القائمة الرئيسية

تقرير سوق عمل قائم على المهارات أولاً (5/1)

تقرير سوق عمل قائم على المهارات أولاً (5/1)
ملخص الدراسة

يتناول الفصل التحول المتزايد في أسواق العمل من الاعتماد على المؤهلات التعليمية التقليدية إلى إعطاء الأولوية للمهارات المثبتة، في ظل نقص الكفاءات وتزايد عدم التوافق بين مهارات العاملين ومتطلبات الوظائف وتسارع التغيرات التكنولوجية. ويوضح أن هذا التحول يسهم في تحسين التوظيف والإنتاجية والابتكار، وتوسيع فرص العمل أمام الفئات التي تمتلك المهارات المطلوبة دون شهادات جامعية، بما يعزز الإنصاف والحراك الاجتماعي. ويقوم نموذج المهارات أولاً على ركيزتين أساسيتين هما تنمية المهارات من خلال التعلم المستمر والمسارات التدريبية المرنة، والاعتراف بها وتقديرها في التوظيف والتطور المهني، مدعومتين ببيئة تمكينية تشمل لغة مشتركة لتصنيف المهارات، وبيانات موثوقة عن احتياجات سوق العمل، وسياسات تشجع التعلم مدى الحياة. كما يستعرض الفصل تجارب المنشآت والحكومات في تطبيق هذه المقاربات، ويقدم مؤشرًا لقياس جاهزية الدول واعتمادها لممارسات المهارات أولاً، أظهر تقدم أستراليا والسويد وفرنسا والمملكة المتحدة في عدد من الأبعاد، مع استمرار الحاجة إلى تطوير منظومات التعليم والتدريب والتوظيف وتعزيز التعاون بين الحكومات وأصحاب العمل ومؤسسات التعليم لضمان مواءمة أفضل بين المهارات والوظائف.

الفصل الأول: المهارات بوصفها العملة الجديدة للعمل

يتتبع هذا الفصل نشأة ممارسات المهارات أولاً وتطورها، ويرصد الاتجاهات العالمية التي تسرّع الانتقال نحو هذه المقاربات، ويعرض المنطق الاقتصادي الذي يقوم عليه هذا التحول مع إيلاء اهتمام خاص لاعتباري الكفاءة والإنصاف. وانطلاقاً من هذا التحليل، يقترح الفصل تعريفاً جديداً وشاملاً لنموذج المهارات أولاً يتجاوز التوظيف ليشمل منظومات التعلم والاعتراف بالمهارات والشروط المؤسسية التمكينية. ويعرض الفصل أخيراً مؤشر الجاهزية لممارسات المهارات أولاً واعتمادها، وهو مقياس مركّب جديد صُمم لتقييم مدى استعداد الدول لهذه المقاربات ومدى تطبيقها الفعلي لها.

باختصار

أسواق العمل تتحول من المؤهلات إلى المهارات

نُظّمت أسواق العمل تقليدياً حول المؤهلات الرسمية، التي باتت على نحو متزايد غير ملائمة للظروف الاقتصادية سريعة التغير. وخلال العقد الماضي، ظهرت المقاربات القائمة على المهارات أولاً، في البداية على مستوى التوظيف داخل المنشآت، ثم امتدت لاحقاً إلى ممارسات الموارد البشرية الأوسع وإلى التعلم مدى الحياة. وتعيد المنشآت هيكلة أسواق العمل الداخلية لديها حول المهارات، في حين يوسع مقدمو التعليم والتدريب مسارات التعلم المعيارية والمرنة.

وتكتسب هذه المقاربات أهمية متزايدة في ظل مواجهة أصحاب العمل صعوبات مستمرة في التوظيف، بالتوازي مع انتشار واسع لعدم استغلال المهارات استغلالاً كاملاً. ففي عام 2025، أفاد أكثر من ثمانية من كل عشرة أصحاب عمل في عدد من الدول، منها اليابان وألمانيا، بأنهم يواجهون مشكلات في العثور على مرشحين يمتلكون المهارات المناسبة، بينما أشار أكثر من عامل واحد من كل ثلاثة في المتوسط في الدول المشاركة إلى أن مهاراتهم لا تتواءم تماماً مع وظائفهم، وترتفع هذه النسبة في دول مثل الولايات المتحدة وكندا. ومن المتوقع أن تتفاقم هذه التحديات مع تسارع تطور متطلبات المهارات.

ويجد التحول نحو المقاربات القائمة على المهارات أولاً ما يسوّغه في النظرية الاقتصادية كذلك؛ فالتحصيل التعليمي مؤشر بديل منقوص على المهارات، مما يُضعف وظيفة الإشارة في سوق العمل ويسهم في حالات عدم المواءمة. أما التركيز على المهارات المثبتة فيوفر معلومات أدق عن القدرات، فيحسّن كفاءة التخصيص. ولهذه المقاربات أيضاً فوائد توزيعية، إذ توسع نطاق الفرص المتاحة للفئات التي عانت تاريخياً من الحرمان في ظل المنظومات القائمة على المؤهلات.

ويقترح هذا الفصل تعريفاً شمولياً للمقاربات القائمة على المهارات أولاً يتجاوز حدود التوظيف. فمنظومات المهارات أولاً تمنح الأولوية للمهارات المثبتة في التوظيف والتدريب والتقدم الوظيفي، مع اضطلاع المؤهلات بدور الإشارات المكمّلة لا الحواجز التي تتحكم في الدخول. وتقوم هذه المنظومات على ركيزتين أساسيتين هما تنمية المهارات والاعتراف بها، تدعمهما بيئة تمكينية أوسع تضم السياسات والبنية التحتية ومنظومات البيانات.

ولتقييم مدى التقدم، يقدم الفصل مؤشر الجاهزية لممارسات المهارات أولاً واعتمادها، الذي يجمع 25 مؤشراً فرعياً موزعة على منظومات التعلم والاعتراف بالمواهب والشروط التمكينية. ورغم أنه لا توجد دولة تتصدر جميع الأبعاد، فإن عدداً من الدول يبرز في الطليعة إجمالاً، ولا سيما أستراليا والسويد وفرنسا والمملكة المتحدة، التي تجمع بين منظومات تعلم قوية نسبياً تركز على المهارات وآليات أكثر تقدماً للاعتراف بالمهارات وبيئات مؤسسية داعمة.

مقدمة

يمر سوق العمل العالمي بإعادة اصطفاف هيكلية تشكّلها التغيرات التكنولوجية والاتجاهات الديموغرافية وتطور علاقات العمل والانتقال إلى اقتصادات منخفضة الكربون. وتعيد هذه التحولات تشكيل الطلب على العمالة، وترفع القيمة الممنوحة للقدرة على التكيف، وتفرض على العاملين إعادة توظيف مجموعات مهاراتهم وتحديثها بوتيرة أعلى. غير أن منظومات تنمية القوى العاملة القائمة لا تزال موجهة في الغالب نحو المؤهلات الرسمية وتراتبية الشهادات. وهذا الإرث المؤسسي، الذي صُمم لأزمنة اتسمت بالاستقرار الهيكلي، يقيّد قدرة سوق العمل على الاستجابة ويحد من إمكانية معالجة النقص الناشئ في المهارات في الوقت المناسب.

ومنذ مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، سعت جهود الإصلاح إلى دمج المهارات على نحو أوضح في سياسات سوق العمل والتعلم مدى الحياة وممارساتهما، غير أن التنفيذ جاء متفاوتاً. فقد اعتمدت اقتصادات عديدة منظومات هجينة تُدمج أطر الكفاءات وآليات الاعتراف بالتعلم السابق ضمن هياكل المؤهلات. وعلى الرغم من أن هذه المبادرات حسّنت الشفافية في بعض القطاعات، فإن أثرها ظل محدوداً إلى حد ما. إذ لا يزال استمرار عدم المواءمة في المهارات من جهة ونقص الكفاءات من جهة أخرى يُضعفان إنتاجية العمل وجودة الوظائف. ووفقاً لتقييمات دولية حديثة، تطال أوجه القصور هذه شريحة كبيرة من القوى العاملة العالمية، مما يعزز الحاجة إلى وضع المهارات، بدلاً من الشهادات، في صميم تصميم سياسات التوظيف وتعليم البالغين.

ويقترح نموذج المهارات أولاً الناشئ إعادة توجيه الطريقة التي يُطوَّر بها رأس المال البشري ويُصادَق عليه ويُستثمر في سوق العمل. فهو يجعل المهارات المثبتة المؤشرات الرئيسة على القدرة، بينما تؤدي المؤهلات الرسمية دور الإشارات المكمّلة لا الحواجز. ويتطلب تحقيق هذه المقاربة تطوير أساليب متينة لتحديد المهارات وتقييمها، ومنظومات قابلة للتشغيل البيني للاعتراف بها ونقلها، وتعاوناً مستداماً بين أصحاب العمل ومقدمي التعليم والتدريب والسلطات العامة لضمان مصداقية إشارات المهارات واتساقها. كما يستلزم دراسة مدى جاهزية أصحاب العمل لاعتماد ممارسات للقوى العاملة قائمة على المهارات أولاً، والآثار التوزيعية لذلك على العاملين في مختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية.

لمحة تاريخية موجزة عن ممارسات المهارات أولاً

نظراً لعدم وجود تعريف متفق عليه عالمياً لنموذج المهارات أولاً، فمن المفيد رسم حدوده عبر وضعه في سياق الأطر القائمة لتحديد قدرات العاملين. ويميز الباحثون بين نموذجين راسخين سبقا ظهور هذه المقاربات: أولهما المنظومات المتمحورة حول المؤهلات، التي ظلت سائدة حتى مطلع القرن الحادي والعشرين، وتعدّ التحصيل التعليمي الرسمي المؤشر الرئيس على قابلية التوظيف. وثانيهما المنظومات الهجينة القائمة على المهارات، التي برزت في العقد الأول من القرن الحالي، وتدمج أطر الكفاءات والاعتراف بالتعلم السابق، لكنها تظل معتمدة على الشهادات الرسمية بوصفها الإشارة الرئيسة على القدرة. وقد ثبت تزايد قصور كلا النموذجين عن الاستجابة للطبيعة سريعة التغير للعمل. فخلال العقد الماضي، ولا سيما في أعقاب جائحة كوفيد 19، أفاد أصحاب العمل بتحديات مستمرة في شغل الوظائف الشاغرة. وقد تضخم هذا النقص بفعل التغيرات الهيكلية في الطلب على العمالة المرتبطة بالتقدم في الذكاء الاصطناعي وتسارع التحول الأخضر. كما أدى الظهور السريع لمهن جديدة كلياً، كتلك المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، وتغيّر احتياجات المهارات داخل المهن نفسها، إلى اتساع نطاق المهارات المطلوبة في الاقتصاد. ولأن منظومات التعليم بطيئة في التكيف، ولأن الحصول على الدرجات العلمية يستغرق سنوات عدة، استثمرت الحكومات في التدريب غير النظامي لتزويد البالغين بالمهارات الناشئة.

واستجابةً لذلك، بدأ عدد من المنشآت في تعديل استراتيجيات التوظيف لديها، إما بإلغاء اشتراط الشهادة الجامعية في إعلانات الوظائف، أو بمطابقة العاملين مع الأدوار الوظيفية بناءً على مهاراتهم لا شهاداتهم. وكان هذا التوجه أوضح ما يكون لدى المؤسسات الكبرى متعددة الجنسيات التي تمتلك إدارات موارد بشرية ناضجة. فمن خلال تخفيف اشتراطات المؤهلات أو إلغائها في عدد كبير من الوظائف، وسّعت هذه المنشآت قاعدة المواهب المحتملة لديها ووصلت إلى فئات لم تكن مستغلة من قبل. فقد بدأ فرع شركة آي بي إم في الولايات المتحدة على سبيل المثال اعتماد مقاربة المهارات أولاً في التوظيف منذ أكثر من عقد لمعالجة النقص في المتخصصين التقنيين. وبعد أن كانت معظم الوظائف تشترط سابقاً شهادة جامعية، لم يعد أكثر من نصف الوظائف التي تعلن عنها الشركة حالياً في الولايات المتحدة يشترطها، كما أن نحو خُمس من توظفهم في الولايات المتحدة لا يحملون مؤهلاً جامعياً. وقد أدى هذا التحول إلى زيادة طلبات التوظيف المقدمة من الفئات ناقصة التمثيل بنحو 63%.

وامتد التركيز على المهارات تدريجياً من التوظيف إلى ممارسات الموارد البشرية والممارسات التنظيمية الأوسع. إذ تعيد الشركات تصميم أسواق العمل الداخلية لديها لدعم التقدم الوظيفي والتعلم مدى الحياة استناداً إلى وضوح المهارات. ومن الأمثلة البارزة على ذلك منصة يو ورك التابعة لشركة يونيليفر، وهي سوق داخلية للمواهب تتيح للموظفين التنقل بمرونة بين المشاريع والمهام. وتنظم الشركة العمل بصورة متزايدة حول المشاريع والمخرجات والمهارات المطلوبة بدلاً من المسميات الوظيفية الثابتة. ولمزيد من الدعم لتنمية المهارات، يعدّ كل موظف خطة شخصية تُعرف بخطة الجاهزية للمستقبل، وهي إطار لتنمية المهارات يربط مسارات التعلم الفردية بأولويات المؤسسة واحتياجاتها المستقبلية من المهارات.

وبالتوازي مع التطورات في القطاع الخاص، بدأت الإدارات العامة أيضاً بإعادة تقييم العلاقة بين ممارسات التوظيف والشهادات التعليمية الرسمية. ففي الولايات المتحدة، اتجه عدد متزايد من الولايات إلى إصلاح اشتراطات الشهادات في الوظائف العامة. ومنذ إعلان ولاية ماريلاند مطلع عام 2022، اتخذت 25 ولاية تدابير، سواء بقرارات تنفيذية أو بتشريعات، لإلغاء الاشتراطات غير الضرورية للشهادات الجامعية من إعلانات الوظائف الحكومية. وتشير النتائج الأولية إلى تحسن ملموس في نتائج التوظيف؛ فقد راجعت إدارة الموارد البشرية في ولاية ديلاوير مثلاً معايير المؤهلات في مئات من وظائف الخدمة العامة، واستُعيض في وظائف أخصائي خدمات الأسرة عن اشتراط درجة البكالوريوس بالخبرة العملية ذات الصلة، فارتفع عدد المتقدمين بعد هذا التغيير بنسبة 575%. ومضت بعض الولايات بهذه الإصلاحات إلى ما هو أبعد من إلغاء اشتراطات الشهادات، فطورت أطراً شاملة للتوظيف القائم على المهارات. فولاية أريزونا مثلاً شكّلت فريقاً متعدد الاختصاصات كُلّف بتبسيط عمليات تحليل الوظائف، وإعداد نماذج وأوصاف وظيفية موحدة، وتدريب مديري التوظيف وموظفي الموارد البشرية على مبادئ مقاربات المهارات أولاً.

ولما كانت معظم تطبيقات هذه المقاربات قد نشأت تلقائياً لدى أصحاب العمل في القطاعين الخاص والعام، فقد انصبّ اهتمام البحث الأكاديمي حتى وقت قريب على ممارسات التوظيف حصراً. فاستناداً إلى 34 مقابلة مع كبار قادة الموارد البشرية في مؤسسات متعددة الجنسيات، تبيّن إحدى الدراسات أن اعتماد مقاربة مطابقة المهارات يمكن أن يعزز الرشاقة الاستراتيجية للمؤسسة. فالانتقال من التراتبيات الوظيفية الجامدة نحو هياكل أكثر مرونة وتوجهاً نحو المهارات يتيح للمنشآت توظيف المواهب بفاعلية أكبر، ولا سيما حين يُركَّز على المهارات ذات الأهمية الاستراتيجية العالية والقابلية الكبيرة للنقل بين الوظائف. ويرى باحثون آخرون بالمثل أن إدارة الموارد البشرية القائمة على المهارات أولاً، وإن كانت لا تزال في مرحلة مبكرة، تشكل بديلاً واعداً للمؤسسات التي تواجه ظروف أعمال متقلبة وقدراً متزايداً من عدم اليقين.

وإلى جانب تحليل الروابط النظرية بين التوظيف القائم على المهارات أولاً والإدارة الرشيقة للمواهب، سعى عدد محدود من البحوث الأكاديمية إلى قياس حجم هذا التحول كمّياً. فقد حللت إحدى الدراسات بيانات 21 مليون إعلان وظيفي عبر الإنترنت في المملكة المتحدة بين عامي 2012 و2014، وخلصت إلى أن أصحاب العمل يقدّمون الجاهزية للعمل على المؤهلات الرسمية، إذ حدد أقل من إعلان واحد من كل خمسة إعلانات حداً أدنى من المتطلبات التعليمية. وتشير أدلة أحدث إلى أنماط مماثلة في المجالات المهنية الناشئة؛ إذ استثمرت دراسة أخرى بيانات الوظائف الشاغرة عبر الإنترنت في المملكة المتحدة لبحث ما إذا كان أصحاب العمل الذين يطلبون مهارات مستحدثة، كتلك المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، يعتمدون استراتيجيات توظيف قائمة على المهارات أولاً لتوسيع قاعدة المواهب المحتملة. ووجدت الدراسة أن الطلب على الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ارتفع بين عامي 2018 و2023 بنسبة 21% من إجمالي الإعلانات، في حين تراجع ذكر اشتراط الشهادة الجامعية لهذه الوظائف بنسبة 15%.

وفي عام 2022، أفادت منصة لينكد إن بأن 40% من مسؤولي التوظيف استخدموا بيانات المهارات لشغل الوظائف المعلنة عبر المنصة، بزيادة قدرها 20% مقارنة بالعام السابق. كما وجدت المنصة أن مسؤولي التوظيف الذين يستعينون ببيانات المهارات كانوا أكثر قدرة على إتمام توظيف ناجح بنسبة 60% مقارنة بمن يعتمدون أساساً على الشهادات التقليدية. وبحلول عام 2023، قدّرت المنصة أن نحو 19% من إعلانات الوظائف عبر الإنترنت في الولايات المتحدة لم تعد تشترط شهادة جامعية، ارتفاعاً من 15% في عام 2021. وتقدم مؤسسة بيرننغ غلاس أدلة مماثلة، إذ درست 51 مليون إعلان وظيفي في الولايات المتحدة بين عامي 2017 و2020، ورصدت ما وصفته بإعادة ضبط كبيرة لاشتراطات الشهادات. ففي فترات محدودية المعروض من العمالة، خفّض أصحاب العمل اشتراطات الشهادات في 46% من الوظائف متوسطة المهارة و31% من الوظائف عالية المهارة، وكانت أبرز التغيرات في مهن تقنية المعلومات والمهن الإدارية. واتسع هذا الاتجاه خلال جائحة كوفيد 19، حين تراجعت نسبة إعلانات وظائف التمريض في العناية المركزة والحرجة التي تشترط شهادة جامعية من 35% في عام 2019 إلى 23% في عام 2020. واستناداً إلى بيانات أحدث للوظائف الشاغرة عبر الإنترنت، تشير المؤسسة إلى زيادة بنحو أربعة أضعاف في عدد الوظائف التي ألغى أصحاب العمل فيها اشتراط الشهادة الجامعية في الولايات المتحدة بين عامي 2014 و2023.

ومن منظور التعليم والتدريب، شهدت المنظومات أيضاً تطوراً ملحوظاً نحو نموذج أكثر توجهاً إلى المهارات، ويجري هذا التحول عبر أبعاد عدة مترابطة. فأولاً، تعمل الحكومات على إصلاح أطر المؤهلات والشهادات لوضع المهارات في صميم منظومات التعليم. وتعمل دول كثيرة على تعزيز آليات الاعتراف بالتعلم السابق لجعل التعلم العرضي وغير النظامي أكثر وضوحاً وقابلية للنقل بين القطاعات. وتتجه الأطر والسجلات الوطنية للمؤهلات بصورة متزايدة إلى المواءمة مع واصفات صريحة للمهارات، فتُقنَّن المؤهلات من حيث الكفاءات ومستويات الإتقان التي تشهد بها. ويحسّن هذا التحول شفافية المؤهلات وقابليتها للمقارنة، وييسّر الاعتراف الدولي بها، ويمكّن أصحاب العمل من تفسير المحتوى المهاري للشهادات التعليمية بدقة أكبر.

كما ينوّع مقدمو التعليم والتدريب مسارات التعلم عبر استحداث أشكال أكثر مرونة وقائمة على الوحدات. فالجامعات ومؤسسات التعليم المهني ومقدمو التدريب من القطاع الخاص يوسعون عروضهم من الدورات القصيرة والشهادات المصغرة التي تستهدف مهارات محددة ومعرّفة بدقة. وتُصمَّم هذه البرامج للاستجابة السريعة لتغير احتياجات سوق العمل، ولتمكين المتعلمين من بناء مهاراتهم تدريجياً بمرور الوقت. كما أن تنامي قابلية الشهادات المصغرة للتشغيل البيني ضمن منظومات المؤهلات الوطنية يتيح للأفراد الجمع بين خبرات تعلم قصيرة متعددة للحصول على مؤهلات معترف بها، بما يدعم التعلم مدى الحياة وقابلية التوظيف على امتداد العمر.

وإضافة إلى ذلك، تتجه النماذج التربوية بصورة متزايدة إلى دمج التعلم التجريبي والتطبيقي. فالمناهج تنتقل من التدريس المتمحور حول النظرية نحو أساليب تعلم تركز على الممارسة وحل المشكلات والتطبيق في مواقف واقعية. وتزداد انتشاراً برامج التلمذة المهنية والتعلم في بيئة العمل والمهام القائمة على المشاريع والتدريب القائم على المحاكاة في التعليم المهني والتعليم العالي على حد سواء، وكذلك في تعليم البالغين. وتعزز هذه الأساليب الصلة بين التعلم والعمل، فتساعد المتعلمين على تنمية المهارات التقنية والمهارات المستعرضة معاً، كالعمل الجماعي والقدرة على التكيف والتفكير النقدي. وأخيراً، يضاعف التحول الرقمي من نطاق التعلم القائم على المهارات وقدرته على التخصيص؛ فاستخدام منصات التعلم الإلكتروني والموارد التعليمية المفتوحة وتحليلات التعلم المدعومة بالذكاء الاصطناعي يتيح لمقدمي التعليم تكييف التدريس وفق فجوات المهارات وتفضيلات التعلم لدى كل فرد. كما تبرز الشارات الرقمية والشهادات القائمة على تقنية سلسلة الكتل أدوات لتوثيق المهارات المعتمدة ومشاركتها آنياً، بما يحقق مواءمة أوثق بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل.

وإجمالاً، تمثل هذه التطورات في مجال التعلم مدى الحياة إعادة توجيه تدريجية لكنها جوهرية لمنظومات التعليم والتدريب؛ إذ ينتقل التركيز من اكتساب الشهادات الرسمية نحو تنمية مهارات قابلة للقياس والنقل وذات صلة بالسياقات الاقتصادية والتكنولوجية المتطورة، والتحقق منها وتحديثها باستمرار.

الاتجاهات العالمية الدافعة نحو الانتقال إلى المقاربات القائمة على المهارات أولاً

لماذا تكتسب المقاربات القائمة على المهارات أولاً أهمية متزايدة في اقتصادات اليوم؟ في مختلف أسواق العمل بدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يجد أصحاب العمل صعوبة متزايدة في استقطاب عاملين يمتلكون المهارات المناسبة، بينما يعمل كثير من الأفراد في الوقت ذاته في وظائف لا تستثمر قدراتهم استثماراً كاملاً. ويقع هذا الاختلال المزدوج، المتمثل في تزامن نقص الكفاءات مع عدم استغلال المهارات، في صميم الزخم المتنامي لاستراتيجيات المهارات أولاً. فقد ارتفعت نسبة أصحاب العمل الذين يفيدون بصعوبة شغل الوظائف الشاغرة بسبب نقص الكفاءات الماهرة ارتفاعاً ملحوظاً خلال العقد الماضي في جميع دول المنظمة، باستثناء اليابان التي ظلت فيها النسبة مستقرة نسبياً. ففي عام 2025، أشار أكثر من ثمانية من كل عشرة أصحاب عمل في الجمهورية السلوفاكية واليونان واليابان وألمانيا وأيرلندا إلى مشكلات في العثور على مرشحين يمتلكون المهارات المناسبة، بعد أن كانت المستويات مرتفعة أصلاً في عام 2015. وتوحي هذه التحديات الواسعة في التوظيف بأن ممارسات التوظيف التقليدية القائمة على المؤهلات ربما لم تعد توفر مقياساً دقيقاً أو آنياً للقدرات الفعلية للعاملين. ومع تطور الملامح الوظيفية بوتيرة أسرع من المناهج وأطر منح الشهادات، تواجه المنشآت بصورة متزايدة فجوة بين ما تدل عليه المؤهلات وما تتطلبه الوظائف.

وفي الوقت ذاته، تفيد نسب كبيرة من العاملين بأن مهاراتهم إما تفوق متطلبات وظائفهم أو تقل عنها. فوفقاً لمسح مهارات البالغين لعام 2023، يعاني أكثر من 40% من العاملين في عدد من الدول، منها الولايات المتحدة وكندا وألمانيا، من شكل من أشكال عدم المواءمة في المهارات. وفي المتوسط في الدول المشاركة، يفيد أكثر من عامل واحد من كل ثلاثة (36%) بأن مهاراتهم لا تتواءم تماماً مع أدوارهم الوظيفية. ويعكس استمرار عدم المواءمة هذا أوجه قصور في طريقة تنمية المهارات وتحديدها وتوظيفها، ويعني أنه في حين يواجه أصحاب العمل نقصاً في مجالات مهارية بعينها، توجد إمكانات كبيرة غير مستغلة لدى العاملين الذين لا تُستثمر قدراتهم بالقدر الكافي أو تُوظَّف في غير موضعها. وتهدف مقاربة المهارات أولاً إلى سد هذه الفجوة عبر نقل التركيز من الشهادات الرسمية إلى الكفاءات القابلة للإثبات، بما يحسّن المطابقة الوظيفية ونتائج الإنتاجية معاً.

ومع أن عدم المواءمة في المهارات وصعوبات التوظيف تمثل بالفعل تحديات جسيمة، تشير الأدلة إلى أن وتيرة التغير في متطلبات المهارات مرشحة لمزيد من التسارع. إذ يتوقع أصحاب العمل في دول المنظمة اضطراباً كبيراً في التركيبة المهارية لقواهم العاملة خلال السنوات المقبلة؛ فهم يتوقعون في المتوسط أن يتغير ما بين 30% و40% من المهارات الأساسية المطلوبة اليوم بحلول عام 2030. ويعني ذلك أن غالبية العاملين سيحتاجون إلى اكتساب مهارات جديدة أو محدّثة في إطار زمني قصير نسبياً للحفاظ على إنتاجيتهم وقابليتهم للتوظيف. وعلى الرغم من تفاوت حجم الاضطراب المتوقع بين الدول، فإن توقع التغيير عام وشامل. ففي اقتصادات مثل كولومبيا والبرتغال وتركيا، يُتوقع أن يتطور أكثر من 40% من المهارات الأساسية الحالية بحلول عام 2030، وهو ما يعكس سرعة الابتكار التكنولوجي وتحول عمليات العمل. وحتى في الدول التي يقل فيها معدل التغير قليلاً، كالدنمارك وهولندا وجمهورية التشيك، لا يزال أصحاب العمل يتوقعون تحول نحو ثلث المهارات الأساسية. وتؤكد هذه الأرقام الطبيعة المنظومية للتحدي؛ فالتغير المتوقع في الأهمية النسبية للمهارات لا يقتصر على عدد محدود من القطاعات المتقدمة، بل يمتد إلى معظم المهن والصناعات.

ولتحديد الدول التي تواجه أكبر الضغوط للانتقال نحو اقتصاد قائم على المهارات أولاً، طورت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بالتعاون مع معهد تعليم البالغين بجامعة سنغافورة للعلوم الاجتماعية مؤشر ضغوط سوق العمل نحو مقاربات المهارات أولاً. ويقيس هذا المؤشر المركّب متعدد الأبعاد الخصائص الهيكلية لأسواق العمل الوطنية التي تزيد من الحاجة إلى اعتماد هذه المقاربات. فعوامل مثل النقص المستمر في الكفاءات، وممارسات التوظيف المتحيزة، ومحدودية التنوع في القوى العاملة، وعدم المواءمة في المهارات، والتطور السريع لمتطلبات المهارات، تسهم جميعها في زيادة الضغط نحو الإصلاح.

وتتفاوت الحاجة الملحة لاعتماد مقاربات المهارات أولاً تفاوتاً كبيراً بين الدول. فتركيا والبرتغال ونيوزيلندا تواجه أعلى مستويات الضغط في سوق العمل، مما يشير إلى مجال واسع أمام سياسات المهارات أولاً لمعالجة نقص الكفاءات وأوجه عدم المواءمة الهيكلية. وفي المقابل، تسجل دول مثل بولندا وليتوانيا والجمهورية السلوفاكية درجات مركّبة أدنى، مما يوحي بضغط أقل حدة على المدى القصير نسبياً، وإن كانت هذه الاقتصادات قد تستفيد مع ذلك من اعتماد ممارسات المهارات أولاً لتعزيز قدرتها على الصمود وشموليتها بمرور الوقت. وإجمالاً، يؤكد المؤشر أنه رغم مواجهة جميع الاقتصادات قدراً من الضغط للتحول نحو توجه المهارات أولاً، فإن طبيعة هذا الضغط تختلف؛ ففي بعض السياقات ينبع أساساً من ضيق أسواق العمل والطلب غير الملبّى على المهارات، وفي سياقات أخرى من الحاجة إلى تعزيز التنقل أو التنوع أو القدرة على التكيف داخل القوى العاملة. وتشير هذه النتائج إلى أهمية تكييف الاستراتيجيات الوطنية مع ظروف سوق العمل المحلية، بما يضمن أن تكون إصلاحات المهارات أولاً موجهة وقابلة للتطبيق ومتسقة مع الأهداف الأوسع للتحول الاقتصادي.

الإطار 1.1: بناء مؤشر ضغوط سوق العمل نحو مقاربات المهارات أولاً

يجمع مؤشر ضغوط سوق العمل نحو مقاربات المهارات أولاً، الذي طورته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بالتعاون مع معهد تعليم البالغين بجامعة سنغافورة للعلوم الاجتماعية، تسعة متغيرات موزعة على أربعة أبعاد هي: نقص الكفاءات، وضعف التنوع في بيئة العمل، وضغوط تنقل العاملين، والحاجة الملحة إلى إعادة التأهيل ورفع المهارات. وتشمل هذه المتغيرات مدى ضيق سوق العمل، وصعوبات التوظيف التي يفيد بها أصحاب العمل، والتفاوت بين الجنسين في توزيع المهارات على المهن، وتركّز الفئات العمرية في المهن، ومدى انتشار عدم المواءمة في المهارات، وعدم الرضا الوظيفي، وترك العمل طوعاً بسبب عدم المواءمة في المهارات، والاضطراب المتوقع في المهارات الأساسية، ومدى تكرار تعلم أشياء جديدة في العمل. وبعد توحيد مقاييس هذه المؤشرات وتجميعها بأوزان متساوية، يكشف المؤشر الناتج عن المواضع التي تبلغ فيها ضغوط اعتماد استراتيجيات المهارات أولاً، وكذلك فوائدها المحتملة، أقصى مداها. وتعكس الدرجة الأعلى في المؤشر حوافز هيكلية أقوى للانتقال، بينما تشير الدرجات الأدنى إلى ضغط أقل إلحاحاً، دون أن يعني ذلك بالضرورة أهمية أقل لهذه المقاربات بالنسبة إلى القدرة التنافسية على المدى الطويل.

المنطق الاقتصادي لإعطاء الأولوية للمهارات

لا يمثل التحول نحو المقاربات القائمة على المهارات أولاً مجرد استجابة لضغوط ظاهرة في سوق العمل، بل يستند كذلك إلى العوائد المحتملة التي ينطوي عليها. ومع ذلك، لا يزال المنطق الاقتصادي لهذه المقاربات غير مستكشف بالقدر الكافي. ويقدم هذا القسم دراسة أولية لصلات هذه المقاربات بالمسارات الراسخة في الأدبيات الاقتصادية، ومنها نظرية رأس المال البشري ونماذج المطابقة. غير أن الحاجة لا تزال قائمة إلى مزيد من العمل التحليلي والتطبيقي لتقدير حجم آثار الكفاءة والآثار التوزيعية المرتبطة بالانتقال نحو منظومات المهارات أولاً تقديراً أكثر صرامة.

ويرتكز المنطق الاقتصادي لإعطاء الأولوية للمهارات على تدقيق طريقة تصور رأس المال البشري وقياسه. فالنظرية الكلاسيكية لرأس المال البشري تقيم صلة بين ما يراكمه الأفراد من معارف وقدرات وبين إنتاجيتهم، التي تحدد بدورها الدخل والنمو الاقتصادي. غير أن رأس المال البشري في التطبيقات التجريبية كان يُقاس تقليدياً بالتحصيل التعليمي أو بعدد سنوات الدراسة، نظراً لمحدودية المقاييس المباشرة للمهارات. ورغم ارتباط هذه المؤشرات البديلة بمستوى إتقان المهارات، فإنها تبقى منقوصة، وتزداد قصوراً عن تفسير الفوارق في الإنتاجية بين العاملين والمنشآت والدول. ومن الناحية النظرية، تمثل المهارات العملة التشغيلية الحقيقية لسوق العمل، إذ تجسد الكفاءات المعرفية والتقنية والتواصلية التي تمكّن الأفراد من أداء المهام بفاعلية. ويظل التعليم الرسمي قناة رئيسة لاكتساب المهارات، لكنه ليس القناة الوحيدة؛ فالمهارات تُنمّى وتُحدَّث أيضاً عبر التعلم العرضي وخبرات العمل والحياة والتدريب أثناء العمل وقدرة الفرد على التكيف. ولأن الشهادات التقليدية لا تعكس هذه العمليات الأوسع لتكوين رأس المال البشري عكساً كاملاً، فإنها تنطوي على خطر التقليل من الإمكانات الإنتاجية للأفراد وتقديمها على نحو مغلوط في آن واحد.

وتعزز الأدلة التجريبية المتنامية هذه الفكرة. إذ تكشف التقييمات المقارنة بين الدول، كمسح مهارات البالغين، عن فوارق كبيرة في مستوى إتقان المهارات بين أشخاص يحملون المستوى التعليمي نفسه. ففي مهارات الحساب مثلاً، ورغم الارتباط الإيجابي بين سنوات الدراسة ومستوى الإتقان، فإن التشتت حول خط الاتجاه كبير؛ إذ كثيراً ما يختلف الأفراد الذين أمضوا عدد السنوات الدراسية ذاته اختلافاً واضحاً في مهاراتهم الفعلية. بل إن نحو خُمس الفوارق في درجات الحساب فقط يمكن عزوه إلى اختلاف سنوات الدراسة. ولا يعني ذلك أن درجات الحساب وحدها تحدد الإنتاجية على مستوى الدولة، ولا أن ارتفاع مستوى الإتقان المقيس يُترجم تلقائياً إلى ناتج أعلى؛ فالإنتاجية الكلية لا تتوقف على رصيد المهارات فحسب، بل على طريقة استغلالها والأطر المؤسسية المحيطة بها أيضاً. وإنما تدل هذه الأدلة على أن المؤشرات القائمة على التعليم لا ترصد سوى جزء محدود من التباين في الكفاءات الكامنة، وهو ما يدعم ضرورة استكمالها بمعلومات أكثر تفصيلاً عن المهارات والمعارف.

ويؤثر التمييز بين المؤهلات والمهارات في مدى كفاءة أداء أسواق العمل. فسوق العمل القائم على المهارات أولاً قادر على الحد من الاحتكاكات المعلوماتية وتحسين كفاءة المطابقة، بما يرفع الإنتاجية على مستوى المنشأة والاقتصاد ككل. ذلك أن أنظمة التوظيف التقليدية تعتمد اعتماداً كبيراً على الشهادات بوصفها مؤشراً بديلاً على القدرة، في حين لا تقدم الشهادات الجامعية سوى إشارة عامة غير دقيقة عما يستطيع العاملون فعله فعلاً. وهذه الإشارة العامة تُضعف المطابقة الوظيفية وتسهم في البطالة الهيكلية، حتى مع بقاء أعداد كبيرة من الوظائف شاغرة. أما مقاربة المهارات أولاً فتوفر آلية أدق لمواءمة العرض والطلب في سوق العمل، فتحقق بذلك مكاسب اقتصادية قابلة للقياس.

وتمثل احتكاكات البحث سمة مميزة لأسواق العمل الحديثة. ففي الأطر المعيارية للبحث والمطابقة، كنموذج مورتنسن وبيساريدس، تتوقف نتائج التوظيف على مدى الكفاءة التي يُقرن بها العاطلون عن العمل بالوظائف الشاغرة. وتعكس كفاءة المطابقة مدى فاعلية سوق العمل في الجمع بين العاملين المناسبين والوظائف المتاحة في ضوء المعلومات المتوفرة للطرفين. فالكفاءة العالية في المطابقة تعني اقترانات سريعة ودقيقة، بينما تعكس الكفاءة المتدنية تأخيرات وسوء تخصيص وعمليات توظيف مكلفة.

ففي ظل المنظومات التقليدية القائمة على الشهادات، يطّلع أصحاب العمل على التحصيل التعليمي للمرشح، لكنهم لا يملكون سوى معلومات محدودة عن مهاراته الفعلية ومستوى إتقانه ومدى ملاءمته المحتملة. وفي المقابل، كثيراً ما يفتقر العاملون إلى رؤية كاملة لمتطلبات المهارات في الوظائف المتاحة. ويولّد عدم التماثل هذا حالات من عدم المواءمة في المهارات، واستمرار الوظائف الشاغرة، وتنقلاً وظيفياً غير كفء، فتتراجع كفاءة المطابقة ويضعف الأداء العام لسوق العمل. والواقع أن المؤهلات كثيراً ما لا تتطابق بدقة مع متطلبات المهارات الفعلية في الوظائف؛ فكثير من البالغين المصنفين بوصفهم دون المؤهل المطلوب وفقاً لشهاداتهم هم في الحقيقة متوائمون مع المهام التي يؤدونها أو يتمتعون بمهارات تفوقها، مما يوحي بأن مؤهلاتهم الرسمية تبخس قدراتهم الحقيقية. ومن بين من تتطابق مؤهلاتهم رسمياً مع مستوى وظائفهم، لا تزال نسبة كبيرة تقارب الثلث تعاني من عدم مواءمة في المهارات. وحتى بين أصحاب المؤهلات الزائدة، تفتقر أقلية غير هيّنة إلى المهارات اللازمة لأدوارها. وتكشف هذه الأنماط أن الشهادات وحدها لا يمكنها أن تدل دلالة موثوقة على القدرة الإنتاجية.

وتترتب على عدم المواءمة في المهارات تكاليف اقتصادية كبيرة. فحين يمتلك العاملون مهارات تفوق ما تتطلبه وظائفهم أو تقل عنه، تحدث خسائر في الإنتاجية بسبب سوء تخصيص المواهب وتراجع الانخراط وضعف أداء المنشآت. وتُظهر الدراسات التجريبية باستمرار أن العاملين غير المتوائمين يتقاضون أجوراً أدنى ويسهمون بقدر أقل في إنتاجية المنشآت. وعلى المستوى الكلي، ترتبط المعدلات المرتفعة لعدم المواءمة بضعف نمو الإنتاجية الكلية وبطء انتشار التقنيات الجديدة.

ويمتلك نظام المهارات أولاً القدرة على تعزيز وظيفة المطابقة عبر تمكين أصحاب العمل من الاطلاع على مجموعة أغنى وأكثر تفصيلاً من المعلومات، كالمهارات المثبتة والتقييمات المعتمدة وملفات المهارات التفصيلية، بدلاً من الاعتماد على الشهادات الجامعية وحدها. فحين تُتخذ قرارات المطابقة على أساس التقاطع بين متطلبات المهارات في الوظيفة وحزمة المهارات الملحوظة لدى المرشح، يمكن أن تتحسن جودة المطابقة. ومن منظور الكفاءة، يتيح ذلك مطابقة أفضل بين الأفراد والوظائف، وتحديداً أدق لفجوات المهارات، وتخطيطاً أكثر فاعلية للقوى العاملة مع تطور التقنيات والاحتياجات التنظيمية. كما يصبح بمقدور العاملين الانتقال بسهولة أكبر بين المهن التي تتشابه في احتياجاتها من المهارات، ويستطيع أصحاب العمل التعرف إلى مرشحين غير تقليديين لكنهم منتجون، ربما كانوا سيُستبعدون في ظل الفرز القائم على الشهادات.

وتدعم الأدلة المستقاة من أصحاب العمل هذا المنطق النظري. إذ تُظهر المسوح الحديثة والتحليلات واسعة النطاق أن المؤسسات التي تعتمد ممارسات المهارات أولاً تتفوق في أدائها على تلك التي تعتمد أساساً على الفرز القائم على الشهادات. فقد وجد مسح أجرته شركة ديلويت وشمل أكثر من ألف عامل وما يزيد على مئتي مسؤول تنفيذي في مجالي الأعمال والموارد البشرية في عشر دول، أن المؤسسات التي تتبنى ممارسات قائمة على المهارات أكثر قدرة بنسبة 63% على تحقيق نتائج أداء أقوى، تشمل بلوغ الأهداف المالية والابتكار وتحقيق مستويات عالية من رضا العملاء، مقارنة بتلك التي تعتمد أساساً على الشهادات التقليدية. وعلى نحو مماثل، أفاد مسح أجرته شركة تست غوريلا عام 2025 وشمل أكثر من ألف صاحب عمل في المملكة المتحدة والولايات المتحدة بأن التوظيف الشمولي، أي النظر إلى المرشح بكليّته بما في ذلك مهاراته وشخصيته وتوافقه الثقافي عند اتخاذ قرارات التوظيف، يحسّن أداء المؤسسة، وأشار 50% من المشاركين إلى أنه يزيد أيضاً من معدلات الاحتفاظ بالموظفين. وتؤكد أدلة البيانات الضخمة من الولايات المتحدة هذا النمط كذلك؛ فحين يلغي أصحاب العمل اشتراط الشهادة الجامعية، يُظهر المرشحون غير الحاصلين على شهادات ممن يُعيَّنون في تلك الوظائف معدلات بقاء على مدى عامين أعلى بكثير من نظرائهم حملة الشهادات، بفارق يقارب 10 نقاط مئوية.

وإلى جانب مكاسب الإنتاجية والمكاسب المتأتية من انخفاض معدل دوران العمالة، تسهم مقاربات المهارات أولاً كذلك في تحسين جودة الوظائف ورفاه العاملين، من خلال ضمان مواءمة أوثق بين مهارات الأفراد والأدوار التي يؤدونها. فحين يوظف العاملون مهاراتهم توظيفاً كاملاً، فإنهم يميلون إلى التمتع باستقلالية أكبر ودافعية ذاتية أقوى ومستويات أعلى من الرضا الوظيفي. وتوضح أدلة مسح مهارات البالغين هذا النمط في دول المنظمة؛ إذ إن الاحتمال المتوقع للرضا في العمل أعلى بصورة منهجية لدى العاملين الذين تتواءم مهاراتهم مع وظائفهم. ويتجاوز الفارق في كثير من الدول 10 نقاط مئوية، ويتسع اتساعاً ملحوظاً في بعضها كإيطاليا وإسبانيا والبرتغال. وتظل هذه الأنماط متينة حتى بعد ضبط الخصائص الديموغرافية والتعليم والمهنة والقطاع والأجور، مما يؤكد الدور المحوري لمواءمة المهارات في تشكيل الرضا الوظيفي.

وتنطوي مقاربات المهارات أولاً أيضاً على آثار توزيعية مهمة. فالمنظومات القائمة على الشهادات تميل إلى الإضرار بالفئات التي عانت تاريخياً من محدودية الوصول إلى التعليم الرسمي، ومنها الأفراد المنحدرون من أسر منخفضة الدخل. وكثيراً ما تنمّي هذه الفئات مهاراتها عبر خبرات العمل أو التعلم العرضي أو الأدوار المجتمعية والأسرية، كما أن بعض المهاجرين قد يحملون مؤهلات غير معترف بها في البلد المضيف رغم امتلاكهم مهارات ذات صلة. ومع ذلك تظل هذه المهارات في الغالب مبخوسة القيمة لأن المؤهلات التقليدية لا ترصدها.

ويتجلى هذا الحرمان الهيكلي عند النظر إلى نسبة البالغين غير الحاصلين على شهادات التعليم العالي بحسب مستويات إتقان الحساب ومستوى التحصيل التعليمي للوالدين. إذ يبرز نمط راسخ مفاده أن البالغين الذين لم يحصل آباؤهم على تعليم عالٍ يكونون هم أنفسهم أكثر احتمالاً بكثير لعدم الحصول على مؤهل عالٍ. غير أن البيانات تكشف أيضاً عن رؤية أحدث وأوثق صلة بالسياسات: فحتى بين الأفراد ذوي الإتقان المرتفع في الحساب، أي في المستوى الرابع فما فوق، يظل المنحدرون من أسر لا يحمل فيها الوالدان شهادات جامعية أكثر احتمالاً على نحو غير متناسب لعدم حيازة شهادة جامعية مقارنة بأقرانهم المنحدرين من أسر يحمل فيها أحد الوالدين على الأقل شهادة جامعية. وبالقيمة النسبية، تبلغ الفجوة المرتبطة بتعليم الوالدين أقصاها في أعلى توزيع المهارات. ويوحي ذلك بأن الشهادات الرسمية لا تتواءم على نحو متسق مع المستويات الفعلية لمهارات الأفراد، وأن الخلفية الاجتماعية والاقتصادية لا تزال تشكّل المسارات في سوق العمل، حتى بالنسبة إلى ذوي المهارات العالية.

وتؤكد هذه النتائج إلى أي مدى يمكن أن يؤدي الاعتماد على الشهادات الجامعية وحدها إلى حجب المواهب وإدامة أوجه عدم المساواة. وتساعد منظومات المهارات أولاً على التخفيف من هذه العوائق عبر الاعتراف بالمهارات بصرف النظر عن مكان اكتسابها أو طريقته. فمن خلال تقدير التعلم العملي والشهادات المصغرة وتقييمات الإتقان المرتبطة بمهام محددة، توسع هذه المنظومات فرص سوق العمل أمام أفراد قد يتمتعون بقدرات عالية لكنهم ناقصو التمثيل في مسارات المؤهلات التقليدية. وتوضح بيانات منصة لينكد إن حجم هذا الأثر؛ إذ إن توسيع معايير التوظيف لتشمل العاملين ذوي المهارات ذات الصلة بدلاً من الشهادات الرسمية أدى إلى زيادة قاعدة المواهب المحتملة بنحو عشرة أضعاف. وتبرز المكاسب بوضوح خاص لدى الفئات التي تواجه عوائق هيكلية؛ ففي المهن التي تعاني فيها النساء من نقص التمثيل، يؤدي اعتماد مقاربة المهارات أولاً إلى توسيع حصة النساء في قاعدة المواهب المحتملة بنسبة تزيد على نظيرتها لدى الرجال بمقدار 24%. وعلى نحو مماثل، تنمو قاعدة المرشحين غير الحاصلين على درجة البكالوريوس في المتوسط بنسبة تزيد بمقدار 9% على نمو قاعدة حملة الشهادات.

والآثار المترتبة على الحراك الاجتماعي كبيرة. فممارسات التوظيف المتمحورة أساساً حول الشهادات الرسمية ترسّخ صلة قوية بين الخلفية الاجتماعية والاقتصادية وبين الوصول إلى المهن عالية الإنتاجية والأجر. ولأن التحصيل التعليمي للوالدين يظل مؤشراً قوياً على احتمال حصول الفرد على شهادة جامعية، فإن المنظومات القائمة على الشهادات تنطوي على خطر ترسيخ أوجه عدم المساواة بين الأجيال. أما مقاربات المهارات أولاً فتُضعف آلية الانتقال هذه عبر إيجاد مسارات بديلة قائمة على المهارات المعتمدة نحو الوظائف ذات الأجور الجيدة. وهي بذلك لا تقلص العوائق الهيكلية فحسب، بل تسهم أيضاً في بناء أسواق عمل أكثر شمولاً وقائمة على الجدارة، تعترف على نحو أفضل بكامل طيف المواهب المتاحة وتستثمره.

تعريف جديد لنموذج المهارات أولاً

لا يزال كثير من الأدبيات والتعليقات الإعلامية يصور نموذج المهارات أولاً بوصفه شأناً يتعلق أساساً بالتوظيف وبالممارسات الداخلية للمنشآت. غير أن الأقسام السابقة أظهرت أن منظومات التعليم والتدريب تتطور هي الأخرى نحو توجه أكثر تمحوراً حول المهارات، حتى في المواضع التي لا يُستخدم فيها مصطلح المهارات أولاً صراحة. ولذلك يجب أن يتجاوز أي تعريف شامل ومتين مفاهيمياً لمقاربات المهارات أولاً المنظور التقليدي المتمحور حول صاحب العمل، الذي لا يلتفت إلى المهارات إلا لحظة التوظيف. وينبغي أن يضع هذه المقاربات في سياق أوسع يربط إشارات الطلب على مستوى المنشآت بالعمليات المنظومية التي تُنمّى عبرها المهارات ويُصادق عليها ويُعترف بها في مؤسسات التعليم والتدريب وسوق العمل. وفي هذا الإطار الموسّع، لا تُفهم المهارات بوصفها سمات ثابتة تُقاس مرة واحدة، بل بوصفها قدرات ديناميكية تتشكل وتُصقل وتُكافأ باستمرار عبر منظومات مترابطة للتعلم والعمل.

واستناداً إلى العمل المشترك بين منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومعهد تعليم البالغين بجامعة سنغافورة للعلوم الاجتماعية، يقترح هذا التقرير تعريفاً جديداً وشمولياً لمقاربات المهارات أولاً، مفاده أن هذه المقاربات تمنح الأولوية للمهارات المثبتة على المؤهلات الرسمية والخبرة في التوظيف وإدارة المواهب والتدريب، وتجعل المهارات العملة الأساسية للتعبير عن القدرات وتنميتها والاعتراف بها في سوق العمل. وفي هذه المقاربات، لا تؤدي المؤهلات دور الحارس على البوابة، بل دور الإشارات التكميلية التي تدعم المهارات ومستويات الإتقان القابلة للتعرف عليها ولا تحل محلها. وعليه، يقوم جوهر مقاربات المهارات أولاً على مكونين مترابطين: تنمية المهارات، أي منظومة التعلم، وتقدير المهارات، أي الاعتراف بالمواهب. ويؤسس التفاعل بين هذين المكونين حلقة تغذية راجعة تُنمّى فيها المهارات وتُكافأ عبر منظومات متسقة يعزز بعضها بعضاً، بما يدفع نحو قوى عاملة أكثر شمولاً وكفاءة وجاهزية للابتكار.

وتجري تنمية المهارات في إطار منظومة التعلم الأوسع. إذ تستثمر الحكومات ومقدمو التدريب بصورة متزايدة في فرص تعلم مرنة وقائمة على الوحدات وموجهة، تزود الأفراد بمهارات محددة مطلوبة. ولما كان مفهوم المهارات أولاً قد نشأ استجابة لاتساع فجوات المهارات، فكثيراً ما تُصمم هذه البرامج بمواءمة وثيقة مع احتياجات سوق العمل. ويسعى الأفراد بنشاط إلى فرص رفع المهارات وإعادة التأهيل، بينما يدعم أصحاب العمل مشاركة موظفيهم في التعلم المركّز على المهارات، ويدمجون تنمية المهارات في استراتيجيات المواهب الأوسع. كما يعيد متخصصو الإرشاد المهني توجيه اهتمامهم، فيساعدون الأفراد على تحديد المهارات ذات الصلة والوصول إلى مسارات التعلم المناسبة. وتسهم هذه الجهود مجتمعة في بناء منظومة تعلم أكثر رشاقة واستجابة، تولي اكتساب المهارات واستخدامها أهمية تفوق إتمام الشهادات التقليدية.

أما الاعتراف بالمواهب فيُعنى بكيفية إبراز المهارات والاعتراف بها وتقديرها في سوق العمل. ويعني ذلك الانتقال من أنظمة توظيف وترقية تعتمد اعتماداً كبيراً على المؤهلات الرسمية والخبرات إلى أنظمة تقر بالمهارات المثبتة وتكافئها، بصرف النظر عن طريقة اكتسابها أو مكانه. ويمثل إبراز المهارات مكوناً حاسماً في هذا الصدد، إذ يضمن قدرة الأفراد على التعبير عن قدراتهم بوضوح، وقدرة أصحاب العمل على تحديد احتياجاتهم من المهارات. ويؤدي الاعتراف بالتعلم السابق دوراً تكميلياً، إذ يمكّن الأفراد من الحصول على مصادقة رسمية لتعلمهم غير النظامي والعرضي. ويكتسب ذلك فائدة خاصة في السياقات التي تنتقل من منظومات قائمة على المؤهلات إلى منظومات قائمة على المهارات أولاً، حيث تساعد هذه الآليات على سد الفجوة وضمان أن تكون المهارات ظاهرة ومقدّرة في آن واحد. وحين تُحدد المهارات بوضوح وتُكافأ بإنصاف، تتحسن المطابقة في سوق العمل، فتعود الفائدة لا على الأفراد وأصحاب العمل فحسب، بل على الاقتصاد الأوسع كذلك.

غير أن منظومات التعلم والاعتراف بالمواهب المناسبة لا تكفي وحدها لبناء اقتصاد قائم على المهارات أولاً بصورة كاملة، إذ لا بد كذلك من بيئة تمكينية أوسع بكثير تشمل البنية التحتية والسياسات ومنظومات البيانات والعقلية الثقافية لدعم هذه المقاربات واستدامتها. وتُعد اللغة المشتركة للمهارات أمراً جوهرياً بوجه خاص، لأن تشتت أطر المهارات قد يعيق التواصل والتنسيق بين الجهات المعنية الرئيسة. فحين تتواءم الأدوات القائمة، كسجلات المؤهلات الوطنية والمعايير المهنية، مع إطار مشترك للمهارات، يغدو تطوير المهارات وإبرازها والاعتراف بها في أرجاء المنظومة أيسر. كما أن توفر معلومات موثوقة عن سوق العمل، ولا سيما عن الطلب الحالي والناشئ على المهارات، يساعد جميع الأطراف على اتخاذ قرارات مستنيرة ويدعم جهود سد فجوات المهارات. ويمكن للسياسات العامة التي تزيل العوائق أمام تعليم البالغين، كالقيود المالية وضيق الوقت، أن ترفع معدلات المشاركة والانخراط، ولا سيما بين الفئات ناقصة التمثيل. ولما كانت المقاومة التنظيمية للتغيير لا تزال تمثل تحدياً في سياقات عديدة، فإن ترسيخ عقلية في قطاع الأعمال تتبنى الابتكار والتعلم مدى الحياة أمر حاسم لنجاح إصلاحات المهارات أولاً.

وتشكل المجالات الثلاثة، أي تعلم المهارات والاعتراف بها وبناء البيئة التمكينية، إطاراً متسقاً للجاهزية لمقاربات المهارات أولاً واعتمادها، يوحّد الجهات المعنية الرئيسة ويواءم بين المبادرات المتفرقة. ومن خلال الاستجابة لضغوط سوق العمل الآنية مع بناء القدرات المنظومية على المدى الطويل، يمكن لهذه المقاربات أن تساعد على معالجة تحديات سوق العمل القائمة، وأن تنمّي قوى عاملة لا تتواءم على نحو أفضل مع احتياجات اليوم فحسب، بل تتسم كذلك بالمرونة والقدرة على التكيف في المستقبل.

مؤشر الجاهزية لممارسات المهارات أولاً واعتمادها

كما أوضح القسم السابق، تشمل مقاربات المهارات أولاً مجموعة واسعة ومترابطة من الممارسات تمتد عبر منظومات التعليم والتدريب ومؤسسات سوق العمل وإدارة المواهب على مستوى المنشآت. ونظراً لهذا التعدد في الأبعاد، لا يمكن لأي مؤشر منفرد أن يرصد على نحو كافٍ مدى تقدم الدول نحو نموذج المهارات أولاً. ولمعالجة هذا التحدي، طورت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بالتعاون مع معهد تعليم البالغين بجامعة سنغافورة للعلوم الاجتماعية مؤشر الجاهزية لممارسات المهارات أولاً واعتمادها، وهو مقياس مركّب يختزل طيفاً واسعاً من المؤشرات في مقياس واحد قابل للتفسير. ومن خلال تجميع المعلومات من مجالات متعددة، يتيح المؤشر التعرف على الاتجاهات العامة والأنماط الهيكلية التي قد يصعب رصدها باستخدام البيانات المفصلة وحدها، فيوفر بذلك أساساً منظماً لتحليل السياسات وإشراك الجهات المعنية والمقارنة المعيارية الدولية.

وانسجاماً مع الإطار المفاهيمي الذي عرضه القسم السابق، يُنظم المؤشر حول ثلاثة مؤشرات فرعية متكاملة. يقيّم المؤشر الفرعي الأول، الخاص بمنظومة التعلم القائمة على المهارات أولاً، مدى ترسخ مبادئ المهارات أولاً في تصميم التعليم والتدريب وتقديمهما. ويبحث المؤشر الفرعي الثاني، الخاص بالاعتراف بالمواهب، فيما إذا كانت المهارات تحظى باعتراف رسمي وتُبرز وتُكافأ في أسواق العمل والممارسات التنظيمية. أما المؤشر الفرعي الثالث، الخاص بالبيئة التمكينية، فيقيّم ما إذا كانت الدول تمتلك البنى المؤسسية والتنظيمية وبنى البيانات اللازمة لدعم التحول نحو منظومات المهارات أولاً واستدامته.

ويتفرع كل مؤشر فرعي إلى أربعة أبعاد، ليصل المجموع إلى 12 بعداً و25 مؤشراً. فأبعاد منظومة التعلم هي مسارات التعلم المرنة، والإرشاد المركّز على المهارات، والانخراط في تعليم البالغين، وملاءمة التدريب. وأبعاد الاعتراف بالمواهب هي إبراز المهارات، والاعتراف بالتعلم السابق، وممارسات التوظيف القائمة على المهارات أولاً، ومكافأة المهارات. أما أبعاد البيئة التمكينية فهي اللغة المشتركة للمهارات، والمعلومات عن الطلب على المهارات والمعروض منها، والدعم العام لتنمية المهارات، وقدرة قطاع الأعمال على التكيف. وقد صُممت هذه المؤشرات مجتمعة لرصد دورة حياة المهارات كاملة، بدءاً من التنمية والتعلم المستمر، مروراً بالاعتراف والاستغلال، وانتهاءً بالشروط المنظومية التي تمكّن من ذلك كله. وهي لا تعكس الخيارات السياساتية فحسب، بل تعكس كذلك الأدوار التي تؤديها الجهات المعنية الرئيسة في منظومة المهارات، ومنها الحكومات وأصحاب العمل ومقدمو التعليم والتدريب والأفراد أنفسهم. وفي جميع مكونات المؤشر، ترتبط الدرجات الأعلى بجاهزية أقوى لمقاربات المهارات أولاً واعتماد أكثر تقدماً لها.

الإطار 1.2: بناء مؤشر الجاهزية لممارسات المهارات أولاً واعتمادها

يُبنى مؤشر الجاهزية لممارسات المهارات أولاً واعتمادها بتجميع 25 مؤشراً في 12 بعداً، تُدمج بعد ذلك في ثلاثة مؤشرات فرعية، ثم في مقياس مركّب واحد في نهاية المطاف. وتُطبق أوزان متساوية في كل مرحلة من مراحل التجميع؛ إذ تُجمع المؤشرات أولاً في أبعاد بأوزان متساوية، ثم تُجمع الأبعاد في مؤشرات فرعية بأوزان متساوية، وأخيراً تُدمج المؤشرات الفرعية الثلاثة في المؤشر العام بأوزان متساوية كذلك. ويعكس هذا الأسلوب في الترجيح غياب أسس تجريبية أو نظرية قوية لتفضيل أي مؤشر أو بعد أو مؤشر فرعي على غيره، كما يضمن الشفافية وقابلية التكرار. ولأن المؤشرات تُقاس بوحدات مختلفة، تُوحَّد جميع القيم قبل التجميع؛ فلكل مؤشر يُعاد قياس قيم الدول في نطاق يتراوح بين صفر وواحد باستخدام التوحيد القائم على القيمتين الدنيا والعليا وفقاً للتوزيع الملحوظ بين الدول. وتقابل القيمة صفر أدنى درجة مسجلة بين الدول التي تتوفر بياناتها، بينما تقابل القيمة واحد أعلى درجة.

وتنقص البيانات في عدد محدود من الدول بالنسبة إلى بعض المؤشرات. ومن شأن تقدير القيم المفقودة في مثل هذه الحالات أن يتطلب افتراضات قوية وأن يُدخل تشويشاً إحصائياً، ولا سيما حين تكون المتغيرات البديلة المترابطة غير متاحة أو مختلفة مفاهيمياً. وبدلاً من تطبيق أساليب التقدير التي قد تضخم الارتباطات بين المؤشرات على نحو مصطنع، يعتمد المؤشر مقاربة تحليل الحالات المكتملة على مستوى الأبعاد؛ فحين تتعذر البيانات الخاصة بمؤشر أو أكثر ضمن بعد ما، تُحتسب درجة ذلك البعد باستخدام المؤشرات المتوفرة بياناتها فقط. ويحافظ هذا الأسلوب على السلامة التجريبية للمؤشر، ويتفادى التحيز المحتمل الناجم عن تقديرات قائمة على نماذج تفتقر إلى مسوّغ نظري أو تجريبي كافٍ.

وتكشف نتائج المؤشر عن تباين بين الدول في مدى ترسخ ممارسات المهارات أولاً في منظومات التعليم وأسواق العمل والأطر المؤسسية. وتبرز عدة دول في الطليعة، ولا سيما أستراليا والسويد وفرنسا، التي تسجل أعلى الدرجات الإجمالية في المؤشر. وتجمع هذه الدول بين منظومات تعلم قوية نسبياً تركز على المهارات وآليات أكثر تقدماً للاعتراف بالمهارات وبيئات تمكينية داعمة. وفي الطرف الآخر من التوزيع، تسجل دول مثل المجر واليونان وكوريا درجات أدنى، مما يشير إلى أن مقاربات المهارات أولاً لا تزال في مرحلة مبكرة من التطوير والاعتماد فيها.

ورغم هذه الفوارق، تبقى الصورة العامة مشجعة. فالمؤشر يتراوح بحكم بنائه بين صفر وواحد، بينما يبلغ متوسط الدرجات بين الدول 0.58، مما يوحي بأن معظم دول المنظمة قد أرست بالفعل مجموعة معتبرة من الأسس لمقاربات المهارات أولاً. يضاف إلى ذلك أن الفجوة بين الدول صاحبة أعلى الدرجات وتلك صاحبة أدناها ضيقة نسبياً، إذ لا تتجاوز 0.26، وهو ما يدل على أن أي دولة لا تبدأ من الصفر، بل إن جميع الدول التي شملتها الدراسة تُظهر مجالات قوة نسبية، وإن توزعت هذه المجالات توزعاً مختلفاً بين المؤشرات الفرعية الثلاثة وأبعادها. وفي الوقت ذاته، تؤكد النتائج وجود مجال واسع لمزيد من التقدم؛ فلم تبلغ أي دولة الدرجة القصوى، مما يشير إلى أن أكثر المنظومات تقدماً لم تُفعّل بعد مبادئ المهارات أولاً تفعيلاً كاملاً في مجالات التعلم والاعتراف والبيئة التمكينية. ويعكس ذلك الطبيعة المنظومية والمستمرة بطبيعتها للانتقال نحو هذه المقاربات؛ إذ يتطلب المضي قدماً اهتماماً سياساتياً مستداماً وتنسيقاً متواصلاً بين الجهات المعنية وتكيفاً مستمراً مع تطور احتياجات المهارات.

وعلى الرغم من أن المؤشر العام يقدم ملخصاً مفيداً للتقدم المحرز، فإنه يحجب حتماً فوارق مهمة في مواطن القوة والضعف الكامنة لدى الدول؛ فقد تبلغ دول درجات إجمالية متقاربة عبر توليفات شديدة الاختلاف من الإعدادات السياساتية والترتيبات المؤسسية وممارسات الجهات المعنية. ولهذا من الضروري استكمال النتائج المركّبة بفحص أكثر تفصيلاً للمكونات المنفردة التي تتشكل منها مقاربات المهارات أولاً. ومن ثم يستكشف ما تبقى من التقرير السمات الجوهرية لهذه المقاربات بمزيد من العمق، مستعرضاً أمثلة من ممارسات جيدة عديدة في دول المنظمة. فيركز الفصل الثاني على البيئة التمكينية، مع اهتمام خاص ببناء لغة مشتركة للمهارات بوصفها أداة تأسيسية للمضي في هذه المقاربات. ويتناول الفصلان الثالث والرابع على التوالي منظومة التعلم القائمة على المهارات أولاً والاعتراف بالمواهب على أساس المهارات. ويناقش الفصل الخامس أخيراً العناصر المشتركة التي تربط التعلم بالاعتراف، كالإرشاد المهني وإبراز المهارات والاعتراف بالتعلم السابق، ويتأمل الطبيعة التشاركية المتعددة الأطراف التي تتسم بها هذه المقاربات بطبيعتها.

دراسة ذات صلة