القائمة الرئيسية

تقرير سوق عمل قائم على المهارات أولاً (5/4)

تقرير سوق عمل قائم على المهارات أولاً (5/4)
ملخص الدراسة

يعتمد التوظيف القائم على المهارات أولاً على تقييم المرشحين وفق المهارات التي يستطيعون إثباتها، بدلاً من الاعتماد أساساً على الشهادات الجامعية والخبرة السابقة، وذلك من خلال تحديد المهارات المطلوبة لكل وظيفة واستخدام الاختبارات العملية والمقابلات القائمة على الكفاءات. ولا يقتصر هذا النهج على التوظيف، بل يمتد إلى تقييم الأداء والتطوير المهني والتدريب وتحديد فجوات المهارات، مع ضرورة معالجة التحيزات وتوفير مسارات بديلة للدخول إلى سوق العمل، مثل التلمذة المهنية والدورات القصيرة والشهادات المصغرة، لتوسيع الفرص أمام الفئات ناقصة التمثيل. وتؤدي الحكومات دوراً محورياً في دعم هذا التحول عبر تطوير المعايير المهنية، وتوفير أدوات تقييم المهارات، ومساندة المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتقديم الحوافز المالية، بما يسهم في توسيع قاعدة المواهب وتحسين توافق المهارات مع احتياجات سوق العمل وتعزيز فرص التطور الوظيفي.

الفصل الرابع: تعزيز التوظيف وإدارة المواهب على أساس المهارات أولاً

يعكس الاعتراف بالمواهب على أساس المهارات أولاً تحولاً أوسع في ممارسات أصحاب العمل، ويجري عادة عبر أربع خطوات يتناولها هذا الفصل من خلال أمثلة ملموسة. إذ تبدأ المؤسسات بتحديد الأدوار ذات الأولوية وإشراك الجهات المعنية الداخلية والخارجية لدعم التنفيذ، ثم تحدّث الأوصاف الوظيفية لتحديد المهارات اللازمة لأداء كل دور. وبعد ذلك تُكيَّف عمليات التوظيف لتقييم المرشحين واختيارهم على أساس المهارات المثبتة، مع إيلاء عناية صريحة للإنصاف. وأخيراً تُرسَّخ مبادئ المهارات أولاً فيما يتجاوز التوظيف ضمن ممارسات إدارة المواهب الأوسع، ومنها تقييم الأداء والتقدم الوظيفي وتصميم مسارات مخصصة لتنمية المهارات.

باختصار

الاعتراف بالمواهب على أساس المهارات أولاً يتوسع لكنه يتطلب الأدوات المناسبة

يستطيع أصحاب العمل بدء مسيرتهم نحو المهارات أولاً عبر تجارب موجهة في عدد محدود من الأدوار الوظيفية، مع إشراك الجهات المعنية مبكراً لدعم التعلم المشترك والالتزام المستدام. ويمكن تحديد الأدوار المناسبة للتجربة عبر مراجعة شاملة للأوصاف الوظيفية، أو بالتركيز على أولويات محددة كالمهن التي تعاني من نقص في العمالة والوظائف المخصصة للمبتدئين.

وينبغي لأصحاب العمل ترجمة الأدوار المختارة إلى متطلبات مهارية، بالاستناد إلى البنية التحتية للغة المهارات كالمعايير المهنية المركزة على المهارات. ورغم أن المهارات يُشار إليها بصورة متزايدة في إعلانات الوظائف، فإن مقاربة المهارات أولاً تجعلها المعيار الرئيس لقرارات التوظيف، بينما تؤدي المؤهلات والخبرة دوراً مكمّلاً.

وينبغي أن تمنح عمليات الاختيار الأولوية للمهارات المثبتة عبر تقييمات منظمة ومقابلات قائمة على الكفاءات، تُجرى داخلياً أو عبر جهات متخصصة. ويُتوقع أن يتنامى استخدام اختبارات ما قبل التوظيف في دول المنظمة، مدعوماً بالأدوات الرقمية والتقنيات الناشئة التي تتيح تقييماً أكثر منهجية وقابلية للتوسع للمهارات.

ولا يؤدي إلغاء اشتراطات الشهادات وحده تلقائياً إلى توسيع الفرص أمام الفئات ناقصة التمثيل. إذ يحتاج أصحاب العمل إلى اتخاذ تدابير مقصودة للتخفيف من التحيز وتوسيع الوصول، ومنها ممارسات التوظيف مجهول الهوية ومسارات الدخول البديلة كالتلمذة المهنية أو البرامج التدريبية القصيرة.

وينبغي أن تمتد مقاربات المهارات أولاً إلى ما بعد التوظيف، وأن تترسخ في جميع جوانب إدارة المواهب، ومنها تحديد الأهداف ومراجعات الأداء والتطوير الوظيفي والتدريب. ويمكن لأطر المهارات ومستويات الإتقان أن تدعم مسارات مهنية وتقييمات أداء أوضح، في حين تساعد المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي على تحديد فجوات المهارات وتوجيه التدريب.

ويمكن للسلطات العامة أن تدعم الاعتماد الأوسع للتوظيف وإدارة المواهب على أساس المهارات أولاً، مع إيلاء عناية خاصة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة. ومن الخيارات المتاحة تطوير معايير مهنية ومسارات تقدم مركزة على المهارات كما في النمسا واليابان، ودعم تقييم المهارات كما في فرنسا، وتوفير مجموعات أدوات عملية للتطبيق كما في الولايات المتحدة، وتقديم القدوة عبر ممارسات القطاع العام كما في المملكة المتحدة.

مقدمة

لا تزال الخبرة العملية والشهادات الجامعية تمثلان المؤشرين البديلين الرئيسين لتقييم مهارات الأفراد في التوظيف. فوفقاً لبيانات المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2024، المستندة إلى ردود أكثر من ألف شركة في 55 اقتصاداً، يتوقع نحو 80% من أصحاب العمل الذين شملهم المسح أن يمنحوا الأولوية للخبرة العملية عند التوظيف بين عامي 2025 و2030، بينما يتوقع أكثر من 40% منهم الاعتماد على الشهادات الجامعية. وفي الوقت ذاته، تتنوع ممارسات التوظيف تدريجياً؛ إذ يعتزم نحو نصف أصحاب العمل استخدام اختبارات ما قبل التوظيف، ويعتزم ثلثهم تطبيق التقييم النفسي القياسي، مما يعكس اهتماماً متنامياً بالمهارات المثبتة والسمات الشخصية. كما تبرز أساليب أخرى، منها إتمام برامج التلمذة المهنية والدورات القصيرة والشهادات الإلكترونية.

ويعكس استمرار الاعتماد على الخبرة العملية والشهادات الجامعية تحديين كامنين: أولهما أن تقييم المهارات بطريقة موثوقة وقابلة للتوسع لا يزال صعباً، وثانيهما أن المقاومة الثقافية والتحيزات اللاواعية تعزز ممارسات التوظيف الراسخة.

ولا يزال تقييم المهارات عقبة رئيسة أمام أصحاب العمل الذين يفكرون في اعتماد مقاربات المهارات أولاً. فقد وجد مسح أجرته شركة ماكنزي عام 2021 وشمل نحو 300 منشأة صغيرة ومتوسطة في الولايات المتحدة أن التحقق من المهارات والكفاءات والمراجع كان أبرز تحديات التوظيف، إذ عدّه نحو نصف المشاركين مصدر قلق رئيساً. وعلى نحو مماثل، أفاد مسح أُجري عام 2023 وشمل 1500 صاحب عمل بأن معظم المشاركين يعدّون التحقق من المهارات الصلبة والمهارات الشخصية أصعب جوانب عملية التوظيف لديهم، بنسبة 66% و57% على التوالي.

وتزيد المقاومة الثقافية والتحيزات اللاواعية من تعقيد التقدم. إذ تحدد دراسة لمعهد تعليم البالغين بجامعة سنغافورة للعلوم الاجتماعية المقاومة الثقافية بوصفها واحدة من خمسة أوجه قصور هيكلية تحافظ على مكانة الشهادات وتعيق الانتقال نحو ممارسات المهارات أولاً. فالشهادات الجامعية كثيراً ما تؤدي دور الدال لا على الكفاءة التقنية فحسب، بل على الهوية والطموح والشرعية في السياقات المهنية أيضاً. كما تشكّل التحيزات اللاواعية قرارات التوظيف، إذ يميل أصحاب العمل إلى تفضيل المرشحين الذين يشبهونهم من حيث الجنس والعرق والخبرات واهتمامات أوقات الفراغ وأساليب تقديم الذات. وفي المؤسسات الناضجة التي ترسخت فيها أعراف عن الصورة المعتادة للموظف، يمكن لهذه النزعات أن تضخم القيمة الإشارية للخبرة السابقة والمؤهلات الأكاديمية.

ورغم الاستخدام الواسع للخبرة العملية السابقة وسنوات التعليم، يتزايد الإقرار بأنهما مؤشران ضعيفان على الأداء الوظيفي. فاستناداً إلى تحليل بعدي، أفاد باحثون بأن اختبارات القدرة المعرفية العامة واختبارات عينات العمل سجلت أعلى صدق متوسط في التنبؤ بالأداء الوظيفي من بين 19 أسلوباً للتوظيف، بينما أظهرت سنوات الخبرة في دور مماثل وسنوات التعليم قدرة تنبؤية أدنى بكثير. وخلص تحليل بعدي أحدث شمل 81 عينة دراسية كذلك إلى أن الخبرة العملية السابقة للتوظيف مؤشر ضعيف عموماً على الأداء المستقبلي.

وقد يعود أحد أسباب ذلك إلى أن الخبرة العملية والتعليم لا يمثلان سوى مؤشرين غير مباشرين على المهارات المكتسبة عبرهما. ومن شأن توفر معلومات أكثر تفصيلاً عن مهارات الأفراد أن يساعد على سد هذه الفجوة المعرفية. فقد وجدت إحدى الدراسات أن المعارف والمهارات المرتبطة بالمهام، بخلاف المعارف الخاصة بالمؤسسة، يمكن أن تتوسط العلاقة بين الخبرة السابقة والأداء الوظيفي. ويوحي ذلك بأن كثيراً من الخبرة العملية خاص بالمؤسسة إلى حد كبير، ولا يُترجم بالضرورة إلى أداء أفضل ما لم يُنمِّ معارف ومهارات مرتبطة بمهام الوظيفة. وينطبق الأمر ذاته على المؤهلات الرسمية؛ فكما ناقش الفصل الأول، توفر المعلومات عن المهارات المحددة فهماً أكثر تفصيلاً لما يعرفه حملة الشهادات وما يستطيعون فعله فعلاً.

كما أن الإفراط في الاعتماد على الخبرة السابقة والمؤهلات الرسمية قد يقلص قاعدة المواهب المتاحة. إذ يضر ذلك بالشباب ذوي الخبرة العملية المحدودة، والعائدين إلى العمل بعد انقطاعات لأسباب أسرية أو صحية، والكفاءات الدولية التي قد لا تحظى مؤهلاتها باعتراف رسمي، والمرشحين غير الحاصلين على شهادات جامعية. فوفقاً لشبكة جنريشن العالمية غير الربحية، اشترط أكثر من 90% من أصحاب العمل في عام 2023 خبرة عملية سابقة لشغل وظائف المبتدئين التي تتضمن مهام تقنية، وهو ما قد يستبعد مرشحين يمتلكون المهارات المناسبة دون سجل وظيفي رسمي، ويزيد من تقييد التوظيف في مهن تعاني أصلاً من نقص في المهارات.

تحديد الأدوار الوظيفية ذات الأولوية وكسب تأييد الجهات المعنية

يعكس الاعتراف بالمواهب على أساس المهارات أولاً تحولاً أوسع في عقليات أصحاب العمل وممارساتهم، ويجري عادة في أربع خطوات: تحديد الأدوار ذات الأولوية وإشراك الجهات المعنية الداخلية والخارجية، ثم تحديث الأوصاف الوظيفية لتحديد المهارات المطلوبة لكل دور، ثم تكييف عمليات التوظيف لتقييم المرشحين واختيارهم على أساس المهارات المثبتة مع تعزيز الإنصاف والشمول، وأخيراً مد مبادئ المهارات أولاً إلى ما بعد التوظيف لتشمل إدارة المواهب الأوسع، بما في ذلك تقييم الأداء وتصميم مسارات مخصصة لتنمية المهارات.

ولا تزال الأدلة على كيفية تطبيق التوظيف القائم على المهارات أولاً بفاعلية محدودة، ومعظمها قصصي. غير أن التجارب المبكرة توحي بأن المؤسسات تستطيع البدء على نطاق صغير مع الحفاظ على توجه استراتيجي واضح. فقد يجرب أصحاب العمل مثلاً مقاربات المهارات أولاً في مجموعة محدودة من الأدوار، مع إشراك طيف واسع من الجهات المعنية منذ البداية. ويدعم ذلك التجريب، ويتيح التعلم المشترك، ويبني فهماً مشتركاً للمقاربة، ويعزز الالتزام في أرجاء المؤسسة.

ويمكن تحديد الأدوار المستهدفة بالمبادرات التجريبية بطرائق مختلفة. ومن هذه الطرائق إجراء مراجعة شاملة لجميع الأوصاف الوظيفية لتحديد الوظائف التي يمكن تنمية مهاراتها الأساسية عبر التعلم غير النظامي والعرضي، بما في ذلك الأدوار التي تتطور متطلباتها المهارية بسرعة تفوق قدرة المناهج الرسمية على التكيف. فقد أدخلت شركة آي بي إم مثلاً ممارسات المهارات أولاً تدريجياً في ما تسميه وظائف الياقات الجديدة، وهي أدوار تتطلب مهارات تقنية متخصصة لكنها لا تستلزم بالضرورة شهادة جامعية مدتها أربع سنوات، وتشمل وظائف مثل محللي الأمن السيبراني ومطوري التطبيقات ومتخصصي الحوسبة السحابية.

وقد تفضل المؤسسات ذات الموارد الأكثر محدودية استراتيجية أكثر استهدافاً. ومن الخيارات المتاحة التركيز في البداية على المهن التي تعاني من أشد نقص في العمالة. فوفقاً لقاعدة بيانات المهارات من أجل الوظائف التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تشمل مجموعات المهن التي تعاني من نقص في الدول التي تتوفر بياناتها المتخصصين في الصحة، والمتخصصين في التعليم، والمتخصصين في المجالات القانونية والاجتماعية والثقافية، والعاملين في المبيعات، والمتخصصين في تقنية المعلومات والاتصالات. وفي أوروبا، تشمل المهن عالية المهارة التي تعاني من نقص طيفاً من الأدوار التقنية، كالمهندسين وفنيي الهندسة ومطوري البرمجيات ومبرمجي التطبيقات ومديري الأنظمة.

ومن المهم إدراك أن مقاربات المهارات أولاً ليست حلاً واحداً يناسب الجميع، إذ تتفاوت ملاءمتها بين الأدوار والقطاعات. فعلى سبيل المثال، رغم أن المهن التي تعاني من نقص تشمل أدواراً في قطاعات منظمة كالصحة والتعليم، فإن معظم المهن في هذه المجالات تشترط قانوناً مؤهلات أو تراخيص محددة ترتبط عادة بمسارات التعليم الرسمي. وفي هذه الحالات، يكون نطاق تطبيق مقاربات المهارات أولاً أضيق.

ومع ذلك، يظل المبدأ الأعم المتمثل في التعامل مع المهارات بوصفها عملة أساسية ذا صلة حتى في المهن المنظمة أو عالية التخصص. فالتركيز الأقوى على المهارات يمكن أن يدعم قابلية نقلها بين الدول ذات المتطلبات التنظيمية المختلفة وبين الوظائف. وقد بات ذلك أولوية سياسية متزايدة، كما تعكسه مبادرات مثل مبادرة الاتحاد الأوروبي لقابلية نقل المهارات.

ومن الأساليب الأخرى لتحديد الأدوار المناسبة للتوظيف القائم على المهارات أولاً، الذي اقترحته مؤسسة بيرننغ غلاس وكلية هارفارد للأعمال، منح الأولوية للمهن التي يوجد فيها تفاوت كبير بين المؤهلات التي يطلبها أصحاب العمل وتلك التي يحملها العاملون الحاليون. ويرى الباحثون أن اشتراط الشهادة في هذه الحالات يرجح أن يكون مسألة تفضيل لا ضرورة. ومن الأمثلة المستندة إلى تحليلهم، الذي يركز أساساً على الولايات المتحدة، مديرو مشاريع البناء، ومطورو المواقع الإلكترونية، ومديرو التوزيع، وموظفو الإنتاج والتخطيط، ومبرمجو الحاسوب، ومنظمو الفعاليات.

ومن نقاط البداية العملية كذلك التركيز على وظائف المبتدئين أو الوظائف في إدارات الموارد البشرية، حيث قد يكون الانفتاح على تجريب ممارسات توظيف جديدة أكبر. ويمكن لهذه الأدوار أن تساعد على بناء زخم داخلي وإظهار نتائج مبكرة. وقد يكون من الأيسر أيضاً إعادة تصميم الأوصاف الوظيفية للأدوار التي تمثل فيها المهارات التقنية المحددة، لا المهارات غير الملموسة الأوسع، المتطلبات الرئيسة. ومن المقاربات الممكنة الأخرى البدء بالفرق والمديرين الأكثر تقبلاً لتجريب أساليب جديدة.

ويمثل إشراك طيف واسع من الجهات المعنية الداخلية منذ البداية مكوناً حاسماً آخر للتطبيق الناجح، ويؤدي كبار القادة والمسؤولون التنفيذيون في ذلك دوراً محورياً. إذ يحدد المنتدى الاقتصادي العالمي الثقافة التنظيمية ومقاومة التغيير بوصفهما من أكثر العوائق ذكراً أمام التحول التنظيمي. ففي المتوسط في دول المنظمة التي تتوفر بياناتها، يتوقع اثنان من كل خمسة أصحاب عمل أن تعيق هذه العوامل التحول، وترتفع النسبة إلى أكثر من النصف في بعض الدول، منها سلوفينيا والنمسا. ويستطيع كبار القادة والمسؤولون التنفيذيون المساعدة على جعل أجندة المهارات أولاً جزءاً من التيار الرئيس عبر تحديد التوجه الاستراتيجي وتخصيص الموارد وقيادة التحولات في الثقافة التنظيمية وتوسيع نطاق الممارسات الفعالة.

ولا تقل أهمية متخصصي الموارد البشرية عن ذلك، إذ يضمنون الاستخدام المتسق لتصنيفات المهارات على المستوى التنظيمي، ويستكشفون خيارات مختلفة لتقييم المهارات، ويرسخون مقاربات المهارات أولاً في التوظيف وإدارة الأداء وتنمية المهارات. ويقع مديرو التوظيف والمديرون المباشرون في قلب العملية، إذ يراجعون الأوصاف الوظيفية ويعيدون تصميمها للتركيز على المهارات المطلوبة، ويختارون أساليب التقييم المناسبة، ويطبقون منظوراً قائماً على المهارات في تقييمات الأداء. ويمكن لفرق التقنية أن تسهم بتطوير البنية التحتية الرقمية الداعمة لممارسات المهارات أولاً. ومن الجهات المعنية الداخلية الأخرى ذات الصلة فرق الاتصال، التي تساعد الموظفين على فهم العمليات الجديدة، وفرق التنوع والإنصاف والشمول، التي تحدد الفئات ناقصة التمثيل وتعزز التواصل العادل معها.

وإلى جانب الأطراف الداخلية، يمكن لعدد من الجهات المعنية الخارجية أن يدعم اعتماد ممارسات المهارات أولاً. فاتحادات أصحاب العمل تستطيع تشجيع الاستخدام المتسق لتصنيفات المهارات داخل القطاعات وفيما بينها والمساعدة على نشر الممارسات الجيدة. وتستطيع النقابات العمالية ضمان أن تسهم هذه المقاربات في تحسين ظروف العمل والرضا الوظيفي، واستكشاف كيفية إدراجها في الاتفاقيات الجماعية. ويؤدي متخصصو الإرشاد المهني ومسؤولو التوظيف كذلك دوراً رئيساً، إذ كثيراً ما يكونون وسطاء بين أصحاب العمل والباحثين عن عمل. وحيثما تتعاون المنشآت مع مقدمي التدريب، يمكن لهؤلاء الشركاء المساعدة على مواءمة برامجهم مع احتياجات المؤسسة. وبالنسبة إلى الأدوار التي تتطلب مؤهلات أو تراخيص إلزامية، يمكن لأصحاب العمل أيضاً استشارة جهات منح الشهادات لتوضيح المهارات الكامنة وراء هذه الاشتراطات.

تصميم أوصاف وظيفية مركزة على المهارات

بعد تحديد الأدوار ذات الأولوية وإشراك الجهات المعنية، تتمثل الخطوة التالية في ترجمة هذه الأدوار إلى متطلبات مهارية محددة بوضوح. وكثيراً ما يُفسَّر التوظيف القائم على المهارات أولاً تفسيراً ضيقاً على أنه إلغاء لاشتراطات الشهادات، بينما يعكس في الواقع تحولاً أوسع يُقيَّم فيه المرشحون على أساس المهارات التي يستطيعون إثباتها، بصرف النظر عما إذا كانت مكتسبة عبر التعلم النظامي أو غير النظامي أو العرضي. ولذلك فإن التعريفات الواضحة والصريحة للمهارات المطلوبة أمر جوهري، وينبغي أن تظهر مباشرة في إعلانات الوظائف.

وعند تحديد المتطلبات المهارية، يستطيع أصحاب العمل الاستناد إلى موارد قائمة كتصنيفات المهارات والمعايير المهنية وبيانات تقييم المهارات واستشرافها التي تطورها السلطات العامة أو الشركاء الاجتماعيون. فإطار الكفاءات في الفلاندر مثلاً يقدم أوصافاً تفصيلية للمهارات الأساسية والاختيارية في مختلف المهن، بما في ذلك المهارات الشخصية والرقمية ذات الصلة، وتُحدد كل مهارة بمزيد من الدقة عبر مؤشرات سلوكية ومتطلبات معرفية مرتبطة بها. وتُحدَّث قاعدة البيانات باستمرار عبر مدخلات الشركاء الاجتماعيين والمستخدمين، مدعومة بمعالجة للمعلومات قائمة على الذكاء الاصطناعي. ويستطيع أصحاب العمل استخدام هذه الموارد نقطة انطلاق وتكييفها مع المتطلبات المحددة لكل وظيفة شاغرة. ففي النمسا، تدعم دائرة التوظيف العامة أصحاب العمل في تكييف المعايير المهنية الموجهة نحو المهارات مع إعلانات الوظائف. وفي بعض الحالات، يتعاون أصحاب العمل كذلك في إعداد ملفات مهارية مشتركة لأدوار محددة؛ ففي الولايات المتحدة مثلاً، تضافرت جهود عشر منشآت كبرى لتطوير ملفات مهارية معيارية لثلاثين دوراً وظيفياً مختاراً.

ويشير كثير من أصحاب العمل بالفعل إلى المهارات في إعلانات الوظائف؛ إذ وجد تحليل لإعلانات الوظائف عبر الإنترنت المنشورة بين عامي 2012 و2019 في ست دول ناطقة بالإنجليزية، هي أستراليا وكندا ونيوزيلندا وسنغافورة والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، أن نحو 90% منها تتضمن شكلاً من أشكال الكلمات المفتاحية المرتبطة بالمهارات.

الإطار 4.1: تعاون أصحاب العمل في تطوير ملفات مهارية مشتركة

في عام 2024، أطلقت مؤسسة بيرننغ غلاس وشركة وولمارت مبادرة القوى العاملة القائمة على المهارات أولاً، التي جمعت عشر منشآت كبرى في الولايات المتحدة، منها بنك أوف أمريكا ومايكروسوفت ووولمارت، للمشاركة في إعداد ملفات وظيفية قائمة على المهارات أولاً. واستناداً إلى معلومات سوق العمل، حدد الفريق العامل المهارات الرئيسة لثلاثين دوراً تمثل مجتمعة نحو ربع القوى العاملة في القطاع الخاص، تتراوح بين سائقي الشاحنات وأمناء الصناديق ومحللي الأمن السيبراني ومديري المشاريع. وتُنشر هذه الملفات المهارية الوظيفية على بوابة إلكترونية متاحة للعموم.

وتُجمع المهارات الرئيسة لكل دور في أربع فئات. فبالنسبة إلى أخصائيي الموارد البشرية مثلاً، تُحدد نحو عشرين مهارة موزعة على المهارات الأساسية الخاصة بالدور كمعالجة الرواتب، والمهارات التطبيقية الأساسية كبرنامج إكسل، والمهارات التأسيسية والقيادية كحل المشكلات، ومهارات التخصص كقانون العمل. كما توفر البوابة رؤى عن سوق العمل لكل مهارة، تشمل مدى تكرار الطلب عليها، ودرجة خصوصيتها بالدور، ونموها المتوقع خلال خمس سنوات، وعلاوات الأجور المرتبطة بها. وتوصف كل مهارة كذلك عبر ثلاثة مستويات للإتقان، هي الأساسي والمتوسط والمتقدم، مع مؤشرات سلوكية واضحة.

وفي خطوة تالية، تسعى المبادرة إلى تعزيز استخدام هذه الملفات المهارية المشتركة عبر زمالة تطبيق المهارات أولاً، التي تقدم منحاً لتحالفات أصحاب العمل وشبكات التعليم والمنظمات المماثلة لدمج بيانات المهارات في البنى التحتية الرئيسة، ومنها أدوات التوجيه المهني وسير عمل نشر الوظائف ومنصات التعلم وأنظمة بيانات أصحاب العمل أو القوى العاملة. وبالتوازي مع ذلك، تجري جهود لدعم التكييف الإقليمي عبر التعاون مع المنظمات المحلية.

وتذهب بعض الشركات أبعد من ذلك، فتضع المهارات في صدارة إعلانات الوظائف أو تمنحها أهمية تفوق المؤهلات الرسمية أو الخبرة السابقة. فعلى سبيل المثال، يدرج إعلان لوظيفة مهندس حلول العملاء نُشر على صفحة الوظائف لدى شركة غوغل في نوفمبر 2025 طيفاً من المهارات التقنية بوصفها متطلبات دنيا، منها كتابة الشيفرات البرمجية وتصحيحها بلغات برمجة عامة الأغراض مثل جافا وسي وسي بلس بلس وبايثون وشل وغو وجافاسكريبت، وشبكات الحاسوب وتقنيات الويب، وأطر المحاكاة الافتراضية والتنسيق. ورغم أن الإعلان يذكر اشتراط درجة البكالوريوس، فإنه ينص أيضاً على قبول الخبرة العملية المكافئة. وتقدم شركة أكسا إكس إل، التابعة لمجموعة أكسا، مثالاً آخر على إعلان وظيفي يحدد المهارات المطلوبة بوضوح.

الإطار 4.2: تجربة التوظيف القائم على المهارات

تعمل شركة أكسا إكس إل، وهي قسم التأمين على الممتلكات والحوادث والمخاطر المتخصصة في مجموعة أكسا الفرنسية متعددة الجنسيات، ويبلغ عدد موظفيها نحو 7500 موظف، على تجربة التوظيف القائم على المهارات. وقد راجعت الشركة جميع الأدوار الوظيفية، وحددت المهارات المطلوبة لكل منها، وبدأت بإدراج هذه المهارات في إعلانات وظائف مختارة يصعب شغلها. فالوصف الوظيفي لمحلل العمليات مثلاً يحدد المتطلبات على أساس مهارات محددة، ولا يشترط الوصف الوظيفي شهادة رسمية، ويصف الخبرة ذات الصلة بأنها مرغوبة لكنها غير أساسية.

اختيار المواهب على أساس المهارات المثبتة

تتخذ أساليب اختيار المرشحين على أساس المهارات المثبتة أشكالاً متعددة، منها التقييمات المنظمة والمقابلات القائمة على الكفاءات. ففي المتوسط في دول المنظمة التي تتوفر بياناتها، يتوقع نحو نصف أصحاب العمل الذين شملهم المسح استخدام اختبارات ما قبل التوظيف لتقييم المهارات عند التوظيف بين عامي 2025 و2030. ويفيد نحو الثلث أيضاً بخطط لاستخدام التقييم النفسي القياسي، بما في ذلك أدوات مثل اختبار السمات الخمس الكبرى للشخصية واختبارات الاستدلال المنطقي. ويمكن لأصحاب العمل تطوير أساليب الاختيار الخاصة بهم أو التعاون مع شركات متخصصة تصمم تقييمات المهارات وتديرها.

ورغم أنه ينبغي، من الناحية المثالية، أن تُتاح لجميع المرشحين فرص لإثبات مهاراتهم، فإن كثيراً من عمليات التوظيف تبدأ بالفرز الأولي. وتدعم هذه المرحلة بصورة متزايدة أدوات خوارزمية يمكن أن تساعد على الحد من بعض أشكال التحيز البشري، لكنها قد تعيد إنتاج التحيز أو تضخمه تبعاً لطريقة تصميمها وتدريبها واستخدامها. وسواء أُجري الفرز بشرياً أو خوارزمياً، فإن من الخطوات العملية تحديد أنواع الخبرات ومسارات التعلم التي يمكن أن تبني المهارات المطلوبة لكنها قد تُغفل في الفرز السريع، وذلك قبل مراجعة السير الذاتية. فالمدير الذي يوظف منسقاً للفعاليات مثلاً يستطيع النظر إلى ما وراء المسميات الوظيفية التقليدية، والاعتراف بالخبرة في الضيافة أو في إدارة المجموعات الكبيرة، كالعمل نادلاً أو الخدمة العسكرية أو التدريس الميداني أثناء الدراسة، بوصفها دليلاً على المهارات التنظيمية ومهارات التعامل مع الآخرين.

وتُعد التقييمات الإلكترونية من أكثر أنواع تقييم المهارات استخداماً، ويعود ذلك جزئياً إلى إمكانية إجرائها على نطاق واسع وتمكينها أصحاب العمل من تقييم أعداد كبيرة من المرشحين بكفاءة. فشركة إس إتش إل البريطانية مثلاً تقدم مجموعة من التقييمات لدعم أصحاب العمل الباحثين عن المواهب؛ إذ تقيس تقييماتها المعرفية المهارات العددية للمرشحين وقدراتهم على حل المشكلات والاستدلال النقدي، وتقيّم تقييماتها السلوكية مدى التواؤم مع توقعات بيئة العمل عبر تمارين قائمة على سيناريوهات تحاكي سياقات الوظيفة، وتهدف تقييماتها الشخصية إلى قياس تفضيلات المرشحين ودوافعهم وقدرتهم على العمل بفاعلية عن بُعد. وعلى نحو مماثل، تقدم شركة هاكر رانك التقنية الأمريكية تقييمات برمجية تقيس أكثر من 250 مهارة تقنية باستخدام مهام واقعية كتصحيح الأخطاء البرمجية، وتتضمن المنصة كذلك خصائص مدعومة بالذكاء الاصطناعي تساعد أصحاب العمل على تقييم مدى كفاءة المرشحين في استخدام الذكاء الاصطناعي. وإضافة إلى ذلك، تدعم بعض المؤسسات العامة، كدائرة التوظيف العامة الفرنسية، أصحاب العمل في تطبيق تقييمات المهارات.

وتستفيد تقييمات المهارات بصورة متزايدة من التقنيات المتطورة. فقد استبدلت شركة أكسنتشر مثلاً دراسات الحالة المكتوبة التقليدية في عملية توظيف المواهب الناشئة بمحاكاة بالواقع الافتراضي تعيد إنتاج التحديات التي قد يواجهها الموظفون في أدوارهم. ويضع أحد هذه التقييمات، المعروف بغرفة المشروع، المرشحين في بيئة افتراضية تُعرض فيها معلومات المشروع عبر مخططات زمنية ورسوم دائرية وجداول وبيانات، ويُطلب منهم تحديد المعلومات ذات الصلة واستخلاصها وإدارة مهام المشروع وإبلاغ خططهم للآخرين.

الإطار 4.3: تقييم المهارات عبر المحاكاة

في عام 1995، أدخلت دائرة التوظيف العامة الفرنسية أسلوب التوظيف بالمحاكاة، الذي كثيراً ما يوصف بأنه توظيف دون سيرة ذاتية. وتوصي الدائرة بهذا الأسلوب في عمليات التوظيف واسعة النطاق وفي الوظائف الشاغرة التي يصعب شغلها. وقد طُبق الأسلوب في طيف واسع من المهن، منها مجمّعو الطائرات ومسعفو سيارات الإسعاف ومقدمو الرعاية وفنيو آلات الحدائق ومشغلو الإنتاج.

وحين تتفق الدائرة وصاحب العمل على استخدام هذا الأسلوب، يحددان معاً المهارات التقنية والشخصية المطلوبة للوظيفة، ويطوران اختبارات تقييم عملية مصممة وفق مهام الوظيفة المحددة، ويدعم فريق متخصص أصحاب العمل طوال عملية التطبيق. فبالنسبة إلى وظيفة سائق توصيل محترف مثلاً، قد يُطلب من المرشحين فرز مكعبات وأشياء ملونة أخرى في صناديق، وهي مهمة مصممة لتقييم قدرتهم على تنظيم شاحنة التوصيل واسترجاع الطرود الصحيحة بكفاءة ودون خطأ. ويُدعى المرشحون الذين يثبتون المهارات المطلوبة عبر هذه الاختبارات إلى المقابلات بعد ذلك.

وتمثل المقابلات القائمة على الكفاءات أسلوباً شائعاً آخر لتقييم مهارات المرشحين. وتجمع هذه المقابلات عادة بين أسئلة تقنية، كأن يُطلب من المرشح لوظيفة في التسويق الرقمي وضع خطة لحملة إلكترونية، وأسئلة سلوكية وموقفية، كدعوة المرشحين إلى وصف موقف عملوا فيه عن قرب مع زميل يختلف أسلوب عمله اختلافاً كبيراً عن أسلوبهم.

وكثيراً ما يُقدَّم التوظيف القائم على المهارات أولاً بوصفه مفهوماً جديداً، غير أن كثيراً من أساليب التقييم الجوهرية فيه، كاختبارات المهارات المعرفية والمقابلات القائمة على الكفاءات، مستخدمة في التوظيف منذ زمن طويل. وبهذا المعنى، لا يمثل ممارسة جديدة كلياً بقدر ما يمثل إعادة صياغة تضع المهارات في مركز قرارات الاختيار مقارنة بالمعايير الأخرى. وفي الوقت ذاته، تتيح التطورات التقنية طرائق جديدة لتقييم مهارات المرشحين، فتوسع نطاق التقييم المركز على المهارات وقابليته للتوسع، وتعزز إمكانات إدارة المواهب على أساس المهارات أولاً.

جعل التوظيف القائم على المهارات أولاً شاملاً

تشير الأدلة المتاحة إلى أن إلغاء اشتراطات المؤهلات الرسمية وحده لا يوسع بالضرورة الوصول إلى الوظائف أمام الفئات ناقصة التمثيل في مهن معينة وفي القوى العاملة عموماً، ومنها النساء والعاملون الأصغر والأكبر سناً والأقليات العرقية. فكما ذُكر آنفاً، تُظهر دراسة لمؤسسة بيرننغ غلاس وكلية هارفارد للأعمال أن العدد السنوي للوظائف التي ألغى أصحاب العمل فيها اشتراط الشهادة ارتفع أربعة أضعاف بين عامي 2014 و2023. ورغم أن ذلك يمثل تقدماً نحو سوق عمل أكثر اعتماداً على المهارات أولاً، فإن أقل من 4% من إعلانات الوظائف التي أصبحت حديثاً لا تشترط شهادة أفضت إلى توظيف مرشحين غير حاصلين على شهادات. ومن بين المنشآت التي شملها التحليل، أجرى ما يزيد قليلاً على الثلث تغييراً جوهرياً بزيادة توظيف غير الحاصلين على شهادات، بينما واصل الثلثان الباقيان توظيف النسبة ذاتها من خريجي الجامعات أو نسبة أكبر منها، رغم إلغاء اشتراط الشهادة. وتخلص دراسة أحدث على نحو مماثل إلى أن الشركات التي ألغت اشتراط الشهادة من إعلانات الوظائف لم تشهد سوى زيادة بمقدار نقطتين مئويتين في نسبة الموظفين الجدد الحاملين لشهادات غير جامعية.

وإذا أراد أصحاب العمل توسيع الفرص أمام الفئات ناقصة التمثيل، فسيحتاجون إلى بذل جهود إضافية مقصودة. فمقاربات المهارات أولاً لا تهدف إلى التقليل من قيمة التعليم الرسمي، ويظل اختيار المرشحين الحاصلين على شهادات على أساس مهاراتهم المثبتة أمراً معقولاً ومنصفاً. غير أن أصحاب العمل الساعين إلى تنويع مصادر المواهب لديهم قد يحتاجون إلى اتخاذ إجراءات متعمدة، كمعالجة التحيز اللاواعي في عمليات الاختيار وإيجاد مسارات بديلة تدعم المرشحين من الفئات ناقصة التمثيل.

ولتعزيز شمولية التوظيف القائم على المهارات أولاً، يُعد الحد من التحيز اللاواعي في عمليات التوظيف أمراً حاسماً. ويمثل التوظيف مجهول الهوية، الذي يقوم على حجب المعلومات التعريفية كالأسماء والصور والجنس والعمر والمؤسسة التعليمية أثناء الفرز والمقابلات، أحد الأمثلة على ذلك. وتفيد دراسات عدة بأن التوظيف مجهول الهوية يمكن أن يزيد من احتمال تقدم المرشحين غير التقليديين عبر مراحل الاختيار وتوظيفهم في النهاية، وإن كانت بعض الأدلة تشير كذلك إلى قيود محتملة على فاعليته في تنويع القوى العاملة. وتُظهر بحوث أخرى أن العمليات مجهولة الهوية يمكن أن تشجع على التقدم من مرشحين يخالفون الصور النمطية، كالنساء والأفراد الذين تجاوزوا الخامسة والأربعين ممن يتقدمون لوظائف تقنية. فقد جربت مدينة هلسنكي، أكبر صاحب عمل في فنلندا، الفرز مجهول الهوية في 13 دوراً وظيفياً مختاراً في عام 2020، ووجدت أن المتقدمين من خلفيات مهاجرة كانوا أكثر احتمالاً لتلقي دعوات المقابلة والتوظيف لاحقاً. كما أظهرت التجربة عدم وجود فوارق كبيرة في الأجور أو معدل الدوران بين الموظفين المعيّنين بأسلوب مجهول الهوية وأولئك المعيّنين بالأسلوب التقليدي، في حين زاد إخفاء الهوية من العدد الإجمالي للمتقدمين، ولا سيما بين النساء.

ومن الاستراتيجيات الأخرى لتوسيع قاعدة المواهب إنشاء مسارات دخول بديلة لفئات محددة. فبعض الشركات مثلاً تقدم برامج تلمذة مهنية وبرامج تدريبية قصيرة لمرشحين من خلفيات ناقصة التمثيل لكي يتمكنوا من إثبات مهاراتهم. ووفقاً لبيانات المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2024، يعتزم نحو 15% من أصحاب العمل الذين شملهم المسح استخدام إتمام برامج التلمذة المهنية أو الدورات القصيرة أو الشهادات الإلكترونية مؤشرات على المهارات عند التوظيف بين عامي 2025 و2030.

والواقع أن التلمذة المهنية باتت تحظى باعتراف متزايد بوصفها أداة فعالة لتعزيز التوظيف الشامل. فشركة إيلي ليلي الأمريكية متعددة الجنسيات للصناعات الدوائية مثلاً تقدم مسارات عدة للتلمذة المهنية تجمع بين التدريب الرسمي والتعلم أثناء العمل مدفوع الأجر، وهي مصممة لفئات مستهدفة مختلفة. فبرنامجها للتلمذة المهنية يمتد ثلاثة عشر شهراً ويشمل وظائف متعددة، منها الموارد البشرية والتسويق والبحث والتطوير. كما تقدم برنامج المسار التقني الذي يمتد حتى أربعة وعشرين شهراً ويركز على وظائف تقنية المعلومات كعمليات البيانات وإدارة الخدمات والتحليلات والأتمتة. ويستهدف كلا البرنامجين البالغين غير الحاصلين على شهادة جامعية مدتها أربع سنوات، ويوفران مساراً منظماً للانتقال والتقدم المهني، بما في ذلك النظر في توظيفهم بدوام كامل في الشركة عند الإتمام الناجح. وإضافة إلى ذلك، يتاح برنامج للتلمذة الحرفية لخريجي المدارس الثانوية الجدد.

ويمكن للدورات القصيرة كذلك أن توفر مسارات بديلة للدخول إلى مهن محددة. فالشهادات المصغرة مثلاً تساعد الأفراد على تنمية المهارات المطلوبة وإبرازها لأصحاب العمل بفاعلية. ورغم أن هذه البرامج تميل إلى إفادة المتعلمين من خلفيات أكثر حظاً على نحو غير متناسب، فثمة أمثلة على أنها، حين تُصمم بعناية مع مراعاة فئات مستهدفة محددة، مكّنت المتعلمين ناقصي التمثيل من إثبات قدراتهم أسرع مما تتيحه مسارات التعليم الرسمي. وتقدم منظمة ميريت أمريكا غير الربحية مثالاً توضيحياً على ذلك، إذ تدعم المتعلمين من المجتمعات المحرومة من الخدمات للالتحاق بشهادات معترف بها في القطاع في مهارات عالية الطلب وإتمامها، كالشهادات المهنية التي تقدمها غوغل. ويتاح التدريب في مجالات منها الأمن السيبراني وتحليل البيانات والدعم التقني وإدارة المشاريع وتقنيات أشباه الموصلات وإدارة سلاسل الإمداد وتصميم تجربة المستخدم. وتُقدم البرامج بدوام جزئي، إلكترونياً أو بصيغة مدمجة، وتستغرق عادة أربعة إلى خمسة أشهر. ويلتحق المتعلمون دون تكلفة مسبقة، ولا يسددون قرضاً بلا فوائد إلا إذا حصلوا على عمل بدخل سنوي لا يقل عن 40 ألف دولار أمريكي. ويتلقى المشاركون كذلك دعماً شاملاً يتضمن التوجيه، والمساعدة في البحث عن عمل بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي، والدعم المالي لتكاليف المعيشة أثناء التدريب. وتفيد المنظمة بأن الخريجين يرفعون دخلهم السنوي في المتوسط من نحو 28 ألف دولار إلى 49 ألف دولار بعد إتمام البرنامج. وفي إنجلترا، تقدم المعسكرات التدريبية للمهارات التي تديرها الحكومة مثالاً آخر على التدريب القصير الموجه الذي يمكن أن يدعم الدخول إلى مهن جديدة، وهي دورات مجانية ومرنة تمتد حتى ستة عشر أسبوعاً للبالغين في سن التاسعة عشرة فما فوق، وتركز على المهارات عالية الطلب كالمهارات الرقمية والخضراء ومهارات الرعاية الصحية والاجتماعية، ويُضمن لمن يتمون التدريب الحصول على مقابلة عمل.

ترسيخ المهارات في إدارة المواهب على نطاق أوسع

تمتد مقاربات المهارات أولاً إلى ما بعد التوظيف لتشمل تحديد الأهداف وإدارة الأداء والتدريب المستمر. فالأوصاف الوظيفية المركزة على المهارات تساعد الأفراد على تخطيط تنمية مهاراتهم، وتمكّن أصحاب العمل من تقييم الأداء على أساس المهارات المثبتة بدلاً من سنوات الخدمة. كما يمكن لاحتياجات المهارات المحددة أن توجه تصميم فرص التدريب ذات الصلة واستهدافها.

وتشير الأدلة المتاحة إلى أن دولاً كثيرة لا تزال في طور التقدم نحو مكافأة المهارات عبر الأجور. إذ يُظهر تحليل بيانات مسح مهارات البالغين أن قوة مهارات معالجة المعلومات ترتبط إيجابياً بارتفاع الأجور؛ فأصحاب الدخل الوسيط ذوو المستويات المهارية الأعلى يكسبون في المتوسط نحو 30 دولاراً في الساعة، مقارنة بنحو 20 دولاراً في الساعة لذوي المستويات المهارية الأدنى. غير أن علاوة الأجر المرتبطة بالمهارات في دول المنظمة التي تتوفر بياناتها أكثر تواضعاً عموماً من تلك المرتبطة بالتحصيل التعليمي، باستثناء فرنسا واليابان. ففي المتوسط، ترتبط زيادة سنوات التعليم بمقدار انحراف معياري واحد بزيادة في الأجور نسبتها 16%، بينما ترتبط زيادة إتقان الحساب بمقدار انحراف معياري واحد بزيادة في الأجور نسبتها 9%.

ويمكن لأطر المهارات القائمة أن تدعم تصميم خطط للتطوير المهني قائمة على المهارات. ففي اليابان مثلاً، وُضعت أطر للتطوير المهني في مهن مختارة تحدد مستويات الإتقان للمهارات الرئيسة المطلوبة في هذه الأدوار. ويمكن استخدام هذه الأطر لدعم التخطيط المهني وتقييم الأداء بطريقة أكثر تنظيماً وشفافية.

الإطار 4.4: إبراز مسارات التقدم الوظيفي في المهن الرئيسة

أطلقت اليابان مبادرات لتوحيد مسارات التقدم الوظيفي في مهن مختارة. ومن الأمثلة على ذلك معايير المهارات لمتخصصي تقنية المعلومات، التي طورتها وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة لأول مرة عام 2002 بالتشاور مع ممثلي القطاع. ويحدد هذا الإطار مستويات الإتقان للمهارات المطلوبة في 11 مجموعة مهنية و35 تخصصاً، منها التسويق والمبيعات ومتخصصو تقنية المعلومات وتطوير البرمجيات وخدمة العملاء.

ففي مجال التسويق مثلاً، تنقسم المهنة إلى ثلاثة مجالات تخصص: استراتيجية قنوات التسويق، وإدارة التسويق، والاتصال التسويقي. وبالنسبة إلى دور تسويقي متخصص في استراتيجية قنوات التسويق، تُحدد نحو عشر مهارات أساسية ذات صلة خاصة، منها تقييم الفرص واختيارها، واستراتيجية التسويق، واستراتيجية قنوات البيع، والامتثال، وإدارة المشاريع، وقيادة الاتصال. ولكل مهارة من هذه المهارات يُحدد الإتقان عبر مستويات متعددة، بما يرسم مساراً منظماً لتنمية المهارات والتقدم الوظيفي.

وإلى جانب تحديد مستويات المهارات، توفر هذه المعايير إطاراً شاملاً للتطوير المهني؛ إذ تُحدد المسارات المهنية لمتخصصي تقنية المعلومات عبر سبعة مستويات، تتدرج من مستوى المبتدئ في المستوى الأول، مروراً بالمستوى المتوسط في المستويين الثاني والثالث والمستوى المتقدم في المستويين الرابع والخامس، وصولاً إلى مستوى التمكن في المستويين السادس والسابع. وترتبط مجموعة من المؤهلات الوطنية التي يُحصل عليها عبر امتحان مهندسي تقنية المعلومات الياباني بالمستويات من الأول إلى الرابع. ويستطيع الأفراد التقدم لامتحانات حتى المستوى الثالث دون خبرة عملية سابقة، بينما تتطلب الامتحانات المتوائمة مع المستوى الرابع خبرة مهنية ذات صلة. وبهذه الطريقة، تدعم هذه المعايير، مقترنة بالمؤهلات الوطنية، الأفراد الساعين إلى دخول قطاع تقنية المعلومات بمساعدتهم على تقييم مهاراتهم وتحديد المسارات المهنية المحتملة. ولا يوجد امتحان وطني موحد للمستوى الخامس وما فوقه، وتستند التقييمات المحلية لهذه المستويات إلى الخبرة المهنية.

ومن الأمثلة الأخرى نظام تصنيف المستويات المهنية لمتخصصي الرعاية، الذي طوره مكتب مجلس الوزراء عام 2012 وتديره حالياً وزارة الصحة والعمل والرفاه. ويصنف هذا الإطار المسارات المهنية كذلك عبر سبعة مستويات، فيوفر مرجعاً منظماً للتقدم في قطاع الرعاية.

وتستفيد منشآت كثيرة أيضاً من التقنيات الرقمية لإدارة قواها العاملة من منظور المهارات أولاً. فشركة دويتشه تيليكوم مثلاً طورت أكثر من 500 ملف للأدوار الوظيفية عبر الجمع بين الخبرة الداخلية وتوقعات خارجية للمهارات قائمة على الذكاء الاصطناعي. وتعمل منصتها لإدارة المهارات والمسارات المهنية على تخصيص خطط التدريب لمعالجة فجوات المهارات المحددة عبر التقييمات الذاتية السنوية ومصادقة المديرين. وتقدم شركة كوكاكولا يوروباسيفيك بارتنرز، أكبر شركة تعبئة مستقلة لمنتجات كوكاكولا، مثالاً آخر؛ إذ تشاركت الشركة مع نظام إيتفولد لاستخبارات المواهب المدعوم بالذكاء الاصطناعي لإطلاق منصتها للمسارات المهنية، التي كثيراً ما توصف بأنها لينكد إن داخلي. وتتيح المنصة للموظفين توثيق مسيرتهم المهنية، وتخطيط تنمية مهاراتهم، وتوسيع شبكاتهم المهنية، واستكشاف فرص التنقل الداخلي. ويستطيع المديرون استخدامها لتحديد المرشحين الداخليين المحتملين للتوظيف، مع دعم الموظفين والمديرين معاً بتوصيات قائمة على الذكاء الاصطناعي. ومقترناً بإطار المهارات لدى الشركة، الذي يربط ثلاث إلى خمس مهارات رئيسة بكل دور، يتيح هذا النظام إدارة المواهب على أساس المهارات. ونتيجة لذلك، يُشغل حالياً أكثر من نصف الوظائف الدائمة في الشركة عبر التنقل الداخلي. وعلى نحو مماثل، تتيح منصة يو ورك لدى يونيليفر، وهي سوق داخلية للمواهب، للموظفين التنقل بمرونة بين المشاريع والمهام.

وإجمالاً، تحقق مقاربات المهارات أولاً في إدارة المواهب فوائد للموظفين وأصحاب العمل على حد سواء؛ إذ يكتسب الموظفون رؤية أوضح للمسارات المهنية وفهماً أدق لاحتياجاتهم في تنمية المهارات، بينما يصبح أصحاب العمل أقدر على تحديد فجوات المهارات على مستوى المنشأة وفرص نقل المهارات بين الأدوار.

تمكين التحول نحو المهارات أولاً عبر السياسات العامة

يمكن للسلطات العامة أن تؤدي دوراً محورياً في تسريع اعتماد التوظيف وإدارة المواهب على أساس المهارات أولاً على المستوى الوطني، ولا سيما بين المنشآت الصغيرة والمتوسطة. إذ تستطيع الحكومات قيادة تطوير معايير مهنية مركزة على المهارات ومسارات تقدم أوضح، بما يساعد على ربط ممارسات أصحاب العمل بإطار مشترك للمهارات. وتسهم دوائر التوظيف العامة بدعم المنشآت في تحديد المرشحين ذوي الخبرة المناسبة عبر أدوات تقييم المهارات والإرشاد المهني الموجه. ويمكن لتطوير مجموعات أدوات عملية للتطبيق أن يزيد من خفض عوائق الدخول أمام المنشآت الساعية إلى اعتماد هذه المقاربات. كما تستطيع الحكومات تقديم القدوة عبر ترسيخ التوظيف وإدارة المواهب على أساس المهارات أولاً في القطاع العام، وإنشاء منصات للتعلم من الأقران تمكّن أصحاب العمل من تبادل الموارد والممارسات الفعالة. وأخيراً، يمكن للتمويل العام أن يوفر حوافز قوية للمنشآت لتجريب هذه المقاربات وتوسيع نطاقها.

ويساعد توفير خارطة طريق واضحة لتطبيق مقاربات المهارات أولاً المنشآت على فهم الخطوات التشغيلية وما يترتب عليها من موارد. ففي عام 2024 مثلاً، نشرت وزارة العمل الأمريكية، بالتعاون مع وزارة التجارة والشركاء الاجتماعيين، مجموعة أدوات البدء بالمهارات أولاً. ويحدد هذا الدليل خطوات عملية تبدأ بتحديد المهارات المطلوبة للدور وتمر بالتقييم والتوظيف وتنتهي بالتهيئة الوظيفية، ويتضمن نماذج لمعايير التقييم، وإحالات إلى أدوات قائمة، ودراسات حالة توضيحية لممارسات أصحاب العمل.

وتستطيع الحكومات كذلك إثبات ما ينجح عبر اعتماد التوظيف وإدارة المواهب على أساس المهارات أولاً في القطاع العام، وإن كانت إمكانية ذلك تتفاوت بين الدول. ففي الولايات المتحدة، أصلح عدد متزايد من الولايات اشتراطات الشهادات في الوظائف العامة. وتتيح وزارة العمل والمعاشات في المملكة المتحدة مسارات دخول متعددة، منها التلمذة المهنية التي تجمع بين عقود دائمة في الخدمة المدنية وتدريب منظم، وتشجع مواد التوظيف صراحة على التقدم من الفئات ناقصة التمثيل، ومنها الأشخاص المنحدرون من أقليات عرقية. غير أن اشتراطات المؤهلات القانونية في بعض الدول تقيد التجريب في الوظائف العامة.

وتستطيع الحكومات تعزيز مقاربات المهارات أولاً أكثر عبر تيسير الحوار وتبادل الخبرات بين الجهات المعنية. ومن الآليات المتاحة لذلك الاتفاقيات الثلاثية، والمجالس واللجان، وإنشاء منظمات مخصصة. وتمثل فرقة العمل الأوروبية الأمريكية للمواهب من أجل النمو مثالاً على الحوار الدولي؛ إذ أُنشئت خلال عامي 2023 و2024 بقيادة مسؤولين حكوميين، وجمعت ممثلي أصحاب العمل والعاملين ومقدمي التدريب، ووفرت منتدى لمناقشة التوظيف القائم على المهارات أولاً والشهادات المصغرة.

وأخيراً، يمكن للتمويل العام أن يوفر حوافز قوية للمنشآت لتجريب مقاربات المهارات أولاً وتوسيع نطاقها. فسنغافورة مثلاً تقدم منحة تنمية القوى العاملة ضمن برنامج مهارات المستقبل لدعم إعادة تصميم الوظائف وتحول القوى العاملة. وتغطي المنحة 50% من التكاليف المؤهلة لكي تحصل المنشآت على توجيه خبراء من مستشارين معتمدين مسبقاً، وتبني قدراتها الداخلية، وتعتمد أدوات تقنية، بحد أقصى قدره 150 ألف دولار سنغافوري، أي نحو 120 ألف دولار أمريكي، ويرتفع الدعم إلى 70% للمنشآت الصغيرة والمتوسطة.

دراسة ذات صلة