وسطاء الخير
تحاول مجموعة من الشركات الجديدة تحسين عمل القطاع الخيري
تمهيد
تقول الأسطورة: أن مؤسسة رأس المال الخيري الجديد (NPC) تأسست في مقصف بنك جولدمان ساكس the Goldman Sachs في لندن عام 2001، وبعد أن أصبحت جولدمان شركة عامة، حصل جافين ديفيز Gavyn Davies، الذي كان آنذاك كبير الاقتصاديين في الشركة، ومصرفي آخر رفيع المستوى، بيتر ويلر Peter Wheeler، على مبالغ كبيرة من المال تمكنهم من القيام بعطاء خيري كبير، ولكن عندما حاولوا تحديد أفضل مكان لاستثمار أموالهم لتحقيق أقصى تأثير، يقول ديفيز: وجدنا المعلومات المتاحة غير كافية ولا تتميز بالجودة العالية أو الحيادية، وغير متاحة للجميع، ولذا قررنا إنشاء مؤسسة «رأس المال الخيري الجديد لتكون بمثابة شركة أبحاث استثمارية خاصة بسوق العمل الخيري.
وكان هناك عامل إضافي يجذب اهتمام ديفيز وبيتر وهو توفير رافعة مالية، وهي بمثابة كنز ثمين بالنسبة للمتبرعين الجدد، ويفسر ديفيز ذلك بقوله: كنا نرغب في أن تكون التبرعات الخيرية هي الأساس لبناء هيكل أكبر بكثير، كان هذا استثماراً مصمماً يؤدي إلى تأثير مضاعف على تبرعات الآخرين، وقد أردنا زيادة حجم التبرعات من خلال تمكين المتبرعين من أن يكونوا أكثر ثقة بأنهم يحدثون تأثيرًا فعليا على حياة الناس.
في الوقت الحالي تقتصر جهود البحث، التي يرأسها مارتن بروكس Martin Brookes ، كبير الاقتصاديين السابقين في بنك جولدمان ساكس على قطاع الأعمال الخيرية في بريطانيا ولا تقدم مؤسسة «رأس المال الخيري الجديد» تقييمات في الوقت الحالي، لكنها تقدم ما يعادل توصيات الشراء من خلال تقارير قطاعية مثل تقرير «المسائل الرمادية التقدم في السن في المناطق المحرومة»، وعند إعداد هذه التقارير تطرح المؤسسة على الجمعيات الخيرية التي تسعى للحصول على تمويل أربعة أسئلة:
- ما العمل الذي تقومون به؟
- لماذا تفعلونه ؟
- ما هو النجاح بالنسبة لكم ؟
- وما هو الدليل على تحقيق النجاح ؟
كما تقوم الشركة ببعض الأبحاث الثانوية، مثل تلخيص وترجمة الأعمال الأكاديمية وجعلها متاحة بشكل أوسع للجميع. بحسب مارتن بروكس، فعندما تأتي إلى هذا العالم من بنك جولدمان، فإنك تدرك مدى فساده بصفته سوقاً وإننا نحاول الإصلاح»، وهم ليسوا وحدهم في هذه المحاولة حيث يجري حالياً بذل الجهود لتطوير نماذج خيرية لمعظم القطاعات الرئيسية للسوق الرأسمالي، وهي: الخدمات المصرفية الاستثمارية الاجتماعية، وإدارة الاستثمار الاجتماعي، والخدمات المصرفية الخاصة، والاستشارات وخدمات البيانات والبحوث وعلى الرغم من أن المنظمات والمؤسسات التي تقدم مثل هذه الخدمات حالياً صغيرة نسبياً، إلا أنه يبدو أن هناك ما يكفي من الطلب كي تكون العمليات الناجحة تنمو بسرعة. وقد كان أكبر قيد يقيد نمو «مؤسسة رأس المال الخيري» الجديد القدرة على توظيف أفضل المواهب، فلم يكن هناك إلا قلة من الناس على استعداد للتخلي عن مهنتهم في العمل في البنك للقيام بهذا العمل، كما أن المعرفة قوة في السوق، وتحظى مؤسسة رأس المال الخيري الجديد بالاهتمام في الولايات المتحدة الأمريكية، التي لا يوجد لها نظيراً مكافئاً حالياً، ورغم أن بعض المؤسسات الخيرية والاجتماعية تجري أبحاثاً ودراسات إلا أنها تميل للاحتفاظ بها لنفسها.
علامات تجارية شهيرة
يقول إريك ثورمان Eric Thurman رئيس مؤسسة جينيفا غلوبال Geneva Global في العمل الخيري الأشياء التي تحقق أكبر النتائج غالباً ما تحصل على أقل الدعم، وتحظى العلامات التجارية بأهمية كبيرة في عالم العطاء، ويميل الكثير من الناس إلى التبرع للمنظمات المعروفة، على سبيل المثال، على الرغم من الانتقادات الشديدة التي تعرض لها الصليب الأحمر بشأن إدارته للتبرعات بعد أحداث 11 سبتمبر، فقد جمع نحو 70% من الأموال التي قدمت لأعمال الإغاثة بعد إعصار كاترينا الذي دمر نيو أورلينز.
تتحدى مؤسسة جينيفا غلوبال المؤسسات الخيرية الكبيرة من خلال البحث عن منظمات محلية صغيرة تقوم بعمل مميز، وتكون مستعدة لتوسيع عملياتها وأنشطتها، وتقوم شهرياً بإرسال كتالوج للمتبرعين المحتملين يتضمن مجموعة من المشاريع التي تم تقييمها بعناية، ثم تقدم لهم لاحقاً تقريراً يوضح الأثر الذي حققته أموالهم، ويعلق ثورمان على هذا الأمر بقوله: نريد أن تكون المؤسسة معروفة بإحداث أثر وتغيرات في حياة الناس من الأموال التي تجمعها المؤسسة.
نريد أن تكون المؤسسة معروفة بإحداث أثر وتغيرات في حياة الناس من الأموال التي تجمعها
المزيد من المعلومات الشاملة حول من يقوم بماذا في القطاع الخيري، هناك مؤسسة «غايد ستار GuideStar» تأسست في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1994 على يد باز شميدت Buzz Schmidt ، وتوفر بيانات الإقرارات الضريبية مقدمة من 1.5 مليون منظمة خيرية إلى جانب معلومات إضافية مجاناً عبر الإنترنت، كما تقدم مقابل رسوم مالية تحليلاً مفصلاً للبيانات، مثل تحديد المنظمات الخيرية والاجتماعية التي تعمل في مجال معين، ومقدار ما تدفعه منظمة ما لرئيسها التنفيذي مقارنةً بالمتوسط، وما إلى ذلك. ويعمل باز شميدت على إنشاء خدمات مماثلة في الخارج، وقال ليس هيمز Les Hems من «معهد الأعمال الخيرية Institute Philanthropy» أطلق موقع المؤسسة العام الماضي في بريطانيا، ووضعت فيه البيانات على الإنترنت، وهي بيانات كانت مخزنة على الورق في خزائن لجنة الجمعيات الخيرية ومكاتب الضرائب، ولم يتم الاطلاع عليها بشكل كبير، وقد تأسس المعهد عام 2000 لتعزيز العمل الخيري في بريطانيا كإنشاء منظمات جديدة تحل مشكلات محددة، وقدمت وزارة الخزانة البريطانية 2.9 مليون جنيه إسترليني، إضافة إلى مليون جنيه إسترليني جمعت من المانحين، وتحاول مؤسسة «غايد ستار» تأمين التمويل مستمر، إلى جانب رسوم الترخيص لاستخدام البيانات المنظمات مثل مؤسسة «رأس المال الخيري الجديد»، وخطط لإطلاق نسخ أخرى من مؤسسة «غايد ستار» في الهند، وجنوب أفريقيا، وأستراليا.
لكن من زاوية أخرى، هناك كثيرون لم يعجبهم عمل المؤسسة غايد ستار) حيث يعتقد بورتر Porter، خبير الاستراتيجية في جامعة هارفارد، أن أرقام المؤسسة سطحية للغاية، إذ أنها غير مفيدة في تقييم أداء المؤسسات الخيرية، على سبيل المثال، بناءً على استطلاعات للمنظمات الخيرية التي تتلقى أموالاً من المؤسسات المانحة في البداية، كانت المؤسسات الخيرية مترددة في نشر هذه التقارير، خاصةً تلك التي تحتوي على انتقادات، لكن ذلك بدأ يتغير في الفترة الأخيرة، حيث يقول توني كثير Tony Knerr المستشار في مجال العمل الخيري، أن المنظمات غير الربحية الذكية باتت تُدرك أنها تستطيع تحقيق النجاح والتميز بزيادة الشفافية والتحدث بصراحة عن الإنجازات والإخفاقات، ومشاركة الدروس المستفادة مع الآخرين.
المنظمات غير الربحية الذكية بانت تدرك أنها تستطيع تحقيق النجاح والتميز بزيادة الشفافية والتحدث بصراحة عن الإنجازات والإخفاقات، ومشاركة الدروس المستفادة مع الآخرين
وتعد العملية التقليدية لمنح التبرعات جزءاً كبيراً من المشكلة حيث يفضّل المتبرعون والمانحون في العادة تمويل مشروع محدد بدلاً من الاستثمار في بناء المنظمة نفسه، وفي حال كان لدى المنظمة الخيرية أموال، سيتساءلون عن سبب تقديم المزيد من التبرعات لها، وفي ماذا سيستخدم بالتحديد.
ارتباك في رأس المال
الحسابات غير الكافية للمنظمات غير الربحية أثبتت أنها تشكل تعقيداً كبيراً، ففي أمريكا، يُتعامل مع تدفقات الأموال على أنها إيرادات حتى لو كانت رأس مال استثماري، ومع ذلك، لجمع رأس مال النمو، كما فعلت مؤسسة «كولج سمیت College Summit من الضروري التمييز بين الأموال التي تتلقاها المنظمة غير الربحية لتنفيذ مشاريع وأعمال خيرية، والأموال التي تمنح لبناء وتطوير المنظمة نفسها، وفي هذا الصدد وضعت طريقة مشتركة للتقارير لتتبع كيفية إنفاق الأموال يستخدمها المتبرعون، والمنظمة الأغراض الإدارة الداخلية، وسيؤدي ذلك إلى إدخال مفاهيم من القطاع الربحي مثل معدل الحرق» (معدل استهلاك رأس المال)، مما يمنح جميع الأطراف المعنية فكرة أفضل عن مدى نجاح التوسع، وتستطيع المنظمات غير الربحية اليوم العمل بشكل عكسي انطلاقاً من مصادر التمويل المستدامة المتوقعة على المدى الطويل لتحديد احتياجاتها الحالية من رأس المال وكيفية هيكلتها.
تشهد أسواق رأس المال تزايداً في فرص الاستثمار، بدءًا من الصناديق المشتركة وصولاً إلى المشتقات المالية المعقدة وقد يكون هناك شيء مماثل يحدث في القطاع الخيري يتراوح بين استثمارات تحقق عائداً جيداً على الأموال التي تستخدم في مشاريع وأعمال خيرية وبين هياكل تتيح للمتبرعين تقديم أموالهم بشكل أكثر فعالية، وفي أمريكا استثمرت شركة جوجل خمسة ملايين دولار في صندوق «أكيومن Acumen، الذي يوجه أموال المانحين إلى مجموعة من المنظمات الريادية التي تكافح الفقر.
أما في بريطانيا أطلقت فقد أطلقت مؤسسة «رأس المال الخيري الجديد» ومؤسسة «المعونة الخيرية The Charities Aid Foundation » اثنين من الصناديق، التي ستخصص الأموال المجموعة من المؤسسات الخيرية، وتراقب تأثيرها، وتبقي المانحين على اطلاع دائم بتحقيق الأهداف والإنجازات.
وبسبب الطلب المتزايد من العملاء الأثرياء، تقوم البنوك الخاصة مثل Goldman Sachs، HSBC، Coutts، UBS بتوسيع خدمات الاستشارات الخيرية إلى ما يتجاوز النصائح التقليدية المتعلقة بالضرائب والميراث، وإدارة الأصول، كما يتوفر قدر متزايد من خدمات الاستشارات لفاعلي الخير والجهات التي يمولونها، وفي هذا السياق، تعتبر مؤسسة «روكفلر للاستشارات الخيرية Rockefeller Philanthropy Advisors» مؤسسة رائدة تركز بشكل حصري على جانب التبرعات.
تقديم المشورة والاستشارة
توسع بعض الشركات الكبرى للاستشارات الإدارية أعمالها غير الربحية، ففي عام 1999، أنشأت شركة «ماكينزي McKinsey» وحدة إدارية خاصة بالعمل الخيري، تركز على ثلاثة مجالات رئيسية الصحة العامة العالمية، والمؤسسات الخيرية، والمساعدات والتنمية الدولية، بشكل عام، تتقاضى الشركة نصف رسومها العادية على هذا النوع من العمل لكنها قد تخفضها أكثر أو تتنازل عنها تماماً إذا كانت القضية تستحق ذلك.
فيما تبنت شركة «بين Bain إستراتيجية أكثر طموحاً، ففي عام 2000، أطلقت شركة Bridgespan، وهي شركة استشارات مستقلة وخدمة بحث عن مديرين تنفيذيين للمنظمات غير الربحية، وتهدف إلى خدمة المنظمات غير الربحية متوسطة الحجم، على عكس McKinsey التي تستهدف المنظمات الأكبر.
يقول مايرسون Myerson من مؤسسة «المائدة المستديرة للأعمال الخيرية Philanthropy Roundtable»: انتشار خدمات السوق سيكون مفيداً للغاية للعمل الخيري، سيكون هناك المزيد من الخدمات، والخيارات والمعلومات، والفرص لتشجيع الأفراد على التفكير بطرق إبداعية وملهمة حول كيفية استخدام أموالهم أو مواردهم في الأعمال الخيرية، لجذب انتباه المتبرعين المحتملين وتحفيزهم على الانخراط في العمل الخيري بطرق جديدة وغير تقليدية، مما يجعلهم يرون المزيد من الفرص والإمكانيات في دعم القضايا الإنسانية أو الاجتماعية التي تهمهم. ولكن في النهاية، يجب على أولئك الذين يحاولون إنشاء نسخة خيرية من أسواق رأس المال أن يجيبوا عن السؤال الذي يساوي مليار دولار: كيف تقيس النجاح ؟ في الأسواق والقطاع الربحي الجواب = الأرباح، لكن في القطاع الخيري الجواب أبعد من ذلك بكثير.
خاتمة
مع التحولات الجذرية التي يشهدها القطاع الخيري، أصبحمن الواضح أن المستقبل يتطلب نهجاً استراتيجياً واستثماراً فعالاً لتحقيق تأثير مستدام، إذا لم يعد العطاء الخيري يُنظر إليه كوسيلة للإحسان فقط، بل أصبح جزءاً من منظومة اقتصادية تركز على تحسين جودة حياة الفئات المحتاجة والمساهمة في معالجة التحديات الاجتماعية والبيئية بالإضافة إلى الاستجابة للأزمات الإنسانية على نطاق عالمي ورغم التحديات التي تواجه المؤسسات الخيرية في ظل هذه التغيرات، فإن الابتكار وتبني الأساليب الحديثة في إدارة الموارد قد يمثلان خطوات مهمة نحو تحسين الأثر الخيري وتعظيم الفوائد على المدى البعيد.
توصية
مهنة مستشار العمل الخيري ناشئة ويتزايد الطلب عليها من المانحين والمتبرعين للحصول على دعم ومشورة في تقديم تبرعاتهم الخيرية، وفي هذا الصدد، نرشح لكم كتاب «إرشاد المانحين : المبادئ والممارسات: Advising Philanthropists Principles and Practice » حيث يجمع بين المعرفة النظرية والرؤى العملية المكتسبة خلال 48 عامًا من العمل للمؤلفتين بيث بريزا (Beth Breeze) وإيما بيستون (Emma Beeston)، حيث عملت الأولى في جمع التبرعات ودراسة العمل الخيري، والثانية في تقديم المنح وكمستشار للأعمال الخيرية، كما عززت مادة الكتاب بمقابلات مع 40 مستشارًا للأعمال الخيرية في 15 دولة شاركوا دوافعهم للقيام بهذا العمل، والتحديات التي يواجهونها، والنقاط البارزة التي تجعله العمل جديرا بالاهتمام. تسعى المؤلفتين إلى تلبية احتياجات المستشارين في تعميق معرفتهم وتحسين ممارساتهم، كما يُفيد العاملين في المنظمات الخيرية والجمعيات الأهلية، لا سيما جامعي التبرعات وموظفي قسم التمويل.
