الإيمان والأمل والعمل الخيري
ما الذي يمكن والذي لا يمكن أن يفعله الجيل الجديد من أصحاب الأعمال الخيرية
تمهيد
إن حماسة الأثرياء المتزايدة تجاه العمل الخيري جنباً إلى جنب مع تصميمهم على توظيف أموالهم لتحقيق أثر أفضل، وصل ببعضهم إلى حد التحدث عن عصر ذهبي جديد للعمل الخيري، إلا أنه لا يزال هناك الكثير من العمل والجهد لا بد منه قبل أن يتمكنوا من القول: إنهم يسيرون على خطى عمالقة العطاء مثل كارنيجي Carnegie، وروكفلر Rockefeller ، وراونتري Rowntree . كما أن استعدادهم لتخصيص جزء من ثرواتهم لجعل العالم مكانا أفضل أمر مرحب به بلا شك. صحيح أن هناك تساؤلات حول دوافعهم بالضبط، وما إذا كانوا يتخذون الخطوات الصحيحة لمعالجة مشاكل المجتمع، إلا أن العمل الخيري، الذي لا يتعرض لضغوطات قصيرة الأمد من الناخبين أو المساهمين مثل الحكومات والشركات الربحية، واحداً من أفضل الآمال لحل مشاكل مثل انتشار الإيدز، الفقر، وتغير المناخ.
يُصر أصحاب الأعمال الخيرية الجدد على ضرورة تعزيز فعالية استخدام أموالهم، وذلك لأن جزءا كبيرًا من التبرعات في الماضي لم تستخدم بكفاءة وتم هدرها دون تحقيق الأثر المرجو، ولتحقيق ذلك، يرون أن أحد الأساليب الفعّالة هو تطبيق بعض المبادئ من أسواق رأس المال في القطاع الخيري، حيث يمكن لتلك المبادئ أن تساهم في تحسين إدارة الموارد وتوجيهها بشكل أفضل. وكنتيجة لهذا النهج الجديد، بدأت تظهر العديد من المبادرات المبتكرة التي تهدف إلى توفير البنية التحتية المناسبة لدعم ما يُعرف بـ «الرأسمالية الخيرية» وهي فلسفة تدمج بين الأهداف الاجتماعية وآليات السوق.
ومع ذلك، على الرغم من هذا التوجه نحو الابتكار وتطوير البنية التحتية، يبقى غياب قوى السوق عن بعض المجالات الخيرية عائقًا أمام تحقيق الفعالية المطلوبة، فبدون تلك الآليات المحفزة التي تضمن المساءلة والمنافسة في الأسواق، تستمر بعض التبرعات في أن تكون أقل كفاءة مما يجب، مما يتطلب تفكيرًا أعمق حول كيفية تحسين هذه الجهود وضمان استخدامها في مشاريع تحقق الأثر الاجتماعي المطلوب.
ما يجب فعله
لتحسين الأوضاع، فإن أول ما نحتاج إليه هو قياس أفضل لتأثير الأعمال الخيرية، فعندما بنت شركة كارنيجي المكتبات أو عندما أسست شركتا «راونتريز وكادبوري » مساكن اجتماعية، كان من السهل رؤية الفوائد ، ولكن كيف من الممكن معرفة ما إذا كانت شبكة أو ميديار (Omidyar Network) تحقق هدفها المتمثل في مساعدة المزيد وأكبر عدد من الناس على اكتشاف قدراتهم الخاصة لتحقيق أموراً جيدة؟ يعترف ديفيز Davies المؤسس المشارك المؤسسة رأس المال الخيري الجديد بأن القياس صعب، لكنه يصر على أنه ليس مستحيلاً، ويقول: من وجهة نظر اقتصادية، فإن بعض هذه الأشياء صعبة القياس، ولكن ليس أكثر من صعوبة قياس الناتج المحلي الإجمالي في قطاع الخدمات، وهو ما نقوم به على الرغم من أنه صعب للغاية.
والأمر الثاني هو : التحلي بمزيد من الشفافية، حيث لا يزال هناك الكثير من أصحاب الأعمال الخيرية يحاولون فعل الشيء ذاته، وغالباً ما يجهلون أنهم يكررون أعمالاً ومشاريع نفذتها مؤسسات أخرى، إلا أن المزيد من الشفافية من شأنها تساعد على تجنب إهدار الموارد الشحيحة، وتعزيز الجهود في بعض القطاعات، ويجب أيضاً الاعتراف بالإخفاقات بصراحة أكثر، حتى يتمكن المانحون والمتبرعون من التعلم من أخطاء بعضهم.
ولا يزال رأس المال الخيري صغيراً جداً مقارنة بموارد الحكومات والشركات، لذا يجب استخدامه بعناية فائقة، لضمان أنه سيحدث فرقاً حقيقياً للمستفيدين منه، ومع ذلك فإن العديد من الأنشطة التي تمولها الأعمال الخيرية لا تضيف قيمة كبيرة في تحسين أحوال المستفيدين.
ورغم ذلك، فإن بعض المانحين الجدد يبذلون قصارى جهدهم لاستخدام أموالهم بطرق مبتكرة، والتي إذا نجحت يمكن بعد ذلك توسيع نطاقها بسرعة من الحكومة أو الشركات التجارية، وفي الواقع يدرك عدد متزايد منهم أن أفضل طريقة لجذب رأس المال اللازم لتحقيق التوسع بسرعة هو إيجاد طرق لحل المشكلات يُتوقع أن تكون مربحة.
أما الأمر الثالث المطلوب لتحسين العمل الخيري فهو زيادة المساءلة، إذ إن الديمقراطية ونظام البلوتوقراطية (حكم الأثرياء) لا ينسجمان عادةً معاً انسجاماً تاماً، وحتى عندما تنفق أموال المانحين في الأنظمة غير الديمقراطية، فمن المرجح أن يبدي العالم الديمقراطي اهتماماً متزايداً بذلك، وسيتعين على أصحاب الأعمال الخيرية الجدد الاعتياد على تدقيق الجمهور واستخفافهم وحتى عداوتهم الفعلية، إلى جانب قدر كبير من الشماتة متى أخفقت مخططاتهم.
لا ينبغي أن يكون هذا مفاجئاً لأصحاب الأعمال الخيرية لأنهم في النهاية يستفيدون بصورة متزايدة من التسويق الجماهيري والحملات العامة لدعم قضاياهم، كما فعل بونو Bono بمبادرته جعل الفقر تاريخاً ومبادرة «ون ONE في مؤتمر قمة مجموعة الدول الثماني، الذي عُقد عام 2005، أما الجانب الآخر من ذلك فهو خطر حدوث رد فعل شعبي كبير بالقدر نفسه إذا لم يفعلوا ذلك مع جماهيرهم، لكن يجب عليهم المثابرة على ذلك، لأسباب ليس أقلها أنهم أكثر احتمالاً بكثير لإحداث الأثر، إذا تمكنوا من جذب الجمهور إلى جانبهم وحتى لو لم تؤت بعض أعمالهم ثمارها، فسيكون هناك الكثير من الأعمال الناجحة الأخرى إحدى الطرائق التي يحدث بها أصحاب الأعمال الخيرية الجدد هؤلاء فرقاً تحسين قطاع كبير من المجتمع، مثل الجمعيات الخيرية، والمنظمات غير الربحية، والمنظمات غير الحكومية، والقطاع الاجتماعي، حيث اعتيد على كون قلة المهارة وانعدام الكفاءة القاعدة، إلا أن أصحاب الأعمال الخيرية الجدد يقدمون أفضل التقنيات من عالم الأعمال ويضمنون إعطاء قوى السوق دوراً أكبر بكثير، ويرقى هذا إلى ثورة صناعية فيما أسماه روكفلر Rockefeller «عمل الإحسان»، ولقد بدأت هذه الثورة من قريب، ولكن يجب أن يأمل الأغنياء والفقراء على حد سواء أن تتكلل بالنجاح.
خاتمة
نما يشهد عالم العمل الخيري تطوراً ملحوظاً بفضل الأثرياء الجدد واستراتيجياتهم المبتكرة، فإن التحديات لا تزال قائمة. يتطلب تعزيز فعالية العمل الخيري التركيز على قياس التأثير بدقة، وزيادة الشفافية، وتعزيز المساءلة. هذه الخطوات ليست مجرد تحسينات إجرائية، بل هي ضرورية لضمان استخدام الموارد بشكل أمثل لتحقيق تأثير حقيقي إن نجاح المحسنين الجدد في إحداث فرق كبير يعتمد على قدرتهم على التكيف مع التدقيق العام والتحديات التي قد تواجههم. من خلال الاستمرار في تقديم استراتيجيات فعالة وتجنب تكرار الجهود، يمكنهم تحسين إدارة القطاع الاجتماعي وتوسيع نطاق التأثير الإيجابي.
في النهاية، يجب على جميع المعنيين في هذا المجال من الأثرياء إلى المنظمات غير الربحية العمل معاً لضمان تحقيق نتائج ملموسة ومستمرة. الأمل في أن يسهم هذا النهج في تحويل العمل الخيري إلى قوة دافعة حقيقية نحو تحسين المجتمع العالمي، مما يحقق فائدة للجميع ويعزز القيم الإنسانية الأساسية.
رؤية نقدية
يعتمد بعض الفاعلين في العمل الخيري، بما في ذلك المؤسسات الخيرية أو أصحاب الأعمال الخيرية الجدد على التسويق الجماهيري لجذب الانتباه ودعم القضايا التي يعملون على معالجتها، ورغم أن هذا النوع من التسويق يمكن أن يلعب دوراً إيجابياً في توعية الجمهور وتحفيزه على المشاركة، إلا أن هناك مخاوف من أن يصبح التسويق هدفاً بحد ذاته بدلاً من وسيلة لتحقيق التغيير الفعلي. في بعض الحالات، قد يركز أصحاب الأعمال الخيرية أو المنظمات على تحسين صورتهم العامة من خلال حملات تسويقية مؤثرة، دون أن ينعكس ذلك بشكل ملموس على تأثير اجتماعي حقيقي في القضايا التي يتم تسويقها. ويبقى من الضروري التركيز على أن الهدف الأساسي للعمل الخيري هو معالجة المشكلات والقضايا الاجتماعية، وليس مجرد جذب الانتباه العام.
المصدر: شركة سبر
مونوغراف العمل المجتمعي والخيري
الفصل السابق