القائمة الرئيسية

مونوغراف: العمل المجتمعي والخيري (2-6)

مونوغراف: العمل المجتمعي والخيري (2-6)
ملخص الكتاب

أن تمتلك لا أن تحتفظ

الثروة العالمية بين الامتلاك والمسؤولية الاجتماعية

تمهيد
شهدت العقود الماضية طفرة هائلة في خلق الثروات على مستوى العالم، وعدد المليارديرات في ازدياد مستمر، فقد بلغ عددهم، بحسب قائمة فوربس الأثرياء العالم لعام 2024، 2781 مليارديرا بإجمالي ثروة مجمعة بنحو 14.2 تريليون دولار، معظمهم في الولايات المتحدة الأمريكية، التي تحتضن أكبر عدد من المليارديرات مقارنةً بأي بلد آخر.

العمل الخيري في عصر التكنولوجيا: تحولات العطاء الخيري في الهند وأمريكا اللاتينية وآسيا

في قطاع التكنولوجيا، يوجد الآن عدة أجيال من الأثرياء الجدد الذين ينشطون في مجال العطاء الخيري. كما أن النجوم الجدد في عالم صناديق التحوط المالية بدأوا يتبعون نفس النهج الخيري في بعض الأحيان، تدمج التبرعات القائمة على الأداء في هيكل صناديق التحوط على سبيل المثال يتم تخصيص ثلث جميع الرسوم التي يحققها أحد صناديق التحوط الرائدة في أوروبا لصالح مؤسسة تدعم الأطفال في الدول النامية في أوروبا، وعلى خطى أمريكا، أدى ظهور تدريجي لثقافة الأسهم إلى توليد ثروات كبيرة لأصحاب الأعمال الذين يبيعون شركاتهم من خلال الطرح العام الأولى، جزء كبير من هذه الأموال يتم توجيهه إلى المؤسسات الخيرية. في ألمانيا، على سبيل المثال، ارتفع عدد المؤسسات الخيرية من 4,000 في عام 1997 إلى أكثر من 13,000 ، وبحسب مؤسسة «بيرتلسمان Bertelsmann» وهي واحدة من أبرز المؤسسات الخيرية في ألمانيا التي تشرف على توجيه بعض هذه المؤسسات الجديدة، إن نصف المؤسسين يشاركون بنشاط في إدارة مؤسساتهم، حيث أصبحت هذه المؤسسات مهنة ثانية للعديد منهم، أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد ارتفع عدد المؤسسات الخيرية الخاصة من حوالي 22,000 في أوائل الثمانينيات إلى أكثر من 800 ألف مؤسسة، وفقاً لمركز العمل الخيري بجامعة إنديانا The Centre on Philanthropy at Indiana University.
وفي الهند، حيث تراجعت تقاليد العطاء الخيري داخل المجتمع بسبب التحضر، بدأ الأثرياء الجدد الذين استفادوا من طفرة التكنولوجيا في البلاد في سد هذا الفراغ، وفي أمريكا اللاتينية وآسيا، من أصبح ثرياً الآن لديه خطط للأعمال الخيرية، وهناك تحول على مستوى الأجيال من الأثرياء التقليديين، الذين كانوا يمارسون الأعمال الخيرية التقليدية إلى الأثرياء الجدد الذين يتبنون نهج وأساليب أكثر ريادية.

الثراء والعطاء: كيف يهيمن الأغنياء على الأعمال الخيرية
رغم أن الفقراء في العديد من البلدان يتبرعون بنسبة أعلى من دخلهم الإجمالي مقارنة بالأثرياء، إلا أن الأثرياء هم الذين يهيمنون على مجال العطاء الخيري، في أمريكا، على سبيل المثال، كانت الأسر التي تمتلك صافي ثروة تقدر بمليون دولار أو أكثر مسؤولة عن 4.9% من إجمالي عدد التبرعات للمنظمات الخيرية في عام 1997، لكنها كانت مسؤولة عن %42 من قيمة هذه التبرعات، كما أن التركيز في التبرعات من خلال الإرث ملحوظ أيضاً: فقد شكلت التركات التي تقدر قيمتها بـ 20 مليون دولار أو أكثر 0.4% من إجمالي التركات لكنها شكلت 58% من قيمتها. أي أن الفقير قد يتبرع بجزء كبير من دخله المتواضع، بينما الثري يتبرع بجزء أصغر من دخله الضخم. ولكن نظراً لأن دخل الثري أكبر بكثير، فإن المبلغ الفعلي الذي يتبرع به يكون أكبر بكثير من تبرعات الفقير، حتى لو كانت نسبة تبرعه أقل.

وفي معظم البلدان كان إجمالي العطاء يرتفع ببطء، على الرغم من أن تدفق التعاطف الشعبي بعد سلسلة من الكوارث الطبيعية جعل عام 2005 عاماً وافراً للتبرعات، وتظهر الدراسات الاستقصائية أن ثقة الشعب في المنظمات الخيرية تتراجع في العديد من البلدان، وهناك مخاوف متزايدة تخشى من ألا تستخدم التبرعات لغايات حسنة
ووفقاً لمسح سنوي يسمى «عطاءات الولايات المتحدة الأمريكية» ارتفع إجمالي العطاء الخيري في أمريكا في عام 2004 بنسبة 5% إلى رقم قياسي بلغ 249 مليار دولار، أي أكثر من 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وكان هذا أكثر من أي دولة كبيرة أخرى، سواء من حيث القيمة المطلقة أو النسبة من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2005.

البحث عن معنى الحياة من خلال العطاء دور الأعمال الخيرية في حياة الأثرياء

يعتقد شيرفيش Schervish أن «الأثرياء يحاولون فهم سيرة أخلاقية للثروة، ويمكن للأعمال الخيرية أن تكون جزءاً من الهدف الذي يسعون إليه في حياتهم، حتى لو لم يكونوا متدينين». أن تصبح ثرياً جداً قد يجعلك تفقد طموحاتك القديمة، مما يدفعك للبحث عن أهداف جديدة، على سبيل المثال، لماذا أصبح توم هانتر Tom Hunter، رجل الأعمال الاسكتلندي في قطاع البيع بالتجزئة، فاعل خير؟ يقول: في سن الـ 37، حصلت على شيك ضخم، كنت قد حققت كل أهدافي في ذلك الوقت، فبدأت أفكر، ماذا أفعل الآن يعلّق تشارلز هاندي Charles Handy ، أحد خبراء الإدارة على هذا الأمر بقوله: هناك بحث عن قصة حياتية، حول ترك بصمة والتأثير في الحياة، وهو أمر مرتبط بالتدين وتعطي شعوراً بالتحفيز، ويشير إلى هرم ماسلو للاحتياجات، ويقترحأن المزيد من الأشخاص في عصرنا يصلون إلى المرحلة التي وصفها ماسلو بأنها «الحاجة الأسمى، وهي البحث عن هدف يتجاوز الذات». هؤلاء الأشخاص يريدون إحداث فرق؛ في السابق كان هذا يحدث في سن الستينيات والسبعينيات أما الآن فيحدث في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر.

العطاء من منظور الأثرياء في العالم الغربي : لما الانتظار ؟

في مواجهة المشكلات العديدة والملحة في العالم، يتساءل الكثير من الأثرياء : إذا كان بإمكاني المساعدة الآن، فلماذا أؤجلها لوقت لاحق ؟ قرأ بيل غيتس تقريراً للبنك الدولي حول التنمية العالمية وأدرك أنه بإمكانه تحسين الصحة العامة في أفقر دول العالم، مما جعله يدرك أن تأجيل أعماله الخيرية إلى مرحلة الشيخوخة، كما كان يخطط سابقاً، أمراً غير منطقياً.

والكثير من الأعمال الخيرية تحفزها التجارب الشخصية، فغالباً ما يرغب الأثرياء في التعبير عن امتنانهم لما ساعدهم على النجاح، مثل مدرسة أو مجتمع داعم، وبالمثل، قد يرغبون في دعم مستشفى أنقذ حياة أحد أقربائهم، أو المشاركة في إيجاد علاج لمرض أثر على أحبائهم، أو حتى مساعدة منطقة فقيرة زاروها وتأثروا بمشاهد البؤس والحاجة. يقول ماري ديوك من بنك HSBC إن الأمريكيين الأثرياء الجدد غالباً ما يقدمون تبرعات لقضايا في الخارج، وقد أصبحت أولوياتهم تتضمن التعليم، ومكافحة الأمراض، ومحاربة الفقر في إفريقيا، بينما ارتفع الاهتمام بالشرق الأوسط أيضاً في محاولة لتحسين صورة أمريكا في المنطقة. كما يزداد شعبية ما يسمى بـ العمل الخيري للمغتربين»، حيث يقوم الأشخاص المغتربين، الذين حققوا نجاحاً مالياً خارج أوطانهم، بإرسال تبرعات إلى بلدهم الأم.

يشعر الكثير من الأثرياء أنهم كانوا محظوظين ويريدون رد الجميل، إلا أن أوميديار مؤسس موقع وشركة eBay يكره هذه العبارة ويقول: يبلغ مدير الأعمال التقليدي أواخر الأربعينيات من عمره، ويقول: إنني أريد رد الجميل، لكن ماذا يعني ذلك ؟ هل كان يأخذ ويسلب ؟ إنه تصور سيء للغاية عن الحياة المهنية، ومن الصعب معرفة ما إذا كان بعض الأثرياء الجدد يشعرون بالذنب، لكن بالتأكيد يعتقد الكثير منهم أن العمل الخيري جزء من العقد الاجتماعي فهو واجب وتأمين ضد سياسات إعادة توزيع الثروة.

تأثير المعايير الاجتماعية والدوافع الشخصية في العمل الخيري

تلعب المعايير الاجتماعية والضغط من الزملاء والأصدقاء دوراً رئيسياً في زيادة التبرعات، وتشير السيدة فولتون Fulton المؤلفة المشاركة لتقرير جديد عن العمل الخيري، إلى أن «الكثير من العطاء الخيري يُحفز من خلال المتعة مثل إرضاء الذات وتعزيز السمعة. كما أن الأمثلة الجيدة يمكن أن تلهم الناس للمزيد من التبرع، في بريطانيا، أطلق جائزة «Beacon» عام 2003 لتكريم المانحين والمتبرعين، وكان ذلك محاولة لعكس التراجع الطويل في التبرعات، إذ أن هناك مؤشرات على أن الثقافة البريطانية قد تكون ببطء في طريقها للتغيير، وهناك فجوات لا تملؤها الحكومة، ولذا هناك حاجة لمؤسسات خيرية لسد هذه الفجوات في الغرب قبل ثلاثين عاما، كان رجل الأعمال يقول: أنا أدفع ضرائبي ويجب على الحكومة بسد جميع الفجوات، أما اليوم، كما في الولايات المتحدة الأمريكية، إذا كنت ثرياً، فأنت تريد أن تكون على قائمة المتبرعين مثلما أنت على قائمة الأثرياء.

التأمل المتسامي
العديد من أبناء جيل طفرة المواليد، ممن أنهوا تعليم أبنائهم الجامعي، وسددوا ديون منازلهم، وادخروا ما يكفي لتقاعدهم، باتوا يفكرون في إرثهم، والذي غالباً ما يتضمن الأعمال الخيرية، كما أشارت ورقة بحثية صدرت عام 2004 بعنوان «خلق إرث استراتيجي: نحو اقتراح جديد في القطاع المصرفي الخاص Strategic Legacy Creation: Toward a Novel Private Banking Proposition» صادرة عن جامعة سانت غالن في سويسرا University of St Gallen حيث تقول: «في عصر حيث كل شيء معروض للبيع، يمكن شراء التسامي من خلال العطاء الخيري». ووفقًا لماكسيميليان مارتن Maximilian Martin، مؤلف الورقة والمستشار في الأعمال الخيرية لدى بنك UBS : بينما لا يمكن للبنك أن يجعل الناس خالدين حرفياً، فإنه يمكنه خلق إرث لعملائه يلبي حاجتهم إلى التسامي.

ومن المؤكد أن الناس يميلون إلى أن يصبحوا أكثر كرماً كلما ازدادوا ثراء، سواء في الحياة أو بعد الموت، ويشير شرفيش إلى أنه بين عامي 1992 و 1997، ارتفعت قيمة التركات في أمريكا بنسبة 65، لكن التركات الخيرية ارتفعت بنسبة 110%، وبالنسبة للعقارات الكبرى كان التحول أكبر من ذلك، وأحد التفسيرات المحتملة هو القلق المتزايد لدى الآباء الأثرياء من أنهم إذا تركوا الكثير لأطفالهم، فسوف يتسببون بإصابتهم بمرض الثراء»، وهو كناية عن العيش الرغيد لأسرة ثرية تجعل أصحابه غير مسؤولين عن تصرفاتهم، ويقول جو توس من بنك HSBC: «إن الكثير من الناس يقولون: إنهم لن ينقلوا الكثير من ثرواتهم إلى أطفالهم، خوفاً من إفسادهم، ولكن مع تقدمهم في السن، وعندما يأتي الأحفاد معهم، غالباً ما ينتهي بهم الأمر بنقل الكثير من المال إلى خلفهم»
ومع ذلك عندما يموت جيل الطفرة السكانية، ستنقل مبالغ ضخمة من المال عبر الأجيال، ويبدو أن جزءاً كبيراً منه مخصصاً للأغراض الخيرية، لأسباب ليس أقلها أن إشراك الأطفال والأحفاد في إدارة مؤسسة ما، ينظر إليه بصورة متزايدة على أنه وسيلة لمنحهم إحساساً بالهدف، ولتوارث القيم العائلية عبر الأبناء.

التسامي من خلال العطاء الخيري: هو أن الأشخاص، في العالم الغربي عموماً، وخصوصاً الأثرياء، يمكنهم تحقيق إحساس عميق بالمعنى أو ((التسامي )) من خلال العمل الخيري، وفي هذا السياق، يشير التسامي إلى تجاوز الذات والارتقاء فوق الاهتمامات المادية أو الشخصية نحو هدف أكبر وأكثر نبلاً وعمقاً. أي، في هذا العصر الذي تطفى فيه المادة على كل شيء، ويكون كل شيء في السوق متاحاً بالبيع ، يمكن للأعمال الخيرية توفير وسيلة للناس لتحقيق نوع من ((الخلود الرمزي في الحياة )) أو تأثير دائم يتجاوز حياتهم الشخصية، وهنا ينظر إلى العمل الخيري كوسيلة لتحقيق الشعور بالهدف والرضا الداخلي الذي قد لا يكون متاحاً من خلال النجاحات المادية وحدها.

المصالح الشخصية

قد يكون الدافع الثانوي لبعض فاعلي الخير هو الرغبة في الاستفادة من الحوافز الضريبية العديدة والتسهيلات الأخرى التي يمكن أن تجعل الشخص الثري يبدو فاضلاً بتكلفة منخفضة. في الولايات المتحدة، يحظى العمل الخيري بمعاملة ضريبية سخية للغاية، حيث يُسمح لدافعي الضرائب بخصم تبرعاتهم من دخلهم الخاضع للضريبة.
وفي بريطانيا أيضاً أصبح النظام الضريبي أكثر ملاءمة للأعمال الخيرية، وهناك أجزاء أخرى من أوروبا تحذو حذوها ببطء، ويمارس «المركز الأوروبي للمؤسسات The European Foundation Centre» الضغوط من أجل تحسين المعاملة الضريبية في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، مع التركيز على القوانين الصارمة التي تفرضها بعض الدول على التبرعات الخارجية.

خاتمة

واحدة من أقوى الاتجاهات في العمل الخيري الأمريكي في السنوات الأخيرة هي النمو السريع في صناديق المتبرعين الموجهة»، التي تقدمها شركات إدارة الأموال مثل «فيديليتي Fidelity»، والتي أصبح صندوقها خامس أكبر مؤسسة خيرية في الولايات المتحدة الأمريكية، وتسمح هذه الصناديق للأفراد بالالتزام بالتبرع والحصول على خصم ضريبي، مع تأجيل تحديد المستفيد وصرف الأموال إلى تاريخ لاحق، مما أثار شكوكاً في الكونغرس حول وجود سوء تصرف، رغم أن الشركة تمتلك معدل توزيع معقول يبلغ 25% من الأموال المتبرع بها سنوياً.
على أية حال، يعتقد الكثيرون أن دوافع فاعلي الخير ليست مهمة، ما يهم هو أنهم يتبرعون ويساهمون في تنفيذ مشاريع وبرامج خيرية، والأهم من ذلك مدى فعالية وأثر تلك المشاريع والبرامج في تحسين واقع المستفيدين.

رؤية نقدية
تعرضت نظرية أبراهام ماسلو لعدد من الانتقادات، من أبرزها أن التسلسل الهرمي للحاجات قد يوحي بأن جميع الأفراد يملكون نفس الإدراك للأهمية بين هذه الحاجات، وبالإضافة إلى ذلك، تواجه النظرية صعوبة في قياس درجة إشباع كل حاجة، ويلاحظ أن تطبيقها يبدو أكثر ملاءمة في الدول المتقدمة حيث يتم تحقيق إشباع الحاجات الأساسية الثلاث بشكل أفضل مقارنة بالدول النامية
من ناحية أخرى، يمكن الإشارة إلى أن المنظور القيمي الإسلامي تناول مفهوم الحاجات بطريقة تختلف عن التسلسل الهرمي التقليدي. ففي إطار المقاصد الشرعية والمصالح العامة، تراعى احتياجات الأفراد وفقاً للأعراف الاجتماعية والظروف المحيطة، مع التركيز على تلبية الحاجات دون ترتيبها بشكل صارم بحسب أهميتها. ويُعد هذا النهج متوافقاً مع فكرة حرية الإرادة الإنسانية في الإسلام، التي قد تتعارض مع فكرة ترتيب الحاجات بشكل ثابت.

الفصل السابق الفصل التالي

كتب ذات صلة