القائمة الرئيسية

ينبع الإحساس بالذات من الرئتين والقلب والأمعاء

ينبع الإحساس بالذات من الرئتين والقلب والأمعاء
ملخص المقال

يرى المقال أن الإحساس بالذات والوعي بالنفس لا ينبع فقط من التفكير العقلي، بل يتجذر بعمق في إشارات الجسد الداخلية مثل نبض القلب والتنفس ونشاط الأمعاء، مستندًا إلى رؤى قديمة مثل ما طرحه ويليام جيمس في كتابه The Principles of Psychology، وإلى أبحاث حديثة تُظهر أن تزامن الدماغ مع الإشارات الحشوية يساهم في شعورنا المستمر بأننا الشخص نفسه عبر الزمن. وتعرض الدراسات كيف ترتبط استجابات الدماغ لنبض القلب بأفكارنا عن أنفسنا، وكيف يعزز التنفس المتزامن الشعور بامتلاك الجسد، كما تكشف تجارب باستخدام “العقاقير الذكية” أن زيادة نشاط الجهاز الهضمي ترتبط بزيادة الوعي الذاتي الجسدي. وتشير هذه النتائج إلى أن اختلال الإشارات الداخلية قد يفسر حالات مثل اضطرابات الأكل وتبدد الشخصية، وتدعو إلى تجاوز الثنائية التقليدية بين العقل والجسد نحو فهم متكامل يرى أن هويتنا متجذرة في التجربة الجسدية الداخلية، وأن استعادة الانتباه لهذه الإشارات قد تعمّق فهمنا لذواتنا.

ترجمة: إبراهيم الكلثم

تذكّر آخر لحظة شعرت بها أنك صادق مع نفسك. كيف شعرت بصدقك؟ قد تجيب وتقول إنك اتبعت إحساسك الداخلي أو قلبك، ولكنك لن تقول إنك فكرت تفكيرًا عقلانيًا. قد تدّعي أيضًا أن تعابير الإحساس الداخلي أو القلب ما هي إلا أدب شعبي قديم، أي أن تعبيرنا بالإحساس الداخلي مع ذواتنا يعد تعبيرًا شعريًا وليس علميًا. ولكن تشير الأدلة العلمية الحديثة إلى أن إدراك هويتك وكونك واعياً بذاتك يعتمد على العمليات التي تجري في دماغك وعلى ما يحدث عميقًا في أحشائك.

قد توجد الآن في مكان أو مزاج أو موقف مختلف تمامًا عما كنت عليه قبل 20 ثانية أو 20 عامًا، ومع ذلك تشعر أنك الشخص نفسه. وقد كتب ويليام جيمس في كتاب مبادئ علم النفس (1890The Principles of Psychology)، يعود سبب شعورك بذاتك إلى عيشك في جسدك القديم نفسه الذي يزودك بالدفء والحميمية. وتستلزم كل التجارب الواعية وعيًا ذاتيًا دقيقًا بالجسد، باستثناء الأحلام والحالات الذهنية المتغيرة. ولكن من أين نستلهم الإدراك؟ لا ينبع هذا الشعور من المظهر الخارجي للجسم فحسب، فقد تقضي وقتًا طويلًا وتنفق أموالًا طائلة لتغيير مظهرك، ولكنك لن تشعر بأنك شخص مختلف مهما حاول مصففو الشعر والمصممون إقناعك بخلاف ذلك. فيجب أن ينبع أساس ذاتك المستقرة من مصدر أكثر ثباتًا واستقرارًا. وتعد أعضاء جسدك الداخلية أحد هذه المصادر، فجسدك لا يتأثر بالعوامل الخارجية فحسب، بل بالعوامل الداخلية أيضًا.

تمر الأعضاء الداخلية بدورات فسيولوجية ثابتة ومتوقعة، حيث تتكرر نبضات القلب والأنفاس وانقباضات الأمعاء تكرارًا منتظمًا. وتسهم تلك التكرارات في تدفئة الجسم وتغذيته، ويعرف التوازن الفسيولوجي باسم الاتزان البدني. وتتضمن كل دورة من هذه الدورات أعصابًا محيطية وخاصة العصب المبهم، حيث يرسل إشارات كيميائية وكهربائية إلى الجهاز العصبي المركزي. فيتزامن نشاط مناطق معينة من الجهاز العصبي المركزي مع تقلبات القلب والجهاز التنفسي والمعدة. وفي حين أن انطباعات البيئة الخارجية الحسية تختلف من لحظة إلى أخرى وتتلاشى، فإن اقتران الدماغ والأعضاء الداخلية يعد سمةً دائمة لعلم وظائف الأعضاء. فقد تغمض عينيك أو تغطي أذنيك أو تمسك أنفك أو تغلق فمك، لكن لن تستطيع أن تتخلص من أمعائك. وقد يتغير كل شيء من حولك، لكن ستبقى أعضاؤك الداخلية موجودة دائمًا لترسل إشارات إلى دماغك وتعزف موسيقاها في الحياة العظيمة. ومن الجدير بالذكر أنك لن تكتفي عن تلقي المعلومات حول أعضائك الداخلية، فجسمك كمنزل يحتويك من بداية اليوم حتى نهايته. لذلك تعد الأعضاء الداخلية المرشح الرئيس لبناء ذاتك وصونها عبر الزمن.

بدأ الباحثون في العقد الماضي بإجراء تجارب لإثبات هذه الفرضية بالبحث العملي. وعلى سبيل المثال، ركز فريق من جامعة École Normale Supérieure-PSL البحثية في باريس على العوامل التي قد تزيد نبضات القلب (HEPs)، وتعد إشارات كهربائية ناجمة عن الدماغ عندما ينبض القلب. وإذا كان للقلب دور في الوعي الذاتي، فإن شدة هذه الاستجابات العصبية لنبضات القلب يجب أن تتباين مع احتمال أن يفكر المرء في نفسه. فسمحوا للمشاركين أن يشردوا بأذهانهم ويفكروا على راحتهم مع مراقبة نبضات قلبهم في الوقت نفسه، زيادة على وجود إشارة بصرية تحفز المشاركين على الانتباه والإبلاغ عن مدى تفكيرهم بأنفسهم. وجد الباحثون أن فرصة أن يكون لدى أحد المشاركين فكرة نشطة من منظور الشخص المتكلم، مثل قول: “يجب أن أذهب إلى الجزار” تتباين مع زيادة شدة الاستجابات العصبية لنبضات القلب في جزء من القشرة الدماغية المعروفة باسم الطلل البطني. في حين أن فرصة تفكير المشارك في نفسه حينما يقول على سبيل المثال: “أنا جائع” كانت متوافقة مع استجابات عصبية أكثر شدة لنبضات القلب في قشرة الفص الجبهي. وقد أثبت الباحثون صحة الاعتقاد المرفوض الذي يربط القلب بالذات.

يعد التنفس أيضًا مصدرًا آخر يربطنا بذواتنا، حيث يمثل التركيز على التنفس ركيزة أساسية للعديد من أساليب اليقظة الذهنية والتأمل التي تهدف إلى تنمية الوعي الذاتي. ومع ذلك فإن الأدلة العلمية التي تدعم علاقة التنفس والوعي الذاتي نادرة. فقد قمنا باختبار إمكانية توهم التجسيد بناء على التنفس، وبما نسميه “”embreathment . وطلبنا من المشاركين بتلك التجربة ارتداء سماعة رأس للواقع الافتراضي مع جهاز استشعار يتتبع أنفاسهم ويرسمها على نسخة افتراضية من أجسادهم في الوقت نفسه. وعندما ظهر الجسد الافتراضي يتنفس بالتزامن مع أجسادهم الحقيقية، قال المشاركون إنهم شعروا أن الجسد الافتراضي جسدهم الحقيقي ويتحكمون في حركاته. وحينما عكسنا أنماط التنفس حيث إن صورة الجسد الافتراضي تَستنشق حينما يزفر المشاركون، تضاءلت مشاعر الوعي الذاتي الجسدي إلى حد كبير. وتشير هذه النتائج إلى أن التنفس يساعدنا على الشعور بأن أجسادنا تنتمي إلينا. كما أنها تسلط الضوء على سبب نجاح المتأملين في إدراكهم لذواتهم.

وقد نفترض أن أمعاءنا تساهم أيضًا في إحساسنا بذاتنا، حيث إن المشاعر العميقة تظهر شخصياتنا الحقيقة وتكشف عن أعمق مخاوفنا ورغباتنا. ولكن يصعب تتبع المعدة والأمعاء ولا يعد تتبعها سهلًا كمراقبة القلب أو الرئتين، حيث تقع الأمعاء في أعماق الجسم ولها بنية ملتوية ومطوية. ويعد ترتيب الأقطاب الكهربائية على البطن لتسجيل مخطط كهربية المعدة حلًا جزئيًا يعادل مخطط كهربية القلب، ولكنه يقيس انقباضات المعدة بدلًا من نبضات القلب. استخدم فريق من الباحثين المقيمين في فرنسا وسويسرا هذا النهج لإثبات أن الشخص يبذل طاقة في مناطق محددة من الدماغ حتى في أثناء راحته. ويمكن التنبؤ بارتفاع وانخفاض نشاط الدماغ بعد كل انقباض في المعدة. ويشير هذا إلى وجود قناة معوية تراقب مناطق الدماغ في حالة الراحة. ومع ذلك يجب أن نتأكد مما إذا كانت هذه القناة تؤثر في الوعي الذاتي الجسدي كما توقع الباحثون أو أنها وسيلة للحفاظ على التوازن من خلال تنظيم تناول الطعام. ولا يعد تخطيط كهربية المعدة الخيار الأفضل لقياس نشاط الأمعاء ولا لقياس مؤشرات الأمعاء الرئيسة مثل درجة الحرارة والضغط والحموضة. ولجمع هذه المعلومات يجب على الأطباء الاعتماد على المسبار ولكنه يعد وسيلة جراحية كالقيام بمنظار للمعدة أو للقولون. ومن الجدير بالذكر أن التقنيات الجديدة أتاحت جمع هذه البيانات بطريقة طفيفة التوغل وتزودنا بتفاصيل جديدة عن علاقة الأمعاء بالذات. تسمى تلك التقنيات الجديدة “العقاقير الذكية”.

تعد العقاقير الذكية كبسولات صغيرة وخفيفة الوزن وسهلة الابتلاع ومجهزة بمقياس حرارة مصغر ومقياس ضغط ومستشعر درجة الحموضة. تُبتلع الكبسولات بشرب كوب من الماء كحبوب الدواء الأخرى، كما أنها سهلة الابتلاع فقد رأيت رجلًا يلتهم واحدة من هذه العقاقير دون أن يشرب ماء. وحينما تدخل العقاقير الذكية إلى الجسم، تمر ببطء عبر الجهاز الهضمي بأكمله وتسجل قيم درجة الحرارة والضغط ودرجة الحموضة بدقة، وترسلها لاسلكيًا إلى جهاز استقبال لاسلكي يرتديه المشاركون حول أحزمتهم. وتُخرج هذه الكبسولات بأمان بعد فحص المعدة والأمعاء الدقيقة والغليظة، وتتوقف عن إرسال البيانات. وقد طُورت هذه الكبسولات بهدف استبدال فحوصات الجهاز الهضمي المتعددة والصعبة بإجراء واحد أقل توغلًا. تعد العقاقير الذكية أيضًا أداة واعدة لعلماء النفس وعلماء الأعصاب الإدراكي لأنها قادرة على تسجيل التغيرات اللحظية في فسيولوجيا المعدة والأمعاء الناجمة عن أي نوع من الأحداث مثل التلاعب التجريبي بالوعي الذاتي الجسدي.

شعرت بالبهجة أنا وزملائي حينما أدركنا قوة هذه العقاقير وتأثيرها وبدأنا نفكر حينها بتسخير مفعول العقاقير لإثبات ارتباط نشاط الأمعاء بالإحساس بالذات. فطلبنا من مجموعة من المشاركين تناول حبة واحدة لتجربة الواقع الافتراضي، حيث شاهدوا جسمًا افتراضيًا ينظر ويستلقي ويتنفس كما يفعل جسدهم الحقيقي. وعبّر المشاركون في نهاية التجربة عن مدى شعورهم بالتجسيد من عدمه في الجسم الرمزي الافتراضية، كما زودونا بمقياس وعيهم الذاتي الجسدي. كُرر ذلك الإجراء ثلاث مرات، المرة الأولى عندما كانت الحبة في المعدة، والثانية عندما كانت في الأمعاء الدقيقة، والثالثة عندما كانت في الأمعاء الغليظة. وقد مكننا هذا من ربط تقييمات الوعي الذاتي الجسدي مع المؤشرات الفسيولوجية لكل جزء من الجهاز الهضمي.

كانت النتائج محفزة، فقد زاد شعور المشاركين بذواتهم حينما زاد نشاط جهازهم الهضمي. تدل العديد من العوامل على نشاط الجهاز الهضمي مثل ارتفاع الضغط وارتفاع درجة الحرارة وزيادة إفراز الحمض في المعدة أو في الأمعاء الغليظة. كما قل شعورهم بذواتهم حينما قل نشاط الجهاز الهضمي. ومن أحد التفسيرات المحتملة هو أن الأعضاء والأنسجة الحشوية الأكثر نشاطًا تستجيب أكثر من العصب المبهم والأعصاب المحيطية الأخرى التي تنقل الإشارات من الجسم إلى الدماغ. وهذا يمكن أن يعزز نشاط المناطق القشرية المستهدفة التي ترمز لخريطة أو تمثيل للجسم الداخلي؛ مما يزيد من وعينا بتلك الخريطة. وستبين لنا الدراسات القادمة التي تركز على نشاط هذه المناطق القشرية المزيد من المعلومات، فالأدلة الحالية أثبتت أن إدراك المرء لجسده يعد شعورًا داخليًا.

وقد تساعدنا هذه النتائج على فهم حالات مختلفة مثل اضطرابات الأكل وتبدد الشخصية. تنظم إشارات القناة الهضمية تناولنا للطعام وتدعم إحساسنا بذواتنا، فقد يمارس بعض الأشخاص الذين يعانون من فقدان الشهية أو الشره المرضي العصبي عادات غذائية غير طبيعية ويقل إحساسهم بذواتهم لدرجة أن يشعروا بالاشمئزاز من أنفسهم وذلك بسبب الاستجابة السيئة لهذه الإشارات. قد يؤدي ارتفاع إشارات القناة الهضمية إلى ربط الذات بشكل كبير بما يحدث في المعدة والأمعاء. ويؤدي انخفاض تلك الإشارات إلى عدم استقرار الذات واعتمادها اعتمادًا كليًا على ردود الفعل الخارجية. وقد تنطبق الحالة الثانية أيضًا على الأشخاص الذين يعانون من تبدد الشخصية، فقد يشعرون بانفصالهم عن أجسادهم وأنفسهم بسبب عدم تجذر ذواتهم في أحشائهم، على الرغم من وجود أدلة تؤيد وتعارض هذا الادعاء. وقد يظهر ذلك الضعف في متلازمة وهم كوتارد. تعد متلازمة كوتارد أحد الاضطرابات النفسية النادرة التي يعاني المصاب بها بعدد من الأوهام فيشعر أنه فارغ أو متعفن من الداخل أو فقد أعضاءه الداخلية أو تيقنه بأنه غير موجود أو ميت. وقد تتوسع نتائج أبحاثنا وتزيد خبرتنا بتلك الحالات النفسية عن طريق تعقب العقاقير الذكية لنشاط الأمعاء والاستبيانات والتلاعب بالوعي الذاتي الجسدي مثل الأوهام الجسدية.

أسهمت العقاقير الذكية في سد الفجوة التقنية، ولكن يعتمد التقدم العلمي على تغيير الأطر المرجعية وليس فقط أدوات البحث. ويواجه علم النفس المعاصر وعلم الأعصاب عوائق بسبب استبدال العلماء للثنائية الديكارتية القديمة التي تنص على “العقل مقابل الجسد” بثنائية جديدة “الدماغ مقابل الجسد”، على الرغم من فظاظتها وصرامتها التي لا تقل عن الثنائية الأولى؛ رفض القائمون على التجربة ملاحظة ما يحدث في جنوب الرقبة، لأن العصور السابقة ركزت على حكمة القلب وقوة التنفس وذكاء الأمعاء والصورة العلمية الحالية تجاهلتها. ولكننا ندرك الآن بفضل نتائج الأبحاث الجديدة والمتزايدة أن أفكارنا قد تتوافق مع النظرة العلمية للذات. يتجذر وعيك بجذور عميقة وقوية أساسها مشاعرك الجسدية، فقد حان الوقت لاستعادة ذاتك العميقة والسماح لازدهارها بالانتشار في كل مكان.

المصدر

مقالات ذات صلة