القائمة الرئيسية

مونوغراف: العمل المجتمعي والخيري (1-6)

مونوغراف: العمل المجتمعي والخيري (1-6)
ملخص الكتاب

ولادة الرأسمالية الخيرية

كبار أصحاب الأعمال الخيرية الجدد يعدون أنفسهم مستثمرين اجتماعيين.

تمهيد
يتوقع عدي كيمكا Uday Khemka، رائد الأعمال الخيرية الهندي، ومدير شركة «صن كروب the sun group»  الاستثمارية المملوكة لعائلته، بأنه: بالنسبة إلى بيئة الشركة، فنحن نعيش الآن في سبعينيات القرن التاسع عشر، لكن العمل الخيري سيشبه الاقتصاد الرأسمالي أكثر فأكثر مع مرور الوقت، وعلى غرار العديد من الجيل الجديد من أصحاب الأعمال الخيرية، لدى كيمكا طموحات كبيرة وواضحة المعالم في الوقت ذاته، فهو يقول: أريد أن أساعد على تطوير البنية التحتية للأعمال الخيرية.

البنية التحتية للعمل الخيري الحديث

تعد الحاجة إلى أن يصبح العمل الخيري أشبه بأسواق رأس المال الربحية موضوعاً مشتركاً بين أصحاب الأعمال الخيرية الجدد، وخاصة أولئك الذين صنعوا ثرواتهم من الاستثمارات الربحية، فبنظرهم هناك حاجة إلى ثلاثة أشياء لكي يعمل مثل هذا السوق الخيري الجديد.

  1. يجب أن يكون هناك شيء يستثمر فيه أصحاب الأعمال الخيرية، أي شيء ما سينشأ بالحالات المثلى بواسطة رواد الأعمال الاجتماعيين، تماماً كما في العالم الربحي، حيث ينشئ رواد الأعمال شركات يجري تداولها في البورصة.
  2. يتطلب السوق بنية تحتية والمكافئ النقدي الخيري لأسواق الأوراق المالية، ومصارف استثمارية، ومؤسسات بحث، واستشاريين إداريين، وما إلى ذلك، وهذا ما يريد السيد كيمكا التركيز عليه.
  3. يجب أن يتصرف أصحاب الأعمال الخيرية كمستثمرين وهذا يعني تخصيص أموالهم لإحداث أكبر فرق ممكن في مشكلات المجتمع.

كل هذا قد يبدو جيداً من الناحية النظرية، ولكن تاريخ العمل الخيري يشير إلى وجود العديد من المزالق المحتملة، فلقد أسس رواد الأعمال المؤسسات الخيرية الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان كارنيجي وروكفلر قد أدركا النموذج الجديد الموجه نحو الاستثمار، ويقول كارل شرام Carl Schramm رئيس مؤسسة «إوينغ ماريون كوفمان the Ewing Marion Kauffman Foundation» بعد أن رأوا نشاطهم الاقتصادي يغير العالم، اعتقدوا أن المؤسسات التي تركوها وراءهم ستكون منظمات تحويلية، ولقد أسدت هذه المؤسسات صنائع مجيدة، فمن خلال إنشاء هذه المؤسسات، وجعلها قنوات لتقديم المنح، بالإضافة إلى إدارة البرامج التي ستستفيد من الأموال، قد فكروا تفكيراً طموحاً، وركزوا على أهداف واضحة، وكانوا على استعداد للاستثمار بكثافة لأوقات طويلة لتحقيق هذه الأهداف، على سبيل المثال: وجدت مؤسسة روكفلر The Rockefeller Foundation علاجاً للحمى الصفراء وقادت الثورة الخضراء في مجال الزراعة، كما بنت كارنيجي من بين أمور أخرى، آلاف المكتبات العامة.

أسس الاستثمار الخيري

ثبت أن روح الاستثمار طويل الأجل هي الاستثناء وليست القاعدة، ففي مقال تاريخي بعنوان «أجندة الأعمال الخيرية الجديدة: خلق القيمة Philanthropy's New Agenda: Creating Value « ، نُشر في مجلة هارفارد بيزنس ريفيو عام 1999، وصف مايكل بورتر Michael Porter ومارك كرامر Mark Kramer عيوباً شائعة في مؤسسات الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال موجودة في الغالب حتى اليوم، على سبيل المثال: يُكرس القليل من الجهد فحسب لقياس النتائج، كما أن المؤسسات لديها تكاليف إدارية عالية بصورة غير مبررة.
ووصف مايكل بايلين Michael Bailin ، رئيس مؤسسة «إدنا ماكونيل كلارك the Edna McConnell Clark Foundation » المؤسسات النمطية بأنها استبدادية وغير فعالة بنحو متعمد
ونخبوية ومنعزلة ومتعجرفة ومدللة، ويضيف جويل فليشمان Joel Fleischman ، الرئيس السابق لمؤسسة «الأعمال الخيرية الأطلسية the Atlantic Philanthropies « أن هناك مشكلات حادة في طريقة عمل المؤسسات، وأن معظمها تقدم القليل من المعلومات حول ما تفعله، وتتكتم بشدة حول إخفاقاتها، ونتيجة لذلك كما يقول فليشمان: «تستمر المؤسسات في تكرار ما سبق وتهدر جهدها بلا طائل».
أما بالنسبة لحوكمة المؤسسات فهي كابوس، كما يقول روبرت مونكس Robert Monks، أحد النشطاء المخضرمين من أجل حوكمة أفضل للشركات، ويضيف البقاء الدائم للمؤسسات وعدم امتثالها للمعايير التنافسية، وعد كل هذا كثيراً على الطبيعة البشرية، أدى إلى وجود المكاتب الفخمة، والمؤتمرات الفاخرة، والأجور المسرفة المتزايدة لأصحاب الأعمال الخيرية المحترفين.
ويمكن القول: إن أكبر مشكلة هي الطريقة التي تقدم بها المؤسسات المانحة المنح للمنظمات التي تدعمها، وفي هذا الصدد يعلق فليشمان: «مع أن كارنيجي كانت مستعدة للاستثمار على المدى الطويل، إلا أن المؤسسات في الآونة الأخيرة كانت تميل إلى التبديل والتغيير، وتجادل ميليسا بیرمان Melissa Berman من مؤسسة «مستشارو روكفلر الخيرية Rockefeller Philanthropy Advisors « بأن هناك تركيزاً كبيراً جداً على تمويل البرامج الفردية، وتركيزاً ضعيفاً جداً على استدامة المنظمة غير الربحية التي تدير البرنامج كما يُنظر إلى النفقات العامة على أنها أمر سيء، وغالباً ما تكون المنح قصيرة الأجل.

الأثر الاجتماعي للمؤسسات الخيرية الكبرى
هل يجب أن يجرب الجيل الجديد من أصحاب الأعمال الخيرية شيئاً مختلفاً عن المؤسسة التقليدية؟ السيد أميديار Omidyar يعتقد ذلك، لقد حول مؤسسته «أميديار Omidyar Foundation» إلى شبكة للاستثمار الخيري المحدود، والتي تتمتع بحرية القيام باستثمارات هادفة للربح، وكذلك تقديم التبرعات الخيرية، لمتابعة مهمتها المتمثلة في التمكين الذاتي الفردي، ويوضح ذلك قائلاً: «بعد بضع سنوات من محاولتي أن أكون صاحب عمل خيري تقليدي، سألت نفسي: إذا كنت تعمل عملاً جيداً، وتحاول أن تجعل العالم مكاناً أفضل، فلماذا تحصر نفسك في المنظمات غير الربحية؟ وعلى الرغم من وجود نظام مالي خاص بمؤسسة ميديار فإن فريق الاستثمار الخاص بأميديار يتمتع بحرية وضع أمواله في مشروعات ربحية أو غير ربحية، والمعيار الرئيسي للفريق هو ما إذا كان الاستثمار سيعزز الرسالة الاجتماعية أم لا.
ويجادل بورتر Porter وكرامر Kramer أنه من جهة المبدأ يجب أن تكون المؤسسات الكبيرة هي الوسيلة الأكثر فاعلية للعمل الخيري، لا لأنها تخلو من الضغوط السياسية والتجارية فحسب، بل لأنها توظف أيضاً موظفين محترفين لا تستطيع المؤسسات الصغيرة تحمل تكلفتهم، لكن غالباً ما يصبح الموظفون هم المشكلة الكبرى، لا سيما في المؤسسات التي مات مؤسسها منذ مدة طويلة، ورغم ذلك، فإن أصحاب الأعمال الخيرية الجدد اليوم هم في الغالب في مرحلة الشباب بما يكفي لتمكينهم من مراقبة مؤسساتهم لسنوات عديدة قادمة، ومع ذلك يقول فليشمان: إنهم قد يفكرون في إنهاء عملهم وإغلاق المؤسسة إلى الأبد.
ويجب على أصحاب الأعمال الخيرية الجدد أيضاً أن يكونوا واضحين فيما يريدون فعله وأن يلتزموا به، وهذا ما تفعله مؤسسة «بيل ومليندا جيتس The Gates Foundation»، التي حققت بعض الإنجازات الرائعة، ومما ساعدها حجمها الضخم الذي يسمح لها بالقيام بأشياء تتجاوز أي المؤسسات الأخرى وتتمثل مهمتها الواضحة في معالجة التفاوتات الصحية العالمية في ستة.

النفوذ هو كل شيء

والأهم من ذلك أن هذه المؤسسة وجدت طرقاً لاستخدام أموالها على أفضل وجه، إذ تتمثل فكرة مؤسسة جيتس بيل ومليندا جيتس في التغلب على عجز السوق، الذي ألحق الضرر بالمستهلكين الفقراء في مجال الرعاية الصحية من خلال تخصيص أموال نيابةً عن الفقراء، لتوليد إمدادات الأدوية والعلاجات التي يحتاجون إليها، على سبيل المثال: توفر الأموال الحوافز التسويقية لشركات الأدوية لتخصيص بعض مواردها للعمل من أجل المحتاجين، كما تعقد المؤسسة الشراكات مع أنها كبيرة بما يكفي لمتابعة العديد من المشروعات بمفردها، ولكنها تبحث عن أقصى قدر من الفاعلية، وثمة أصحاب أعمال خيرية آخرون يتبعون استراتيجيات مماثلة
ولقد تبرع السيد أوميديار بمبلغ 100 مليون دولار الجامعة تافتس Tufts University لكي تستثمر استثماراً مربحاً في مقدمي خدمات التمويل الأصغر للفقراء، وهو يأمل في جذب رأس المال الخاص، لتحويل ما كان دائماً عملاً مدعوماً إلى عمل مربح يعمل على نطاق أكبر بكثير مما هو عليه اليوم. ويجرب أصحاب أعمال خيرية آخرون نماذج جديدة لتوفير الرعاية الاجتماعية، والتي بمجرد أن تثبت نفسها، يمكن أن تتبناها الحكومات وتتيحها على نطاق أوسع، حيث تميل الحكومات عادةً إلى تجنب المخاطر، في حين أن أصحاب الأعمال الخيرية لهم حرية تحمل المخاطر، وبذلك يتمكنون من لعب دور مفيد، وتقديم رأس مال أولي للخدمات الحكومية.
وتعد الشبكات أيضاً وسيلةً تزداد انتشاراً للاستفادة من المال والخبرة، وتجمع «الدائرة العالمية للأعمال الخيرية Global Philanthropists Circle» التي أسستها بيغي روكفلر Peggy Rockefeller نحو 50 عائلة ثرية من 20 دولة، لتبادل الأفكار والخبرات، بهدف إيجاد حلول للفقر وعدم المساواة على الصعيد الدولي، وغالباً ما تنطوي هذه المباردات على استخدام العلاقات والنفوذ بالإضافة إلى المال.
ومع ذلك كما يقول كيمكا: لا يزال هناك نقص في اتحادات العمل الخيري العالمية التي تتعامل مع قضايا فردية، وهو يأمل في جمع أصحاب الأعمال الخيرية، الذين يرغبون في معالجة تغير المناخ من جميع أنحاء العالم.
وتستكشف بعض المؤسسات الآن طرائق جديدة لتمويل المنظمات غير الربحية، ويعتقد السيد سلامون Salamon من «جامعة جونز هوبكنز Johns Hopkins University» أنه ينبغي لهم البدء في التصرف بطريقة أكثر شبها بطريقة البنوك الخيرية، حيث يقدمون مجموعة من المنتجات المالية مثل القروض وضمانات القروض وكذلك المنح.
وبدأ بعض أصحاب الأعمال الخيرية أيضاً في التفكير في أفضل السبل لتسخير جميع أصولهم للقضايا التي يدعمونها، بدلاً من مجرد التركيز على الأموال التي يتبرعون بها حالياً، وعرضت هذه النقطة أخيراً على جيف سكول Jeff Skoll الذي تتمثل إحدى مهامه الخيرية في صناعة أفلام ذات رسالة اجتماعية.
ومنذ عام 2005 بدأ العديد من الأثرياء يتساءلون حيال ما تفعله أموالهم بالضبط ؟ إذ ما الفائدة من كسب عائد مرتفع في الصين إذا كانت الأموال تساعد على بناء ظروف عمل سيئة كما يقول أحد رجال الأعمال الكبار، أو إذا كان أحد الأثرياء الكبار كان لديه 5 مليارات دولار، وتبرع 4 مليارات للأعمال الخيرية، فهل من المنطقي أن يُحقق أرباحاً بنسبة 17% من استثمارات أو أنشطة تساهم في تدمير العالم ؟ هذا بحد ذاته صراع بين الكسب المالي والمبادئ الأخلاقية حيث يصبح السؤال ليس فقط حول العطاء، ولكن أيضاً حول المسؤولية الأخلاقية للاستثمارات التي قد تسبب ضرراً طويل الأمد للمجتمع أو البيئة، وللتعامل مع هذه المشكلة ستحتاج صناعة الاستثمار إلى تحسين الاستراتيجيات والمنتجات التي تقدمها حالياً من أجل الوصول للاستثمار الأخلاقي أو المسؤول اجتماعياً»، والتي غالباً لا تتجاوز تجنب المشاركة مثلاً في صناعة التبغ أو تصنيع الأسلحة أو النفط.
العبارة الأكثر استخداماً لوصف النهج الجديد للعطاء هي «الاستثمار الخيري»، واستخدم هذه العبارة أول مرة في الستينيات أحد أفراد عائلة روكفلر، لكنها لا تزال تتداول نادراً نسبياً
من الممكن أن تتعلم المؤسسات الجديدة من أخطاء المؤسسات القديمة، ولكن ما الذي يمكن فعله لإصلاح المؤسسات الراسخة، التي تمتلك أداءً ضعيفاً دون المستوى، ومع إظهار الكونجرس الأمريكي اهتماماً متزايداً بالمؤسسات الاجتماعية والخيرية وغير الربحية، اقترح السناتور تشارلز جراسلي Charles Grassley قوانين جديدة صارمة، ويقول آدم میرسون Adam Meyerson من هيئة «المائدة المستديرة للأعمال الخيرية the Philanthropy Roundtable» إصلاحاته ستحدث تحولاً جذرياً في العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والمؤسسات غير الربحية، ومن بين أمور أخرى يقترح السناتور جراسلي مراجعة كل خمس سنوات للوضع الخيري للمؤسسات ونظام التصديق الحكومي الرسمي، ولكن ميرسون يعتقد أنه سيكون من الأفضل بكثير للحكومة أن تطبق القوانين الموجودة بالفعل بأسلوب ملائم.

تحديات قياس الأثر الاجتماعي

يقول فليشمان: إنه من المشجع أن العديد من المؤسسات القديمة ذاتها أصبحت أكثر اهتماماً بالفاعلية، وبدأت بالمطالبة بمزيد من المعلومات حول كيفية إنفاق الأموال التي تقدمها، ويظهر التحول الأخير لمؤسسة «إدنا ماكونيل كلارك» أن المنظمة القديمة عديمة الكفاءة يمكنها أن تحول نفسها إلى منظمة ذات تشغيل متطور للغاية، فقد اعتادت هذه المنظمة في السابق على تقديم المنح بالطريقة التقليدية لمجموعة واسعة من القضايا الجيدة، لكن في أواخر التسعينيات قرر الرئيس الجديد تركيز أنشطته في مجال واحد وهو تنمية الشباب، كما أن العمل بجد مع المنظمات المختارة، وأبرزها منظمة «منطقة الأطفال في هارلم Harlem Childrens Zone»، ساعدهم على أن يصبحوا أكثر فاعلية ويخدموا المزيد من الأشخاص.
السؤال الأكبرها هنا هو كيفية قياس أداء المنظمة الخيرية فهناك قدر هائل من العمل يجري في هذا المجال، لكنه لا يزال فناً أكثر من كونه علماً، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالأهداف الغامضة والمحيرة لبعض أصحاب الأعمال الخيرية مثل «تمكين الأفراد أو زيادة فاعلية المجتمع المدني» أو «مكافحة تغير المناخ
كما أن الإجراءات التي تتضمن ما يسمى بخط الأساس المزدوج (أي الأداء المالي بالإضافة إلى الأداء الاجتماعي) أو خط الأساس الثلاثي المالي والاجتماعي والبيئي) عادة ما تكون عرضة للتلاعب الإحصائي، وكذلك الحال بالنسبة للمفاهيم الشائعة، مثل «الحياة المتغيرة»، وهي مزيج من عدد الأشخاص المتأثرين بمبادرة ما، وإلى أي مدى حسنت ويتمثل أحد المخاطر في إيلاء الاهتمام أكثر من اللازم لإدارة المدخلات، التي يسهل قياسها مقارنة بقياس الناتج، وثمة خطر آخر وهو تركيز التبرعات على تلك الأنشطة، التي يمكن قياسها بسهولة، مثل عدد اللقاحات المقدمة، حتى عندما لا يكون ذلك هو أنجع وسيلة لمعالجة مشكلة ما.
ويحتاج المانحون أيضاً إلى تحقيق التوازن الصحيح، بحيث يطلبون من ناحية ما يكفي من المعلومات ليكونوا قادرين على مراقبة فاعلية المنظمات التي يمولونها، ولكن من ناحية أخرى لا يعرقلونهم من خلال ملء الاستمارات البيروقراطية. وتشتهر «مؤسسة بيل ومليندا جيتس» في الحصول على المزيج الصحيح، وتكييفه وفقاً للظروف الفردية.

خاتمة

في الختام، يمكن القول إن ولادة الرأسمالية الخيرية تمثل تحولاً جذرياً في بعض الأعمال الخيرية التقليدية، حيث لم يعد التبرع بالأموال أو تقديم الدعم المالي كافياً لتحقيق الأهداف الاجتماعية المرجوة. بدلاً من ذلك، يسعى رواد الأعمال الخيرية الجدد إلى بناء نماذج اقتصادية مستدامة تستند إلى استثمارات مدروسة تضمن تحقيق تأثير اجتماعي طويل الأمد. ولا يقتصر هذا التحول على تغيير أساليب التمويل بل يمتد إلى إعادة تعريف الأدوار والمسؤوليات التي يمكن أن تلعبها المؤسسات الخيرية في معالجة القضايا العالمية مثل الفقر، والأوبئة، وتغير المناخ، والتنمية المستدامة. وعلى الرغم من التحديات التي تواجه هذا النهج الجديد، فإن الرؤية المشتركة التي تجمع بين العطاء والاستثمار الاجتماعي قد تفتح آفاقاً جديدة لمستقبل أكثر استدامة وإنسانية.

رؤية نقدية
يتميز العمل الخيري في الثقافة الإسلامية بأبعاده الروحية، حيث يُنظر إليه على أنه وسيلة للتقرب إلى الله وليس فقط عملاً مادياً. فالعمل الخيري في هذا السياق لا يُرتبط بتحقيق مكاسب شخصية أو ربح دنيوي. ويُظهر ذلك مما ورد في القرآن الكريم: «إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا» (الإنسان: 9)
في المقابل، يعتمد نموذج الرأسمالية الخيرية بشكل رئيسي على استثمار الموارد المالية في مشاريع تهدف إلى تحقيق نتائج محددة، وربما أرباح في بعض الحالات. هذا التوجه قد يفضي إلى تفضيل المشاريع التي تدر عوائد مادية ملموسة، بينما يُنظر في العمل الخيري الإسلامي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية كأولوية مطلقة، بغض النظر عن العوائد الاقتصادية أو الربحية.

الفصل السابق الفصل التالي

كتب ذات صلة