القائمة الرئيسية

مونوغراف: العمل المجتمعي والخيري (5-6)

مونوغراف: العمل المجتمعي والخيري (5-6)
ملخص الكتاب

فن العطاء تحول الأعمال الخيرية لتأخذ طابعاً تجارياً

تحويل التبرع إلى استثمار : رؤية معاصرة للعمل الخيري

تمهيد

في السنوات الأخيرة، شهد العالم تطوراً ملحوظاً في مجال العطاء، حيث أصبح المزيد من الأثرياء يستخدمون أموالهم بشكل أكثر استراتيجية وفعالية مما ساهم في تحول العمل الخيري إلى نوع من «الأعمال شبه التجارية». ففي ظل تزايد أعداد الأثرياء بشكل غير مسبوق، أصبح هؤلاء المتبرعون يتبعون نهجا مختلفًا عن السابق في كيفية إنفاق أموالهم لخدمة الأهداف الاجتماعية والإنسانية.

جيل جديد من المانحين

نرى اليوم شخصيات مثل بيل غيتس، الذي تبرع بمليارات الدولارات من ثروته إلى مؤسسة بيل ومليندا غيتس الخيرية التي تركز بشكل أساسي على مشاكل الصحة في الدول الفقيرة. ولا يتوقف الأمر عند هذا الجيل من المتبرعين فقد سار على نفس النهج قادة التكنولوجيا الجديدة مثل بيير أوميديار مؤسس موقع وشركة eBay وجيف سكول الرئيس التنفيذي الأول للموقع، اللذان يوظفان ثرواتهما لتحسين العالم، حتى مؤسسا Google ، سيرجي برين Sergey Brin، ولاري بيج Larry Page، أعلنا أن جزءًا من أرباح الشركة سيذهب لدعم مبادرة Google.org، وهي ذراع خيري الشرطة جوجل تسعى لإحداث تأثير عالمي من خلال الابتكار.

والاندفاع الجديد نحو العمل الخيري هو إلى حد كبير نتيجة للتراكم السريع للثروات في السنوات الأخيرة، وتوزيعها غير المتساوي، ولكن ليس كل الأثرياء الجدد يتجهون نحو العمل الخيري، وحتى الذين يفعلون ذلك، يستمر الكثير منهم في تقديم تبرعات بطرق تقليدية وغير مبتكرة، ورغم ذلك تفتحالثروات الزائدة أبوابًا لفرص جديدة وهائلة، فإذا كان 5-10 فقط من المليارديرات الجدد مبدعين في عطائهم، فإنهم سيحدثون تحولاً كبيراً في العمل الخيري خلال المقبلة.

الأسباب وراء العمل الخيري الجديد

لماذا يقوم الأثرياء بالتبرع وفعل الخير؟ هناك الكثير ممن يشككون في نواياهم ، ويتهمونهم باستخدام أموالهم لأغراض سياسية أو تجارية، أو لتلميع صورتهم، أو يتساءلون كيف كونوا ثرواتهم، لكن بغض النظر عن صحة هذا الاتهام وبعيداً عن النوايا، أليس المهم هو الحصول على المال لتحسين حياة المحتاجين ؟ سواء كان المتبرع يريد حقاً فعل الخير أم لمآرب شخصية، أليست النتيجة أن المنظمة تحصل على المال وتنفذ به مشروعاً خيرياً يعود بالفائدة على كثير من المحتاجين، والمهم في هذا الإطار هو أن يتم توجيه هذه الأموال نحو أهداف فعالة تساهم في تحسين حياة الناس.
ولم يقتصر اتجاه العطاء على أمريكا، حيث لعب المانحون دوراً بارز لفترة طويلة، ففي أوروبا أيضاً، بدأ رواد الأعمال الذين حققوا ثروات كبيرة في تخصيص جزء من أموالهم للأعمال الخيرية، أما في الهند، فقد أصبح الأثرياء الجدد مثل عظيم بريمجي وناندان نيلكاني، وهما من رؤساء شركات التكنولوجيا في بنغالور من الداعمين البارزين للأعمال الخيرية، وحتى الأثرياء الجدد في الصين وروسيا بدأوا يلتحقون بهذا التيار وهكذا تستمر القائمة، ووسائل الإعلام، التي كانت سابقا تتجاهل التبرعات الخيرية، أصبحت الآن تصنف الأثرياء حسب العطاء، إذا تم بشكل صحيح، يمكن أن يحدث تغييراً كبيراً في العالم، ولتحقيق هذا التأثير، يجب أن يتحول العمل الخيري من مجرد دعم عشوائي إلى ممارسة عالمية متطورة، تتسم بالكفاءة والتخطيط الكثير من المتبرعين الجدد يدركون أن العمل الخيري التقليدي لا يكفي لحل التحديات الكبيرة لهذا السبب، يسعون لتبني منهجيات تجارية لتحسين فعالية جهودهم، وأصبحنا نسمع بمصطلحات وممارسات مثل «الاستثمار الاجتماعي» و«العمل الخيري الريادي»، التي تعكس نهجًا أكثر استراتيجية في توجيه الموارد.

ونتيجة لذلك أصبح هناك نسبة أعلى بكثير من المستشفيات والمكتبات والجامعات وخدمات الرعاية الاجتماعية ، التي تمول من خلال التبرعات الخاصة تحاول الحكومة البريطانية تعزيز الروح الخيرية، وبدأت دول أوروبية أخرى تحذو حذوها، وحتى في الصين تبدو الحكومة حريصة على بناء قطاع غير ربحي يلبي الاحتياجات الاجتماعية ويبدو أنها تخفف بعض قوانينها للسماح للأعمال الخيرية بتأدية دور أكبر، أما الاستثناء هنا فهو روسيا، إذ قمع الرئيس فلاديمير بوتين، الذي يكره تركيز السلطة خارج حكومته المنظمات غير الحكومية وداعميها.

هدر الثروة

أثارت سلسلة من الفضائح في المؤسسات الخيرية، في الغالب حول الأجور الباهظة، وتخصيص الوظائف لأفراد الأسرة وأشكال البذخ والإسراف الأخرى غضب الحكومة الأمريكية التي يهدد بإصدار تشريع صارم حيال تلك الممارسات، كما تعرضت المؤسسات الخيرية الكبيرة، التي تعتمد بدرجة كبيرة على التبرعات التي يقدمها عامة الناس لانتقادات شديدة لأنهم يخصصون الأموال التي يجمعونا أو يستخدمونها في مجالات أخرى بخلاف التي أعلنوا عنها للمانحين والمتبرعين.

إلا أن هناك مشكلة أعمق مما سبق بكثير، وهي مقدار الأموال الضائعة والمهدورة على الأنشطة التي لا تحدث أي أثر. يقول مايكل بورتر Michael Porter خبير الإدارة في كلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد هناك مليارات الدولارات مصروفة على الأعمال الخيرية غير المجدية، التي لا ينتج عنها أثراً إيجابياً يحسن حياة المحتاجين، أو يخفف الضرر في منطقة ما العمل الخيري لا يواكب العمل التجاري الربحي في تطبيق التفكير الصارم فيما يتعلق باستخدام المال، ويعتقد بورتر أن المؤسسات الخيرية يمكن أن تتغير إذا ما تعلمت من عالم الأعمال التجارية، ويوافقه في ذلك العديد من قادة الجيل الجديد من أصحاب الأعمال الخيرية العديد من المانحين الجدد يُدركون أن العمل الخيري التقليدي لا يتمتع بما يكفي من الطابع التجاري، ويسعون في هذا الصدد لإحداث ثورة إنتاجية في هذا المجال من خلال تطبيق أفضل الممارسات من عالم الأعمال الربحية، وقد دفع هذا التحول القطاع الخيري إلى تبني وتكييف) بعض المصطلحات الشائعة في عالم الأعمال، ويتميز النهج الجديد للعمل الخيري بأنه استراتيجي، واع بالسوق، وقائم على المعرفة، وغالبا ما يكون عالي التفاعل، أي يشارك المانحون في تنفيذ المشاريع الخيرية، ويركز دائماً على تعظيم الأثر.

يحظى مفهوم الرافعة المالية (Leverage) بأهمية خاصة لدى المانحين الجدد. فهم يدركون أنه مهما كانت ثرواتهم الشخصية كبيرة، فإنها لا تزال ضئيلة مقارنة بالموارد المالية الهائلة التي تمتلكها الحكومات والشركات الربحية، لذا من أجل إحداث تأثير حقيقي، يجب عليهم تركيز مواردهم على المشكلات التي لا تتعامل معها الحكومات أو الشركات التجارية بشكل كافٍ، ونظراً لأنهم لا يخضعون لضغوط الناخبين أو المساهمين، فإنهم يتمتعون بمرونة أكبر في المخاطرة والبحث عن حلول جديدة ومبتكرة، هذه الحلول الرائدة يمكن أن يتم تبنيها لاحقاً على نطاق أوسع من قبل الحكومات أو الشركات لتحقيق تأثير أكبر.
وهناك نقد موجه نحو النهج الجديد في القطاع الخيري إذ أن هناك فئة من المانحين لا تتفق على أن المانحين يجب أن يتبنوا نهجاً تجارياً بحتاً، فقد كتب جيم كولينز مؤلف إداري شهير: « علينا أن نرفض الفكرة - التي قد تكون حسنة النية ولكنها خاطئة تماماً وهي أن الطريق الأساسي للنجاح في القطاعات الاجتماعية هو أن تصبح أكثر شبهاً بالأعمال التجارية، ويعلل ذلك ببساطة: معظم الأعمال التجارية متوسطة الأداء.

خاتمة

يشهد العالم اليوم تحولاً في منهج العمل الخيري، حيث أصبح المانحون أكثر وعياً بأهمية التخطيط الاستراتيجي واستخدام أفضل الممارسات من عالم الأعمال لتعظيم أثر الأعمال والمشاريع الخيرية، لكن يبقى السؤال: هل ستنجح هذه الجهود في تحقيق التغيير المنشود، أم ستواجه تحديات لم تكن متوقعة ؟

ملحق توضيحي

حول نهج العمل الخيري الجديد: استراتيجي: يشير إلى أن المانحين الجدد يتبعون خططا مدروسة ومحددة عند توجيه أموالهم للأعمال الخيرية. بدلا من التبرعات العشوائية، يتم التركيز على وضع أهداف واضحة واستراتيجيات لتحقيق أقصى تأثير إيجابي

  • واع بالسوق: هذا يعني أن المانحين الجدد يأخذون في اعتبارهم ديناميكيات السوق والعوامل الاقتصادية عند اتخاذ قراراتهم الخيرية. فهم يتبعون منهجا مشابها لعالم الأعمال، حيث يدرسون العرض والطلب وكيفية تحقيق تأثير طويل الأمد في السوق.
  • قائم على المعرفة: يشير إلى أن قرارات العطاء تعتمد على بيانات وأبحاث دقيقة، بدلا من مجرد الاستجابة للعواطف أو الدعوات غير المدروسة. يعتمد المانحون على المعلومات والمعرفة لتحديد أين يمكن أن تذهب أموالهم لتحقيق أفضل نتائج.
  • عالي التفاعل: يعني أن المانحين لا يكتفون بالتبرع فقط، بل يشاركون بنشاط في تنفيذ المشاريع الخيرية ومتابعة تقدمها. هذا يمكن أن يشمل تقديم الخبرات والمشورة الإدارية والتعاون مع الجهات المستفيدة لتحقيق النجاح.
  • تعظيم الرافعة يشير إلى أن المانحين يسعون لتحقيق أكبر تأثير ممكن من أموالهم. مفهوم «الرافعة» هنا مأخوذ من عالم المال، ويعني زيادة تأثير التبرعات من خلال الشراكات أو استخدام الأموال بطريقة تجعلها تولد تأثيرًا أكبر مما يمكن تحقيقه بالتبرع التقليدي.
الفصل السابق الفصل التالي

كتب ذات صلة