القائمة الرئيسية

مونوغراف: العمل المجتمعي والخيري (4-6)

مونوغراف: العمل المجتمعي والخيري (4-6)
ملخص الكتاب

الرأسمالي الاجتماعي

الريادة الاجتماعية وتحقيق الأثر الاجتماعي

تمهيد
تعد الريادة الاجتماعية من القضايا الساخنة والمثيرة للجدل، ويبدو أن الطلاب في كليات إدارة الأعمال حريصون أكثر فأكثر على إيجاد طرق لتوظيف المهارات التي يتعلمونها في تحسين العالم، وكذلك أرصدتهم المصرفية، وإذا بحثت عن ريادة الأعمال الاجتماعية عبر الإنترنت، فسيظهر لك عشرات العناوين ابتداءً من نهوض الريادة الاجتماعية يقترح مستقبلاً محتملاً للرأسمالية» و «تشجيع رواد الأعمال الاجتماعيين الإناث» إلى «علمنا نيلسون مانديلا المعنى الحقيقي للريادة الاجتماعية».

الريادة الاجتماعية

في عام 1998 عندما كتب جريجوري ديس Gregory Dees مقالته الإبداعية عن معنى الريادة الاجتماعية، كان المصطلح لا يزال جديداً ولا يكاد يُستخدم حتى بين النخبة والمعنيين لحل المشكلات المجتمعية، والذين يطلقون على أنفسهم اليوم رواد الأعمال الاجتماعيين، ولقد قدم ديس في مقالته تعريفاً ملائماً، وأوضح الصعوبات التي تنشأ عن الجمع بين عقلية ريادة الأعمال وبين النشاط الاجتماعي. 
وقد لاحظ ديس أن الريادة الاجتماعية عبارة مناسبة تماماً للعصر، حيث تجمع الشغف بالمهمة الاجتماعية مع صورة الانضباط والابتكار والتصميم الشبيه بالعمل التجاري، الذي يرتبط عادة - على سبيل المثال - برواد التكنولوجيا العالية في وادي السيليكون واليوم، العديد من رواد الأعمال التقليديين يساهمون في تحسين حال العالم دون أن يكون ذلك هدفهم الأساسي بل كنتيجة جانبية لبناء مشروع ناجح. ولكن، كما رأى ديس فإن النية تلعب دوراً مهماً، فليس كل رواد الأعمال يعتبرون رواد أعمال اجتماعيين، إذ إن ريادة الأعمال الاجتماعية هي نوع واحد ضمن جنس رواد الأعمال، وما يميز رواد الأعمال الاجتماعيون مهمتهم الاجتماعية، ففي حين أن العديد من رواد الأعمال التقليديين تحفزهم إمكانية تحقيق أرباح مالية كبيرة، فإن رواد الأعمال الاجتماعيين تكون المهمة الاجتماعية واضحة ومحورية بالنسبة لهم.
هذا الأمر يحمل دلالات كبيرة على كيفية إدراك الرياديين الاجتماعيين للفرص وتقييمها، فالمعيار الأساسي لنجاح الريادي الاجتماعي ليس في تحقيق الثروة، بل في تحقيق الأثر الاجتماعي المرتبط بمهمته، ومع ذلك، وما أدرك الأستاذ ديس قبل 15 عاماً، فإن قياس هذا الأثر الاجتماعي أمر بالغ الصعوبة، وبدون معايير موثوقة للأداء، فإن القوى السوقية التي تلعب دوراً حاسماً في التفريق بين الناجحين والفاشلين في ريادة الأعمال التقليدية لا يمكن أن تعمل بنفس الكفاءة الصالح الرياديين الاجتماعيين، وعلى وجه الخصوص، تفتقر هذه القوى السوقية إلى القدرة على تقييم التحسينات الاجتماعية، والسلع العامة والأضرار، والفوائد للأشخاص الذين لا يستطيعون الدفع، وهي عناصر غالباً ما تكون جوهرية في الريادة الاجتماعية.

المعيار الأساسي لنجاح الريادي الاجتماعي ليس في تحقيق الثروة، بل في تحقيق الأثر الاجتماعي المرتبط بمهمته

قياس الأثر الاجتماعي

من الصعب تحديد ما إذا كان رائد الأعمال الاجتماعي يخلق قيمة اجتماعية تكفي لتبرير الموارد المستخدمة في خلق تلك القيمة، وقد رفض ديس مؤشرين يستخدمان عادة للتدليل على النجاح في القطاع الاجتماعي:

  • المؤشر الأول: نمو المؤسسة الاجتماعية: يرى أن هذا المؤشر لا يُعد دليلاً كافياً على كفاءة أو فعالية المؤسسة في تحسين الظروف الاجتماعية.
  • المؤشر الثاني: نجاح المؤسسة في جمع الرسوم مقابل الخدمات، والتنافس على التبرعات والدعم الخارجي: يعتبر أن هذا النوع من النجاح قد يبدو وكأنه نتيجة لانضباط السوق، لكنه لا يعكس بالضرورة تحقيق الأهداف الاجتماعية للمؤسسة.

منذ أن كتب ديس ورقته البحثية في عام 1998، تم إحراز تقدم في قياس الأثر الاجتماعي، ويرجع الفضل في ذلك، جزئيا، إلى العمل اللاحق الذي قام به ديز نفسه خلال فترات عمله في جامعات هارفارد وستانفورد وديوك، كما أن رواد الأعمال الاجتماعيين، من محمد يونس ومشروعه في مجال التمويل الصغير، إلى ويندي كوب Wendy Kopp من منظمة التعليم الأمريكا Teach for Americas ، حققوا أثرًا كبيرًا. ومع ذلك، لا يزال هناك طريق طويل قبل أن يتم حل المخاوف التي أثارها ديز بشكل كامل، وتحقيق المزيد من التقدم.

ويركز أصحاب الأعمال الخيرية الأثرياء، مثل بيل جيتس على تحسين قياس نتائج تبرعاتهم، وفي هذا الإطار، تقوم «الشبكة العالمية للاستثمار الاجتماعي The Global Impact Investment Network» بتقييم الشركات التي لديها أهداف اجتماعية واضحة، وستكون مؤشرات القياس أيضاً حاسمة النجاح السندات ذات الأثر الاجتماعي، وهي أداة مالية مبتكرة تجمع بين القطاعين العام والخاص ويتم اختبارها حاليا في عدة دول بهدف معالجة قضايا اجتماعية معقدة مثل تكرار الجرائم من قبل السجناء السابقين.

تجاوز تأثير ديس عمله الأكاديمي وأبحاثه العلمية بكثير فقد ساهم في إقناع «المنتدى الاقتصادي» العالمي بتبني نهج الريادة الاجتماعية، وقام بدعوة رواد الأعمال الاجتماعيين إلى مدينة دافوس للقاء عمالقة عالم الأعمال، كما درس أول دورة في الريادة الاجتماعية في «كلية هارفارد للأعمال Harvard Business School» وساهم في إطلاق مركز الدراسة الابتكار الاجتماعي في جامعة ستانفورد، وبالإضافة إلى ذلك، مارس الريادة الاجتماعية على أرض الواقع، مثل عمله بين فقراء منطقة «أبالاتشيا Appalacians » وتقديم المشورة للفاعلين الخيرين حول كيفية إحياء وسط مدينة سان خوسيه في كاليفورنيا.

خاتمة 

هل ينبغي أن يطمح الجميع لأن يكونوا رواد أعمال اجتماعيين؟ لا يرى ديس ذلك، إذ يعتقد أن رواد الأعمال الاجتماعيين يحتاجون إلى قدرات ومهارات لا تتوفر عند الجميع، فكما أن ليس كل قائد أعمال هو رائد أعمال بالمعنى الذي استخدمه اقتصاديون وفلاسفة مثل جان باتيست ساي Jean Baptiste Say ، وجوزيف شومبيتر Joseph Schumpeter، وبيتر دراكر Peter Drucker، وهاوارد ستيفنسون Howard H. Stevenson، فهناك فرقاً بين قادة الأعمال ورواد الأعمال، أي أن ليس كل من يقود أو يدير مشروعاً تجارياً يُعتبر رائد أعمال بالمعنى الذي استخدمه هؤلاء المفكرون الذين يعتبرون أن رائد الأعمال شخصاً يتصف بروح المبادرة والقدرة على الابتكار وتحمل المخاطر لتحقيق أهداف جديدة أو حل مشكلات كبيرة، بينما قد يكون قائد الأعمال شخصاً يدير الأعمال القائمة بفعالية دون الحاجة لتلك الصفات الريادية المميزة.

رؤية نقدية
يشير المقال إلى أدوات مالية مبتكرة مثل السندات ذات الأثر الاجتماعي، وعلى الرغم من أنها أدوات تجمع بين القطاعين العام والخاص لحل القضايا الاجتماعية، وقد تساهم في جذب استثمارات أكبر وتحقيق تأثير اجتماعي أوسع، إلا أنها محصورة في نطاق ضيق من المشاريع التي تتمكن من إثبات جاذبيتها للمستثمرين، مما قد يتسبب في تهميش المشاريع التي لا تحقق عوائد مالية سريعة أو واضحة وبالتالي يتم تجاهل القضايا الأكثر حاجة والتي تحتاج إلى دعم طويل الأجل.

الفصل السابق الفصل التالي

كتب ذات صلة