القائمة الرئيسية

السبيل إلى خلق علاقات آمنة

السبيل إلى خلق علاقات آمنة
ملخص المقال

يشرح المقال نظرية التعلق العاطفي التي طورها الطبيب جون بولبي في الخمسينيات، والتي تفيد بأن أسلوب تعلقنا بالآخرين يتشكل في الطفولة بناءً على علاقتنا بمقدمي الرعاية، ويستمر في التأثير على علاقاتنا في مرحلة الرشد بما فيها العلاقات العاطفية والصداقات والعمل. ويصنف المقال أربعة أنماط للتعلق: الآمن، والقلق (الخائف من الهجران)، والصدود (المتجنب للقرب العاطفي)، والعشوائي (المضطرب المتردد بين القرب والخوف). ويؤكد أن هذه الأنماط ليست قدراً محتوماً، بل يمكن تغييرها من خلال الوعي الذاتي، وفهم نمط تعلق الشريك، وممارسة سلوكيات جديدة في العلاقات، والاستعانة بالعلاج النفسي عند الحاجة، بهدف بناء علاقات أكثر أماناً واستقراراً.

غراهام جونسون، ومات ووتن | ترجمة: هديل الدغيشم

عليك أن تعرف

تعلقك العاطفي بالآخرين، وأسلوبك في التعلق يؤثر تأثيرًا جسيمًا في حياتك. أسقطت بعض الدراسات الضوء على بعض الأشخاص لعقود من الزمان، وتوصلت إلى أن القدرة على خلق علاقات متينة، والتمسك بها لمدى طويل، يعزى إلى شروط محوريّة، لتثمر بهناء طويل المدى. سيعرض لك هذا الدليل كيفية فهم وتغيير أسلوب التعلق لديك، بتوجيهك للأسس الفاعلة لتحسين علاقاتك.    

يتشكل أسلوب التعلق لديك بناءً على جذورها في طفولتك 

نظرية التعلق مبنية على عمل طبيب الأطفال النفسيّ البريطاني جون بولبي وزملائه في عقد الخمسينيّات.   يرى بولبي بأن البشر، كغيرهم من الثدييات، بحاجة ماسّة إلى الحُب والاحتواء من أهليهم أو حاضنيهم، وإن اضمحل أو فتر ذلك الاهتمام، قد يؤدي ذلك إلى مشاكل طويلة المدى، بما فيها الارتباط بالآخرين. وكانت الدراسات المخبرية التالية، منها تجارب (الموقف الغريب) التي أجرتها العالمة النفسية ماري إينسورث، بذرة أفكار الطبيب بولبي. إذ بيّنت أن ردود أفعال الأطفال مختلفة حين إقصائهم عن ذويهم، وفسّرت بأنه يعتمد على أسلوب احتوائهم لهم. 

وتاليًا، تناول الموضوعَ باحثون آخرون، مثل؛ فريق سيندي هيزن وفيليب شافر، وآلان سورفي (الذي تولى دراسة مينيسوتا الطوليّة للمخاطر والتكيّف)، وغطّوه على نطاق أوسع، مبيّنين مدى تأثير تجارب الحياة مبكرةً مع ذوينا، وتشكيلها لترقباتنا شعوريًّا ولا شعوريًّا، وما نأمله من العلاقات على مر حياتنا. بما فيهم الصُحبة، والأسرة، والأقران، والزُملاء، والشركاء العاشقين. وفي النهاية، يشكّل أسلوب تعلقك مدى ثقتك بالآخرين، ما إن كنت تخشى الخذلان أو الهجران، وسواءً أبقيت على بعدك من الآخرين- أو إقصائهم عنك، تجنّبًا للأُلفة.   

وبلا شكّ لا تعلل دراسات التعلق كل ما يخصّ علاقاتنا، ولا يخلو الأمر من منتقدين. على سبيل المثال، لسنا على دراية تامة بالعوامل المؤثرة على أسلوب التعلق، ومن السذاجة، بلا ريب، أن نتغافل عن التأثير الوراثي على الطباع. فلنرَ الأمر بأناة، فممارسة العلاج النفسي، تؤكد بأن نظرية التعلق تعدّ إيجازًا ناجعًا ينيرنا للتحكم بعلاقاتنا وتحسين سلوكاتنا بأساليب تغذّي حياتنا.  

لأسلوبك في التعلق تأثير جلي على علاقاتك مستقبلًا

تأمل في هذه النماذج التي تصوّر أسلوب التعلق، ودوره في ديناميكية العلاقات، تمحّص إن استطعت ربط ذاتك أو أيًّا ممن تعرف في أحدها. 

رافي في منزله، يطهو العشاء، كالعادة، وينتظر عودة شريكته فرانكي من عملها، تأخرتْ لعشر دقائق، وبدأ بالهرولة ذهابًا وإيابًا وتسلل إليه شعور بالقلق، وبهاجس “لم تبلغني بتأخيرها، كان بوسعها إحاطتي برسالة نصيّة.” وخلال دقائق، تبدّل ذلك القلق إلى غضب وامتعاض، “كيف تجرؤ على ذلك؟  كانت على دراية بأنني سأطهو العشاء، لطالما كررت خطيئتها دون أدنى احترام لي، أجزم بأنها لا تعي قلقي عليها.   وليست مهتمة حتى بما يعتريني بسببها.” وحينما وصلت فرانكي إلى المنزل، حلّ شجار حادّ محل العشاء ورسم أيامهما القادمة. 

 توشك ديان على فتح حوار مع شريكها، وعزمت على فض علاقة أخرى. نشأت برحابة؛ محفوفة بالأُنس والمحبة، كما اعتادت، بيد أنها انهارت بعجلة تزامنًا مع مشاعر شريكها الفياضة. لعل المشاعر الفيّاضة والحُب الجامح مقلقة بالنسبة إلى ديان؛ مما يدفعها للفرار. لذا فإن فضّ العلاقة هو الخيار الأوحد بالنسبة إليها، وغمرها هاجس؛ ستظل محرومة من أي علاقة رومانسية وطيدة. وتتساءل: “أهو بسببي؟” “أو أنني لا أجذب إلا أولئك الانفعاليين الاندفاعيين؟”  

أما ديف، فتذكّره رئيسته بوالديه، إذ تبدو حنونة، وتعينه على قضاء حوائجه، ولكن حينما تقيّم أداءه، فإنه، صراحةً، لا يشعر بشيء سوى الانتقاص، والإهانة، والإحراج. ويتساءل ديف، “لمَ يضايقني ذلك؟ فأنا رجل ناضج، وأثق بإتقاني لعملي، وآمل بالتقدم هاهنا، ولكنني في موقف حرج؛ أشعر ببغض تجاه رئيستي، وبدأت ثقتي بنفسي بالتدهور.” قد حصل ذلك مرارًا وبدأ ديف يتساءل ما إنْ كان سيدرك قدراته يوما ما.   

سيعلو، على الأقل، صدى إحدى هذه النماذج الثلاثة، إما لإحساسك بما يماثلها، أو لتصويرها مواقف مشابهة بينك وبين من تعرف أو تحب. تبيّن تلك النماذج مدى تأثير صور أساليب التعلق على العلاقات، وما تؤديه من دور فيها بشتى أنواعها؛ علاقات الأحبة، والصحبة، والذرية، والزملاء، وحتى رؤساء العمل.  

وتُشير نظرية التعلق، قطعيًا، إلى أنك ستُبقي على القيود بعلاقاتك الحالية بناءً على عادات وسمات اكتسبتها في صِباك من أوليائك الأولين، إلا إنْ استوعبت ذلك واجتهدت على تحوير أسلوبك في التعلق. على سبيل المثال، لعلك تتكل على من تعاشر وتتشبث به، وتتعطش لاهتمام والديك لتشعر بالأمان، ويبدو بأن تلك المشاعر غُرست بتلقيك لتلك المعاملة منذ الصغر. ومن الطيّب بأنْك بتغيير سلوكك في علاقاتك، وخلق جوّ من السكون حينما يحيطك همّ أو غمّ، ستتمكن من تغيير أسلوب تعلقك، وتحسّن علاقاتك، لتعيش حياة حَييّة. سنستعرض أدناه خطوات توجهك لكشف أسلوبك في التعلق، والسبيل إلى تغييره، إنْ وودت.  

أي سلوك تسلك

تعرّف أسلوبك الحاليّ في التعلق

تمييزك لأسلوبك في التعلق أولى الأولويات لتفسّر سلوكاتك في العلاقات. جرب إجراء اختبار مجاني عبر الإنترنت، كالمُستخدم في بحث التعلق. وأسهل من ذلك، تأمل في الجمل المرصوفة أدناه، واستشعر أيّ منها يصفك وصفًا بليغًا: 

أ. يسهل عليّ التقرب للآخرين عاطفيًا.

ب. أرغب بالمؤانسة والموّدة الأكيدة بيني وبين من حولي، إلا أنني ألحظهم مرارًا ينفرون من تلك المودة، ويرهقني المضي دون علاقات وثيقة.   

ج. أظل مرتاحًا في حياتي دون علاقات متينة، إذ يهمني أن أكون مستقلًا، ولا أحبذ الاتكال على الآخرين. 

د. التقرب من الآخرين يغمرني همًّا وغمًّا، لا أزعم نفوري من تلك العلاقات، لكن الثقة بالآخرين مشوِّشة ومُريعة. 

تتسق كل عبارة من تلك العبارات مع أحد أساليب التعلق الأربع التي أقرّ بها علماء النفس. يوحي اختيارك للأساليب بما يأتي؛ (أ) الأمان؛ (ب) القلق، (ج) الانطوائية، (د) الفوضويّة. سنفسّر ما تعنيه تلك المصطلحات، لكن قبيل ذلك، نوصيك بألا تلقي لومًا حادًّا أو تطلق حكمًا مجحفًا على ذاتك قدر المستطاع، بسبب أسلوبك في التعلق (فحقيقة، لم تكن مصطلحات الأساليب المختلفة، المتأصلة في بحث التعلق، موفقة تمامًا في هذا السياق). ولن يسعفك ذلك لتحسّن أو تعدّل حسبما تأمل في حياتك، إن كنت ترى أسلوبك في التعلق جلفًا واهنًا قطعًا. وتذكّر بأنها جميعها حصاد تتلقاه من ظروف معيّنة. إن كنت ذا أسلوب متزعزع، فإنك بذلت جهودك، ولأسلوبك ذاك محاسن كما له مساوئ، حتى لو كنت مستميتًا لتغييره،

وتذكّر بأنه ليس مصيرك المحتوم. استنتجت العديد من الدراسات ارتباطًا معتدلًا بين سلوك التعلق للمرء من ولادته وحتى كهولته. وليس بأمر صاعق؛ فالكثير من العوامل تؤدي دورًا رئيسًا في علاقاتنا وآمالنا حولها، وفي سلوكاتنا، بما فيها الطباع الوراثية، ولن تنثني تلك العوامل بمجرد تجاوز مرحلة الطفولة. يشجعّنا مدربونا، ومعلمونا، ورفاقنا، ويؤثرون فينا لتغيير توقعاتنا وآمالنا عن التعلق، ويمكن أن نتعلم الثقة العميقة بالآخرين، والاتكاء على علاقات سويّة وآمنة مع مختلف الفئات أقران وراشدين. تُعدّ إذن علاقاتنا، أولى سنواتنا، عنصرًا رئيسًا لتشكيل علاقاتنا بعد الرُشد، ولكنها ليست العامل الوحيد. في ذلك إذن بصيص من الأمل؛ إن انتقينا من نحفّ أنفسنا به (أو إن توفقنا بالعثور عليهم) باستطاعتنا التعويض عما أثر علينا سلبًا في صغرنا. 

لنفهم أساليب التعلق الأربعة 

عندما تدرك نظرية التعلق، ستجد منبرًا تفهم من خلاله طبعك في العلاقات، وتفهم من تحتاط لأمره، وربما: لمَ تُكرر زلّاتك، ولمَ يتخلَّ عنك الآخرون وتتخلى عنهم كذلك، ولم تخسر وظيفتك مرارًا، أو تخسر عرضًا ترويجيًا، وكيف تعالج كل هذا. تكمن الحيلة الأولى في استيعابك بأنك غالبًا ما تتوهم بأن الآخرين يعاملوك، كما عامَلكَ من في ماضيك. 

إن وُفقت بأسلوب تعلّق آمن، فإن حاضنيك غالبًا ما كانوا “بحنان سخيّ” (المصطلح الذي اختاره المحلل النفسي دونالد وينيكات وأطلقه على الأمهات الحنونات المُرهفات) وتظن بأنك ستتمتع بعلاقات طّيبة طيلة عمرك. بيد أن أساليب التعلق الثلاث المذكورة ليست آمنة، وقد تؤدي إلى معضلات في خلق علاقات طيّبة والحفاظ عليها.

غالبًا ما يكون أسلوب التعلق القلِق (أحيانًا ما يُدعى بـ “الانشغال” أو “التعارض”) ناجمًا عن الأبوَّة المتناقضة أو التطفلية، أو ضبابيّة الحدود بين الوالد/ الحاضن وبين الطفل، على سبيل المثال، بتعريض الطفل لظروف ومشاعر غير ملائمة في سنّ يافع. إن يكن هذا أسلوبك في التعلق، فإنك على الأرجح، في شبابك، ستقدّر الانسجام والأُلفة، ولكن ستشعر بوسواس بأن خيبة تغمر الآخرين بسببك، أو بنبذك، وقد تظن بأنْ شرَّ الظروف تحفُُّ العلاقة، ولعلك تلحظ نفسك عُرضة للغيرة، ولسلوك التشبّث والاتكالية، نتيجة لذلك. أو قد تستحب الانسحاب واللجوء إلى السلوك العدواني السلبي، كأنْ تبدي للآخرين “تعاملًا صامتًا.”  

أسلوب التعلق الصدوديّ (أحيانًا يُسمّى “صدًّا جلفًا” أو “صدًّا موحشًا” مبني على السلوكات المتصاحبة) مقترن بنبذ الحاضن لعواطف الطفل، مرارًا وتكرارًا. إن كانت تجربتك مشابهة، فإنك، بصفتك راشدًا، قد تحاول دائمًا أن تتغلب على معضلاتك بنفسك. من المحتمل أن تنفي عوزك لأي علاقات، أو، إن كنت ذا علاقات، فسيتعسّر عليك التقرب العاطفي، أو تقدير نظرات شريكك. لعلك لا تستحب إلقاء بال لمشاعر الآخرين، وتزعم بأنك لا تواجه مشاكل في ذلك. 

وآخر أسلوب للتعلق هو الأسلوب العشوائي (يسمى أحيانًا بالأسلوب المشوَّش) وغالبًا ما يكون فخًا يقع فيه المرء ويستجيب له، مشتتًا ما بين تشبّث وتزعزع، يكون الحاضن (والأصدقاء أو الأهل مستقبلًا) منبعًا للطمأنينة، ولكن غالبًا أساس الوعيد. وُيربط هذا الأسلوب بتنمر وإهمال حقيقي تعرّض له في طفولته. إن سبق وصارعت ظروفًا مشابهة، فأقرب تفسير أنك تعاني الآن بسبب ضعف ثقتك بنفسك، وباتت علاقاتك اللاحقة عصيّة عسرة، نظرًا للمشاعر الصعبة التي مررت بها.  

تبيَّنْ أسلوب التعلق لأحبائك

 التعلق هو جوهريًا علم العلاقة. لا ريب بأننا نأمل التعرف على ذواتنا، ونتوق كذلك إلى التأثير على أحبتنا، ليحفّ الأمانُ علاقاتنا. إذن، حينما تشعر بأنك فهمت طباعك الشخصية في التعلق، ألق نظرة على من حولك، لتفهم دافع سلوكهم في علاقاتهم الحميمة. 

إن كان مرءًا تتسم شخصيته باتكالية وتمسّك، فربما يكون ذا تعلق قلق، وعلى العكس، إن كان متحفظًا أو مقصيًّا، سيكون ذا أسلوب تعلق صدوديّ. لهذه الاختلافات دورها البيِّن في عديد من المواقف اليومية، فصاحب الأسلوب القلق سينزعج أو يقلق حيال تأخير شريكه لخمس دقائق (ربما خوفًا من التخلي)، تأمل في موقف رافي، المذكور آنفًا. وعلى النقيض، فإن ذا الأسلوب الصدوديّ غالبًا ما يتوهم: “من يكترث لتأخري لخمس دقائق؟ ولمَ يتكرر ذلك مرارًا؟” لا شك بأن هذا أسلوب سائد في العلاقات، فالاقتران القلق/ الصدوديّ، حيثما يخطو أحدهما إلى الآخر يبيّن اهتمامه، ولكن قنوط الآخر ينبذه ويصرفه، بدلًا من التصالح وإبداء كل منهما لما في خاطره. ديان، في النماذج الآنفة، ذات أسلوب صدوديّ، تتجنب الآخرين بمجرد اختناقها من ملاصقة شريكها. وفي ذلك، لديف سمات أسلوب عشوائي، خصوصًا لافتقاره البيّنْ للثقة، وبغضه لرئيسه.   

إن كنتما، أنت وشريكك، لم تفهما بعضكما وأسلوبيكما في التعلق، فلا ريب بأن الشجار وسلوكات السخط ستتكرر. إن يممتَ لشريكك، فإنك تحاول حقيقة فهم سبب ضجره، دون القفز عجالةً إلى الاعتذار، يتطلب ذلك سعيًا وراء فهمه، والنظر إلى العالم من منظوره. يمكنك الإقدام على ذلك من بعيد؛ بذهنك، أو لعلك تبيّنه بأسلوب فاعليّ بأنْ تبدي اهتمامك وفضولك بما دفعه للإقدام على ذلك السلوك. أي شعور يغمره حينما تشتاط غضبًا عليه؟ وماذا يوحي بالنسبة إليه حينما تعجز عن إظهار اهتمامك الفعلي بما يغمره من شعور؟ ولمَ يهتمّ ويغتمّ إن لم تبقَ العلاقة الخاصة كما كانت عليه؟ نعم، فللمهجع نصيبه من أسلوب التعلق وآماله كذلك. 

سيقدم لك ذلك المعلومات التي تعوزك لتُغيّر سلوكاتك، في سبيل تلبية مزيد من رغبات شريك حياتك. على سبيل المثال؛ إن كان شريكك ذا شخصية قلقة، وأنت ذا شخصية صدوديّة، فمن المستحسن الاعتراف بذلك، بدلًا من أن يكون متعلقًا ومتشبثًا فحسب، يبيّن إليك من خلال سلوكه في التعلق، ليبدي بأنه يأمل مزيدًا من الاهتمام والودّ، وربما يتجذّر خوفٌ من الهجران قد استشعره وغمره في طفولته.    ربما لا تكون محتاجًا للتوطين عند فقد اتصاله وتواصله للحظة، بينما قد يشعر بوحشة ورهبة جراء انقطاع ذلك التواصل. جرب أن تتعاطف وتتفهم سلوك التعلق للآخرين، وحينها ستنعم بقضاء حوائجهم، وتجد سبيلًا لمشاركة حوائجك ليمدوا لك يد العون لقضائها.

يفتقر أولئك الشركاء ذوو التعلق العشوائي إلى نهج متين لاستمرارية علاقاتهم، فهم يشتهون تبادل الحُب، بيد أنهم متخوّفون من الاقتراب لأي مرء، فتجربتهم زرعت ذلك الخوف في قلوبهم، وغَمَرهم وَهْمٌ بأن أقرب الأقربين سيزيدونهم ألمًا بقسوة وجلافة. ندرك تعطّش أولئك الشركاء إلى العلاقات، رغم خوفهم منها، ولكن يحثك ذلك على التجاوز عن زللهم وتقلّبهم، وسلوكهم الجلف، رغم كونه ظاهريًا أشبه بنفور منك، ولعلهم يميلون إلى الإعراض مبدئيًّا، إذ يعتقدون بأن كل أسى وألم ناجم، حتمًا، عن تقرّب العلاقات، ولكن عليك مصاحبتهم، ومواجهة ذلك الوهم بإصرار، وبثّ شعور الطمأنينة ضمنيًا وعلنيًا. تُثبت لهم ذلك بتكراره مرارًا، إلى استشعار الفكرة، فتغمرهم الثقة بك، وبسلامك ووفائك دون صدّ أو صدود، وحتمًا بتقدير حاجاتك وحدودك.

اسعَ لتُبدّل أسلوبك في التعلق. 

تُبيّن أبحاث علوم الأعصاب بأن الدماغ البشري طيّع وقادر على التكيّف مدى الحياة، حتى سن الشيخوخة، ذلك صحيح لا ريب، فالشبكات الدماغية الكامنة خلف مقدرتنا على ضبط عواطفنا، ترتبط مباشرة بأسلوب التعلق. 

إذن، إن كنت تُجاهد لتغيّر وتُحسّن في علاقاتك، ولكنك ترتكب الزلل نفسه، توقف للحظة وتأمل في النقطة الأساسية، بمقدورك أن تتهذّب، وتتحكم بمشاعرك تحكمًا مغايرًا؛ وأن تُغيّر أسلوبك في التعلق؛ وتحوّر توقعاتك بشأن العلاقات. وكما ذكرنا آنفًا، يظل أسلوب التعلق قابلًا للتغير، فهو ليس بِقَدَر، ويتسنى لك تغييره، إن أحببت. 

نطرح هاهنا مزيدًا من القواعد التي قد تسهم في ذلك: 

  • حاول استكشاف منهجك في العلاقات وما يصاحبها، لعلك لست محتاجًا إلى توطين بالغ في علاقة ما، ربما لأنك تميل للصدود حاليًا. لا يخفى عليكما حب بعضكما بعضًا، فلمَ ترداد ذلك؟ ولكن ربما يكون بحاجة لتوطين وطمأنينة أكثر، وشهدتَ بأن ذلك التفاوت أساس النزاع، لذا بدلًا من إقصائه ووصفه بالعوز، فكر للحظة عن سبب ذلك الشعور- حسب منظور التعلق- ربما يحتاج لمزيد من الاهتمام، وتحكّم بتصرفاتك بناء على ذلك. وبمرور الزمان، قد يعينك ذلك لتكون أقل صدودًا، ولتوطّد علاقتكما.  
  • اتحدا لتحسين أسلوبك في التعلق، فإنْ كنت ذا شخصية قلقة، انشده صبرًا وحلمًا، واقطع عهدًا بأن تخفف من ذلك القلق. إن تفهّم شريكك الأمر، وأدرك قلقك، لعل ذلك سيسهم باستيعابه أن التوطين والتأكيد على حبك لن يكون مجديًا، بل إن السبيل للشعور بالأمان ينمو بذرة بذرة. وعلى صعيد آخر، إن كنت ذا شخصية صدوديّة، فلعل شريكك سيعينك بمنحك مساحة عند الحاجة، بل بدعوتك بلطف إلى لقاء ذي أُلفة (وجبة عشاء رومانسية، حوارات قيّمة، وغيرها). ويمكن أن يمدّ لك الآخرون يد العون، لتواجه نفسك وتسلك سلوكًا آخر، وتبعًا لذلك تكتسب خبرات جديدة. 
  • استمر في ممارسة أساليب مختلفة للاندماج مع الآخرين، وإن كنت تُعاني من أسلوب تعلق قلق، حاول أن تكون صريحًا وصادقًا مع الآخرين، حتى لو بدا صعبًا بالنسبة إليك. وإن استعصى عليك الهدوء والسكون دون استعانة بالآخرين، فهناك سُبل عدة ستُعينك للتحكم بأي مشاعر حادّة ثائرة. وإن كنت ذي شخصية صدوديّة ويتعسّر عليك التواصل مع الآخرين، فجرب مواجهة نفسك لتكون حاضرًا في أثناء الجدالات، واسعَ لتفهم وجهة نظر الآخر المضادة، عوضًا عن النفور. جميعها ليست بيسيرة، ولكنك، مع مرور الوقت، ستبصر الاختلاف في تصرفك ويتسلل إليك شعور بالأمان. 
  • ابتدع حلقة فاضلة، بالتعاون مع شريك حياتك/ أصدقائك). لتكن كلآتي: (أ): انتبه عندما تنتكس تصرفاتك تلقائيًا، لتبيّن احتياجًا أو صدودًا. (ب) تمهل في ردودك، (ج) أبدع شيئًا مغايرًا، (د) تبيّن النتاج؛ وإن كان مُثمرًا، (هـ) فاستعن بما تعلمته مستقبلًا في مواقف مختلفة.  

باستطاعتك الاستعانة بهذه الأساليب لتُحسّن أسلوبك في التعلق من العلاقات الرومانسية وحتى علاقات الأصدقاء، والأُسرة، والعمل. على سبيل المثال، لنفرض بأن رئيسك في العمل يرجو منك تحسين مهمة ما، ولكنك تستاء بسبب انتقاده (مثلما ذكرنا آنفًا في موقف ديف، حينما أتى رئيسه على ذكر والديه). إدراكك بأن نقد الآخرين يقلقك ويريبك، وبأن ذلك الخوف مبنيّ على تجارب آنفة بنقد والديك، يعززك لتتجنب تكرار سلوكات الماضي. استرد أنفاسك الآن، وحاول السيطرة على ردة فعلك وسخطك، لئلا يتكرر الماضي (وبذلك ترسم الحلقة الفاضلة المذكورة أعلاه.)  

أخيرًا، تذكّر بأنها مَهمّة مؤبّدة. ترقب “التجارب التقويمية” واستغل فُرص تعلمك دائمًا، وحاول الاتكاء عليها، ولا ريب بأنك لن تبلغها تامّة كل آن، ستتخبط بين مشاعر من الغضب، والتشبّث والاتكاليّة، والاهتياج، والسفاهة مرارًا وتكرارًا، لنا من ذلك نصيب. تمهّل قليلًا واسترح، لن تشهد التحسّن بين ليلة وضُحاها، فنحن جميعًا بشر، لذا نميل إلى عادات وسلوكات مشابهة، ولكننا قادرون أيضًا على التعلم والتكيّف. كلاعب التنس يتدرب على الضربة القفوية، فإن وددت إحراز أعلى المكاسب، وبلوغ أفضل المراتب، عليك التركيز على أعظم ما يستعصي عليك. كل التوفيق!

النقاط الرئيسة- السبيل إلى علاقة حميمة

  1.  لأسلوبك في التعلق جذوره في أثناء طفولتك؛ بيّنت نظرية التعلق الناشئة في الخمسينيّات بإشراف طبيب الأطفال النفسي جون بولبي، بأن الحُب والحنان حاجة مُلحّة في أثناء الطفولة. 
  2.  يؤدي أسلوبك في التعلق دورًا في علاقاتك بعد رُشدك؛ تجارب الحياة في ريعانها مع حاضنيك يرسم توقعاتك– عن وعي وغير وعي– عما ترقبه من العلاقات على مر سنين حياتك. 
  3.  حدد أسلوبك الحالي في التعلق؛ يسهم ذلك في فهمك لتصرفك وسلوكك في العلاقات. تجد على الإنترنت اختبارات تجريها مجانًا، بما فيها اختبار قصير في هذا الدليل. 
  4.  اسع لفهم أساليب التعلق الأربعة؛ هناك أسلوب تعلق آمن، وهناك ثلاثة خطرة؛ تشمل القلق، والصدود، والعشوائية. لُبّها يكمن في تصوّرك غالبًا بأن تُعامل في حاضرك كما عوملت في ماضيك. 
  5.  فتّش عن أسلوب التعلق لأحبابك؛ إن استعصى عليك وقرينك فهم أساليبكما في التعلق، فمن المرجح أن تتكرر الخلافات والشجارات. 
  6. ثابر لتحسّن أسلوبك في التعلق؛ إن رغبت بذلك، فهناك سبلً تحقق بسلكها ما تأمله، ولا يقتصر على العلاقات الرومانسية فحسب، بل يشمل علاقاتك برفاقك، وأسرتك، وزملائك. ويعد فهمك لأسلوبك وتصرفاتك ركيزة أساسية، تفهمها وتنمّقها. 

–

العمل على أسلوبك في التعلق علاجيًا 

إن كنت تحرص على فهم أسلوبك في التعلق وتعالجه، بيد أنك بحاجة إلى مزيد من التحفيز بإمكانك الاستعانة بمعالج متخصص. الأدلة الإرشادية مثل (علم النفس اليوم) في الولايات المتحدة أو (بخير) في المملكة المتحدة، تتيح لك التنقيب تنقيبًا علاجيًّا؛ بالاستعانة بمُعالج ذي تجربة تعلق سابقة (نوصيك بانتقاء طبيب نفسيّ ذي خبرة بالدليل النفسيّ السابق).  

كلانا مُعالج ذاته، ونعتمد دائمًا على نظرية التعلق في أثناء التطبّب. تدرب أحدنا في المؤسسة البريطانية الرائدة للعلاج القائم على التعلق، مركز بولباي، والآخر رئيسها حاليًا. نرى بأن مفهوم التعلق كان مُجديًا لتشجيع المراجعين لإعادة النظر في سلوكٍ يتبعونه لأجَلِّ علاقاتهم. وللإحاطة لا نشير هنا إلى علاج مخالف أو متهاون للتعلق، قد يؤدي إلى تقييد الأطفال ورغباتهم، أملًا في انقيادهم. بل إن الاعتماد على العلاج المدروس للتعلق، يمكن أن يساندك مُعالج لتُبدّلَ تعلقًا خطرًا، بآخر شَرِح آمِن، استعانة بالمبادئ الأساسية الآتية، مبنية على أكثر من ٥٠ عامًا من الأدلة التجريبية: 

  • يعزز أملك وتنبؤك بفاعلية العلاج؛ غالبًا ما يكون العلاج مجديًا مع العديد من الناس، لمعضلات عديدة، ليخفف من شعور القلق.
  • يكوّن علاقة عملية حميمة معك؛ يسهم ذلك في بث شعور الأمان في التعلق بعلاقة سالمة. 
  • يعينك على إدراك أسباب معضلاتك في التعلق؛ بالنظر إلى الماضي لإيجاد البذرة، أو إلى التمحيص في الحاضر لرؤية التفاصيل كما هي.
  • تشجيعك للإقدام على “تجارب تقويمية”؛ تشجيعك وتحفيزك لتغيّر تصرفاتك، لتتعلم ما يبدو جديدًا أو مُباغتًا، خصوصًا فيما يشقّ عليك مواجهته.  
  • المواظبة على أداء اختبار الواقع: يعزز لك ابتداع الحلقة الفاضلة آنفة الذكر! 

لنلق نظرة على مثال بسيط لتجربة تقويمية في أثناء العلاج: لنفرض بأنك تأخرت خمس دقائق عن جلستك، يغمرك قلق وتوتر حينها، وحرج وأسف غامر لشَغلك وقت مُعالجك. قد يشير ذلك إلى أسلوب تعلق قلق، مبنيّ على خشيتك من الطرد، وتجنّبًا للنزاع، وأملًا في مودة الآخرين. لعل مُعالجك يُبدي شفقته بأُلفة ولُطف، ويهتم بدافع أسفك، وتصوّرك لاندفاعه لزجرك وإبداء استيائه. يُدرك بأن ذلك صورة لتجربة ماضية، لذا سيشدّ المُعالج من أزرك للتأمل فيها والتساؤل عنها. وربما يبحر معك بما يستشعره معك (توجسًا لأجلك، وقلقًا لاضطرابك). وعمومًا، سيهبك تجربة مغايرة، بصحبة امرئ يراعيك ويبدي اهتمامه بك. 

ولعل الإرشادات الزوجية غاية في الفاعلية للشريكين، لاستكشاف كل واحد وآماله في التعلق، ولتحسينها وتقديمها بحُلة جديدة، للاستجابة لمواقف التعلق الخطرة سوية. يسهم علاج الشريكين الفاعل في فهمك نقطة الخطر والاجتهاد سعيًا لفهم ما يتخفى وراء تلك الخصومات عن كؤوس القهوة، وغسالات الأواني، ورعاية الأطفال، وسبيل بلوغ حوارات سويّة عمّا يجري واقعًا.  

وأخيرًا، من الضروري الإشارة إلى أن العلاج الحواري لا يكون وافيًا، وخصوصًا في آخر درجات التعلق الخطرة، والتعلق العشوائي. وإن شعرت بأن أسلوبك في التعلق يودي بك إلى معضلات عصيبة مستمرة لم تستطع معالجتها بنفسك، أو بمساعدة من حولك، لعلك تستشير الطبيب العام (أو طبيب الرعاية الأولية) بوصف أدوية قد تسهم في تخفيف بعض الصعوبات الناجمة عن التوتر والتقلبات المزاجية (واطّلع على الدليل الإرشادي لسايك، قبل تناول مضادات الاكتئاب). وأخيرًا، العديد من أشكال التشجيع والتعزيز تتردد هنا وهناك، وباستطاعتك تعلُم سبل مختلفة؛ فاعلة وواقعية للاتصال بالآخرين. 

المصدر

مقالات ذات صلة