ترجمة: إبراهيم الكلثم
ستطور معرفتك بذاتك بواسطة تعلم استيضاح أفكارك والتساؤل عنها، ومن ثم تصبح مُحاوِرًا أفضل. في بعض الأحيان، عندما أتعامل مع موضوع شائك، أتظاهر بأنني بحاجة إلى شرحه لطفل. فعلى سبيل المثال، ها هي محاولتي في شرح الغرض من هذا الدليل إلى طفلٍ وَهْميّ يبلغ من العمر تسع سنوات.
أريد أن أساعد الناس على فهم أفكارهم ومعانيها، ومشاركة هذه النتائج مع الآخرين. إنه هدف بالغ في التعقيد، فمن السهل أن نتحدث عن رغباتنا والأمور التي نحبها، ولكن من الصعب أن نتبين أسباب رغبتنا في شيء ما أو حبنا له، ولماذا ينبغي على الناس أن يعيروا ذلك اهتمامًا. وسوف أقدم عملية مكونة من ثلاثة أجزاء قد تعينك على هذا.
كوني أبًا لطفليْن، غالبًا ما أتجاوز جزء التظاهر من هذا التمرين، ولكني أنصح بأن تقوموا به، بغض النظر عن وضعكم الأسري، فقد ينطوي الأمر على تحدٍّ، أن تفسر لشخص فكرة، خطوة بخطوة، بعبارات لا تحسب فهم الآخر أمرًا مفروغًا منه. في الغالب، لا أكتشف قصور فهمي لموضوع ما إلا من خلال هذه الوسيلة.
وفي خضم هذا، ثمة قسم في منصة “ريديت” مخصص لهذا المبدأ يُدعى “اشرح لي وكأنني في الخامسة من العمر”، وهو يحتوي على عشرات الألوف من المحاولات في سبيل شرح أفكار معقدة بشكل سهل. سؤال: كيف يتمكن علماء الآثار من ترجمة النصوص العريقة أو اللغات العريقة؟ الإجابة: يمكن تصورها على أنها لعبة تركيب القطع. السؤال: كيف تتحمل برامج الاجتماعات من قبيل زووم عددًا كبيرًا من الشاشات؟ الإجابة: الكل لديه اتصال واحد للخوادم المركزية التابعة لزووم. السؤال: إذا كانت الكربوهيدرات عبارة عن سكر، فلما لا نأكل السكر مباشرة؟ الإجابة: الأمر أشبه باستبدال الحطب في حفرة النار بوعاء من الغاز. وهكذا.
إنني أستمتع بقراءة فقرة “اشرح لي كأنني طفل في الخامسة من العمر” لأن هذا المبدأ لا يعبأ بالمثالية. وعوضًا عن ذلك، فالفقرة مكتظة بالتعليقات، والجدالات، ومحاولات جارية، بنقاط مُناهِضة ومُناصِرة. كما هو الحال في شرح الأفكار إلى طفل في الخامسة من العمر، إنه أمر مليء بالمشتتات والأبواب المسدودة. ولكن إضافة إلى ذلك هو مبدأ يهدف إلى تبديد الأخطاء والأحكام غير المدروسة وفي تفضيل الأسئلة الصادقة واعترافات بعدم اليقين في أي خبرة.
كل هذا يُلقي الظلال على نقطة مهمة تخص التفكير بشكل واضح، فبدايةً يدعوك إلى الاعتراف بأن أفكارك غير واضحة، وبالتالي، فإن هذه العوامل التي هي جزء منها لا بد أن يعاد النظر فيها، أو وضعها على أساس أكثر أمانًا. الأمر أشبه بإزالة طبقات من الأفكار المُسبقة، والخاطئة، والوعي الضال. والنفع الأكبر ليس أن تكون على صواب -بالرغم من أنه أمر مرغوب فيه- وإنما أن تكون مفهومًا.
لمَ ينبغي على أي شخص الاهتمام بهذه الأمور؟ بعيدًا عن المبالغة، سأجادل بأن السعي إلى الوضوح يعزز الجوانب الإنسانية والحياتية. وبتعبير مثالي، إنه يشمل السعي المتبادل والمحترم إلى المعرفة، وحتى أكون عمليًّا أكثر، قد يعيننا على تحسين فهمنا لأنفسنا وتبديد الشكوك والأفكار الضالة، بالإضافة إلى التواصل بشكل مُثْرٍ وعميق وسط اضطرابات القرن الحادي والعشرين.
إن السعي إلى الوضوح هو طموح دائم ومستمر، فعندما تسعى إلى توضيح أفكارك، فأنت لا تهدف إلى الحقيقة المطلقة. عوضًا عن ذلك، أنت تهدف إلى عملية -النتيجة التي حتمًا ستكون عملية- تواصل تامة بكل نواقصها والحالات المفاجئة.
هدف هذا الدليل هو مساعدتك في التفكير عما ستبدو هذه العملية بالنسبة لك. وكما وعدت، سأقوم بذلك في ثلاث مراحل (تسبقها فسحة). تشتمل المرحلة الأولى على التأمل في الأسباب الكامنة خلف ما تؤمن بصحته أو قيمته. وتشتمل المرحلة الثانية على الكشف عن الافتراضات التي يقوم عليها هذا المنطق. وأما المرحلة الثالثة فتشمل الاعتراف بالأمور التي تعرفها والتي تجهلها، مواطن الشك، وماذا يعني لك بأن تصلح هذه الأمور.
فكِّرْ في الأمر قبل أن تبدأ…
لنتوقف لوهلة، تنفَّسْ بعمق، هدّئ نفسك. إذن، ما الذي يحدث بالضبط؟ بماذا تفكر وتشعر؟ وما الذي يستحق انتباهك؟ ثمة اقتباس عظيم من كتاب روبرت بوينتون بعنوان توقف (2019م) والذي يتحدث عن أهمية التروّي بهذه الطريقة:
عندما تتوقف يكون بمقدورك أن تتساءل عن سلوكيات واقعة، أو أن تأتي بأفكار جديدة أو بكل بساطة تقدّر الحياة التي تعيشها. كيف إذن ستستكشف احتمالات أخرى لما قد تفعله أو تكون عليه دون أن تتوقف بالمرة لملاحظة نفسك؟
ليس هناك أيسر من نصح الناس بالتوقف لوهلة، ولكنها النصيحة الأصعب من حيث الأخذ بها. بَيْد أنه أمر جوهري لوضوح الفكر، لأنه يمثل نقطة الانطلاق، فمن خلال لحظات من التأمل-دون التوقف، ليس هناك مجال لنشوء أفكار أخرى ولا لمصارحة الذات، لن يكون ثمة تقدم دون أن تخصص وقتًا للشروع في هذا الأمر.
قد تظن بأنها نقطة بدهية وليست جديرة بالذكر. ومع ذلك، فحسب خبرتي، يفشل معظمنا في هذا الجانب، فتراود الجميع أفكار ومشاعر لا حصر لها وتتسم بعدم الوضوح، والغموض، والتناقض. ولأننا لا نملك الوقت الكافي أو الأدوات للتعامل معها، فهي تبقى على حالها. عندما تتوقف لوهلة، ثمة تمرين نفسي قد يعينك على أخذ الخطوة الأولى نحو تفكير أوضح. فالأمر يتعلق بملاحظة ذاتك بشكل موضوعي. استرِح، استرخِ، ومن ثم قم بملاحظة تدفق أفكارك ومشاعرك دون الحكم عليها: ارتعاشات القلق، والتوقعات، والندم المتمثل في الذكريات والأفكار المحتدمة في الوعي. هذه هي المواد الأولية لإتمام أي عملية تهدف إلى الوضوح، وكلما كنت حريصًا على استيعابها؛ تمكنت من التغلب على تعقيداتها وتناقضاتها، وتجنب خطأ الزعم بأن ما تظنه بدهيًّا لا بد أن يكون كذلك للآخرين.
ما الذي تزعمه، ولمَ؟
عندما أقوم بهذا التمرين، ألاحظ بأن ذهني منشغل بالتساؤل حول ما آكله. هل يجدر بي أن أكون نباتيًّا صرفًا أو نباتيًّا، لأسباب أخلاقية وبيئية؟ وإذا كانت الإجابة لا، فلِمَ لا؟
في الفلسفة، يُستخدم ما يُعرف بالنموذج الموحد في تحديد أساسيات الفكرة بأوضح شكل ممكن. التعبير عن فكرك بطريقة نموذجية معناه أن تكتب قائمة مرقّمة بالتصريحات ويتبعها استنتاج. إن أتممت هذا النموذج كما ينبغي، ستقدم التصريحات المرقّمة تسلسلًا منطقيًّا لتبرير استنتاجك النهائي. على سبيل المثال، ها هي محاولة أولى في ترتيب أفكاري حول النظام الغذائي.
- أكل الحيوانات واستهلاك المنتجات الحيوانية تسبب لهذه الحيوانات معاناة شديدة يمكن تجنبها.
- كما أن فيه استهلاكًا أكثر للطاقة والموارد بالمقارنة مع البدائل النباتية.
- من الممكن أن تحظى بنظام غذائي صحي وعيش حياة متكاملة دون أكل اللحوم أو استهلاك معظم منتجاتها.
- سأحاول قدر الإمكان أن أتجنب إحداث أي معاناة غير ضرورية للحيوانات، واستهلاك الطاقة بشكل مفرط والموارد الأخرى.
إن كنت أعتقد بأن كل ما ذُكر هو صحيح، ينبغي تبعًا لذلك أن أتبنى نظامًا غذائيًّا نباتيًّا صرفًا أو نباتيًّا.
لعلك رأيت أمثلة لهذه الطريقة من قبل، أو استخدمتها في أحد أعمالك. ولعلك أيضًا شهدت نقاشات عديدة حول أشكال منطقية، تبريرات معقولة وأخرى غير معقولة، وما إلى ذلك. ما أجده نافعًا في الصيغ النموذجية، ليس الوعد بالمنطق الصارم وإنما إلحاحه على تقسيم تفكيري إلى خطوات مستقلة، ومن ثم طرح سؤالين مع كل خطوة:
- لماذا قد يقبل شخص عاقل هذا الادّعاء؟
- وما الذي يتبع هذا الادّعاء، عند قبوله؟
فيما يتعلق بتوضيح أفكاري ومشاعري، تكمن قوة المبادرة في إمكانية ضم أي شيء ذي صلة في الحسبان، فقط إن تمكنت من كشف هذه الصلة. ها هي أفكار أخرى قد تنسجم مع المثال الذي ضربته:
- أكل الحيوانات واستهلاك المنتجات الحيوانية تسبب لهذه الحيوانات معاناة شديدة يمكن تجنبها.
- كما أن فيه استهلاكًا أكثر للطاقة والموارد بالمقارنة مع البدائل النباتية.
- من الممكن أن تحظى بنظام غذائي صحي وعيش حياة متكاملة دون أكل اللحوم أو استهلاك معظم منتجاتها.
- سأحاول قدر الإمكان أن أتجنب إحداث أي معاناة غير ضرورية للحيوانات، واستهلاك الطاقة بشكل مفرط والموارد الأخرى.
- إن كنت مؤمنًا بأن كل ما ذُكِر صحيح، وتبعًا لذلك ينبغي أن أتبنى نظامًا غذائيًّا نباتيًّا أو نظامًا نباتيًّا صرفًا.
- على الرغم من ذلك، فأنا لست نباتيًّا صرفًا أو نباتيًّا.
- هذا يعني أحد الاحتمالين: إما إنني لا أؤمن بصدق الأسباب المذكورة، أو بأنها الصورة الكاملة: أو أنني أؤمن بصدقها، ولكن لسبب ما لم أجدها مقنعة.
إن كنت أريد أن أوضح فكري حول هذه المعضلة يجب أن أبحث في التناقض بين معتقداتي الظاهرة وتصرفاتي.
كيف يمكنك أن تطبق هذه الطريقة بنفسك؟ كما تلاحظ، فالأفكار التي ذكرتها كشفت عن تعقيدات أكثر، وتحول الاستنتاجات التي بدت مباشرة إلى شيء أكثر تعقيدًا، وأكثر دلالة.
للمفارقة، هذا عنصر جوهري لتوضيح فكرك: التخلص من التبسيط المبالغ، مهما يكن مغريًا، والاستعاضة عنه بالقبول الصادق للظروف. ولعل المنطق الذي تقوم عليه حجتي الأولية واضح وضوحًا تامًّا: لكن هذا الوضوح لا يتوافق مع ما أريد إيصاله.
إن الفحص الذاتي والتكرار أمران مهمان، حتى الآن، لدى قراءتي لكلماتي، لست متيقنًا من أنني نجحت في وصف حالة ذهني بشكل دقيق، أو المُعضلات. ولكن هل حقًّا لا توجد طريقة أخلاقية لأكل اللحوم أو استهلاك المنتجات الحيوانية؟ هل ثمة ظلال من المعنى أهملتها في سبيل تكوين تصنيفات واضحة لما هو صحيح وخاطئ؟ أم أكون قد فشلت في فعل ما أؤمن به نتيجة لقصور أو الانغماس الذاتي؟
هذه فقط بضعة من الأسئلة التي تراودني، وخلفها تكمن نقطة أساسية: لا يمكننا أن نزيل طبقات مكونة من العادة، والارتباك، والتبرير الذاتي التي تتسم بها أفكارنا اليومية إلا من خلال التساؤل المتكرر عن ماهية مزاعمنا وسببها، والمزاعم التي تستند عليها.
ما الذي عددته أمرًا مفروغًا منه؟
بناء على أي أساس أُقيم معتقداتي؟ يعوّل البعض على أدلة خارجية والبعض على تفضيلات ذاتية وتجارب آخرين على مزيج من هذه العوامل، ولكن جميعهم في مرحلة ما يحتكمون إلى معتقدات أنا مستعد لقبولها بوصفها أساسيات. إنما التوضيح يستوجب علينا استكشاف وتحليل هذه المعتقدات.
إن الافتراضات هي المفاهيم التي نعدّها أمرًا مفروغًا منه، التي لا نجهر بالكلام عنها، ولكن تفكيرنا يعوّل عليها. إن الافتراضات مهمة للغاية. في الواقع، إن المعتقدات المتبادلة هو ما يجعل التواصل ممكنًا، فأنا أفترض وأنا أكتب هذه الكلمات، بأنها تحمل لكلينا تقريبًا المعنى ذاته، فسيكون من المرهق إن اضطررت إلى شرح كل كلمة في جملة، كما أنه سيكون بالنهاية بلا جدوى. سيتحتم عليّ أن أشرح كلماتي بكلماتٍ أخرى، وأفكاري بأفكارٍ أخرى، وعلى هذا المنوال. دون افتراضات مشتركة، لن يكون الفهم المتبادل أو الجدالات الهادفة ممكنًا.
لعل الفهم المتبادل والجدالات الهادفة يبدوان وكأنهما ضدان، ولكن في الحقيقة هما وجهان لعملة واحدة. مهما نكن متيقنين، يتوجب علينا الإفصاح عن الافتراضات التي تقوم عليها أفكارنا للآخرين. على سبيل المثال، بعض الناس لا يجدون في معاناة الحيوانات أي ضير، وذلك على أساس أن التجربة الإنسانية وحدها المهمة فيما يتعلق بالأخلاق، وآخرون قد يؤمنون بأن النباتية الصرف ليست بحاجة إلى أي تبرير، فيكفي الشر المتمثل في معاناة هذه الكائنات، وثمة من يؤمن -أنتمي إليهم بشكل أولي- بأن أغلب أشكال الزراعة الصناعية وصيد السمك مقيتة، ولكن تحت ظروف معينة يمكن أن يكون استهلاك المنتجات الحيوانية استهلاكًا أخلاقيًّا ومستدامًا.
بعبارة أخرى، افتراضاتنا ليست مجرد أفكار غير مفحوصة، وإنما هي جذور للهوية والانتماء نتاج تاريخنا المشترك والشخصي لمجتمعاتنا وأخلاقنا. ومصدر لأعظم الخيرات والآلام التي نسببها لبعضنا بعضًا. فما نحسبه أمرًا غير قابل للجدل، هو ليس أكثر من قاعدة لما نؤمن.
ماذا يترتب على ذلك؟ أنت بحاجة إلى أن تكون شديد الوضوح فيما يتعلق بالفرق بين ما يتبع من افتراضاتك وبين حالة تلك الافتراضات، لكي توضح تفكيرك. لتعالج الأشياء خطوة خطوة:
- كل فكرة لا بد أن تبدأ بافتراض معين: تلك الأشياء التي تقبلها بشكل ظاهري أو باطني بوصفها حقائق مفروغًا منها. فمهما نبشت؛ لن تتمكن أبدًا من العثور على اعتقاد مطلق وغير قابل للجدل.
- قد تُظهر لك عملية تحليل حريصة نتاج افتراضاتك: ما الذي يتبعها، إن كنت تزعم بأنها صحيحة أو دقيقة.
- ولكن ستقودك تسلسلات مختلفة من المنطق مبنية على مجموعة مختلفة من الافتراضات إلى اتجاهات مختلفة.
- من الطرق النافعة التي بوسعك أن تستعين بها هي التلفظ بكلٍّ من افتراضاتك وافتراضات الآخرين، ومن ثم مقارنة تبعات كل افتراض.
- إن كنت واسع الاطلاع، سيساعدك ذلك على تمييز الافتراضات التي تشاركها مع الآخرين، وتحديد الخاطئة منها في كلا الجانبين، والتفاعل مع وجهات النظر المختلفة عنك بتقدير.
بعبارة أخرى، إن تحديد الآثار المترتبة على افتراضاتك هو أبعد ما يكون عن كونها صحيحة مطلقًا؛ وفهْم هذا الفرق يكمن في التعبير عن آرائك بصدق وبشكل مقنع.
تبَنَّ الحوار – واعرف حدودك
ماذا تستنتج من محاولاتي في توضيح أفكاري عن أكل اللحوم، حتى الآن؟ حتى وإن كنت غير متفق مع أية كلمة كتبتها، فمن المرجح أنك فهمت ما أود إيصاله بالمقارنة مع تفوهي بدون تفكير: أظن أنني بحاجة إلى التوقف عن أكل اللحوم. من المؤكد أنني أشعر بثقة أكبر بشأن ما يدور في ذهني، وهذا يشير إلى أننا إن ناقشنا هذه الأمور وجهًا لوجه، سنتمكن من مجادلة اختلافاتنا على نحو بنّاء، ولعلنا سنتمكن من معرفة أوجه الاختلاف والاتفاق -ولماذا- عوضًا عن الاستناد إلى تأكيدات عامة أو افتراءات، ولعلنا في نهاية المطاف نتوصل إلى فهم واضح سويًّا.
هذا، برأيي، هو أهم شيء فيما يخص تقديم الأفكار التي تدعم وجهات النظر: لا لإثبات صوابك أو صلاحك، وإنما لدفعك إلى المشاركة طوعًا في عملية تبادل أفكار عقلانية. على الأقل من حيث المبدأ، يدل ذلك على استعدادك إلى:
- أن تبرر موقفك بالأدلة والتحليل العقلاني.
- والاستماع إلى وجهات نظر مختلفة والتعلم منها.
- قبول فكرة أنه من المنطقي أن تغير آراءك، عندما تواجه أدلة وجدالات مقنعة.
تدعم هذه المبادرة ما يطلق عليه بمبدأ الإحسان: لعلها جملة قد تبدو غريبة في سياق الخلافات، ولكنه يجسد أحد أقدم الأدلة وأكثرها عملية للجدالات البنّاءة، ومبدأ الإحسان هذا يتجلى في أشكال عدة، كلها يعود إلى الفكرة نفسها.
لذلك عليك قدر الإمكان، أن تستنبط من كلام الآخرين المعاني العقلانية والصادقة، خاصة إن كانوا يختلفون معك.
لا يقتصر مبدأ الإحسان على مفاد كلام الناس وإنما يشمل أيضًا دوافعهم.
ما لم تملك دليلًا قاطعًا لوجهة نظر الآخر، ينبغي عليك البدء بافتراض أن ثمة موقفًا مغايرًا عقلانيًّا وصادقًا، عوضًا عن موقفك الشرير، أو الضال، أو المغلوط.
لماذا؟ في كلتا الحالتين، الإجابة ليست لأن هذا فعل لطيف، ولكن لأنه فقط من خلال التفاسير الخيرية؛ يمكنك التعامل مع وجهات نظر الآخرين، والتأكد من أن أي حكم ستصدره سيكون مبنيًّا على تقييم حذر ومنصف.
وهذا يعود بنا إلى النقطة الأساسية، وهي أن توضيح فكرك يعني أن تكون صادقًا قدر المستطاع عما تجهله، وأن تضع في الحُسبان التفاعل مع هذه الحدود.
في الحقيقة، لعل الأداة الأهم في أي محاولة لتوضيح الفكر هي القدرة على اختبار (والاستمرار في اختبار وتنقية) أفكارك وكأنها لشخص آخر، بعدّها فعل إقناع عقلاني يقيم أو يهدم بناءً حسب ظروفها الخاصة.
نقاط هامة – كيف تفكر بوضوح؟
- توضيح التفكير عملية، -بالضرورة- تدريجية، متكررةـ وليست مثالية، فلا وجود لعبارة واضحة وضوحًا تامًّا.
- يأتي الوضوح نتيجة تحديد أفكارك خطوة بخطوة، على نحو مباشر وظاهر، ومن ثم عليك التوقف قليلًا، ومراجعة النتيجة، والسعي إلى معالجة قصورها.
- في البداية: توقف. فقط من خلال التمهل وتفحص أفكارك بعناية يكون بوسعك أن تشرع في عملية توضيح الأفكار.
- فيمَ تفكر؟ عندما تحسم ما الذي يستحق اهتمامك، حاول أن تجهر بما تؤمن به أو تراه قيّمًا. ويشمل ذلك إعادة بناء تفكيرك العقلاني بشكل منتظم، فقم بتنظيم أفكارك في تسلسل رقمي، مع الحرص على طرح هذا السؤال لكل اعتقاد: لماذا يتعين على شخص عقلاني أن يقبل بهذا؟ وما الذي يتبع (أو لا يتبع) القبول به.
- لا تنخدع بالتبسيطات المبالغ بها، أو بالصياغات المنسقة للمعضلات المعقدة، فمن المهم أن تكون واضحًا فيما يخص التوترات، التناقضات، وأوجه الالتباس التي تتعامل معها. إن معالجة الأفكار المعقدة بوضوح لا يعني الادّعاء بأنها بسيطة.
- كن واضحًا بشأن الافتراضات التي يعوّل عليها تفكيرك العقلاني، فلا بد أن تشمل معتقدات تؤمن بأنها أساسية. وكن على علم بأنه من الممكن أن تقود حجتان قائمتان على افتراضات جوهرية مختلفة إلى استنتاجات مختلفة.
- تعامل بشكل خيري وصارم مع وجهات النظر المختلفة، ولا تفترض عدم الصدق أو سوء النية في الآخرين دون سبب وجيه.
- لتحقيق المثالية، فإن التبادل البنّاء لوجهات النظر يحدث عندما تصرّح بموقف الآخر على نحوٍ مُرْضٍ لهم، ولا تتطرق إلى أوجه الاختلاف قبل القيام بذلك.
لماذا يعد ذلك مهمًّا؟
ماذا يعني أن تجعل هذا من هذا الفعل الذي ذكرته أعلاه عادة؟ وماذا يعني بالنسبة لك تطبيقه بفاعلية في جوانب مختلفة من حياتك؟
من هذا المنطلق تلعب تفضيلاتك الخاصة دورًا فعالًا، وبالنسبة لي، تشتمل الدعائم الخاصة بالتفكير الواضح (بدون ترتيب معين) على أكواب من القهوة، نزهات بلا وجهة في الحي، ومكتب محاط بالكتب المتراكمة وقصاصات الورق، وقراءة ما استطعت إليه سبيلًا في خضم مسؤوليات.
وبالنسبة لك، قد يكون ثمة اختلاف كبير بين ما هو الممكن وما هو المرغوب، ولكن المبدأ هو ذاته: يحتاج كل منا إلى الاهتمام بالأوقات والأماكن والعادات والسياقات التي تُظهر أفضل ما فينا، والتي تفسح لنا المجال للتأمل، ثم محاولة شرح ما يحدث بالفعل عندما يتعلق الأمر بالأسئلة المهمة.
بصياغة أخرى، إن قوة الإرادة مُبالَغ في تقديرها، فمن بين جميع الأفكار التي استخلصتها من العلم الاجتماعي، لعل هذه الفكرة هي أيسرها: ما لم تبحث عن السياقات والروتينات والبيئات التي تعزز أفضل ما لديك، فسوف تعاني من أجل أن تكون تلك الذات في أي وقت عدا الوقت المناسب.
اسْعَ إلى فحص عاداتك ومراجعتها في ضوء هذه الرؤية، ابحث عن سبل للتفكير والعمل مُجْدِية بالنسبة لك، كن قاسيًا قدر الإمكان بشأن تحديد السبل غير المجدية، ولماذا؛ وإلى أي مدى يمكنك الحدّ من الخسائر التي تتبعها، حاول أن تهتم بشكل حيوي ومنهجي بالنقاط العمياء وأوجه القصور. كن صادقًا بشأن ما تفعله وما لا تعرفه، عندما تكون غير متيقن؛ وما نوع المحادثات
والتحقيقات والتنبؤات والاكتشافات التي قد تبدد من شكوكك.
والأهم من كل ذلك، لا تنسى أن تطلب المساعدة عندما تكون بحاجة إليها، وأن تقدم العون ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. عندما يتعلق الأمر بالوضوح والتواصل على حد سواء، ربما يكون هذا هو أبسط وأهم شيء يمكن لأي منا القيام به: الاستمرار في التحدث مع بعضنا بعضًا، وحاول الاستماع إلى ما يقال لك.
