومقدمي التدريب.

تزايد عدم اليقين حول العالم

تخلّف الأزمات آثاراً مباشرة وغير مباشرة في الاقتصادات والمجتمعات، إذ تعطل الأنشطة اليومية وتقوّض استقرار الأطر المؤسسية. وهي تجبر الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين على إدراك احتمال وقوع الاضطرابات، فتولّد بذلك حالة من عدم اليقين. ويبدو أن الإحساس بعدم اليقين في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين أعلى وأكثر تقلباً مما كان عليه في العقود الأخيرة من القرن العشرين.

ويمكن النظر إلى تزايد وتيرة الأزمات، وما يصاحبها من تزايد عدم اليقين، بوصفه اتجاهاً كبيراً في حد ذاته. إذ يرى مؤرخون مثل آدم توز أن السياق العالمي يتشكل بفعل "أزمة متعددة" من التحديات المتداخلة والمتراكمة. ويعكس هذا المنظور حالة التقلب التي طبعت أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. غير أن آخرين يحذرون من النظر إلى الاضطراب الراهن على أنه دائم بصورة فريدة، ويرون أن فترات الاضطراب الحاد قد نشأت في الماضي من منظور تاريخي أطول، ولا تعني بالضرورة تحولاً دائماً. وبينما تتضح الآثار القصيرة الأجل للأزمات، تظل دلالتها البعيدة المدى بوصفها اتجاهاً مميزاً للقرن الحادي والعشرين غير مؤكدة.

وفي ظل أزمات مترابطة وعدم يقين واسع الانتشار، يزداد تصميم سياسات المهارات وتنفيذها تعقيداً. وفي الوقت ذاته، يمكن لتنامي الوعي العام بالمخاطر التي تشكلها مواطن الضعف المنهجية على الاقتصادات والمجتمعات أن يكون حافزاً لتحسين سياسات المهارات. فقد شهد القرن العشرون ترسيخ أولوية مهارات معالجة المعلومات، أي الحساب والقرائية وحل المشكلات التكيفي، على المستوى المجتمعي، مما دفع إلى تغييرات في كثير من النظم التعليمية التي عدّلت تدريسها لدعم تعزيز هذه المهارات. وقد يكون القرن الحادي والعشرون هو القرن الذي يحث المجتمعات على تبني تعريف أكثر شمولاً للمهارات الأساسية، تعريف يقدّر المواهب والإسهامات المتنوعة ويعترف بها، فيتحدى صانعي السياسات والمربين وأصحاب العمل لتطوير مقاربات مبتكرة لجهود أوسع في تنمية المهارات. ولذا، ورغم أن تزايد عدم اليقين ينطوي على مخاطر وقد يزيد الفوارق الاجتماعية، فإنه يتيح أيضاً فرصة للنهوض بسياسات مهارات تعود بالنفع على شريحة أوسع من البالغين.

التغيرات المجتمعية والديموغرافية

شهدت دول المنظمة على مدار القرن العشرين تحولات عميقة في ملامحها الديموغرافية. وكان من أبرز التطورات التوسع الملحوظ في الفرص التعليمية، الذي عاد بنفع خاص على النساء. وقد عكس هذا التحول وعياً متزايداً بالتعليم بوصفه محركاً حاسماً للنمو الاقتصادي والحراك الاجتماعي، ومهّد الطريق لمشاركة أكبر للمرأة في سوق العمل وصوت أقوى لها في صنع القرار السياسي وتمثيل أوسع في الحكومات.

وشهدت البنى الأسرية بدورها تحولات كبرى خلال هذه الفترة. فعلى سبيل المثال، مالت الأسر ذات الدخلين والمستوى التعليمي الأعلى إلى إنجاب عدد أقل من الأطفال مقارنة بالأجيال السابقة، وهو نمط ربطه الباحثون بتغير الأعراف الأسرية وتأخر سن الزواج وتحقيق النساء لتطلعاتهن المهنية. وتراجعت معدلات الخصوبة عموماً، بينما أسهم ارتفاع مستويات المعيشة والتقدم الطبي وتحسن الوصول إلى الرعاية الصحية في زيادة متوسط العمر المتوقع. وقد أعادت هذه التغيرات مجتمعة تشكيل تركيب الأسر وغيّرت البنى العمرية للسكان، وفرضت ضغوطاً جديدة على أنظمة التقاعد وعلى توفير الرعاية لكبار السن.

ويمثل التحضر، المدفوع بالتصنيع والبحث عن فرص العمل في اقتصادات تزداد اعتماداً على المعرفة، اتجاهاً ديموغرافياً مهماً آخر من اتجاهات القرن العشرين. وقد أفضت الهجرة من الريف إلى المدن إلى تحولات مجتمعية مهمة، منها نمو المراكز الحضرية الكبرى ونشوء أنماط مكانية جديدة للعمل والسكن. وفي الوقت ذاته، تكثفت تدفقات الهجرة الدولية، فأضافت طبقة أخرى من التعقيد إلى التطور الديموغرافي في دول المنظمة وزادت التنوع العرقي والثقافي.

ويبدو أن كثيراً من هذه التحولات الديموغرافية مرشح للاستمرار في القرن الحادي والعشرين، وإن تفاوتت آثارها بين الدول. فتراجع معدلات الخصوبة في دول المنظمة، مقترناً بارتفاع معدلات المواليد في أعقاب الحرب العالمية الثانية، يخلق توترات، إذ يعاني رصيد متقلص من العاملين الشباب في تحمل تكاليف التقاعد المتزايدة وتكاليف أنظمة الرعاية الصحية العامة. ومع ارتفاع متوسط العمر المتوقع، تشتد الحاجة إلى سياسات تزود الناس من جميع الأعمار بالمهارات الملائمة لضمان بقائهم متاحين لسوق العمل لفترة أطول. وقد بات تشجيع كبار السن على البقاء في سوق العمل لفترة أطول أمراً شائعاً في كثير من دول المنظمة للحد من معدلات الإعالة ونقص الأيدي العاملة. غير أن ذلك يتطلب تحسينات جوهرية في توفير فرص التعلم مدى الحياة وجودتها وجاذبيتها، حتى يتمكن العاملون من الاستمرار في التكيف مع التقنيات الجديدة وبيئات العمل المتغيرة.

ونتيجة لكل هذه العوامل، ستحتاج سياسات المهارات في القرن الحادي والعشرين إلى أن تكون بعيدة المدى ومرنة. فإلى جانب المسارات الأكاديمية التقليدية، سيكون من الحيوي زيادة الاستثمار في التعليم والتدريب المهني والتعلم الإلكتروني وبرامج تحديث الشهادات لاستيعاب قوى عاملة تتقدم في السن وتزداد تنوعاً في آن واحد. وستكون السياسات التي تعزز إعادة التأهيل المستمرة، ولا سيما لمن هم في منتصف مسارهم المهني ولكبار السن من العاملين، بالغة الأهمية، شأنها شأن الدعم المصمم خصيصاً للمهاجرين والفئات الهشة، كالبالغين ذوي المؤهلات التعليمية النظامية المتدنية، لضمان مشاركتهم الكاملة في سوق العمل. وفي هذا السياق، قد يتبين أن توسيع ما يُعدّ "مهارة ملائمة"، من الكفاءة الرقمية إلى التواصل بين الأشخاص، ضروري للنهوض الفعال بالرفاه الاقتصادي والاجتماعي.

الحراك الاجتماعي وعدم المساواة

شهد الحراك الاجتماعي وعدم المساواة الاقتصادية في دول المنظمة خلال القرن العشرين تحولات جذرية نتيجة التصنيع والتوسع في الفرص التعليمية والعولمة والتطور التكنولوجي. فبينما شهد منتصف القرن العشرين زيادة غير مسبوقة في فرص الحراك الاجتماعي الصاعد وتقلصاً في فجوات الدخل والثروة، شهد الربع الأخير منه عودة فوارق الدخل الواضحة وترسخ الحدود الطبقية. وبرز التعليم محركاً للفرص وأداة للتراتب الاجتماعي في آن معاً، إذ ضخّم التغير التكنولوجي المنحاز للمهارات، أي حين تجعل التقنيات الجديدة العاملين ذوي مهارات معينة أكثر إنتاجية بكثير ومن ثم أكثر طلباً من غيرهم، العوائدَ المتحققة من المؤهلات المتقدمة، بينما أدامت الفوارق المنهجية في جودة التعليم الحرمانَ عبر الأجيال لدى كثيرين.

ويمكن فهم الحراك الاجتماعي بطريقتين متمايزتين: الحراك المطلق، الذي يعكس التغيرات في المكانة الاجتماعية والاقتصادية للأجيال المتعاقبة، والحراك النسبي، الذي يعكس احتمال أن يلحق الأفراد ذوو الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية الأدنى بنظرائهم المنحدرين من أسر أكثر يسراً. وقد يتزامن ارتفاع الحراك المطلق مع انخفاض الحراك النسبي إذا ذهبت منافع النمو الاقتصادي أساساً إلى من يتمتعون أصلاً بمواقع مواتية.

وقد شكّلت العقود التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية "عصراً ذهبياً" للحراك الاجتماعي في كثير من دول المنظمة. إذ هيأ التوسع الصناعي السريع والتنظيم النقابي القوي والضرائب التصاعدية ظروفاً حقق فيها 60% من الأطفال المولودين في أسر عاملة مكانة مهنية أعلى من مكانة آبائهم. وشهدت الأجيال المولودة بين عامي 1950 و1970 معدلات حراك صاعد أعلى بنسبة 22% من أجيال ما قبل الحرب. وفي دول الشمال الأوروبي على وجه الخصوص، ارتبط المستوى التعليمي للوالدين ارتباطاً وثيقاً ومطرداً بالنتائج الإيجابية لأبنائهم، في تدرج شبه مباشر من جيل إلى الجيل الذي يليه. كما اتسمت فترة ما بعد الحرب بتقارب مستويات المعيشة، وهو ما يسّره فرض الضرائب التصاعدية وإنشاء برامج الرعاية الاجتماعية والزيادة الملحوظة في إنتاجية العمل.

غير أنه منذ منتصف السبعينيات فصاعداً، وبينما استمر الفقر المطلق في التراجع في أنحاء كثيرة من العالم، ازداد عدم المساواة النسبي داخل الدول. كما أعاد تراجع التصنيع والتغير التكنولوجي المنحاز للمهارات تشكيل أسواق العمل إلى حد كبير. فعلى سبيل المثال، تشير بيانات المنظمة إلى أن احتمال الحراك الصاعد قد ركد بالنسبة للأجيال المولودة بعد عام 1975. واتخذ عدم المساواة في الدخل كذلك منحنى على شكل حرف U على امتداد القرن العشرين، إذ انخفض معامل جيني من 0.55 عام 1920 إلى 0.30 عام 1970 في الاقتصادات المتقدمة، دلالة على تراجع عدم المساواة في الدخل، قبل أن يرتد إلى 0.45 عام 2020. ويقيس معامل جيني مدى انحراف التوزيع، كتوزيع الدخل مثلاً، بين الأفراد أو الأسر داخل اقتصاد ما عن التوزيع المتساوي تماماً؛ إذ تمثل القيمة صفر المساواة التامة، بينما تعني القيمة 100 عدم المساواة التام.

وقد تحدد العقدان الأولان من القرن الحادي والعشرين بتزايد هشاشة أوضاع الفئات ذات الدخل المنخفض والمتوسط، إلى جانب ارتفاع هائل في الدخول وتركز الثروة في القمة العليا من التوزيع. فقد أوجدت التقنيات الرقمية الجديدة والتحول إلى اقتصاد قائم على المعرفة فرصاً للبعض، ولا سيما من يمتلكون مهارات تقنية ومهارات معالجة معلومات مطلوبة. غير أن كثيرين تخلفوا عن الركب، وبخاصة في المناطق التي تعتمد اعتماداً كبيراً على الصناعات المتراجعة في توفير فرص العمل، أو حيث يظل الوصول إلى التعليم والتدريب الجيدين مقيداً. وقد فاقم هذا الاستقطاب التراتب الاجتماعي، وقلّص توقعات الحراك الصاعد.

ورغم أن الأدلة ذات طابع ارتباطي، فإنها تشير إلى أن الدول التي ترتفع فيها مستويات عدم المساواة في الدخل كثيراً ما تشهد معدلات أدنى من الحراك بين الأجيال، وهو ارتباط يُعرف بمنحنى غاتسبي العظيم. بل إن الزيادات في عدم المساواة في الدخل داخل الدول قد صاحبها تراجع في الحراك الاجتماعي، ولعل ذلك يعكس حقيقة أن الوصول إلى التعليم الجيد والرعاية الصحية والشبكات الاجتماعية يصبح شديد التراتب حين تتسع فوارق الدخل أو الثروة، فيتمكن المنحدرون من خلفيات اجتماعية واقتصادية مميزة من الحفاظ على ميزتهم. وتؤدي الفوارق في الوصول إلى التعليم والتدريب، في الطفولة وعلى امتداد مرحلة البلوغ، دوراً حاسماً في تحديد ما إذا كان التعليم سيحقق إمكانه بوصفه الأداة الكبرى للمساواة. فإذا لم يستطع الانتفاع بفرص التعلم عالية الجودة سوى من هم في أوضاع مميزة أصلاً، فقد يتضرر الحراك المطلق والنسبي على حد سواء.

تغير المناخ

كثيراً ما تحقق النمو الاقتصادي في دول المنظمة على امتداد القرن العشرين على حساب البيئة، مما أدى إلى ارتفاع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وفقدان التنوع البيولوجي. وإدراكاً للحاجة الملحة إلى التصدي لتغير المناخ، شهد القرن الحادي والعشرون جهوداً أكثر حزماً لخفض انبعاثات غازات الدفيئة والحد من النفايات والانتقال إلى مستقبل منخفض الكربون. غير أن هذا التحول يتطلب من الأفراد والمنشآت اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع أسواق عمل سريعة التغير. وتستلزم إدارة هذا التحول بفعالية نهجاً يرسّخ الاستثمار العام في برامج شاملة لإعادة التأهيل ورفع المهارات، ويرسم مسارات واضحة للانتقال من وظيفة إلى أخرى، ويضع أطراً رسمية لتبادل المعلومات والتشاور والمفاوضة الجماعية.

ورغم أن الأثر الصافي للتحول الأخضر على إجمالي التوظيف يُتوقع أن يكون متواضعاً، فإنه سينطوي على تحولات كبيرة بين الصناعات والمهن والأقاليم. إذ يعمل نحو 20% من العاملين في دول المنظمة في مهن مدفوعة بالتحول الأخضر، بينما يعمل 6% في وظائف كثيفة الانبعاثات. والمهن المدفوعة بالتحول الأخضر تشمل جميع الوظائف التي يُرجَّح أن تتأثر إيجاباً بالانتقال إلى الحياد الكربوني، حتى تلك التي ليست خضراء في ذاتها، وتضم المهن الخضراء الجديدة والناشئة ذات المهام والمتطلبات الفريدة، والمهن القائمة التي تتغير مهامها ومهاراتها ومعارفها وشهاداتها بفعل هذا الانتقال، والمهن القائمة التي يزداد الطلب عليها بسببه دون تغيير يُذكر في مهامها أو متطلباتها. وكثيراً ما تتطلب الوظائف المدفوعة بالتحول الأخضر، ولا سيما الجديدة والناشئة منها، مهارات عليا تتعلق بالإدارة والتكنولوجيا والخدمات المهنية، بينما تتطلب الوظائف غير المدفوعة بهذا التحول في الغالب كفايات متوسطة ومنخفضة. ومن المتوقع أن يرتفع الطلب على المهارات الشخصية والرقمية ارتفاعاً كبيراً، بينما يُتوقع أن تتراجع الحاجة إلى بعض مهارات التصنيع التقليدية. ومن دون تعليم وتدريب ملائمين، قد يتعثر النمو منخفض الكربون بسبب نقص المهارات.

وفضلاً عن خفض الانبعاثات، تميل المهن المدفوعة بالتحول الأخضر إلى تقديم أجور أعلى عموماً، وإن كانت هذه الميزة تنطبق في الغالب على الوظائف التي تتطلب عادة مؤهلات التعليم العالي ومستويات مرتفعة من مهارات معالجة المعلومات. وفي المقابل، كثيراً ما يتقاضى الأفراد في الوظائف الخضراء التي لا تتطلب مؤهلات عليا وما يرتبط بها من كفاءة في المهارات أجوراً أقل من نظرائهم في الوظائف المماثلة في القطاعات كثيفة الانبعاثات أو المحايدة. وهذا أمر إشكالي، إذ إن جذب العاملين إلى هذه المهن ضروري لتجنب أن تصبح المهارات عنق زجاجة حاداً أمام تحقيق الانتقال إلى الحياد الكربوني. كما أن العاملين المسرّحين من الصناعات عالية الانبعاثات كثيراً ما يكونون من الذكور وكبار السن وذوي التحصيل التعليمي الأدنى، مما يصعّب عليهم الانتقال إلى وظائف مماثلة الأجر.

التطورات التكنولوجية

تتباين التقديرات التجريبية لأثر التقنيات الرقمية على التوظيف في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين؛ فبعضها يكشف أن التطورات التكنولوجية أدت إلى نمو فرص العمل، بينما يشير بعضها الآخر إلى أنها قلّصت إمكانات التوظيف أمام العاملين. وعموماً تشير الأدلة التجريبية إلى أن الموجات السابقة من التطور التكنولوجي لم تؤد على المدى البعيد إلى تراجع عام في فرص العمل أو إلى تدمير صافٍ للوظائف. بل إن نسبة التوظيف إلى السكان ارتفعت على امتداد القرن العشرين، ولم يتغير معدل البطالة.

وفي الماضي، كانت خسائر الوظائف الناجمة عن الأتمتة الحاسوبية أكثر وضوحاً في المهن منخفضة الأجر والمهن في قطاع التصنيع، وعموماً بين العاملين الذين يؤدون أعمالاً روتينية. ونتيجة للموجات السابقة من التقدم التكنولوجي، باتت أماكن العمل اليوم تتطلب أشخاصاً قادرين على حل المشكلات غير الروتينية. فقليل من العاملين، سواء في المهن اليدوية أو القائمة على المعرفة، يقتصرون على أداء حركات متكررة في مهامهم الوظيفية. ومع إدخال تقنيات قادرة على أداء المهام القائمة على القواعد، ازدادت أهمية قدرة الناس على حل المشكلات المعقدة التي لا يمكن حلها بمجرد تطبيق قواعد محددة سلفاً. وبينما تولّت الحواسيب تدريجياً "المتوقَّع"، صار على الأفراد بصورة متزايدة التعامل مع "غير المتوقع وغير المألوف"، وغالباً جنباً إلى جنب مع الحواسيب. وبينما أفضت التطورات التكنولوجية في الماضي إلى ابتكار حواسيب وروبوتات لا تستطيع سوى اتباع قواعد محددة بدقة، تتيح خوارزميات التعلم الآلي اليوم للأنظمة الآلية أداء طيف أوسع بكثير من المهام التي تفتقر إلى حلول قائمة على القواعد. ونتيجة لذلك، باتت مجموعة المهام التي تستطيع التقنيات أداءها مختلفة جذرياً. وقد يغيّر ظهور أنظمة الذكاء الاصطناعي الطلب على المهارات تغييراً جذرياً في المستقبل، مع دخول المهام غير الروتينية في نطاق ما تستطيع الأنظمة الآلية أداءه بموثوقية. فمن جهة، قد تُغني التكنولوجيا عن حاجة البشر إلى أداء بعض المهام، ومن جهة أخرى قد تكمّل التقنيات قدرات البشر، فتتطلب من العاملين تعلّم العمل بفعالية مع التقنيات الجديدة، إذ ستتأثر بعض المهام بالأتمتة دون غيرها.

وتشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 80% من القوى العاملة في الولايات المتحدة قد يتأثر عُشر مهامهم على الأقل باستخدام النماذج اللغوية الكبيرة، وأن نحو اثنين من كل خمسة موظفين قد يتأثر نصف مهامهم على الأقل. كما تشير تحليلات حديثة لإعلانات الوظائف على الإنترنت في المملكة المتحدة والولايات المتحدة إلى أن متطلبات المهارات للوظيفة المتوسطة تغيرت بنحو الثلث بين عامي 2021 و2024، وأن وظيفة من كل أربع شهدت تحولات في ما يصل إلى ثلاثة أرباع المهارات المطلوبة. بل إن وتيرة التغير في الولايات المتحدة بين عامي 2021 و2024، أي على مدى ثلاث سنوات، عادلت تلك المسجلة بين عامي 2016 و2021، أي على مدى خمس سنوات. وتتطلب المهن الأكثر تأثراً بالاضطراب عموماً تدريباً مكثفاً أو مؤهلات التعليم العالي، بينما لا تتطلب الوظائف التي تشهد تغيرات طفيفة في متطلبات المهارات مؤهلات متقدمة في الغالب، وكثيراً ما تنطوي على مهام بدنية شاقة.

ولم تُفهم بعدُ تداعيات النماذج اللغوية الكبيرة على سوق العمل فهماً كاملاً، وقد تتغير بمرور الوقت تبعاً للتطورات التكنولوجية والقرارات السياسية. وتشير الأدلة المبكرة إلى آثار متباينة، إذ تحل هذه النماذج محل العمل البشري وتكمّله في آن. ومع تقدم التكنولوجيا، تزداد قدرة هذه النماذج على أداء نطاق أوسع من المهام بسرعة وكفاءة أكبر. وتُظهر أدلة من مطلع عام 2025 أن هذه النماذج قادرة على الحلول محل العمل البشري في مهام كالكتابة والترجمة، كما ثبت أنها تكمّل المهارات البشرية وترفع إنتاجية العاملين الأقل خبرة. وفي بعض الحالات تنشأ مكاسب الإنتاجية حين يمتلك العاملون معرفة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ولا سيما بأنظمة التعلم الآلي، مما يمكّنهم من الحصول على أجور أعلى من أقرانهم ذوي المهارات المماثلة الذين يفتقرون إلى هذه الخبرة. وفي نهاية المطاف، ستحدد القرارات السياسية المتعلقة بالتبني والتنظيم أثرها الأوسع على العاملين وأسواق العمل.

وتشير الأدبيات الناشئة حول الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى تفاعل معقد بين الإزاحة والتعزيز. فبعض الباحثين يحذر من أتمتة واسعة النطاق لمهام المهارات المتوسطة، بينما يبرز آخرون إمكانية خلق وظائف جديدة حين يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز القدرات البشرية لا للحلول محلها. ويُرجَّح أن يتوقف ما إذا كانت هذه النماذج ستزيح العمل القائم في نهاية المطاف أو ستولّد أشكالاً جديدة من التوظيف على كيفية تطور التقنيات وممارسات التبني المؤسسي والأطر التنظيمية والحوافز المؤسسية المعتمدة.

وتشير أدلة من أسواق الاستشارات والعاملين المستقلين عبر الإنترنت، حيث يسهل رصد التحولات السريعة في الطلب على المهارات وفرص العمل، إلى أن الطلب يميل إلى الانحسار بالنسبة للعاملين الأقل خبرة، بينما يظل الطلب على العاملين الأكثر خبرة مستداماً، مع تزايد العاملين الذين يتولون مهام معقدة تتجاوز حالياً قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي. ومن جانب العرض، قد يعاني العاملون في المهن الأكثر عرضة لإحلال الذكاء الاصطناعي التوليدي من انخفاض في الدخل وفرص العمل، بينما قد يزيد دخل العاملين في الوظائف التي يكمّلها الذكاء الاصطناعي. وتشير الأدلة الحالية، ومنها أدلة المنظمة، إلى أن التبني القائم على التفاوض مع استشارة العاملين وتوفير التدريب، بما في ذلك تخصيص وقت للتدريب، يرتبط بنتائج أفضل للعاملين ويمكن أن يساعد على توجيه الذكاء الاصطناعي نحو التعزيز بدلاً من الإزاحة.

ويمكن التوفيق بين هذه النتائج بالتمييز بين درجات تعقيد المهام، ومن ثم الخبرة المطلوبة بوصفها مؤشراً بديلاً. ففي أسواق الاستشارات عبر الإنترنت، يبرز تراجع الطلب بوضوح خاص في الوظائف قصيرة الأجل وتلك التي تتطلب من العاملين المبتدئين أداء مهام مكملة لقدرات النماذج اللغوية الحالية. وتعني هذه النتائج أن ارتفاع إنتاجية العاملين المبتدئين داخل المنشآت قد يقلل الحاجة إلى العاملين المستقلين المبتدئين. وفي الوقت ذاته، يبدو أن تطور قدرات هذه النماذج يزيد الحاجة إلى عاملين ذوي خبرة في المهام المعقدة.

وعلى مستوى الاقتصاد ككل، لا تؤثر وتيرة التغير التكنولوجي في جميع الوظائف بالقدر نفسه. إذ ثمة مقايضة بين سرعة التغير، وما يترتب عليها من حاجة إلى رفع المهارات وإعادة التأهيل، وبين الأجور؛ فالمهن التي تشهد تغيراً سريعاً تميل إلى تقديم أجور أعلى من المتوسط، بينما تميل المهن التي لا تتأثر نسبياً بالتغير التكنولوجي إلى تقديم أجور أدنى من المتوسط. وقد قيس مدى تغير مجموعة المهارات التي يطلبها أصحاب العمل في إعلانات الوظائف على الإنترنت بين عامي 2021 و2024 على مستوى كل مهنة، وقورن ذلك بالدخل الشهري للمهن ذاتها استناداً إلى مسح مهارات البالغين لعام 2023. وتُقاس سرعة التغير بمؤشر اضطراب المهارات، وهو مؤشر معياري يتراوح بين صفر و100، وتدل الدرجة الأعلى فيه على درجة أكبر من تغير المهارات. وتُظهر المهن شديدة التأثر بالتكنولوجيا، كعلماء الرياضيات والإكتواريين والإحصائيين ومبرمجي التطبيقات، معدلات مرتفعة نسبياً من تغير المهارات إلى جانب دخول مرتفعة. وفي المقابل، تُظهر المهن الأقل تأثراً بالتكنولوجيا، كعاملي التدبير المنزلي، أجوراً منخفضة نسبياً ومعدلاً منخفضاً من تغير المهارات. ويوحي ذلك بأن الاستعداد لرفع المهارات وإعادة التأهيل أمر حاسم للتمكن من العمل في كثير من المهن عالية الأجر، إذ تتغير متطلبات المهارات فيها بسرعة.

مواءمة سياسات المهارات مع الحقائق العالمية المتطورة

كما يبيّن هذا القسم، تعيد الأزمات والاتجاهات الكبرى تشكيل طبيعة العمل، فتؤثر في أنواع المهارات المطلوبة وفي الطرق التي يكتسب بها الأفراد هذه المهارات ويطورونها ويحدّثونها. ولا يتطلب الاستعداد لتحديات المستقبل تقييم احتياجات المهارات الحالية ومدى تلبيتها بالمهارات القائمة لدى الأفراد فحسب، بل يتطلب أيضاً إعادة تقييم جوهرية للكيفية التي ينبغي أن تتكيف بها سياسات المهارات مع الحقائق الاجتماعية والاقتصادية المتطورة. وتثير حالة عدم اليقين التي تولدها الاتجاهات الكبرى والأزمات تساؤلات حول ما إذا كانت سياسات المهارات، التي صيغ أغلبها في القرن العشرين، لا تزال صالحة لأداء غرضها.

ويُعد تعزيز مستويات عالية من تنمية المهارات لدى أكبر عدد ممكن من الأفراد وعبر الفئات الاجتماعية والديموغرافية المتنوعة أمراً ضرورياً في القرن الحادي والعشرين. فأولاً، في ظل تزايد تنوع المجتمعات وتعقيد المشهد المعلوماتي، تمكّن طائفة من المهارات الأفراد من الوصول إلى المعلومات وتقييمها نقدياً واستخدامها بفعالية. وتتيح المهارات للأفراد المشاركة البناءة في الحياة المدنية، فتقلل الانقسامات الاجتماعية وتساعد على الحفاظ على الثقة في المؤسسات. وثانياً، في الدول التي تشهد معدلات خصوبة منخفضة، قد يؤدي تقلص القوى العاملة إلى نقص مستمر في الأيدي العاملة، يهدد النمو الاقتصادي وترتيبات الرعاية الاجتماعية القائمة على حد سواء. ويتطلب توسيع قاعدة القوى العاملة تزويد شريحة أكبر من السكان بالمهارات الملائمة وتيسير دخولهم سوق العمل. ومن شأن تقليص الفوارق في تنمية المهارات وإزالة العوائق أمام الاستخدام الفعال للمهارات أن يخفف الضغوط الديموغرافية ويعزز القدرة على التكيف مع متطلبات العمل المتغيرة ويديم الإنتاجية. وثالثاً، يدعم تنمية طيف واسع من المهارات تكوين فرق متنوعة؛ فحين يتعاون أشخاص من خلفيات ومجالات خبرة متنوعة، يعززون الابتكار والإبداع، وهما مهارتان تدفعان القدرة التنافسية في سوق يزداد تعقيداً وعدم يقين.

ويقدم هذا التقرير لمحة عامة عن مجموعة مهارات السكان البالغين في الدول التي شاركت في مسح مهارات البالغين لعام 2023. ويركز على الفوارق المستمرة والناشئة، ولا سيما المرتبطة بالنوع الاجتماعي والخلفية الاجتماعية والاقتصادية وسياق السكن في الطفولة. وللتقرير هدفان رئيسيان: أولهما مساعدة الدول على تحديد الرصيد الحالي من المهارات لدى سكانها وتقييم جاهزيتها لمواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية، وثانيهما إبراز الفرص المتاحة كي يحقق القرن الحادي والعشرون ما كان السردية المميزة للقرن العشرين: تكافؤ الفرص والجدارة.

ولذلك يدمج تحليل بيانات مهارات البالغين رؤى تاريخية حول الكيفية التي حاولت بها الدول والاقتصادات المختلفة تقليص عدم المساواة وتشجيع الحراك الاجتماعي عبر تنمية المهارات. وتغطي البيانات الواردة في هذا التقرير البالغين المولودين بين عامي 1947 و2006، أي من أكبر المشاركين سناً، البالغين 65 عاماً، في دورة عام 2012 من المسح، إلى أصغر المستجيبين سناً، البالغين 16 عاماً، في دورة عام 2023. ويعني ذلك أن آباء أكبر الأجيال سناً وُلدوا خلال الحرب العالمية الأولى أو حتى في مطلع القرن العشرين. ولأن التحليل يركز على القرن الحادي والعشرين، فإنه يتناول أيضاً الكيفية التي تهيئ بها النظم التعليمية أطفال اليوم لتحديات الغد. ولهذا الغرض، تُستكمل بيانات تقييمات مهارات البالغين بمعلومات عن الفئات في سن الدراسة، مستمدة من البرنامج الدولي لتقييم الطلبة، ودراسة التوجهات الدولية في الرياضيات والعلوم، والدراسة الدولية لتقدم القراءة، والدراسة الدولية للتربية المدنية والمواطنة، والدراسة الدولية للثقافة الحاسوبية والمعلوماتية.

وتشكّل الأزمات والاتجاهات الكبرى الطلب على المهارات من خلال تأثيرها في خلق الوظائف وزوالها، كما تؤثر في عرض المهارات من خلال تحديد حركة السكان وتوجيه خيارات الأفراد بشأن التعليم والتدريب. وقد تعيد كذلك تعريف الأدوار القائمة؛ فإذا تطورت المهام داخل وظيفة ما، تغيرت مجموعة المهارات اللازمة لأدائها. وعلى المستوى الأساسي، يمتلك كل عامل مزيجاً فريداً من المهارات بمستويات إتقان متفاوتة، وتتألف كل وظيفة من مهام تتطلب مهارات ومعارف محددة. وحيث يلتقي الطلب بالعرض يتعزز النمو الاقتصادي ورفاه الأفراد، أما حالات عدم التوافق المستمرة فتعيق كليهما.

وتزداد قيمة فهم العمليات التي تنمو بها المهارات، داخل نظم التعليم والتدريب النظامية وخارجها، في بيئة تتسم بتحولات في طبيعة العمل وانتشار سريع للتقنيات الجديدة واعتماد أكبر على الوصول إلى المعلومات. ويكشف فحص توزيع المهارات بين الفئات الاجتماعية والديموغرافية، والفرص المتاحة لاكتسابها وممارستها، ما إذا كان الأفراد مهيئين جيداً للإسهام في تشكيل اقتصادات القرن الحادي والعشرين، وما إذا كانوا سيمتلكون مهارات هذا القرن اللازمة للازدهار.

ما مهارات القرن الحادي والعشرين؟

بدأ استخدام مصطلح مهارات القرن الحادي والعشرين في مطلع الألفية الثالثة، حين أدرك الباحثون والحكومات وغيرهم أن المقاربة التقليدية للمهارات، التي تركز على اكتساب المعرفة، باتت بحاجة إلى التطور مع تقدم التكنولوجيا وتغير طبيعة العمل. وخلال الأعوام الخمسة والعشرين الماضية، طُوّرت تقييمات للمهارات على المستويين الوطني والدولي، وقد فصّلت أعمال سابقة للمنظمة أوجه الاتفاق والاختلاف في طريقة إشارتها إلى مهارات القرن الحادي والعشرين. والقاسم المشترك بين هذه الأطر أنها تصف مهارات القرن الحادي والعشرين بأنها ذات صلة أو قابلة للتطبيق في مجالات كثيرة، وأنها مرتبطة بمهارات وسلوكيات عليا تعكس القدرة على نقل المعرفة والتعامل مع المشكلات المعقدة والتكيف مع المواقف غير المتوقعة. أما هذا التقرير فيستخدم مصطلح مهارات القرن الحادي والعشرين للإشارة إلى مجموعة المهارات اللازمة للازدهار في هذا القرن، والتي تتوفر بشأنها أدلة مقارنة مستمدة من عينات تمثيلية من البالغين. وهذه القائمة ليست شاملة، إذ إن الازدهار في وظائف أو سياقات معينة تتنامى أهميتها في القرن الحادي والعشرين يعتمد على طيف واسع من مجموعات المهارات المتخصصة. غير أن هدف التقرير هو تناول المهارات التي تقوم عليها قدرة الأفراد على اكتساب هذه المهارات المتخصصة والازدهار في نطاق واسع من السياقات والمواقف.

ويتناول هذا التقرير تسع مهارات من مهارات القرن الحادي والعشرين، تشمل مهارات معالجة المعلومات، التي يُشار إليها في هذا التقرير أيضاً بالمهارات الجوهرية للقرن الحادي والعشرين، وهي القرائية والحساب وحل المشكلات التكيفي، فضلاً عن المهارات المساندة المتمثلة في الاستعداد لتأجيل الإشباع والمهارات الاجتماعية والعاطفية، وهي الانبساط والاستقرار العاطفي والمقبولية ويقظة الضمير والانفتاح الذهني، والتي تُقاس من خلال وحدة العوامل الخمسة الكبرى للشخصية، ويُنظر إليها بصورة متزايدة بوصفها محددات حاسمة للنجاح في سوق العمل. ومن خلال دمج مهارات معالجة المعلومات والاستعداد لتأجيل الإشباع والمهارات الاجتماعية والعاطفية في إطار مفاهيمي واحد، يسعى هذا التقرير إلى تزويد صانعي السياسات والمربين ومقدمي التدريب وأصحاب العمل بقاعدة أدلة شاملة لإعادة تقييم سياسات المهارات لديهم أو إعادة تصميمها.

ويعرض التقرير تحليلات مختارة توضح جاهزية الشباب لمواجهة التحديات الناشئة في القرن الحادي والعشرين، تشمل مهارات خاصة بمجالات بعينها، هي العلوم والكفاءة العالمية وحل المشكلات التعاوني وحل المشكلات الإبداعي والتفكير الإبداعي والثقافة المالية والثقافة الحاسوبية والمعلوماتية والتفكير الحوسبي، إلى جانب القراءة والرياضيات والمعرفة المدنية. ويضمن هذا النهج الشمولي تزويد المتعلمين بالمهارات اللازمة لمواجهة التحديات الآنية، وكذلك المتطلبات الناشئة لمشهد اقتصادي واجتماعي سريع التطور. وقد ركزت التقييمات الدولية السابقة للسكان البالغين في الغالب على مهارات معالجة المعلومات، ولا سيما القرائية والحساب وحل المشكلات في البيئات الغنية بالتكنولوجيا. ورغم أن هذه المهارات تظل أساسية، فإنه يجب استكمالها بمجموعة موسعة من المهارات. ومع أن جميع المهارات المذكورة مهمة، فإن هذا التقرير يركز على المهارات الجوهرية للقرن الحادي والعشرين نظراً لتوفر قدر أكبر من البيانات بشأنها، بما يتيح إجراء تحليلات أعمق دلالة، بينما تُقدَّم تحليلات مختارة للمهارات المساندة.

مهارات معالجة المعلومات

قيس الإتقان في القرائية والحساب وحل المشكلات التكيفي في مسح مهارات البالغين لعام 2023 من خلال تقييم معياري منخفض المخاطر وغير محدد بزمن، أجراه مقابلون مدربون في منازل المستجيبين. ويعني الطابع المنخفض المخاطر للتقييم أن الأفراد الذين اختاروا عدم المشاركة فيه لم يتعرضوا لأي عقوبة، كما لم يترتب على الأداء فيه أي عواقب بالنسبة للمشاركين، الذين لم يتلقوا أي تغذية راجعة حول درجاتهم. ويعني هذا البروتوكول أن تصميم التقييم لا يكشف بالضرورة أقصى قدرة لدى المستجيبين على حل المهام في المجالات المعنية كما تحددها أطر التقييم، بل يرصد مستوى الإنجاز الذي يحققه الأفراد ببذل القدر من الجهد والانخراط الذي يبذلونه عادة في حل المهام المعرفية اليومية على الإنترنت. وبعبارة أخرى، تمثل الدرجات "الأداء المعتاد" في ظروف روتينية منخفضة المخاطر، لا الأداء الأقصى أو الأمثل الذي يُلاحظ في بيئات الاختبار عالية المخاطر، كالبحث عن عمل أو التقدم لوظائف أو للالتحاق بمؤسسات تعليمية انتقائية أو أداء مهام ذات عواقب اقتصادية ومالية كبيرة.

وفي البيئات عالية المخاطر التي تركز على الأداء الأقصى، والتي تتسم عادة بالضغط الشديد والعواقب الحتمية، كثيراً ما يعاني المختبَرون القلق والإحساس باليأس، ولا سيما حين لا يتلقون تغذية راجعة قابلة للتطبيق. وقد يكون ذلك بالغ الأهمية بالنسبة للفئات المهمشة، التي قد تكون أقل إلماماً بشكل الاختبار ومحتواه، أو التي قد تعالج المعلومات بطرق تختلف عن أقرانها. ومن خلال التركيز على الأداء المعتاد، يمكن لتقييمات كمسح مهارات البالغين أن تقدم تمثيلاً أدق لمهارات المختبَرين واحتياجاتهم التعليمية، فتدعم نتائج تعليمية أكثر إنصافاً ودعماً أكثر استهدافاً.

وهذا التمييز مهم، إذ تشير أبحاث علم النفس التربوي منذ زمن طويل إلى أن الأداء في الاختبارات يتأثر تأثراً كبيراً بالعوامل التحفيزية. فالأبحاث على الفئات في سن الدراسة، التي تتوفر لها نتائج تقييمات قابلة للمقارنة أُجريت في ظروف منخفضة المخاطر وأخرى عالية المخاطر، تشير إلى أن مستوى الجهد الذي يبذله الأفراد في موقف الاختبار قد يفضي إلى فروق كبيرة في النتائج، وأن لهذه الفروق تداعيات مهمة على تقييم الفوارق بين المجموعات. فضلاً عن ذلك، تشير الأبحاث القياسية النفسية إلى أن النتائج في التقييمات منخفضة المخاطر لا ترصد القدرات المعرفية الكامنة فحسب، بل ترصد أيضاً عوامل ظرفية، كدافعية الاختبار والانخراط فيه، تكون حاسمة في الأداء الملاحظ.

ومما له صلة خاصة بهذا التقرير أن العوامل التحفيزية والسياقية قد تسهم في تشكيل الفوارق في الأداء بين الدول والاقتصادات وداخل المجموعات السكانية المختلفة. فإذا كانت الدافعية والجهد يعكسان حقاً طريقة تعامل البالغين في الدول والاقتصادات المختلفة مع القرائية والحساب وحل المشكلات التكيفي في حياتهم اليومية، فإن الفروق في الأداء في اختبار منخفض المخاطر كمسح مهارات البالغين تمثل توزيعات صحيحة. وهذا المنظور جوهري لفهم الفروق بين الدول والفوارق الاجتماعية والاقتصادية في مهارات معالجة المعلومات، إذ يوحي بأن جزءاً من التباين قد يُعزى إلى تفاوت مستويات دافعية الاختبار وإلى عوامل خاصة بالسياق. ولن تنشأ المشكلات إلا إذا كانت الدافعية والجهد يعكسان تباين المواقف تجاه الاختبار ذاته.

أهمية الدافعية

في مجتمعات القرن الحادي والعشرين وأماكن العمل فيه، تبرز القدرة على تحفيز الذات بوصفها عاملاً قد يكون حاسماً في التمييز بين نتائج الأفراد في سوق العمل. فمع تولي الذكاء الاصطناعي والتقنيات الأخرى معالجة المهام المعلوماتية الروتينية بسرعات عالية، يتوقف خلق القيمة البشرية بصورة متزايدة على الرغبة في التعامل الإبداعي مع التحديات الغامضة والمفتوحة. ويتضمن ذلك عدم الاكتفاء بنتائج مقبولة فحسب، بل السعي الفعلي إلى التعامل مع المادة بما يتجاوز ما هو ضروري أو مطلوب. ويعزز هذا الدافع الذاتي التفكير المبتكر وحل المشكلات الإبداعي، وهي سمات لا تزال حتى الآن بعيدة عن متناول الأنظمة المؤتمتة بالكامل.

ونادراً ما تتحول مهارات معالجة المعلومات إلى عملية مؤتمتة بالكامل. فالاستدلال النقدي بالمحتوى الرياضي، أو تقييم النصوص المكتوبة والتأمل فيها، أو حل المشكلات في مواقف متطورة ديناميكياً، يتطلب جهداً معرفياً كبيراً ومتواصلاً. وحتى حين يكتسب الأفراد مستويات أساسية من الإتقان في مهارة ما، فإن تطبيقها على كثير من المهام الواقعية عبر المجالات المختلفة يستلزم استثماراً متعمداً ومستمراً للجهد. وفي الواقع، كثيراً ما يلجأ الناس إلى العادات القائمة لتقليل الجهد، مما يعني أن الإتقان العالي في هذه المجالات يظل مرتبطاً بالدافعية.

ورغم أن التقدم التكنولوجي يتيح بصورة متزايدة استخدام أدوات الرصد لتقييم المخرجات والإنتاجية بدقة أكبر، فإن السلع والخدمات ذات القيمة المضافة العالية باتت "غير ملموسة" بصورة متزايدة، أي أن إنتاجها مرتبط بالدافعية الذاتية للعاملين. وحتى في البيئات التي يمكن فيها قياس المهام الروتينية، تمنح صفات كالإبداع والتفكير النقدي والإصرار على تجاوز الحد الأدنى من المتطلبات المنشآتِ ميزة تنافسية، غير أنها لا تُرصد بسهولة بالمقاييس الكمية المستخدمة في أدوات الإدارة الخوارزمية. وبالتالي، فإن تقييم مهارات معالجة المعلومات لدى الأفراد في ظروف تكشف عن استعدادهم لبذل الجهد ودافعيتهم في ظروف منخفضة المخاطر يمكن أن يساعد الدول على تحديد جاهزية العاملين للبقاء قادرين على المنافسة في بيئة عمل سريعة التطور.

وتشير أبحاث حديثة إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي قد تساعد على تقليص الفوارق في القدرات المعرفية من خلال أتمتة المهام الذهنية الروتينية. فإذا ضاقت الفجوة في مهارات معالجة المعلومات الأساسية بفضل هذه الابتكارات التكنولوجية، فمن المرجح أن تتحدد الفروق في النتائج بكيفية تعامل الأفراد مع المهام، وبمدى قدرتهم على تسخير هذه الأدوات عبر تحديد ما إذا كانت المهام تقع ضمن حدود قدرات تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وفي هذا السيناريو، يصبح الاستعداد للعمل بما يتجاوز المتطلبات المعتادة العامل الحاسم في إنتاجية الأفراد وابتكارهم. ويؤكد هذا التحول الأهمية المتزايدة للانخراط التحفيزي بوصفه محركاً رئيسياً للنجاح في أماكن العمل الحديثة.

وعلى هذه الخلفية، تراجع الأداء في القرائية والحساب كما يقيسه مسح مهارات البالغين بين عامي 2012 و2023. وقد يدل هذا التراجع على تآكل أوسع في قدرة الأفراد على حل المهام، أو على انخفاض في الدافعية والانخراط في المهام المعرفية الصعبة. وأياً كان السبب، فإن هذا الاتجاه إشكالي في وقت تتطلب فيه متطلبات اقتصاد القرن الحادي والعشرين بصورة متزايدة من العاملين تجاوز الأداء الروتيني. فإذا كان البالغون أقل ميلاً إلى التعامل العميق مع المواد المعقدة في الظروف منخفضة المخاطر، فقد تتضرر القدرة التنافسية للأفراد والتقدم المجتمعي العام على حد سواء.

القرائية

تُعرَّف القرائية في مسح مهارات البالغين لعام 2023 بأنها الوصول إلى النصوص المكتوبة وفهمها وتقييمها والتأمل فيها من أجل تحقيق أهداف الفرد وتنمية معارفه وإمكاناته والمشاركة في المجتمع. ونظراً لانتشار التواصل المكتوب في جوانب الحياة المختلفة، يُعد الإتقان في القرائية أمراً حاسماً للبالغين في حياتهم الشخصية والاجتماعية والمهنية. فعلى امتداد اليوم، ينخرط البالغون في أنشطة قرائية متنوعة، تتراوح بين التعمق في نصوص متصلة مطولة والمسح السريع للصفحات بحثاً عن معلومات ذات صلة، وتشمل قراءة رسائل البريد الإلكتروني والنشرات والجداول الزمنية وأدلة التشغيل.

الحساب

يشمل الحساب الوصول إلى المحتوى والمعلومات والأفكار الرياضية الممثلة بطرق متعددة واستخدامها والاستدلال النقدي بها، من أجل التعامل مع المتطلبات الرياضية لمجموعة من المواقف في حياة البالغين وإدارتها. وقد تغيرت المهارات والمعارف اللازمة للنجاح في العمل والحياة والمواطنة. إذ يُعرض على الأفراد قدر متزايد باستمرار من المعلومات ذات الطابع الكمي أو الرياضي عبر الموارد القائمة على الإنترنت أو التكنولوجيا، وهي معلومات ينبغي تحديد موقعها واختيارها وتصفيتها وتفسيرها، والتشكيك فيها أحياناً، وتحليل مدى صلتها بالاستجابات المطلوبة.

حل المشكلات التكيفي

ينطوي حل المشكلات التكيفي على القدرة على تحقيق الأهداف في موقف ديناميكي لا تتوفر فيه طريقة الحل على الفور، ويتطلب الانخراط في عمليات معرفية وما وراء معرفية لتحديد المشكلة والبحث عن المعلومات وتطبيق الحل في مجموعة متنوعة من البيئات والسياقات المعلوماتية. ويعكس حل المشكلات التكيفي حقيقة أن الأفراد يحتاجون إلى اليقظة تجاه التغيرات، وإلى القدرة على التكيف والاستعداد لتعديل خططهم سعياً وراء أهدافهم. ويتضمن ثلاث سمات رئيسية تؤكد قدرة الأفراد على تكييف استراتيجياتهم في حل المشكلات بمرونة وديناميكية مع بيئة متغيرة، وعلى تحديد الموارد المادية والاجتماعية والرقمية المتاحة والاختيار من بينها، وعلى رصد تقدمهم في حل المشكلات والتأمل فيه من خلال العمليات ما وراء المعرفية، أي القدرة على معايرة فهم الفرد للمشكلة وتقييم الحلول الممكنة ورصد التقدم نحو الأهداف.

الاستعداد لتأجيل الإشباع

لطالما اعتُرف بالقدرة على تأجيل الإشباع بوصفها محدداً حاسماً للنتائج الفردية والجماعية. ويعكس الاستعداد لتأجيل الإشباع الطريقة التي يوازن بها الناس بين المنافع الفورية والمكاسب المستقبلية المحتملة الأكبر، فيؤثر في الادخار الشخصي والاستثمار في التعليم والخيارات الصحية والتخطيط للتقاعد ومجالات حياتية أخرى كثيرة. ويتيح الوصول إلى الإنترنت عالي السرعة والهواتف الذكية إشباعاً فورياً في صورة وسائل التواصل الاجتماعي والأخبار والترفيه والتواصل المستمر، مما يكيّف المستخدمين نحو المكافآت قصيرة الأجل. وفي الوقت ذاته، تعزز التحولات السريعة في خدمات المستهلكين، كالتوصيل في اليوم ذاته وتطبيقات توصيل الطعام الفوري ومنصات البث، توقعات الفورية، فيميل الأفراد بصورة متزايدة إلى تفضيل الإشباع الآني على التخطيط بعيد المدى وضبط النفس. وقد يؤدي التعرض المستمر للإشباع الفوري إلى إضعاف قدرة الأفراد على تأجيل الإشباع، مما يزيد صعوبة تحقيق الأهداف البعيدة. وتكافئ أماكن العمل الحديثة الموظفين الذين يُظهرون تخطيطاً استراتيجياً بعيد المدى وذكاءً عاطفياً وسلوكاً منضبطاً. فالعاملون القادرون على تأجيل الإشباع أقدر على المثابرة في المهام الصعبة والالتزام بالمشاريع طويلة الأجل والاستثمار في تطورهم المهني. فضلاً عن ذلك، يتطلب النمو الشخصي القدرة على التخلي عن الراحة الآنية من أجل مكاسب مستقبلية؛ فسواء تعلق الأمر باكتساب مهارات جديدة أو بتحقيق أهداف صحية أو بالاستقلال المالي، فإن تأجيل الإشباع يدعم اتخاذ القرارات الفعالة والانضباط والمثابرة.

وفي مسح مهارات البالغين لعام 2023، سُئل المستجيبون عن مدى استعدادهم لتأجيل الإشباع، أي التخلي عن شيء نافع لهم اليوم من أجل الانتفاع به أكثر في المستقبل. ويستخدم المسح مقياساً من إحدى عشرة نقطة يتدرج من صفر، أي "غير مستعد على الإطلاق"، إلى عشرة، أي "مستعد جداً". ومن السهل ترجمة هذا المقياس إلى لغات وسياقات ثقافية مختلفة. ولأنه لا يحدد ما الذي يُتخلى عنه، فإنه يتفادى انتقاداً رئيسياً يوجَّه إلى نموذج "المال الآن أو لاحقاً" واسع الاستخدام، الذي يختار فيه المشاركون بين مكافآت نقدية في أوقات مختلفة. ففي تجارب تفضيل الوقت هذه، تشير النتائج التجريبية إلى أن معدلات الخصم، أي المعدل الذي يكون الفرد مستعداً عنده لتأجيل الإشباع بحيث تعني المعدلات الأعلى احتمالاً أقل للتأجيل، تختلف باختلاف أنواع المكافآت، إذ تُخصم المكافآت الأولية كالطعام بحدة أكبر من المال. وبعبارة أخرى، حين يُخيَّر الأفراد بين الحصول على شيء الآن أو لاحقاً، كثيراً ما يكونون أقل استعداداً لتأجيل الإشباع لأنواع معينة من المكافآت، فيكونون مثلاً أقل استعداداً لتأجيله في الطعام منهم في المال.

ويُظهر الأفراد الأكثر استعداداً لتأجيل الإشباع في الغالب أداءً أكاديمياً أفضل ومستويات دخل أعلى ونتائج صحية أحسن مقارنة بالأقل استعداداً. ويرتبط هذا الاستعداد لتأجيل المكافآت الفورية ارتباطاً وثيقاً بقدرات التنظيم الذاتي التي تمكّن الأفراد من الاستثمار في التعليم وتبني أنماط حياة صحية والتخطيط الفعال للتقاعد. وفي المقابل، يزيد احتمال انخراط من يفيدون بانخفاض استعدادهم لتأجيل الإشباع في سلوكيات اندفاعية، مما قد يفاقم عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية على المدى البعيد ويزيد المخاطر الصحية. وعبر الأجيال، قد يكون للقصور في الاستعداد لتأجيل الإشباع أثر تراكمي، إذ قد يرث أبناء الآباء ضعيفي الاستعداد لتأجيل الإشباع سلوكيات مماثلة أو يتعلمونها، مما يعزز الفوارق القائمة. فإذا أظهرت فئات اجتماعية وديموغرافية معينة بصورة منهجية استعداداً أقل لتأجيل الإشباع، فقد يتسع عدم المساواة في الثروة والتوظيف والصحة والتعليم وجودة الحياة عموماً. ونظراً لأن التفضيلات والسلوكيات قد تنتقل من جيل إلى الذي يليه، فإن أي فوارق قائمة في الاستعداد لتأجيل الإشباع معرضة للتراكم بمرور الوقت.

المهارات الاجتماعية والعاطفية

يشير هذا التقرير إلى الميول السلوكية بوصفها "مهارات اجتماعية وعاطفية" لا "سمات"، تأكيداً لقابليتها للتشكيل والتعلم، وانسجاماً مع أعمال المنظمة السابقة حول الأطفال والبالغين. وفي سياق هذا التقرير، تشير المهارات الاجتماعية والعاطفية إلى العوامل الخمسة الكبرى للشخصية، وهي الانبساط والاستقرار العاطفي والمقبولية ويقظة الضمير والانفتاح الذهني. وخلافاً للاعتقاد الشائع، ليست المهارات الاجتماعية والعاطفية صفات فردية ثابتة، بل ينبغي النظر إليها بوصفها استعدادات قابلة للتغير بمرور الوقت وقابلة للتنمية المقصودة. والقاسم المشترك بين المهارات التسع التي يحللها هذا التقرير أنها أساسية للقدرة على التكيف والفعالية في العلاقات بين الأشخاص والنجاح بعيد المدى في البيئات غير المستقرة.

وثمة أدلة متزايدة على أن للمهارات الاجتماعية والعاطفية أثراً عميقاً في الأداء الأكاديمي للفرد وقابليته للتوظيف وقدرته على التكيف مع المشاهد الاقتصادية والتكنولوجية سريعة التحول. فعلى سبيل المثال، ارتبطت يقظة الضمير بمستويات أعلى من الإنجاز وبعادات عمل يُعتمد عليها، بينما يعزز الانفتاح على التجربة الابتكار والتقبل لتعلم مهارات جديدة، وهي سمات حاسمة في عصر يتسم بصعود الذكاء الاصطناعي. ويساعد الاستقرار العاطفي الأفراد على التعامل مع الضغوط وعدم اليقين. وحتى خارج أسواق العمل، تؤدي المهارات الاجتماعية والعاطفية دوراً رئيسياً في الحفاظ على علاقات صحية وفي المشاركة المدنية، مما يجعلها مكوناً لا يتجزأ من اعتبارات السياسات العامة والاجتماعية.

وقد قيست المهارات الاجتماعية والعاطفية في مسح مهارات البالغين لعام 2023 بأدوات طُوّرت في الأصل في سياق نموذج العوامل الخمسة الكبرى للشخصية، غير أن ثمة اختلافات بين الدراسات النفسية التي تتناول سمات الشخصية والدراسات الاجتماعية التي تتبنى مصطلح المهارات الاجتماعية والعاطفية، إذ تنظر الأخيرة إلى هذه المهارات بوصفها قدرات وظيفية، وإلى سمات الشخصية بوصفها ميولاً سلوكية. وفي الماضي، كان تعزيز المهارات الاجتماعية والعاطفية في السياقات التعليمية مدفوعاً بهدف تحديد مواطن الضعف والقصور. أما الدراسات الحالية فتؤكد أهمية هذه المهارات لتحقيق نتائج إيجابية، وتتناول عادة الكيفية التي تمكّن بها الشباب من بلوغ طموحاتهم. وثمة اختلافات مفاهيمية مهمة في طريقة تفسير قياسات مهارات معالجة المعلومات والمهارات الاجتماعية والعاطفية؛ فبينما تكون الدرجة الأعلى في القرائية أفضل دائماً، لا ينطبق ذلك على الدرجة الأعلى في الانبساط مثلاً.

اعتبارات القياس والتفسير

ثمة اختلاف مفاهيمي جوهري بين مهارات معالجة المعلومات والمهارات الاجتماعية والعاطفية. فكثيراً ما تُعد مهارات معالجة المعلومات أحادية البعد، لأن الزيادة في القرائية والحساب وحل المشكلات التكيفي مفيدة في ذاتها. فالقدرة الأكبر على معالجة المعلومات تحسّن عادة نتائج سوق العمل والمشاركة المدنية والقدرة على بلوغ الأهداف، أي أن "الأكثر أفضل دائماً". وفي المقابل، يتفاوت المستوى الأمثل للمهارات الاجتماعية والعاطفية بحسب السياق وعلى امتداد مسار الحياة. فالمثابرة الكبيرة قد تكون مفيدة في بعض البيئات، لكنها قد تعيق المرونة في بيئات أخرى، والمقبولية العالية قد تعين على التعاون والعمل الجماعي، لكنها قد تضعف قدرة الفرد على فرض سلطته واتخاذ القرارات في المواقف الخلافية الحساسة للوقت. ومن ثم لا ينطبق الحكم المعياري "الأكثر أفضل" على المهارات الاجتماعية والعاطفية، ولا سيما في القرن الحادي والعشرين، حيث تتحول السياقات وتتطور بسرعة بفعل عدم اليقين الناجم عن الأزمات والاتجاهات الكبرى.

ويؤكد هذا الاعتماد على السياق لماذا قد لا يكون النظام الذي يهدف إلى تعظيم المهارات الاجتماعية والعاطفية فحسب نظاماً أمثل. فالقدرة على التكيف كثيراً ما تنشأ من توازن بين مهارات مختلفة، معرفية واجتماعية عاطفية، لدى سكان متنوعين. وإذا كان عدم اليقين سمة رئيسية للقرن الحادي والعشرين، فإن القدرة على التكيف تصبح أمراً بالغ الأهمية. فالاتجاهات الكبرى تتطلب قوى عاملة لا تقتصر مهارتها على التفكير المجرد، وهو ما يميز مهارات معالجة المعلومات، بل تمتد إلى المهارات الاجتماعية والعاطفية، بما يمكّنها من التعاون والابتكار وتعديل استجاباتها للتغيرات السريعة.

ومن منظور القياس، قُيِّمت مهارات معالجة المعلومات في مسح مهارات البالغين لعام 2023 باختبار مصمم خصيصاً للتمييز بين الأفراد ذوي المستويات المختلفة من الإتقان، بدلاً من الاعتماد على تصورات الأفراد لأنفسهم. وقد طُوّرت المهام في هذا الاختبار لرصد ما يعنيه امتلاك مستويات مختلفة من الإتقان في القرائية والحساب وحل المشكلات التكيفي، مما يوفر تقييماً أكثر مباشرة ودقة لهذه الكفايات. وفي المقابل، قيس الاستعداد لتأجيل الإشباع والمهارات الاجتماعية والعاطفية بأدوات استبيانية قائمة على التقرير الذاتي، ومن ثم فهي ليست تقييمات موضوعية، بل تعكس الصورة التي يحملها الأفراد عن أنفسهم ومدى اعتقادهم بأن تلك الميول السلوكية مرغوبة لدى من يقدّرونهم وفي الظروف التي يتعرضون لها عادة. ولهذا الاختلاف، إلى جانب دور السياق، تداعيات على قابلية مجموعات المهارات المختلفة للمقارنة بين الدول.

فإطار القياس المعتمد لتقييم مهارات معالجة المعلومات، وطبيعتها الأحادية البعد، أتاحا إنشاء مقياس قابل للمقارنة بين الدول، مما يسمح بتحديد مستويات متصاعدة من الإتقان تعكس قدرة الأفراد على حل مهام ذات مستوى معين من الصعوبة. أما المهارات الاجتماعية والعاطفية فهي خاصة بالسياق، ولذلك لم يُنشأ لها مقياس قابل للمقارنة بين الدول. ونتيجة لذلك، ورغم إمكانية تحديد ما إذا كان الفرد أكثر انبساطاً أو انطواءً من غيره داخل دولته، فلا يمكن مقارنة مستويات الانبساط بين الدول. وبالمثل، ولأن الانحرافات السلوكية عن السلوك المعتاد في دولة ما يُرجح أن تكون خاصة بتلك الدولة، فقد قُيّد التباين في كل مهارة اجتماعية وعاطفية ليكون متساوياً داخل كل دولة، مما يعني تعذر اشتقاق مقارنات مطلقة بين الدول في مستويات هذه المهارات وتباينها.

وتتسم القرائية والحساب وحل المشكلات التكيفي بارتباط عالٍ فيما بينها في دول المنظمة؛ إذ يبلغ متوسط الارتباط بين القرائية والحساب 0.87، وبين القرائية وحل المشكلات التكيفي 0.86، وبين الحساب وحل المشكلات التكيفي 0.84. وفي المقابل، يبدو أن المهارات الاجتماعية والعاطفية قليلة الارتباط فيما بينها، باستثناء الاستقرار العاطفي والانبساط (ارتباط قدره 0.20)، ويقظة الضمير والانبساط (0.22)، ويقظة الضمير والاستقرار العاطفي (0.27)، ويقظة الضمير والمقبولية (0.25). وتتسق هذه التقديرات مع أدلة التحليلات البعدية، وتعكس أداة القياس المحددة المعتمدة، القائمة على التقدير الذاتي وعدد قليل من الأسئلة لكل مهارة. ومع أن هذه القيم تمثل متوسطات لمعاملات الارتباط الخاصة بكل دولة، فقد تختلف أنماط العلاقات داخل الدول. وتتسق هذه النتائج مع الأدبيات المتعلقة بمهارات معالجة المعلومات والمهارات الاجتماعية والعاطفية، وقد وجهت المقاربة التحليلية المستخدمة في هذا التقرير لاشتقاق ملامح المهارات استناداً إلى أبعاد المهارات التسعة.

طبيعة الفوارق في المهارات

تفرض الفوارق في المهارات في المشهد الاقتصادي سريع التغير اليوم تحديات كبيرة أمام كفاءة سوق العمل والنمو الاقتصادي الأوسع. فإخفاقات السوق كثيراً ما تعني أن بعض الأفراد لا تُتاح لهم الفرص اللازمة لتطوير المهارات المطلوبة بصورة متزايدة للنجاح في القرن الحادي والعشرين. ولتفاوت فرص تنمية المهارات، النابع من عدم تكافؤ الوصول إلى الموارد الاقتصادية والثقافية الموروثة من الأجيال السابقة، تكاليف اجتماعية واقتصادية كبيرة. وتتجلى التكاليف الاقتصادية للفوارق في المهارات في نقص المهارات وتراجع الإنتاجية، وفي نهاية المطاف انخفاض النمو.

ومن خلال فحص الفجوات الملحوظة في المهارات بين المجموعات السكانية المختلفة، يتناول هذا التقرير الكيفية التي تعيق بها العوائق الهيكلية وقصور السياسات حالياً كثيراً من الأفراد عن بلوغ كامل إمكاناتهم. فالعجز عن تطوير المهارات الأساسية للقرن الحادي والعشرين يقيّد الابتكار والدينامية الاقتصادية ويفاقم اختلالات سوق العمل. ومن شأن معالجة هذه الإخفاقات أن تحسن النتائج بالنسبة للأفراد وأن تخدم الأهداف الاقتصادية الأوسع المتمثلة في رفع الإنتاجية وتحفيز النمو. فالمجتمعات التي تقيّد فرص الارتقاء الاجتماعي أمام ذوي الظروف غير المواتية لا تستثمر الإمكانات الكامنة لدى سكانها على النحو الأمثل.

وقد تنشأ الفوارق في المهارات التي يمتلكها الأفراد وفي العوائد الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بها بسبب عوامل يستطيع الأفراد التحكم فيها، كالخيارات التي يتخذونها، وعوامل لا يستطيعون التحكم فيها، كخصائص والديهم. ويُعد تحديد الدور الذي تؤديه الظروف الخارجة عن سيطرة الفرد، والتي يُشار إليها أيضاً بـ"مصادفات الميلاد"، أمراً حاسماً إذا أريد لسياسات المهارات أن توسع الفرص للجميع بفعالية مع احترام تفضيلات الأفراد واستقلاليتهم.

وقد بحث الاقتصاديون وعلماء السياسة هذه المسائل. فوفقاً لرومر، يتحدد النجاح في الحياة عموماً بعنصرين: "الظروف"، التي لا سيطرة للأفراد عليها ولا ينبغي تحميلهم مسؤوليتها، و"الجهد"، الذي يمثل العوامل الواقعة ضمن سيطرة الفرد. وفي نظام جدارة مثالي، ينبغي أن تعكس المكافآت الجهد لا المزايا التي يمنحها الميلاد. وقد ذهب رولز ودوركين كذلك إلى أن تقييم رفاه الفرد يتطلب النظر إلى النتائج والعمليات المفضية إليها معاً، بما يضمن الحفاظ على المسؤولية الشخصية مع التخفيف من التأثير غير المبرر للحرمان الهيكلي. ويؤكد منهج القدرات لدى أمارتيا سن بالمثل أن المساواة الحقيقية في الفرص تتوقف على تعزيز قدرات الأفراد على عيش الحياة التي يقدّرونها، لا على مجرد المساواة في الوصول إلى الموارد.

وتدعم الأدلة التجريبية فكرة أن الناس يميلون إلى تقبل الفوارق الناجمة عن تفاوت الجهد أكثر من تلك الناجمة عن مزايا غير مكتسبة. ويؤكد هذا التفضيل السلوكي أهمية استخدام مصطلحات محايدة، كمصطلح "الفوارق"، لوصف الفجوات في المهارات. فخلافاً لمصطلحي "عدم المساواة" و"عدم الإنصاف" اللذين يحملان أحكاماً أخلاقية بشأن العدالة، يشير مصطلح "الفوارق" ببساطة إلى اختلافات ملحوظة بين المجموعات.

ومع ذلك، يصعب في الواقع التمييز النظري بين الجهد والظروف. فخلفية الفرد تشكّل حتماً قدرته على بذل الجهد، بما تفرضه من قيود فسيولوجية ونفسية ومادية. وكما تساءل سابولسكي، فإن مفهوم الإرادة الحرة ذاته متشابك مع هذه القيود، مما يعقّد الفصل بين الاختيار والظروف.

وتوفر النقاشات الفلسفية حول تكافؤ الفرص إطاراً مفيداً لفهم هذه المسائل. فمن جهة، توحي مُثُل الجدارة بأن النتائج ينبغي أن تكافئ الموهبة الحقيقية والعمل الجاد. ومن جهة أخرى، تكشف الأبحاث الاجتماعية أن العوامل الهيكلية قد تقيّد خيارات الأفراد وتعيق تنمية مهاراتهم. وبذلك تقع إخفاقات السوق حين تمنع العوائق الهيكلية الأفراد من بلوغ كامل إمكاناتهم، فيؤدي ذلك إلى نقص في المهارات ذي عواقب اقتصادية أوسع تتمثل في انخفاض النمو والإنتاجية.

ويميز هذا التقرير بين نوعين من الفوارق. فالفوارق داخل المجموعة تشير إلى الاختلافات في المهارات بين أفراد يتشاركون خصائص اجتماعية وديموغرافية متماثلة، وقد تنتج عن اختلافات في الموهبة أو الدافعية أو أحداث حياتية عشوائية. أما الفوارق بين المجموعات فتنشأ من العوائق الهيكلية وعدم تكافؤ الوصول إلى الفرص، كالاختلافات في التحصيل التعليمي أو نتائج سوق العمل بين الرجال والنساء أو بين أفراد من خلفيات اجتماعية واقتصادية مختلفة. وكثيراً ما تنبع هذه الفوارق من ممارسات مؤسسية راسخة، وتتطلب تدخلات سياسية موجهة.

ويفترض مثال الجدارة أن النجاح الفردي هو في المقام الأول نتاج القدرة والجهد والإنجاز. غير أن نظم الجدارة قد تُديم عن غير قصد الفوارق القائمة في الواقع إذا أغفلت القيود الهيكلية التي تحدّ من فرص بعض الأفراد. وقد ضخّم التحول الرقمي السريع والانتقال إلى الاقتصاد الأخضر وتحول الاتجاهات الديموغرافية أهمية التطوير المستمر للمهارات الملائمة. لكن عدم تكافؤ الوصول إلى الموارد الاقتصادية والثقافية عبر الأجيال يعني أن الجميع لا يحظون بالفرصة نفسها للتكيف مع هذه التغيرات. وقد يسهم نقص فرص تنمية المهارات لدى بعض المجموعات السكانية في نقص الأيدي العاملة في القطاعات سريعة النمو ويقوّض الإنتاجية الاقتصادية الإجمالية.

ومن منظور اقتصادي، فإن معالجة هذه الفوارق ليست مجرد مسألة عدالة، بل هي ضرورة استراتيجية. فمن خلال تحسين الوصول إلى التعليم والتدريب عاليي الجودة، يستطيع صانعو السياسات تعزيز القدرة الإنتاجية للقوى العاملة وتحفيز الابتكار ودعم النمو الاقتصادي المستدام. فضلاً عن ذلك، يمكن للتدخلات الموجهة أن تساعد على سد الفجوة بين الحرمان الهيكلي ومتطلبات أسواق العمل الحديثة، بما يضمن تقاسماً أوسع لمنافع التحولات التكنولوجية والبيئية.

ويتحقق تكافؤ الفرص حين يتوقف توزيع النتائج على الجهد وحده لا على الظروف. ويقع في صميم مثال الجدارة تحديد الأفراد وتمكينهم من بذل ما يستطيعون من جهد واستثمار مواهبهم استثماراً كاملاً. ويرى أنصار الجدارة أن ميزة البنى الاقتصادية والاجتماعية المنظمة حول هذا المثال تتمثل في أنها تتيح للأفراد تحويل قدراتهم الخام إلى نتائج إيجابية عبر الجهد، دون أن يقيدهم المجتمع.

وينبغي الحفاظ على المسؤولية الفردية ومكافأتها، لأنها محرك تحفيزي مهم على المستويين الفردي والاجتماعي يفضي إلى الابتكار والنمو. أما الفوارق الناشئة عن ظروف خارجة عن سيطرة الأفراد فينبغي تقليصها، لأنها تضر بالتماسك الاجتماعي بدلاً من أن تعزز الدافعية والحافز.

وتُظهر التحليلات أن تفضيلات الناس للعمل السياسي الرامي إلى تقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية في نتائج الحياة تعكس معتقداتهم حول دور الجهد مقابل الظروف في تفسير هذه النتائج، إذ يتقبل الأفراد عدم المساواة الناجم عن تفاوت الجهد أكثر من ذلك الناجم عن تفاوت الظروف. وحتى في السياقات التي ترتفع فيها الفوارق الاقتصادية، حين يعتقد الأفراد أن أبناءهم سيحققون حراكاً اجتماعياً وسينتفعون من توزيع غير متساوٍ للموارد يكافئ جهدهم، فإنهم يمتنعون عن دعم سياسات إعادة التوزيع. ومن منظور سلوكي، يفضل الأفراد التوزيعات العادلة، أي تلك التي تعكس مستوى الجهد المبذول لتحقيق نتائج معينة، على التوزيعات المتساوية، أي تلك التي تتساوى فيها النتائج بصرف النظر عن الجهد. بل إن الناس، حين يتعارض العدل مع المساواة، يفضلون عدم المساواة العادل على المساواة غير العادلة. وتؤكد هذه الرؤى أهمية التمييز الدقيق بين مصادر الفوارق الملحوظة في نتائج حياة الناس، وما إذا كانت ناشئة عن "عوامل الاختيار" أو عن "مصادفات الميلاد".

ويُبرز مصطلح "مصادفات الميلاد" أن الفروق في المهارات تُلاحظ بين المجموعات السكانية، سواء بحسب النوع الاجتماعي أو الخلفية الاجتماعية والاقتصادية أو تاريخ الهجرة أو غيرها من الخصائص، وأن هذه الفروق تُترجم أحياناً إلى عوائد متفاوتة، كأجور أعلى أو أدنى وظروف عمل أفضل أو أسوأ. وليس القصد من ذلك التقليل من شأن المخاوف المتعلقة بالعدالة أو أهمية تكافؤ الفرص، بل هو مجرد إقرار بأن المهارات ومنافعها تتفاوت لأسباب كثيرة؛ بعضها يُرجح ارتباطه بالبنى الاجتماعية الأوسع أو الممارسات المؤسسية، وبعضها الآخر يعكس الطرق المتنوعة التي يمارس بها الناس إرادتهم.

ويعكس مدى تفاوت مهارات الأفراد بين السكان درجة عدم المساواة في المهارات داخل المجتمعات، مما يثير تساؤلات جوهرية حول العدالة والكفاءة. ولفهم ديناميكيات هذه الفوارق فهماً أفضل، لا بد من قياس التباين الإجمالي في المهارات الجوهرية للقرن الحادي والعشرين لدى السكان، وكذلك تحديد مقدار هذا التباين الذي يمكن عزوه إلى خصائص اجتماعية وديموغرافية خارجة عن سيطرة الأفراد. وتتمثل هذه الخصائص في هذا التقرير في النوع الاجتماعي والمستوى التعليمي للوالدين ومهنتهما والخلفية المهاجرة وسياق السكن في الطفولة. وتشكّل هذه الخصائص المسارات النمائية للأفراد، فتصوغ فرصاً لازدهار المواهب بمعزل عن الجهد.

ولتوضيح الدور الذي تؤديه "مصادفات الميلاد" في تشكيل تنمية المهارات وعوائدها، يتناول هذا التقرير أبعاداً رئيسية تعكس العوامل الهيكلية المؤثرة في فرص الأفراد لتنمية مهاراتهم. وتشمل هذه الأبعاد المستوى التعليمي للوالدين، ومهنة الوالدين، والنوع الاجتماعي، وسياق السكن في الطفولة، والخلفية المهاجرة، والعمر الذي يعكس أيضاً آثار الجيل الذي ينتمي إليه الفرد. ويقدم كل من هذه المؤشرات رؤى حول الموارد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الموروثة عند الميلاد، ومدى ما يمكن أن تفرضه إخفاقات السوق من قيود على تنمية المهارات.

نشوء الفوارق في تنمية المهارات ونتائج سوق العمل

قد تنشأ الفوارق في تنمية المهارات وفي كيفية تحولها إلى نتائج في سوق العمل عبر مسارات متعددة: الوصول إلى التعليم وجودته، والعوائق الاجتماعية والاقتصادية، والتمييز والتحيز، وأطر السياسات والمؤسسات. فالتفاوت في الوصول إلى برامج التعليم والتدريب عالية الجودة قد يفضي إلى فجوات كبيرة في المهارات بين المجموعات المختلفة، وتسهم في هذه الفوارق عوامل كتفاوت التمويل والموقع الجغرافي وتوفر المقررات المتقدمة. وقد يواجه الأفراد المحرومون اجتماعياً واقتصادياً تحديات إضافية في اكتساب المهارات، كمحدودية الموارد والقيود المالية، مما قد يدفعهم إلى الجمع بين متابعة التعليم والعمل بدوام جزئي أو الانشغال بواجبات الرعاية. كما يعاني من يعيشون في فقر مستويات أعلى من الإجهاد وسوء التغذية، مما قد يعيق نموهم المعرفي والنفسي والجسدي. وفي الحالات الحادة، قد يحد الحرمان المادي والصدمات النفسية من قدرة الأفراد على اكتساب المهارات. ويمكن للتمييز المنهجي القائم على العرق أو الإثنية أو النوع الاجتماعي أو غيرها من الخصائص الاجتماعية والديموغرافية أن يعيق قدرة الأفراد على اكتساب مهاراتهم واستخدامها بفعالية في سوق العمل، فيفضي إلى تفاوت في فرص العمل ونتائجه. ويؤدي تصميم سياسات المهارات وتنفيذها دوراً حاسماً في التخفيف من عدم المساواة أو مفاقمته. فالسياسات التي لا تراعي الاحتياجات المتنوعة للمجموعات الديموغرافية المختلفة قد تعزز الفوارق القائمة عن غير قصد. كما أن الطبيعة سريعة التغير لمتطلبات المهارات في القرن الحادي والعشرين قد ترسخ الفوارق أكثر إذا لم تتكيف السياسات لدعم التنمية المستمرة للمهارات بين المجموعات المختلفة.

التحصيل التعليمي للوالدين ومكانتهما المهنية

يُعترف على نطاق واسع بأن المستوى التعليمي للوالدين ومهنتهما من المحددات المحورية للبيئة الاجتماعية والاقتصادية التي يولد فيها الفرد وينمو. فارتفاع المستوى التعليمي للوالدين كثيراً ما يرتبط بوصول أكبر إلى المعلومات والشبكات ورأس المال الثقافي، وكلها عوامل قد تعزز بيئة تعلم الطفل. وبالمثل، لا تعكس مهنة الوالدين الموارد الاقتصادية فحسب، بل تعكس أيضاً المكانة الاجتماعية والفرص المتاحة للوالدين لتوفير ما يلزم لنمو أطفالهم المعرفي والاجتماعي. ومن خلال تحديد ما إذا كان توزيع المهارات بين السكان يتفاوت بصورة منهجية بحسب المستوى التعليمي للوالدين ومكانتهما المهنية، يتتبع هذا التقرير انتقال المزايا والحرمان من جيل إلى الذي يليه، مفصّلاً بعض العوائق الهيكلية التي تقيّد تنمية المهارات.

ويصنف هذا التقرير البالغين في مجموعتين بحسب مهنة والديهم أو أولياء أمورهم حين كانوا في الرابعة عشرة من العمر. تضم الأولى البالغين الذين عمل أحد والديهم على الأقل مديراً أو مهنياً متخصصاً أو فنياً أو مهنياً مساعداً، وهي مهن عالية المكانة تقع ضمن المجموعات الأولى والثانية والثالثة وفق التصنيف الدولي الموحد للمهن. وتضم الثانية البالغين الذين عمل والداهم في وظائف الدعم المكتبي، أو الخدمات والمبيعات، أو الزراعة والغابات وصيد الأسماك الماهرة، أو الحرف والمهن المرتبطة بها، أو تشغيل المصانع والآلات والتجميع، أو المهن الأولية، وهي مهن منخفضة المكانة تقع ضمن المجموعات من الرابعة إلى التاسعة في ذلك التصنيف. وحين تتوفر المعلومات عن أحد الوالدين فقط، تُستخدم مهنته في التحليل.

كما يصنف البالغون في مجموعتين بحسب التحصيل التعليمي لوالديهم أو أولياء أمورهم حين كانوا في الرابعة عشرة من العمر، وفق التصنيف الدولي الموحد للتعليم لعام 2011. تضم الأولى البالغين الذين حصل أحد والديهم على الأقل على مؤهل من مستوى التعليم العالي، أي المستويات من الخامس إلى الثامن، وتضم الثانية البالغين الذين لم يتم والداهم درجة جامعية. وقد قُيّم التحصيل التعليمي استناداً إلى المؤهلات المتاحة حالياً أو سابقاً في الدولة المعنية، ثم حُوّلت المستويات الوطنية إلى ما يقابلها في التصنيف الدولي.

سياق السكن في الطفولة

تؤدي البيئة التي ينشأ فيها الشخص، سواء أكانت ريفية أم بلدة صغيرة أم مدينة كبيرة، دوراً مهماً في تشكيل وصوله إلى التعليم الجيد وفرص المشاركة في الأنشطة اللاصفية والتعرض لفرص سوق العمل والموارد الاقتصادية المحلية. ففي بعض الدول، قد توفر البيئات غير الحضرية موارد أقل وفرصاً أقل للوصول إلى البرامج التعليمية المتقدمة مقارنة بالمراكز الحضرية، مما يحد من فرص تنمية المهارات لدى أبناء هذه المناطق. وفي دول أخرى، قد تعرّض أحياء وسط المدن الشبابَ للحرمان الاقتصادي؛ وقد يكون ذلك لدى بعضهم حافزاً لتغيير ظروفهم، بينما قد يولد لدى آخرين افتقاراً إلى الطموح. ومن خلال إدراج سياق السكن، يقر التحليل في هذا التقرير بالكيفية التي تسهم بها العوامل الجغرافية، الخارجة غالباً عن سيطرة الفرد، في الفوارق طويلة الأمد في تنمية المهارات وعوائدها. ويُرصد سياق السكن في الطفولة بمؤشر يبيّن ما إذا كان المستجيب يعيش في سن الرابعة عشرة في مدينة، أو في ضواحي مدينة كبيرة أو أطرافها، أو في بلدة، أو في قرية أو مزرعة في الريف.

النوع الاجتماعي

لا يزال الرجال والنساء يسلكون مسارات تعليمية ومسارات في سوق العمل مختلفة. ومن خلال تحليل الفوارق في المهارات التي يمتلكها الرجال والنساء، والفروق في عوائد هذه المهارات في سوق العمل، يمكن تناول بعض العوائق المستمرة المرتبطة بالصور النمطية الجندرية والتوقعات المجتمعية والتحيزات المحتملة في الوصول إلى التعليم والتدريب. ومن خلال هذا التحليل، يسلط التقرير الضوء على التداعيات الاقتصادية لهذه الفوارق.

الخلفية المهاجرة

فيما يتعلق بالخلفية المهاجرة، ينصب تركيز هذا التقرير على أبناء المهاجرين، أي الأفراد المولودين في الدولة التي يقيمون فيها لوالدين غير مولودين فيها، والأفراد المولودين في دولة أخرى ممن انتقلوا إلى دولة إقامتهم الحالية في طفولتهم قبل سن الثامنة عشرة، لا من هاجروا إلى دولة إقامتهم وهم بالغون. ويرصد ذلك بُعداً آخر حاسماً من "مصادفات الميلاد"، إذ لم تكن الهجرة بالنسبة لهؤلاء الأفراد خياراً اتخذوه، بل ظرفاً شكّل حياتهم. وكثيراً ما تنطوي الهجرة على تحديات وفرص معاً، تتراوح بين العوائق اللغوية والثقافية وتعزيز التنوع والتعرض لمجموعات مهارات متنوعة. وهذا البعد جوهري لفهم الكيفية التي يؤثر بها رأس المال الثقافي الموروث وعملية الاندماج في تنمية المهارات وفي نتائج سوق العمل اللاحقة. ولأن المجتمعات المهاجرة تتباين تبايناً واسعاً بين الدول والاقتصادات من حيث حجمها وتركيبها وتاريخ هجرتها، فقد تختلف النتائج المتوسطة المتعلقة بالفروق بحسب الخلفية المهاجرة، أكثر من غيرها من الأبعاد، اختلافاً كبيراً عن نتائج دول أو اقتصادات بعينها. أما المهاجرون فيُعرَّفون بأنهم من هاجروا إلى دولة إقامتهم في سن الثامنة عشرة أو بعدها، بينما يُعرَّف غير المهاجرين بأنهم المولودون في دولة إقامتهم لوالدين مولودين فيها أيضاً.

العمر والجيل

يمثل العمر مؤشراً بديلاً مهماً لا لمرحلة حياة الفرد فحسب، بل أيضاً للسياق التاريخي والاقتصادي الذي نشأ فيه. ولأن البيانات المستخدمة في التقرير مقطعية في أغلبها، فإن العمر يعكس عموماً آثار دورة الحياة، والتأثيرات الخاصة بكل جيل، وآثار الفترة الزمنية، أي التوقيت المحدد الذي جُمعت فيه البيانات. فالفروق العمرية تعكس الفروق المرتبطة بعملية التقدم في السن، لكنها تعكس أيضاً الفروق بين الأجيال في سياسات التعليم والتطورات التكنولوجية والظروف الاقتصادية، وكلها تسهم إسهاماً كبيراً في تشكيل الفرص المتاحة للأجيال المختلفة لتنمية مهاراتها واستخدامها بفعالية في سوق العمل. وهذا المنظور المزدوج حاسم لتحديد الاتجاهات التي قد تحجبها دراسة أحد هذين الجانبين وحده. ويصنف هذا التقرير البالغين في ثلاث مجموعات عمرية: من 16 إلى 29 عاماً، ومن 30 إلى 49 عاماً، ومن 50 إلى 65 عاماً. وتضم المجموعة الأولى الأفراد الذين يمرون بمرحلة "التعلم"؛ إذ تشير الأدلة السابقة إلى أن الشباب يحسّنون عموماً إتقانهم لمهارات معالجة المعلومات حتى أواخر العشرينيات من أعمارهم. وتضم المجموعة الثانية العاملين في ذروة سن العمل، والثالثة البالغين الناضجين.

الأثر المحلي للأزمات والاتجاهات الكبرى

تختلف الدول في الكيفية التي شكّلت بها الأزمات والاتجاهات الكبرى سكانها في الماضي، والكيفية التي يُتوقع أن تواصل بها تشكيلهم في المستقبل. فعلى سبيل المثال، تحولت بعض الدول على مدار القرن العشرين من أماكن هجرة إلى الخارج في المقام الأول إلى وجهات للوافدين الجدد في الغالب. وبالمثل، أفضت الأنماط المتمايزة للتحضر والمشاركة التعليمية والتنمية الاقتصادية إلى اختلافات ملحوظة في البنى السكانية بين الدول وعبر الزمن.

ونظراً لأن مسح مهارات البالغين لعام 2023 يجمع بيانات تمثيلية عن السكان البالغين من سن السادسة عشرة إلى الخامسة والستين، فإنه يتيح فرصة فريدة لمقارنة أجيال من المجموعات السكانية التي كثيراً ما تكون محور تدخلات المهارات، والتي تغير انتشارها على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين والربع الأول من القرن الحادي والعشرين. وقد لا تشارك هذه المجموعات على قدم المساواة في تنمية المهارات، وقد تواجه عوائق أمام دخول سوق العمل أو المشاركة الاجتماعية الأوسع، أو قد تتلقى مكافآت غير متكافئة لمجموعات مهاراتها.

وعند مقارنة أجيال الأفراد المولودين بين عامي 1958 و2007، شهدت جميع الدول والاقتصادات المشاركة في المسح تراجعاً في نسبة الأفراد المصنفين محرومين اجتماعياً واقتصادياً، سواء قيس ذلك بالمستوى التعليمي للوالدين أو بمهنتهما. ففي المتوسط عبر دول المنظمة التي تتوفر بياناتها، لم يكن لدى 79% من البالغين المولودين بين عامي 1958 و1973، أي من تراوحت أعمارهم بين 50 و65 عاماً في 2023، والد حاصل على تعليم عالٍ، بينما بلغت هذه النسبة 49% لدى البالغين المولودين بين عامي 1994 و2007، أي من تراوحت أعمارهم بين 16 و29 عاماً في 2023. وقد سُجلت بعض أشد الانخفاضات في نسبة من ليس لديهم والدان حاصلان على تعليم عالٍ في دول شرق آسيا كاليابان وكوريا وسنغافورة، بينما ظهرت انخفاضات أصغر في ألمانيا وإيطاليا وجمهورية سلوفاكيا. وبالمثل، تراجعت في المتوسط عبر دول المنظمة نسبة الأفراد الذين عمل والداهم في مهن منخفضة المكانة من 65% لدى المولودين بين عامي 1958 و1973 إلى 46% لدى المولودين بين عامي 1994 و2007. وانخفضت هذه النسبة في جميع الدول والاقتصادات الإحدى والثلاثين المشاركة في المسح، وسُجلت أكبر التغيرات في الدنمارك والبرتغال وسنغافورة، وأصغرها في إستونيا ونيوزيلندا وجمهورية سلوفاكيا.

وقد أفضى التحضر إلى هجرة داخلية من البيئات الريفية إلى الحضرية. ففي المتوسط عبر دول المنظمة التي تتوفر بياناتها، تراجعت نسبة الأفراد الذين قضوا سنوات تكوينهم في مزرعة أو في بيئة ريفية من 39% لدى البالغين المولودين بين عامي 1958 و1973 إلى 30% لدى المولودين بين عامي 1994 و2007. وفي المقابل، ارتفعت نسبة من نشأوا في بلدات أو مدن صغيرة من 28% لدى الأجيال الأكبر سناً إلى 33% لدى الجيل الأصغر، كما ارتفعت نسبة من نشأوا في المدن الكبيرة أو ضواحيها من 33% إلى 37%. غير أن الدول لم تشهد جميعها أنماطاً متماثلة.

ولأنماط الهجرة الداخلية هذه تداعيات على تنمية المهارات. فالتحولات من الريف إلى الحضر تؤثر في الفرص التعليمية وفرص سوق العمل، إذ كثيراً ما توفر المناطق الحضرية الكبرى وصولاً أوسع إلى التدريب المتقدم وخيارات التوظيف. ويتطلب ضمان عدم حرمان سكان المناطق الريفية معالجة الفجوات في البنية التحتية والاتصال الرقمي وبرامج التدريب المحلية. وبالمثل، قد يرهق النمو الحضري السريع النظم القائمة في البلدات والمدن، مما يؤكد الحاجة إلى سياسات توزع الموارد والخدمات توزيعاً متناسباً، بما يمكّن السكان الأكبر سناً والأصغر سناً على حد سواء من اكتساب المهارات الملائمة لسوق عمل متغيرة.

دور صنع السياسات في معالجة الفوارق في المهارات

تشير التحليلات الواردة في هذا التقرير إلى أن الفوارق في المهارات لا تزال واسعة الانتشار في دول المنظمة، وتترتب عليها عواقب كبيرة بالنسبة للأفراد والاقتصادات. فلا تزال المهارات الجوهرية للقرن الحادي والعشرين، أي القرائية والحساب وحل المشكلات التكيفي، فضلاً عن المهارات الاجتماعية والعاطفية والاستعداد لتأجيل الإشباع، موزعة توزيعاً غير متكافئ بين المجموعات، وهو ما يتناوله الفصل الثاني. كما أن الفرص في التعليم والتدريب على امتداد مسار الحياة غير متكافئة، وكثيراً ما توسع فجوات المهارات الأولية، إذ يحصل ذوو الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية الميسورة على قدر أكبر من التعليم وعلى تعليم أعلى جودة، ويشاركون أكثر في رفع المهارات بمرور الوقت، وهو ما يتناوله الفصل الثالث. وتُظهر التحليلات أيضاً أن الفوارق في المهارات تتحول إلى اختلافات واضحة في نتائج سوق العمل، مع أوجه قصور مهمة في طريقة تنمية المواهب واستخدامها، وهو ما يتناوله الفصل الرابع.

وتسلط هذه النتائج مجتمعة الضوء على تحدٍّ مزدوج أمام صانعي السياسات: أولاً، توسيع الوصول إلى تنمية المهارات منذ الطفولة المبكرة وحتى مرحلة البلوغ، وثانياً، ضمان المواءمة الفعالة بين هذه المهارات والوظائف المنتجة والمجزية. ومواجهة هذا التحدي ضرورية للإنصاف والنمو الاقتصادي معاً. فعدم المساواة في المهارات والفرص لا يقوّض العدالة فحسب، بل يعيق أيضاً الإمكانات الاقتصادية بإهدار المواهب وعرقلة نمو الإنتاجية. ومن خلال كبح الحراك الاجتماعي والتوزيع الكفء للمواهب، قد يفضي عدم تكافؤ الفرص إلى تباطؤ النمو. ويُعد توسيع الوصول إلى التعليم الجيد منذ الطفولة ورفع المهارات على امتداد الحياة العملية مفتاحاً لتحقيق نمو أكثر شمولاً.

ويُبنى النقاش حول الإجراءات السياسية في هذا الفصل على مجالات سياسية حاسمة تمتد على دورة الحياة، من تعليم الطفولة المبكرة إلى التعليم النظامي فنظم تعلم الكبار مدى الحياة، ثم التوجيه المهني وممارسات سوق العمل، بما يعكس الحاجة إلى استجابة شاملة على مستوى المنظومة بأكملها. ولكل مجال، تُناقش السياسات الموجهة القادرة على تضييق فجوات المهارات ومعالجة أوجه القصور في تنمية المهارات ومواءمتها، وتعزيز الإنصاف والأداء الاقتصادي الأقوى معاً. وتُستعرض أمثلة على الممارسات الفضلى من دول المنظمة لتوضيح الكيفية التي يمكن بها للدول التصدي لهذه التحديات عملياً. والرسالة العامة واضحة: إن سد الفوارق في المهارات وتحسين مواءمتها ليس ضرورة اجتماعية فحسب، بل هو ضرورة اقتصادية في القرن الحادي والعشرين، تتطلب عملاً منسقاً من النظم التعليمية وأصحاب العمل والحكومات لإطلاق الطاقة الإنتاجية الكاملة للمجتمعات.

الفوارق في المهارات من الطفولة المبكرة إلى البلوغ: النتائج الرئيسية

تُعد المهارات مؤشراً قوياً على النجاح في الاقتصادات الحديثة القائمة على المعرفة. وتشكّل الفوارق الأولية في المهارات المرتبطة بظروف اجتماعية وديموغرافية خارجة عن سيطرة الفرد، كالنوع الاجتماعي والمستوى التعليمي للوالدين ومهنتهما وسياق السكن في الطفولة والخلفية المهاجرة، اكتساب مهارات القرن الحادي والعشرين تشكيلاً قوياً، كما يكشف الفصلان الثاني والثالث. ورغم أن هذه الفوارق منتشرة على نطاق واسع بين الدول، فإن حجم الفجوات يتفاوت تفاوتاً كبيراً، مما يوحي بأن العمل السياسي والتدخلات قادرة على تقليص عمق الحرمان الذي تواجهه مجموعات سكانية بعينها.

ويفضي التوزيع غير المتكافئ للمهارات إلى تفاوت في فرص العمل ونتائجه في سوق العمل؛ فالعاملون الأعلى إتقاناً للقرائية والحساب وحل المشكلات التكيفي أكثر احتمالاً للحصول على عمل، ويكسبون أجوراً أعلى بكثير متى عملوا. فعلى سبيل المثال، ومع ثبات العوامل الأخرى، ترتبط زيادة انحراف معياري واحد في إتقان الحساب بأجر بالساعة أعلى بنحو 5%. وبالمثل، ترتبط المؤهلات التعليمية الأعلى بدخول أعلى بصورة ملحوظة؛ إذ يكسب البالغون الحاصلون على مؤهل ثانوي أعلى ذي توجه مهني أكثر بنسبة 3% من البالغين المماثلين لهم ممن لم يتموا التعليم الثانوي الأعلى. وتواجه المجموعات ذات المهارات الأدنى ومن لم يسعوا إلى مؤهلات متقدمة حرماناً شديداً في سوق العمل، وتُفسَّر أغلب الفوارق في معدلات التوظيف والأجور بين المجموعات الاجتماعية والاقتصادية بالاختلافات في المهارات والانخراط في التعلم مدى الحياة. فعلى سبيل المثال، يقل احتمال حصول البالغين الذين لم يحصل والداهم على تعليم عالٍ على عمل، إذ يبلغ معدل توظيفهم 78%، مقارنة بمن لديهم والدان حاصلان على تعليم عالٍ (86%)، غير أن الفارق يكاد يتلاشى بعد ضبط تعليم الأفراد أنفسهم ومهاراتهم.

العمر

في دول المنظمة، يمتلك البالغون الناضجون، أي من تتراوح أعمارهم بين 50 و65 عاماً، مهارات جوهرية للقرن الحادي والعشرين أدنى من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و29 عاماً. ففي المتوسط عبر دول المنظمة، يقل إتقان الحساب لدى الفئة الأكبر سناً بمقدار 0.36 انحراف معياري عن إتقان الفئة الأصغر. وتبرز الفروق العمرية في مهارات القرن الحادي والعشرين بشكل خاص في تشيلي وسنغافورة، حيث يقل أداء البالغين الناضجين بمقدار 0.89 انحراف معياري عن نظرائهم الأصغر سناً، بينما يحقق البالغون الناضجون في نيوزيلندا والسويد المستوى نفسه الذي يحققه الأصغر سناً. وتعكس هذه الفروق التوسع في الفرص التعليمية في العقود الماضية، وحقيقة أن كثيراً من الشباب ينخرطون بنشاط في تنمية المهارات لأنهم لا يزالون طلبة أو يشاركون في التعلم غير النظامي.

وتنشأ فجوات المهارات الكبيرة بين الأفراد ذوي الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والأنواع الاجتماعية المختلفة مبكراً، وكثيراً ما تتسع مع تقدمهم في العمر. فعلى سبيل المثال، يتخلف الأطفال المنحدرون من أسر محرومة اجتماعياً واقتصادياً عن أقرانهم الميسورين في المهارات الجوهرية منذ المدرسة الابتدائية؛ ففي سن العاشرة، يبلغ الفارق في إتقان الحساب بين الأطفال الذين لديهم والدان حاصلان على تعليم عالٍ ومن ليس لديهم ذلك 0.64 انحراف معياري في المتوسط عبر دول المنظمة، ويتراوح بين 0.34 انحراف معياري في الدنمارك و1.06 في المجر. ومع تقدم الطلبة في التعليم الإلزامي، تؤدي المدارس في أغلب الدول دوراً معادِلاً، فتضيّق جزئياً الفجوات الأولية في المهارات الجوهرية كالقرائية والحساب. فبالنسبة للجيل ذاته من الطلبة، بلغ متوسط الفجوة في سن الخامسة عشرة 0.42 انحراف معياري، وكان 0.60 في تشيكيا و0.26 فقط في الدنمارك.

الخلفية الاجتماعية والاقتصادية

بعد انتهاء التعليم النظامي، تتسع الفوارق في المهارات بين المجموعات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة خلال الشباب ومرحلة البلوغ، بما يعكس الاختلافات في فرص التعلم النظامي وغير الرسمي. فالأفراد المنحدرون من خلفيات ميسورة أكثر احتمالاً لإتمام مؤهلات التعليم العالي، والالتحاق بتخصصات ذات عوائد مرتفعة في سوق العمل، والانخراط في تعلم مستمر للكبار، بينما كثيراً ما ينهي المحرومون تعليمهم مبكراً ويحظون بفرص أقل لرفع مهاراتهم. وتعني هذه الميزة التراكمية أن المسارات التعليمية، وتحديد من يكتسب المهارات ويحافظ عليها طوال الحياة، لا يزالان يعتمدان اعتماداً حاسماً على موارد الأسرة.

وتعني الفوارق في الوصول إلى فرص تعلم الكبار أن العاملين ذوي المهارات العالية، الذين كثيراً ما نشأوا في ظروف ميسورة، يواصلون تحسين مهاراتهم، بينما يتعرض ذوو الإتقان الأدنى لخطر التخلف أكثر، في نمط يميل إلى تعزيز الفوارق القائمة. وتنبع الفروق الاجتماعية والاقتصادية في تعلم الكبار إلى حد بعيد من عوامل هيكلية كالمسارات التعليمية وسياقات العمل. فالعاملون في مهن لا تتطلب عادة مؤهلات متقدمة عند الالتحاق بها، أو في مهن تنتشر فيها عقود العمل غير المستقرة، يحظون بفرص تدريب أقل يقدمها أصحاب العمل، ويواجهون عوائق أكثر، كالتكلفة والوقت ونقص المعلومات، أمام سعيهم إلى التعلم بأنفسهم. وفي الوقت ذاته، كثيراً ما يكون البالغون ذوو الأسس المتينة والموارد الوفيرة أقدر على الانخراط في التعلم المستمر وأكثر تحفيزاً له، ويميل أصحاب العمل إلى الاستثمار أكثر في تدريبهم. ويختلف محتوى التدريب أيضاً؛ إذ يُمثَّل البالغون المنحدرون من خلفيات محرومة تمثيلاً زائداً في دورات ضيقة خاصة بوظائف محددة، بينما يسعى الميسورون أكثر إلى دورات تنمّي مهارات كالإدارة واللغات الأجنبية وتقنيات المعلومات والاتصالات المتقدمة. وباختصار، تميل الفوارق المبكرة إلى التراكم بمرور الوقت؛ فالفجوات الأولية في التعليم تفضي إلى مسارات توظيف وتدريب مختلفة، تزيد بدورها اتساع هوة المهارات في مرحلة البلوغ.

وتمثل الفوارق في تنمية المهارات والمؤهلات التعليمية قناة رئيسية تنتقل عبرها الميزة أو الحرمان الاجتماعي والاقتصادي عبر الأجيال، مع آثار ممتدة على توقعات التوظيف. فالفوارق في الأجور بين ذوي الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية المرتفعة والمنخفضة تتقلص بشدة عند أخذ الفروق في المهارات في الحسبان؛ إذ يكسب البالغون الذين لديهم والدان حاصلان على تعليم عالٍ في المتوسط أكثر بنسبة 9% ممن ليس لديهم ذلك، وهو فارق يُفسَّر بالكامل باختلاف المجموعتين في المهارات والمؤهلات التعليمية. ومن المهم الإشارة مع ذلك إلى أن نماذج الانحدار الخاصة بتعليم الوالدين ومهنتهما يضبط كل منها الآخر. ولأن هذين البعدين من أبعاد الخلفية الاجتماعية والاقتصادية مرتبطان ارتباطاً وثيقاً، إذ يبلغ متوسط الارتباط بينهما نحو 0.5 عبر دول المنظمة، فقد يقلل هذا النهج من تقدير الأثر الكامل للخلفية الأسرية. وإحصائياً، يعكس ذلك التعدد الخطي بين المتنبئات عالية الارتباط، مما قد يفضي إلى انحياز نحو التقليل وتقديرات أصغر للمعاملات. وفي الواقع، يعاني كثير من الأفراد حرماناً متداخلاً على مستوى تعليم الوالدين ومهنتهما، مما يعني أن الأثر التراكمي للأصل الاجتماعي على المهارات والدخل كثيراً ما يكون أقوى مما يوحي به كل مقياس منفرداً.

ويتجذر التفاوت في المشاركة في التعليم والتدريب بعد انتهاء التعليم الإلزامي في اختلاف مستويات المهارات، وكذلك في الخيارات والفرص، ويمثل محركاً رئيسياً لاتساع الفوارق في المهارات بين الأفراد ذوي الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة. فالأفراد المنحدرون من خلفيات أيسر لا يدرسون لفترات أطول ويحققون مؤهلات نظامية أعلى فحسب، بل كثيراً ما يدرسون بطريقة مختلفة أيضاً، فيختارون تخصصات وأشكالاً دراسية تحقق مردوداً أكبر من المهارات. فعلى سبيل المثال، يحصل 62% من البالغين الذين عمل والداهم في مهن عالية المكانة على درجة البكالوريوس أو أعلى، مقارنة بـ14% فقط من البالغين الذين عمل والداهم في مهن منخفضة المكانة.

وثمة كذلك فوارق لافتة في تعلم الكبار بين ذوي الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة. إذ يزيد احتمال مشاركة البالغين الذين عمل والداهم في مهن عالية المكانة في التعلم غير النظامي بمقدار 14 نقطة مئوية على البالغين الذين عمل والداهم في مهن منخفضة المكانة، وهو فارق تجاوز 20 نقطة مئوية في إيطاليا، وانخفض إلى 4 نقاط مئوية فقط في كوريا.

النوع الاجتماعي

تتفوق الفتيات على الفتيان في القراءة خلال المرحلة الثانوية، لكن هذه الميزة تتضاءل في مرحلة البلوغ. أما الفتيان، فتتسع ميزتهم في الحساب من المراهقة إلى البلوغ. وتشير هذه الأنماط إلى وجود "أرضيات لاصقة" و"أسقف زجاجية" في تنمية المهارات، أي أن المجموعات الأقل مهارة، وكثيراً ما تكون من ذوي الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية المنخفضة أو من بعض فئات الأقليات، تعاني صعوبة في الارتقاء من القاع، وأن بعض المجموعات عالية المهارة، كالنساء، تواجه عوائق أمام بلوغ أعلى مستويات المهارة. ورغم أن النساء أكثر احتمالاً من الرجال للسعي إلى مؤهلات تعليمية متقدمة، فإنهن أقل احتمالاً لاختيار مسارات تعليمية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. ففي المتوسط عبر دول المنظمة، يقل احتمال إتمام النساء لبرامج البكالوريوس أو البرامج الأعلى ذات التوجه نحو هذه المجالات بمقدار 28 نقطة مئوية مقارنة بالرجال، ويقل احتمال إتمامهن للبرامج المهنية ذات التوجه نفسه بمقدار 52 نقطة مئوية. وكان الفارق بين الرجال والنساء في المشاركة في برامج البكالوريوس أصغر ما يكون في البرتغال (19 نقطة مئوية)، وأكبر ما يكون في ألمانيا (40 نقطة مئوية). أما الفوارق في المشاركة في دورات التعليم والتدريب المهني فكانت أكبر ما يكون في كندا والإقليم الفلمنكي في بلجيكا ونيوزيلندا، وأصغر ما يكون في إسرائيل.

والنساء أقل احتمالاً من الرجال للحصول على عمل، ويكسبن أقل من الرجال حين يعملن. وتظل هذه الفروق واضحة حتى بعد أخذ الفروق في المهارات والمؤهلات في الحسبان. فبعد ضبط الخصائص الاجتماعية والديموغرافية، يزيد احتمال توظيف الرجال بمقدار 8 نقاط مئوية على النساء في المتوسط عبر دول المنظمة. فضلاً عن ذلك، تكسب النساء في المتوسط أقل من الرجال بنحو 16% في الساعة، وهي فجوة تظل كبيرة حتى بعد ضبط التحصيل التعليمي وإتقان المهارات. ويعني ذلك أن عوامل تتجاوز المهارات، كالصور النمطية المهنية والتمييز والاختلاف في ساعات العمل أو مسؤوليات الرعاية والوصول إلى المعلومات والفرص، تؤدي دوراً مهماً في تفسير الفوارق بين الجنسين في سوق العمل. ويميل الرجال والنساء إلى العمل في وظائف وصناعات مختلفة، وكثيراً ما تقدم المهن التي تغلب عليها النساء أجوراً أقل من تلك التي يغلب عليها الرجال، حتى عند تماثل متطلبات المهارات. ففي المتوسط تعمل نحو 13% من النساء في مهن يغلب عليها الرجال، ويعمل 15% من الرجال في مهن تغلب عليها النساء. وتعزز هذه الأنماط فجوات الأجور، إذ تقدم المجالات التي يكثر فيها الرجال، كالتكنولوجيا والهندسة، أجوراً أعلى عادة من المجالات التي تكثر فيها النساء، كالرعاية والتعليم، عند مستويات المهارات المكافئة.

سياق السكن في الطفولة

يمتلك البالغون الذين نشأوا في المدن في المتوسط مستويات أعلى من الإتقان في المهارات الجوهرية للقرن الحادي والعشرين مقارنة بمن نشأوا في البلدات أو القرى. ففي دول المنظمة، يزيد إتقان الحساب لدى من نشأوا في المدن بمقدار 0.18 انحراف معياري في المتوسط على من نشأوا في القرى. وتبرز الفروق المرتبطة بسياق السكن في الطفولة بشكل خاص في تشيلي، حيث يتمتع من نشأوا في المدن بإتقان أعلى بكثير في الحساب ممن نشأوا في القرى (0.72 انحراف معياري)، وفي هولندا، حيث يتمتع من نشأوا في القرى بإتقان أعلى بكثير في الحساب ممن نشأوا في المدن (0.29 انحراف معياري). وتعكس هذه الفروق إلى حد ما اختلافات الخلفية الاجتماعية والاقتصادية بين المجتمعات الحضرية والريفية؛ ففي المتوسط ينخفض الفارق من 0.18 إلى 0.11 انحراف معياري عند ضبط المستوى التعليمي للوالدين ومهنتهما، ثم من 0.11 إلى 0.04 عند ضبط التحصيل التعليمي أيضاً.

والشباب المنحدرون من مجتمعات حضرية أكثر احتمالاً بكثير لإتمام التعليم العالي من نظرائهم في المناطق الريفية. ففي المتوسط عبر دول المنظمة، أتم 40% من البالغين الذين نشأوا في المدن درجة البكالوريوس أو مؤهلاً أعلى، مقارنة بـ26% فقط ممن نشأوا في القرى. وتبلغ هذه الفجوة أقصاها في كوريا (30 نقطة مئوية) وأدناها في الإقليم الفلمنكي في بلجيكا (نقطة مئوية واحدة).

كما أن البالغين الذين نشأوا في المدن أكثر احتمالاً للمشاركة في تعليم الكبار ممن نشأوا في القرى. ويبلغ الفارق 5 نقاط مئوية في المتوسط عبر دول المنظمة، ويعكس بالكامل الاختلافات في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بين المجموعتين. وتُسجَّل أكبر ميزة لمن نشأوا في المدن في تشيلي (19 نقطة مئوية)، بينما لا يوجد فارق ذو دلالة إحصائية بين المجموعتين في هولندا.

والفروق في نتائج سوق العمل واضحة كذلك. ففي المتوسط عبر دول المنظمة، يكسب من نشأوا في المدن أكثر بنسبة 7% من البالغين المماثلين لهم في الخصائص الاجتماعية والديموغرافية ممن نشأوا في القرى. ويبلغ هذا الفارق أقصاه في تشيلي، حيث يصل إلى 23%، بينما لا توجد فروق في الولايات المتحدة وإسرائيل. والأهم أن عقوبة الأجر المرتبطة بالنشأة في المناطق الريفية ناتجة في الغالب عن الاختلافات في التحصيل التعليمي والمهارات بين البالغين الذين نشأوا في سياقات مختلفة، إذ ينخفض الفارق إلى نحو 3% بعد ضبط التحصيل التعليمي والمهارات.

الخلفية المهاجرة

يمتلك البالغون من أبناء المهاجرين في المتوسط مستويات إتقان أدنى في المهارات الجوهرية للقرن الحادي والعشرين مقارنة بمن ليس لديهم خلفية مهاجرة. ففي دول المنظمة، يقل إتقان القرائية لدى أبناء المهاجرين بمقدار 0.14 انحراف معياري عمن ليس لديهم خلفية مهاجرة. وتبرز الفروق المرتبطة بالخلفية المهاجرة بشكل خاص في الإقليم الفلمنكي في بلجيكا (0.53 انحراف معياري)، بينما يتمتع أبناء المهاجرين في كندا وتشيلي والمجر وإسرائيل بإتقان أعلى في القرائية من غيرهم. وتعكس هذه الفروق تباين الدول في تركيب المهاجرين وفي فرص الاندماج وآليات الانتقاء. وفي المتوسط عبر دول المنظمة، لا تعكس الفروق في المهارات المرتبطة بالخلفية المهاجرة إلى حد كبير اختلافات في الخصائص الاجتماعية والديموغرافية أو المسارات التعليمية.

وفي دول المنظمة، تكون الفروق في المشاركة في التعليم اللاحق المرتبطة بالخلفية المهاجرة صغيرة؛ فعند مقارنة بالغين ذوي خصائص خلفية متماثلة، يزيد احتمال إتمام أبناء المهاجرين لدرجة البكالوريوس أو أعلى بمقدار 1.82 نقطة مئوية على البالغين الذين ليس لديهم خلفية مهاجرة.

وتبلغ الفجوة لصالح أبناء المهاجرين في نسبة الحاصلين على درجة البكالوريوس أو مؤهل أعلى أقصى اتساعها في كندا (18 نقطة مئوية)، بينما يكون البالغون الذين ليس لديهم خلفية مهاجرة أكثر احتمالاً للحصول على هذه المؤهلات في إستونيا والإقليم الفلمنكي في بلجيكا وإيطاليا ولاتفيا.

وتتماثل الأجور في المتوسط عبر دول المنظمة بين البالغين من أبناء المهاجرين والبالغين الذين ليس لديهم خلفية مهاجرة. غير أن أبناء المهاجرين في المجر يكسبون أقل بنسبة 21% من البالغين الذين ليس لديهم خلفية مهاجرة لكنهم مماثلون لهم في الخصائص الاجتماعية والديموغرافية، ويظل هذا الفارق كبيراً عند 19% بعد أخذ الفروق في التحصيل التعليمي والمهارات بين المجموعتين في الحسبان. وفي المقابل، يكسب أبناء المهاجرين في إستونيا أكثر بنسبة 18% من نظرائهم المماثلين الذين ليس لديهم خلفية مهاجرة، ويظل الفارق كبيراً عند 12% بعد أخذ الفروق في التحصيل التعليمي والمهارات في الحسبان.

تعزيز مرونة سياسات المهارات وتنسيقها

للتعامل مع عدم اليقين والتغير السريع، تحتاج دول المنظمة إلى إصلاح لا يقتصر على المهارات التي تُدرَّس، بل يشمل طريقة صنع سياسات المهارات ذاتها، بالانتقال من عمليات سياسية جامدة ومجزأة إلى مقاربات مرنة ومنسقة وممتدة مدى الحياة. ومن خلال تبني نماذج حوكمة تدعم التكيف السريع والتعاون بين القطاعات والتكامل عبر جميع مراحل التعلم، تصبح الدول في وضع أفضل للاستجابة للمتطلبات الناشئة من المهارات عبر دعم جميع المجموعات السكانية.

وتعني المرونة أن تُصاغ أطر السياسات بطرق تسمح بتكييفها بسرعة مع ظهور معلومات جديدة، بدلاً من أن تظل ثابتة حتى دورة الإصلاح التالية. فعلى سبيل المثال، تدرس وزارة الأطفال والتعليم الدنماركية توصيات قدمتها مجموعة خبراء شُكّلت خصيصاً لبحث الذكاء الاصطناعي في التعليم، تدعو إلى تقصير الجداول الزمنية وتبسيط عملية إصلاح التقييمات الوطنية، بما يتيح لصيغ الاختبار مواكبة التقدم التكنولوجي. ويستلزم ذلك الانتقال من الإصلاحات التي تُنفَّذ مرة واحدة إلى نهج تكراري تُقيَّم فيه السياسات وتُنقَّح بانتظام.

وقد تعاملت بعض الدول مع تنفيذ تغييرات المناهج لا بوصفه نقطة النهاية، بل بوصفه مرحلة تعلم، تُجمع فيها التغذية الراجعة خلال التطبيق وتُجرى التصحيحات أثناء المسار في الوقت الفعلي. ويقلص هذا النهج الفاصل الزمني لأثر إصلاحات السياسات بمعالجة المشكلات مبكراً، ويمنع ترسخ التدابير غير الفعالة. وهذا النهج وثيق الصلة بشكل خاص بالسياسات المتعلقة بمهارات القرن الحادي والعشرين، التي تتطلب حوكمة مرنة تتبنى التجارب الأولية وحلقات التغذية الراجعة السريعة والتعديلات التجريبية، بما يتيح لسياسات المهارات إعادة المعايرة آنياً مع تطور الظروف. ويقف هذا في تناقض مع نهج "التخطيط ثم التنفيذ" السائد في القرن العشرين، وهو أنسب لعصر تكون فيه الرؤية المستقبلية قاصرة والتغير دائماً.

ويُعد التنسيق بين الوزارات ركيزة أساسية لنموذج الحوكمة اللازم للإصلاح المستجيب في القرن الحادي والعشرين. فتنمية المهارات واستخدامها الفعال يتقاطعان مع مجالات منفصلة تقليدياً، هي التعليم والعمل والتنمية الاقتصادية المحلية والهجرة والحماية الاجتماعية والسياسات الصناعية. غير أن الهياكل الحكومية كثيراً ما تكون مقسمة إلى أجزاء، إذ تشرف وزارات ووكالات مختلفة على تعليم الطفولة المبكرة والتعليم المدرسي والتدريب المهني والتعليم العالي وبرامج تعلم الكبار في القوى العاملة. ويمكن أن تفضي هذه العزلة إلى إجراءات مجزأة وفرص ضائعة للتآزر. فلا تستطيع وزارة واحدة أن تعالج تحديات المهارات الناشئة منفردة؛ فضمان امتلاك العاملين للمهارات اللازمة للاقتصاد الأخضر، مثلاً، لا يقتصر على وزارات التعليم، بل يشمل الوزارات المعنية بالصناعة والطاقة والبيئة. ولذلك يُعد التنسيق والتعاون على مستوى الحكومة بأكملها أمراً ضرورياً، ولا يزال السبيل إلى تعزيزه بفعالية تحدياً رئيسياً أمام تقوية حوكمة نظم المهارات في كثير من دول المنظمة. وتقوم عملية الإصلاح المرنة مثلاً على إنشاء آليات حوكمة مشتركة، كمجالس مهارات مشتركة بين الوزارات أو وحدات استراتيجية ترفع تقاريرها إلى مركز الحكومة، لمواءمة الأهداف والإجراءات بين الإدارات. ويمكن لهذه الهيئات أن تتيح استجابات جماعية سريعة، كمواءمة مبادرة مفاجئة لرفع المهارات مع مقدمي التعليم وخدمات التوظيف في آن واحد. فالمرونة في سياسات المهارات تسير جنباً إلى جنب مع التعاون، ويجب أن تستند الحوكمة المرنة إلى تنسيق أفقي قوي، بحيث تتحرك يدا الحكومة في الاتجاه ذاته.

ولا تتسم ترتيبات الحوكمة الحالية للمهارات بالبطء فحسب، بل كثيراً ما تكون مجزأة أيضاً. فمسؤوليات تنمية المهارات واستخدامها موزعة على نطاق واسع بين مستويات الحكومة والوزارات والوكالات العامة، مع قليل من التنسيق الفعلي. ويكتسب الناس المهارات ويطبقونها على امتداد حياتهم، في الطفولة المبكرة والمدارس والتعليم الفني والعالي، ومن خلال تعلم الكبار وبرامج سوق العمل، لكن كلاً من هذه المراحل يقع عادة ضمن ولايات مؤسسية مختلفة. والنتيجة أن حوكمة سياسات المهارات لا تتبع رحلة المتعلم على امتداد حياته، بل تبقى منقسمة إلى جزر منعزلة: وكالة تشرف على المناهج المدرسية، وأخرى تدير حوافز التدريب المهني، وثالثة تتولى إعادة تأهيل العاطلين عن العمل، وهكذا. بل كثيراً ما يوجد انقسام حتى داخل تعلم الكبار؛ إذ تركز وزارات العمل مثلاً على تدريب العاطلين عن العمل، بينما تدعم وزارات التعليم المتعلمين البالغين الآخرين.

ويفضي هذا التجزؤ إلى ثغرات وتداخلات وأوجه قصور. فالآليات الرسمية لتنسيق سياسات تعلم الكبار "نادرة" وكثيراً ما تكون مرتجلة، مما يؤدي إلى قرارات غير متسقة بين البرامج وغياب للتآزر بين المبادرات. ومن دون تنسيق، قد تتعارض السياسات حسنة النية فيما بينها أو تترك احتياجات حاسمة دون معالجة. فقد تدعم وزارة العمل التدريب بمعزل عن السلطات التعليمية، فتتكرر الجهود في بعض المجالات وتنشأ نقاط عمياء في أخرى. ويفاقم هذا الاختلال عدم توافق المهارات في الاقتصاد؛ إذ لا يتطابق المعروض من التدريب تماماً مع الطلب في سوق العمل حين ينفصل التخطيط التعليمي عن استراتيجية التوظيف. وعملياً يعني ذلك أن أصحاب العمل يواجهون نقصاً في العاملين في مجالات معينة، بينما لا يجد العاملون في مجالات أخرى وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم. وبذلك يقوّض التجزؤ في الحوكمة الفعالية العامة للاستثمارات في المهارات، فيهدر الموارد ويضعف ثقة الجمهور في الإصلاح. ومعالجة هذه المسألة ليست شأناً بيروقراطياً فحسب، بل هي محورية للحد من عدم التوافق وتحسين الإنتاجية.

ويتطلب كسر هذه العزلة تنسيقاً مؤسسياً عبر دورة السياسات بأكملها، من التصميم المشترك للإصلاحات إلى التنفيذ المتزامن فالرصد والتقييم المشتركين. وقد اتجهت بعض الدول إلى إنشاء هياكل جامعة لسياسات المهارات، كمجالس المهارات الوطنية أو فرق العمل المشتركة بين الوكالات التي تجمع الفاعلين في التعليم والعمل والاقتصاد ضمن استراتيجية واحدة. ويمكن لهذه الهيئات أن تساعد على مواءمة مصادر التمويل والتوفيق بين الأولويات المتباينة وضمان تدفق المعلومات بين أصحاب المصلحة. والمبدأ الموجه هو أن يكون جميع الفاعلين المعنيين على فهم مشترك لاحتياجات المهارات والاستجابات السياسية. وتُظهر التجارب الدولية أنه حين يكون التنسيق قوياً، سواء عبر المجالس الرسمية أو الاتفاقات بين الوزارات أو الاستراتيجيات الموحدة، يمكن تقليص الازدواجية وسد الثغرات بين البرامج. ومن ثم يُعد التغلب على التجزؤ شرطاً مسبقاً لنظام سياسات مهارات فعال ومستجيب، إذ يتيح الانتقال من خليط من المبادرات المتفرقة إلى منظومة متماسكة يكمّل فيها توفير التعليم والتدريب بجميع مستوياته أهداف سوق العمل والتنمية الاقتصادية تكميلاً فعلياً.

ويتزايد إدراك كثير من دول المنظمة للحاجة إلى استراتيجية وطنية متماسكة للتعلم مدى الحياة، تنشئ مسارات تعلم تمتد من الطفولة المبكرة مروراً بالتعليم المدرسي النظامي والتعليم العالي ووصولاً إلى رفع مهارات الكبار وإعادة تأهيلهم. والهدف هو تمكين انتقالات سلسة في كل مرحلة، بحيث يستطيع الأفراد تطوير كفايات جديدة باستمرار والتنقل بين التحولات المهنية. وتتضمن خرائط الطريق الفعالة لتحولات التعلم مدى الحياة إنشاء مسارات مرنة تربط بين مستويات التعلم وأنواعه المختلفة لتعزيز فرص التعلم للشباب والكبار وتجنب الطرق المسدودة. وعملياً، قد يعني ذلك تقوية الروابط بين البرامج المهنية الثانوية والتعليم العالي، أو بين الدرجات الجامعية والتدريب أثناء العمل، بحيث يستطيع المتعلمون التنقل رأسياً أو أفقياً دون عوائق غير ضرورية. ويعني أيضاً تحسين الاعتراف بالمهارات وقابليتها للنقل، عبر أطر المؤهلات الوطنية مثلاً، التي تضمن أن تكون الشهادات الصادرة عن مؤسسات أو أقاليم مختلفة قابلة للمقارنة ومقدَّرة في سوق العمل. وبالمثل، تُعد أطر ضمان الجودة الدولية والوطنية القادرة على تعزيز جودة التدريب غير النظامي والاعتراف به ضرورية لتعزيز مصداقية مسارات التعلم البديلة وآليات المصادقة على المهارات.

كما توفر الاستراتيجية الوطنية للتعلم مدى الحياة منصة لمواءمة عرض المهارات مع الطلب المتطور عليها على نحو أفضل. فحين تتعاون جميع الوزارات وأصحاب المصلحة المعنيون ضمن رؤية واحدة، يصبح من الأيسر توجيه نظام التعليم والتدريب بما يتماشى مع الاحتياجات الاقتصادية. فعلى سبيل المثال، يمكن تضمين تمارين استشراف منسقة في استراتيجية التعلم مدى الحياة لاستباق متطلبات المهارات الناشئة عن الاتجاهات الكبرى، كالتحولين الرقمي والأخضر، وتغذية تحديثات المناهج والتوجيه المهني والاستثمارات في التدريب بهذه المعلومات على نطاق شامل. ويمكن لبيانات استشراف المهارات، إلى جانب الجهود المعيارية كأطر الكفايات وأدلتها والسياسات والحوكمة الواضحة، أن تساعد في هذا المسعى. وبذلك يمكن للاستراتيجية المتكاملة أن تكون جسراً بين قطاع التعليم وأصحاب العمل، يضمن أن يعكس ما يتعلمه المتعلمون الكفايات المطلوبة فعلياً في أماكن العمل. وتؤكد أبحاث السياسات الدولية أن تعزيز مسارات تعلم أكثر مرونة يسير جنباً إلى جنب مع تعزيز ملاءمة مهارات الأفراد لسوق العمل. فالمرونة في تصميم البرامج وتقديمها ومنح الشهادات ترتبط بتحسين المرونة وتكييف التعلم لتلبية احتياجات المتعلمين وطلب القطاعات الاقتصادية. وبصورة أكثر تحديداً، يمكن لاستراتيجية متماسكة للتعلم مدى الحياة أن تضع أهدافاً مشتركة، كزيادة مهارات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات أو الثقافة الرقمية عبر الفئات العمرية، وأن تواءم التمويل مع تلك الأولويات، وأن تُنشئ مساءلة عن النتائج كخفض عدم توافق المهارات أو رفع مشاركة الكبار في التدريب. ويمثل هذا النهج تحولاً من السياسات المجتزأة إلى خطة شاملة على مستوى المنظومة لتنمية المهارات، وقد اتجهت دول عدة بالفعل في هذا الاتجاه.

التعليم والرعاية في الطفولة المبكرة: تكافؤ الفرص منذ البداية

يُعد الاستثمار في تعليم ورعاية للطفولة المبكرة عالي الجودة وجيد التمويل، بكوادر مؤهلة متعددة التخصصات تتاح لها فرص التطوير المهني المستمر، من أقوى الاستراتيجيات لتقليص الفوارق في المهارات وتعزيز الإنصاف. فالسنوات الأولى، من الميلاد حتى سن الخامسة، هي المرحلة التي تتشكل فيها القدرات المعرفية والاجتماعية والعاطفية الحاسمة، والتي يمكن أن يترسخ فيها الحرمان المتجذر في الظروف الأسرية. وتُظهر الأبحاث أن التعليم المبكر عالي الجودة قادر على التخفيف من آثار الحرمان الاجتماعي والاقتصادي عبر تعزيز نمو الأطفال قبل بدء التعليم النظامي. وفي المقابل، تميل الفجوات القائمة عند دخول المدرسة إلى الاستمرار أو الاتساع بمرور الوقت، مما يجعل معالجتها لاحقاً أصعب وأكثر تكلفة. ولهذا تعترف دول المنظمة بصورة متزايدة بالتعليم والرعاية في الطفولة المبكرة بوصفهما حجر زاوية في أي استراتيجية شاملة للمهارات. فعلى سبيل المثال، لا تزال مراكز "البداية الواثقة" للأطفال في المملكة المتحدة تحظى بالاعتراف بوصفها أداة سياسية أساسية واسعة النطاق وفعالة من حيث التكلفة لتقليص الفوارق في المهارات والنتائج التي تبدأ في الطفولة ثم تتسع وتتراكم على امتداد الحياة. وقد أُطلق هذا البرنامج عام 1999 بوصفه شبكة من "المراكز الشاملة" التي تقدم طيفاً من الخدمات، منها الخدمات الصحية والتعلم المبكر ودعم الوالدين والمساعدة في توظيفهم، للمجتمعات التي أُنشئت فيها، والتي كانت غالباً في أشد مناطق إنجلترا حرماناً. وتشير التقييمات المستقلة وأدلة القوى العاملة إلى أن التمويل المستقر في الفترة السابقة لعام 2010 والقدرات المتخصصة كانا محوريين في تحقيق هذا الأثر.

وينبغي أن يكون توسيع الوصول إلى تعليم ورعاية للطفولة المبكرة ميسورَي التكلفة وعاليي الجودة، ولا سيما للأطفال المحرومين، هدفاً سياسياً أساسياً للدول. فالمشاركة في برامج الطفولة المبكرة تتفاوت حالياً تفاوتاً واسعاً بين الدول والمجموعات الاجتماعية والاقتصادية؛ إذ يزيد احتمال التحاق أطفال الأسر مرتفعة الدخل برياض الأطفال أو دور الرعاية، بينما كثيراً ما يواجه أطفال الأسر المحرومة، وهم الأكثر انتفاعاً، عوائق كالتكلفة أو محدودية الخدمات في مناطقهم أو عدم مرونة ساعات العمل بما يتعارض مع عمل الوالدين. ولسد هذه الفجوات، ينبغي للدول أن تسعى نحو إتاحة عامة لسنة أو سنتين على الأقل من التعليم ما قبل المدرسي قبل المرحلة الابتدائية، فضلاً عن خيارات رعاية ميسورة التكلفة للأطفال الأصغر سناً. وفي ظل محدودية الميزانيات، يستلزم النهج المنصف تقديم دعم موجه وإعفاءات من الرسوم لإزالة العوائق المالية أمام الأسر ذات الدخل المنخفض. فعدد من دول المنظمة يضع سقفاً لرسوم الوالدين بوصفها نسبة من دخل الأسرة، أو يوفر ساعات مجانية من هذه الخدمات للأسر التي يقل دخلها عن حدود معينة. وقد أثبتت هذه التدابير فعاليتها في رفع مشاركة الأطفال المحرومين. وفي فنلندا، يعزز برنامج "الحق في التعلم" تكافؤ فرص التعلم لجميع الأطفال باستهداف من يواجهون عوائق اجتماعية واقتصادية أو لغوية أو تعليمية؛ إذ يمكن أن يحصل الوالدان على مخصصات تغطي رسوم التعليم والرعاية في الطفولة المبكرة، بينما قد تحصل المدارس في المناطق المحرومة على موارد إضافية كمعلمين متخصصين وكوادر دعم، إضافة إلى تدريب المعلمين لمساعدتهم على تحديد الطلبة الذين يحتاجون إلى مساعدة إضافية ودعمهم، مما يحسّن نتائج التعلم على المدى البعيد.

ويُعد توسيع المعروض من هذه الخدمات في المناطق المحرومة منها أمراً حاسماً. فكثيراً ما تضم المجتمعات الريفية أو الحضرية منخفضة الدخل عدداً أقل من المراكز عالية الجودة. وتستطيع الحكومات الاستثمار في البنية التحتية وتقديم حوافز لمقدمي الخدمات للعمل في هذه المناطق كي لا يُترك أي مجتمع خلف الركب. ويمكن لنماذج التقديم المبتكرة، كوحدات التعليم والرعاية المتنقلة أو الشراكات بين القطاعين العام والخاص أو توفير الخدمات بمرونة خلال ساعات غير معتادة، أن تساعد على الوصول إلى الأسر ذات جداول العمل غير المنتظمة أو المقيمة في مواقع نائية. والهدف الشامل ينبغي أن يكون تمكين جميع الأطفال، أياً كانت خلفيتهم الاجتماعية والاقتصادية، من الوصول إلى التعليم المبكر من سن الثالثة أو الرابعة على الأقل، إن لم يكن قبل ذلك، بما يضعهم على قدم المساواة عند دخولهم التعليم الإلزامي.

وتُعد جودة التعليم والرعاية في الطفولة المبكرة حاسمة لتحقيق نتائج إيجابية. فالأطفال المحرومون على وجه الخصوص ينتفعون من بيئات غنية وراعية تدعم جميع مجالات النمو، من اللغة والمهارات المعرفية والتعلم الاجتماعي العاطفي إلى التنظيم الذاتي وغيرها. ولذلك ينبغي أن تركز السياسات على توفير تعليم ورعاية عاليي الجودة في جميع البيئات ولجميع الأطفال، مع توجيه دعم إضافي لذوي الاحتياجات الأكبر. ومن أهم أدوات السياسات وضع معايير جودة ومناهج قوية، والاستثمار في القوى العاملة في هذا القطاع عبر التدريب وظروف العمل اللائقة، ورصد مقدمي الخدمات ودعم تحسينهم المستمر. وتتبنى دول كثيرة أطراً لمناهج الطفولة المبكرة توازن بين المقاربات القائمة على اللعب والمتمحورة حول الطفل وبين بناء المهارات المقصود المتوائم مع مراحل نمو الأطفال. وتضمن هذه المناهج أن يكون التعلم المبكر شمولياً، يعزز النمو الاجتماعي والعاطفي إلى جانب القرائية المبكرة والحساب والمهارات الحركية، وأن يكون مستجيباً ثقافياً. ولتعزيز الإنصاف، يمكن أن تتضمن إرشادات المناهج استراتيجيات لدعم الأطفال ذوي الاحتياجات الإضافية، كمتعلمي اللغة الثانية أو ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، ضمن البيئات العادية. ولا يقل أهمية عن ذلك التطوير المهني لكوادر التعليم والرعاية في الطفولة المبكرة؛ فالمربون والمعلمون يحتاجون إلى مهارات تمكّنهم من خلق تفاعلات مستجيبة وغنية لغوياً ومن تلبية الاحتياجات المتنوعة. وتؤكد دراسات المنظمة في هذا المجال أهمية بناء قوى عاملة كفؤة، بما في ذلك عبر اشتراطات حد أدنى من المؤهلات، والتدريب والتوجيه المستمرين للمربين في مجالي الشمول والوعي بالتحيز. وينبغي للحكومات أن تضمن توجيه موارد وتدريب تحسين الجودة بصفة خاصة إلى المراكز التي تخدم نسباً مرتفعة من الأطفال المحرومين، كي لا تتراكم فجوات الجودة فوق أوجه عدم الإنصاف القائمة.

ويعني جعل التعليم والرعاية في الطفولة المبكرة أداة لتقليص الفوارق في المهارات أيضاً تصميم خدمات شاملة مرتبطة بنظم دعم أوسع للأطفال والأسر. فبعض الدول توفر مساعدين ثنائيي اللغة أو وسطاء ثقافيين في المراكز لضمان أن يشعر أطفال المهاجرين أو الأقليات بالتمثيل والدعم. وخارج الصف، يمكن لهذه المراكز أن تكون محوراً يربط الأسر بالخدمات الأخرى. فدمج التعليم المبكر مع برامج الصحة والتغذية ودعم الوالدين يحقق منافع متعددة. فعلى سبيل المثال، يمكن لتقديم ورش للتربية الوالدية عبر هذه المراكز أن يمكّن الوالدين ذوي الدخل المنخفض من دعم نمو أطفالهم على نحو أفضل. ومن المهم كذلك تيسير الانتقال إلى المدرسة الابتدائية، عبر مشاركة سجلات نمو الأطفال مع معلمي المرحلة الابتدائية، ومواءمة المناهج بين ما قبل المدرسة والصف الأول، وتعريف الأطفال بمدارسهم المستقبلية، بما يساعد على استدامة مكاسب التعليم المبكر وتعظيم الآثار الإيجابية المعادِلة للتعليم المدرسي.

وخلاصة القول، إن مزيج السياسات الذي يجمع بين الاستحقاقات العامة والدعم الموجه، عاماً بمعنى أن يستطيع كل طفل المشاركة، وموجهاً بمعنى توفير موارد إضافية لمن يبدؤون متأخرين، قادر على تقليص فجوات المهارات المبكرة والحد من الفوارق اللاحقة. فدول كفنلندا والسويد، على سبيل المثال، تحقق التحاقاً شبه شامل بالتعليم والرعاية في الطفولة المبكرة وتستثمر بكثافة في الجودة، وقد ارتبط ذلك بفوارق اجتماعية واقتصادية أصغر في الجاهزية الأكاديمية. والحجة الاقتصادية قوية؛ إذ تشير دراسات التقييم إلى أن الاستثمارات في السنوات المبكرة تحقق عوائد مرتفعة، ولا سيما للأطفال المحرومين، فالأموال المنفقة تعود بمنافع مجتمعية كبيرة على المدى البعيد عبر تحسن التعليم والتوظيف وانخفاض التكاليف الاجتماعية.

التعليم النظامي: تعزيز الفرص للجميع

مع انتقال الأطفال إلى التعليم النظامي بمراحله الابتدائية والثانوية والعليا، يتمثل التحدي أمام السياسات في استدامة التدخلات المبكرة أو تقليص الفوارق التي تنشأ مبكراً، بما يضمن أن يوفر النظام التعليمي فرصاً متكافئة لجميع المتعلمين لتنمية مهارات القرن الحادي والعشرين. ولا يزال التعليم المدرسي النظامي أكبر مؤثر منفرد في اكتساب المهارات لدى الشباب ومحركاً للحراك الاجتماعي، أو على العكس لإعادة إنتاج الأوضاع الاجتماعية. وتشير الأدلة الواردة في الفصل الثالث إلى أن التعليم الإلزامي كثيراً ما يضيّق الفجوات الاجتماعية والاقتصادية في المهارات مقارنة بالطفولة المبكرة، لكن فوارق كبيرة تظل قائمة، وقد يؤدي ما يحدث بعد المرحلة الثانوية، سواء في التعليم العالي أو عند دخول العمل، إلى اتساع الفوارق مجدداً. وفي المقابل، تتسع الفوارق بين الجنسين مع تقدم الأطفال في تعليمهم، إذ تشير أدلة من فرنسا إلى أن فجوة في الرياضيات لصالح الفتيان تترسخ بمجرد دخول الأطفال المدرسة. وتمتد الفجوة بين الجنسين إلى ما يتجاوز الرياضيات لتشمل مواد العلوم عموماً؛ إذ تُظهر بيانات دراسة التوجهات الدولية في الرياضيات والعلوم لعام 2023 ميزة قدرها 8 نقاط للفتيان على الفتيات في العلوم في الصف الرابع الابتدائي في فرنسا، وهي فجوة لم تكن ذات دلالة إحصائية من قبل. ولذلك ينبغي لصانعي السياسات أن يتبعوا في التعليم النظامي استراتيجية ذات شقين: أولاً تحسين جودة التعليم للجميع، وثانياً توجيه التدخلات لدعم الطلبة المحرومين والحد من أثر الأعراف والصور النمطية المجتمعية التي تشكّل إمكانات التحصيل النسبية للفتيان والفتيات، بما يمكّن جميع الطلبة من بلوغ كامل إمكاناتهم.

ولتحقيق ذلك، يجب أن تمتلك جميع المدارس الموارد والقدرة اللازمة لتقديم تعليم عالي الجودة، بصرف النظر عن السياق الاجتماعي والاقتصادي أو الجغرافي. فالاختلافات داخل الدول في جودة المدارس، كتوفر المعلمين المدربين وأحجام الفصول واتساع المناهج، كثيراً ما تتطابق مع الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية، إذ تستطيع المجتمعات الأكثر ثراءً اجتذاب موارد أكثر. ولمواجهة ذلك، تستخدم كثير من دول المنظمة صيغ تمويل تخصص موارد إضافية للمدارس التي تخدم طلبة محرومين أو ذوي احتياجات عالية. وقد ارتبط ضمان تمويل كافٍ وتصاعدي، أي إنفاق أعلى لكل طالب على الأكثر احتياجاً، بفجوات تعلم أصغر. ويمكن تحقيق ذلك إما بتوفير عدد أكبر من المعلمين للفصول التي تضم فئات محرومة، أو بتوفير معلمين أكثر تأهيلاً وتدريباً قادرين على إدارة التحديات الإضافية الناجمة عن العمل مع أطفال من خلفيات اجتماعية واقتصادية محرومة.

والدول التي ترتفع فيها الاستثمارات العامة التراكمية حتى المرحلة الثانوية تشهد فوارق أضيق في مهارات البالغين بحسب الخلفية الاجتماعية والاقتصادية، غير أن هذا الارتباط ليس قوياً، كما يبيّن الفصل الثالث. ويعني ذلك أن المسألة لا تتعلق بإنفاق المزيد فحسب، بل بالإنفاق الفعال؛ فتوجيه الأموال إلى برامج قائمة على الأدلة، كتدخلات القرائية المبكرة والتعليم الخصوصي للطلبة المتعثرين وحوافز المعلمين في المناطق النائية، يحقق أكبر أثر. ولكسر الصلة بين الخلفية الاجتماعية والاقتصادية والنتائج التعليمية، يجب أن تصل الممارسات الشاملة والدعم الموجه إلى الممارسات اليومية للمدارس والفصول. ومن السياسات الرئيسية في هذا الصدد التحديد المبكر للطلبة المتعثرين ودعمهم؛ إذ تساعد التقييمات التشخيصية والرصد على اكتشاف فجوات التعلم مبكراً، كصعوبات القراءة أو الرياضيات في السنوات الابتدائية، مما يستدعي مساعدة إضافية كمتخصصي القراءة أو التعليم في مجموعات صغيرة أو خطط التعلم الفردية. كما يمكن للدعم الموجه أن يعالج العوائق غير الأكاديمية التي كثيراً ما تعيق تعلم الشباب المحرومين؛ فقد توفر الدول وجبات مدرسية أو مرشدين للصحة النفسية أو برامج ما بعد المدرسة في المجتمعات منخفضة الدخل للتخفيف من آثار الفقر على الجاهزية للتعلم.

ويميل التوزيع الصارم للطلبة على مسارين "مهني" و"أكاديمي" في سن مبكرة إلى تعزيز الفوارق الاجتماعية، لأن الطلبة المحرومين يوضعون بنسب غير متناسبة في مسارات أقل تحدياً ومكافأة، مما يحد من تنمية مهاراتهم. وترتبط السياسات التي تؤخر التوزيع على المسارات، أو تعزز التعليم الموحد، أو تضمن النفاذية بين المسارات بحيث يتمكن المتأخرون في النضج من التقدم، بنتائج أكثر إنصافاً في المهارات. ومستقبلاً، يمكن للتقدم في التخصيص الذي يتيحه الذكاء الاصطناعي أن يساعد النظم التعليمية على الجمع بين منافع التوزيع على المسارات والتجميع بحسب القدرات، ومنها إمكانية تقديم التعلم بطرق تتوافق على النحو الأمثل مع تفضيلات الطلبة ومواهبهم واهتماماتهم، وبين منافع التعليم الموحد الذي يتيح مسارات نمائية متنوعة ويحفز المتعلمين عبر التنوع.

فبفضل إمكاناته في التخصيص، قد يتيح تبني الذكاء الاصطناعي للنظم التعليمية جني منافع التمايز والتكامل معاً، بما يسمح بمرونة أكبر في العرض التعليمي دون الوصمة المرتبطة بالتمايز الصارم. إذ تستطيع الخوارزميات التكيفية تكييف المحتوى والوتيرة والتغذية الراجعة لتلائم احتياجات كل متعلم، فتدعم الإتقان لدى المتفوقين والعلاج الموجه للمتعثرين. فعلى سبيل المثال، استثمرت الحكومة الكندية في تطوير الذكاء الاصطناعي ودمجه في منصة رقمية قائمة لتعلم اللغة لمساعدة الطلبة الذين يتعلمون الفرنسية بوصفها لغة ثانية؛ إذ تجمع المنصة معلومات عن الملف التعليمي الفريد لكل طالب وتزوده بمحتوى تعليمي مخصص. وقد تكون هذه الأنواع من الأدوات ملائمة بشكل خاص لمعالجة التحديات المتنوعة التي يواجهها الطلبة ذوو الخلفية المهاجرة أو من تختلف لغتهم الأم عن لغة التدريس. وهذا مهم، لأن الطلبة من هذه الفئات في دول المنظمة يحققون أداءً أقل ويفيدون بشعور أضعف بالانتماء إلى المدرسة مقارنة بمن ليس لديهم خلفية مهاجرة. فضلاً عن ذلك، تستطيع المدارس اعتماد التجميع غير المتجانس وتوقعات فردية مصممة لتلائم قدرات كل طالب. وبهذه الطريقة قد يتيح الذكاء الاصطناعي التمايز داخل الفصل، كتقديم مواد أكثر تحدياً للطلبة المتقدمين ودعم علاجي للمتأخرين، دون التضحية بنتائج الطلبة، بدلاً من فصلهم مبكراً في مدارس أو برامج مختلفة.

واستكمالاً لذلك، يُعد تقديم توجيه ودعم قويين للمراحل الانتقالية أمراً حاسماً؛ فمساعدة الطلبة من الفئات الممثلة تمثيلاً ناقصاً على الاستعداد للتعليم العالي والتقدم إليه عبر الإرشاد أو التوجيه الجامعي والمهني يمكن أن يزيد وصولهم إلى المستويات الدراسية الأعلى. ففي إسبانيا، يهدف "برنامج التوجيه والتقدم والإثراء التعليمي" إلى الحد من التسرب المدرسي وتدني الأداء، ولا سيما في المناطق المحرومة، مع التركيز على رقمنة البنية التحتية التعليمية وتحديثها من الطفولة المبكرة حتى التعليم العالي. ويوجه البرنامج الموارد إلى المدارس ذات الاحتياجات المرتفعة، والتي كثيراً ما تقع في مناطق ريفية أو محرومة اجتماعياً واقتصادياً. وتلتزم المدارس بتقديم خدمات مستجيبة عبر اتفاقيات مع السلطات التعليمية تحدد الأهداف المشتركة والإجراءات والموارد المحددة اللازمة لبلوغها.

وقد أصبح التعليم العالي، بما فيه الجامعات والبرامج المهنية رفيعة المستوى، ذا أهمية متزايدة لمهارات القرن الحادي والعشرين وتوقعات سوق العمل. غير أن الوصول إليه لا يزال غير متكافئ إلى حد بعيد، إذ يزيد احتمال التحاق الطلبة المنحدرين من أسر أكثر ثراءً أو حضرية أو ذات تعليم جامعي وإتمامهم للدرجات العلمية زيادة كبيرة. ولتضييق فجوات المهارات، ينبغي لدول المنظمة أن تتبع سياسات توسع المشاركة في التعليم العالي وتحسن معدلات الإتمام لدى الفئات الممثلة تمثيلاً ناقصاً. ويمكن أن تشمل التدابير الدعم المالي، كالمنح القائمة على الحاجة أو خفض الرسوم أو التعليم الجامعي المجاني للطلبة منخفضي الدخل، وبرامج التواصل والتجسير، كمسارات القبول الخاصة أو الدورات التحضيرية لطلبة الجيل الأول في التعليم الجامعي. كما ينبغي توفير دعم أكاديمي واجتماعي قوي داخل الحرم الجامعي، كالتعليم الإضافي والإرشاد من الأقران، لضمان ألا يقتصر الأمر على التحاق الطلبة بالتعليم العالي بل يمتد إلى نجاحهم فيه. فعلى سبيل المثال، يسهّل "مسار الوصول إلى التعليم العالي" في أيرلندا دخول الطلبة المنحدرين من خلفيات اجتماعية واقتصادية محرومة إلى التعليم العالي، إذ يستطيع المتقدمون الذين يستوفون معايير مالية واجتماعية وثقافية معينة الوصول إلى مقاعد محجوزة بمتطلبات قبول معدلة في مؤسسات التعليم العالي المشاركة. وتموّل بعض الدول كذلك مسارات "الفرصة الثانية" لدخول الكبار إلى برامج التعليم العالي، مما يتيح لمن لم يواصلوا تعليمهم بعد المرحلة الثانوية، وهم كثيراً ما يكونون من خلفيات اجتماعية واقتصادية محرومة، الحصول على مؤهلات أعلى في مراحل لاحقة من حياتهم. ومن شأن توسيع هذه المسارات، بما في ذلك خيارات الدراسة العليا بدوام جزئي وعبر الإنترنت، أن يقلص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية في المهارات المتقدمة.

وجميع هذه السياسات متوافقة مع الحفاظ على الجودة العالية للمعارف والمهارات التي تُدرَّس في مؤسسات التعليم العالي وملاءمتها لسوق العمل. فالسياسات التي تربط التمويل بخدمات دعم الطلبة ونتائج الخريجين يمكن أن تشرك أصحاب العمل في تصميمها ونطاقها، ولا سيما في المسارات المهنية العليا، وأن تساعد على مواءمة توسع التعليم العالي مع احتياجات المهارات ونجاح الطلبة. وينبغي أن تولي آليات ضمان الجودة، كالتفتيش المدرسي أو رصد الأداء، اهتماماً خاصاً بمؤشرات الإنصاف، بما يضمن عدم تخلف الطلبة المحرومين. وقد نجحت بعض الدول في تطبيق أهداف للحد من الحرمان الاجتماعي والاقتصادي، من بينها خفض نسبة الطلبة منخفضي الأداء أو الفجوة بين مجموعات الطلبة المختلفة في المواد الأساسية، ومساءلة النظام عن تحقيق هذه الأهداف. ويمكن أن توجد آليات ضمان الجودة على مستوى النظام أو ما يتجاوزه؛ فعلى سبيل المثال، يقدم "مرصد التعليم والتدريب" التابع للاتحاد الأوروبي تحديثات منتظمة حول تقدم الدول الأعضاء نحو أهداف سياسات التعليم على مستوى الاتحاد لعامي 2025 و2030، ويغطي الدول الأعضاء السبع والعشرين جميعها، رابطاً الأدلة والتجارب عبر السياقات المختلفة ومقترحاً روابط وحلولاً سياسية.

وإلى جانب الوصول إلى التعليم العالي، ثمة شكل لافت من الفوارق يتعلق باختلاف خيارات التخصص الدراسي بين الرجال والنساء، وهي خيارات ذات تداعيات بعيدة المدى على المهارات والمسارات المهنية، كما يتناول الفصل الثالث. فعلى سبيل المثال، ورغم أن النساء كثيراً ما يحققن اليوم تحصيلاً جامعياً أعلى من الرجال إجمالاً، فإنهن لا يزلن ممثلات تمثيلاً ناقصاً في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والمقررات كثيفة الاعتماد على الرياضيات. كما قد يقل احتمال سعي الطلبة المنحدرين من خلفيات اجتماعية واقتصادية محرومة إلى دراسات متقدمة في العلوم أو التكنولوجيا بسبب نقص الإعداد الأولي أو التشجيع، أو لأنهم، رغم موهبتهم، قد يحققون في أنظمة الترتيب الخالص تحصيلاً أدنى من أقرانهم الميسورين. ورغم أن هذه الأنظمة قائمة إجرائياً على الجدارة، فإنها غير متكافئة في جوهرها، لأن فوارق التحصيل التي تحدد الوصول إلى المؤهلات المتقدمة تنشأ عن عوامل خارجة عن سيطرة الأفراد. وتسهم أنماط الالتحاق هذه في فجوات المهارات في مجالات كالحساب والمهارات الرقمية، ثم في فجوات الأجور لاحقاً، إذ كثيراً ما تكون المسارات المهنية في هذه المجالات أعلى أجراً. ولذلك ينبغي لصانعي السياسات تنفيذ مبادرات لتوسيع المشاركة في المجالات عالية القيمة. ومن الأمثلة على ذلك توفير دروس إضافية وتوجيه في الرياضيات والعلوم للطلبة الممثلين تمثيلاً ناقصاً، والترويج لنماذج القدوة والمرشدين، كزيارة مهندسات للمدارس لإلهام الفتيات، وتقديم منح للطلبة منخفضي الدخل في هذه المجالات، ومكافحة الصور النمطية عبر المناهج والإرشاد المهني. وقد أطلقت بعض الدول برامج موجهة كمعسكرات البرمجة للفتيات أو الشراكات بين الجامعات النخبوية والمدارس الثانوية المحرومة لإزالة الغموض عن مجالات كالهندسة وعلوم الحاسوب. ففي فرنسا، أدخلت خطة "الفتيات والرياضيات" مؤخراً تدابير لتشجيع الفتيات على اختيار مسارات دراسية أكثر كثافة في الرياضيات طوال تعليمهن النظامي، وفي نهاية المطاف الالتحاق بمسارات التعليم العالي المرتبطة بالرياضيات. وفي جمهورية سلوفاكيا، تدعم مبادرة "وأنتِ أيضاً في تقنية المعلومات" الفتيات والنساء في السعي إلى مسارات مهنية في تقنيات المعلومات والاتصالات، عبر تقديم ورش برمجة لطالبات المرحلة الثانوية ورفع مهارات الراغبات في تغيير مسارهن المهني وتدريب المعلمين.

ويمكن لوضع أهداف أو حصص واضحة وقابلة للتحقيق لالتحاق الأفراد من الفئات الممثلة تمثيلاً ناقصاً أن يحفز مقدمي التدريب والشركاء الاجتماعيين الآخرين على التعبئة نحو هدف مشترك، ولا سيما إذا كانت عملية وضع الأهداف شفافة وتشاركية. وتجسد الاستراتيجية الوطنية النمساوية للبعد الاجتماعي في التعليم العالي هذا النهج، إذ تستهدف ألا تقل نسبة النساء والرجال في أي تخصص دراسي في أي مؤسسة للتعليم العالي، باستثناء دراسات الدكتوراه، عن 10% بحلول عام 2025، ولها أهداف أبعد مدى لرفع هذه النسبة إلى 30%.

وفي التعليم المهني، يمكن لتشجيع تنوع الالتحاق أن يحد من الفصل بين الجنسين في سوق العمل وأن يضمن تنمية المواهب في جميع القطاعات. ويمكن للحملات الموجهة أن تساعد الطلبة على تحديد برامج التعليم والتدريب المهني والتلمذة المهنية التي تهمهم. فعلى سبيل المثال، يشرف المكتب الوطني للتلمذة المهنية في أيرلندا على حملة "حقائق ووجوه ومستقبل"، التي تعزز مشاركة النساء في التلمذة المهنية عبر استهداف مدارس البنات بمحتوى خاص تقدمه نماذج نسائية قدوة.

وإلى جانب معالجة الضغوط والعقبات الخارجة عن البيئة المدرسية، كالصور النمطية المجتمعية الأوسع والفصل في سوق العمل، ينبغي لصانعي السياسات النظر في الضغوط الداخلية في البيئة المدرسية، كتنمية المهارات الاجتماعية والعاطفية اللازمة للتعلم مدى الحياة والنجاح في سوق العمل. ويمكن تنفيذ هذه المبادرات على امتداد مراحل التعليم النظامي؛ فعلى سبيل المثال، يجسد البرنامج الإسباني "في أحذيتهم" الآثار الإيجابية لبيئة مدرسية تعزز المهارات المتعلقة بحل النزاعات وإدارة العواطف للأطفال بين الرابعة والسابعة عشرة من العمر، بينما يعزز برنامج "حبل النجاح" الفرنسي الطموح الأكاديمي ويحارب الرقابة الذاتية لدى طلبة المرحلة الثانوية المحرومين تجاه التعليم العالي. وفي تشيلي، يدعم برنامج "مهارات الحياة" الطلبة من مرحلة ما قبل الروضة حتى الصف الثاني عشر عبر تعزيز نموهم العاطفي والاجتماعي والمعرفي في جميع مراحل التعليم، ويعالج التنظيم العاطفي والتكيف، والتعايش المدرسي والرفاه النفسي الاجتماعي، والتحديات المرتبطة بالأداء الأكاديمي.

وباختصار، لا يتعلق تحقيق الإنصاف في التعليم النظامي بإدخال الجميع من الباب فحسب، بل بتوجيه جميع الطلبة نحو النطاق الكامل لفرص التعلم التي تتوافق مع اهتماماتهم واحتياجات الاقتصاد. وتجدر الإشارة إلى أن سياسات التعليم وحدها لا تستطيع تحقيق المساواة في النتائج دون دعم من السياسات الاجتماعية الأخرى. فقضايا كفقر الأطفال والسكن والصحة تؤثر في قدرة الطلبة على التعلم. والنهج الشمولي الذي ينسق بين التعليم والحماية الاجتماعية، كدعم دخل الأسر الفقيرة، والرعاية الصحية، كخدمات البصر والأسنان والصحة النفسية في المدارس، وتنمية المجتمع، يضاعف أثر التدخلات المدرسية. وقد اتجهت بعض دول المنظمة نحو "المدارس المجتمعية" أو نماذج الخدمات المتكاملة التي توفر منظومة دعم شاملة للطلبة المحرومين، كإقامة عيادات صحية ومكاتب للأخصائيين الاجتماعيين داخل الحرم المدرسي. وتقر هذه المقاربات بأنه لكي يحظى كل طفل بفرصة عادلة حقاً لتنمية مهاراته، يجب معالجة العوائق القائمة خارج الفصل أيضاً.

نظم التعلم مدى الحياة وتدريب الكبار: تعزيز التنمية المستمرة للمهارات للجميع

يتطلب سد فجوات المهارات والتكيف مع المتطلبات سريعة التغير ألا يتوقف التعلم عند التخرج. فنظام قوي لتعلم الكبار، يشمل التدريب أثناء العمل والتعليم المستمر وبرامج إعادة التأهيل ورفع المهارات وتعليم الفرصة الثانية، أمر حاسم للدينامية الاقتصادية والإدماج الاجتماعي معاً. غير أن المشاركة في تعلم الكبار، كما يبيّن الفصل الثالث، لا تزال غير متكافئة إلى حد بعيد، بل منخفضة على نحو مقلق أو حتى متراجعة في بعض الدول. فمن هم الأكثر حاجة إلى إعادة التأهيل، كالعاملين الأكبر سناً في الصناعات المتراجعة والبالغين الذين يفتقرون إلى المؤهلات الأساسية والمهاجرين الذين يحتاجون إلى مهارات لغوية وغيرهم، كثيراً ما يواجهون أكبر العقبات أمام الوصول إلى تعلم الكبار. وفي الوقت ذاته، قد يفتقر أصحاب العمل إلى الموارد اللازمة لتقديم تدريب قد يكون ذا قيمة خاصة للعاملين منخفضي المهارة أو المؤقتين. ونتيجة لذلك تركد مهارات البالغين أو تتقادم، حتى مع بقاء وظائف العاملين المهرة شاغرة ومع مطالبة التقنيات الجديدة بالتعلم المستمر. ولمعالجة ذلك، تحتاج دول المنظمة إلى إعادة التفكير جذرياً في نظم تعلم الكبار لديها وتقويتها. فالتعديلات التدريجية لن تكفي على الأرجح، بل يلزم تبني حزم سياسات شاملة تحفز التعلم مدى الحياة وتخفض عوائق الوصول وتضمن مواءمة التدريب المقدم مع احتياجات المهارات المستقبلية.

وتتمثل الأولوية الأولى في جعل تعلم الكبار أيسر وصولاً وأكثر جاذبية، ولا سيما للفئات الممثلة تمثيلاً ناقصاً. فالتكلفة والوقت عائقان رئيسيان يُستشهد بهما كثيراً. إذ لا يستطيع كثير من البالغين، ولا سيما في الوظائف منخفضة الأجر، تحمل رسوم الدراسة أو فقدان الدخل خلال التدريب. وتستطيع الحكومات معالجة عوائق التكلفة عبر حوافز مالية عامة، كالمنح أو قسائم التعلم للبالغين منخفضي الدخل، والإعفاءات الضريبية أو الدعم لأصحاب العمل الذين يدربون العاملين منخفضي المهارة، وحسابات التعلم الفردية التي تمنح كل بالغ ميزانية شخصية للتدريب. وتجرب دول عدة حسابات التعلم الفردية؛ ويُعد "الحساب الشخصي للتدريب" في فرنسا مثالاً بارزاً على نظام وطني يُقيّد ساعات التدريب أو الأموال المخصصة له لحساب الأفراد، مع أرصدة أعلى لذوي المؤهلات المنخفضة. ومن الأمثلة الأخرى رصيد "مهارات المستقبل" في سنغافورة، الذي يقدم أرصدة تدريبية مباشرة، كمبلغ 500 دولار سنغافوري في سن الخامسة والعشرين مع إضافات في أعمار لاحقة، لتشجيع التعلم المستمر. ولكي تكون هذه الأدوات فعالة، يجب تصميمها مع مراعاة الإدماج، بتوجيه دعم أكبر لذوي المؤهلات الأدنى أو العاملين في أشكال العمل غير المعتادة، الذين يتلقون عادة تدريباً أقل من أصحاب العمل.

أما العائق الرئيسي الآخر فهو الوقت، إذ يعاني البالغون العاملون المنشغلون بمسؤوليات الرعاية في إيجاد وقت للتدريب. ولمواجهة هذا العائق، تُعد سياسات كإجازات التدريب وخيارات التعلم الأكثر مرونة حاسمة. وقد أدخلت كثير من دول المنظمة أو وسعت حقوق إجازات التدريب، التي تتيح للموظفين أخذ إجازة مدفوعة أو غير مدفوعة للتعليم. ولجعل هذه السياسات شاملة، من المهم ضمان أن يتمكن الأكثر حاجة إليها من استخدامها. وقد يستلزم ذلك توفير تعويض عن الأجر أو مخصصات خلال الإجازة كي يتمكن العاملون منخفضو الدخل من تحمل أخذها، ورفع الوعي بالاستحقاق، وتحفيز أصحاب العمل على الموافقة على طلبات الإجازة. ويمكن كذلك توفير فرص التدريب عبر التنقل داخل المؤسسات؛ فعلى سبيل المثال، طورت الإدارة العامة الاتحادية في بلجيكا برنامج "تبادل المواهب"، الذي تستطيع من خلاله 21 مؤسسة ووكالة عامة طلب موظفين مؤقتين من المؤسسات الأخرى ضمن الشبكة للمساعدة في مشروع محدد. وقد استُخدم البرنامج أداة لمعالجة نقص المهارات مع منح الموظفين الحكوميين فرصة لتطوير مهاراتهم والتعلم أثناء العمل. وحيث تكون إجازة التدريب منصوصاً عليها قانوناً، ينبغي للحكومات أن ترصد الإقبال عليها بين المجموعات المختلفة وأن تعدل معاييرها إذا تبين مثلاً أن العاملين ذوي المهارات العالية وحدهم هم المنتفعون منها.

وتُعد صيغ التدريب المرنة طريقة أخرى للمساعدة على التوفيق بين التعلم وجداول العمل والحياة، وتشمل الدورات النمطية والصفوف المسائية وفي عطلات نهاية الأسبوع والتعلم عبر الإنترنت أو المدمج. ويمثل صعود الشهادات المصغرة، أي الدورات القصيرة التي تصادق على مهارات محددة، تطوراً واعداً يتيح للبالغين رفع مهاراتهم بخطوات صغيرة يمكن إدارتها. وينبغي لصانعي السياسات دعم توسيع برامج الشهادات المصغرة المعتمدة وضمان إمكانية "تجميعها" للوصول إلى مؤهلات أكبر، بما يتيح تقدماً مستمراً. ويُعد الاعتراف بالتعلم السابق أداة قوية أخرى، إذ يمكنه، بتقييم المهارات التي اكتسبها الأفراد بصورة غير رسمية عبر العمل أو تجارب أخرى واحتسابها، أن يقلل الوقت والتكلفة اللازمين للبالغين للحصول على مؤهلات جديدة. وقد أنشأت دول كالبرتغال عبر "مراكز التأهيل" وفنلندا نظماً متينة للاعتراف بالتعلم السابق لمساعدة البالغين، ولا سيما ذوي التعليم النظامي المحدود، على الحصول على شهادات بالمهارات التي يمتلكونها بالفعل. ومن شأن توسيع نطاق الاعتراف بالتعلم السابق وتبسيط إجراءاته أن يحسّن الإقبال عليه تحسيناً كبيراً، إذ إن كثيراً من البالغين لا يعرفون الإجراءات الحالية أو قد يجدونها مخيفة. ويمكن لتعزيز نظم الاعتراف بالتعلم السابق والتعريف بمنافعها أن يحفز الإقبال على فرص تنمية المهارات غير النظامية، لأن إبراز المنافع المحتملة للتعلم في سوق العمل وغيره قد يشجع الأفراد على التوفيق بين التعلم وأولويات أخرى تتشارك معه أهدافاً مشتركة. فعلى سبيل المثال، يمكن لفرص التطوع أن توفر للأفراد ذوي الخلفية المهاجرة فرص تعلم اللغة وبناء العلاقات اللازمة للاندماج في أسواق العمل المحلية، ويمكن لحوافز كالإعفاءات الضريبية أو الأولوية في الوصول إلى الوظائف أن تشجع التعلم عبر التطوع أو المبادرات المجتمعية الأخرى.

وعموماً، يجب جعل الوصول إلى تعلم الكبار سهلاً بأقل قدر من العقبات البيروقراطية، وأن يُروَّج له ويُحفَّز بنشاط. ويلزم التواصل والتوجيه لإشراك البالغين الذين لا يسعون إلى التدريب من تلقاء أنفسهم. وقد يشمل ذلك مراكز محلية شاملة لتقديم المشورة في تعليم الكبار، وبوابات إلكترونية تربط الأفراد بالدورات والدعم المالي، ومبادرات مجتمعية لتحفيز التعلم، كفرص التطوع أو مجموعات التعلم بين الأقران أو الاستفادة من المكتبات العامة وكليات المجتمع بوصفها نقاط وصول للتعلم مدى الحياة. وتعيد بعض الحكومات المحلية الاستثمار في فضاءات مادية تقدم خدمات شاملة للمتعلمين الشباب والكبار مع تجديد الفضاءات الحضرية في الوقت ذاته. فعلى سبيل المثال، تهدف مبادرة "يوتوبياس" في إيزتابالابا بمدينة مكسيكو إلى تحويل الفضاءات الحضرية المهملة إلى مراكز مفتوحة مجاناً تقدم خدمات تعليمية وثقافية وصحية وترفيهية.

ويعتمد نظام تعلم الكبار المتين على شراكة بين القطاع العام والأفراد وأصحاب العمل. وحالياً كثيراً ما تكون المسؤوليات غير واضحة أو مجزأة؛ فبعض المنشآت تستثمر بكثافة في تدريب موظفيها، وإن تفاوتت جودة التدريب وملاءمته، بينما تمتلك منشآت أخرى، ولا سيما المنشآت الصغيرة والمتوسطة، موارد محدودة لتخصيصها لرفع مهارات موظفيها أو إعادة تأهيلهم. ولمعالجة ذلك، يمكن للسياسات أن تعزز ثقافة الاستثمار المشترك في المهارات. فبعض الدول تستخدم رسوم التدريب أو المخططات الجماعية التي يسهم بموجبها أصحاب العمل في صندوق وطني للتدريب، مع إتاحة استرداد المنشآت للأموال غالباً حين تدرب موظفيها. وحين تُصمم هذه المخططات تصميماً جيداً، فإنها تشجع جميع المنشآت على الاضطلاع بدور وتوفر موارد مجمعة لتمويل التدريب في المنشآت الصغيرة والمتوسطة أو للقوى العاملة عموماً. فعلى سبيل المثال، تتضمن أجندة "المهارات بلس في العمل" في النرويج موارد لأصحاب العمل لتقديم تدريب في مكان العمل على القرائية والحساب والمهارات الرقمية ومهارات التواصل للأفراد ذوي المؤهلات المنخفضة. وفي بولندا، تُبذل جهود لتشجيع أصحاب العمل على مساعدة العاطلين عن العمل في العودة إلى سوق العمل، مع تمويل مشترك للأجور وإعفاءات من بعض اشتراكات الضمان الاجتماعي لأصحاب العمل الذين يستقبلون عاملين كبار السن قد يحتاجون إلى رفع كبير لمهاراتهم أو دعم آخر للعودة إلى القوى العاملة.

ومن المقاربات الأخرى لتعزيز تعلم الكبار داخل المنشآت إبراز الجدوى الاقتصادية للتدريب؛ إذ تستطيع الحكومات والهيئات القطاعية نشر الأدلة على أن التدريب يحسّن الإنتاجية والابتكار، فتحفز المنشآت على الاستثمار. وقد تحتاج المنشآت الصغيرة إلى دعم للتعامل مع خيارات التدريب، عبر تجمعات تدريب قطاعية مثلاً أو برامج عامة توفر تقييمات لاحتياجات التدريب في الشركات. وقد حققت أيرلندا وإستونيا تقدماً ملحوظاً في المشاركة في تعلم الكبار خلال العقد الماضي عبر تنفيذ إصلاحات طويلة الأمد تجمع بين الحوافز المالية وإجازات التدريب وإشراك أصحاب العمل وضمان جودة التدريب. وتشير هذه المقاربات الشاملة إلى أن الجهود المجتزأة لن تحل المسألة، وأنه يجب مواءمة حوافز جميع الفاعلين.

ومع توسع الدول في تعلم الكبار، يجب أن تضمن أيضاً أن يكون التدريب المقدم عالي الجودة وملائماً لمتطلبات المهارات المتطورة. فمن مخاطر التوسع في تدريب الكبار اللامركزي عبر الحوافز المالية انتشار دورات أو شهادات منخفضة الجودة لا تحسّن فعلياً توقعات العاملين. ولذلك تلزم آليات قوية لضمان الجودة تشمل اعتماد مقدمي الخدمات ووضع معايير للمناهج والمدربين ورصد النتائج، كمكاسب التوظيف أو الأجور للمشاركين في التدريب. وتطرح الأشكال الجديدة للتعلم، كالدورات الإلكترونية والشهادات المصغرة، تحديات خاصة للجودة، وقد اتجهت دول عدة، كنيوزيلندا، إلى وضع معايير جودة محددة للشهادات المصغرة وأطر لدمجها في نظام المؤهلات الوطني. ويمكن لتبادل المعلومات حول أداء مقدمي الخدمات ونتائج الدورات أن يمكّن المتعلمين من اختيار البرامج الفعالة. ويستدعي ذلك تحسين معلومات سوق العمل وآليات تغذية التدريب المقدم بها. فعلى سبيل المثال، يمكن لاستشراف المهارات ومجالس المهارات القطاعية تحديد احتياجات المهارات الناشئة، كتلك المرتبطة بالتحول الرقمي والانتقال الأخضر وغيرهما، ويمكن لصناديق التدريب العامة إعطاء الأولوية للدورات في هذه المجالات، بينما تساعد بيانات الاستشراف وأطر الكفايات على تصميم معايير توجه هذه الأولويات وتضمن جودة الدورات معاً. وقد أنشأت بعض الدول "أطر مهارات مهنية" بالشراكة مع القطاعات الاقتصادية؛ فعلى سبيل المثال، تُشرك "خرائط التحول الصناعي" في سنغافورة قادة القطاعات في تحديد المعايير المهنية المتطورة، التي تُستخدم لتوجيه تطوير التدريب النمطي. فضلاً عن ذلك، يمكن لأطر الوظائف والمهارات التي تحدد الكفايات الرئيسية المطلوبة في كل وظيفة أن تساعد على تصميم برامج التدريب والتنقل المهني. ففي فرنسا، يوفر "دليل وظائف الخدمة العامة" إطاراً من هذا النوع عبر الرسم المنهجي للمهارات المرتبطة بكل وظيفة عامة. ويُحدَّث الدليل بانتظام ليعكس التغيرات في الوظائف والمهارات، وتهدف التطورات المقبلة إلى تعزيز مواءمته مع تطورات سوق العمل. ولا تساعد هذه الأداة أصحاب العمل في القطاع العام الفرنسي على استباق التغيرات وتوجيه التدريب فحسب، بل تساعد المواطنين الفرنسيين أيضاً على فهم احتياجات المهارات المتطورة لدى المؤسسات العامة. كما يمكن لخدمة التوظيف العامة أن تؤدي دوراً بتوجيه الباحثين عن عمل نحو التدريب على المهن التي تعاني نقصاً. وفي جوهر الأمر، يلزم نظام تعلم كبار تكيفي واستشرافي لا يستجيب لفجوات المهارات الحالية فحسب، بل يستبق الفجوات المستقبلية أيضاً، بما يمكّن العاملين من الاستعداد لوظائف الغد بدلاً من وظائف قد تكون في طور الأفول. ويمكن لأصحاب العمل الذين يسعون إلى الاستعانة بمصادر خارجية أو شراء محتوى أو أدوات تدريب لموظفيهم أن يستفيدوا من دروس مؤسسات التعليم العالي التي دمجت بعض الشهادات المصغرة والدورات الإلكترونية المفتوحة واسعة النطاق في مناهجها الأوسع.

ونظراً للأدلة على أن قوى السوق وحدها تُبقي كثيراً من البالغين المحرومين خلف الركب، يجب أن يكون تقليص الفوارق في المهارات مبدأً تصميمياً في سياسات تعلم الكبار. ويعني ذلك طرح أسئلة باستمرار من قبيل: هل تصل برامجنا إلى ذوي المهارات الأدنى؟ وهل يشهد العاملون الأكبر سناً والمهاجرون تحسناً في الوصول؟ ومن شأن مراعاة احتياجات الفئات الهشة وتقديم التعلم في بيئات غير نظامية، كالمجتمع المحلي، أن يجعل رفع المهارات أقرب منالاً للبالغين ذوي التجارب المدرسية السلبية أو المستويات الأولية المنخفضة من المهارات.

وخلاصة القول، ينبغي أن يكون نظام تعلم الكبار المتجدد في دول المنظمة شاملاً واستباقياً ومنسقاً جيداً، يتعامل مع التعلم بوصفه حقاً وضرورة مدى الحياة، تماماً كما تتعامل النظم الصحية مع الرعاية الصحية بوصفها خدمة أساسية متاحة للجميع، مع عناية إضافية بالأكثر عرضة لخطر "فقر المهارات". وليست هذه أجندة سياسات اجتماعية فحسب، بل أجندة اقتصادية أيضاً، إذ إن التنمية المستمرة للمهارات ضرورية للإنتاجية والابتكار والصمود في مواجهة التغيرات التكنولوجية والديموغرافية. وستخفف الاستثمارات والإصلاحات في تعلم الكبار من نقص المهارات وتتيح مشاركة أوسع في نمو الاقتصاد عبر بناء قوى عاملة أكثر قدرة على التكيف وأعلى مهارة.

التوجيه المهني والمراحل الانتقالية: دعم مسارات مستنيرة وشاملة

يواجه الأفراد مراحل انتقالية على امتداد حياتهم: من المدرسة إلى التعليم اللاحق أو العمل، ومن وظيفة إلى أخرى، أو العودة إلى القوى العاملة بعد انقطاع. ويمكن أن تؤثر جودة اجتياز الناس لهذه المراحل تأثيراً كبيراً في مدى الاستخدام الفعال للمهارات وفي اتساع الفوارق في سوق العمل أو ضيقها. وتعتمد قدرة الأفراد على تجاوز التحديات المهنية بفعالية، جزئياً على الأقل، على دعم التعليم والتدريب المتاح لهم، وعلى الخدمات المكملة التي تدعم اتخاذ القرار. ويُعد التوجيه المهني ودعم التطور المهني مجالين سياسيين رئيسيين لتيسير الانتقالات وتحسين مواءمة المهارات. ولا سيما بالنسبة للشباب، يمكن للوصول إلى توجيه مهني جيد خلال الدراسة أن يضمن اتخاذهم قرارات مستنيرة تتسق مع مواهبهم وفرص سوق العمل، بدلاً من أن ينحرفوا بسبب نقص المعلومات أو التحيزات الاجتماعية. وكثيراً ما يبدأ عدم التوافق مبكراً، كما يبيّن الفصل الرابع. فقد يكون لدى الشباب المنحدرين من خلفيات اجتماعية واقتصادية محرومة وعي محدود ببعض المسارات المهنية، أو قد يقللون من تقدير مستوى التعليم والتدريب المطلوب، مما يفضي إلى خيارات دون المستوى الأمثل تديم عدم المساواة. فالطلبة المحرومون اجتماعياً واقتصادياً يمارسون عموماً أنشطة تطوير مهني أقل ويمتلكون شبكات علاقات أضعف من أقرانهم الميسورين، ويعتمدون أكثر على المدارس في الحصول على المعلومات المهنية. كما لا يزال الفتيان والفتيات يُظهرون تطلعات مهنية متأثرة بالصور النمطية الجندرية، مما يسهم لاحقاً في الفصل المهني وفجوة الأجور. ولذلك يُعد تعزيز نظم التوجيه المهني مع التركيز على الإنصاف أداة سياسية عالية الأثر.

ويُعد ضمان الوصول الشامل إلى التوجيه المهني منذ سن مبكرة أمراً حاسماً. وينبغي لصانعي السياسات جعل التعلم المرتبط بالمسارات المهنية والتوجيه المهني جزءاً معيارياً من الرحلة التعليمية لجميع الطلبة، يبدأ قبل نهاية المرحلة الثانوية بوقت طويل. وتشير الأدلة إلى أن الأطفال يبدؤون تكوين أفكار عن الوظائف في سن مبكرة، وأن كثيرين منهم بحلول بداية المراهقة يكونون قد ضيّقوا تطلعاتهم بالفعل، غالباً بناءً على الأعراف الجندرية أو حدود المعلومات ونماذج القدوة التي تعرضوا لها. ويمكن لإدخال تعليم مهني ملائم للعمر في المرحلة الابتدائية، كالأنشطة التي توسع وعي الأطفال بالمهن المختلفة وتتحدى الصور النمطية، مثل تقديم عالمات وممرضين ذكور بوصفهم قدوة، أن يغرس بذور تطلعات أوسع وأعلى. وبحلول المرحلة الثانوية الدنيا، أي بين الثالثة عشرة والخامسة عشرة تقريباً، ينبغي أن يتلقى جميع الطلبة توجيهاً حول المسارات التعليمية والمهنية المتنوعة المتاحة، بما فيها المسارات المهنية والتلمذة المهنية والمسارات الأكاديمية، كي يتمكنوا من اتخاذ خيارات مستنيرة للمرحلة الثانوية العليا. وقد تحتاج المدارس التي تضم تركيزاً كبيراً من الطلبة المحرومين أو الهشين إلى موارد إضافية لتقديم توجيه مهني عالي الجودة بصورة منهجية، وينبغي للحكومات أن تدرك ذلك وتوفر الدعم الإضافي اللازم. فعلى سبيل المثال، يوفر برنامج "تحقيق تكافؤ الفرص في المدارس" في أيرلندا تمويلاً تفضيلياً وإضافياً للمدارس المؤهلة لتقديم أنشطة التوجيه المهني. وفي المملكة المتحدة، تربط برامج مثل "ألهِم المستقبل" و"متحدثون للمدارس" المدارس بمتطوعين وشخصيات عامة يعملون حصرياً مع المؤسسات العامة سعياً إلى إتاحة الوصول إلى شبكات ومعلومات يصعب بلوغها، وفي نهاية المطاف إلى مسارات مهنية. كما تستطيع الدول وضع سياسات تضمن حصول كل طالب على حد أدنى من الخدمات، كعدد إلزامي من جلسات الإرشاد المهني أو مشاركة إلزامية في أنشطة استكشاف العمل كزيارات أماكن العمل أو مرافقة العاملين في وظائفهم. وتخصص بعض النظم التعليمية وظائف مرشدين إضافية أو تتشارك مع منظمات مجتمعية للوصول إلى الشباب المعرضين للخطر. والمبدأ الموجه هو الانخراط المبكر والاستباقي؛ فانتظار نهاية المرحلة الثانوية لتقديم المشورة المهنية متأخر جداً بالنسبة لكثيرين، إذ قد يكونون قد اتخذوا بالفعل خيارات دراسية تحد من خياراتهم. ويفضي بدء التوجيه مبكراً وجعله عملية مستمرة طوال الدراسة إلى مواءمة أفضل بين قدرات الطلبة واهتماماتهم واحتياجات سوق العمل.

ولا يقل تعزيز جودة التوجيه المهني وشموليته أهمية عن توسيع الوصول إليه. فكثير من المعلمين أو المرشدين المدرسيين يشعرون بأنهم غير مهيئين بما يكفي لتوجيه الطلبة في عالم عمل سريع التغير، ويحتاجون إلى تدريب إضافي حول اتجاهات سوق العمل وأساليب الإرشاد والتوجيه الخالي من التحيز. وفي بعض الدول، يقدم التوجيه مزيج من المهنيين، يشمل مرشدين مهنيين متخصصين ومعلمين أو أخصائيين اجتماعيين يدمجون التطوير المهني في أدوارهم. ويُعد بناء هذه القدرة المهنية بالموارد الملائمة أمراً حيوياً لضمان حصول الطلبة على دعم خبير.

وإلى جانب تعريف الطلبة بالخيارات المتاحة، يمثل التوجيه المهني وسيلة مهمة لإكسابهم مهارات إدارة المسار المهني ومهارات القابلية للتوظيف. فينبغي أن تعلّم برامج التوجيه الشباب بنشاط كيفية اتخاذ القرارات ووضع الأهداف والبحث عن الفرص وتقديم أنفسهم، ككتابة السيرة الذاتية والتدريب على المقابلات. وتساعد هذه الكفايات على تحقيق تكافؤ الفرص، إذ كثيراً ما يكتسب الطلبة الأيسر حالاً هذه المهارات من أسرهم ورأس مالهم الاجتماعي، بينما يعتمد الطلبة المحرومون على المدرسة لتعلم كيفية إدارة مساراتهم المهنية. ويعني النهج الشامل في التوجيه أيضاً تكييف الدعم لمن يحتاجون إلى مساعدة إضافية، كالتواصل الخاص مع الطلبة غير المنخرطين أو المعرضين لخطر التسرب، وتوفير مسارات بديلة كالتدريب المهني أو برامج إعادة الانخراط، بحيث لا يُترك أي شاب دون مسار. ومن أفضل الممارسات مخططات "التدريب المهني الشخصي" التي تستهدف الشباب المحرومين، أو برامج الإرشاد التي تجمع بين مهنيين من القطاعات الاقتصادية وطلبة يفتقرون إلى نماذج قدوة.

وبالتوازي مع التوجيه، ينبغي أن تتاح لجميع الطلبة فرص بناء رأس المال الاجتماعي والتعرض لعالم العمل. ومن النتائج المطردة أن الطلبة ذوي الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية الأدنى يحظون بوصول أقل إلى الشبكات غير الرسمية وخبرات العمل التي يمكن أن تنير خياراتهم المهنية. فقد لا يكون لديهم أصدقاء للعائلة من المهندسين أو المحامين يطلبون مشورتهم، وقد تكون فرصهم في العمل بدوام جزئي أو التدريب العملي محدودة. وتستطيع المدارس أن تكون حلقة وصل بعالم العمل للتعويض عن هذه الفجوة. والسياسات التي تشجع الشراكات بين المدارس وأصحاب العمل مفيدة للغاية؛ وقد تشمل تنظيم محاضرات مهنية يتحدث فيها مهنيون متنوعون، كالنساء في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وقادة من مجتمعات الأقليات، عن وظائفهم، وتيسير فترات عمل قصيرة أو مرافقة العاملين للطلبة، وتنظيم برامج كمعارض المهن أو أيام القطاعات في المدارس. وتساعد هذه الأنشطة على إزالة الغموض عن البيئات المهنية وتوسيع توقعات الطلبة، كما تتيح لهم تطوير رأس المال الاجتماعي، أي العلاقات والرؤى التي كثيراً ما تتركز لدى ذوي الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية الأيسر. ويمكن لدعوة متطوعين من أماكن العمل أو خريجي المدرسة، ولا سيما ذوي الخلفيات المماثلة، لإرشاد الطلبة أن يكون ذا أثر قوي. ولدى بعض الدول مبادرات وطنية تربط المدارس بالشركات المحلية والمرشدين المجتمعيين لضمان حصول كل طالب على تجربة تعلم قائمة على العمل ذات معنى واحدة على الأقل قبل التخرج. فعلى سبيل المثال، تعزز ولاية ماريلاند في الولايات المتحدة الشراكات بين مؤسسات التعليم العالي العامة وأصحاب العمل المحليين والمنظمات غير الربحية، بما يدعم تنمية القوى العاملة المحلية والإقبال على فرص التعلم والتدريب الملائمة طوال المسارات التعليمية والمهنية المبكرة للشباب. إذ تقدم المنظمات غير الربحية التوجيه المهني للطلبة، بينما يقدم أصحاب العمل المحليون المعلومات والإرشاد وفرص العمل. ويمكن لمثل هذه التدابير أن تجعل الوصول إلى الشبكات المهنية أكثر ديمقراطية.

ويُعد إشراك أسر الطلبة أمراً أساسياً أيضاً؛ إذ تستطيع المدارس إشراك الوالدين، بمن فيهم ذوو الخلفيات المحرومة، في عملية التوجيه المهني بتزويدهم بالمعلومات وتشجيع الحوارات المهنية في المنزل. ويمكن لورش العمل المهنية الموجهة للأسر أو اللقاءات الفردية بين المرشدين والوالدين أن تساعد على مواءمة الدعم حول الطالب، مع تزويد الوالدين بمعلومات حاسمة، فقد يحتاجون هم أنفسهم إلى رفع مهاراتهم أو إعادة تأهيلهم.

وتسهم الاختلالات بين الجنسين في الخيارات المهنية إسهاماً كبيراً في الفوارق المستمرة في سوق العمل. ويمكن للتوجيه المهني أن يؤدي دوراً حاسماً في معالجة الصور النمطية الجندرية وتوسيع تطلعات الأفراد المنتمين إلى فئات ممثلة تمثيلاً ناقصاً في قطاعات معينة. وينبغي أن تهدف سياسات التوجيه المهني صراحة إلى تحدي الصور النمطية الجندرية وتشجيع استكشاف المسارات المهنية غير التقليدية لجميع الأنواع الاجتماعية. ويمكن تحقيق ذلك بضمان خلو المواد والأنشطة المهنية من التحيز، كعرض الرجال والنساء في أدوار متنوعة، وتقديم برامج محددة لتعزيز ثقة الفئات الممثلة تمثيلاً ناقصاً، كنوادي البرمجة للفتيات أو المعسكرات المهنية في التمريض للفتيان، وإتاحة تعلم تجريبي يكسر الأعراف الجندرية. فعلى سبيل المثال، أدخلت بعض النظم التعليمية "أيام البنات"، التي تزور فيها الطالبات شركات في مجالي الهندسة والتصنيع، إلى جانب حملات لجذب مزيد من الفتيان إلى التدريس أو الرعاية الصحية. وفي ألمانيا، تُعد هذه الفعاليات جزءاً من حملة سنوية أوسع تدعمها وزارات اتحادية عدة، وتحشد الموارد ورأس المال السياسي لدعم دخول النساء إلى المجالات التي يغلب عليها الرجال. وتشمل المبادرات والدعم المصاحب استثمارات في رعاية الأطفال في الجامعات والتنسيق مع أصحاب العمل لضمان الإنصاف في ممارسات التوظيف.

وينبغي أن يراعي الإرشاد المهني الاحتياجات المختلفة بحسب النوع الاجتماعي، إذ تشير التقييمات إلى أن الخبرة العملية ونماذج القدوة الإيجابية يمكن أن تؤثر تأثيراً كبيراً في قرارات الشباب. فالفتيان المراهقون كثيراً ما يُظهرون قدراً أكبر من الحيرة المهنية، وقد ينتفعون من تدخل أبكر يشركهم في التفكير في مستقبلهم. أما الفتيات، فرغم أدائهن الأكاديمي المرتفع، فقد يستبعدن أنفسهن من بعض المسارات المهنية بسبب فجوات الثقة أو الرسائل المجتمعية. وكما أنه من المهم تعزيز إقبال الفتيات على مواد العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في المدارس لضمان وصولهن إلى المهارات والمهن عالية الأجر والمطلوبة، ثمة طائفة من الإجراءات التي تستطيع الحكومات اتخاذها لجذب مزيد من الرجال إلى مجالات تغلب عليها النساء تاريخياً، كالصحة والرعاية الاجتماعية. فقد استثمرت أستراليا وألمانيا والمملكة المتحدة في حملات تواصل موجهة وأبحاث وإنشاء مؤسسات تدريب جديدة وحملات توظيف ومواد تعليمية لتعزيز التحاق الرجال بالتدريب المرتبط بالتمريض. وبالمثل، استخدمت الحكومة النرويجية الأهداف وسياسات التمييز الإيجابي لجذب مزيد من الرجال إلى مهن التدريس ورعاية الأطفال، بينما وضعت بعض مؤسسات التعليم العالي العامة في إسبانيا خطط ترقية تضمن وصول النساء إلى أدوار التدريس في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات على قدم المساواة مع الرجال. وبذلك ينبغي أن يشجع التوجيه استكشاف الذات والتفكير النقدي في العلاقة بين المسار المهني والمجتمع، أي أن يساعد الشباب على التمعن النقدي في أسباب ميلهم إلى وظائف معينة ومساءلة السرديات المقيِّدة. وفي الوقت ذاته، ينبغي معالجة القضايا الهيكلية، كالتوقعات المجتمعية وظروف العمل والأجور في هذه المهن، للتصدي للمشكلات التي تمس جميع المعلمين والعاملين في الصحة والرعاية الاجتماعية في كثير من دول المنظمة.

وبينما تمثل المدارس محور تركيز رئيسياً، فإن التوجيه المهني لا يقل أهمية بالنسبة للبالغين في نقاط التحول، كالعاطلين عن العمل أو من يفكرون في تغيير مسارهم المهني أو العائدين إلى القوى العاملة، كالآباء والأمهات العائدين بعد انقطاع لرعاية الأطفال أو العاملين الأكبر سناً. وينبغي تقوية خدمات التوظيف العامة ومراكز الإرشاد المهني للكبار، إذ يمكن لتركيز الإرشاد الشخصي وتقييم المهارات والتعريف بخيارات التدريب في مكان واحد أن يساعد البالغين كثيراً على إيجاد مسارات نحو عمل أفضل. فعلى سبيل المثال، تقدم خدمة مرشدي المسارات المهنية التابعة لبرنامج "وظائف فيكتوريا" في ولاية فيكتوريا الأسترالية توجيهاً مهنياً مجانياً وشخصياً لجميع البالغين بصرف النظر عن وضعهم الوظيفي، وتقدمها جمعية التعليم المهني في فيكتوريا عبر ممارسين معتمدين مهنياً، بمن فيهم متخصصون لمجتمعات السكان الأصليين وذوي الإعاقة. ولا يمكن حشد هذا النوع من الدعم إلا بالتعاون مع الشركاء الاجتماعيين، كما يتطلب استهدافاً وتكييفاً لمجموعات بعينها. فعلى سبيل المثال، تقدم مؤسسات العمل في النمسا برامج تدريب مصممة خصيصاً وإرشاداً مهنياً وخدمات توظيف في سياقات كحالات التسريح الجماعي، أو تساعد الفئات المحرومة على العودة إلى القوى العاملة.

ويُعد هذا الدعم، مستكملاً بتدخلات موجهة تراعي ديناميكيات سوق العمل وقضاياه المحلية، بالغ الأهمية في سياق التحولات الصناعية، كحاجة عمال مناجم الفحم إلى الانتقال إلى قطاعات جديدة بفعل التحول الأخضر، وفي سياق الاضطرابات التكنولوجية. ويساعد الاستثمار في التوجيه المهني للكبار، بما في ذلك الأدوات الرقمية كتقييم المهارات عبر الإنترنت ومنصات مطابقة الوظائف، على الحد من عدم التوافق في سوق العمل وتقصير فترات البطالة. فعلى سبيل المثال، يسعى مشروع "السيدات الرئيسات" الدنماركي إلى جذب مزيد من النساء إلى قطاع البناء، الذي لا تتجاوز نسبة النساء فيه حالياً 9% من القوى العاملة. ويوظف المشروع سفيرات، ويتعاون مع مؤسسات التعليم والتدريب المهني، ويقدم التوجيه المهني ومطابقة فرص التلمذة المهنية، ويربط النساء بفرص التدريب، موفراً نقاط دخول حاسمة إلى هذا القطاع.

كما يؤدي مقدمو خدمات التوظيف العامة دوراً حاسماً في توجيه العاطلين عن العمل للعودة إلى سوق العمل، وثمة طائفة من التدخلات الممكنة لتلبية الاحتياجات المتنوعة لهذه الفئات. فمبادرة "مهارات المستقبل" في لوكسمبورغ تستهدف العاطلين عن العمل الحاصلين على التعليم الثانوي، وتقدم ثلاثة أشهر من التدريب تليها ستة أشهر من التدريب العملي في القطاع العام. أما برنامج "فيفيس للتوظيف الصحي" في إسبانيا فيدمج الرفاه البدني والعاطفي والاجتماعي في برامج دعم التوظيف للعاطلين عن العمل. وعند تصميم استراتيجيات متماسكة وشاملة لزيادة المشاركة في القوى العاملة عبر التوجيه المهني والبرامج المصاحبة، ينبغي لصانعي السياسات مراعاة اتساع نطاق الدعم الممكن تقديمه وتنوع وسائل تقديمه.

ويكمّل التوجيه المهني سياسات تعلم الكبار؛ فحتى لو توفرت فرص التدريب، فإن كثيراً من البالغين لن يستخدموها على النحو الأمثل دون توجيه يساعدهم على تحديد المهارات التي ينبغي تطويرها لبناء مسارات مهنية مستدامة. وقد أدخلت بعض الدول إدارة الحالات الفردية للعاطلين عن العمل لفترات طويلة أو العاملين الهشين، فتربطهم بمرشدين مهنيين أو مدربين وظيفيين. وأنشأت دول أخرى "فحوصات منتصف المسار المهني"، التي تُعرض فيها على العاملين في منتصف العمر، بين الأربعين والخمسين، مراجعة مهنية مجانية لتشجيعهم على رفع مهاراتهم قبل أن تتقادم. وتقر هذه الممارسات بأن التطور المهني عملية مستمرة، لا خياراً يُتخذ مرة واحدة في الشباب، وبأن التوجيه ينبغي أن يكون متاحاً على امتداد الحياة العملية للفرد.

ومن خلال مساعدة الناس على اتخاذ خيارات تعليمية ووظيفية أكثر استنارة، يحسّن التوجيه المهني كفاءة استخدام المهارات في الاقتصاد، فيحد من عدم التوافق ويسهم في نتائج أكثر عدلاً عبر ضمان ألا تضيع المواهب بسبب نقص المعلومات أو العلاقات. ويعني ذلك بالنسبة لصانعي السياسات التعامل مع التوجيه المهني بوصفه جزءاً لا يتجزأ من منظومة تنمية المهارات، والاستثمار في نطاقه وجودته، وترسيخه في مراحل الحياة المتعددة.

تطوير رصد متين لمهارات السكان البالغين المتنوعين

يمكن أن تؤثر طريقة تقييم مهارات البالغين تأثيراً كبيراً في الفجوات الملحوظة بين المجموعات الاجتماعية والديموغرافية المختلفة. فقد تصوّر أدوات التقييم المختلفة مستويات الإتقان بطرق مختلفة لدى فئات سكانية غير متجانسة، مما يعني أن ما يبدو "فجوة" بين المجموعات قد يتسع أو يضيق تبعاً لطريقة القياس وموضوعه. فعلى سبيل المثال، قد تبالغ اختبارات القرائية المعيارية التي تُجرى بلغة البلد المضيف في تقدير فجوات المهارات لدى المهاجرين لعدم مراعاتها الكاملة للحواجز اللغوية. وبينما كان تفكيك الحواجز اللغوية صعباً في الماضي، باتت التكنولوجيا الآن قادرة على الحد من أثرها على إمكانية مشاركة الناس الفعالة في وظائف معينة، وبصورة متزايدة في أسواق عمل معينة تعمل باللغة الإنجليزية بدلاً من اللغات الرسمية الأخرى. وبالمثل، قد تسيء التقييمات غير المصممة لاستيعاب المشاركين المتنوعين تمثيل الفروق بين المجموعات. فالبالغون ذوو الإعاقات والقصور كثيراً ما يحققون درجات أدنى في اختبارات القرائية والحساب التقليدية مقارنة بعموم السكان، وهو ما يعكس جزئياً صيغ اختبار لا تلبي احتياجاتهم. وإذا غابت خصائص التصميم الشامل، كالواجهات الميسرة أو تكييف الحدود الزمنية، فقد تمنع بيئات الاختبار مجموعات معينة من إظهار كفاياتها الحقيقية، فتشوّه الفجوات المقيسة. بل إن الفروق بين الجنسين في المهارات قد تتقلب تبعاً لاختيار إطار التقييم؛ إذ تشير الأبحاث إلى أن أداء الرجال أفضل في أنواع معينة من بنود القرائية، كالنصوص القصيرة أو غير المتصلة أو المتضمنة لمحتوى عددي، بينما تؤدي النساء أداءً مماثلاً للرجال في أنواع أخرى من البنود.

ويمكن أن يحجب عدم مراعاة التنوع الكامل للمتعلمين أسباب انخفاض التحصيل لدى شرائح معينة من السكان، مما يحد من قدرة صانعي السياسات على الاستجابة. فمن نقيّمه وكيف نقيّمه أمر مهم؛ إذ يجب أن تكون أدوات الرصد المتينة حساسة للفروق في النوع الاجتماعي والوضع الاجتماعي والاقتصادي والثقافة والعمر، بحيث تعكس فجوات المهارات المقيسة الواقع لا مجرد آثار جانبية للاختبار.

وأسواق العمل في دول المنظمة اليوم أكثر تنوعاً من أي وقت مضى من حيث النوع الاجتماعي والهجرة والخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية. غير أن كثيراً من تقييمات مهارات البالغين لم تُصمم أصلاً مع مراعاة هذا التباين، ولهذا الاختلال عواقب ملموسة. فالمسوح المعيارية التي تتجاهل التنوع معرضة لتقديم صورة شديدة الضيق عن المهارات التي يمتلكها الأفراد، وتفوّت فرصاً لتزويد السياسات ببيانات ذات معنى. ومن شأن تطوير أدوات تقييم أكثر شمولاً ومرونة أن يقدم صورة أدق وأكمل لمهارات جميع السكان البالغين.

ويتضمن تحديث نظم رصد مهارات البالغين لالتقاط الطيف الكامل للقدرات لدى المجموعات المتنوعة من المتعلمين توسيع التغطية، بضمان مشاركة الفئات الممثلة تمثيلاً ناقصاً، وتحسين مقاربات القياس معاً. ويمكن عكس تنوع خبرات الحياة وتطبيقات المهارات بتكييف التقييمات لتلائم البالغين ذوي الخبرات المختلفة. وعملياً، قد يعني ذلك تقديم بنود اختبار تحاكي المهام الواقعية في بيئات ثقافية متنوعة على نحو أفضل، أو السماح في سياق التقييمات الدولية بوحدات ذات صلة وطنية إلى جانب نواة دولية مشتركة، اعترافاً بالفروق الخاصة بكل دولة في مجموعات المهارات. ومن شأن تعزيز مرونة التقييمات وإتاحتها أن يساعد على تمثيل مواطن القوة والضعف لدى المجموعات السكانية المختلفة تمثيلاً أفضل. وتتيح الابتكارات التكنولوجية سبلاً واعدة؛ فالاختبارات التكيفية المحوسبة تستطيع تعديل صعوبة الأسئلة وفق مستوى مهارة الفرد، فتنتج نتائج أدق لذوي الأداء المنخفض والمرتفع على حد سواء. ويمكن لاستخدام بنوك بنود كبيرة تتضمن بنوداً أسهل وسيناريوهات عملية أن يحسّن القياس عند الطرف الأدنى من الإتقان، حيث يوجد كثير من البالغين المحرومين. كما يمكن للمهام متعددة الوسائط وحل المشكلات التفاعلي أن تشرك البالغين ذوي أساليب التعلم أو الملامح اللغوية المختلفة، فترصد مهارات قد تفوتها الاختبارات التقليدية كثيفة النصوص. والأهم أن تضمين التصميم الشامل والتسهيلات، كالتقنيات المساعدة أو الوقت الإضافي، يمكّن ذوي الإعاقة أو ذوي الثقافة الرقمية المنخفضة من المشاركة الكاملة، مما يجعل التقييم أكثر تمثيلاً بكثير. ومن شأن هذه التحسينات أن تضمن أن تشير فجوات المهارات الملحوظة حقاً إلى مجالات تحتاج إلى تدخل، لا أن تعكس تحيزات الأداة.

فنظم التقييم التي تتبنى التباين تنتج بيانات أدق لصنع القرار وتخدم الأهداف الاجتماعية الأوسع على نحو أفضل. ومن خلال تصميم أدوات تراعي تباين خصائص الفئات المستهدفة، يستطيع صانعو السياسات تحديد احتياجات المجتمعات بأكملها، ومن ثم صياغة سياسات مهارات فعالة وشاملة. وليس بناء أدوات أنسب لرصد مهارات البالغين غاية في ذاته، بل وسيلة لدفع مسارات التعلم المخصصة والسياسات العامة الأذكى معاً. فبيانات المهارات عالية الجودة، المصنفة بحسب النوع الاجتماعي والوضع الاجتماعي والاقتصادي والعمر ووضع الهجرة أو الإقليم، توفر رؤى لا تقدر بثمن لتوجيه التدخلات. وعلى المستوى الفردي، يمكن للتقييمات المحسنة أن تدعم التوجيه والتدريب المصممين خصيصاً. فحين يتلقى البالغون تغذية راجعة مفصلة عن مواطن القوة والضعف في مهاراتهم، يستطيعون هم ومدربوهم تحديد ما يلزم من رفع للمهارات أو إعادة تأهيل. فالتقييمات المستخدمة في بيئات التعلم، مثلاً، تساعد المربين على تحديد فجوات كل متعلم آنياً كي يعدلوا تدريسهم وفقاً لذلك. بل حتى المسوح واسعة النطاق المعدة أساساً للرصد يمكن أن تصبح أكثر فائدة للمشاركين؛ فإدماج آليات للتغذية الراجعة في مسوح كمسح مهارات البالغين، بإعطاء المختبَرين مؤشراً على نتائجهم والمجالات التي يحتاجون إلى تحسينها مثلاً، من شأنه أن يجعل التجربة أكثر إفادة للبالغين ويزيد انخراطهم. وهذا بدوره ينتج بيانات أكثر موثوقية لصانعي السياسات، فتنشأ حلقة إيجابية: يتحفز البالغون للمشاركة والتحسن، ويحصل صانعو السياسات على معلومات أفضل يبنون عليها قراراتهم. وفي نهاية المطاف، يمكن لتقييم المهارات الدقيق أن يمكّن الأفراد من اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن التدريب الإضافي أو الانتقالات المهنية أو الحصول على شهادات بالمهارات، فيصبح أداة تشخيصية توجه البالغين إلى الفرص الملائمة لاحتياجاتهم، سواء أكانت دورة تنشيطية في الحساب لشخص ذي مهارات أساسية منخفضة أم ورشة متقدمة في تقنيات المعلومات والاتصالات لعامل أكبر سناً يتكيف مع التغير التكنولوجي. فعلى سبيل المثال، تقدم مبادرة "كبار السن الرقميون" في جمهورية سلوفاكيا تدريباً رقمياً لأكثر من 100 ألف من كبار السن وذوي الإعاقة، عبر توفير التدريب والأدوات لتحفيز التعلم المستمر، مما يبرز الحاجة إلى نهج متعدد الأوجه لدعم التعلم المستدام.

وعلى مستوى النظام، تتيح بيانات المهارات الشاملة والمفصلة تصميم السياسات وتقييمها وتخصيص الموارد على نحو أكثر فعالية. فحين ترصد أدوات الرصد المجموعات المتخلفة عن الركب والمجالات التي تتخلف فيها، تستطيع الحكومات توجيه الاستثمارات إلى حيث يكون أثرها أكبر. فإذا كشفت التقييمات مثلاً أن البالغين في أقاليم ريفية معينة يمتلكون مهارات رقمية منخفضة بشكل خاص، يمكن توجيه أموال التدريب وبرامجه إليها. وبالمثل، يمكن لفجوات المهارات الجندرية أو الاجتماعية والاقتصادية المستمرة في البيانات أن تحفز تصميم برامج تواصل ودعم متخصصة، كبرامج القرائية للبالغين منخفضي التعليم أو الإرشاد للنساء في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. ويساعد القياس المتين أيضاً على تتبع التقدم والمساءلة؛ إذ يستطيع صانعو السياسات وضع خطوط أساس وأهداف، كسد الفجوة بين الحضر والريف في المهارات الأساسية أو تحسين الكفاءة اللغوية للمهاجرين بمرور الوقت، واستخدام نتائج التقييمات الدورية لتقييم ما إذا كانت السياسات تؤتي ثمارها. فالتقييمات على مستوى النظام حاسمة لتحديد فجوات الإنصاف وتوجيه التخطيط الاستراتيجي نحو أهداف المهارات الوطنية. فضلاً عن ذلك، يتيح ربط نتائج التقييم بالبيانات الإدارية، حول التوظيف والدخل والإقبال على التدريب وغيرها، تقييماً دقيقاً لاستثمارات المهارات التي تحقق عوائد. ويدعم هذا النهج القائم على الأدلة التخصيص الكفء للتمويل العام، بتعزيز البرامج التي يثبت أنها ترفع مستويات المهارات لدى الفئات المستهدفة، وإعادة تصميم البرامج التي لا تفعل ذلك أو إيقافها. كما يمكن للنتائج الشفافة لرصد المهارات أن تعزز مساءلة المؤسسات ومقدمي التدريب، بما يضمن الاستخدام المسؤول للأموال العامة وضمان الجودة في تعلم الكبار.

مواءمة المهارات مع احتياجات سوق العمل: تحسين المطابقة والتوظيف الشامل عبر نهج المهارات أولاً

بينما تعمل الدول على بناء المهارات عبر التعليم والتدريب، يجب أن تحسّن أيضاً مطابقة المهارات مع الوظائف وأن تزيل العوائق التي تمنع الأفراد من الحصول على عمل. فمؤسسات سوق العمل وممارسات أصحاب العمل قد تؤثر تأثيراً عميقاً في ما إذا كانت الفوارق في المهارات ستتحول إلى فجوات في الفرص في سوق العمل. وتهدف السياسات في هذا المجال إلى ضمان ثلاثة أمور: أولاً أن يتمكن أصحاب العمل من إيجاد المهارات التي يحتاجونها والاعتراف بها، بما يعالج نقص المهارات؛ وثانياً أن يتمكن العاملون من إظهار مهاراتهم واستخدامها بفعالية، بما يعالج عدم استغلال المهارات وعدم توافقها؛ وثالثاً أن يتحقق تقدم ضد ممارسات التوظيف التمييزية أو غير الكفؤة، بحيث يتمكن كل من يمتلك المهارات المطلوبة من الحصول على عمل. ويمكن للمطابقة الأفضل أن تعزز الإنتاجية والنمو، إذ تحصل المنشآت على المواهب التي تحتاجها ويصبح العاملون أكثر إنتاجية في أدوار تتلاءم مع قدراتهم. كما يمكنها تعزيز الإدماج بمعالجة ممارسات التوظيف المتحيزة.

وتؤدي خدمات التوظيف العامة دوراً حاسماً في مطابقة الباحثين عن عمل مع الوظائف وفي تيسير رفع مهارات العاطلين عن العمل. ويمكن لسياسات سوق العمل النشطة، كالمساعدة في التوظيف وبرامج التدريب الموجهة ودعم التوظيف، أن تساعد ذوي فجوات المهارات أو أشكال الحرمان الأخرى على إيجاد عمل. فعلى سبيل المثال، يمكن توجيه الباحثين عن عمل الذين يفتقرون إلى مهارات مطلوبة إلى دورات تدريبية قصيرة، بالتنسيق مع أصحاب العمل المحليين الذين لديهم وظائف شاغرة. كما تشجع إعانات التوظيف أو حوافز التلمذة المهنية أصحاب العمل على عدم إغفال المرشحين ذوي الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية المحرومة أو مسارات التعلم المنقطعة، كالشباب عديمي الخبرة والعاطلين عن العمل لفترات طويلة وذوي الإعاقة، وعلى التركيز بدلاً من ذلك على تدريبهم أثناء العمل. ومن المهم أن تكون هذه البرامج موجهة جيداً ومقترنة بالإرشاد، بحيث يُطابَق المشاركون مع فرص ملائمة لقدراتهم. وتحدّث كثير من دول المنظمة خدمات التوظيف العامة لديها باستخدام أدوات رقمية لتصنيف الباحثين عن عمل والتنبؤ بمن قد يحتاج إلى دعم أكثر كثافة، مع تبسيط الوصول إلى الخدمات عبر الإنترنت. وينبغي تدريب متخصصي التوظيف العام والمرشدين المهنيين على معالجة التحيزات ومراعاة احتياجات الأفراد وتطلعاتهم وفهم احتياجات سوق العمل المحلية لتحسين النتائج. وقد تُسند الحكومات هذا العمل إلى منظمات مجتمعية وغير ربحية وخاصة وغيرها من المنظمات ذات الرسالة، التي يمكن أن تساعد على سد الفجوة بين السياسات والجوانب العملية لمساعدة من وُضعت لخدمتهم.

وتحتاج سياسات سوق العمل النشطة كذلك إلى مواكبة متطلبات المهارات المتغيرة، وهو ما يستلزم تنسيقاً وثيقاً مع مقدمي التعليم وأصحاب العمل. ويمكن لتعزيز التعاون بين مقدمي خدمات التوظيف العامة ومقدمي التدريب وممثلي القطاعات الاقتصادية أن يساعد على معالجة نقص المهارات؛ فحين يخلق استثمار محلي جديد طلباً على مهارات معينة مثلاً، يستطيع نظام القوى العاملة المحلي الاستجابة ببرنامج تدريب وتوظيف موجه. والهدف النهائي هو منع بقاء الوظائف شاغرة بينما يظل عاملون مهرة عاطلين عن العمل أو يعملون دون مستوى قدراتهم بسبب قصور في عملية التوظيف. ومن خلال الرفع المستمر لمهارات الباحثين عن عمل وربطهم بالفرص، تسهم هذه السياسات في خفض البطالة وفي إيجاد سوق عمل أكثر شمولاً معاً.

وتعتمد ممارسات التوظيف التقليدية اعتماداً كبيراً على الشهادات الرسمية، كالدرجات العلمية والشهادات والمسميات الوظيفية السابقة، بوصفها مؤشرات بديلة على المهارة، مما قد يستبعد عن غير قصد مرشحين موهوبين سلكوا مسارات تعلم غير نظامية. فقد يمتلك متخصص متمرس في تقنية المعلومات مثلاً مهارات برمجة واسعة وعميقة اكتسبها ذاتياً دون شهادة أكاديمية ذات صلة، فيُستبعد من عملية التوظيف إذا اشترطت الوظيفة الشاغرة شهادة جامعية.

ويؤكد نهج المهارات أولاً على مهارات الأفراد بدلاً من طريقة اكتسابها. وعملياً، يعني ذلك تعزيز شفافية المعلومات المتعلقة بالمهارات، بما يسهل على أصحاب العمل تحديد الكفايات التي يبحثون عنها وعلى العاملين إظهار مهاراتهم، فتتحسن المطابقة في سوق العمل. ولنهج المهارات أولاً تداعيات على جميع أصحاب المصلحة في سوق العمل: فبالنسبة لأصحاب العمل، يعني إعادة التفكير في استراتيجيات التوظيف وإدارة الموارد البشرية؛ وقد يحتاج مقدمو التعليم إلى إعادة تقييم مناهجهم وممارساتهم التدريسية وطرق المصادقة على المهارات؛ وقد يحتاج الأفراد إلى التفكير في أفضل السبل لإثبات مهاراتهم القائمة وتحديد المهارات الجديدة اللازمة للنجاح في سوق العمل.

وقد خلقت أشكال التحيز القائمة في التوظيف، كاتخاذ القرارات المتحيزة أو إغفال مؤشرات المهارات غير التقليدية، عوائق غير مبررة أمام الأفراد الساعين إلى الحراك المهني. ويمكن لنهج المهارات أولاً أن يعزز الحراك المهني بفتح مسارات إلى الفرص أمام أفراد يمتلكون المهارات المطلوبة لوظيفة معينة لكنهم ظلوا تاريخياً ممثلين تمثيلاً ناقصاً في مهنة أو قطاع معين بسبب خصائصهم الأصيلة أو خبراتهم المهنية. فعلى سبيل المثال، ورغم أن عدد النساء الحاصلات على درجات التعليم العالي أكبر، فإنهن أقل ميلاً إلى إظهار النطاق الكامل للمهارات والخبرات المرتبطة بمؤهلاتهن. ويمكن لنهج المهارات أولاً في التوظيف وإدارة الموارد البشرية، الذي يؤكد التواصل الواضح والمباشر حول مهارات الأفراد، أن يساعد على معالجة هذه الفجوات في التواصل.

ويستطيع صانعو السياسات تشجيع نهج المهارات أولاً بالعمل مع أصحاب العمل والهيئات القطاعية لتطوير أدوات وأطر أفضل لتقييم المهارات. فعلى سبيل المثال، يمكن لإنشاء ملامح مهارات مهنية وتشجيع استخدام اختبارات المهارات أو ملفات الإنجاز في التوظيف أن يتيح للمرشحين إثبات قدراتهم بصرف النظر عن خصائصهم الاجتماعية والديموغرافية. وتستطيع الحكومات، بوصفها أصحاب عمل رئيسيين، أن تكون قدوة بإلغاء اشتراطات الدرجات العلمية غير الضرورية في التوظيف في القطاع العام وتطبيق تقييمات المهارات. ويمكن للشهادات المتينة والاعتراف بالمهارات، ولا سيما للمهاجرين والعاملين الأكبر سناً، أن يتيحا اعتراف أصحاب العمل في البلد المضيف بمؤهلاتهم ومهاراتهم. وبالمثل، يحتاج العاملون في منتصف مسارهم المهني ممن يكتسبون مهارات جديدة عبر دورات قصيرة أو تعلم إلكتروني إلى أن تكون هذه المهارات مرئية لأصحاب العمل. ومن السبل الممكنة الأخرى لتعزيز ممارسات المهارات أولاً في سوق العمل توسيع منصات الشهادات الرقمية للشهادات المصغرة الموثقة والاعتراف بالتعلم السابق، واستخدام ملفات الإنجاز الإلكترونية وأدوات التواصل المهني.

وينبغي لصانعي السياسات أيضاً التركيز على معالجة الفصل المهني وتعزيز التنوع في المجالات عالية الطلب. فالنساء والعاملون المحرومون اجتماعياً واقتصادياً كثيراً ما يتجمعون في أدوار أو قطاعات أدنى أجراً. وليست هذه مسألة تتعلق بخط الإمداد بالمواهب فحسب، بل تعكس بيئات العمل والأعراف المجتمعية. ويستطيع صانعو السياسات دعم المبادرات التي تحسّن التنوع والإدماج في المجالات سريعة النمو التي يهيمن عليها تقليدياً الرجال أو ذوو الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية الميسورة، كالهندسة والمالية. فعلى سبيل المثال، يمكن لإنفاذ قوانين قوية لمكافحة التمييز وشفافية الأجور أن يقلص فجوات الأجور بين الجنسين وتحيزات التوظيف. وقد أدخلت فرنسا عام 2019 مؤشراً للمساواة بين الجنسين يلزم الشركات التي يزيد عدد موظفيها على 50 موظفاً، ثم المؤسسات العامة لاحقاً، بنشر درجات سنوية تستند إلى فجوات الأجور والترقيات ومؤشرات التمثيل. وتهدف هذه السياسة إلى تعزيز الشفافية والمساءلة، ممارسةً ضغطاً قابلاً للقياس على المؤسسات لتقليص عدم المساواة بين الجنسين. وتلزم بعض الدول الشركات الكبرى بالإفصاح عن فروق الأجور بين الجنسين أو إحصاءات التنوع، مما يخلق ضغطاً على المؤسسات للتحسين. ويمكن لدعم برامج العودة إلى العمل، وهي برامج قصيرة الأجل لمساعدة المهنيين على العودة إلى مساراتهم المهنية بعد انقطاع وتُستخدم غالباً لإعادة إدماج النساء بعد الإنجاب، أن يساعد على استعادة المهارات المفقودة والحد من التسرب من القوى العاملة. وفي قطاعات التكنولوجيا، أثبتت البرامج التي تعيد تأهيل النساء أو عاملي الأقليات القادمين من مجالات أخرى لشغل أدوار في البرمجة أو تحليل البيانات نجاحها حين تقترن بالتزامات توظيف من القطاع. وتستطيع الحكومات تمويل برامج التحويل هذه أو المشاركة في رعايتها ضمن استراتيجيتها للمهارات.

وبينما يقع عبء رفع المهارات في الغالب على الفرد، فإن على أصحاب العمل تحقيق الاستفادة القصوى من مهارات موظفيهم. فكثير من الموظفين يمتلكون مهارات تزيد على ما تتطلبه وظائفهم أو تختلف عنه، مما قد يفضي إلى عدم الانخراط وانخفاض الإنتاجية. وتستطيع الحكومات وجمعيات أصحاب العمل تعزيز ممارسات في أماكن العمل تستثمر مهارات العاملين استثماراً كاملاً وتطورها، كبرنامج تبادل المواهب في الإدارة العامة الاتحادية في بلجيكا، أو برامج مماثلة تمكّن الموظفين من اكتساب خبرة في أجزاء مختلفة من المؤسسة. ويمكن لدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة في تبني هذه الممارسات، عبر مبادرات الاستشارة أو المقارنة المرجعية مثلاً، أن يحقق مكاسب في الإنتاجية.

ويمكن للحوار بين أصحاب العمل ومقدمي التعليم أن يضمن الاستفادة في مكان العمل من المهارات التي تُدرَّس، ولا سيما المهارات الناعمة كالتواصل والتعاون. وسيكون عدم الاستفادة الكافية من الخريجين الجدد وجهاً من أوجه القصور الواجب معالجتها عبر تصميم الوظائف أو تحسين ممارسات توظيف الخريجين. وقد خلقت القدرات المتزايدة التعقيد للذكاء الاصطناعي وتمددها إلى وظائف كثيفة البحث لم تكن تُمس من قبل بطالة أو عمالة دون المستوى لدى كثير من الخريجين الجدد. ففي الولايات المتحدة مثلاً، تتراجع وظائف البحث والاستشارات، التي يشغل كثيراً منها خريجون جدد ومهنيون في بداية مساراتهم، بسرعة وبمعدل أعلى من إجمالي الإعلانات الوظيفية.

وختاماً، تتطلب مواءمة المهارات مع احتياجات سوق العمل تدخلات في جانب الطلب، كممارسات أصحاب العمل وتصميم الوظائف ومكافحة التمييز، وفي جانب العرض، كخدمات التوظيف وحوافز التنقل والتدريب. ومن خلال الحد من عدم التوافق والتحيزات، تستطيع الدول جني "عائد مزدوج": توزيع أكفأ لرأس المال البشري، وهو ما تشير الأبحاث إلى أنه قد يعزز الإنتاجية تعزيزاً كبيراً، وسوق عمل أكثر شمولاً تقل فيه قدرة خلفية الفرد على تحديد توقعاته الوظيفية. وكثير من الفوارق، ولا سيما المرتبطة بالخلفية الاجتماعية والاقتصادية، ستتضاءل لو تساوت المهارات؛ أما الفجوات المتبقية، كالفجوة بين الجنسين، فتحتاج إلى حلول تركز على سوق العمل إلى جانب سياسات المهارات. وقد أطلقت دول عدة مبادرات وطنية لكي يلتزم أصحاب العمل بالتوظيف القائم على المهارات، وتستخدم بعضها "مواثيق التنوع" لتشجيع المنشآت على تطبيق سياسات توظيف وترقية شاملة. وسيكون تبادل هذه الممارسات الفضلى وتوسيع نطاقها أمراً حاسماً. ففي نهاية المطاف، ستتقوض فعالية استثمارات الدولة في المهارات إذا لم تُستخدم هذه المهارات استخداماً سليماً. ولذلك يجب أن تعمل سياسات المهارات وسياسات سوق العمل يداً بيد، بما يضمن أن يتحول تحسين مجموعة مهارات السكان إلى مكاسب حقيقية في الازدهار الاقتصادي والإدماج الاجتماعي.

دراسة ذات صلة