الفصل الثاني: بناء لغة مشتركة للمهارات
يتناول هذا الفصل دور اللغة المشتركة للمهارات بوصفها مكوناً تأسيسياً لأسواق العمل القائمة على المهارات أولاً. ويوضح كيف تتيح تصنيفات المهارات المحكمة التصميم تعريف المهارات بوضوح وتصنيفها على نحو متسق عبر المهن والمؤهلات ومنظومات التدريب، بما يقلص الاحتكاكات المعلوماتية التي يواجهها العاملون وأصحاب العمل وصناع السياسات. واستناداً إلى التجارب الدولية، يستعرض الفصل الاستراتيجيات المختلفة لتطوير تصنيفات المهارات وتحديثها، ويقيّم كيفية دمجها في المعايير المهنية وسجلات المؤهلات ومنظومات معلومات سوق العمل. كما يسلط الضوء على التحديات المستمرة المتعلقة بقابلية التشغيل البيني.
باختصار
اللغة المشتركة للمهارات أساس التدريب والتوظيف القائمين على المهارات
تُعد اللغة المشتركة للمهارات عنصراً محورياً في أسواق العمل القائمة على المهارات أولاً، لأنها تمكّن العاملين وأصحاب العمل ومقدمي التدريب من التواصل بوضوح بشأن المهارات، فتتحسن بذلك قرارات التوظيف والإرشاد والسياسات. وتشكل تصنيفات المهارات جوهر هذه اللغة، إذ توفر تعريفات منظمة للمهارات وروابط منهجية بينها وبين المهن والمؤهلات.
وتنتهج الدول استراتيجيات مختلفة لتطوير تصنيفات المهارات، تتراوح بين مجرد تكييف الأطر القائمة وإنشاء أطر جديدة من الصفر. وفي الممارسة العملية، كثيراً ما تُدمج هذه الاستراتيجيات معاً، وقد تشمل مشاورات مع الجهات المعنية ومسوحاً منظمة وآراء خبراء ومقاربات قائمة على البيانات تستفيد من إعلانات الوظائف عبر الإنترنت ومن الذكاء الاصطناعي. فأستراليا مثلاً تطور تصنيفها الوطني للمهارات عبر الجمع بين مشاورات موسعة مع الجهات المعنية وعمل مفاهيمي يقوده الخبراء وخصائص قائمة على البيانات والذكاء الاصطناعي، بهدف بناء بنية جديدة للمهارات قابلة للتشغيل البيني تكون أساساً لتحول وطني نحو سياسات المهارات أولاً.
ويعزز دمج المهارات في سجلات المؤهلات والمعايير المهنية الشفافية ويتيح قدراً أكبر من التنقل الوظيفي. غير أن التقدم في قابلية التشغيل البيني لا يزال متفاوتاً، ولا سيما في التعليم العالي وفي الأنظمة الاتحادية، وفي تطوير منصات سهلة الاستخدام تقيم صلات صريحة بين المهارات والتعلم والوظائف. ويحد هذا التشتت من فاعلية تصنيفات المهارات، ويولّد احتكاكات للمتعلمين وأصحاب العمل ومقدمي التدريب، ويُضعف قابلية اللغة المشتركة للمهارات للتوسع.
ويمكن للمنشآت أن تستخدم لغة مشتركة للمهارات داخلياً لإعادة تصميم الأدوار الوظيفية ودعم إعادة التأهيل وإتاحة أسواق عمل داخلية أكثر مرونة، غير أن جني هذه الفوائد يقتضي مواءمة ممارسات التوظيف والترقية مع مبادئ المهارات أولاً.
وتكون عمليات تقييم المهارات واستشرافها أكثر فاعلية حين تركز صراحة على المهارات لا على المهن وحدها، مستخدمة لغة مشتركة للمهارات لرصد الاحتياجات الناشئة وتوجيه توفير التدريب ودعم انتقالات أكثر سلاسة في سوق العمل. ويقدم تقرير الطلب على المهارات للاقتصاد المستقبلي في سنغافورة مثالاً على كيفية تصميم هذه العمليات حول المهارات صراحة؛ إذ يستند إلى بيانات واسعة النطاق من إعلانات الوظائف لتتبع التغيرات في متطلبات الوظائف، ويحدد المهارات ذات الأولوية ومجموعات المهارات في القطاعات النامية، كالاقتصاد الرقمي والاقتصاد الأخضر واقتصاد الرعاية.
مقدمة
يتطلب الانتقال نحو أسواق عمل قائمة على المهارات أولاً إطاراً تشغيلياً مشتركاً لتعريف المهارات وتصنيفها. إذ يجب أن تتمكن الأطراف الفاعلة من التواصل بلغة مشتركة للمهارات، أي بمجموعة موحدة من مفاهيم المهارات وتعريفاتها يفسرها العاملون وأصحاب العمل ومقدمو التدريب والسلطات العامة تفسيراً متسقاً. ولا ينبغي أن تكون هذه اللغة المشتركة وسيلة للتواصل البشري فحسب، بل معجماً للمهارات والمفاهيم المرتبطة بها تفهمه الأنظمة الإلكترونية أيضاً، بما يتيح البحث والمطابقة والربط عبر المنصات ومجموعات البيانات. ففي غياب إطار مرجعي مشترك، يظل إبراز المهارات والاعتراف بها ومقارنتها أمراً عسيراً؛ إذ يواجه العاملون صعوبات في وصف قدراتهم بطرائق يستطيع أصحاب العمل تفسيرها بموثوقية، ويواصل أصحاب العمل الاعتماد على مؤشرات غير مباشرة كالمسميات الوظيفية وسنوات الخبرة أو الشهادات للاستدلال على ما يستطيع الشخص القيام به، ويواجه مقدمو التعليم والتدريب عوائق مستمرة حين يحاولون جعل مخرجات التعلم واضحة وقابلة للمقارنة بين البرامج والمؤسسات.
ويتمثل أحد التحديات المحورية في أن معلومات المهارات تُنتج وتُستخدم حالياً بطرائق مشتتة. فقد تصف أطراف مختلفة مهارات متشابهة بمصطلحات مختلفة، أو تستخدم تسميات متطابقة للإشارة إلى كفاءات مختلفة في جوهرها. وتولّد أوجه عدم الاتساق هذه فهماً متفرقاً يعيق المواءمة بين التوظيف والتدريب والإرشاد في سوق عمل سريع التغير. كما يحد التشتت من قابلية التشغيل البيني بين الأطر المهنية وسجلات المؤهلات ومصادر معلومات سوق العمل. وحين يتعذر التعبير عن المهارات بوصفها مفاهيم معيارية ومنفصلة تنتقل عبر هذه الأنظمة، يظل الربط بين المعلومات المتعلقة بما يتطلبه العمل وما يقدمه التعلم أمراً صعباً، فتغدو التدخلات السياساتية الرامية إلى معالجة الاحتياجات الناشئة من المهارات أقل استهدافاً وأصعب تنفيذاً على نطاق واسع.
ولا يكفي لتخفيف هذه الاحتكاكات مجرد إعداد قائمة بالمهارات. فاللغة المشتركة للمهارات يجب أن تكون محددة ومنظمة بالقدر الكافي لتصلح للاستخدام في سياقات متنوعة، وأن تظل في الوقت ذاته مرنة بما يكفي لتتطور مع تغير الوظائف والمهام. ويفرض ذلك مفاضلات عملية في التصميم والتنفيذ، منها تحديد المستوى المناسب من التفصيل، وتجنب الازدواجية والغموض في المفاهيم، والمواءمة مع الأطر المهنية وأطر المؤهلات القائمة، ووضع ترتيبات حوكمة للتحديث المستمر. وأخيراً، تتوقف فاعلية اللغة المشتركة على مدى استخدامها؛ إذ يجب أن تترسخ في الممارسات المؤسسية والتنظيمية، كالمناهج ومخرجات التعلم والأوصاف الوظيفية وأنظمة إدارة المواهب وأدوات الإرشاد، إن كان لها أن تحوّل السلوك من الأنظمة القائمة على الشهادات والمسميات نحو مقاربات المهارات أولاً.
بناء لغة للمهارات
يتطلب تفعيل مقاربات المهارات أولاً نوعاً من لغة المهارات، أي معجماً من مفاهيم المهارات المعرّفة بوضوح. وعلى الرغم من أن المؤسسات تستطيع في الممارسة العملية أن تنشئ أو تعتمد أي لغة للمهارات تريدها، فإن استخدام لغة مشتركة بين الأطراف الفاعلة في سوق العمل المحلي، من أصحاب عمل وعاملين ومقدمي تدريب وحكومات وباحثين، يتيح لهم الرجوع إلى مصطلحات مفهومة لدى الجميع عند وصف متطلبات الوظائف ومحتوى التعلم وقدرات الأفراد. ويقتضي تطوير هذه اللغة تعريفاً عملياً لما يُعد مهارة، وقائمة معيارية بمفاهيم المهارات المنفصلة، وبنية تنظيمية تجعل المعجم سهل التصفح وقابلاً للاستخدام في مجالات التوظيف والتعليم والسياسات.
تعريف المهارات
تمثل المهارات وحدة التحليل الأساسية في لغة المهارات، غير أن تنوع الأنشطة والقدرات البشرية التي يمكن وصفها بأنها مهارات يجعل وضع تعريف دقيق ومقبول عالمياً أمراً صعباً، ولا يزال الخلاف المفاهيمي قائماً في الأوساط الأكاديمية والسياساتية. ومن المرجعيات المؤثرة في هذا الشأن نموذج المعارف والمهارات والقدرات، الذي اعتُمد لاحقاً في أنظمة تطبيقية عديدة، منها شبكة المعلومات المهنية التي طورتها وزارة العمل الأمريكية. ففي هذا الإطار، تشير القدرات إلى صفات فطرية أو مكتسبة تمكّن الفرد من أداء مهام محددة، وتدل المعارف على الفهم والمعلومات المتراكمة عبر التعلم أو الخبرة، بينما تعبّر المهارات عن التطبيق العملي للمعارف والقدرات في تنفيذ المهام بفاعلية. ويظهر هيكل ثلاثي مماثل في توصية مجلس الاتحاد الأوروبي لعام 2018 بشأن الكفاءات الأساسية للتعلم مدى الحياة، التي تميز بين الاتجاهات بوصفها نزعات تشكّل الاستجابة للمواقف، والمعارف بوصفها مفاهيم ونظريات راسخة يقوم عليها الفهم، والمهارات بوصفها القدرة على تنفيذ العمليات وتطبيق المعارف لتحقيق نتائج محددة.
وعلى المستوى الوطني، لا تزال التعريفات تتباين من حيث النطاق ومواضع التركيز. فهيئة الوظائف والمهارات الأسترالية مثلاً تصف المهارة بأنها قدرة بشرية ذات قيمة وموجهة نحو غاية، تُكتسب أو تُصقل عبر التعلم والممارسة، وتتشكل بفعل المعارف والخبرة والسمات الشخصية، وتتأثر بالسياق ومتطلبات البيئة. وفي المقابل، يعتمد التصنيف المعياري للمهارات في المملكة المتحدة صياغة أوسع، إذ يعرّف المهارة بأنها قدرة تتيح أداء مهمة ما بكفاءة، فيجعل المهارات وسيلة لغاية لا نتائج في حد ذاتها.
ورغم اختلاف المصطلحات، تلتقي معظم التعريفات عند عدد من العناصر الجوهرية؛ إذ تُعامل المهارات عموماً بوصفها سمات فردية تُنمّى عبر التعلم أو الخبرة وترتبط ارتباطاً وثيقاً بتنفيذ المهام في بيئات واقعية. وفي الخطاب السياساتي، كثيراً ما يُستخدم مصطلح المهارات بوصفه مظلة جامعة تشمل طيفاً أوسع من المفاهيم المرتبطة، كالقدرات والاتجاهات والمعارف، أو يُستخدم أحياناً اختصاراً للدلالة على المهام نفسها. والواقع أن مفهوم المهارات كثيراً ما يُقسَّم إلى مكونات متعددة؛ ومن التمييزات الشائعة الفصل بين المعارف والمعلومات التقنية كالتحدث بلغة ما، والكفاءات العملية كتشغيل الآلات، والسلوكيات أو التوجهات التي تشكل الأداء والتفاعل بين الأشخاص كالعمل الجماعي.
فعلى سبيل المثال، تميز أداة إعداد ملفات المهارات التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بين المهارات الخاصة بالمهنة، ومنها المهارات التقنية الصلبة وبعض المهارات الشخصية الخاصة بالمهنة، ومهارات معالجة المعلومات الأساسية كالقرائية والحساب والمهارات الرقمية، والمهارات المستعرضة غير المعرفية المرتبطة بالشخصية والاتجاهات. ومن الأمثلة الأخرى على هذا التفكيك الملفات المهنية لهيئة مهارات إنجلترا، التي تعرّف المهن من حيث المعارف والمهارات والسلوكيات. ويحدد التصنيف الكندي للمهارات والكفاءات المهارات إلى جانب المعارف والقدرات ومفاهيم أخرى منها السمات الشخصية، بينما تميز شراكة بيانات التنمية التابعة لمنصة لينكد إن بين مجموعات المهارات المستعرضة والتقنية ومهارات الأعمال والمهارات الإحلالية والمهارات القطاعية المتخصصة. وعلى الرغم من اختلاف التسميات ومنطق التقسيم، يظل الهدف المشترك هو تعريف مكونات ذات حدود مفاهيمية واضحة بالقدر الكافي للتعبير على نحو متسق عن متطلبات الوظائف ومخرجات التعلم في برامج التعليم والتدريب.
جمع معلومات المهارات
تمثل المعلومات عالية الجودة عن المهارات ومتطلباتها مدخلاً لا غنى عنه لأي لغة للمهارات. وتُستخدم عادة ثلاث طرائق رئيسة لبناء لغة المهارات أو توسيعها، وغالباً ما يُجمع بينها بدلاً من تطبيق كل منها بمعزل عن الأخرى. فالعمليات التشاورية لا تزال محورية في المنظومات المبنية حول الأطر الوطنية للمؤهلات أو التصنيفات المهنية الراسخة. ويستند التصنيف الوطني الأسترالي للمهارات مثلاً إلى تواصل موسع مع الأفراد والنقابات وأصحاب العمل والهيئات القطاعية ومقدمي التعليم العالي والجهات الحكومية. وتُستخدم المشاورات مع هذه الجهات لتوضيح حالات الاستخدام، واختبار المستويات المناسبة من التفصيل، وتقرير مدى المواءمة مع المعايير القائمة كالتصنيف المعياري للمهن في أستراليا وإطار المؤهلات الأسترالي، والمصادقة على قوائم المهارات الأولية.
وتوفر المسوح المنظمة وتقديرات الخبراء مقاربة أكثر منهجية تدعم التمثيل الإحصائي وقابلية المقارنة بين المهن. وتجسد شبكة المعلومات المهنية في الولايات المتحدة هذا النموذج عبر استبيانات مفصلة ترصد مستوى مئات المهارات ومجالات المعرفة والقدرات والمهام وأهميتها. وتُوزع هذه الاستبيانات على عينة ممثلة إحصائياً من المنشآت، وتُدمج مع تقديرات منظمة يعدّها محللون مهنيون مدربون، فينتج عن ذلك مجموعة بيانات معيارية يمكن تجميعها في تصنيف هرمي. ورغم أن هذه المقاربة تستهلك موارد كبيرة، فإنها تعتمد على أدوات مسح ممثلة ويمكنها توفير سلاسل زمنية مستقرة وتغطية مهنية متسقة.
كما تُستخدم أدوات تعلم الآلة والذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة لبناء لغات المهارات وتحديثها. فقد أتاح التقدم في الأساليب التحليلية، كالنماذج اللغوية الكبيرة، التنقيب في المصادر الإلكترونية، ومنها إعلانات الوظائف وأوصاف المقررات والحزم التدريبية والمعايير المهنية والسير الذاتية، لاستخراج معلومات المهارات. ومن مزايا هذه العملية الاستقرائية أنها لا تعتمد على قوائم محددة سلفاً من المهارات، ومن ثم تستطيع رصد مهارات جديدة لم تكن ملحوظة من قبل. وبذلك يمكن لهذه المقاربات أن تستجيب للمهارات الناشئة أسرع من الأساليب التقليدية القائمة على المشاورات أو المسوح، لكنها تنطوي كذلك على مخاطر؛ إذ قد تضخم التشويش والتكرار، وتبالغ في تمثيل مهارات يكثر ذكرها في إعلانات الوظائف رغم أنها ليست محورية للأداء. ولذلك تظل مصادقة الخبراء ضرورية للتحقق من المصادر وتصميم الإجراءات التحليلية والمصادقة على المخرجات.
وتجمع كثير من المنظومات القائمة في دول المنظمة بين هذه المقاربات، مستخدمة كل طريقة لمعالجة أوجه القصور في غيرها. فعند تطوير التصنيف المعياري للمهارات في المملكة المتحدة، جمعت هيئة مهارات إنجلترا عبارات المهارات والمهام من مصادر متعددة ووحّدتها، ثم صادقت على القائمة الناتجة بمقارنتها ببيانات الوظائف الشاغرة، وأنشأت بعد ذلك روابط بين المهام والمهارات ومفاهيم المعرفة المرتبطة بالمهن والمقررات والمؤهلات، مع إشراك الجهات المعنية طوال العملية لمراجعة النتائج وتحسين سهولة الاستخدام. وعلى نحو مماثل، أدخل التصنيف الأوروبي للمهارات والكفاءات والمؤهلات والمهن أساليب الذكاء الاصطناعي، كنماذج التشابه الدلالي، لرصد المفاهيم المكررة أو المتقادمة، مع الإبقاء على المراجعة البشرية من الخبراء والمصادقة عبر مجموعات العمل التابعة للدول الأعضاء. وتعزز المقاربات الهجينة التغطية وسرعة الاستجابة، مع الحفاظ على الحوكمة والمصادقة اللازمتين للشرعية العامة والاستخدام الفعلي.
واكتفت بعض الدول بتكييف أطر قائمة لإرساء لغتها المشتركة للمهارات. فالتصنيف الكندي للمهارات والكفاءات مثلاً يستند إلى أطر محلية ودولية قائمة على الكفاءات، منها شبكة المعلومات المهنية الأمريكية. وأنشأت وزارة الصحة والعمل والرفاه اليابانية موقعاً إلكترونياً يُعرف بوسم الوظائف، استناداً إلى بيانات المعهد الياباني لسياسات العمل والتدريب، وقد كُيّف في معظمه من تصنيفات المهارات في الشبكة الأمريكية. وتنطوي هذه المقاربات على إمكانية خفض تكاليف التطوير وتسريع التنفيذ، لكنها تظل بحاجة إلى جهود تضمن ملاءمة مفاهيم المهارات والروابط المهنية وترتيبات الحوكمة للمؤسسات والأهداف السياساتية المحلية.
هيكلة لغة المهارات
تجعل البنية المنظمة لغة المهارات سهلة التصفح، وكثيراً ما يتحقق ذلك عبر تسلسل هرمي يجمع المهارات في مستويات مختلفة من التحديد. وفي حالات كثيرة، تُورث بنية لغة المهارات ببساطة من المعايير المهنية أو التصنيفات الصناعية، التي تمتلك تسلسلاتها الهرمية الخاصة وتعرّف المهن من حيث متطلباتها من المهارات. فالدليل التشغيلي الفرنسي للمهن والوظائف في إصداره الرابع مثلاً إطار مهني في المقام الأول ينتظم حول مجالات مهنية، لكنه يتضمن أيضاً تصنيفاً مدمجاً للمهارات. ويتألف هذا التصنيف من تسلسل هرمي بأربعة مستويات يضم 6 مجالات للكفاءات و32 تحدياً استراتيجياً للمهارات و84 هدفاً للكفاءات و507 كفاءات كبرى، ترتبط بقوائم تفصيلية للمهارات العملية والمعارف والكفاءات السلوكية المرتبطة بالعمل، فضلاً عن تصنيفات معيارية لسياقات العمل. وعلى نحو مماثل، يصنف إطار المهارات في سنغافورة المهارات وفق نحو 1900 دور وظيفي في 39 قطاعاً صناعياً رئيساً. وتركز هذه التصاميم على سهولة الاستخدام لدى دوائر التوظيف العامة والجهات المرتبطة بها، عبر إدراج مفاهيم المهارات ضمن هياكل مهنية مألوفة.
وفي المقابل، تبني دول أخرى تصنيفات مستقلة للمهارات لا ترث بنيتها من التصنيفات المهنية، مع بقائها قابلة للربط بالمهن وبرامج التعلم. ومن الأمثلة على ذلك التصنيف المعياري للمهارات في المملكة المتحدة، والتصنيف الوطني الأسترالي للمهارات الذي لا يزال قيد التطوير. كما يعمل المنتدى الاقتصادي العالمي على إنشاء تصنيف عالمي للمهارات يهدف إلى أن يكون لغة مشتركة للمهارات لشبكة شركائه ومستخدميه الخارجيين، في حين تنفذ منظمة العمل الدولية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عملاً مماثلاً لدول مجموعة العشرين.
ربط المهن بالمهارات
يمكن للمنشآت أن تصف ملفاتها الوظيفية باستخدام أي مصطلحات داخلية للمهارات. غير أن الربط المنهجي بين المهن والمهارات على المستوى الوطني يعتمد عادة على المعايير المهنية. والمعيار المهني وصف رسمي لمهنة ما يحدد مهامها الأساسية إلى جانب المهارات اللازمة لأدائها بكفاءة. وتختلف المعايير المهنية من الناحية الفنية عن تصنيفات المهارات؛ فبينما تمثل تصنيفات المهارات أطراً منظمة تصنف المهارات وترتبها، فإن المعايير المهنية أوصاف للمهن. ولا تظهر أوجه الشبه بينهما إلا حين تُوصف المعايير المهنية ذاتها من حيث المهارات المكوّنة لها.
والواقع أن هيكلة المعيار المهني حول متطلبات مهارية معرّفة بوضوح تزيد من فائدته. فلكي تكون المعايير المهنية بنية تحتية مفيدة لمطابقة المهارات ولمعلومات سوق العمل، ينبغي أن تعبّر عن المتطلبات عبر معلومات مهارية منظمة لا عبر أوصاف سردية للمهام والمسؤوليات. فبينما تميل المهام إلى وصف ما يفعله العامل في سياق وظيفي محدد، كإعداد الحسابات الإدارية الشهرية أو تشغيل آلة التفريز، تصف المهارات قدرات قابلة للنقل يمكن تطبيقها في سياقات متعددة، كإعداد التقارير المالية أو تشغيل الآلات المتخصصة. ولذلك ينبغي أن تركز المقاربات المنظمة على القدرات القابلة للنقل معبَّراً عنها بمفردات متسقة ومعرّفات ثابتة.
وتعبّر المعايير المهنية في عدد من الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن متطلبات المهارات بصيغ منظمة، وتقدم فرنسا في هذا الشأن مثالاً بالغ الدلالة. فقد خضع نظامها للمعايير المهنية، الذي تديره دائرة التوظيف العامة الفرنسية، لمراجعات عدة على مر السنين، توّجت بإصدار النسخة الرابعة منه في عام 2023. وأعادت هذه النسخة تنظيم الأوصاف المهنية حول بنية وتسلسل هرمي أوضح للمهارات بهدف تعزيز المطابقة الوظيفية ومعلومات سوق العمل. وابتعد الإصلاح عن استخدام المهام بوصفها مؤشرات بديلة عن المهارات، واعتمد بدلاً من ذلك تعريفات مستقلة للمهارات، وأرسى تمييزاً أوضح بين الأنشطة المرتبطة بسياق محدد والمهارات الأوسع نطاقاً في التطبيق. ويأتي مثال آخر ذو صلة من المملكة المتحدة، يرد عرضه لاحقاً.
وتتحسن سهولة استخدام المعايير كذلك حين تحدد الأهمية النسبية للمهارات داخل كل مهنة. فإطار الكفاءات في منطقة الفلاندر البلجيكية مثلاً يميز بين المهارات والمعارف الأساسية والاختيارية، فيدل بذلك على التوقعات المعتادة لدى أصحاب العمل مع استيعاب التباين بينهم. وهذا الأسلوب المتدرج سهل التفسير والصيانة بمرور الوقت. أما شبكة المعلومات المهنية الأمريكية فتعتمد مقاربة أكثر رسمية ومنهجية، إذ توزع استبيانات على ممثلي القطاعات الذين يقدّرون صراحة أهمية المهارات المحددة سلفاً والمرتبطة بكل مهنة.
وتحقق المعايير المهنية أعلى قيمتها حين يمكن ربطها بسهولة بأنظمة أخرى، ومنها معايير التدريب والمؤهلات. ففي بلجيكا الناطقة بالفرنسية، توفر الهيئة الفرنكوفونية للمهن والمؤهلات مرجعاً مشتركاً يترجم المتطلبات المهنية إلى مخرجات تعلم ووحدات وملفات تقييم. ويمكن لروابط إضافية بين المعايير المهنية الوطنية والأطر الدولية واسعة الاستخدام، كشبكة المعلومات المهنية الأمريكية أو التصنيف الأوروبي، أن تحسّن استخدامها أكثر، ولا سيما لدى الباحثين ومحللي سوق العمل. وحتى داخل الدول، تتعايش المعايير المهنية مع أنظمة تصنيف أخرى مستخدمة في البيانات الإدارية وإحصاءات الوظائف الشاغرة ومنظومات التعليم. وفي غياب جداول تقابل موثوقة، يصعب على المحللين ربط بيانات المهارات بنتائج سوق العمل، إذ تتوقف قابلية التشغيل البيني على الحفاظ على روابط دقيقة بين الأنظمة.
ويجب أن تظل المعايير المهنية محدّثة لتعكس تطور أسواق العمل والتغير التكنولوجي، كما ينبغي أن تتضمن ترتيبات الحوكمة صراحة تحديد المسؤولية عن التحديثات وجداول التقابل. فدائرة التوظيف العامة في الفلاندر مثلاً تراجع المعايير أربع مرات سنوياً وتحدّثها عند الضرورة. وفي بلجيكا الناطقة بالفرنسية، يمكن للجهات المعنية طلب التحديثات، مع إتاحة إجراءات مبسطة للتعديلات الطفيفة.
الإطار 2.1: التعبير عن المهن عبر معلومات مهارية منظمة
تجسد أداة استكشاف التصنيف المعياري للمهارات في المملكة المتحدة تمثيل المهن عبر معلومات مهارية منظمة؛ إذ توصف المهن من حيث مهامها ومتطلباتها من المهارات والمعارف والمؤهلات ذات الصلة، بل والمهن المرتبطة بها أيضاً. فمهنة مشغّلي آلات الورق والخشب مثلاً توصف على النحو الآتي: المهام مرتبة بحسب أهميتها، ومنها مراقبة عمليات معالجة الورق والخشب لرصد الأعطال والحفاظ على المعايير، وفحص جذوع الأشجار أو الأخشاب لتحديد خطط القطع المثلى. والمهارات مرتبة بحسب أهميتها، ومنها قراءة أوراق العمل لتحديد متطلبات الإعداد والمواد، ومراجعة المواصفات الفنية والرسومات. ومجالات المعرفة، ومنها النجارة وأدوات الآلات. ومسارات التأهيل، ومنها التلمذة المهنية في تشغيل آلات الخشب، والتلمذة المهنية في تصنيع المنتجات الخشبية. والمهن المرتبطة، ومنها مشغلو عمليات النسيج، وعمال تشطيب المطبوعات وتجليدها، وصانعو الخزائن.
ومن الناحية المفاهيمية، قد يصعب أحياناً الفصل بين المهام والمهارات. ففي التصنيف المعياري للمهارات في المملكة المتحدة، تُعد المهام أنشطة عمل ملموسة تُؤدى في سياق وظيفي محدد، بينما تُعرّف المهارات بأنها قدرات قابلة للنقل تتيح أداء المهام في أدوار وبيئات متعددة؛ فالمهام تصف ما يُنجز في سير عمل بعينه، في حين تعبّر المهارات عن القدرة الكامنة التي لا تتيح أداء مهمة بعينها فحسب، بل أنشطة مرتبطة بها في سياقات أخرى أيضاً.
وتحتاج المنشآت الساعية إلى اعتماد مقاربة المهارات أولاً في التوظيف وتنمية المواهب كذلك إلى البدء بإرساء تصنيف داخلي للمهارات. وتنطوي هذه العملية على تفكيك الأدوار الوظيفية إلى مهارات محددة بوضوح، وإبلاغها صراحة للمديرين والموظفين. فقد أجرت شركات مثل آي بي إم مراجعات منهجية للأوصاف الوظيفية لتحديد المعارف والمهارات المطلوبة لكل دور، قبل إعادة صياغة الأوصاف بحيث تبرز المهارات بدلاً من المؤهلات أو مدة الخدمة. وقد أتاح ذلك إلغاء اشتراطات الشهادات في كثير من الوظائف، وأوجد مسارات أوضح لتقدم العاملين استناداً إلى مهاراتهم المثبتة.
واستخدمت مؤسسات أخرى أدوات استخبارات المهارات لمقارنة ملفات المهارات في الأدوار المتراجعة والناشئة، وتصميم مسارات لإعادة التأهيل قائمة على مجموعات المهارات المتداخلة. فقد جربت شركتا يونيليفر ووولمارت مثلاً منصات قائمة على البيانات تربط الأدوار بالمهارات الكامنة فيها، وتحدد المواضع التي يمكن فيها لرفع المهارات الموجه أن يدعم الانتقالات الوظيفية. وتُظهر هذه التجارب أن كثيراً من العاملين يمتلكون بالفعل نسبة كبيرة من المهارات اللازمة للأدوار الجديدة، ويمكنهم الانتقال إليها بقدر محدود من التدريب الإضافي. وتكسب المنشآت التي تعتمد هذه المقاربات أسواق عمل داخلية أكثر مرونة وتخفض تكاليف التوظيف.
ويمكن تطبيق لغة المهارات على مستوى المنظومة وعلى مستوى المنشأة معاً. فحين تعبّر المنشآت عن الأدوار الوظيفية بلغة المهارات، فإنها تسهم في إيجاد طلب على أوصاف معيارية للمهارات في منظومة التعليم وسوق العمل الأوسع. وفي المقابل، حين تستخدم المؤهلات الرسمية والأطر المهنية وأدوات الإرشاد المهني تصنيفاً مشتركاً للمهارات، تستطيع المنشآت دمج هذه المعلومات مباشرة في عمليات تخطيط القوى العاملة وتصميم الوظائف وإدارة المواهب لديها. ورغم أن لغة المهارات على مستوى المنظومة أو المستوى الوطني قد تكون أوسع من الأوصاف المحددة التي تستخدمها المنشآت منفردة، فإن تطبيق لغة المهارات أولاً على مستوى المنشأة بطريقة تحافظ على الاتساق مع لغات المهارات الشائعة الاستخدام يمكن أن يطلق آثار الشبكة التي تمنح تصنيفات المهارات قيمتها، ويوسع نطاق المسارات المهنية الممكنة.
ربط التعليم والتدريب بالمهارات
كما هو الحال في أي لغة، تتشكل قيمة لغة المهارات إلى حد كبير بفعل آثار الشبكة. فحين يكون استخدامها مشتتاً أو محصوراً في أجزاء معزولة من سوق العمل، يواجه الأفراد وأصحاب العمل احتكاكات في تفسير متطلبات المهارات، وتتراجع قدرة صناع السياسات على رؤية الاحتياجات الناشئة من المهارات. ولذلك، ورغم أن كثيراً من لغات المهارات تنبثق من المعايير المهنية، فإن دمجها مع سجلات المؤهلات أمر أساسي لتعظيم أهميتها. فحين تُصاغ سجلات المؤهلات صياغة كاملة عبر واصفات مهارية متسقة، يرى المستخدمون بوضوح كيف تبني برامج التعلم المحددة المهارات المطلوبة في سوق العمل. ويعني ذلك للمتعلمين وضوحاً أكبر بشأن الكفاءات المكتسبة والمسارات المهنية المرتبطة بتدريبهم، ويعني لأصحاب العمل فهماً أكثر تفصيلاً لقدرات العاملين المحتملين.
وفي دول المنظمة أمثلة عدة على دول ترتبط مؤهلاتها الوطنية، أو على الأقل شهاداتها المهنية والتقنية، صراحة بمعلومات مهارية منظمة، ومنها أستراليا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا وإنجلترا. فالخرائط المهنية لهيئة مهارات إنجلترا مثلاً تعتمد على التصنيف المعياري للمهارات لرسم المهارات المطلوبة لكل مهنة، والمؤهلات التقنية المتوائمة معها، ومسارات التقدم الوظيفي المتاحة لمن يعملون فيها بالفعل. كما تكشف الخرائط مواضع تداخل المهارات بين المهن، بما يمكّن الأفراد وممارسي الإرشاد من تحديد الأدوار المجاورة التي تتطلب مهارات متشابهة. ويستطيع مستخدمو الفهرس الوطني للمؤهلات في إيطاليا الاستعانة بأطلس المهن والمؤهلات للاطلاع على كيفية وصف المؤهلات من حيث المهارات وأنشطة العمل المرتبطة بها أو مخرجات التعلم. ويبسّط عرض المؤهلات بهذه الطريقة المنظمة المقارنة بين المؤهلات التي تحددها الأقاليم والمقاطعات الإيطالية.
كما توجّه بعض السجلات المستخدمين إلى مؤسسات التدريب التي تقدم البرامج المرتبطة بمؤهلات محددة. فالفهرس الإسباني للشهادات المهنية، والسجل الوطني للتدريب في أستراليا، وأداة البحث عن التلمذة المهنية التابعة لهيئة مهارات إنجلترا، تتضمن جميعها خصائص بحث تتيح للمتعلمين المحتملين العثور على أقرب مقدمي التدريب الذين يمنحون المؤهل المطلوب.
وتوفر اللغة المشتركة للمهارات كذلك أساساً لوصف تعلم البالغين غير النظامي والعرضي. ولتحقيق ذلك بمصداقية، ينبغي لمقدمي التدريب وجهات المصادقة أن يستمدوا مخرجات التعلم وواصفات المهارات من معايير التدريب والمعايير المهنية بدلاً من استخدام تسميات خاصة بكل مقدم. وبهذه الطريقة يمكن تجميع مخرجات التعلم في وحدات قابلة للجمع والاعتراف والتقييم على نحو متسق، بما يتيح تراكمها نحو مؤهلات أكبر. ومن شأن وصف مخرجات تعلم البالغين غير النظامي والعرضي بلغة مشتركة للمهارات أن يحد من التشتت ويجعل تنمية المهارات أكثر شفافية للعاملين وأصحاب العمل.
ورغم التقدم المحرز، لا تزال المنظومات الرامية إلى الربط بين المؤهلات والمهن والمهارات تواجه قيوداً هيكلية. ويتمثل أحد هذه القيود في التفاوت في التغطية القطاعية؛ إذ تركز منظومات كثيرة على التعليم والتدريب المهني والتقني ولا تشمل مؤهلات التعليم العالي أو تعليم البالغين غير النظامي، كما هو الحال مثلاً في الفهرس الوطني للمؤهلات في البرتغال والفهرس الإسباني للشهادات المهنية. وقد يصعب وصف التعليم العالي من حيث مخرجات التعلم، لأن الجامعات تحتفظ عادة بمناهج قائمة على التخصصات وتتمتع باستقلالية مؤسسية كبيرة. يضاف إلى ذلك أن الشهادات الجامعية، خارج بعض مجالات الدراسة كالهندسة والصحة، تميل إلى أن تكون أقل ارتباطاً بمهن محددة. ويتعلق التحدي الثاني بتطوير منصات رقمية متكاملة تعرض روابط واضحة وسهلة التصفح بين المؤهلات والمهارات والمهن. فحتى حيث توجد الروابط، تقلل الواجهات المشتتة من سهولة الاستخدام وتحد من قدرة المتعلمين وأصحاب العمل والمرشدين على تفسير العلاقات المعقدة. وينبغي للمنصة الفعالة أن تتيح للمستخدمين استكشاف جميع الروابط ذات الصلة ضمن بيئة موحدة.
توظيف المهارات لفهم تغير الطلب في سوق العمل
باتت استخبارات المهارات شرطاً تمكينياً حاسماً لاعتماد مقاربات المهارات أولاً ونشرها في التوظيف وإدارة المواهب ومنظومات التدريب. إذ يحتاج أصحاب العمل ومقدمو التعليم والسلطات العامة إلى أدلة تفصيلية وآنية عن الاحتياجات المتطورة من المهارات، لكي يعيدوا تصميم ممارسات التوظيف ويحدّثوا استراتيجيات تنمية القوى العاملة ويواءموا عروض التعلم مع الطلب الناشئ. ولذلك فإن عمليات تقييم المهارات واستشرافها عالية الجودة لا تؤدي دور الأدوات التحليلية فحسب، بل تمثل أيضاً بنية تحتية مؤسسية تدعم الانتقال من ممارسات سوق العمل القائمة على الشهادات إلى تلك القائمة على المهارات.
وعلى وجه الخصوص، لا تكون عمليات تقييم المهارات واستشرافها ذات صلة بمقاربات المهارات أولاً إلا حين تولّد معلومات تفصيلية وآنية عن المهارات المطلوبة في سوق العمل، لا عن المهن أو القطاعات وحدها. وتكمن قيمتها في ترجمة إشارات سوق العمل إلى رؤى تشغيلية يستطيع أصحاب العمل ومقدمو التدريب ومخططو القوى العاملة استخدامها لإعادة تصميم معايير التوظيف وأطر الكفاءات ومسارات التعلم. والعمليات التي تدمج البيانات الإدارية وتحليل الوظائف الشاغرة والمدخلات المنظمة من أصحاب العمل أقدر على تحديد مجموعات المهارات الناشئة، أي مجموعات المهارات المترابطة التي تميل إلى الظهور معاً في مهن أو مسارات تدريبية معينة، وكذلك المهارات القابلة للنقل، والمجالات التي يمكن فيها لرفع المهارات الموجه أن يحل محل اشتراطات الشهادات الرسمية.
كما يحدد التصميم المنهجي مدى قدرة هذه العمليات على دعم تطبيق مقاربات المهارات أولاً واستدامته. فالنماذج المختلطة التي تجمع بين التنبؤ الكمي والتشاور النوعي مع الخبراء والاستشراف القطاعي قد تكون أكثر فاعلية في رصد المهارات التقنية والمستعرضة سريعة التطور. ويتيح جمع البيانات المستمر والمصادقة التكرارية مع الأطراف الفاعلة في القطاعات والمواءمة مع تصنيفات المهارات ترجمة النتائج مباشرة إلى أنظمة إدارة المواهب ومعايير التدريب. وفي غياب هذه السمات، تظل المخرجات وصفية لا تشغيلية، ولا تقدم سوى توجيه محدود للمؤسسات الساعية إلى اعتماد ممارسات المهارات أولاً.
وعلى الرغم من أن ممارسات النشر قوية عموماً، إذ تحتفظ ثلثا الدول بمنصات مخصصة لمعلومات سوق العمل تعرض نتائج هذه العمليات بصيغ ميسّرة لطيف واسع من المستخدمين، فإن المقاربات الحالية كثيراً ما تقصر عن المطلوب لأن التحليل يظل مرتبطاً بالتصنيفات المهنية وهياكل المؤهلات التي تحجب التباين في المهارات داخل الوظيفة الواحدة وتؤخر رصد المهارات الناشئة. كما أن تشتت التصنيفات وعدم اتساق المصطلحات بين أنظمة البيانات يقللان من قابلية التشغيل البيني ويصعّبان ربط معلومات سوق العمل بأدوات التوظيف أو تصميم المناهج. ونتيجة لذلك، كثيراً ما تحدد التقييمات حالات نقص العمالة دون أن تحدد المهارات الكامنة التي تقف وراءها، مما يقيد فائدتها في التوظيف القائم على المهارات أولاً وتخطيط القوى العاملة وإصلاح التعليم على أساس المهارات.
ويوضح تقرير الطلب على المهارات للاقتصاد المستقبلي في سنغافورة كيف يمكن تصميم عمليات تقييم المهارات واستشرافها حول المهارات صراحة. فالتحليل، الذي يستند إلى بيانات واسعة النطاق من إعلانات الوظائف لتتبع التغيرات في متطلبات الوظائف، يركز على تحديد المهارات ذات الأولوية ومجموعات المهارات في القطاعات النامية، كالاقتصاد الرقمي والأخضر واقتصاد الرعاية، بدلاً من الاقتصار على توقع الطلب على المهن. ويبرز التقرير أكثر المهارات طلباً، ويحدد مهارات أساسية حرجة مستعرضة ذات صلة بمختلف المهن. وتُنشر النتائج للعموم عبر التقرير نفسه ولوحات بيانات تفاعلية على بوابة الوظائف والمهارات، بما يتيح للأفراد وأصحاب العمل ومقدمي التدريب استكشاف رؤى سوق العمل وتخطيط مسارات التدريب. ومن خلال الجمع بين تحليلات الوظائف الشاغرة والتحليل القطاعي، وعرض النتائج من حيث المهارات المحددة ومجموعات المهارات القابلة للنقل، يؤدي هذا التقرير دور منظومة لتقييم المهارات واستشرافها تركز على المهارات، وتدعم مقاربة المهارات أولاً في تخطيط القوى العاملة والتعلم مدى الحياة.
الحد من الاحتكاكات التي تعيق قابلية التشغيل البيني
لا يُعد تطوير لغة مشتركة للمهارات مهمة يسيرة، بل عملية معقدة وطويلة الأمد. ويتمثل أحد التحديات المحورية في استمرار تشتت الأطر القائمة، مما يحد من قابلية التوسع والشمولية اللازمتين لتصنيف مهارات فعّال بالكامل. وقد سعت دول كثيرة إلى دمج الأطر السابقة أو مواءمتها خطوة أولى، غير أن الاختلافات في التعريفات ووحدات التحليل ومستويات التفصيل كثيراً ما تحد من فوائد هذه المقاربة. ولذلك ينبغي أن يكون تعزيز قابلية التشغيل البيني داخل المنظومات الوطنية أولوية.
وتنطوي الأنظمة الاتحادية بطبيعتها على مستوى إضافي من التعقيد، وتوضح الحالة الكندية تحديات العمل عبر ولايات قضائية متعددة. إذ تستخدم كندا إطار التصنيف المهني الوطني، مدعوماً بتصنيف مرتبط به للمهارات والكفاءات، لكن كثيراً من المهن في هذا الإطار تخضع لاشتراطات تنظيمية مختلفة بين المقاطعات، مما يقلل من وضوح التوقعات المهارية على المستوى الوطني. وعلى صعيد التعليم، تمتلك كندا إطاراً كندياً شاملاً لمؤهلات الدرجات العلمية يركز على ضمان الجودة في التعليم العالي، إلى جانب عدد من أطر المؤهلات على مستوى المقاطعات، كإطار المؤهلات في أونتاريو. ولا تكون الروابط بين أطر المؤهلات في المقاطعات محددة بدقة دائماً، كما أنها غير مرتبطة بتصنيف المهارات والكفاءات.
وخارج الحدود الوطنية، بات تعزيز قابلية المهارات للمقارنة دولياً أمراً حاسماً لدعم تنقل العاملين وعمليات الاعتراف ومواءمة الاستراتيجيات الصناعية. وتدل المبادرات فوق الوطنية، كمبادرة قابلية نقل المهارات في الاتحاد الأوروبي والعمل الجاري بين منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة العمل الدولية على تصنيف عالمي للمهارات، على إدراك متزايد بأن الاتساق العابر للحدود ضروري لتيسير تنقل العاملين وتبسيط الاعتراف بالمؤهلات.
الإطار 2.2: مبادرة الاتحاد الأوروبي لقابلية نقل المهارات
مبادرة قابلية نقل المهارات مقترح مرتقب من المفوضية الأوروبية يهدف إلى جعل مهارات العاملين ومؤهلاتهم أيسر فهماً واعترافاً في جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وتسعى المبادرة إلى الحد من العوائق التي تعرقل تنقل العمالة وأداء السوق الموحدة، عبر تحسين شفافية الشهادات وقابليتها للمقارنة والاستخدام الرقمي، ولا سيما لأصحاب العمل، ومنهم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، الذين يجدون حالياً صعوبة في تفسير المؤهلات المكتسبة في الخارج.
وتنتظم المبادرة حول ثلاثة إجراءات مترابطة. أولها تعزيز شفافية المهارات والمؤهلات ورقمنتها لتكون أكثر قابلية للنقل والفهم عبر المهن والحدود، بالبناء على أدوات قابلة للتشغيل البيني كسجلات المؤهلات المرجعية للإطار الأوروبي للمؤهلات، وأوصاف المهارات المرتبطة بالتصنيف الأوروبي، وقنوات المشاركة الرقمية كمحفظة الهوية الرقمية الأوروبية. وثانيها تحديث إجراءات الاعتراف بالمهن المنظمة، وربما توسيعها، في إطار الأطر الأوروبية القائمة، بما يجعل الاعتراف العابر للحدود أسرع وأكثر قابلية للتنبؤ وأقل عبئاً إدارياً. وثالثها تبسيط الاعتراف بمؤهلات مواطني الدول غير الأعضاء في الاتحاد، بوسائل منها الحد من تشتت عمليات التقييم وتحسين شفافية طريقة تقييم المؤهلات والمهارات الأجنبية.
ويجري تطوير المبادرة عبر عملية واسعة لجمع الأدلة والتشاور تشمل أصحاب العمل والعاملين والسلطات الوطنية والإقليمية والمجتمع المدني، بما في ذلك مقابلات موجهة وورش عمل للخبراء. وإذا نُفذت المبادرة بنجاح، فقد تحد من الاحتكاكات الإجرائية في التوظيف العابر للحدود، وتدعم التقدم الوظيفي بين الدول الأعضاء، وتساعد على التخفيف من عدم المواءمة في المهارات عبر جعل إشارات المهارات أوضح وأكثر قابلية للاستخدام في عمليات التوظيف والاعتراف.
ويتيح الابتكار التكنولوجي أدوات محتملة لمعالجة فجوات قابلية التشغيل البيني. ومن الأمثلة على ذلك مبادرة توظيف الذكاء الاصطناعي لاستخراج المهارات والبحث، وهي مبادرة مفتوحة المصدر تقودها جامعة جورج واشنطن في الولايات المتحدة، وتطبق النماذج اللغوية الكبيرة لاستخراج عبارات المهارات من إعلانات الوظائف والمحتوى التعليمي، وربطها بقاعدة بيانات ديناميكية للمهارات، وتحديث التصنيف مع تطور المصطلحات.
