يلخّص المقال تجربة تبدّد الشخصية بوصفها حالة يشعر فيها الإنسان بالانفصال عن ذاته أو عن الواقع كما لو كان في حلم، موضحًا أنها تجربة شائعة ومؤقتة لدى كثيرين لكنها قد تصبح اضطرابًا مزمنًا لدى نسبة صغيرة عندما تدخل في حلقة من القلق وسوء التفسير، حيث يعمل الدماغ أحيانًا على توليد هذا الشعور كآلية وقائية ضد الصدمات أو التوتر الشديد، إلا أن الخوف من “الجنون” قد يطيلها كما يشرح طبيب الأعصاب أنتوني ديفيد، ويعرض المقال محفزاتها مثل نوبات الهلع والإجهاد والصدمات وتعاطي المخدرات خصوصًا الحشيش، مع شرح ما يحدث دماغيًا من تبلّد عاطفي، ثم يقدم إرشادات عملية للتعامل معها مثل فهم طبيعتها غير الخطرة، وتجنب الفحص المستمر، وعدم مقاومة المشاعر بل تحويل الانتباه عبر أساليب “التأسيس”، وممارسة الرياضة والتنفس، وتجنب الكافيين والمخدرات، مؤكدًا أن الوعي بالحالة وطلب المساعدة عند استمرارها يساعدان على التعافي وأنها في جوهرها استجابة قلق يمكن أن تتلاشى مع الوقت.ترجمة: سارة الحربيبحاجة لمعرفة:يسير معظم الأشخاص جُل أوقاتهم في دروب الحياة دون التفكير فيها بمعيّة إذ نمضي في حياتنا باحساس من الانسيابية والتكامل، تاركين أسئلة الفلسفة والوجودية العميقة للحظات التفكر بعيدًا عن مشتتات الحياة اليومية.لكن ماذا لو في وقتٍ ما انقلب ذلك رأسًا على عقب، وكانت الحياة شعورًا دائمًا بالتفكك والعزلة عن الواقع والتشكيك في وجودك؟ وهذه بالفعل التجربة اليومية لما يبلغ 2 في المائة من السكان (بناءً على البيانات الوبائية الألمانية)، ممّن يعيشو مع مشاعر مستمرة وغير مرغوبة من اللاواقعية، والمعروفة أيضًا باسم اضطراب تبدد الشخصية.تُعرّف التجربة اللحظية لتبدد الشخصية على أنها شعور باللاواقعية والاحساس بالانفصال عن الذات، وترتبط كثيرًا بمصطلح عدم الإدراك، وهو احساس أن العالم ليس حقيقيًا، وغالبًا ما يوصف تبدد الشخصية بأنه شعورك كما لو كنت “في حلم” أو “لست موجودًا حقًا”. في الواقع ليس من غير المألوف تجربة مثل هذه المشاعر: إذ 75 في المائة من الأشخاص قد يمرون بذلك مرة واحدة على الأقل في حياتهم، وبالنسبة لمعظمهم ستكون هذه الأحاسيس عابرة، فإذا سبق أن مررت بإرهاق السفر أو الأرق، فهناك احتمال كبير أن تكون قد عانيت من تبدد مؤقت للشخصية.أيضًا، رأى علماء النفس أن الدماغ يستخدم مشاعر اللاواقعية كآلية وقائية ضد الصدمات النفسية، وهو ما يفسر سبب وجود مشاعر الانفصال الشبيهة بالأحلام غالبًا في أعقاب الأحداث المؤلمة، مثل العنف أو الكوارث. اعتبرها كوسادة هوائية للعقل؛ لأن في الغالب تتلاشى هذه المشاعر مع القلق أو الصدمة المدركة التي تسببت فيها.ووفقًا لنظرية طورها طبيب الأعصاب أنتوني ديفيد وزملاؤه في كلية لندن الجامعية، عندما تُفسر مشاعر اللاواقعية الوقائية بصورة غير صحيحة على أنها خطيرة (على سبيل المثال، إثارة المخاوف بشأن الجنون)، فإنها قد تشكّل دوّامة من ردود الفعل مع القلق المسبب لها. حينها قد يستمر تبدد الشخصية لفترة أطول بكثير من الحادث المسبب ويصبح اضطراب تبدد الشخصية (DPD)-المصنف حاليًا حسب الطب النفسي كواحد من عدة “حالات انفصالية”- إلى جانب اضطراب الهوية الانفصالية وفقدان الذاكرة الانفصالي (من المهم ملاحظة أن الأخيرين مختلفان تمامًا عن DPD وأكثر شدة منه، على الرغم من أنهما ينطويان أيضًا على مشاعر الانفصال إلا أنهما مختلفان اختلافًا شاسعًا من الناحية التجريبية والأعراضية).ويقول ديفيد: “سيقول ما بين 70 إلى 80 في المائة من الأشخاص بالنظر إلى حياتهم إنهم شعروا بتبدد الشخصية”، عادةً ما يكون بسبب توتر أو إجهاد … لذلك فهي استجابة طبيعية، لكن إذا بدأت في تفسير الأمر بعبارات مثل “ذهب عقلي” أو “سأكون هكذا إلى الأبد”، فإن ذلك يحث على دورة من القلق تُديم الموقف.تتسم الأسباب النفسية وارتباطات تبدد الشخصية بالغموض، غير أنه وجدت فحوصات الدماغ للأشخاص الذين تم تشخيصهم باضطراب تبدد الشخصية أنهم يظهرون نشاطًا منخفضًا في أجزاء الدماغ المرتبطة بمعالجة العواطف (بما في ذلك اللوزة الدماغية والحصين) وذلك عند استجابتهم للصور العاطفية أو عند حفظ الكلمات العاطفية مقارنةً بالضوابط. ومن الناحية التطورية، قد يكون هذا التبلد العاطفي مفيدًا في المواقف الفاصلة بين الحياة أو الموت لأنه يحد من الرعب المعجز المرتبط بالخطر الشديد، إلا أنه عندما يصبح هذا التبلد مزمنًا فقد يسهم في مشاكل الانفصال واللاواقعية المرتبطة باضطراب تبدد الشخصية.ولقد عانيت شخصيًا من مشاعر مزمنة من تبدد الشخصية، بدأت في عام 2005 بعد أن تعرضت لنوبة هلع شديدة أصابتني من العدم. تملكني إحساس أنني انفصلت فجأة عن العالم من حولي، كما لو أن لوحًا زجاجيًا قد هبط بيني وبين الواقع، لقد كان مريعًا. وعلى الرغم من أن نوبة الهلع هدأت إلا أنني عانيت من قلق مستمر وشُخّصت لاحقًا باضطراب تبدد الشخصية الذي استمر لعامين.تُعرف نوبات الهلع والإجهاد المتراكم بالإضافة إلى الصدمات النفسية كمحفزات شائعة لاضطراب تبدد الشخصية، فحوالي 30 في المائة ممن يعانون من نوبات الهلع المتكررة – بسبب المواقف العادية نسبيًا (كالوجود في حافلة أو متجر مزدحم) – يصرحون عن شعورهم بتبدد الشخصية أثناء حدوث النوبات، حيث تأتي مشاعر تبدد الشخصية وتذهب مع الهلع ونادرًا ما تستمر مشاعر اللاواقعية بعد الهلع.وقد يحدث أيضًا شعور الانفصال الشديد الذي يأتي في أعقابه حادث مروري خطير بسبب الإجهاد الذي يصاحب أحداث الحياة الصعبة، مثل الحزن أو الطلاق أو فقدان الوظيفة.ومن الأسباب الشائعة الأخرى لتبدد الشخصية تعاطي العقاقير الترويحية، في حين أن هذه العقاقير قد توفر أحاسيس ممتعة إلا أن تجربة عقار سيئ تكمن عنها مخاوف شديدة، وقد يفسر الدماغ مخاوف “الموت” أو “الجنون” على أنها أحداث مؤلمة جسيمة مما يؤدي إلى آلية الوقاية من تبدد الشخصية.أدركت لاحقًا بالنظر إلى تجربتي في تبدد الشخصية أن نوبة الهلع ربما لم تأتِ من العدم، وقتها كنت منهكًا بالتفكير وناقدًا لذاتي بشدة والأهم من ذلك أنني مررت بتجربة مخيفة للغاية مع الحشيش المخدر قبل بضعة أسابيع، مما جعلني أشعر بالهلع.في الواقع، يمكن أن يحدث اضطراب تبدد الشخصية في الغالب بسبب تجربة مخدر سيء واحد، إذ تقول آنا سياونيكا، الفيلسوفة وعالمة الإدراك التي تدرس الحالة: “قد يرتبط الحشيش بظهور تبدد الشخصية”، وهي مشكلة بين الشباب خصيصًا. “فعندما تكون شابًا يمتلكك الكثير من التوتر، لديك امتحانات وتريد الاستقلال عن المنزل ومن المحتمل أن لديك الكثير من المسببات التي هي في حد ذاتها صعبة الاستيعاب، ونعلم أنه في هذا العمر لا يزال الدماغ ينمو”. فعندما يواجه نمو الدماغ حشيشًا قويًا وعاليًا من THC (المحتوي على مستويات عالية من رباعي هيدروكانابينول، المركب النفسي الرئيس)، قد تكون التجربة شديدة مما تؤدي إلى نوبات الهلع وتبدد الشخصية. وإذا استمرت مشاعر تبدد الشخصية بعد المخدر، سيؤدي ذلك في الغالب إلى استنتاج خاطئ مفاده أن الشخص “لا يزال منتشيًا”، حتى بعد زوال مفعول المخدر.يقول ديفيد: “سيصرح 20 في المائة من الأشخاص أن تبدد الشخصية بدأ من تعاطي المخدرات، والحشيش هو الأكثر شيوعًا، وغالبًا ما تسمع قصة “لقد استخدمت الحشيش على مر العصور، لقد كان الأمر جيدًا دائمًا، ثم كانت هناك مرة واحدة، اعتقدت أن مفعوله سيختفي لكنه أصبح عالقًا معي “.مهما كان سبب تبدد الشخصية اللحظي، عندما تصبح مشاعر اللاواقعية هذه موجودة طوال حياتك اليومية فقد تُشخّص باضطراب تبدد الشخصية، كما حدث معي بالفعل. لقد كانت هذه الفترة من حياتي مؤلمة بشكل لا يصدق حيث أخبرني الآخرون ممن عانو من ذات التشخيص أنها كانت كذلك بالنسبة لهم، شعرت وكأنها أزمة وجودية فعلية. كان خوفي من الجنون شبه مستمر، وكذلك الأفكار المتطفلة عن الوعي وطبيعة الواقع وإيمان الذات، حتى اعتقدت في أوقات مختلفة أنني مت، وأنني كنت في غيبوبة، وأنني كنت أحلم ولا أستطيع الاستيقاظ.يقول ديفيد: “الخوف من فقدان عقلك أمر شائع جدًا، وقد يؤدي إلى حلقة مفرغة تزيد من قلق وخوف الشخص. أتحقق طوال الوقت أمام المرآة، هل أصابني الجنون، سائلًا الآخرين” هل تعتقد أنني بخير؟” – بالنسبة للشخص الملاحظ، فأنت تبدو على ما يرام”.لقد استشرت الخبراء في هذا الدليل واستندت إلى أحدث نصائح الصحة النفسية وإلى تجربتي؛ لتزويدك ببعض الخطوات العملية الأساسية حول كيفية التعامل مع مشاعر اللاواقعية أو تبدد الشخصية تحديداً تلك التي تنشأ بسبب القلق وتجارب العقاقير السيئة. قد تحدث مشاعر اللاواقعية أيضًا بسبب الأمراض الجسدية والإصابات، مثل الارتجاج وإصابات الرأس وفي حالات مؤقتة مثل مرض مينيير وصرع الفص الصدغي، وأنا لا اتحدث هنا عن هذه الحالات. آمل أن يكون الدليل نافعًا، لكنه بالطبع لن يكون بديلًا عن المشورة الطبية المتخصصة، وتعد ورقة الحقائق هذه من المجلة الطبية البريطانية مصدرًا ممتازًا لمزيد من المعلومات الطبية، وإذا كانت لديك أي مخاوف أو مشكلات مستمرة فإنني أوصي بشدة باستشارة طبيبك.ما ينبغي عليك فعله:تعرّف على المشاعرأحد الأسباب الرئيسة لاستمرار مشاعر اللاواقعية ببساطة سوء فهم ما هي عليه في الواقع، فذات الطريقة التي يُفسر بها خفقان القلب بصورة غير صحيحة على أنه نوبات قلبية، يمكن تفسير مشاعر اللاواقعية أيضًا التي تحدث مع القلق على أنها “جنون”، مما ينشئ دوامة من وجهات النظر بين تبدد الشخصية والقلق المسبب له. لكن التعرف على المشاعر كجزء طبيعي وغير ضار من استجابة الكر أو الفر قد يساعدك على الحد من هذه الدوامة والسماح للمشاعر بالتلاشي طبيعيًا، والجيد من ذلك هو أن تبدد الشخصية المؤقت هو إحساس غريب لكنه مؤقت فقط.وتقول سيونيكا: “حتى لو شعرت أنك فقدت الاتصال مع ذاتك وفقدت السيطرة أيضًا، من المهم أن تتذكر أنك لا تزال كما أنت، أي أنه لا يزال لديك متسع من الحرية والمقدرة للقيام بذلك، وأنك لا تعتمد فقط على آلية رد الفعل، بل إنك حرًا”.يعد تبدد الشخصية المزمن تجربة غريبة ومخيفة للغاية، حيث وصفها الأشخاص ممن شُخصوا بهذه الحالة على أنها الشعور كما لو:أنهم يرون العالم من خلف لوح زجاجي؛رأسهم مليئ بالصوف القطنيأنهم عالقون في حلم؛يشعرون أنهم أو من حولهم ليسوا حقيقيين أو مثل “الرجال الآليين”؛يتغير إدراكهم للوقت؛“تتوقف” رؤيتهم أو “تتغير”؛ أويتغير الوقت أو يتسارع.ومن الشائع أيضًا تجربة:الأفكار الوجودية والفلسفية الدخيلة؛التبلد العاطفي“العقل الفارغ”، أو الشعور بعدم وجود أيّ أفكار؛ أومشاكل الذاكرة.فإذا كنت تعاني من مثل هذه المشاعر على مدى أسابيع أو أشهر متواصلة، فإنني أنصحك بطلب المساعدة المتخصصة.يعد اختبار الواقع مؤشر إيجابي لكن تجنب التحقق المستمرعندما يعاني شخص من الذهان فإنه عادةً ما يفتقر إلى إدراك أعراضه – أي أنه يعتقد أن هلوساته أو أوهامه المذعورة حقيقية، على النقيض من ذلك، عندما يعاني شخص من تبدد الشخصية فإنه عادةً ما يكون مدركًا وواعيًا بما يحدث بالفعل. على سبيل المثال، إذا كنت تعاني من تبدد الشخصية فقد تصف أعراضك بعبارة “كما لو”، مثل:“أشعر كما لو أنني عالق في حلم”.“يبدو الأمر كما لو أن الوقت يتسارع”.“يبدو الأمر كما لو أن الأشخاص من حولي آليين”.قد تكون هذه الأفكار والمشاعر مخيفة، إلا أنه من المهم أن تتذكر أن طبيعة أفكارك “كما لو” تشير إلى أن “اختبار الواقع” لديك لا يزال صحيحًا – وهذا مؤشر جيد.يقول ديفيد: “لا يزال الشخص يتمتع بهذه الموضوعية حتى يعرف “هذه هي الطريقة التي أشعر بها “، الأمر ليس كذلك حقًا لكن هذا ما تشعر به”. مضيفًا” قد يزيد الوعي العقلاني بغرابة التجربة شعور الخوف منها، إلا أن هذا الوعي أمر إيجابي وعلامة على أن ما تعانيه ليس كشدة الحالات الأخرى “.تصبح المشكلة أكثر خطورة إذا وجدت صعوبة في إيقاف التحقق من الواقع، وقد ينتهي الأمر بالشخص المصاب باضطراب تبدد الشخصية إلى استنتاج أن لديه “عقلًا فارغًا”، وقد يبلغون أيضًا عن إصابتهم ببعض الظواهر البصرية مثل متلازمة الجليد البصري وعوامات العين والمتتبعات، بالرغم من أن هذه الظواهر (اتساع بؤبؤ العين، حساسية الضوء) قد تعزى إلى آثار استجابة الكر أو الفر إلا أن المصاب غالبًا ما يصاب بالكوارث لأنه متأهب لجزء “الجنون”.ويكمن الخطر الحقيقي في أن ينتهي بك الأمر إلى الشعور بالإرهاق من الأعراض وعدم القدرة على المشاركة أو الاستمتاع بالأنشطة اليومية أو الجماعية، كما يقول ديفيد: “يصبح الفحص المستمر مشكلة، وأفكارًا مثل: “هل أشعر بهذا حقًا؟ هل هذه التي أمامي يداي حقًا؟” … قد تصبح مصدرًا للتفكير والانشغال مما يجعل الأمور أسوأ. وما يحدث في كثير من الأحيان يبدأ الخجل الشديد يتملك الأشخاص ثم حينها يتجنبون المواقف الاجتماعية، وهذا من شأنه يزيد من شعورك بالعزلة “. مجددًا، إذا تصاعدت مشاكلك إلى هذا المستوى فأنا أشجعك على استشارة أخصائي طبي.لا تقاوم المشاعر، فقط ركز على الأنشطة الأخرىقد تواجه رغبة قوية في محاولة إبعاد مشاعرك عن اللاواقعية والأفكار الدخيلة، لكن إذا فعلت ذلك من المؤسف أنك قد تصطدم بظاهرة أطلق عليها عالم النفس دانيال ويجنر في عام 1994 اسم “الإجراء الساخر”، تصف بأن محاولاتك في منع استرسال بعض الأفكار يؤدي إلى زيادة احتمالية حدوثها.جرّب أن تطرح على نفسك هذه المهمة: لا تفكر في الدب القطبي، سترى حينها أنه سيتبادر إلى ذهنك كل دقيقة. – من مقال “ذكريات شتاء عن مشاعر صيف” (1863)
مؤسسة
معنى
15 Feb 2026